مارفا كولنز: ثق بنفسك، فكر لنفسك، اعمل لنفسك، تكلم لنفسك، وكن نفسك. التقليد هو انتحار.



سعيد الكحل

تخليق الحياة العامة هي المدخل الرئيسي للتنمية الحقيقية

إمدادات هذا الكاتب  سعيد الكحل25 أكتوبر 2006

مما لا شك فيه أن مستويات الفساد وأشكال ممارسته وصلت حدودا لا تطاق وأدخلت المغرب في حالة من العبث جعل معظم المواطنين على قناعة جازمة بأن الشعارات التي ترفعها الدولة لن تجد طريقها السليم نحو التطبيق والأجرأة . ويزيد هذه القناعة رسوخا انحدار المغرب إلى الدرك الأسفل في كل ترتيب يخص التنمية البشرية أو محاربة الرشوة . كما يزيد المواطنين البسطاء يأسا الوقائع التي يحيونها أينما حلوا وتنقلوا بين إدارات الدولة ومصالحها . إن هذه الأوضاع هي حصيلة تراكمات امتدت على مدى عقود من الإفساد الممنهج همّت بالأساس الحياة السياسية في شقيها الحزبي والانتخابي . ذلك أن تفريخ الأحزاب وصناعتها على المقاس المطلوب ، من جهة ، وشق الأخرى وقمعها ، من جهة أخرى ، لم يكن ليسمح بتوفير الشروط الصحية اللازمة لبناء إدارة شفافة تكون هي في خدمة المواطن وليس هو في خدمتها . كما أن إفساد الاستشارات الشعبية لم يخلق سوى فئات من الانتهازيين والسماسرة والنخاسين اجتاحوا المواقع ، على اختلاف درجاتها من المحلي ـ قروي وحضري ـ إلى الوطني ، وهيمنوا على منافذ القرار وسلالمه ودرجاته . هذه الوضعية التي توحي بالسِّيبة وتشجع على خرق القانون ، جعلت من المواقع الإدارية والانتخابية مصدر الثراء الفاحش واستغلال النفوذ . وغدا واضحا للبسطاء من المواطنين وخاصتهم أن مجال الانتخابات لا يعدو كونه “سوق الدلالة” تعرض فيه كرامة المواطنين ومصلحة الوطن للمزاد . وكانت هذه الممارسات تتم ، في زمن بمباركة الإدارة ، ومن بعده بحيادها الذي عرف في أدبياتنا السياسية ” بالحياد السلبي” . لقد استشرت ظاهرة الفساد هذه حتى غدت الانتخابات فرصا للاستثمار والفوز فيها مجالا للنهب والاغتناء . فسادت بالتالي القاعدة الاقتصادية : ” العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة” ، فلم نعد نصادف ترشيحات نزيهة وضمائر حرة إلا في النادر ندرة الكبريت الأحمر . وزاد من تهافت الانتهازيين والنخاسين عدم تحريك مساطر التحقيق والمتابعة أو عدم تنفيذ الأحكام على قلتها وخفتها في حق المسئولين عن سوء التسيير أو نهب المال العام . إن وضعية اللاعقاب هذه أصمت آذان الأحزاب ومرشحيها في الانتخابات التشريعية الجزئية ليوم 8 شتنبر الأخير ، وجعلتهم لا يكترثون بالتنبيهات والتحذيرات التي أصدرتها الإدارة/الحكومة ، بل لا يولون أدنى اهتمام للحرص الملكي على أن تكون انتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين قطيعة مع الممارسات السابقة ومقدمة لانتخابات سليمة وشفافة سنة 2007 . لقد كشفت انتخابات 8 شتنبر عن فظاعة الجرائم الانتخابية التي ترتكبها الأحزاب المشاركة على اختلاف أطيافها . وما رصدته النيابة العام من خروقات وما قُدمت بشأنه الطعون ليس سوى النزر اليسير الظاهر من جبل الجليد الذي تمتد قاعدته داخل الأحزاب بالدرجة الأولى . إذ لم يعد من همّ يشغل الأحزاب سوى المواقع والمقاعد ولا يهمّ أبدا طرق الحصول عليها ولا الكفاءات الواجب تقديمها للمساهمة الفاعلة والفعالة في إدارة الشأن العام . وكان حريا بالأحزاب أن تنطلق من محاسبة الذات وتقييم تجاربها في التسيير المحلي ، وترسي أسس ديمقراطية حقيقية داخل هيئاتها ، بحيث لا تسند المسئوليات ولا التزكيات إلا لمن هم أهل لها تكوينا وكفاءة وفاعلية فضلا عن الالتزام الأدبي والأخلاقي . وأن تقبل الأحزاب بين أعضائها فاسدون ومرتشون ، أو أن تبارك الإخلال بالمسئولية والأمانة من أعضائها ، فتلك أولى المعوقات وأخطرها في وجه الانتقال الديمقراطي والتنمية المنشودة . إذ لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين حقيقيين . فالتاريخ يثبت أن الأنظمة غير الديمقراطية لن تستطيع الصمود طويلا أمام نضالات الشعوب التي تنشد الحرية والديمقراطية . فبقدر وعي الشعوب وحماستها تتكرس الممارسة الديمقراطية ويتسع مجالها . إلا أن حالة المغرب تكاد تكون استثنائية وتشذّّ عن سياق التاريخ وسننه . إذ في الوقت الذي يكون من المفروض في الأحزاب أن تطالب الدولة بإصلاح هياكلها وتطوير أدائها وفتح المجال أمام جميع مكوناتها للمنافسة الشريفة ، صرنا أمام وضعية نقيض تكون فيها الدولة هي من يطالب الأحزاب بالإصلاح الداخلي واعتماد الآليات الديمقراطية في إدارة الشأن الحزبي . إنه مكر السياسية وبؤس الحياة الحزبية التي أصبحت عالة على الدولة ، تتغذي على مشاريعها وتنشط بتوجيهاتها . لقد كان الخطاب الملكي في افتتاح البرلمان يوم الجمعة 13/10/2006 دالا في تشريح وضعية الترهل التي انتهت إليها الممارسة الحزبية والتحذير من آفة الارتزاق والانتهازية التي أصابت الأحزاب في برامجها كما في ممارسات مرشحيها . وحسب الأحزاب ، وهي لم تتخلص بعد من فضائح مرشحيها ، أن يطالبها ملك البلاد بتخليق حياتها الحزبية لعلها تدرك حجم مسئوليتها الوطنية والتاريخية في قول جلالته ( فإننا ندعو الهيئات السياسية ، وهي تخوض غمار الانتخابات التشريعية القادمة ، باحترام الناخب ومخاطبته بلغة الوضوح والحقيقة وأن تختار من هم أجدر بتحمل أمانة الانتداب النيابي باعتبار البرلمان القلب النابض للديمقراطية وأرفع تعبير عن الإرادة الشعبية . كما سيكون عليها أن تتصدى في برامجها للقضايا الكبرى للبلاد وأن تقترح لها أفكارا جديدة وآليات قابلة للتنفيذ .فالانتخابات فرصة للتباري بين البرامج والمشاريع أكثر منها تنافسا على المقاعد والمواقع . وهو ما يتطلب قيام تحالفات كفيلة بإفراز أغلبية منسجمة ومعارضة بناءة ضمن مشهد سياسي معقلن وسليم . .. وإننا لندعو مختلف الفاعلين المعنيين بالعملية الانتخابية إلى المساهمة بفعالية في جهود تخليقها والسمو بها عن المزايدات العقيمة وعن الاستعمال اللامشروع للمال والنفوذ ، مع الترفع عن الحسابات الشخصية والحزبية وجعل مصلحة الوطن والمواطنين هي العليا ) . فهل ستكون الأحزاب في الموعد ؟ الأكيد أن ما لا يصلحه اللسان يقومه السلطان .




التعليقات 3 على “تخليق الحياة العامة هي المدخل الرئيسي للتنمية الحقيقية”

  1. زكرياء الضراوي علق:

    أخي سعيد ..معك كل الحق..ولنا في شوقي مرجعا لذلك
    إنما الأمم الاخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

  2. الهيموت علق:

    الاخ سعيد

    تحية عالية

    انه ليس من التشاؤم القول ماجدوى هدا التشخيص للمشهد السياسي الدي هو

    عبارة عن مجموعة من المسكوكات و المحفوظات التي يكاد يحفظها المتتبع عن ظهر قلب.

    أي نعم لقد تحولت الاحزاب الى وكالات انتخابية لتبادل المغانم و المصالح.

    أي نعم لمادا تخلفت الاحزاب و تقدم النظام السياسي في تسويق شعارات الحداثة و التنمية و الديمقراطية؟

    أولا ينبغي التمييز بين الاحزاب الحكومية وبين أحزاب غير حكومية

    فالاحزاب الحكومية بعضها خلقت بايعاز الادارة وهي التي أطلق عليها

    الاحزاب الادارية ضمانا لتوازنات لعبة سياسية متحكم فيهامن طرف

    المخزن : الفديك الحركة الشعبية التجمع الوطني للاحرار……

    البعض الثاني وهي المعارضة اليسارية البرلمانية والتي دخلت الحكومة

    ماسمي بالتناوب : الاتحاد الاشتراكي حزب التقدم و الاشتراكية حزب

    الاستقلال…

    ان التحول الدي حصل عموديا و افقيا في بنى المشهد السياسي لهده

    الاحزاب ادارية و معظم أحزاب الكتلة.

    -جعل منها مجرد كتل انتخابية برنامجها السياسي هو التطاحن للحصول

    على المقاعد و المواقع.

    - قاسمها المشترك هو التنفيد للبرامج الملكية و الاشادة بها.

    -تحول النافدين في هده الاحزاب الى موظفين حكوميين وليسوا منفدين لبرنامج سياسي حزبي.

    -انفتاح هده الاحزاب على الاعيان و اباطرة المخدرات و رموز الفساد المالي و الاداري و الانتخابي.

    -تنقية هده الاحزاب و خاصة الكتلوية من المناضلين الفقراء

    -تحول هده الاحزاب الى أجهزة ادارية بلغة “مهدي عامل”

    ما هو الفرق ادن بينهما؟

    الاحزاب السياسية هيئات لتأطير فئات أو طبقات اجتماعية تنتمي اليها

    طبقيا وبرنامجيا عبر مشروع مجتمعي تناضل من أجل تحقيقه اما

    بالوسائل السياسية أوالجماهيرية أو الثورية أي أنها تنفتح على أفق مجتمعي

    مغاير.

    أما الاجهزة الادارية و هدا حال هده الاحزاب ليس لها أفق مجتمعي مغاير

    و لا تسمح بضخ دماء جديدة في جسمها المترهل و العجوز لدلك تتناسل و

    تنشق عنها الكثير من التيارات .

    و قصة المنهجية الديمقراطية و أرض الله الواسعة … ليدلان على دغمائية

    هده الاحزاب و تحولها الى امتدادات مخزنية تستقطب أصحاب الشكارة و

    سماسرة الانتخابات…

    أما اليسار الجدري لازال يجتر أمراض الماضي من حلقية و زعاماتية و

    تخوينات متبادلة.

    ان مستوى العزوف عن الاحزاب السياسية الدي وصله الشعب المغربي

    ليس سلبيا بالمطلق بل في جانب منه هو نضج ووعي بانغلاق و محدودية

    اللعبة السياسية حيث أصبحت هده الاحزاب أو الاجهزة تتشكل من الاسياد

    و العبيد أو من الشيخ و المريدين وتقدم الخدمات لزبنائها الخانعين.

    انها اوتوقراطيات صغيرة يسود فيها “الزعماء” و يحكمون.

    مع تقديري الكامل.

  3. سعيد الكحل علق:

    الأخوين العزيزين زكرياء الضراوي والهيموت أهنئكما بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك وأشد على يديكما . إن واقع كل مجتمع لا يمكن أن يشهد أي تغيير إلا إذا توفرت الإرادة الحقيقة لدى القوى الفاعلة لإخضاع نفسها وتجاربها للنقد البناء . دون ذلك لن يأتي التغيير إلا هجينا ومشوها . مع مودتي .

أضف تعليقاً


متابعة التعليقات دون ترك تعليق


Rss Feed Tweeter button Facebook button Technorati button Reddit button Myspace button Linkedin button Webonews button Delicious button Digg button Flickr button Stumbleupon button Newsvine button Youtube button

Switch to our mobile site