نظريات القراءة أوالتلقي

نظريات القراءة والتلقي

الدكتور جميل حمداوي
jamilhamdaoui@yahoo.fr
باحث من المغرب
توطئــــــة:

مر النقد الأدبي في الغرب عبر عدة مراحل كبرى، ويمكن حصرها في:مرحلة الذوق مع الانطباعيين كجول لوميتر، وأناتول فرانس، وأندريه جيد، ومرحلة التأريخ الأدبي مع جوستاف لانصون …، ومرحلة النفس مع مجموعة من النقاد النفسانيين كفرويد، وشارل مورون، وجاك لاكان، ومارت روبير…، ومرحلة المرجع الواقعي مع الواقعية الاشتراكية (جورج لوكاش، وبليخانوف…)، والبنيوية التكوينية مع لوسيان كولدمان، وجاك لينهاردت، وروني جيرار…، ومرحلة النص مع البنيوية اللسانية والسردية والسيميائيات مع فلاديمير بروب، وتودوروف، ورولان بارت، وكلود بريمون، وأمبرطو إيكو، وغريماس، وجوزيف كورتيس..، ومرحلة الأسلوب مع مجموعة من الأسلوبيين، مثل: ميخائيل باختين، وفينوغرادوف، وغريفتسوف، وإيف تادييه، وبيير غيرو…، ومرحلة الموضوعة أو التيمة مع غاستون باشلار، وجان ستاروبنسكي، وبيير ريشار… ومرحلة مابعد الحداثة التي ركزت على مجموعة من المفاهيم والقضايا ، مثل: التأويل، والتفكيك، والتاريخ، والبيئة، والمصادر ، والجنوسة، والجنس، والاستشراق ، والجمالية، والقراءة…وما يهمنا في هذا الصدد، نظريات القراءة التي تبلورت مع مجموعة من الأسماء، كولفغانغ آيزر(Izer)، وهانز روبير يوس(Jauss)، وأمبرطو إيكو(U.Eco) ، ورولان بارت (R.Barthes) ، وميشيل شارل (M.Charles) ، وتزتيفان تودوروف (Todorov) ، ورايمون ماهيو (Raymond Mahieu) ، وفرناند هالين (F.Hallyn) ، وستانلي فيش(Stanly Fish)، وميشال أوتن (Otten) ، وروبرت إسكاربيت(R.Escarpit)…
إذاً، ماهي أهم نظريات القراءة؟ وماهو سياقها الثقافي والنقدي؟ وماهي مرتكزاتها النظرية والتطبيقية؟ وهل استطاع النقد العربي تمثلها واستيعابها نظريا وتطبيقيا؟ وإلى أي مدى يمكن لنظريات القراءة أن تحل جميع مشاكل النص الأدبي إن تفكيكا وتركيبا ، وإن فهما وتفسيرا؟ هذه هي مجمل الإشكاليات التي سنسلط عليها الأضواء في دراستنا هاته.

1- سياق الاهتمام بنظريات القراءة:

لم يظهر الاهتمام بالقارىء أو المتلقي إلا بعد مرحلة البنيوية والسيميائيات التي ركزت كثيرا على النص بشكل من الأشكال، وأقصت بشكل كلي مفهوم المؤلف والمرجع والسياق والإحالة. وكان التركيز على النص باعتباره مجموعة من البنيات الداخلية المغلقة، وعالما من العلامات اللغوية والأيقونات البصرية. بيد أن النص في منظور السيميائيات أخذ حيزا كبيرا من الاهتمام، وذلك على حساب القارىء الذي اهتم به رولان بارت، وتودوروف، وأمبرطو إيكو بشكل من الأشكال. ومن ثم، فقد جاءت نظريات القراءة في مرحلة مابعد الحداثة(1960-1980م) لتعيد الاعتبار للمتلقي، بعد أن تسيد المؤلف زمنا طويلا مع علماء النفس ومؤرخي الأدب وكتاب السير الذاتية، واستأسد النص ، بعد ذلك ، مع البنيويين والسيميائيين لمدة لابأس بها.
وعليه، فلم يبرز دور القارىء إلا مع نظريات مابعد الحداثة (Postmodernisme) ، وتطور النظريات الحديثة كالتأويلية، والفينومينولوجيا، والتداوليات، والنقد الثقافي، والنقد النسائي، والتاريخية الجديدة… ومن ثم،” برز دور القارىء كعنصر فعال في تناول النص وعملية التحليل والتأويل والإدراك والسرد والقص. ولعل مايزيد في صعوبة تحديد هذه المدرسة هو إفادة ممارسي هذا النوع من النشاط النقدي من الطروحات الحديثة سواء اللغوية منها أو النفسية أو الحفرية أو البنيوية أو التقويض أو مكتشفات النقد النسائي. ولما لم يكن لهم مدرسة توحد غايتهم أو تحدد منهجيتهم، فإن كل من اهتم بالقارىء أو القراءة هو منتسب وإن لم ينتسب إلى هذا التوجه: سواء كان هو رولان بارت أو كان هارولد بلوم. والأسماء التي ترتبط بهذا النوع من النقد هي في الأصل الأسماء الألمانية، خاصة التي قامت على مقولات التاقد الهولندي رومان إنغاردن، أمثال: فولفغانغ آيزر وهنز روبرت يوس. أما على الجانب الأمريكي، فهناك نورمان هولاند وجيرالد برنس، وغيرهم كثير.”
بيد أن الاهتمام بالقارىء كان قبل فترة ما بعد الحداثة بكثير، فقد ظهر نوع من العناية بالمتلقي حتى مع البنيويين والسيميائيين أنفسهم، وكذلك مع الشعراء والكتاب والمثقفين. وإذا كانت البنيوية اللسانية قد أغفلت المؤلف والطبقة الاجتماعية والتاريخ، وكل مايمت بصلة إلى المرجع ، فإن البنيويين الجدد،مثل: تزتيفان تودوروف ، وجاك دريدا، وجوليا كرستيفا ، ورولان بارت، وأمبرطو إيكو، وميكائيل ريفاتير… قد أولوا أهمية بالغة للقارئ؛ لما له من دور هام في فهم النص وتفسيره وتأويله. ومن الإشارات الأولى إلى دور القراء ما نجده في النقد الأدبي الإنجليزي على عهد إدغار ألان بو(Edgar Allen Poe) ، وما كتبه شارل بودلير(CH.Baudlaire)، والشاعر الرمزي فاليري (Valery) الذي قال:”لأشعاري المعنى الذي تحمله عليه”.
ومهما يكن من أمر:” فإن الاهتمام بالقارىء جاء كرد فعل على إهمال السياق الخارجي ، وصب الاهتمام على النص ذاته(مقولة النقد الجديد)، فجاء نقد التلقي أو الاستقبال ليقلب المقولة تماما، ويركز على سياقات النص المتعددة التي تفضي إلى إنتاجه واستقباله أو تلقيه. من هنا، كان استقبال النص يستتبع الاهتمام بالقارىء، وبعملية القراءة، وتحديد معنى النص وتأويله. ولئن كانت مثل هذه العناصر جزءا من العملية النقدية عموما، فإن أهمية القارىء أو هويته لم تكن إشكالية في السابق. فالأسئلة التي تعنى بمن هو القارىء؟ وكيف يستقبل النص ويتلقاه؟ لم تكن مطروحة. وقد يستغرب المرء النتائج التي يمكن الوصول إليها عندما يكون القارىء أو هويته هي محور العملية النقدية.”
هذا، وقد صنفت نظريات القراءة جنس القراء إلى عدة أصناف، حيث يمكن الحديث عن: القارىء النموذج عند أمبرطو إيكو، والقارىء الجامع عند ميكائيل ريفاتير، والقارىء الخبير عند فيش، والقارىء المرتقب عند وولف (Wolf)، والقارىء القصدي عند إيفيس شفيل(Yves Chevel)، والقارىء المثالي عند آيزر، والقارىء الخيالي عند آيز أيضا، والقارىء الضمني عند آيزر كذلك، والقارىء الملتزم، والقارىء المستهدف، والقارىء المورط، والقارىء المسقط، والقارىء التاريخي،…
هذا، وقد تحدثت نظريات القراءة عن الخبرة الافتراضية عند المتلقي، فاشترطت فيه مجموعة من الخبرات: كأن يمتلك الخبرة العادية، والخبرة اللسانية، والخبرة المعجمية، والخبرة الإيديولوجية، والخبرة التواصلية، والخبرة المنطقية، والخبرة المعرفية، والخبرة الأخلاقية، والخبرة التاريخية، والخبرة الثقافية، والخبرة النفسية، والخبرة الافتراضية…
كما حددت مجموعة من الآليات التي تعتمد عليها نظريات القراءة، كالمسافة الجمالية، وأفق انتظار القارىء، وملء الفراغات، والخطة الإستراتيجية، والقطب الفني والجمالي، والقطب الدلالي،والتناص، والسياق، والوقع الجمالي، والتأويل،والاتصال الأدبي،والمعنى، والنص المغلق، والنص المفتوح، والصورة الذهنية، وفجوات النص، والتفاعل، والروابط والاستنتاجات، والمعرفة الخلفية، والإطار المرجعي،والأعراف والتقاليد والقواعد، والتجربة المألوفة،والاستجابة، ولذة النص،وإشباع الرغبة، ومتعة القراءة، والهوية الذاتية… ومن ثم، فقد كانت نظريات القراءة تتبع منهجية قائمة على الإدراك التوقعي والافتراض المسبق، والفهم الداخلي للنص، والتأويل السياقي والذاتي.

2- نظريات القراءة:

ليست هناك نظرية واحدة تعنى بالقراءة، بل هناك قراءات متعددة ومختلفة ومتباينة، فكل قراءة تحلل النص الأدبي في ضوء منهج معين، ويمكن تحديد بعض هذه القراءات التي يمكن حصرها في: القراءة الفينومينولوجية، والقراءة النفسية، والقراءة التأويلية، والقراءة الشعرية، والقراءة السوسيولوجية، والقراءة السوسيونقدية، وبلاغة القراءة، والقراءة السيميائية، وجمالية التلقي والتقبل، والقراءة التواصلية…

¿ القـــراءة السيكولوجية:

تقوم القراءة النفسية أو السيكولوجية بقراءة النص الأدبي في ضوء المقاربة النفسية، من خلال رصد اللاشعور النصي واللاوعي الأدبي داخل النصوص الأدبية إن فهما وإن تفسيرا. ويعلم الكل بأن القراءة النفسية بدأت مع سيغموند فرويد(S.FREUD) الذي اكتشف منطقة اللاشعور، وربط هذه المنطقة بالأنا والأنا الأعلى، واستكشف مجموعة من العقد كعقدة أوديب، وعقدة إلكترا، وعقدة النقص. كما تحدث عن مجموعة من المفاهيم النفسية كالتعويض، والكبت، والتسامي، وزلات اللسان… وتبعه تلامذته في ذلك، فقد ركز يونغ (YOUNG)على اللاشعور الجمعي، واهتم أدلر(ADLER) بنظرية النقص. كما درس شارل بودوان(Ch.BAUDOUIN) العقد النفسية في مجال الإبداع الفني، واهتمت مارت روبير(MARTHE ROBERT) بنشأة الرواية من خلال التركيز على عقدة أوديب.
ولا ننسى القراءات التي قام بها كل من بارليت، وميشيل مورون، وجاك لاكان، وجان بيلمان نويل(Jean Bellemin-Noël) الذي اهتم بالقراءة النفسية واللاشعور النصي ، ودراسة النص في مرحلة ما قبل الطبع . بيد أن القراءة النفسية تركز كثيرا على الجوانب النفسية الشعورية واللاشعورية، وتهمل الجوانب النصية والجمالية والاجتماعية والتاريخية.؛ مما سيدفع القراءات اللاحقة إلى تجاوزها، والبحث عن بدائل منهجية أخرى.

 القـــراءة التأويلية:

من المعروف أن التأويل هو شرح وفهم وتفسير، والبحث عن المعاني التي يزخر بها النص أو الخطاب، وذلك في علاقته بالمبدع أو في صلته بالسياق والمرجع والإحالة والمقصدية. ومن ثم، فقد ابتدأ التأويل مع تحليلات فرويد النفسية؛ لأن مايقوم به هذا المحلل النفسي هو مجرد تفسيرات وتأويلات شعورية ولاشعورية.كما أن الظاهراتية والفينومينولوجية عبارة عن مقاربة تأويلية ليس إلا.
وإذا كان هوسرل قد شغل قراءته التأويلية في فهم النصوص الدينية وتفسيرها، فإن هانز جورج غادامير قد طبقها في تفسير النصوص الأدبية وتأويلها. وهكذا، يحاول غادامير في كتابه:” الحقيقة والطريقة” (1975م) أن :” يبرهن أنه مهما كانت نوايا المؤلف، فإن معنى العمل الأدبي لاينضب أبدا إذا أخذنا هذه النوايا بعين الاعتبار. فالعمل الأدبي ليس جامدا، بل يمر عبر سياقات تاريخية وثقافية مختلفة. وتمكن هذه الحقيقة وجود معان جديدة ومختلفة يتم تصورها في العمل، والتي لايمكن أن يكون قد تصورها المؤلف أو الجمهور المعاصر. ليس ثمة إمكانية معرفة أي نص في سياق أدبي نقي أو كما هو تماما، إذ يتوقف ما ينقله العمل لنا على طبيعة الأسئلة التي نطرحها على هذا النص، وعلى قدرتنا أيضا على فهم السياق التاريخي الذي تم فيه كتابة العمل وتصوره. فيمكننا أن ندخل في العالم الغريب لأعمال الأدب الماضية ، ولكننا دائما ندمج هذا العالم الغريب في عالمنا الخاص.”
ويرى غادامير أن تأويل النصوص والأعمال الأدبية يتم عبر التحيز واستكشاف العادات والتقاليد التي تشترك فيها جميع مؤلفات الأدب. كما ينبغي الاعتماد أيضا في القراءة التأويلية على الأعمال الكلاسيكية، ومراعاة الكاتب والعمل والسياق التاريخي، ويسمى هذا بدائرة التأويل.
ويمكن أن نستحضر ضمن القراءة التأويلية الناقد الأمريكي ي. د.هيرش جونيور الذي تأثر كثيرا بفلسفة هوسرل الظاهراتية. فقد انتقد كثيرا ماذهب إليه هايدغر وغادامير، وإن كان يشترك مع غادامير في بعض النقط الجوهرية ليس إلا. ويحاول هيرش في كتابه:” الصدق في التفسير” (1967م) أن يبرهن بدوره بأن ثمة:”تفسيرات صحيحة ومختلفة للنص ، ولكنها كلها يجب أن تكون متوافقة مع المعنى المقصود من قبل المؤلف. كما يتفق هيرش مع غادامير أن العمل يمكن أن يعني أشياء مختلفة لأناس مختلفين في أوقات مختلفة، ولكنه يميز بين المعنى والأهمية. وتبقى المعاني غير متغيرة، ولكن أهمية العمل يمكن أن تتغير عندما يتغير السياق التاريخي.”
بيد أن السؤال الأساس والجوهري هو: كيف نعرف نوايا الكاتب؟ وكيق يمكن الأخذ بأن المعاني لاتتغير ، ولكن الذي يتغير هو أهمية العمل مع مرور الوقت. لكن الواقع يبين لنا بأن المعاني تتغير بدورها من ناقد إلى آخر. وفي هذا الصدد، يقول دافيد كارتر في كتابه:” النظرية الأدبية”:” لايقدم هيرش الافتراض أن يمكننا دائما معرفة نوايا المؤلف. إذ يمكن أن تكون الآن غير قابلة للاكتشاف، ولكن هذا لايغير موقفه الفلسفي الأساسي: أن المعنى الأدبي بطريقة ما مطلق، ويقاوم التغيير. وإن عمل النقاد هو إعادة بناء النوع الأدبي الجوهري للنص. ويقصد هيرش بذلك الأعراف الجمالية العامة، ونظرة العالم التي تقرر معاني المؤلف المقصودة.
إن مشكلة نهج هيرش هو أنه يفترض أن المعنى يمكن أن يوجد بصرف النظر عن اللغة التي يعبر من خلالها. وثمة مشكلة أخرى هي أنه، في أغلب الأحيان، وبشكل افتراضي من المستحيل إيجاد فوارق واضحة جدا بين مايعنيه النص لمؤلفه وقت إنشائه، وما يعنيه للناقد الحديث، فالخط الفاصل بينهما لايمكن رسمه ببساطة.”
وهكذا، فالتأويلية الهيرمينوطيقية مع هيرش لاتطرح منهجية معينة، ولاطريقة محددة في القراءة، لأن القراءة لها علاقة بموهبة الفرد وتجربته الشخصية وثقافته:” غير أنه إذا كانت القراءة ترتبط بالحدس، وإذا كان هذا الأخير وظيفة لعوامل فردية، فإنه يوجد في هذه الحالة معيار لتصديق القراءات. وفي المقام الأول، فكل قراءة يجب أن يكون لها انسجامها الداخلي الذي يقوم بإعطاء صورة عن انسجام العمل الأدبي. لكن هناك أيضا انسجام خارجي، فالقراءة لايمكنها أن تتعارض مع بعض المعطيات الموضوعية (التاريخية، واللغوية، إلخ…) التي تتعلق بالعمل الأدبي. وتبعا لذلك، فإن قراءات مختلفة يمكن أن تكون متعارضة ، ذلك لأن أي تأويل ما لايجب أن يكون احتماليا فحسب، بل وأكثر احتمالا من تأويل آخر، وهناك معايير للتفوق النسبي…”
هذا، وتستند القراءة التأويلية عند بول ريكور إلى الدائرة التأويلية التي تتكون من مرحلة ماقبل الفهم، ومرحلة الفهم، ومرحلة التأويل التي تستحضر الذات والإحالة والسياق. وهكذا، تكون القراءة الـتأويلية مرتبطة أشد الارتباط بخاصية التأويل الذاتي والسياقي.

 القــــراءة التفكيكية:

ترتبط القراءة التفكيكية بالفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا ، و هذه القراءة هي منهجية وليست منهجية، وهي قراءة وليست قراءة. بمعنى أن قراءته تقع بين بين، بين الداخل والخارج، بين البنية والسياق. ومن ثم، فهي تعتمد على الاختلاف، والتقويض، والتفكيك، والتشتيت، والتأجيل. وقد استهدفت التفكيكية بالنقد والتقويض المقولات المركزية الغربية، وتحطيم اللوغوس، والطعن في الميتافيزيقا الغربية التي تعتمد على العقل والحضور، كما انتقدت الدال الصوتي الذي يحيل على المؤسسات المهيمنة، واستبدلته بالدال الكتابي الذي يترك وراءه آثار الكتابة وبصماته الخالدة. ودافع جاك ديريدا عن الغياب في مقابل الحضور المؤسساتي، ولم يعترف بالأجناس الأدبية، بل تعامل مع الأعمال والكتب والآثار بشكل كلي. ومن ثم، فالقراءة التفكيكية تقوم على تغييب الانسجام، وتقويض النظام، وتشتيت العضوية الكلية، والبحث عن المتضاد والمتناقض والمختلف والمتنوع ، وذلك في إطار ثقافة متعددة ومتنوعة ومختلفة تمحى فيها الأصول والهويات والأعراق. وإذا كانت القراءة التفكيكية منهجية فلسفية، فإن التفكيكيين الأمريكان كبول دومان(Paul De man)، وهيليس ميلر(Hillis Miller)، وهارولد بلوم (Harold Bloom)، وجوفري هارتمان (Geoffrey Hartmann)، قد حولوها إلى قراءة أدبية وسيميولوجية وبلاغية ضمن ما يسمى بمدرسة ييل(Yale).

¿سوسيولوجية القراءة:

يقصد بسوسيولوجية القراءة البحث في الشروط المادية والنفسية والمؤسسية لمباشرة القراءة، عبر التركيز على الإنتاج، والتوزيع، والاستهلاك . بمعنى أن القراءة السوسيولوجية هي قراءة تجريبية تدرس ثلاثة مكونات مهمة في عملية الإبداع، وهي: الإنتاج، والتوزيع، والاستهلاك. ويمثل هذه السوسيولوجية روبير إسكاربيت(Robert Escarpit)، الذي يتتبع سير الكتاب والمبدعين، ويرصد أصولهم الاجتماعية والمهنية والأسرية. كما يناقش هذا الدارس الاعتبارات المادية ومشكل التمويل في ارتباطها بالكتابة والنشر والتوزيع. وقد بين الدارس بأن باريس هي أكبر مدينة استوعبت مجموعة كبيرة من المبدعين والكتاب والمثقفين، ويرى أيضا بأن الكاتب يعيش عن طريق التمويل الذاتي عبر استفادته من حقوق الطبع والنشر، ومن تمويل خارجي يتمثل في الجوائز ومؤسسات رعاية الآداب. أما على مستوى النشر، فهناك عمليات ثلاث: عملية اختيار الكتاب من قبل لجن القراءة، وعملية الطبع التي ترتكن إلى مجموعة من التقنيات الجمالية والاصطناعية التي تسمح بتسويق الكتاب، وعملية التوزيع التي ترافقها عمليات الإشهار والإعلان. أما الاستهلاك فيتربط بالجمهور، فهناك الجمهورالمثقف في مقابل الجمهور الشعبي العادي.
ويرى روبير إسكاربيت أن الكاتب:” إنما يكتب لقارئ أو لجمهور من القراء، فهو عندما يضع أثره الأدبي، يدخل به في حوار مع القارئ. وللكاتب من هذا الحوار نوايا مبيتة يريد إدراكها، فهو يرمي إلى الإقناع أو إلى المد بالأخبار أو الإثارة أو التشكيك أو زرع الأمل أواليأس. ومما يبرهن على أن الكاتب يرمي بالإنشاء الأدبي إلى ربط الصلة بالقارئ أنه يعمد إلى نشر أعماله. ومن هنا، رأى إسكاربيت أن حياة الأعمال الأدبية تبدأ من اللحظة التي تنشر فيها، إذ هي، في ذلك الحين تقطع صلتها بكاتبها لتبدأ رحلتها مع القراء”.
علاوة على ذلك، فقد قدم جاك لينهاردت وبيير جوزا بحثا تجريبيا في موضوع القراءة في ضوء سوسيولوجية الأدب والقراءة التجريبية الميدانية . ومن هنا، فسوسيولوجية الأدب هي قراءة تجريبية للمنتوج الأدبي أقرب إلى المنظور الاقتصادي والتجاري والإحصائي منه إلى المنظور النصي والجمالي.

¿ فينومينولوجية القــــراءة:

من أهم نظريات القراءة في الحقل الثقافي الغربي، نذكر: القراءة الفينومنولوجية أو القراءة الظاهراتية مع هايدجر، وهوسرل، وجادامير…، التي ترى بأن القارىء عبارة عن ذات واعية تتفاعل مع النص ، وتمنحه وجوده . بمعنى أن الظاهراتية تعقد اتصالا إدراكيا وتفاعليا بين الذات والموضوع، فلاذات بلاموضوع، ولاموضوع بلاذات. ومن ثم، ” فقد ارتبطت الهرمينوطيقا بعد فيلهام ديلتي بالظاهراتية عن طريق هايدجر. فاتخذت طابعا وجوديا، وكشفت عن الوجود نفسه للذات التي تؤول. وبالطبع، فقد غاب التطور الفلسفي الخاص لإشكالية الهرمينوطيقا عن محاولة التطوير هذه.”
هذا، وتعتمد الظاهراتية على الفهم والتفسير والتأويل والقصدية . ومن ثم، فقد ذهب رومان إنجاردن (Roman Ingarden) إلى أن الإنتاجات الفنية هي موضوعات قصدية لاتتحقق إلا بعد تلقيها وقراءتها. ومن هنا، فالأعمال الفنية والجمالية هي أعمال مفتوحة دلاليا، وبنيات غير مكتملة، تستوجب من القارىء إتمامها، وملء فجواتها وثغراتها وبياضها حسب أفق توقعاته :” فهذه “اللاتحديدات” تحتاج إلى من يزيلها بملء فراغات النص وبياضه، وهذا هو الدور الذي يضطلع به القارىء، والذي ينتج منه تحقيق الموضوع الجمالي للنتاج. فانطلاقا من البنية الخطاطية للنص، تنقلنا القراءة إلى الموضوع الجمالي بصفته تحققا فعليا لهذا النص، وذلك بفضل ما يقوم به القارىء من تحديدات استكمالية، ومن تحيين للإمكانيات، وملء للفراغات.
غير أنه ليس هناك تحقق مثالي للنص الأدبي والنتاج الفني بشكل عام، ولا تحققان متماثلان له حتى وإن كانا لنفس القارىء، لأن ذلك مرتهن بالخبرات الشخصية والأمزجة والرصيد المعرفي والمتغيرات الزمنية والمكانية وغير ذلك. ”
أما هانس جورج غادامير، فقد رأى بأن القراءة تعتمد على الفهم الذي يقوم بإسقاط مفاهيم سياقية تاريخية وأحكام مسبقة على النص، لتأتي مرحلة التأويل التي تواجه تلك الأحكام المسبقة بمعطيات النص، أما في مرحلة التطبيق، فيتم التقابل بين قراءات تأويلية مختلفة . وما يذكر من حسنات لغادامير أنه بلور مفهوم ” أفق انتظار القارىء”، الذي سيوظفه يوس توظيفا إيجابيا في نظريته الجمالية في مجال القراءة والتقبل.
كما نجد هذا التصور الظاهراتي عند الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر، حينما تحدث عن مفهومه في كتابه:( ما الأدب؟). ففيه يقدم إجابة كاملة عن القراءة، وماهية الكتابة، ووظيفتها من خلال تفاعل الذات مع الموضوع. إن الأدب في نظر سارتر:” ليس شيئا في ذاته، وإنما هو كيان معطل يتحقق وجوده بفعل القراءة. فالعمل الأدبي خذروف غريب لاوجود له إلا بالحركة. ولابد، لإبرازه إلى الوجود، من فعل عيني يدعى القراءة، ووجود هذا الخذروف لايدوم إلا بمقدار ماتدوم هذه القراءة، أما خارجا عن ذلك، فلاوجود إلا لخطوط سوداء على الورق.
عند القراءة نتوقع وننتظر؛ نتوقع نهاية الجملة الأولى والثانية والصفحة الموالية. وننتظر أن نتأكد هذه التوقعات أو تدحض؛ لذلك فإن القراءة تتكون من مجموعة من الفرضيات، من أحلام تتبعها يقظة ومن آمال وخيبات.
والموضوع الأدبي ليس معطى في اللغة أبدا، على الرغم من كونه يتحقق من خلالها؛ إنه بطبيعته صمت ومناقضة للكلام. وهكذا، يمكننا أن نقرأ ألف كلمة مضمومة في كتاب دون أن ينبثق معنى الأثر؛ ذلك أن المعنى ليس مجموع الكلمات، بل هو كليتها العضوية، ولايستطيع القارىء أن يصل إلى نتيجة إلا إذا وضع نفسه دفعة واحدة، وبدون مرشد تقريبا على مستوى هذا الصمت. ”
وهكذا، فالقراة الظاهراتية تدرس النص الأدبي في ضوء التصورات الفينومينولوجية والتصورات الوجودية، حيث يتم الربط بين الذات القارئة والنص الموضوع في علاقات فلسفية تفاعلية وجدلية.

¿سيميائية القــــراءة:

ترتبط سيميولوجية القراءة برولان بارت ارتباطا وثيقا، فهو الذي بلور لذة النص في إطار التعامل مع النص، وهو الذي أعلن موت المؤلف في كتابه:” درس السيميولوجيا” ، وقد اعتبر بارت أن الناقد الجديد ليس سوى قارئ ، فما عليه إلا أن يعيد إنتاج النص مرة أخرى، وينبغي للمؤلف أن ينسحب ليحل القارئ محله. فالنقد – إذاً- في نظره قراءة، وميلاد القارئ مرتبط بموت الكاتب. ومن هنا، يتألف النص:” من كتابات متعددة، تنحدر من ثقافات عديدة، تدخل في حوار مع بعضها البعض، وتتحاكى وتتعارض، بيد أن هناك نقطة يجتمع عندها هذا التعدد. وليست هذه النقطة هي المؤلف، كما دأبنا على القول، وإنما هي القارئ: القارئ هو الفضاء الذي ترتسم فيه كل الاقتباسات التي تتألف منها الكتابة، دون أن يضيع أي منها، ويلحقه التلف. فليست وحدة النص في منبعه وأصله، وإنما في مقصده واتجاهه. بيد أن هذا الاتجاه لم يعد من الممكن أن يكون شخصيا: فالقارئ إنسان لاتاريخ له ولا حياة شخصية ولا نفسية. إنه ليس إلا ذاك الذي يجمع فيما بين الآثار التي تتألف منها الكتابة داخل نفس المجال”.
ومن جانب آخر، فقد اهتم أمبرطو إيكو بالقراءة، وميز بين القراءة المنغلقة والقراءة المنفتحة، كما ميز بين النص المغلق والنص المفتوح كما في كتابه:” الأثر المفتوح”(1965م) . ويرى الناقد المغربي عبد الرحمن بوعلي بأن :” جمالية التلقي ليست إلا تطويرا لما ذهب إليه أمربطو إيكو من قبل. اضف إلى ذلك، أن أمبرطو إيكو نفسه عاد، فطور في مؤلف آخر هو: ” القراءة في الحكاية” (1979م) ما أصبح يسمى بسيميائية القراءة، وهي منهجية في القراءة تعتمد على المتلقي الذي لم يعد يكتفي بموقفه السلبي تجاه العمل الأدبي، وتعتمد في أطروحاتها النقدية على ما يسمى بتداولية النص. ومنذ الوهلة الأولى، يتبين لنا أن منهج إيكو النقدي السيميائي يعتمد على فاعلية القارىء التي يعتبرها في البداية من طبيعة استدلالية، فأن نقرأ معناه أن نستنبط ، وأن نخمن، وأن نستنتج انطلاقا من النص سياقا ممكنا يجب على القراءة المتواصلة إما أن تؤكده وإما أن تصححه، وفي عمله التخميني هذا يتعرض القارىء بما يسميه إيكو بموسوعته ، وإذا أردنا، فالأمر يتعلق بنوع من الترسانة من الأفكار أو بذاكرة جماعية يسلم بها التحليل، ويجد فيها كل ماهو رائج في السياق السوسيو- ثقافي.”
ويقترح ميكائيل ريفاتير في كتابه:” سيمياء الشعر” (1978م) قراءة سيميائية لدراسة النص الأدبي، متجاوزا قراءة البنيويين للنصوص الأدبية، ليربط القراءة السيميائية باستكشاف البنيات الأساسية المولدة للنصوص على غرار النحو التوليدي، الذي يعنى بدراسة البنى العميقة التي تتحكم في البنى السطحية للجمل. وفي هذا النطاق، يقول دافيد كارتر في كتابه:” النظرية الأدبية”:” يهاجم مايكل ريفاتير تفسير كل من جاكبسون وليفي شتروس لقصيدة بودلير:” الدردشات”. ويظهر ريفاتير أن السمات اللغوية التي يزعمون أنهم قد اكتشفوها في القصيدة لايمكن أن يتصورها القارىء مهما كان مطلعا. وأن العديد من الميزات التي يركزون عليها ليست جزءا من البنية الشعرية التي يختبرها القارىء. تعتمد قراءة جاكبسون وشتراوس على معرفة مصطلحاتهم التقنية. يناقش ريفاتير في كتابه:” سيمياء الشعر” أن العناصر في أية قصيدة كثيرا ما تخرج عن النحو المعتاد. ويجب على القارىء أن يعرف كيف يتعامل مع مثل هذه العوامل غير القواعدية . وهذا يعني تطوير كفاءة خاصة. فالقارىء يفترض وجود مصفوفة بنيوية، غالبا ما تكون جملة واحدة أو عبارة، وقد لا تظهر فعلا في القصدية ، بل هي مثل جملة مثالية، وبحد ذاتها تشبه الأحكام الأساسية التي يفترضها النحو التوليدي عند نوام تشومسكي. ويتم تعديل هذه الجملة أو العبارة المثالية في الكلام أو الاستخدام الفعلي(مايدعوه ريفاتير هايبوغرامات). وقد يكون هذا النمط من قراءة القصيدة مفيدا بشكل خاص في تفسير القصائد التي تتعارض مع قواعد النحو العادية (مثل الكثير من قصائد إميلي ديكنسون)، ولكن هذا النمط من القراءة محدود في تطبيقه، وكثيرا ما يؤدي إلى العموميات التي لاتفسر لماذا تكون أية قصيدة معينة مؤثرة بشكل خاص.”
وعليه، فسيميائية القراءة كانت تركز على المتلقي باعتبارها قارئا مفترضا خبيرا له خبرة كبيرة في إعادة بناء النص تفكيكا وتركيبا، عبر استكشاف البنيات النصية المضمرة، والبحث عن كيفية بناء الدلالة والمعنى عن طريق المكونات الشكلية والجمالية.

¿بلاغـــة القـــراءة:

ترتبط بلاغة القراءة مع ميشيل شارل (Charles Michel) ارتباطا وثيقا منذ أن كتب كتابه:” بلاغة القراءة” سنة 1977م . وإذا كانت جمالية التقبل مع يوس قد اهتمت بالتلقي، فإن بلاغة ميشيل شارل أهتمت بأثر هذا التلقي. ولم يهتم ميشيل شارل بالتأويلية التي تبحث عما يقوله النص، بل كان اهتمامه منصبا على الكلمات وماتريد قوله، ولكن ذلك في علاقة تفاعلية بين القارىء ولغة النص الأدبي. ومن ثم، فبلاغة القراءة هي قراءة للخطاب في حالة استقباله وتلقيه، أو تقبله كأثر للتلقي. وإذا كان القارىء مجرد دور، فإن القراءة تجربة وعلاقة مسجلة داخل النص الأدبي تشكل جزءا منه. وبالتالي، فإن النص الأدبي عبارة عن آليات لغوية وبلاغية تفرض على القارىء نوع القراءة التي ينبغي اللجوء إليها. كما نلاحظ أن القراءة عند مشيل شارل قراءة بنيوية ترصد البنيات البلاغية الشكلية وأثرها على مستوى التلقي. ومن هنا، يكون شارل قد تأثر بالبنيوية اللسانية والسيميائيات. ومن ثم، فالقراءة عند ميشيل شارل قراءة انحرافية عن المعنى الجاهز للنص، والبحث عن المعنى الأسمى للنص دون التوقف عند حد معين، وملء البياضات والثغرات والفجوات التي تزخر بها النصوص والخطابات الأدبية . ومن ثم، يستكشف ميشيل شارل البنيات التأويلية للنص، بيد أن الباحث لم يتخلص بعد من ” ثقل التراث البلاغي المعياري ذي الحمولة الميتافيزيقية.”

¿جمالية التلقي والتقبل:

تعتبر جمالية التقبل من أهم النظريات المعاصرة التي اهتمت بالقارئ والقراءة، ونشأت هذه النظرية في ألمانيا الغربية، وتنسب لجامعة كونستانس، ومن ممثليها : ياوس وآيزر، ولا ننسى كذلك الناقد الأمريكي ستانلي فيش الذي اهتم كثيرا بنظرية الاستقبال. وقد بلورت هذه المدرسة مجموعة من المفاهيم الأساسية، كأفق الانتظار، والمسافة الجمالية، والقارئ الضمني، وفعل القراءة، والقطب الفني، والقطب الجمالي، ومرحلة استجماع المعنى، ومرحلة الدلالة.
وعليه، تهتم نظرية التلقي بكيفية تلقي النصوص والخطابات، وتبيان الوسائل والطرائق التي تتم بها عملية استقبال الكتابات الإبداعية. ومن بين هذه السبل: الافتراض التوقعي المسبق، حيث يلتجىء المتلقي إلى طرح فرضيات وأسئلة متعلقة بالعمل بشكل مسبق، قبل الدخول إلى القراءة والتحليل والتأويل، وآلية الربط والاستنتاج التي تنبني على خلق الروابط الذهنية واللغوية لخق اتساق النص وانسجامه من أجل إزالة غموض النص وإبهامه. ومن ثم، تقوم لسانيات النص في هذا المجال بدور هام في تعميق المتلقي بمجموعة من الأدوات في مجال الاتساق والانسجام. وهناك أيضا ملء الثغرات في النص، ويعني هذا أن الكاتب يترك بياضات فارغة تحتاج إلى ملئها عن طريق التأويل والتفسير والاستنتاج الدلالي والمقصدي. فالقارىء يسعى جاهدا لملء الفراغات والبياضات ، والإجابة عن نقط الحذف والصمت والرفض. وهناك مجموعة من الإشارات والأدلة وآثار النص التي يتركها المبدع لتكون نبراسا للمتلقين، فيقوم بتفكيك هذه الإشارات اللغوية والعلامات السيميائية إن تشريحا وإن تأويلا ، وكل ذلك لبناء المعنى المفترض الذي يتغير في الزمان والمكان ومن قارىء إلى آخر حسب تغير الظروف التاريخية ، وتحول السياقات الخارجية. وهناك مفهوم التوقع، فهناك أعمال تراعي أفق انتظارنا، وأعمال تخيب أفق انتظارنا، وأعمال تؤسس أفق انتظارنا. فالأعمال الحداثية هي التي تنتهك أفق انتظارنا لنؤسس أفقا جديدا . وقد تكون القراءة عمودية أو أفقية أو مائلة ، وقد تبدأ القراءة من البداية أو الوسط أو النهاية.
وهكذا، يبحث وولفغانغ آيزر في كتابه:” عملية القراءة” (1978م) في أبرز:” الإستراتيجيات المستخدمة في بناء النص ومخزن التيمات أو المواضيع والتلميحات المستخدمة . ولقراءة وفهم العمل يجب علينا أن نكون بالفعل على دراية بالرموز التي تستخدمها هذه القراءة ، ولكن في الأدب المحفز والجيد، فإن المسألة ليست فقط مجرد إعادة تفسير الرموز المألوفة. إن العمل الأدبي المؤثر يجبر القارىء أن يصبح مدركا بشكل نقدي للرموز المألوفة، ويجعلنا هذا العمل المؤثر نتساءل حول مدى صحة هذه الرموز.ولذلك، فإنه مثال آخر على مادعاه الشكلانيون بالإفراد أو التغريب . وبالنسبة لآيزر، إن القراءة النقدية والإدراكية تجعلنا أكثر فهما لوعينا الذاتي. ويسلم آيزر بإمكانيات أن يقدم القراء المختلفون تفسير العمل بطرق مختلفة. بالنسبة له، لا يوجد تفسير واحد صحيح بالنسبة له، ولكن التفسير الصحيح يجب أن يكون داخليا متماسكا. وإن أفضل تفسير هو الذي يمكن أن يوضح أكبر عدد من التفسيرات المتوافقة. كما يجب على التفسير الصحيح أن يكون محدودا ومعرفا من قبل النص نفسه، حيث يجب أن يكون بوضوح تفسيرا لهذا النص وحده، وليس لنصوص أخرى.”
ويعني هذا أن آيزر يرى أن المتلقي الحقيقي هو الذي يرتكن إلى القراءة النقدية الإدراكية التي تستشكف الرموز بشكل جيد وواع، وبطريقة عميقة. ومن ثم، فالقراءات متعددة ومتنوعة، ولكن القراءة الصحيحة هي التي تتوافق مع معنى النص، وتحترم تماسكه واتساقه وانسجامه ومنطقة الداخلي العضوي، بعيدا عن الإسقاطات الخارجية، والتأويلات البعيدة التي تُقول النص مالم يقله إطلاقا.
وعليه، فقد اهتم آيزر بفعل القراءة نفسها، إذ حدد لها ثلاثة مبادىء أساسية، وهي:القارىء الضمني، والسجل والإستراتيجية، وفكرة النفي باعتبارها ترتبط بالطابع النافي في النص الأدبي. فالقارىء الضمني هو صورة الكاتب المختلفة عن الكاتب الحقيقي والسارد داخل النص، فهو الذي يقوم القارىء ببنائه انطلاقا من النص . وهو النظام والإطار المرجعي للنص. أما الإستراتيجية فهي مجمل الشروط والخطوات التي يمكن اتباعها لفهم النص وتأويله، كتلك التي حددها أوستن ضمن ما يسمى بشروط النجاح التداولي بين المرسل والمتقبل ، وقد جمعها كرايس ضمن مبدإ التعاون التداولي، ومن بين تلك التوجهات العملية في القراءة: التركيز على منظور معين في القراءة، وإدراك النص ككلية عضوية جشطالتية، وتلخيص النص باستكشاف تيمته وموضوعه، وتتبع خطية النص، وملء البياضات والفراغات والفجوات لإزالة الغموض والالتباس، وخلق الاتساق والانسجام. في حين، يقصد بالسجل تلك العلامات التناصية والمؤشرات السياقية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والثقافية والنفسية التي تساعد المتلقي على تأويل النص، أو هو ما يسمى بالمعرفة الخلفية أو موسوعة القارىء. كما يستهدف النفي إبعاد الإسقاطات التأويلية الخارجية. وبالتالي، تلغي إمكانيات النفي في النص العناصر المألوفة والآتية من خارج النص.” فالنص الأدبي ينفي جزئيا القواعد التي يدمجها أو يمتصها، وفي الوقت نفسه يصادر بهذه الحركة النافية على إعادة التقييم الكامل في إطار فعل القراءة الملموس.” .
ويعني هذا أن النص يخفي نصا آخر، وينفيه بالبياض أو الكلام ، لكن الناقد يبرزه عن طريق آليات التناص والاستنطاق. وهنا، تتعدد الدلالات، وتختلف التأويلات، مادام النفي يملأ البياض والفجوات المضمرة والمخفية.
أما هانز روبير يوس ، فيحاول كتابة تاريخ الأدب على غرار تصورات غادامير، حيث لن يعتمد في تأريخه على سير الكتاب ، ولا على رصد الحركات والمدارس الأدبية، بل اعتمادا على جمالية التلقي. بمعنى أن تأريخ الأدب وتحقيبه سيخضع لمجمل القراءات التي يدلي بها القراء في زمان ومكان معينين؛ لأن القراءة تختلف في الزمان والمكان. وبالتالي، سيوظف يوس مفهوم أفق الانتظار والمسافة الجمالية لمقاربة النصوص الأدبية عبر سياقها التاريخي. وفي هذا الصدد، يقول دافيد كارتر:” يستخدم يوس مصطلح” أفق التوقعات” للإشارة إلى المعايير التي يستخدمها القراء في أي مرحلة معينة، عندما يريدون دراسة أي عمل من أعمال الأدب. وقد يكون من الممكن إقامة أفق التوقعات لتقييم كيف يمكن لعمل أن يفسر عندما ظهر للمرة الأولى، ولكن هذا لايشوش معنى دائما أو نهائيا. ويجب أيضا ألا يغيب عن البال أن الكاتب يمكن أن يكتب وفقا لتوقعات أيامه، ولكنه أيضا يمكن أن يتحدى هذه التوقعات.وهذا مايحدث غالبا مع الكتاب الذين لايكونون مشهورين في أيامهم، ولكنهم يثيرون إعجاب الكثيرين في عصور لاحقة. إن الهدف من تأسيس أفق التوقعات للعمل هو في نهاية المطاف من أجل السماح بانصهار الآفاق، وجعل كل التصورات الصحيحة عنه في وحدة متماسكة.”
وهكذا، يتبين لنا بأن مقياس أفق الانتظار هو المعيار الفني الذي يستخدمه يوس لبناء تاريخ الأدب، من خلال تصنيف القراءات إلى قراءات مراعية لأفق انتظار القارىء، وقراءات مخيبة لهذا الأفق، وقراءات مؤسسة له، وهذا ما يسميه أمبرطو إيكو بالقراءة المنغلقة والقراءة المنفتحة.
هذا، ويستند أفق الانتظار عند يوس إلى ثلاثة مرتكزات أساسية، وهي: التجربة السابقة التي يتوفر عليها الجمهور بالنسبة للجنس الأدبي الذي ينتظم داخله النص الأدبي. وثانيا، معرفة الأشكال والتيمات والموضوعات والتناص الذي ينبني عليه النص الأدبي. وثالثا، معرفة التعارض القائم بين اللغة الأدبية واللغة اليومية، أو التقابل الموجود بين الواقع الحقيقي والعالم المتخيل. ومن ثم، فالمسافة الجمالية هي ما تحدثه الأعمال الأدبية الجيدة والحداثية من مسافة بين عالم النص وعالم القراءة، أو ما يحدثه من تفاوت بين ماتعود عليه من نصوص سابقة، ومايطرحه النص الجديد من تغييرات في الأفق الأدبي والذوق القرائي. إلا أن يوس ركز كثيرا على المتلقي، ولم يبال بأثر التلقي كماعند ميشيل شارل في كتابه:”بلاغة القراءة” (1977م).
وإذا انتقلنا إلى الناقد الأمريكي ستانلي فيش، فيتحدث عن القارىء الخبير أو المؤهل أو المكون، والذي يستوجب فيه الناقد أن يمتلك خبرة لغوية ومعجمية ودلالية وأدبية لفهم النص وتلقيه بشكل جيد.وبالتالي، فالمتلقي يجمع بين ماهو واقعي وماهو مجرد. وفي هذا السياق، تقول نوال بنبراهيم:”القارىء الخبير حسب فيش هو مفهوم بيداغوجي يطمح إلى بلورة معلومات المؤلف (بفتح اللام)، وبلورة قدرة القارىء وردود أفعاله التي تكون مثارة من قبل الأول. وبناء على ذلك، يجب أن يمتلك قدرة فهم تراكيبه اللغوية والدلالية، وأن يتوفر على معرفة أدبية ليتكلم لغته.هذا لايعني أنه قارىء تجريدي أو واقعي، ولكنه كائن هجين يقوم بكل شيء من أجل أن يكون خبيرا.”
هذا، وقد طور الناقد الأمريكي ستانلي فيش:” شكلا من أشكال نظرية الاستقبال ، والذي سماه :” الأسلوبية العاطفية” .فقد فحص توقعات القارىء على مستوى الجملة ، وناقش بأننا نستخدم إستراتيجيات القراءة نفسها في فهم كل من النصوص الأدبية وغير الأدبية. فمن الممكن تحليل الطريقة التي يستمر فيها القارىء في القراءة، كلمة كلمة، خلال النص. وبالطبع، هذا يغض الطرف عن حقيقة أن القراء غالبا مايقفزون إلى الأمام في توقعاتهم، ويطمحون إلى شكل معين من أشكال الحكم. وثمة الكثير من التخمين أو التوقع المسبق. وإن تجربة القراءة الفعلية ليس تحليل الإجراء المفروض والمصطنع كلمة بعد كلمة. وتميز وجهات النظر هذه أفكار فيش المبكرة كثيرا، ولكن في عمله اللاحق، وهو بعنوان:” هل هناك نص في هذا الصف؟” (1980م)، يحاول فيش التغلب على القيود المفروضة على نظريته السابقة عن طريق مناقشة أن ثمة مجتمع من القراء يتقاسمون الافتراضات نفسها أثناء عملية القراءة. وهذا أيضا ما يجعل الأمر أسهل بكثير. بالطبع، للتأكيد على أن الكاتب نفسه هو جزء من هذا المجتمع. وبالتالي، يمكن فهمه بسهولة من قبل ذلك المجتمع.”
وتبقى جمالية التلقي والتقبل النظرية الوحيدة التي اهتمت بالقارىء اهتماما كبيرا وعميقا، وجعلته محور دراساتها وأبحاثها النظرية والتطبيقية، حتى ارتبطت هذه النظرية بالقارىء إلى حد كبير.

¿ شعريـــة القـــراءة:

تعتمد شعرية القراءة أو القراءة الشعرية على استكشاف أدبية النص، واعتماد البنيوية اللسانية منهجا في التحليل والمقاربة، كما أن القراءة الشعرية أو البويطيقية هي التي تبحث عن الدلالات المتعددة للنص عبر قراءة شكلية تفكيكا وتركيبا، من خلال التركيز على التضمين والتعيين، والتركيب والاستبدال، وتجنيس الأنواع الأدبية وغير الأدبية. وقد اهتمت هذه القراءة بالمتلقي كقارىء خارجي وقارىء مفترض داخل العملية السردية. وفي هذا الصدد، يقول تزتيفان تودوروف(T.Todorov):” في الدراسات المتعلقة بالأدب،كنا ننظر في بعض الأحيان- وهذا نادر- إلى مشكل القراءة من خلال وجهتي نظر مختلفتين جدا، الأولى تأخذ بعين الاعتبار القراء في تنوعهم التاريخي أو الاجتماعي، الجماعي أو الفردي، والأخرى تأخذ بعين الاعتبار صورة القارىء كما هي مجسدة في بعض النصوص . أي: القارىء كشخصية، أو كمسرود له، لكن يبقى هناك مجال غير مكتشف هو مجال منطق القراءة الذي لايتجسد داخل النص، والذي هو سابق على الاختلاف الفردي.
وهناك أنواع كثيرة من القراءات. وسأركز هنا – يقول تودوروف-على نوع واحد منها ليس نادرا، وهو قراءة نصوص التخييل الكلاسيكية، وعلى الأخص النصوص التي يقال عنها تمثيلية. فهذه القراءة وحدها هي التي تتم كبناء.”
وقد توصل تودوروف في دراساته الشعرية والبنيوية إلى أن القراءة الشعرية هدم وبناء وتفكيك. كما أنها قراءة تعنى بقراءة الخطاب صيغة، وزمانا، ومنظورا، ووصفا. وبالتالي، تتكىء هذه القراءة على التدليل، والترميز، والتأويل.

 القراءة السوسيونقدية (sociocritique):

يمثل هذه القراءة السيوسيونقدية كل من كلود دوشيه، وريمون ماهيو، وبيير زيما، وفرانسواز كايار…،وتهدف هذه القراءة الاجتماعية النقدية إلى :” ممارسة قراءة ذات طابع خصوصي إزاء النص الأدبي، تحترم استقلاليته باعتباره شكلا جماليا، وفي الوقت نفسه، تنصت إلى الطرق التي بواسطتها يتضمن هذا الشكل مايربطه بشكل آخر أو بالآخر الاجتماعي. فالأمر – إذاً- يتعلق بالقيام بهذه الممارسة، شريطة ألا يتدخل أي نظام خارجي ليفرض أي انزياح عن فهم النص، أو ليقلب الرهانات. وعلى العكس من ذلك، سنقول:- يتحدث ريمون ماهيو(Raymond Mahieu)- إن المكتوب الأدبي الذي هو نتيجة متفردة لفاعلية إنتاجية تقع في زمان ومكان معينين، لايمكن أن يتأسس إذا كان سيقرأ خارج أي معرفة بما يبرز علاقاته مع واقع متعدد ، يتجنبه هذا المكتوب، ويشتغل به، مثلما يتأسس عليه. ومثل هذا الاستبعاد الذي لايعطي للمتخيل الذي ينبثق منه النص إلا فضاء إجرائيا منقحا بشكل اعتباطي وكمونا من عدد معين من المواد العضوية بالنسبة إليه، يؤدي إلى قراءة يمكن لنا أن نصفها عن حق بالقراءة المشوهة، بل والمؤسطرة.”
ويعني هذا أن القراءة السوسيونقدية هي التي تربط الأدب بالمجتمع، ولكن ليس في ضوء الانعكاس المباشر، بل تقرؤه بطريقة جمالية مستقلة في علاقة بالواقع المعطى. ومن ثم، يرى كلود دوشيه(Claude Duchet) بأن القراءة السوسيونقدية هي التي تجمع بين النصية أو الجمالية الأدبية والواقع الاجتماعي.أي: تمزج بين الأدب كبنية جمالية مستقلة والمعطى السوسيولوجي كما هو حال البنيوية التكوينية للوسيان كولدمان، الذي يماثل بين البنية الأدبية المستقلة والبنية الاجتماعية المستقلة بدورها ، وذلك عن طريق الانعكاس غير المباشر. ومن هنا، ترى كايار(F.Gaillard) بأن:” تدوين النص الاجتماعي في النص الروائي…لايقرأ من خلال الأقوال الإيديولوجية بشكل ظاهر… بل من خلال تضمين هذه الأقوال في السرد، وذلك وفق نمط إدماجي يقوم بعملية التحويل.”
وهكذا، يتبين لنا بأن القراءة السوسيونقدية تتعامل مع اللاوعي الاجتماعي داخل المتخيل الأدبي، وذلك من خلال الجمع بين النصية والاجتماعية.وهنا، يتم التشديد على الخلفيات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ضمن لاوعي اجتماعي، يتشكل داخل النص الأدبي فنيا وجماليا.

¿ القـــراءة التواصلية:

تستوجب القراءة التواصلية أو التخاطبية وجود ثلاثة أطراف: المرسل (الباث-المتكلم- المتلفظ -المرسل – المتحدث-المبدع)، والرسالة(النص-الأدب-الخطاب- التلفظ…) ، والمتلقي(القارىء-المرسل إليه-المستقبل-المتلفظ إليه). ومن ثم، فالباث أو المرسل هو الذي يسنن رسالة ما سواء أكانت ذهنية أم وجدانية ليرسلها إلى المتلقي، ليقوم بدوره بتفكيكها في ضوء سنن مشترك أو لغة يعرفها كل من المرسل والمرسل إليه. بيد أن رومان جاكبسون في مقاربته التواصلية الوظيفية يتحدث عن ست عناصر في عملية التواصل: المرسل ووظيفته انفعالية، والمرسل إليه ووظيفته تأثيرية، والرسالة ووظيفتها جمالية، والمرجع ووظيفته مرجعية، والقناة ووظيفتها حفاظية، واللغة ووظيفتها وصفية تأويلية وتفسيرية. وفي هذا النطاق، يقول الباحث التونسي حسين الواد:” لقد اعتنت نظرية التخاطب، على وجه الخصوص، بمرور البلاغ من الباث إلى المتقبل عبر قنوات الاتصال، ورأت أن الباث يسجل بلاغه في الكلام حسب قواعد في التسجيل تواضع عليها الناس، وأن المتقبل يعمد إلى فك رموز الكلام ليحصل على البلاغ منها.إلا أن إيصال البلاغ، في الغالب، مغامرة لاتتم دائما بسلام. فمهما بذل الباث من جهد في تفادي عناصر التضليل والتحريف وسوء الفهم، فإن بلاغه لابد من أن يتأثر بها. ولقد كان لهذه النظرية أثر بارز في درس الآثار الأدبية، إذ عمدت طائفة من الباحثين إلى جعل المؤلف باثا والقارىء متقبلا والأثر يحمل بلاغا. إلا أنهم رأوا التخاطب في الأدب يختلف كثيرا عن التخاطب العادي، فمنتهى أمل الباث في التخاطب العادي أن يصل بلاغه سالما من العثرات إلى المتقبل. والذي يساعده على ذلك ارتباط البلاغ عادة بالمرجع أو السياق يحضر القارىء أثناء القراءة ، فيتجنب به الوقوع في الخطإ. إن الخطاب العادي يقوم في أساسه على الوظيفة المرجعية.أما التخاطب الجمالي في الآثار الأدبية فلا وظيفة مرجعية له. وبالتالي، فإن العثرات فيه كثيرة والعقبات كأداء. ومن هنا، حلت فيه الوظيفة الأدبية محل الوظيفة المرجعية في التخاطب العادي. لذلك، كان الغموض في الأثر الأدبي ، وكان التفاف الكلام فيه على نفسه أشد مايكون.”
وبما أن النظرية التواصلية أو الإبلاغية تعتبر الأدب ظاهرة غامضة مليئة بالعلامات الشائكة، والرموز العائمة، فلابد أن يقوم المتقبل بتفكيك هذه العلامات تشريحا وتفسيرا، وتأويلها في ضوء تجاربه الشخصية وهويته الذاتية. ومن ثم، تطالب نظرية التخاطب من القارئ : ” أن يقوم بالتأويل أثناء القراءة، وينتظر منه أن يثري البلاغ الأدبي بإضافات شخصية من عنده يسلطها عليه. ولأن التخاطب الأدبي غامض في أساسه، يعمد القارئ، كلما واجه نصا أدبيا، إلى امتحانه، فاختبر قدراته على تحمل المعاني الإضافية، بموجب ماركب فيه من مواطن غامضة تتحمل التأويل. ومن هنا، كان الأثر الأدبي في نظرية التخاطب، أثرا مفتوحا، يستدعي التأويلات العديدة ويتقبلها ، فيزداد بها ثراء على ثرائه”.
وهكذا، فنظرية التخاطب هي تلك النظرية التي ترتكز كثيرا على دور المتقبل ضمن عملية تواصلية ثلاثية تتكون من الباث والإبلاغ والمتلقي.
 القـــــراءة الإسلاميـــة:

تهدف القراءة الإسلامية المعاصرة إلى قراءة الأعمال والإنتاجات الأدبية في ضوء التصور الإسلامي للفن والأدب، عن طريق تمثل المضامين القرآنية ، و الاقتداء بالسنة النبوية، والاحتكام إلى الالتزام الإسلامي نظرية وتطبيقا، والابتعاد عن التصورات الإباحية ، والابتعاد أيضا عن كل الفلسفات العبثية والوجودية، وتجنب الإسفاف اللغوي، وتفادي الغموض والإبهام ، إلا إذا كان ذلك الغموض فنيا قد وظف في سياقات جمالية مقبولة. اضف إلى ذلك، فالقراءة الإسلامية تدافع عن الجمال الفني والأدبي، ولكن في ضوء معايير ربانية ومقاييس شرعية ، كالاحتكام إلى الحق، والاهتمام بالخير والعدل، والدعوة إلى الصدق، والعمل على تحقيق التناسب الفني والجمالي، والعمل على توفير التوازن الوسطي بين ماهو مادي وماهو روحاني. كما أن القراءة الإسلامية تستكشف مواطن الضلالة والشرك والغي والإلحاد في النصوص والخطابات، فتقوم بتصحيحها وتنويرها بمشكاة الحق والنور الرباني المشع. ومن ثم، فالقراءة الإسلامية قراءة حضارية بديلة تجمع بين المضمون والشكل، وبين المادة والنفس، وتهدف إلى تحقيق التوازن، وتغيير الإنسان تغييرا إيجابيا. وبالتالي، فهي ترتكز على التجليات الإسلامية في النص الأدبي شكلا ومضمونا ووظيفة، وتستخلصها كملامح وخصائص للاقتداء والاستهداء.
وهناك كثير من الكتاب والنقاد الذين تمثلوا القراءة الإسلامية تنظيرا وتطبيقا ودعوة وتوجيها، ومن بينهم: الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي ، ومحمد قطب، والسيد قطب، والإمام الشهيد حسن البنا، والسفير صلاح الدين السلجوقي، والدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا، والدكتور أحمد بسام ساعي، ونجيب الكيلاني، وحسن الأمراني، وعماد الدين خليل، وأنور الجندي، وعبد القدوس أبو صالح، ووليد قصاب، وحلمي محمد القاعود، والحسين زروق، وجميل حمداوي، و حكمت صالح،ومحمد فكري الجزار، وعبد الرحمن حوطش، ومحمد إقبال عروي، ومحمد أحمد حمدان، ومصطفى عليان،ومحمد الحسناوي ، وعلي الغزيوي، وإدريس الناقوري، وصالح آدم، وبدر عبد الباسط، وسعد أبو الرضى، وأسامة يوسف شهاب، وحسن الوراكلي، وسعيد لغزاوي، وعبد الرحيم الرحموني، والحسن بوتبيا، ووليد إبراهيم قصاب،و محمد حسن بريغش ، وعدنان رضا النحوي، و محمد مصطفى هدارة، وعبد الرحمن العشماوي…واللائحة تطول.
بيد أن مايلاحظ على النظرية الإسلامية في الأدب والنقد أنها تصب اهتمامها على المضامين والرؤى والرسائل الفكرية، وتغض الطرف عن الجوانب الفنية والجمالية. وبالتالي، لاتنفتح بشكل من الأشكال عن المناهج النقذية الغربية التي لاتتعارض مع التصورات الإسلامية.

3- التمثل العربي لنظريات القراءة:

تمثل بعض النقاد العرب المحدثين والمعاصرين في دراساتهم وأبحاثهم القراءات المرجعية سواء أكنت نفسية أم واقعية أم سوسيولوجية تجريبية كما عند السيد يس في كتابه:” التحليل الاجتماعي للأدب” ، وسمير حجازي في مقاله:” التفسير السوسيولوجي لشيوع القصة القصيرة ” (1982م) .كما تمثلوا القراءة الإسلامية بشكل لافت للانتباه، إلا أنهم لم يهتموا بشكل من الأشكال بجمالية التلقي والتقبل، إلا أن بعض النقاد من المغرب العربي قد أولوها عناية قصوى، ومن بينهم:عبد الفتاح كليطو في كتابيه: ” الحكاية والتأويل” ، و” الأدب والغرابة” وحميد لحمداني في كتابه : ” القراءة وتوليد الدلالة” ،ومحمد مفتاح في كتابه: ” التلقي والتأويل” ، وحسين الواد في كتابه:” مناهج الدراسات الأدبية” ، ، ونوال بنبراهيم في كتابها:” جمالية الافتراض من أجل نظرية جديدة للإبداع المسرحي.” …

3- تقويــــم نظرية القراءة:

يتبين لنا بأن نظريات القراءة تهتم بالقارىء والمتلقي على حساب النص والكاتب المبدع. ويعني هذا أن هذه النظريات تهمل العناصر الأخرى من العملية الإبداعية، فهناك – إذاً- قفز على التاريخ، والمؤلف، والنص، والمجتمع، والنفس، والذوق….وهذه نظرية جزئية قاصرة لاتصلح للإحاطة بالنص الأدبي من جميع جوانبه الرئيسة. لذا، فالمنهج التكاملي أو التوفيقي هو أفضل المناهج ؛ لأنه يتناول جميع الجوانب من الأدب، فيدرسها بشكل متكامل. ومن ثم، فالنقد الحقيقي هو الذي يعطي أهمية كبرى للمؤلف، والنفس، والمجتمع، والذوق، والنص، والمتلقي. ولكننا لانريد دراسات سطحية باهتة، بل دراسات معمقة في تحليلها لكل عنصر من تلك العناصر.
هذا، ويتساءل حسين الواد حائرا:” إن التأمل في ماوصلت إليه الدراسات الأدبية اليوم من نتائج على مستوى التنظير والتطبيق يفضي بصاحبه إلى التساؤل عن أية أرض يقف. ” فهل سيركز على الكاتب المبدع، أم سيهتم بالنص، أم يعنى بالقارىء المتلقي؟؟؟: ” أم نجنح مع دارسين آخرين إلى مسعى توفيقي يهادن المتناقضات ولا يحسمها، فنقول: إن الدراسة الأصلح بالأدب هي تلك التي تتناوله من حيث مايؤثر في نشأته من عوامل، ومن حيث ما لنصوصه من جمال في البناء والتركيب والصياغة، ومن حيث مايتلقاه به متقبلوه من انتظارات توفق أو تخيب؟ ولكننا إذا جنحنا إلى هذا الحل التوفيقي وجدنا كل اتجاه من هذه الاتجاهات الثلاثة محقا في ما نقد به الاتجاه الآخر، لافي ما قرره من حقائق . فالأبحاث التي ربطت الآثار الأدبية بظروف نشأتها محقة جدا في مؤاخذة الاتجاهين الشكلاني والهيكلاني على الهروب من التاريخ، والأبحاث الشكلانية والهيكلانية بأنواعها محقة جدا أيضا في اتهام أبحاث النشأة بالمغالطة في السعي إلى نقل الفكرة(وهي فكرة نتوهمها في الغالب) من لغة الفن إلى لغة الفلسفة والاجتماع. وأبحاث جمالية التقبل محقة جدا، هي أيضا، في اتهام الأبحاث الأخرى بإهمال القراءة والجمهور.”
وعليه، فالقراءة الناجعة هي التي تهتم بالنص الموازي، والنص الداخلي، وتعنى كذلك بدراسة السياق الخارجي من إحالة، وتاريخ، ونفس، ومجتمع، وقارىء، وذات، وثقافة، واقتصاد، وجنوسة، وبيئة، وجنس، وعقيدة… وهلم جرا.

خلاصات تركيبية:

وخلاصة القول: حينما نريد الحديث عن القراءة، فليست هناك في الحقيقة قراءة واحدة أو نظرية قرائية واحدة، بل هناك نظريات وقراءات متعددة ومتنوعة ومختلفة، وهذه القراءات يمارسها ناقد ما أو فيلسوف أو مفكر ما. وبالتالي، فهي تدخل في خانة القراءة، بيد أن النظرية الحقيقية التي اهتمت بالمتلقي باعتباره طرفا أساسيا في العملية الأدبية والإبداعية، هي سيميائية رولان بارت وأمبرطو إيكو، وجمالية التلقي والاستقبال كما عند آيزر، ويوس، وستانلي فيش…
ومن ثم، فقد أغنت نظريات القراءة النقد الأدبي بمجموعة من التصورات النظرية الهامة، وبمجموعة من المفاهيم التطبيقية والمصطلحات الإجرائية، التي يوظفها النقاد في دراساتهم من حين إلى آخر، ومن فترة إلى أخرى. بيد أن نظريات التلقي تعطي اهتماما كبيرا للقارىء من جهة، وتغفل المبدع، والنفس، والمجتمع، والنص الأدبي، والذوق، والأسلوب، والجمال من جهة أخرى. وبذلك، تكون تلك النظريات قاصرة عن الإحاطة بجميع عناصر العمل الأدبي، وتبقى الدراسة التكاملية أفضل منهجية نقدية وأدبية، مادامت تجمع بين كل العناصر المفيدة في فهم العمل الأدبي وتفسيره وتأويله.
ونلاحظ كذلك إذا كان النقد الغربي قد قدم دراسات نقدية عديدة في مجال القراءة تنظيرا وتطبيقا، فمازال النقد العربي غائبا عن تلك التراكمات إن نظرية وإن تطبيقا، مع استثناءات قليلة جدا في المغرب العربي تعد على الأصابع ليس إلا.

7 رأي حول “نظريات القراءة أوالتلقي

  1. الدكتور جميل حمداوي المحترم ..السلام عليكم ورحمة الله وبركاتهُ, بعد السلام والتحيه ,أودُّ هنا أن أشكرك باسمي وباسم كل أستاذ في جامعة بغداد مختص باللغه العربيه وآدابها على هذا الطرح المميز ..
    أنا حالياً طالبة دراسات عليا في مرحلة الكتابه موضوعي بالسرديات ,,يا حبّذا أن نتواصل للإستفاده من علم حضرتكم ؛ فقد علمتُ بغِنى أهل المغرب في هذا الإختصاص . مع خالص الإحترام والتقدير فيس بوك hanaa salem
    شكراً مرةً أخرى

  2. السلام عليكم دكتور مقالة اخرى من مقالاتك الوافية في النقد والادب تمنح الدارس ككل مرة ارضية صلبة للانطلاق في مسيرة البحث خاصة في الجانب النظري.ونتمنى استاذنا الكريم ان تثري رصيدنا الادبي والنقدي بدراسات في الجنس الجديد المسمى الابداع التفاعلي لما له من علاقة بالتوجهات ما بعد البنيوية خاصة في الجانب التطبيقي….دمتم متألقين دائما….

  3. السلام عليكم موضوع مفيد جدا من حيث الجانب النظري ، و هل من الممكن تقديم نموذج تحليلي لنص ما حتى يكون الموضوع وافيا و شكرااا جزيل الشكر بارك الله فيك

  4. الدكتور جميل حمداوي ، السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته أنا باحثة في مجال التلقي و القراءة ، و معجبة كثيرا بمقالاتك التي أفدت منها كثيرا . غير أني أستاذي حائرة جدا و مترددة في ما يخص آليات القراءة عند الغربيين ، و كذلك عند نقادنا القدماء . فأرجو أستاذي أن تفيدني و لو برأي واحد في هذا المجال . أرجو أن نتواصل . شكرا لك .

  5. شكرا استاذي الفاضل بل الف شكر لكن حبذا لو وضعت المصادر والمرجع كي نتكمن من العودة اليها ومطالعتنها بورك فيك ولا حرمك اجر ما قدمت لنا كنت موفقا

  6. الدكتور الفاضل، دائما كما عهدناك قامة عالية، أرجو أن تتكرم علي ببعض من نصائحك وأنا أدرس أليات التلقي في النص المسرحي

  7. معالي الدكتور جميل حمداوي المحترم ..السلام عليكم ورحمة الله وبركاتهُ, بعد السلام والتحيه ,أودُّ هنا أن أشكرك باسمي وباسم كل المهتمين باللغه العربيه وآدابها على هذا الطرح المميز.. وكم أتمني التواصل مع فضيلتكم للإستفادة فانا من عشاق العربية الباحثين في بحرها الناظرين عبر نافذتها علي الغرب بما يأتيها من نظريات تطوعها هي لخدمتها وتضيف لها ما يستنير به العرب ، فيعلم الغرب أن العربية ليست مرآه ، وإنما زجاج ثلاثي الابعاد … اشكرك مرة اخري علي هذا الطرح الممتاز وفي انتظار المزيد .. واتمني لك التوفيق والسداد .. الشيخ احمد المالكي الازهري ..مصر.. باحث ماجستير .

اترك رد