السيميوطيقا التأويليــــة عند بول ريكور

السيميوطيقا التأويليــــة عند بول ريكور

(في خدمة الكتب المقدسة والنصوص الأدبية والفلسفية)

د.جميل حمداوي
jamilhamdaoui@yahoo.fr

ملخص البحث:

يتناول هذا البحث سيميوطيقا التأويل عند الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بالدرس والتحليل؛ لأن سيميوطيقا التأويل قد أعادت الاعتبار لمجموعة من المفاهيم التي تم استبعادها في المقاربات العلمية الصرفة ، كالتحليل البنيوي السردي، والسيميائيات، والأنتروبولوجيا البنيوية. ومن بين هذه المفاهيم التي تم الدفاع عنها، نستسحضر: مفهوم الذات، ومفهوم الكاتب، ومفهوم القارىء، ومفهوم الإحالة، ومفهوم الغير، ومفهوم العالم الخارجي، مع التشديد على أهمية التأويل في مقاربة النصوص الدينية والأدبية والفلسفية…
لذا، تطرح منهجية بول ريكور السيميائية تصورا جديدا في التعامل مع النصوص والخطابات، وذلك بالجمع بين ثلاث مراحل رئيسة، وهي: ماقبل الفهم، والتفسير، والفهم. ومن المعلوم، أن لهذه المنهجية منافع كثيرة في تأويل النصوص الدينية، ومقاربة النصوص الإبداعية، وتحليل الخطابات الفلسفية، وتأويل الظواهر النفسية والاجتماعية…

توطئــــــة:

إذا كانت التداوليات المنطقية تهتم بالمعنى والإحالة المرجعية، وإذا كان علم الدلالة يعنى بدلالات الجمل، فإن السيميوطيقا تهتم بالعلامات والرموز والإشارات والأيقونات والدوال اللسانية ، بعيدا عن حمولاتها المرجعية والمقصدية والواقعية. ويعني هذا أن السيميوطيقا هي نظرية للعلامات بصفة عامة. في حين، تعنى الهرمينوطيقا (Hermineutique)بتفسير النصوص، وترجمتها، وتأويلها، والتمييز بين المعنى الظاهري والمعنى الباطني من جهة، أو بين المعنى الأحادي والمعنى المتعدد من جهة أخرى. ومن هنا، فقد مر النقد الغربي المعاصر بعدة مراحل ، ويمكن حصرها في مرحلة البنية مع البنيويين السردييين، ومرحلة العلامة مع السيميوطيقيين، ومرحلة التفكيك مع فلاسفة الاختلاف والتشريح، ومرحلة التأويل مع أنصار الهيرمونيطيقا والفينومينولوجيا(شلاير ماخر، ومارتن هايدجر، وبول ريكور، وبولتمان، وهيرش، وغادامير، وميرلوبونتي…). وقد استعان الكثير من الباحثين والدارسين بالتأويل في حقول معرفية ثلاثة: اللاهوت، والفلسفة، والتفسير الأدبي.
هذا، ويمكن الحديث اليوم عن مشاريع سيميائية متنوعة، مثل: سيميوطيقا الفعل، وسيميوطيقا الأهواء، وسيميوطيقا الأزمة، وسيميوطيقا التلفظ، وسيميوطيقا الزمان، وسيميوطيقا الفضاء، وسيميوطيقا الصورة ،وسيميوطيقا التأويل التي ارتبطت أيما ارتباط بالفيلسوف الفرنسي بول ريكور(Paul Ricoeur).
إذاً، ماهي مكونات المقاربة السيميوطيقية عند بول ريكور؟ وماهي أهم مكونات الدائرة التأويلية لديه؟ وماهي أهم الخطوات المنهجية التي تنبني عليها قراءة بول ريكور التأويلية؟ وماهي أهم المشاكل والعوائق التي تعترض مقاربته السيميوطيقية؟ تلكم هي أهم الأسئلة التي سوف نرصدها في موضوعنا هذا.

1- من هو بــــول ريكـــور؟

يعد بول ريكور (Paul ricoeur) من أهم الفلاسفة الفرنسيين الذين طوروا الفينومينولوجيا(Phénoménologie) والتأويلية (Herméneutique) ، في حقل العلوم الاجتماعية بصفة خاصة، والعلوم الإنسانية بصفة عامة. واهتم أيضا بالوجودية المسيحية واللاهوت البروتستانتي. وكان يعنى كثيرا بمجموعة من المفاهيم الفلسفية والأدبية تحليلا ومناقشة، مثل: المعنى، والذاتية، والتخييل، والتاريخ، والأدب، والاستعارة، والذاكرة، والحقيقة، والهوية، والقصدية، والإحالة…
ومن أهم مؤلفات بول ريكور: ” فلسفة الإرادة” (1950م)، و”التاريخ والحقيقة” (1964م)،و ” الفهم، بحث حول فرويد”(1966م)،و” صراع التأويلات” (1969م)، و” الاستعارة الحية” (1975م)، و” الزمان والسرد” (1983-1985م)، و” من النص إلى الفعل” (1986م)،و” أنا مثل الغير” (1990م)، و”التفكير في الإنجيل” (1998م)،و” مسارات التعرف” (2004م)…
وتأسيسا على ماسبق، يتبين لنا بأن تفكير بول ريكور كان خاضعا لمجموعة من المؤثرات الفكرية والعوامل الثقافية ، وهي: الوجودية(التأثر بسارتر…)، والفينومينولوجيا( التأثر بإدموند هوسرل…)، والهرمينوطيقا(التأثر بالقراءات التأويلية للإنجيل…)، والتحليل البنيوي السردي(التأثر بكريماص مثلا)، واللسانيات(التأثر ببنيفنست، ودوسوسور، وأندريه مارتينه، وهلمسليف….)، والفلسفة التحليلية…
هذا، ويتميز بول ريكور منهجيا وقرائيا بأنه ربط التأويلية بالفلسفة والشعرية (Poétique) والبلاغة الأدبية.

2- مفهوم السيميوطيقا التأويلية:

إذا كانت سيميوطيقا كريماص (Greimas) مقاربة علمية موضوعية تبحث – نصيا وخطابيا- عن المعنى وآثار الدلالة، بالتركيز على شكل المضمون، وإقصاء المرجع والذات المبدعة، والالتجاء إلى علم الدلالة والتركيب والمنطق لاستكناه المعنى داخليا وبنيويا ، عن طريق الاستعانة بالمربع السيميائي، مع اتباع المسارين : التوليدي والتحويلي في استحصال البنيات الدلالية العميقة ، فإن مقاربة بول ريكور السيميوطيقية تتجاوز التفسير العلمي الداخلي، لتنتقل إلى الفهم والتأويل الخارجي. ويعني هذا أن بول ريكور يتعدى دلالة الشكل إلى البحث في الإحالة والمرجع، والانفتاح على الخارج. بمعنى أنه يتجاوز الظاهر إلى الباطن، باستعمال مشرح التفسير والتأويل الهيرمينوطيقي، من خلال ربط النص الكلي بالذات، والإنسان، والتاريخ، والمقصدية، والمرجع الإحالي.
ومن المعروف أن السيميوطيقا التأويلية عند ريكور تعنى بتفسير الكتابات الإبداعية والفلسفية والأسطورية أولا، وتفسير الأعراض النفسية ثانيا، مع التركيز على الرموز والعلامات التي تزخر بها الكتب المقدسة ثالثا. ويعني هذا أن نقد بول ريكور يتأرجح بين السيميوطيقا وعلم الدلالة والفلسفة والهيرمونوطيقا؛ والسبب في ذلك أن الرمز متعدد الدلالات والإيحاءات ، ويتخذ عند ريكور أبعادا فلسفية ورمزية ولاهوتية ووجودية.
هذا، وإذا تتبعنا مفهوم التأويل تاريخيا، فقد كان معروفا في التراث اليوناني عند أفلاطون وأرسطو بالخصوص، وكان معروفا أيضا في التراث العربي ، وكان يتم ، نظريا وتطبيقيا ،عبر آليات ثلاث، وهي: المنطق المسموع، والشرح، والترجمة. وقد ارتبط التأويل خصوصا على مستوى الممارسة بشرح الكتب المقدسة (التوراة، والإنجيل، والقرآن)، وتأويل معانيها، وترجمة دلالاتها المتوارية. ومن المعلوم، لقد ازدهر فعل التأويل بشكل كبير في الثقافة العربية الإسلامية ، كما يتجلى ذلك واضحا في تفسير القرآن والحديث، والاهتمام باللغة العربية نحوا ومعجما وبلاغة، وخوض الجدال الكلامي والفلسفي والصوفي. وبصفة عامة، فقد كان التأويل جليا في كتابات النحاة، ورواة اللغة، والمفسرين، وعلماء الكلام، والفلاسفة، والمتصوفة، ونقاد الأدب، والفقهاء، وعلماء أصول الفقه…
وهناك دراسات عربية حديثة اهتمت بالتأويل إما تنظيرا أو تطبيقا، مثل: العقاد في بحثه للغة الشاعرة بطريقة فينومينولوجية ، ومصطفى ناصف في كتابه:” نظرية التأويل” ، وعابد الجابري في كتابه:” بنية العقل العربي” ، وعبد الفتاح كليطوفي كتابه:” الحكاية والتأويل” ، ومحمد مفتاح في كتابيه:” مجهول البيان” ، و” التلقي والتأويل” ، ، والطائع الحداوي في كتابه:” سيميائية التأويل” ، ورشيد الإدريسي في كتابه:” سيمياء التأويل” ، ونصر أبو زيد في كتبه:” إشكالية القراءة وآليات التأويل” ، و” الخطاب والتأويل” ، و” فلسفة التأويل” ، وشعيب حليفي في كتابه:” مرايا التأويل” ، ومحمد المعادي في كتابه:” حدود القراءة وحدود التأويل” ،…
هذا، وقد ارتبط التأويل في الثقافة الغربية المعاصرة بالفيلولوجيا، والسيكولوجيا الفرويدية، واللسانيات، والنقد الأدبي، والفينومينولوجيا، والوجودية، والفلسفة الألمانية(شلاير ماخر (Schleiermacher)، وفلهلم دلثي(Wilhelm Dilthey)- ومارتن هايدجر(Heidegger)- وجادامر(Hans George Gadamer)، وهيرش(Eric.D.Hirsh)…).
ومن هنا، إذا كانت الهيرمينوطيقا القديمة قد ارتبطت بتأويل الكتب المقدسة (التوارة، والإنجليل، والقرآن)، فإن الهيرمينوطيقا المعاصرة قد ارتبطت بالرومانسية الألمانية، وأصبحت تعنى بالنصوص الفلسفية والأدبية والدينية على حد سواء فهما وتفسيرا.
وعليه، فالهيرمينوطيقا قراءة رمزية تأويلية تعنى بتفسير المعاني الباطنية الخفية، مع تجاوز المقاربة النحوية والبلاغية التقليدية إلى قراءة تأويلية استكشافية ، والانتقال من الظاهر إلى الباطن، ومن السطح إلى العمق، والعمل على تأويل الدلالات الحرفية الظاهرية المباشرة بدلالات رمزية مجازية أو إيحائية.

3- مرتكزات السيميوطيقا التأويلية:

تستند السيميوطيقا التأويلية عند الفيلسوف الفرنسي بول ريكور إلى عدة مبادىء ومرتكزات نظرية من جهة، ومفاهيم ومصطلحات إجرائية من جهة أخرى، ويمكن حصرها في التوجهات التالية:

1- الاعتراف بالهوية الذاتية : إذا كانت البنيوية اللسانية قد أقصت المؤلف باسم النص والبنية والشفرة، فإن السيميوطيقا التأويلية لريكور قد أعادت الاعتبار للمؤلف والذات المبدعة، بعد أن سيطرت فكرة التناص كثيرا على النقد اللساني. وبذلك، تم تهميش فردية المبدع حضورا ووجودا وكينونة. وفي هذا السياق، يقول مصطفى ناصف:” إن تأويل النص يعني الاعتراف بفرديته التي طغت عليها فكرة التناص في بعض المذاهب.وإذا كان النص يخضع لطائفة من القواعد المولدة أو المؤسسة ، كما سبقت الإشارة في بعض الحديث، فإنه في الوقت نفسه ينمو نموا فرديا. وقد تحدث أرسطو عن إشكالية الفرق بين الفرد والنوع.”
ومن هنا، فالتأويلية في خدمة الإنسان لا في خدمة التحليل الموضوعي العلمي. وقد تأثر ريكور بلسانيات إميل بنيفنست، فقد تبني نظريته في التلفظ، باعتبار أن اللغة بالذات تتحدد بالقرائن التلفظية كالضمائر ، وأسماء الإشارة، وظروف الزمان والمكان. بمعنى أن سياق التلفظ أو التكلم دليل على وجود الذات المتكلمة، وحضورها كينونة وفلسفة وهوية.
2- التركيز على الإحالة والمقصدية: يتجاوز بول ريكور ثنائية فرديناند دوسوسير: الدال والمدلول، لينفتح على المرجع. ويعني هذا أن اللسانيات البنيوية والسيميائيات قد أقصت من حسابها الإحالة أوالمرجع، بينما سيميوطيقا بول ريكور أعادت لها الاعتبار؛ لأن المؤول لاينبغي أن يقف عند حدود التفسير العلمي للواقعة النصية، فلا بد أن يقرأ النص قراءة ذاتية من أجل فهم الذات، وفهم الغير، وفهم العالم الخارجي لتأسيس هويته الشخصية. ومهما كان النص تخييليا أو علاماتيا أو رمزيا، فإنه ينقل عبر استعاراته ولغته ومخياله العالم الخارجي، أو المعطى الواقعي المادي محاكاة وتماثلا وتقابلا. ومن ثم، تضع سيميوطيقا ريكور تقابلا بين البنيوية باعتبارها علما لعالم مغلق من العلامات، والهيرمونيطيقا كمقاربة تأويلية تفسيرية للمرجع اللغوي في علاقته بالعالم.
3- الاهتمام بالخطاب في كليته العضوية: ويعني هذا أن السيميوطيقا الهيرمينوطيقية تهتم بالنص باعتباره خطابا كليا وعضويا. بمعنى أنها لا تتعامل مع المقاطع أو المتواليات الصغرى كما تفعل البنيوية السردية أو السيميوطيقا الكريماصية، بل تعتبر النص عملا كليا، أو تتعامل مع العمل ككلية رمزية دالة. وبذلك، تختلف عن اللسانيات التي تنطلق من الجمل واللكسيمات، مادامت هذه الهرمينوطيقا تنطلق من النصوص الكلية أو الخطاب المتسق والمنسجم. وفي هذا، يقول الدكتور مصطفى ناصف:” وهنا، نعتمد على تحليل الخطاب من حيث هو عمل بأكثر مما نعتمد على تحليله من حيث هو نص مكتوب. إن الخطاب من حيث هو عمل أكبر من تتابع أفقي للجمل، إنه عملية تراكمية كلية. ولايمكن أن يشتق التركيب الخاص بالعمل من الجمل المنفردة التي تهتم بها الدراسات اللغوية، ولذلك، يتمتع النص بنوع من وفرة الأصوات. وهي وفرة تتميز من الكلمات المفردة المتعددة الدلالات، كما تتميز من التباس الجمل الفردية.”
4- النص عالم رمزي مفتوح ومتعدد المعاني: بمعنى أن النصوص ليست مغلقة، بل هي عوالم ممكنة ومنفتحة، تحبل بدلالات موحية ورمزية متنوعة، تتطلب قارئا متعدد القراءات والتخصصات. ومن ثم، تصبح النصوص والخطابات والألفاظ والإشارات والاستعارات والعوالم التخييلية والأساطير وسائط لنقل الواقع، والإحالة عليه. وفي هذا السياق، يرى مصطفى ناصف:” إن النصوص الأدبية- بالمعنى العام- تقوم على آفاق ممكنة يمكن أن تحقق بوسائل مختلفة. هذه الخاصية تتصل في الأغلب بدور المعاني الاستعارية والرمزية الثانية بأكثر مما تتصل بنظرية الكتابة العامة. وكثير من الباحثين يهتمون بفك شفرات الرموز والاستعارات وطبقاتها المتنوعة. ولكن اللغة الرمزية والاستعارية ينبغي أن تكون جزءا من النظرية العامة للتأويل التي تشمل مشكلة الخطاب كلها وما تنطوي عليه من كتابة وتأليف أدبي.
من الممكن أن نلاحظ دورا توسعيا في حقل العبارات الوفيرة الدلالات، ويجب أن نربط مشكلة المعنى المتعدد بمشكلة المعنى بوجه عام. والأدب يتأثر بهذا التوسع بحيث يمكن أن يعرف في حدود العلاقة بين المعاني الأولى والمعاني الثانية. والمعاني الثانية تفتح العمل على قراءات متنوعة على نحو مانجد في الأفق الذي يحيط بالأشياء التي نراها. ويمكن أن يقال: إن هذه القراءات تخضع لشبه فرائض تتعلق بهوامش احتمالية تحيط بالنواة الدلالية للعمل. ولكن هذه الفرائض أيضا لابد لنا من أن نخمنها قبل السماح لها بتوجيه التفسير.”
هذا، ويستلزم تحديد المعنى المتعدد والمفتوح مستويين متضافرين، وهما:علم الدلالة البنيوي (La sémantique) سواء أكان معجميا أم سيميا (الحقول المعجمية والحقول السيمية)، من خلال التركيز على وحدات اللغة أوالوحدات البنيوية الدلالية التي تفسر المكونات الرمزية. والمستوى الهيرمونيطيقي الموجود على مستوى النص، حيث يقوم بتأويل الدلالات الرمزية والإيحائية.
4- جدلية الفهم والتفسير: إذا كان التفسير في خدمة التحليل الموضوعي، فإن الفهم في خدمة الإنسان. ومن هنا، فالسيميطويقا التأويلية عند ريكور توفق بين الطرح البنيوي اللساني الذي يركز على التفسير الموضوعي الدقيق للنصوص، والطرح الفينومينولوجي الذي يعنى بالتأويل والفهم على أساس تجربة الإنسان. و” نظرية التأويل هي دراسة من هذا الطراز الثاني. تحاول أن تربط معا مجالين اثنين: السؤال عما يحدث في واقعة فهم النص، والسؤال عن ماهية الفهم ذاته بمعناه الأصلي والوجودي.التأويل في مجرى الفكر الألماني العام يتأثر بالفينومينولوجيا الألمانية، والفلسفة الوجودية.ومن الطبيعي أن يكون لهذا كله أهمية في تناول التفسير الأدبي أو شرح النصوص.”
ويعني هذا أن التأويل يتجاوز التفسير، وأن التأويل أو الفهم يعنى بماوراء شرح النصوص، وتفكيك الأقنعة في ضوء المقصدية وفهم الذات والغير والعالم. ومن هنا، فظاهرة :” الفهم تمتد إلى ماوراء شرح النصوص.والعناية بها هي في الواقع عناية بكل الأنظمة الإنسانية. نظرية التأويل من حيث هي دراسة في فهم أعمال الإنسان تجاوز الأشكال اللغوية للتفسير. ومبادؤها يمكن استخدامها في توضيح الأعمال المكتوبة، والأعمال الفنية معا. وتبعا لذلك، كانت نظرية التأويل شديدة الأهمية بالنسبة لكل العلوم الإنسانية، وتفسير كل مايقوم به الإنسان.التأويل أكبر من مجرد نظام مشترك ؛ لأن مبادئه هي الأساس لكل ما أهم الإنسان.هذه المبادىء الأساسية يجب السعي نحوها.”
ويتبين لنا من كل هذا، أن التفسير هو تحليل علمي محايث. في حين، أن الفهم هو بمثابة تأويل للأقنعة اللغوية وغير اللغوية. وبتعبير آخر، فإن التفسير ذو طابع علمي، بينما الفهم ذو طابع تاريخي وإنساني.
5- الجمع بين الداخل والخارج: ينبني الداخل على دراسة النصوص دراسة علمية موضوعية باستيحاء مناهج علوم الطبيعة، وذلك بالتركيز على الداخل المغلق ، واستخلاص البنيات والثوابت التي تتحكم في العلامات. في حين، يرتبط الخارج بالـتأويل والمقصدية والذات. أي : يقترن الخارج أو الفهم بالقراءة الـتأويلية والحدسية لاستخلاص المعنى الكلي للرموز والعلامات الموحية. إنها قراءة روحية وعرفانية وحدسية وذاتية للمعنى.
6- التأرجح بين الذاتية والموضوعية: من المعروف أن التأويل يخف من الحدة والصرامة العلمية. بمعنى أن التعامل مع النص تعاملا وضعيا ، وذلك في ضوء المقاربات العلمية والموضوعية، عمل مشروع في البداية ، بغية استكناه البنى الثاوية التي تتحكم في النصوص والخطابات، كما تفعل البنيوية اللسانية والسيميائيات السردية.بيد أن ثمة مرحلة تعقبها ، وهي مرحلة التأويل التي تستند إلى الذات والذاتية، وتتخلص من كل قراءة تقنية علمية موضوعية صرفة، لتستسلم الذات القرائة لنفسها وتأويلاتها الفردية .
هذا، وقد قال: ” موريس ميرلوبونتي الفنومنولوجي:إن العلم يعالج الأشياء، ولا يعيش في داخلها. وهذا ماحدث لكثير من التفسير الأدبي. وقد نسينا أن العمل الأدبي ليس موضوعا يخضع تماما لتصرفنا، العمل الأدبي فيما يقول الفينومنولوجيون إنسان ينبعث من الماضي، ويجب أن يعود إلى الحياة. فالحوار لا التشريح هو وسيلة العمل الأدبي في فتح أبواب العالم. وهذا يعني أن الموضوعية غير المتحيزة لاتلائم فهم العمل الأدبي.حقا إن الناقد الحديث يؤمن أحيانا باستقلال العمل، ولكنه ينظر إليه باعتباره موضوعا قابلا للتحليل. والفنومونولوجيا ترى أن الأعمال الأدبية تضار من هذه الناحية، ويجب استنقاذها ؛ لأنها أصوات إنسانية تتكلم.ويجب أن يغامر القارىء بجوانب من عالمه الشخصي، إذا أراد الدخول في حياة عالم نسميه قصيدة غنائية أو رواية أو مسرحية.إننا لانحتاج إلى منهج علمي يتخفى، ولانحتاج إلى تشريح النقد، ولكننا نحتاج إلى تفهم إنساني لما يعنيه تفسير العمل.
إن فهم العمل أكثر مراوغة وتاريخية من التناول الموضوعي.العمل لمسة إنسانية.وكلمة العمل ذاتها تدل على هذا ؛ لأن العمل عمل إنسان أو عمل الله تعالى.هناك فرق أساسي بين فكرة الموضوع وفكرة العمل. والنقد الأدبي يحتاج إلى منهج أو نظرية تهتم بفك شفرات الأثر الإنساني أو المعنى.”
7- ضرورة ممارسة فعل التأويل: نحن في حاجة ماسة إلى فعل التأويل مادام العصر الذي نعيش فيه يستخدم الأقنعة، ويعبر بالرموز والإشارات والعلامات ، ويشغل التخييل والمخيال والاستعارات، ويعبر باللغة والطقوس والأشكال اللاشعورية . ومن هنا، يثير التأويل الشك، والتساؤل، ويبحث عن عالم ممكن أوسع وأرحب وأعمق، وتتحول القراءة إلى قراءات حوارية متسائلة ومتضاربة من جهة، أوإلى قراءات متوافقة من جهة أخرى. ومن هنا، فالتأويل متعة ولذة، وتثبيت ومحو، وهدم وبناء، وشك واقتناع، وجواب وتساؤل، ومسؤولية ونهوض بالواجب، والـتأويل اختيار وتساؤل ونقد، وهو كذلك ممارسة وتجربة ومغامرة، والتأويل في خدمة النمو والتفاعل، والتأويل حوار واختلاف وتوافق وتفاهم، والتأويل في خدمة التراث والحياة عبر ممارسة الحوار والإنصات.
8- الجدل بين القارىء والنص: يبدأ القارىء اتصاله بالعمل في مرحلة ماقبل الفهم، عن طريق إدراك النص في كليته المنظمة، على اعتبار أن النص مجموعة من الخصائص اللسانية والأسلوبية والموضوعاتية …ويبدأ القارىء في اللحظة الأولى بحدس الدلالة الكلية للنص عن طريق إدراك أولي لموضوعة ( تيمة) ما، أو مظهر أسلوبي ما… وبعد ذلك، تأتي مرحلة التفسير لاستخلاص البنيات الجذرية والثوابت البنيوية والسيميائية بطريقة علمية داخلية محايثة. ويقوم بتثبيت ماهو مقرر في مرحلة ماقبل الفهم. ويعني هذا أن المرحلة الأولى من القراءة حدسية واستبقاية للمضمون أو الدلالة في شكل فرضيات وإشكاليات.ويعني هذا لابد من تطوير الدلالة وتعميقها بعد استخلاص الدلالة الحدسية والافتراضية. وبعد ذلك، تأتي مرحلة التأويل للتركيز على الذات والمقصدية والمرجع والغير. وتشكل هذه المراحل الثلاث ما يسمى بالدائرة التأويلية (Cercle herméneutique). وبعد القراءة المنسجمة داخليا، تأتي القراءة المنسجمة خارجيا، وكل هذا بحثا عن الموضوع والمركز والبؤرة الرئيسة.
9- الإحساس بالتاريخ والوجود والهوية: إذاكانت البنيوية أو السيميائيات تعنى بالبنى الصورية والمنطقية المتعالية، فإن الهيرمونيطيقا أو السيميوطيقا التأويلية تهتم بالذات والهوية والوجود والتاريخ. ويعني هذا أن تأويل النصوص يساعد المؤول على فهم النفس والذات والغير والعالم . كما أن التفسير تلو التفسير يجدد هوية القارىء، ويغير دائما ثقافته العامة، ويساعده على استيعاب ثقافته الوطنية والقومية. ويميز ريكور بين التضمين القائم على تعدد المعاني الرمزية الموحية، والتعيين المقترن بالمعنى الحرفي المباشر.
11- التمييز بين الجملة والخطاب: يميز بول ريكور بين الجملة والخطاب، فإذا كانت الجملة هي منطلق علم الدلالة كما عند كريماص، فإن الخطاب هو منطلق الهيرمينوطيقا التأويلية. والخطاب – هنا- هو مجموعة من النصوص ذات وحدة موضوعية وعضوية تتسم بالاتساق والانسجام والتشاكل. ويعني هذا أن التأويليين يبدأون من حيث ينتهي السميوطيقيون.
12- الانسجام: تحلل التأويلية النصوص والخطابات باعتبارها دلالة كلية قائمة على الاتساق والانسجام. ومن ثم، ينبغي تفسير الخطاب وفهمه في ضوء خاصية الانسجام والاتساق . كما أن لكل خطاب بؤرة مركزية أو فكرة محورية أو عنصر جوهري تتوسط العمل، وتكون بمثابة المقصدية التي يريدها الكاتب أو المؤلف مثل: الحبكة هي جوهر النص السردي.
13- إعادة الاعتبار للكاتب والقارىء معا: إذا كان موريس بلانشو (Maurice Blanchot ) قد اعتبر العمل أو المؤلف عملا غير شخصي، بمعنى أن ليس له مؤلف أو قارىء؛ وذلك لهيمنة التناص على الفكر البشري، فإن التأويلية قد شددت كثيرا على إعادة الاعتبار للمؤلف والقارىء معا ؛ لما لهما من دور كبير في إغناء عملية الـتأويل فهما وشرحا وتفسيرا.

4- الخطوات المنهجية التي تعتمد عليها السيميوطيقا التأويلية:

تتكىء السيميوطيقا التأويلية عند بول ريكور على مجموعة من الخطوات المنهجية في مقاربة النصوص الأدبية والإبداعية والفلسفية ، وتأويل النصوص الدينية والكتب المقدسة والخطابات اللاهوتية. وتتمثل هذه الخطوات المنهجية في ثلاث مراحل أساسية، وهي: ماقبل الفهم، والتفسير، والتأويل، وكل ذلك من أجل تأكيد عبارته المشهورة: ” شرح أكثر لفهم أفضل”. وتشكل هذه المراحل الثلاث ما يسمى بالدائرة الهيرمونيطيقية للتأويل. وتشبه هذه المراحل خطوات غادامير (H.G.Gadamer)، ألا وهي: دقة الفهم، والتفسير، والتطبيق . وتتمثل خطوات بول ريكور المنهجية فيما يلي:
 ماقبل الفهم(Précomprehention): يعني ما قبل الفهم تلك العلاقة المباشرة التي يربطها القارىء بالنص لأول مرة. ويعني هذا الاتصال الأولي وجود المتلقي وحضوره ذاتيا وإنيا وذهنيا ووجدانيا. بمعنى أن هذه المرحلة فيها تلتقي الذات مع النص ، وهي كذلك بداية تموقع الذات وجودا وحضورا. وهنا، يتم التركيز على الحدس والافتراض لاستخلاص ماهو كلي وعضوي ، وتحصيل الدلالة الافتراضية البؤرية.
 التفسير (Explication): وهي مرحلة الشرح والتحليل، أو هي المرحلة التي نستخدم فيها المقاربات العلمية الموضوعية: الفيلولوجيا ، والنقد الأدبي، والتاريخ، واللسانيات، والسيميائيات. ويكون التفسير في خدمة الفهم والإدراك. ويعني هذا أن التأويل أو التفسير أو الشرح هو بمثابة تحليل النص أو الخطاب في ضوء مجموعة من المقاربات النصية لسانيا ، وبنيويا ، وسيميائيا… ، من أجل تحصيل المعنى العلمي والموضوعي للنص ، واستكناه آثار الدلالة بطريقة داخلية مغلقة . وهنا، تلتقي الهيرمينوطيقا الريكورية مع السيميوطيقا الكريماصية ، وذلك على مستوى المحايثة، ورصد شكل المعنى، والاكتفاء بالداخل، واستثمار مفاهيم اللسانيات، وتمثل مصطلحات التحليل البنيوي والسيميطيقيا السردية.
 الفهم : أو ما يسمى أيضا بفهم الدلالة أو الفهم المساعد(La compréhention médiatisée). وهنا، نلتقي مع العلامات والرموز والنصوص ، أو مايسمى أيضا بالوساطة الرمزية . وإذا كان دوسوسير يعرف اللغة بأنها علامات تؤدي وظيفة التواصل، فإن اللغة عند بول ريكور مجرد وسيط للفكر والتعبير عن الواقع. بمعنى أن اللغة والخيال والاستعارات والرموز والنصوص والخطابات والأساطير هي بمثابة وسائط رمزية ، وقنوات لنقل الواقع، والإحالة عليه مرجعا وواقعا. ومن هنا، فقد ذهب بول ريكور في كتابه:” ” الاستعارة الحية” (1975م)، إلى أن الاستعارة مجرد وسيط ذات وظيفة معرفية وإخبارية وذات وظيفة إحالية تنقل لنا الواقع ليس إلا. بمعنى أن الاستعارة تنقلنا إلى عوالم تخييلية مجردة لتنقل لنا عوالم واقعية حقيقية.
ومن ثم، تعني عملية التأويل الشرح والتفسير، وتحليل الرموز الثاوية والعميقة، والمتعددة الدلالات. وهنا، ننتقل من مرحلة البحث عن الشفرة والواقعة ، للحديث عن الإحالة والمرجع والذات والمقصدية والرسالة. بمعنى أن العلوم الوضعية عبر عملية الشرح تلتزم بالواقعة والشفرة. في حين، تبحث مرحلة الفهم عن الرسالة والمقصدية. وبهذا يكون بول ريكور قد وفق بين هيرمونيطيقا التفسير وهيرمونيطيقا الفهم.
وتأسيسا على ماسبق، تتخطى السيميوطيقا التأويلية عند ريكور التحليل السيميوطيقي الكريماصي، من خلال الانتقال من الداخل إلى الخارج، أو تجاوز معنى النص إلى الذات والغير والعالم الخارجي.أي: الانتقال من منهجية سيميوطيقية ظاهرية وصفية إلى منهجية هيرمونيطيقية تفسيرية تأويلية تجمع بين الظاهر والباطن. وفي هذا الصدد ، يقول بول ريكور:” أعرف جيدا أن النقد الأدبي حريص على إبقاء التمييز قائما بين داخل النص وخارجه. ويعد أي استكشاف أو سبر للعالم اللغوي خروجا عن نطاقه.إذاً، يتسع تحليل النص ضمن حدود النص، ويحرم أية محاولة للخطو خارج النص.هنا، يبدو لي أن هذا التمييز بين الداخل والخارج هو نتاج منهج تحليل النصوص نفسه، وأنه لايتطابق مع تجربة القارىء. وينشأ التضاد بينهما عن تعميم الخواص التي تتسم بها بعض الوحدات اللسانية على الأدب، مثل: الفونيمات واللكسيمات والكلمات. فالعالم الواقعي يقع خارج اللغة في اللسانيات.لاالقاموس ولا النحو يحتويان على الواقع. إن هذه المبالغة في النقل الاستقرائي من اللسانيات إلى الشعرية هي بالضبط، فيما يبدو لي، مايغري النقد الأدبي، أعني التصميم المنهجي المناسب للتحليل البنيوي، في معاملة الأدب من خلال المقولات اللسانية التي تفرض عليه التمييز بين الداخل والخارج. ومن وجهة نظر تأويلية (هرمنوطيقية)، أي من وجهة نظر تأويل الترجمة الأدبية، فإن للنص معنى مختلفا تماما عن المعنى الذي يعرفه التحليل البنيوي فيما يستعيره من اللسانيات. فهو وساطة بين الإنسان والعالم، وبين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان ونفسه. والوساطة بين الإنسان والعالم هي ماندعوه المرجعية، والوساطة بين الناس هي ماندعوه الاتصالية، والوساطة بين الإنسان ونفسه هي ماندعوه بالفهم الذاتي. ويتضمن العمل الأدبي هذه العناصر الثلاثة: المرجعية والاتصالية والفهم الذاتي.إذاً، تبدأ المشكلة التأويلية حين تفرغ اللسانيات وتغادر. وهي تحاول أن تكتشف ملامح جديدة للمرجعية ليست وصفية، وملامح للاتصالية ليست نفعية، وملامح للتأملية ليست نرجسية، مادامت هذه التأويلية عند نقطة التقاطع بين الصياغة الصورية (الداخلية) للعمل (CONFIGURATION)، وبين إعادة التصوير الخارجية للحياة (REFIGURATION).”
هذا، ويعد كتاب :”الزمان والسرد” من أهم الكتب النقدية النظرية والتطبيقية التي شغل فيها بول ريكور السيميوطيقا والهيرمونيطيقا، من خلال الانتقال من الداخل إلى الخارج، أو المرور من معنى النص إلى النقد السردي البنيوي والسيميائي من بابه الواسع، وذلك إلى جانب كل من : فلاديمير بروب، وميخائيل باختين، وتوماشفسكي، وكريماص، ورولان بارت، وتودوروف، وجوليا كريستيفا، وجون بويون، ورولان بارت، وكلود بريمون، وكلود ليفي شتروس، وجوزيف كورتيس، وجاك فونتاني، ورومان جاكبسون، وجيرار جنيت، وجاب لينتفلت…
ومن هنا، فقد ارتأى بول ريكور بأن السرد محاكاة للواقع، وهو مبني على التحبيك من جهة، وعلى الترسب التراثي والإبداع الحداثي من جهة أخرى، و قائم أيضا على الصراع والتعاون، كما يتنوع زمنه إلى ثلاثة أنواع على غرار نظرية القديس أوغسطين في كتابه:” الاعترافات”: زمن التذكر متعلق بالزمن الماضي، وزمن التوقع مرتبط بالمستقبل، وزمن الانتباه مقترن بالحاضر. ومن هنا، ” يأتي تذبذب الزمان، بل يأتي تقطعه المتواصل. وعلى هذا النحو يعرف أوغسطين الزمان بأنه انتفاخ الروح.فهو يجمع في مقابلة دائمة بين الطبيعة المتحولة للحاضر الإنساني وثبات الحاضر الإلهي الذي يضم الماضي والحاضر والمستقبل في وحدة نظرة وفعل خلاق.”
وينهي بول ريكور كتابه النقدي السردي بالتركيز على الحياة والخيال ، والانطلاق من الهوية السردية في علاقتها بالذات والواقع المعيش:” ويمكن لنا أن ننكب على مفهوم ” الأصوات السردية” التي تشكل سمفونية الأعمال العظيمة مثل: الملاحم والمآسي والمسرحيات والروايات.في جميع هذه الأعمال، يكمن الاختلاف بينهما في أن المؤلف يتخفى بوصفه الراوي، ويلبس قناع مختلف الشخصيات، ومن بينهم جميعا، قناع الصوت السردي المهيمن الذي يروي القصة التي نقرأها. ونستطيع أن نكون الراوي في محاكاة هذه الأصوات السردية، دون أن نتمكن من أن نصير المؤلف.هذا هو الاختلاف الكبير بين الحياة والخيال.وبهذا المعنى، يصح القول : إن الحياة تعاش، أما القصص فتروى. ويظل هناك اختلاف لايردم، غير أن هذا الاختلاف يتلاشى جزئيا بقدرتنا على الانصراف إلى الحبكات التي تلقيناها من ثقافتنا، وبتجريبنا مختلف الأدوار التي تتبناها الشخصيات الأثيرة في القصص العزيزة علينا. وبوساطة هذه التحولات الخيالية لذاتنا نحاول أن نحصل على فهم ذاتي لأنفسنا، وهو النوع الوحيد الذي يتهرب من الاختيار الواضح بين التغير الجارف والهوية المطلقة. وبين الاثنين تكمن الهوية السردية.”
ويرى ريكور بأن السرد المروي عبارة عن تأويل تاريخي للذات في مسارها الواقعي عبر الخيال الرامز:” إن معرفة الذات تأويل، وأن تأويل الذات، بدوره، يجد في السرد، من بين إشارات ورموز أخرى وساطته الأثيرة، وتقوم هذه الوساطة على التاريخ بقدر ما تقوم على الخيال، محولة قصة الحياة إلى قصة خيالية، أو إلى خيال تاريخي تمكن مقارنته بسير أولئك العظام الذين يتضافر بهم التاريخ والسرد.”
وهكذا، يكون بول ريكور قد تناول ، في إطار السرديات ، مثل رولان بارت، منطق الأفعال أو الوظائف، والشخصيات الفواعل، والسرد تزمينا ومنظورا وأسلبة.علاوة على ذلك، ينفتح بول ريكور على جمالية التلقي ، متأثرا في ذلك برولان بارت، ويوس، وإيزر…، حينما يعطي للقارىء دورا كبيرا في ممارسة عملية التأويل الهيرمينوطيقي:” إن فعل القراءة هو الذي يكمل العمل الأدبي، ويحوله إلى دليل للقراءة، بما فيه من مزايا غير قطعية وثروة تأويلية خبيئة، قادرة على أن يعاد تأويله بطرائق جديدة، وفي سياقات تاريخية جديدة.”
وعليه، فقد ربط بول ريكور نظرية السرد بفعل التأويل، والتشديد على استحضار الذات والغير والعالم الخارجي ، والتركيز على الإحالة والمرجع والمقصدية.

5- الخلاف بين بول ريكور وكريماص:

لقد دخل بول ريكور في سجال علمي مع كريماص صاحب سيميوطيقا الفعل أو العمل، وكان الاختلاف منصبا على منهجية كريماص ذات الطابع اللساني والموضوعي، بمعنى أن السيميوطيقا تفسير ينبني على علمنة الظاهرة الأدبية، وبحث في شكل المضمون، مع تغييب التاريخ والزمان والذات والمقصدية. في حين، نجد أن سيميوطيقا ريكور تستلزم الانتقال من التحليل العلمي الداخلي إلى التأويل الخارجي لاستكناه المقصدية، واستحضار الذات والغير والعالم الخارجي. وإذاكان كريماص يدرس النص دراسة تجزيئية في شكل مقاطع ومتواليات، فإن ريكور يدرس الخطاب باعتباره مجموعة من النصوص، أو يدرسه باعتباره منظومة دلالية كلية ذات وحدة عضوية وموضوعية.
ومن هنا، فمنهجية ريكور مزدوجة تجمع بين الداخل والخارج، وبين الذات والموضوع. وعلى الرغم من ذلك، فقد أشاد بول ريكور بكريماص أيما إشادة، وقد اعترف بأنه علمه كيف يقرأ النصوص قراءة بنيوية علمية. وفي الوقت نفسه، استفاد كريماص وجاك فونتاني كثيرا من بول ريكور في كتابهما: ” سيميوطيقا الأهواء” ، حينما اهتما بسميأة الذات والانفعالات والعواطف في ضوء المقاربة الفينومينولوجية والقراءة الـتأويلية لبول ريكور. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على انتقال كريماص من سيميوطيقا الفعل والعمل إلى سيميوطيقا الأهواء والانفعال الذاتي. ومن هنا، يتم الانتقال إلى الفلسفة الفينومينولوجية التي تركز على الجسد والذات والإدراك والإحساس .
ومن الأسباب التي استلزمت هذا السجال العلمي هو طغيان اللسانيات والبنيوية والسيميائيات، وسيطرتها على الحقل الثقافي الغربي، إذ تعاظمت سطوة البنية والعلامة على حساب الذات والتاريخ والإنسان والمرجع. وكان هذا هو مصدر الاختلاف والجدال بين ريكور وكريماص. ومن هنا، أرى أن بول ريكور كان على صواب إلى حد كبير، فلابد من الجمع منهجيا بين الداخل والخارج، ولابد كذلك من الانتقال من التفسير العلمي إلى الفهم التأويلي، ولابد من التأرجح بين الذاتية والموضوعية، ولابد من إدخال المرجع إلى نسق العلامة، وتجاوز الدال والمدلول الشكليين من أجل تحقيق عمل متكامل ومنسجم .

6- سيميوطيقا بول ريكور في الميزان:

واجهت سيميوطيقا التأويل عند بول ريكور مجموعة من المشاكل والعوائق؛ لأن ريكور يميز فقط بين الكلمة والجملة والنص ، بينما تزخر اللسانيات البنيوية بمجموعة من المصطلحات اللسانية المختلفة من لساني إلى آخر، فهناك: الفونيم، والمورفيم، والمونيم، والمركب، والجملة، والقيم الخلافية، والدال، والمدلول، والميتيم، واللكسيم، والطاكسيم، والسيمات. فبيرس – مثلا – يميز بين الكلمة ( rheme)، والحرف( (dicisigne)، والجملة( argument)…. ويعني كل هذا أن ريكور قد واجه فعلا مشاكل عويصة فيما يخص الوحدات الدلالية واللسانية، فقد استعمل مفاهيم لسانية تختلف عن تلك المفاهيم التي يستخدمها كل من فرديناند دوسوسير، وبرييطو، وأندري مارتينيه، وتودوروف، وبيرس، وسيرل، وفتجنشتين…
أما المشكل الثاني فيتمثل في تعدد الاختصاصات، ويعني هذا أن سيميوطيقا بول ريكور قائمة على مجموعة من التخصصات المتداخلة، كالفيلولوجيا، والفلسفة، والتأويل، والبنيوية السردية، والأنتروبولوجيا، والتاريخ، …..
أما المشكل الثالث فهو الإحالة أو المرجع. ويعني هذا أن اللسانيات البنيوية والسيميائيات قد أقصت المرجع لصالح الدال والمدلول، لكن بول ريكور قد أعطى أهمية كبرى للإحالة المنطقية. ومن ثم، فمنهجيته تتجاوز الفهم إلى استحضار الذات والمرجع والغير. ومن ثم، فاللغة والاستعارة والنصوص والخيال مجرد وسيلة للإحالة المرجعية لنقل العالم الواقعي. ومن ثم، يعقد ريكور تقابلا تماثليا بين طبيعة العمل وعالم هذا العمل. بيد أن ريكور يختلف مع مجموعة من المناطقة حول طبيعة هذا المرجع، وهذه الإحالة.

خلاصات واستنتاجات:

وهكذا، نستنتج ، مما سبق، بأن سيميوطيقا بول ريكور جاءت كرد فعل على لسانيات البنية والعلامة والتفكيك، من أجل الخروج من عالم داخلي مغلق مسيج بالثوابت البنيوية والثنائيات الضدية، إلى عالم أوسع وارحب يعتمد على التأويل والذات والمقصدية، واستحضار الغير والقارىء والعالم الخارجي. ويعني هذا أن سيميوطيقا بول ريكور تتجاوز الداخل إلى الخارج، وتتجاوز الدال والمدلول نحو المرجع، وتربط الذات بالمقصدية، وتتأرجح بين الذاتية والموضوعية. لكن بول ريكور واجهته مشاكل منهجية عويصة تتمثل في تحديد الوحدات الدلالية واللسانية بدقة ، كما اعترضه مشكل تعدد الاختصاصات، حتى أصبحت منهجية بول ريكور تشبه ما يسمى بالمنهجية المتعددة الاختصاصات، كما واجه مشكل المرجع الذي يختلف حوله اللسانيون والمناطقة بشكل من الأشكال.
وعلى الرغم من الانتقادات التي يمكن أن نوجهها إلى سيميوطيقا بول ريكور، خاصة أنه لم يأت بشيء جديد في مجال السرديات إلى حد ما، إذ أعاد- في رأيي- أفكار رولان بارت، وتودوروف، وكلود بريمون…إلا أن منهجيته أعادت الاعتبار للسيميوطيقا الخطابية التي سقطت في التحليلات العلمية الموضوعية الصرفة، وغيبت الذات والمقصدية والمرجع. ومن ثم، فلابد أن تكون السيميوطيقا منهجية نصية وخطابية شاملة تجمع بين الذاتية والموضوعية، وبين الداخل والخارج، والنص والذات والعالم الخارجي. وهذا ما لاحظناه فعلا مع سيميوطيقا الأهواء التي أعادت الاعتبار للذات مع كريماص وجاك فونتاني ، وسيميوطيقا التلفظ التي تعنى بالذات المتكلمة كما عند إميل بنيفنست .

الببليوغرافيا:

1- بول ريكور: الوجود والزمان والسرد، ترجمة: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1999م.
2- رشيد الإدريسي: سيمياء التأويل، شركة النشر والتوزيع، المدارس، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2000م.
3- د.شعيب حليفي: مرايا التأويل، دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2009م.
4- د.طائع الحداوي: سيميائيات التأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.
5- د.عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.
6 – د.عبد الفتاح كليطو: الحكاية والتأويل، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1988م.
7- د.محمد المعادي: حدود القراءة وحدود التأويل، منشورات مرايا،طنجة، الطبعة الأولى سنة 2005م.
8- د.محمد مفتاح: مجهول البيان، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1990م.
9 – د.محمد مفتاح: التلقي والتأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1994م.
10- د. مصطفى ناصف:نظرية التأويل، النادي الأدبي الثقافي، جدة، السعودية، الطبعة الأولى سنة 2000م.
11- د.نصر أبو زيد: إشكالية القراءة وآليات التأويل،المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الرابعة، السنة 1995م.
12- د.نصر أبو زيد: الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م.
13- د.نصر أبو زيد: فلسفة التأويل، دراسة في تأويل القرآن عند ابن عربي، دار التنوير، بيروت، الطبعة الثانية 1993م.
14- د.محمد المعادي: حدود القراءة وحدود التأويل، منشورات مرايا،طنجة، الطبعة الأولى سنة 2005م.

15-Benveniste(E) :(la nature des pronoms), In:Problèmes de linguistique génerale1, édition Gallimard, Paris, 1966.
16- François- Xavier Amherdt: L’Herméneutique philosophique de Paul Ricoeur et son Importance por l’éxègese Biblique, les éditions de Cerf,2004.
17-Greimas et Jacques Fontanille : Sémiotique des passions.SEUIL .PARIS.France.1991.
18-Guy Bouchard: « Sémiologie, sémantique et herméneutique selon Paul Ricoeur »,Laval théologique et philosophique, vol. 36, n° 3, 1980, p. 255-284.
19- Maurice Delcroix et Fernand Hallyn: Méthodes du texte,Duclot,Paris,1987,p:314.

3 رأي حول “السيميوطيقا التأويليــــة عند بول ريكور

  1. الأستاذ جميل حمداوي
    إبحار مدهش في حدائق تختال بين عوالم ليبراس السيميولوجية ، وديكارت اللسانية…
    مقال يستحق أن يقرأ اكثر من مرة ويحتفظ به ، وقد فعلت…
    ألف شكرا لك دكتور جميل حمداوي

  2. استفدنا كثيرا من هذا المقال شكرا جزيلا .هل لكم كلمة عن موقف ريكور من التحليل النفسي فيما يخص نظرية التأويل.للتوجيه و المساعدة .شكرا

اترك رد