بدأت الكاتبة المغربية فاطمة بوزيان مشوارها الكتابي قبل عشر سنين بكتابة الشعر، لكنها سرعان ما لجأت إلى النثر متسلحةً بتقنيات الكتابة السردية الحديثة، على ما اتضح في مجموعتها الاولى “همس النيات”، ليتجسد من ثم بشكل اوضح في مجموعتها الجديدة “هذه ليلتي”، الصادرة حديثا عن منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة في المغرب.
يتجانس عنوان المجموعة مع عنوان أغنية من روائع الطرب العربي، فلربما أرادت الكاتبة أن تكون لها ليلتها الخاصة، ليلة واحدة من ليالي شهرزاد، ليلة للحكي. في “أسرار”، وهو أحد أهم نصوص المجموعة وأمتنها، تلعب الكاتبة بعامل الزمن بحرفية واضحة، مستفيدة من تقنيات الرواية الحديثة. تطرح القصة أزمة الصراع بين ثقافتين مختلفتين، ثقافة الأب المتحدر من جبال الريف المغربي المحافظ، وثقافة الفتى الإسباني خوليو المتحرر الذي سيسلم محبوبته الريفية الصغيرة رسالة حب أمام والدها. وحين كان الأب يقيم الدنيا ويقعدها احتجاجا على هذه “الجريمة” كان خوليو هو الآخر يحتج على “الجريمة المضادة” التي ارتكبها الأب: “هذا الرجل مزّق قلبي، انتهك أسراري وألقى بها في القمامة”. هذا ما قاله خوليو لمديرة المدرسة بينما كان الأب يصرخ في وجه ابنته ويذكّرها بما فعله فرنكو بالمغاربة وبما تسبب به الإسبان للزعيم الخطابي من متاعب، وسيكون صعبا عليها أن تقنعه بأن خوليو، كرمز للجيل الجديد، كان يحب الخطابي ويعشق لوركا الذي قتل بسبب موقفه من الاستعمار.
تقف القصة أيضا عند إشكال نفسي آخر: الرجل الذي في البيت والرجل الذي في القلب: “أحب الرجل الحزين الصامت. لتكن صامتا يا خوليو كي أحبك أكثر، أنا لا أحب هذا الرجل الذي يزعمون أنه رجلي، أنا لا أعرفه. لا أعرف أعماقه لأنه يتكلم قبل الأكل وبعد الأكل، قبل النوم وبعد النوم، قبل أن أتكلم وبعد أن أتكلم جالسا او مستلقيا كان… وأنا أصمت أصمت”.
في نص “عادي”، يحضر نموذج الرجل العربي الذي يتباهى بتعدد عشيقاته ويتفنن في سرد مغامراته ويرى الجنس ضرورة بيولوجية بينما يريد في المقابل أن يتزوج امرأة “صالحة” لم يقربها أحد من قبل. يحضر هذا النموذج أيضا، لكن بجلباب آخر، في “هذه ليلتي”، حيث يمجد الأب المغنية فريدة الحسيمية في الحفلات بينما يستعيذ منها أمام الفقيه.
تجهد فاطمة بوزيان نفسها كثيرا في البحث عن صيغ سردية جديدة، لذلك ستتوالد لديها شخصية قصصية لم نألفها من قبل، شخصية تعاني تسرب شخصيات أخرى إليها، ومن تسربها هي أيضا إلى تلك الشخصيات، حيث تراهن الكاتبة على التحديث، لكن وفق معايير واقعية وموضوعية تفرضها طبيعة تفكيرها وحياتها. فمعظم كتّاب الجيل الجديد يستفيدون من التقنيات الحديثة في التواصل وفي قراءة المتون الأدبية ومتابعة الحركة الثقافية في مختلف بقاع العالم. لذا تحفل “هذه ليلتي” بعدد من التيمات الجديدة، إذ تحاول أن ترصد بأشكال متنوعة المفارقات الاجتماعية والتحولات العاطفية في عصر المحمولات والفضائيات والأنترنت.
يغطي الحقل الدلالي للانترنيت مساحة هائلة من معجم المجموعة: بريد إلكتروني، لوجيسييل، إيميل صادر، إيميل وارد، غوغل، ويب، مايكروسوفت، تسجيل الدخول، تسجيل الخروج، impossible d’ afficher la page، الكونيكسيون، إعادة البحث، تحميل، انتي فيروس…الخ. بل إن بعض النصوص تماهى في بنائه وتركيبه مع خصائص محض أنترنيتية، لذا سيحس القارئ أن الأنترنيت من أهم شخصيات المجموعة، إن لم تكن بالفعل تحتل المكان – البطل.
على مستوى البناء، وفّقت بوزيان إلى حد كبير في تشكيل النصوص بطريقة غير نمطية وتقليدية، متوخية ممارسة تجريب متوازن، على قول الباحث محمد المعادي، إذ ثمة في كل قصة أكثر من حكاية وأكثر من عنوان وجنوح واضح إلى الخلط بين البدايات والنهايات. نلمس أيضا التوظيف المحكم لتقنيات أخرى كالتشذر والتمفصل والإستدعاء والتناص والتبئير واللقطة والبناء الحلزوني والشجري، إضافة إلى توزيع النص عبر فقرات غير منسجمة زمنيا ومكانيا.
نشير ختاماً إلى أن الحركة القصصية النسائية في المغرب تشهد دينامة أقوى بكثير من مثيلتها الشعرية، فإذا كنا نجد الجواب صعبا حين نطرح سؤالا حول مدى حضور الشاعرات المغربيات، نجد في المقابل أجوبة كثيرة حين نطرح السؤال نفسه في خصوص القاصات. يكفي أن نستحضر أسماء من مثل زهرة زيراوي، لطيفة باقا، ربيعة ريحان، عائشة موقيظ، مليكة مستظرف، رجاء الطالبي، مليكة نجيب، لطيفة لبصير، ليلى الشافعي، وأسماء أخرى طرية وواعدة ستنضم بلا شك الى عالم القصة المثير.
محطة::. عرض ونقد |
إرسال للأصدقاء
|
طباعة
يمكنك متابعة آخر التعليقات من خلال
تستطيع كتابة تعليق أو تعقيب من خلال موقعك.
12 نوفمبر 2006 في الساعة 9:22 ص
//
عبد الرحيم الخصار
..
تحية لائقة
قراءة واعية ودودة للمجموعة
استمتعت بها بالأمس في النهار
..
محبتي
.
.
مدونتي:
http://ashrynovels.blogspot.com
12 نوفمبر 2006 في الساعة 3:44 م
العزيز محمد العشري
أحييك بمحبة كبيرة
أشكر لك لطفك و أدبك
طبعا المادة منشورة بجريدة النهار اللبنانية عدد 11 نونبر 2006
على هذا الرابط
http://www.annaharonline.com/htd/EDU061111-3.HTM
ويبدو أن الإشارة الى المصدر التي ذيلت بها المادة قد سقطت سهوا
محبتي لك
و تقديري للعزيز كمال العيادي على مجهوداته الكبيرة من أجل الأدب
12 نوفمبر 2006 في الساعة 3:59 م
شكرا للاخ الرائع عبدالرحيم
سعيد هو هذا النص الذي يكون عبدالرحيم عرابه
اثرت فضولي للاطلاع عليه و سبر اغواره
لاني اعرف ذوقك العالي
اذا كانت هذه القراءة فكيف هو النص
مع كل المودة
12 نوفمبر 2006 في الساعة 4:02 م
حميد عدنان
عزيزي عبد الرحيم الخصار
قراءة متينة تنم عن حس جمالي و تحليلي متميز…
اقتربت كثيرا من الطقوس الداخلية لقصة فاطمة بوزيان
محبتي لك
12 نوفمبر 2006 في الساعة 7:38 م
المبدع عبد الرحيم الخصار شكرا لك على تميز كتاباتك وابداعاتك خاصة ما قراته لك اخيرا في مجلة دبي الثقافية حطاب الاشجار الهرمة وما كتيته في القدس العربي بخصوص المشهد الثقافي في المغرب
مودتي العميقة
عبد الله دمومات
13 نوفمبر 2006 في الساعة 12:26 ص
عزيزي عبد الصمد
أحييك بمودة كبيرة
أسكر لك أدبك
13 نوفمبر 2006 في الساعة 12:27 ص
العزيز حميد عدنان
قرأت شعرك الجميل بالفرنسية
أعجبتني في لغة أراغون
أشكرك
13 نوفمبر 2006 في الساعة 12:28 ص
العزيز عبد الله دمومات
أحييك بمحبة وارفة
أشكر لك أدبك و نبلك و طيبوبتك
و أعتز كثيرا بكلماتك
شكرا عزيزي شكرا
13 نوفمبر 2006 في الساعة 2:02 ص
الشاعر الانيق صديقي عبد الرحيم
لقد قاربت مجموعة متميزة لقاصة متميزة
هذه ليلتي متن يشي بالكثير مما في جراب الصديقة فاطمة
لقد قرات المجموعة واعجبت بالجهد التجريبي الكبير الذي نسجت به عولمها وتقنياتها
بوزيان تستحق ذلك واكثر لاخلاصها الجمالي والنظري لهذا الجنس الادبي الشريف
فالقصاصون في المغرب هم الشرفة
والشرفة لاحرج عليهم
شكرا ايها المتميز على هذه الاضاءة
13 نوفمبر 2006 في الساعة 2:17 ص
العزيز عبد الرحيم الخصار سررت وأنا أطلع على هذه القراءة الجميلة للمجموعة
هي حقا إضاءة كاشفة ، وسخية من كاتب وشاعر متميز كان له السبق دائما في قراءة أعمالي حتى حين كانت مجرد نصوص منشورة في الجرائد
13 نوفمبر 2006 في الساعة 2:23 ص
شكري الجزيل للصديق أنيس الرافعي
كلماتك في حق المجموعة شهادة أعتز بها من كاتب متمرس على التجريب والمغامرة وتكسير الافق المعهود في كتابة القصة دائما أبدا
من اجل كتابة بجماليات مدهشة
لك الالق دائما
شكري ايضا لكل الاخوة الذين اطلعاو ا على هذه الدراسة
13 نوفمبر 2006 في الساعة 2:25 م
الأديب عبد الرحيم الخصار
تحية مفعمة بكل الود الصادق
القاصة فاطمة بوزيان اسم متميز بلا جدال .
شكرا لك لأنك أبرزت مواطن الجمال والفرادة في عملها الشيق .
محمد علوط
13 نوفمبر 2006 في الساعة 2:59 م
العزيز أنيس الرافعي
أحييك بمحبة
يحضر التجريب في المجموعة بشكل واع
و هذه ميزة للكاتبة
إن المغرب القصصي اليوم يتحرك أكثر من نظيره الشعري
و هذه حقيقة لا بد أن نعترف بها
الكثير من المودة لك أنيس
13 نوفمبر 2006 في الساعة 3:07 م
العزيزة فاطمة بوزيان
أحييك
يوم نشر القراءة في النهار اتصل بي كاتب معروف و قال لي أنه قرأ نصوصك قبلها بيومين وتفاجأ كثيرا بمستوى كتابة هذه النصوص
سرني ذلك الاعتراف منه لأنني أعرف انه لا يقول ذلك سوى عن نصوص عظيمة
لقد سرني كثيرا أن أقرأ نصا بجمال و إشراق نصك ” أسرار”
محبتي لك فاطمة
13 نوفمبر 2006 في الساعة 3:20 م
العزيز محمد علوط
أحييك بمحبة كبيرة
أعتز بكلماتك
شكرا لك لأنك تحيط الأدب المغربي بحنانك
و لأنك تقتنص النصوص المحكمة بعين كاسر
مودتي لك و تقديري
و لو وجدت الصديق لحسن حمامة- جاري في الغرفة إياها- فبلغه محبتي
17 نوفمبر 2006 في الساعة 5:38 ص
أيها العزيز البهي
الس عبد الرحيم الخصار، سأبقى وفيا لهذا الاسم الكريم ما دمت حيا لشيء واحد فقط ، أعرفك شاعرا متميزا وأقرأ لك . تشق مسالك الشعر في كل تضاريس الدنيا ، و أنت شاعر سوف لن يشق لك غبار……… كيف تخاف على الشعر يا أخي ، له حماته ورحماؤه وعبد الرحيم أحدهم ، شامخ أنت شموخ الشعر،ولكن في رعشته السر،،،،،،
عودة إلى قراءة “هذه ليلتي” للقاصة الأنيقة فاطمة بوزيان، إنها قراءة واعية وجميلة، قاربت المجموعة وكشفت بعض ما يميزها في البناء و التركيب وصيغ الحكي الجديدة.
أبقتك القريحة للشعر صانعا
وتوجك الإبداع في ساحة القراءات مدويا .لك محبتي وتقديري
أخوك في محنة الشعر
محمد زريويل
17 نوفمبر 2006 في الساعة 1:49 م
لعزيز محمد زرويل
أشكرك كثيرا على كلماتك التي هي بالضرورة كثيرة علي و كبيرة أيضا
هناك قولة صغيرة لصموئيل بيكيت صارت هاته الأيام شعارا لحياتي:”إن حبي الوحيد هو الكلمات،و أنا لا املك منها إلا القليل”
باسم هذا الحب أحييك وأضع بين يديك باقة من الحنان و النبل و المشاعر التي لا تتكدر