مبدأ الفصل بين السلطات

مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وموقف النخب السياسية العراقية المتنفذة
عادل حبه
مبدأ فصل السلطات، أو ما يطلق عليه باللاتينية TRIAS POLITICA، هو نهج لإدارة الدولة. وقد جرى العمل به لأول مرة بشكل مبسط في اليونان القديمة، ثم انتشر تطبيقه في الجمهورية الرومانية وأصبح جزءاً من دستور الجمهورية الرومانية. ولقي هذا المبدأ الكثير من التأسيس والتطوير على يد دي مونتيسكيو في كتابه المعروف “روح القوانين” الذي نشر في نهاية القرن الثامن عشر، والذي يعد من أبرز المؤلفات المتعلقة بالنظرية السياسية والتشريع في التاريخ الحديث. وأصبح هذا الكتاب لاحقاً الأساس في وثيقة “الاعلان العالمي لحقوق الانسان” والأساس في غالبية الدساتير في الدول الديمقراطية. لقد أشير في هذا الكتاب إلى ضرورة الفصل بين السلطات في ظل الليبرالية السياسية، وجرى التأكيد فيه على أن سلامة أي فرد في المجتمع لا يمكن تأمينها عندما تتجمع كل السلطات بيد واحدة. وتطور هذا النمط في إدارة الدولة خلال القرون الحديثة ومع استقرار الأنظمة الديمقراطية في بلدان أوربا الغربية والولايات المتحدة وفي انحاء أخرى من بقاع الأرض. وطبقاً لهذا المبدأ تقسم إدارة الدولة إلى فروع لسلطات منفصلة ومستقلة بعضها عن بعض، ومسؤولة عن مجال أو أكثر من مجالات السلطة في البلاد. وبشكل عام تغطي هذه الفروع السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وعلى نفس المبدأ طبق في العديد من البلدان مبدأ فصل الدين عن الدولة. ولاتتخاطب هذه السلطات فيما بينها إلاّ عبر المراسلات والكتب الرسمية وليس وجهاً لوجه وعبر صفقات سياسية.
بالطبع لابد وأن تجري حول هذا المبدأ صراعات ومواجهات بين القوى المتنفذة في سعي منها لتمرير أجندتها الخاصة. ومازالت هذه الصراعات قائمة حتى في البلدان التي استقرت فيها الأنظمة الديمقراطية.
إن عدم الأخذ بهذا المبدأ أو التعثر والتشويه في تطبيقه والالتفاف عليه يقف في غالب الأحيان وراء حالة عدم الاستقرار في العديد من البلدان، إضافة إلى انتشار النزعات الديكتاتورية واستقرار الانظمة الاستبدادية، كما تؤكده الأحداث التاريخية في العالم. ومثال العراق لا يشذ عن ما جلبه التنكر لفصل السلطات من كوارث وإلى الآن على البلاد. فبعد تشكيل الدول العراقية الحديثة دُوّن دستور للبلاد يستند في محتواه الى المبادىء المدونة في الدساتير واللوائح الدستورية في الدول الغربية. وتضمن أحد أسس هذا الدستور مبدأ الفصل بين السلطات. ولكن ما طبق في البلاد هو أمر آخر، حيث أصبحت المحاكم والقضاء يداران حسب مزاج القائمين على السلطة التنفيذية ومصالحهم الضيقة. فالسلطة التنفيذية هي التي تحكمت بالسلطة التشريعية بل وكانت تبادر إلى حلّها بين حين وآخر وحسب أهواء المتسلط على السلطة التنفيذية. ولنا مثال ما جرى بعد انتخابات عام 1954 عندما استطاع عشرة من أقطاب المعارضة الجلوس على مقاعد مجلس النواب العراقي. وحل البرلمان من قبل نوري السعيد خوفاُ من تأثير هؤلاء العشرة على مسار مجلس النواب. وأصبحت هذه الانتهاكات ممارسة دائمة من ممارسات نوري السعيد خلال كل فترات اشغاله لمنصب رئيس الوزراء، وما أكثرها في تاريخ العهد الملكي. كما تحولت السلطة القضائية والمحاكم إلى مؤسسات غير مستقلة تشبه محاكم “التفتيش القروسطائية” مهمتها البطش بمعارضي أقطاب السلطة التنفيذية. وهو ما يعني الغاء مبدأ ديمقراطي يعترف بوجود المعارضة الدستورية ويحميها.
وهكذا، على سبيل المثال، تم ولأول مرة في تاريخ العراق محاكمة قادة أحزاب وهم قادة الحزب الشيوعي العراقي (فهد ،حازم ،صارم) وآخرون، والحكم عليهم بالاعدام وتنفيذ الحكم بهم في شوارع بغداد بدون أي مبرر وسند قانوني. فالحزب الشيوعي طرح في ذلك الوقت برنامجاً اصلاحياً للبناء والتنوير وتفعيل الأسس الديمقراطية المقرة في الدستور العراقي ومن ضمنها مبدأ الفصل بين السلطات. لقد تم الحكم بالاعدام وتنفيذه بحق قادة الحزب الشيوعي جراء تدخل السلطة التنفيذية في شؤون السلطة القضائية، وهي بدورها تطوعت لتنفيذ أوامر الرؤوس الحامية من أقطاب الحرب الباردة من خارج الحدود. وهذا الفعل يعد واحداً من أكبر انتهاكات مبدأ فصل السلطات في تاريخ الدولة العراقية.
ولم تكتف السلطة التنفيذية في العهد الملكي بانتهاك مبدأ فصل السلطات هذا، بل راحت تصدر المراسيم تلو المراسيم “القانونية” الوزارية المتعارضة مع الدستور القائم آنذاك، مما أدى إلى شل دور السلطة التشريعية في العراق. فلم يعد لهذه السلطة التشريعية أي دور أو قيمة تشريعية أو رقابية على السلطة التنفيذية بسبب انتهاك مبدأ الفصل بين السلطات. وتبعاً لذلك تم الحكم على أعداد كبيرة من الوطنيين العراقيين بتهم تستند على قرارات ومراسيم للسلطة التنفيذية ورئيس الحكومة فحسب دون الرجوع إلى السلطة القضائية أو التشريعية. وتبعاً لذلك فتحت أبواب سجون نقرة السلمان وبعقوبة وبغداد والحلة والكوت لتحتضن خيرة مثقفي ومبدعي البلاد بتهم عجيبة وغريبة، أو لمجرد “تهمة” معارضة الحكومة. وهذا ماجرى عندما تم الحكم على زعيم الحزب الوطني الديمقراطي كامل الجادرجي لمدة ثلاث سنوات في عام 1955 لمجرد معارضته لسياسة نوري السعيد وانتقاده للأحلاف العسكرية وقمع الحريات الديمقراطية. وهذا هو مؤشر على تمسك الحكم بصيغة حكم ديكتاتوري استبدادي لا يعترف إلا بدور الحاكم وسلطته التنفيذية ولا يعترف بأي دور ووظيفة للسلطات الأخرى.
وبعد ثورة تموز استبشر المواطن العراقي بهذا الحدث الكبير وأمل بأن تُفتح صفحة جديدة تضع نهاية للخروقات الدستورية وضمان الفصل بين السلطات الثلاث وإرساء دولة المؤسسات. وبالفعل بدأت سلطة 14 تموز باتخاذ العديد من الإجراءات في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية كان يمكن لها أن تضع العراق في مصاف الدول الديمقراطية لو تم الاصلاح السياسي وتطبيق مبدأ فصل السلطات والسير على طريق بناء الديمقراطية في العراق لتفادي الكوارث والتهديدات التي تحيط بهذا البلد. ولكن للأسف لم يتعض المسؤولون من تجربة العهد الملكي وسقوطه ومن تجارب شعوب أخرى، واستمروا على تجاهل تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات واستقلالية كل سلطة من السلطات الثلاث والسعي لبناء دولة المؤسسات وليس الأفراد. وهذا ما قاد البلاد إلى كارثة وردّة 8 شباط عام 1963 وما تركته من آثار مرعبة ومدمرة يتلمسها العراقيون حتى الوقت الحاضر، والتي محت كل ما أنجزته ثورة تموز من مكتسبات في مختلف النواحي في سنواتها الأولى.
وامتداداً لهذا التراث المعادي للديمقراطية والمعادي للشعب لردة شباط الذي أصبح نهجاً ثابتاً لدى المتحكمين بالسلطة، سارت الحكومات الانقلابية المتعاقبة على نفس المنوال ليتحول الحكم، خاصة بعد انقلاب البعث عام 1968، إلى واحد من أبشع الديكتاتوريات استبدادا والتي عرفها العراق والعالم في تاريخه الحديث. فتكرست السلطات الثلاث بيد واحدة تحت عنوان “مجلس قيادة الثورة”. هذا المجلس الذي لم يعلم أو يطلع أعضاؤه على ما كان يتخذه الديكتاتور من قرارات بعيداً عن معرفتهم وعلمهم. وهكذا تم اعدام العشرات وتصفية المئات من الشيوعيين بعد أن أصدر الحزب الشيوعي بيانه المعروف في آذار عام 1978 والذي أحتوى على تحذير من الممارسات اللاديمقراطية في البلاد، وذلك بإرادة فرد واحد. وتمت هذه الأحكام بقرار شكلي من هذا “المجلس” الذي لم يعرف أعضاؤه سر ودوافع هذه القرارات المجحفة. ودارت الدوائر أيضاً لاحقاً على أعضاء هذا المجلس عندما دُقت أعناق العديد منهم عام 1979 بقرار فردي من رئيس “مجلسهم”، تحت مظلة “محكمة الحزب” أو “محكمة الثورة” السيئة الصيت.
وأمتدت هذه القرارات إلى خارج الحدود ليتم اغتيال وتصفية العديد من القادة الفلسطينيين والعرب في شتى بقاع العالم العربي. إن هذه الصفحة المشينة في تاريخنا والتي تعود إلى ثلاثة عقود عجاف مليئة بشن حروب لم تكن لأية مؤسسة من السلطات الثلاث يد في المصادقة عليها، بل كان يتم اقرارها من قبل شخص واحد لا غير. وهكذا حلّ الدمار والنهب والهمجية والفساد في الروح والمال وثقافة العنف التي مازالت تنخر في الجسد العراقي رغم إنهيار هذا الطغيان على يد الغزاة الأمريكان في عام 2003.
وأمل العراقيون بعد هذا الانهيار أن يتعض من تصدّر العمل السياسي بعد هذه الحقبة السوداء من دروس الماضي وكوارثه، والعمل على بناء دولة عصرية ديمقراطية، دولة مؤسسات تقوم على الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء. وانتظر العراقيون خلال هذه السنوات الصعبة أن يلتزموا بحق بالأسس والشعارات الديمقراطية التي رفعوها بعد أن تقبلوها بشكل مبتسر ومتأخر. ولكن يبدو أن الثقافة والممارسة التي تحملها العراقيون خلال العقود العجاف السابقة قد امتدت جذورها في المجتمع، بل وحتى إلى معارضي النظام السابق بحيث أن شعارات الديمقراطية ودولة المؤسسات والقانون والفصل بين السلطات التي أعلنوا تمسكهم بها لم تكن سوى وسيلة للفوز بمواقع في الحكم فحسب والإمساك بالسلطات الثلاث. وهكذا وقع الناخب العراقي في درب الوهم وارتكب الخطأ في انتخاب نخب لا تؤمن كلياً بالمضامين الحقيقية للدولة الديمقراطية القائمة على استقلالية السلطات الثلاث والفصل بينها. وهذا ما تابعه المواطن العراقي خلال كل السنوات التي أعقبت سقوط لديكتاتورية.
وللأسف فإن نهج المحاصصة التي أتبعته التيارات السياسية المتنفذة تحوّل إلى وسيلة للخروج على الدستور الذي وافقوا عليه وأقسموا على عدم انتهاكه. فقد وضع على الرف مبدأ الفصل بين السلطات، الذي يجري التلويح به فقط عندما يتماشى مع مصلحة هذا الطرف أو ذاك. لنأخذ مثلاً موضوع “مجلس السياسات العليا” وهو مجلس فوق السلطات الثلاث، ويجمع مهام السلطات الثلاث في سلطة واحدة وهو ما يخالف النص الدستوري الذي أكد على مبدأ الفصل بين السلطات. ولا ندري كيف وافق المجتمعون في أربيل على هذه الاتفاقية التي هدفت كما ظن هؤلاء أخراج العملية السياسية من مأزقها، ولكنها أدخلتها في ورطة أشد من سابقتها. وضمن التسويات التي فرضتها المحاصصات المدمرة للبلاد تدخلت السلطة التنفيذية في شؤون القضاء حيث سمح لعدنان الدليمي المتهم بالإرهاب ووزراء وشخصيات أخرى مطلوبة للقضاء بترك البلاد وحتى صرفت لبعضهم المخصصات المالية. وضمن هذه التسويات المخلة وتجاهل مبدأ الفصل بين السلطات جرى التغاضي عن الاتهامات الموجهة ضد ظافر العاني وصالح المطلك، وأصبح الأخير نائباً لرئيس الوزراء بعد الصفقات السياسية التي تلت الانتخابات. وضمن هذه التسويات المخلة تم مشاركة أطراف في الانتخابات وفي الحكم وهي التي ما زالت تحتفظ بجيوش وأسلحة سلبت من مخازن الدولة، وتهدد بين الحين والآخر باستخدام السلاح لفرض إرادتها. وضمن هذا الاخلال بمبدأ الفصل بين السلطات يجري العفو عن تيارات إرهابية مسلحة إلى الآن وتمارس إلى الآن استعراضها العسكري وعضلاتها، كعصائب الحق، وهي المتهمة باغتيالات طالت عراقيين ومدنيين أجانب استخدمتهم الحكومة العراقية في مؤسسات مدنية عراقية. وتأكيداً على هذا الانتهاك لمبدأ الفصل بين السلطات أحتفظت الحكومة الاتحادية ومازالت تحتفظ بملفات ضد عناصر من تيارات مختلفة، كما أكد على ذلك رئيس الوزراء، بدعوى الحفاظ على العملية السياسية. كما تحفظت الجهات التنفيذية على ملفات جنائية كثيرة، فلم نر أية متابعة قضائية لملف أغتيال المفكر الشيوعي كامل شياع وملفات أخرى لقرابة 150 شيوعياً تم اغتيالهم منذ الإطاحة بالطغيان منذ عام 2003. ولعل ما حدث أخيراً بالنسبة لقضية الهاشمي والاتهام الموجه له دليل آخر على تدخل السلطات التنفيذية بدءاً من سماحها للسيد طارق الهاشمي وأثني عشر من حمايته بمغادرة بغداد، وإلى توفير السلطات التنفيذية في السليمانية وأربيل الملاذ له متجاهلة قرارات السلطات القضائية الاتحادية العراقية ضده.
والقائمة تطول وتطول لو استعرضنا كل الانتهاكات التي مارستها القوى التي تصدرت العملية السياسية، وهي ممارسات تمهد من الناحية العملية إلى إشاعة عدم الاستقرار والأمن وفرض نوع من الاستبداد في البلاد يعرقل طموح العراقيين لقيام دولة ديمقراطية قائمة على الفصل بين السلطات وقادرة على إرساء الاستقرار والسلام في ربوعه.
7/1/2012

اترك رد