![]() |
العلاقة بين الرجل والمرأة في” همس النوايا ” جزء من بحث جامعي للباحث فؤاد الغلبزوري |
فاطمة بو زيان | 15 ديسمبر 2006 |
العلاقة بين الرجل والمرأة في المجموعة القصصية ” همس النوايا ” لفاطمة بوزيان :
وسنقسم هذا المحور إلى قسمين : قسم يعالج هذه العلاقة قبل الزواج,و قسم آخر يتناول نفس العلاقة بعد الزواج.
أ – قبل الزواج :
الملاحظ على هذا القسم أنه أكبر من القسم الثاني ، إذ يضم عشر قصص هي كالتالي : ” إحالات صباحية “، ” مذكرة قلب ” ، ” …من سيرة سيزيف معاصر ” ، ” أثناء شرب القهوة” ، ” همس النوايا ” ، ” شبق الأوراق”، ” إدراك … استدراك” ، ” ككل المرات مع اختلاف كبير ” ، ” عراء المرايا “, “ما كان مؤجلا و بقي …” .
إن هذه العلاقات الغرامية دائما تنتهي بالفشل الذريع، وذلك لأسباب متعددة بعضها ذاتية مرتبطة بالحبيبين، وبعضها مرتبط بالأحوال الاقتصادية للوطن، وأما البعض الآخر فراجع أساسا إلى التقاليد التي تقف حجر عثرة أمام انتهاء هذه الحكايات نهايات سعيدة ؛ وهكذا نجد في قصة ” مذكرة قلب” أن الرجل المحبوب لم يفتح باب قلبه لحبيبته ،ولم يبال إطلاقا بها عندما حدثته عن المرأة التي أحضرت السكر لخطبتها، بل أكد لها أنهما أصدقاء، ومكتبته – وليس قلبه – مفتوحة لها إلى الأبد، فالمحبوب إذن لا يقاسم الفتاة نفس المشاعر، لأنه يعتبر” الزواج قهوة باردة، ومغامرات العزوبة هي نبيذ الروح”، ورغم كل هذا اكتشفت أن له ” في أعماقها عقارا محفظا لا يكتسب بالتقادم”. ونلمس في القصة صراعا عنيفا بين الحبيبة وبين نفسها، إذ نجدها تلوم نفسها لأنها لم تصارحه بحبها، تقول : ” أيتها الريفية المتحجرة، ماذا كان سينقص فيك لو صارحته بالمباشر” ولكن نواياها تهمس لها ” كان سيسخر منك “، فعقلية الرجل هنا ما تزال تحكمها” عقدة الذكورة المستعلية التي تنظر إلى المرأة كجسد مثير يجب استغلاله كمتنفس لشهواته وملذاته” ، كل هذا من أجل تزجية وقت فراغه ليس إلا. وفي قصتها” ككل المرات مع اختلاف كبير” نجد القاصة قد حطت رحالها بالعاصمة الرباط، وتعرفت هناك على أحد أبناء المدينة، نسجت معه علاقة حب ما لبثت أن توطدت أثناء زياراتها اللاحقة للمدينة، بيد أنها عندما وضعته أمام المحك ليثبت مروءته الحقيقية فيرتبط بها ارتباطا رسميا، أجابها بمنتهى التخاذل ” الزواج يقتل الحب” ، باعتباره ممارسة يومية لواجبات ثقيلة تصبح مع مرور الوقت رتيبة ومملة، ورغم أنها منحت لنفسيهما الوقت الكافي للتعارف وتوثيق العلاقة، إلا أنه خيب أملها وتهرب من الارتباط المباشر بها. وفي قصتها ” ما كان مؤجلا وبقي…”نجد صاحبة الشأن تحكي عن علاقة حب سابقة ساهمت الكتب في تمتين أواصرها وتوثيق عراها، حيث كان الحبيبان يفتعلان الصدف في الشارع الرئيس أمام المكتبة، لكنه مع توالي السنون أصبح يتهرب منها ويدير لها ظهره، بل ويغير اتجاهه كلما التقاها، رغم أنها لا تطلب منه شيئا، كتبت تقول:” …لو أنك وقفت قليلا كنت سألتك فقط إن كنت ما زلت تكتب … وحكيت لك عن قسوة أن تضحك وأعماقك غارقة في الدموع… وعن فظاعة أن تكون في غرفة النوم ولا تعرف طعم النوم”، ورغم كل هذه القسوة التي لا مسوغ لها من لدن الحبيب السابق، إلاأنها لا تزال تحتفظ بمكان له في قلبها، الذي أصبح “قاعة انتظار فارغة”، وهي” صارت قطع غيار لا تصلح لشيء”، فالحبيبة حريصة دائما على الارتباط بشريك حياتها عكس الرجل الذي يخذلها في المحطة الأخيرة، ويتركها تتجرع مرارة الوحدة ويتم الفراغ، فالرجل هنا: خائن للذكرى/يتلذذ فقط بجغرافيا الجسد/أناني حتى النخاع، بينما المرأة: وفية للذكرى/ تسمو بروحها التواقة إلى الارتواء لتحقيق الخصوبة/تضحي بنفسها رغم ترصد المجتمع لها في كل منعطف وزاوية. ونشير إلى أن هذه الرغبة الملحة في التوحد مع الآخر، وفتح مغاليق الأمومة بدوا خلها، جعلها في قصة” …كما تطير العصافير” تستبقي هشاما اليتيم في بيتها وقت الظهيرة، مما كلفها ذلك وظيفتها، بعد أن سقط من شرفة البيت محاولا بذلك اللحاق بأمه التي (ذهبت إلى السماء).
إن البطالة تتدخل في ثلاث قصص لتقف سدا منيعا أمام أي محاولة لارتباط المعطل بمن يحب، وأنى له ذلك وهو لم يجد عملا بعد يشرفه أمام أهل الحبيبة،وهذا ما نلمسه بشكل جلي في القصص الآتية: “إحالات صباحية”، “… من سيرة سيزيف معاصر”، “إدراك… استدراك…”، ففي القصة الأولى نلفي علاقة غرامية بين شاب معطل وحبيبته التي أخذت تلمح له بضرورة الارتباط الرسمي، بل وأخذت تصرح بذلك في فترات لاحقة لما تعبت من التلميح، بينما هو يطرق في فراغات الكلمات المتقاطعة ولا يرد عليها، وهنا يظهر لنا عجز الرجل مرة أخرى عن التقدم إلى الأمام ولو بخطوة واحدة، فكأنه يستعذب ذلك ويستحليه، مما نتج عنه حالة من الاكتئاب والضجر لدى حبيبته التي أخذت تحاور صمتها بمقاطع غنائية لأم كلثوم، وبما أنها تعتبر الكتابة هي البلسم الوحيد النازف من الأعماق، والعلاج الناجع من التمزق والاندثار، ولكي لا تكتئب من جمودها أكثر، التجأت إلى التحرك على أرصفة الورق، بلغتها المفردة ولسانها الخاص، لتعكس ذاتها بموازاة الذوات الأخرى، فتسجل بذلك وجودها الخاص، في تلك الصفحات البيضاء التي تعتبرها المتنفس الوحيد لحالتها الكئيبة. وفي قصتها “…من سيرة سيزيف معاصر” تنشأ نفس العلاقة بين معطل وحبيبته، ذلك الحبيب الذي تكمن مهمته بعد أن طلقته الجامعة، في حل الكلمات المتقاطعة في المقهى على حافة كرسي خشبي مهترئ، ولما أحست بقدوم الصيف، فصل الأفراح والمناسبات السعيدة استفسرته عن موعد خطبتها، فكان الرد باردا ومملا (عندما سأعمل) صدى ندائه: (حورية عودي …ع…و…د…ي) ،إن الحبيبة هنا أفصحت عن أنانيتها ،وتركت الحبيب بمفرده يجرجر قدميه على الشاطئ ،ويتمرغ في وخزات إبر التذكر القاسية. وأما في قصة ” إدراك …استدراك” فنفس القصة أيضا تتكرر،غير أن الحبيب هذه المرة لا يقف مكتوف اليدين أمام وحش البطالة، بل يقرر في لحظة يأس قاتلة عبور البحر, واقتحام جحافل أمواجه العاتية, للالتحاق بضفة لا تربطه بها أية صلة قرابة بيولوجية أو ثقافية,قصد الظفر بفرصة عمل تتيح له التقدم مرفوع الرأس لخطبة حبيبته ,ومن ثم دخول القفص الذهبي, بيد أن حلمه طوحت به الأمواج إلى أعماق البحر القاسية, عندما شربته سرا دون علم أحد؛ فلما افتقدت الحبيبة ” جسده الغض الذي كان يملأ دنياها حبا و دفئا”,احتضنتها هي الأخرى أمواج البحر في اشتياق,علها تلتقي بآسر فؤادها،بعيدا عن هذه الأرض التي أبت إلا أن تفرق بينهما إلى الأبد.
إن “المجتمع العربي مجتمع ” أبوي” ينظر إلى المرأة كإنتاج ضعيف وجب حمايته مقابل الخضوع المطلق لقراراته”، لذلك يتدخل بسلطته القاهرة للتفريق بين الأحبة، ولعل هذا ما يتبين لنا في قصة “همس النوايا”، حيث نجد قصة حب جميلة نسجت أواصرها بين الآنسة (س) والسيد (ميم) انتهت بالفشل، بسبب نظرة المجتمع إلى مثل هذه العلاقات، وتدخل أم الحبيب في مسارها ، ورد في القصة حديث هاتفي بينهما، قال لها الحبيب :
“-متى أراك؟
1- مستحيل،2- أنت تعرف التقاليد
3- ألم تخرجي مع أحد من قبل؟
4- إسمع ياأستاذ،5- إذاكنت قد قبلت فكرة التعارف فلا يعني هذا أني من النوع إياه!. “.
إن الحبيبة دائما تستحضر سلطة المجتمع ومراقبته لها، فقط لأنها أنثى ! وأما الطرف الآخر الذي هو الحبيب، فبعد أن كان متأكدا من أنه الوحيد المتربع على عرش قلبها، انهار يقينه ذاك لحظة استصرخه صوت أمه “مادامت قد خرجت معك، فلا شك خرجت مع غيرك”، مما ولد لديه حالة من القلق والرعب جعلته يتخيل نفسه في وضع لا يحسد عليه، حيث الناس يتغامزون عليه، ويشيرون نحوه بأصابع الاتهام، مما زعزع الثقة في اختياراته، ودفع به إلى إنهاء علاقته بحبيبته التي أحس بروحه عند ذهابها ” تنام في عتمة شعرها الطويل”، فشخصية الرجل هنا متذبذبة وضعيفة أمام أمه وأمام المجتمع، وتكون فاطمة بوزيان بذلك قد فضحت المذكر “الذي تسمه الثقافة العربية بالإيجابية والعقلانية والإبداع، بينما تسم الأنثى بالسلبية والرضوخ والارتباك، والتردد والعاطفية واتباع العرف والتقليد”.
وتتبين لنا سلطة المجتمع كذلك في قصة “شبق الأوراق” حيث نجد الساردة ترتعب من فكرة البوح لقرائها بأسرار علاقاتها الحميمية، جاء في القصة: ” مررت يديها على عنقها وشهقت: سيذبحونني”، لأنها تجرأت وفضحت المسكوت عنه في مجتمع لا يرحم، السيادة المطلقة فيه للذكور، وهي هنا خائفة من ردود أفعال السيد المطلق (الرجل) حيالها. ونجد في القصة نفسها تخاذل الممرض في التقدم لخطبة “زهرة اليانسون” كما يسميها، مخافة رفض الأب له، وكذلك مخافة تندر زملاء المهنة به، فهو هنا أيضا ضعيف الشخصية، يخاف أقوال الغير ويظل قابعا في مكانه تنتابه الهواجس، وتعتريه المخاوف من أن يحرمه المجتمع من لمسات الحبيبة وهمساتها له.
هذا المجتمع الظالم هو نفسه الذي نجده في قصة “عراء المرايا” يلاحق الحبيبة (الأنثى) دون الحبيب (الذكر) بالهمس والغمز، ويرميها المرة تلو الأخرى بنظرات الشك والريبة، ويستجوبها بمنتهى الفظاظة حول جدول أعمالها لهذا اليوم واليوم الموالي، ونلمس هنا “علاقة لا متكافئة بين الرجل والمرأة اصطنعتها الثقافة وأرستها، فأعطت الرجل قيمة لا تعتمد على غير تكوينه البيولوجي، أما المرأة فتتدنى لا لسبب سوى تكوينها الطبيعي”، جاء في القصة، “ها وجهك في وجوههم، وها الهمس والغمز يبذران أوجاع الألم في القلب”، وتستطرد قائلة وهي تنتظر مكالمة حبيبها ” أخبريه باليتم الذي يسكن عقر القلب حين تحاصرك الاستجوابات وأين كنت ومع من ولماذا؟؟؟” كل هذا وهي صابرة مع الذي تعتقده فارس أحلامها، بيد أنه كشر عن أنيابه المفترسة، وأبان عن سوء نيته، إذ انتقم من الحبيبة –التي حاولت بلطف شديد إنهاء العلاقة لتعذر زواجهما- حيث فضح أسرارها القلبية على أرصفة المقاهي، وظل يطاردها في الشوارع والأزقة، فكأننا بفاطمة بوزيان تقول لنا: يا لخسة الرجال ويا لغدرهم ! وما أسرعهم إلى إلحاق الأذى بالأحبة، ونسيان الأيام الجميلة التي قضوها بصحبتهم !!.
ب- بعد الزواج:
هناك ست قصص تتناول علاقة الرجل بالمرأة بعد الزواج، وهي “طحين ليلة شبه بيضاء”، (مذكرة قلب”، “لقطات بالأبيض والأسود”، “جنة الضفة الأخرى”، ” تداعيات غارقة في العتمة”، (صباح الخير)، ففي القصة الأولى نجد الجد مقران، ويعني هذا الاسم في الأمازيغية “الكبير”، وفيه ما فيه من إسباغ سمات الهيمنة والرفعة والأهمية، على ذات الرجل دون المرأة، نجده متزوجا من ثلاث نساء مدمجا إياهن في قائمة ممتلكاته وعالم أشيائه وشهواته، كل واحدة تسكن مع “فريقها” في كوخ مستقل، ولتحقيق “العدل” بين الزوجات، يضطر الجد مقران إلى أن يبيت كل ليلة في كوخ إحداهن، وحدث أن مات الجد وهو في طريقه إلى كوخ الزوجة الثانية، عندئذ نشب الصراع بين زوجاته الثلاث حول من سيحظى بشرف غسله وكفنه وتشييع جنازته، وكانت النتيجة بعد أن تحولت المعركة إلى الأبناء موت ثلاثة وجرح العديد منهم، نظرا لاختلافهم حول من سيدفع أجرة الفقيه الذي قدم اقتراحاته لحل المشكلة.
إن فاطمة بوزيان بذكرها للجد مقران وزوجاته الثلاثة، تحاول أن تبلغ صوتها، وتساهم في توصيل موقفها ووجهة نظرها، فيما يخص صورة المرأة أو علاقتها بالمجتمع، فهي ترى بأن الزواج بأكثر من واحدة يثير زوبعة من المشاكل، سواء أكان الزوج حيا أم ميتا، وتحقيق العدل بين الزوجات ما هي إلا خرافة يسوغ الرجل لنفسه بواسطتها الزواج بمثنى وثلاث ورباع؛ وإن كان الرسول (ص) تزوج بأكثر من عشر نساء فلموا صفات خاصة اصطفاه الله بها دون غيره من البشر، وإن تسجيل الساردة المولعة بكتابة الحكاية للأحداث التي جرت في القرية جر عليها المشاكل، إذ اتهمت من قبل الرجل (الجد مقران) = الكبير بانتهاك أسرار القرية، الذي اكتشفت أنه يقرأ الجرائد، تقول عنه في القصة: ” قرأ في ملف كبير، وقال: تهمتك انتهاك أسرار القرية” ، ومادام الجد يقرأ الجرائد، فلا يمكنها إذن الكتابة لأنه حتما سيمارس عليها سلطته القهرية الاستبدادية، سالبا منها “الحق في امتلاك شهادة ميلاد كاتبة، تخول لها الخروج من دائرة المجموعة الصامتة” لتصبح مقروءة صفحاتها المخربشة، ومسموعا صوتها المحاصر، وعلى أساس هذا نفهم قوله لها ذات يوم، بعد أن مزق صراخه صمت الشروق: ” أفسدت الكتابة حياتك” وفي قصتها “مذكرة قلب” تضطر المرأة إلى الزواج برجل لا تحبه، يأخذها كل سبت إلى المقهى، تقول معبرة عن عدم سعادتها واشمئزازها منه، عندما يلمس ظهرها بأنامله ” وهو يرخي أنامله على ظهرك فتحسين بالإبر تنبت تحت الجلد، وتتمنين لو تنقرض أيام السبت من تعداد الزمن”، فكيف تشعر معه بالسعادة وهو لا يبالي بها ولا بمشاعرها، بل لا يبالي حتى بصراخ ابنتهما الذي لا ينقطع، قاصدا بتصرفاته هاته قهرها واستفزازها. وفي قصتها ” لقطات بالأبيض والأسود” وبالضبط في اللقطة الرابعة منها، نجد الزوجة المسكينة وبغية إرضاء زوجها، الراغب بقوة في إنجاب الذكور مصدر فخره أمام المجتمع، قامت “بتبخير القبو المنحوس بتشكيلة من جلد أفعى صحراوية، جمجمة ضفدع بري، شوك قنفذ مشنوق” بدون جدوى، فاضطرت حينذاك –رغبة منها في إرضاء زوجها بأي طريقة- إلى أن تشرب عصير تسع وتسعين عشبة دفعة واحدة، مما أدى إلى موتها، وهنا نذهب مع سيمون ديبوفوار التي ” تصر على أن تعريف المرأة وهويتها ينبعان دائما من ارتباط المرأة بالرجل، فتصبح المرأة آخر (موضوعا ومادة) يتسم بالسلبية”، بدليل أن الزوجة/الأنثى سعت إلى “الانتحار” غير المبرر، كي يرضى عنها الزوج/الذكر عبر إنجابها للأولاد، كل هذا يحدث والزوج يصوم عن الكلام والضحك، ولا يبدي أي بادرة حزن على زوجته، بل ويبحث في كل مرة بكل ما أوتي من قوة عن حوض واسع يحرثه فيأتيه بالأولاد- همه الوحيد- حتى لا تنقرض سلالته الفقيرة، وهذه السلبية نلمسها كذلك في تعليق الجدة الجاهلة على وفاة ابنتها ” كانت تكفي تبخيرة واحدة بعظمة يهودي كي يمتلئ القبور رجالا، لكنه الجهل !” ، فالمرأة دائما تلجأ في حل مشاكلها إلى الخرافة والشعوذة، وهذا ما نلمسه بوضوح في هذه القصة وفي قصة أخرى بعنوان ” أمشي في شوارع جسدي، يمشي البحر…” حيث تقتاد الأم ابنتها إلى ” ضريح رشوته دم ديك فصيح… رأيت أمي تبكي، الشمع يبكي، عنق الديك يبكي…”، فالأم هنا لا تبذل أي جهد كي تفهم ابنتها، بخلاف البحر الذي تعتبره الابنة صديقها الوحيد، لذلك انتابتها رغبة عارمة في التبخر والتحول من ثمة إلى قطرة ماء صافية، تقول في نفس القصة: “أفكر في الإبحار، في التبخر، وتنتابني الرغبة في أن أختزلني في قطرة ماء…”، وأما في قصتها “جنة الضفة الأخرى” فتتمحور حول قروي هرب على غرار الكثيرين من واقع يأكل بنيه، إلى جحيم آخر ربما كان أقل مأساوية، بحثا عن عمل وعن حياة فوق مستوى الصفر، لكن البؤس ظل رفيقه الملازم حيث بقي هناك معطلا، وزوجته” بنت الكلب” التي تزوجها طمعا، تعود دائما متأخرة إلى المنزل وهي ثملة، ولما يسألها عن سبب التأخير ترد عليه ببرودة، بأنها كانت مع رب العمل تجامله كي يسمح له بالعمل، ” ولأنه رجل رجل”، ولأن “ذاته تحترق في نار المهانة”، ولأن “المرأة التي تهدر شرف رجل يهدر دمها” ، ورغم أنه ” في حياته كلها لم يذبح دجاجة” عمدا إلى كتم أنفاسها إلى الأبد، لأنها أصبحت في نظره كومة من القمامة لا تساوي شيئا، وهنا نجد المجتمع الأصلي يرحب بفعلته هاته، حيث سيسمع القاتل زغاريد آتية من بعيد، ورجالا يغرقونه في كلمات الترحيب، لماذا كل هذا؟ لأنه أدى دوره كرجل، وقتل المرأة الخائنة التي أهدرت شرفه، ومن ثمة تحول حلمه بإنقاذ والده الغارق في الطين، ومساعدة إخوته بعد دخوله الجنة طبعا إلى مجرد سراب خادع، سيقضي حياته بسبب الجري وراءه بين أربعة جدران باردة (السجن). وهنا نتساءل: لماذا أدان المجتمع الذكوري الزوجة الخائنة التي لطخت شرف زوجها في الوحل، ولم يدن قط الزوج الطماع الذي لم ير في المرأة المهاجرة إلا أنها مطية مضمونة لعبوره إلى الضفة الأخرى؟ إلا أن فاطمة بوزيان أدانت الزوجين معا: أماتت الزوجة الخائنة على يد زوجها، وسجنت الزوج الطماع نتيجة طمعه.
وإن لا مبالاة الزوج بزوجته نلمسها أيضا في قصة ” تداعيات غارقة في العتمة”، وتدور أحداثها حول زوجين تزوجا عن حب وقناعة، إلا أنه بعد الزواج تغيرت معاملة الزوج لزوجته، فأصبح يتجاهل وجودها باستمرار، ويصفق باب البيت وراءه بعصبية كلما دخل إليه، تقول الزوجة المسكينة معبرة عن المدى الذي وصلت إليه لا مبالاته بها: “أزم شفتي، أتنحنح، أصفف شعري بأناملي، أشرئب بعنقي نحوه – لاجدوى ! عمود كهرباء هو خلف الجريدة “، لذلك نجدها تتساءل بحساسية المرأة المجروحة في أحلامها: “من يسرق الحب منا؟”، فالرجل قبل الزواج يبهره حسن الأنثى، ويدهشه فيضه، فيغرم بها ويبثها إشارات المحبة، ويسعى بكل قواه إلى التعبير لها عن ذلك الحب المكنون في قلبه، وعن ذلك الإعجاب الموسوم على وجهه، فيحمل للنسيم العليل أجمل الكلام، ويشنف آذان الحبيبة بأعذب الألحان، وينشدها أحلى الأغاني، فيقربها بكلامه العذب من دفء الشمس ليبعث فيها حرارة التوحد، ويحلق بها نورسة زرقاء في أحلامها الوردية وفي سماء حبهما، بيد أنها بعد الزواج تسقط من فوق حصان أحلامها المسرج، لتجد حال الرجل قد انقلب رأسا على عقب، حيث أصبح “بتقاسيم وجهه الحجرية، وبعينيه اللتين يلفهما الصمت” أشبه بأبي الهول، ومرة أخرى تتساءل: من يسرق الحب منا؟.
ونفس المعاملة القاسية نلمحها في تضاعيف قصة “صباح الخير” ، إذ نجد الزوج قد هاجر إلى الضفة الأخرى طمعا في حفنة من المال، تاركا زوجته الوفية لذكراه ولذكرياته معها في أرض الوطن، تتجرع مرارة الوحدة ويتم الفراغ، حيث “تفيض سلال روحها بغربة أهل الكهف”، ورغم ذلك “بحثت له عن ألف عذر، وسجلت العفو عنه في قائمة القلب”، وهنا تتجلى لنا سلبية المرأة المستسلمة لقدرها، والتي لا تملك إزاء ترك زوجها لها إلا الحيرة والحزن والتساؤل والضياع ! ورغم أنها محتاجة إلى “زمن ترقص فيه الدقائق بإيقاع رقصة الفلامنكو”، ورغم أن حنينا جارفا يأخذها إلى “الوجوه المجللة بالكبرياء، وإلى الابتسامات النائمة بخجل فوق الشفاه، والنظرات المرتبكة خلف ارتعاشات الأهداب”، رفضت بكل إصرار أن تتحول إلى وجه ليلي بائس ، لذلك نجدها ترتد إلى عالمها الداخلي عبر الاستنجاد بالماضي ،وتذكر حلاوة أيامه الذاهبة أدراج الرياح .
خــلاصـــــــة :
تعالج قصص فاطمة بوزيان محورا رئيسا استقطب اهتمامها، وعالجته في مختلف أبعاده وتجلياته، وهو المرأة والرجل، وقد شكل هذا المحور قاسما مشتركا بين معظم كاتبات القصة إن لم نقل كلهن ! ومن الطبيعي جدا أن نجد حضور الذات في المجموعة كاسحا ومدمرا. وقد قدمت المرأة في المجموعة على أنها إنسانة مقهورة مغلوبة على أمرها، دائما هي في وضعية تبعية وانكسار، بينما قدم الرجل على أنه ذلك القاسي الخائن الذي يتسم بالأنانية والرغبة، ويتعامل مع المرأة على أنها كمالية ثانوية أو مضادا مقابلا لرغباته ومؤسساته، ولأن الكاتبة لا تملك تغيير هذا العالم، فإنها ترفضه وترتد إلى عالمها الداخلي، وتسارع إلى الاستنجاد بالماضي عن طريق عملية التذكر( flach-back )كمتنفس وحيد لها من الواقع الخارجي المرفوض.









15 ديسمبر 2006 في الساعة 2:33 ص
السلام عليكم ايتها الكاتبة المجتهدة، وهنيئا بهذا التشريف الرائع الذي يدل على مكانتك الفاعلة في الساحة الثقافية المغربية. أتمنى لك النجاح الكبير والتألق السامي إن شاء الله.
15 ديسمبر 2006 في الساعة 3:12 ص
الأخت القاصة فاطمة بوزيان
لست أدري كيف أصبح الكاتب يقدم عملا نقديا تناول أحد إبداعاته.
ألم تجدي من يقوم بهذه المهمة نيابة عنك؟
على أية حال دعوتي لك بالتوفيق والمزيد من الإبداع.
15 ديسمبر 2006 في الساعة 8:57 ص
سيدتي فاطمة بوزيان
شكرا على هذا الابداع والعمل المجد وواصلي الطريق فنحن نحتاج الى المزيد والمزيد
بالنسبة لي اختلف مع الصديق عابر الدروب و لا اجد اي مشكلة في ان يخبرنا الكاتب بما كتب عنه واظن انه انتهى زمن التواضع والتمثيل والنفاق والمهم هو العمل والنية الصادقة
شكرا
15 ديسمبر 2006 في الساعة 2:05 م
تحية طيبة
الاستاذ جميل شكرا لك على التشجيع
الاخ القارئ عابر دروب توقعت الى حد بعيد هذه الملاحظة لكني نشرت الموضوع من باب تشجيع الاخوة الطلبة في الجامعات على البحث في المتون الادبية حتى للكتاب الشباب وحتى من باب التعريف بتجربتي خاصة في مواقع الكترونية مفتوحة للكل واحترم ملاحظتك
على كل حال
الاخ القارىء شكرا لك على موقفك
مع اني اتمنى ان يوقع كل قارىء باسمه أكره الاسماء المستعارة نحن في زمن الحريات والرأي والرأي الآخر
وأنا بطبعي احترم كل وجهات النظر طالما تم التعبير عنها بلغة مهذبة
15 ديسمبر 2006 في الساعة 5:08 م
القاصة فاطمة بوزيان
هنيئاا لك على هذا الانجاز الذي يدخل تجربتك الابداعية من بابها الواسع، وبقدر ما انك رائعة الكتابة القصصية و الطبع. فان هذا االتميز جعلك تشغلين مقدمة كراسي القصة.
المزيد من الاستحققات و مسيرة ابداعية متميزة.
حسن اليملاحي
15 ديسمبر 2006 في الساعة 11:35 م
اضم صوتي الى الرائع حسن يملاحي وهنيئا لك بهدا الانجاز..
سلامي وتحياتي ايتها العزيزة
16 ديسمبر 2006 في الساعة 12:11 ص
ayyuz awtechmath negh Fatima. onetqadam s wattas x thizemlmar nnem
16 ديسمبر 2006 في الساعة 4:14 م
المبدعة الفاضلة فاطمة بوزيان اليك الرابط..ولعنة الله علىي اذا كنت كاذبا أوكان السارق صادقا
http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&task=view&id=5548&Itemid=2
16 ديسمبر 2006 في الساعة 8:02 م
الاخوة
حسن اليملاحي
عز الدين الماعزي
maserino
احمد سيحال
تحية طيبة
شكرا على اهتمامكم وتشجيعاتكم
16 ديسمبر 2006 في الساعة 9:26 م
الاخت العزيزة والمبدعة المتميزة فاطمة بوزيان احييك بحرارة و مزيدا من التالق و الحضور و الابداع
مع عميق المحبة و الاحترام
5 يناير 2007 في الساعة 2:11 ص
تحياتي الصادقة لك أيتها المبدعة الجميلة، وأرجو لك مسارا أدبيا متميزا.