سيميائية الصــــورة الإشهاريــة

سيميائية الصــــورة الإشهاريــة

د. جميل حمداوي
توطئــــة:

تحتل الصورة الإشهارية مكانة كبرى في مجال السيميوطيقا إلى جانب الصورة السينمائية ، والصورة المسرحية ، والصورة الفوتوغرافية، والصورة التشكيلية؛ وذلك لما لهذه الصورة الإعلانية من قيمة وأهمية في مجال التسويق والاستهلاك، وترويج البضائع والسلع والمنتوجات، وتقديم الخدمات. ومن هنا، أصبح للصورة الإشهارية دورهام في جذب المتلقي ذهنيا ووجدانيا وحركيا، والتأثير عليه شعوريا ولاشعوريا، وإقناعه عقلا ومنطقا وفكرا، وكل ذلك لدفعه لممارسة مجموعة من الأفعال السلوكية المشروطة كالاقتناء والشراء والاستهلاك.إذاً، ماهي الصورة الإشهارية؟ وماهي أهم الدراسات التي انكبت على مبحث الإشهار تنظيرا وتطبيقا؟ وماهي أهم مرتكزات الصورة الإشهارية؟ وكيف يمكن مقاربة هذه الصورة سيميائيا ؟ هذا ما سوف نعرفه في هذه الأسطر الموالية.

• مفهـــوم الصــورة الإشهارية:

نعني بالصورة الإشهارية تلك الصورة الإعلامية والإخبارية التي تستعمل لإثارة المتلقي ذهنيا ووجدانيا، والتأثير عليه حسيا وحركيا ، ودغدغة عواطفه لدفعه قصد اقتناء بضاعة أو منتوج تجاري ما. ويعني هذا أن الإشهار بمثابة بث وإعلان وإخبار وتبليغ بمنتوج أو خدمة ما ، وذلك بغية إيصالها إلى المتلقي. وكل إشهار حسب رولان بارت R.Barthes رسالة:” إنه يتضمن بالفعل، مصدر بث، هو الشركة التجارية التي ينتمي إليها المنتوج المشهر أو الممتدح، ومتلقيا هو الجمهور، وقناة إبلاغ، وهي ما يسمى تحديدا ركن الإشهار.”
ومن هنا، فالإشهار سلوك اجتماعي واقتصادي وإعلامي يراد منه توصيل رسالة استهلاكية معينة ، ويستعين بكل الوسائل المستخدمة في الفنون التعبيرية الأخرى كالسينما والمسرح والتشكيل والتصوير والموسيقى. وبالتالي، يترك الإشهار أثرا حاسما اجتماعيا ونفسيا، و” يطرح عددا كبيرا من العلاقات العاطفية والثقافية المرغوبة أو المكبوتة: أصبح الإشهار الفن الشعبي الأكبر في زماننا هذا، هو مهد الميثولوجيات المعاصرة، ومجال ثقافي يومي، ومرجع أبدي لبعض أنماط الثقافة الشعبية. ”
هذا، والهدف الأساسي من الإشهار بصفة عامة والصورة الإشهارية بصفة خاصة هو أن :” يتجه أساسا نحو بيع المرجع(منتوج للبيع) بواسطة رؤية تواصلية تقليدية( بث إرسالية ما نحو المستقبل) ، تكون قريبة جدا من الخطاطات اللسانية لنظرية التواصل، حيث تشتغل بكيفية فعالة بالمفاهيم السيميولوجية التقليدية. ”
ومن هنا، فالإشهار بمثابة قناة إعلانية وإعلامية وإخبارية، ووسيلة أداتية هامة، وخطة إستراتيجية أساسية لاستمرار النظام الرأسمالي القائم على فلسفة امتلاك الأشياء، وتحقيق الأرباح، وتكريس الطبقية الاجتماعية والاقتصادية.

• ظهور الصورة الإشهارية:

ارتبطت الصورة الإشهارية بالرأسمالية الغربية ارتباطا وثيقا منذ القرن التاسع عشر، فازدهرت بعد ذلك في القرن العشرين وسنوات الألفية الثالثة أيما ازدهار ، وذلك مع تطور وسائل البث والإعلان ورقيا ورقميا، كما اقترنت بمقتضيات الصحافة من جرائد ومجلات ومطويات إخبارية ، فضلا عن ارتباطها بالإعلام الاستهلاكي، بما فيه الوسائل السمعية والبصرية من راديو، وتلفزة، وسينما، ومسرح، وحاسوب، وقنوات فضائية، بالإضافة إلى وسائل أخرى كالبريد، واللافتات الإعلانية ، و الملصقات، و اللوحات الرقمية والإلكترونية …
هذا، وقد وظهرت الصورة الإشهارية أيضا استجابة لمستلزمات اقتصاد السوق الذي يعتمد على الفلاحة والصناعة والتجارة، وعرض السلع والبضائع والخدمات إنتاجا وتسويقا وترويجا وادخارا . بل يمكن الذهاب بعيدا إلى أن الصورة الإشهارية قد ارتبطت بالمطبعة منذ اختراعها في الغرب سنة 1436م، حيث برزت الصورة الإشهارية في شكل إعلانات ونصائح وإرشادات. هذا، وقد أصبح للإعلان أو الإشهار اليوم مؤسسات وشركات ومقاولات خاصة تعتمد على سياسية الاحتكار، والتفنن في أساليب الإعلان، ودراسة السوق الاستهلاكية، والترويج للمنتوجات والبضائع. كما أصبح الإشهار مادة دراسية في المعاهد والمؤسسات التعليمية العامة والخاصة، ومقررا دراسيا في الكليات والجامعات ، وخاصة كليات التجارة والاقتصاد والآداب…
وإذا كانت المجتمعات الاشتراكية والشيوعية واليسارية قد قامت على الشعارات السياسية الثورية أو ما يسمى بالصورة الإشهارية السياسية (الدعاية السياسية)، فإن المجتمعات الرأسمالية قد أعطت اهتماما كبيرا للصورة الإشهارية الاقتصادية والتسويقية(الدعاية التجارية).

• نظريات الصورة الإشهارية:

أخضعت الصورة الإشهارية لدراسات وأبحاث علمية وفنية نظرية وتطبيقية متنوعة، كالنظرية السيكولوجية، والنظرية الاقتصادية، والنظرية الاجتماعية، والنظرية الإعلامية، والنظرية التداولية، والنظرية السلوكية، والنظرية القانونية، والنظرية الجمالية، والنظرية السيميائية…
وهكذا، تستند نظرية القيمة حسب الدكتور حميد لحمداني إلى قيمة المنتوج أو نوع الخدمة في حد ذاتها، مع التعريف بمزايا البضاعة وخصائصها. وهنا، يكون الوسيط الفني والجمالي ثانويا أو عنصرا تزينيا مكملا. لأن البضاعة قادرة بمفردها أن تقنع المتلقي بمكوناتها الذاتية القائمة على الجودة . أما النظرية السلوكية ، فتربط الإشهار بالإشراط الفعلي القائم على ثلاثة عناصر ، ألا وهي: الحافز، والاستجابة، والسلوك. ويعني هذا أن النظرية تدرس طرائق التحفيز والتطويع، وتعويد المتلقي على الاقتناء ، والشراء، والاستجابة الفورية . وهناك النظرية النفسية التي تهتم بإثارة المشاعر والغرائز الشعورية واللاشعورية ، وذلك من أجل جذب المتلقي للتعود على سلوك الاستهلاك والاقتناء .
ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن النظرية الاجتماعية التي تقرن المنتوج بعادات المجتمع وأعرافه وتقاليده، فزيت الزيتون في الإشهار التلفزي المغربي مثلا مرتبط بالهوية والأصالة وعادات المجتمع المغربي وقيمه الموروثة . في حين، ترتكز النظرية الاقتصادية على ترويج المنتوج أو السلعة أو تقديم الخدمات، وذلك على أساس تحقيق الربح، والدخول في التنافس المحموم، وتخفيض الأثمان، وتسهيل عملية الأداء ، وتنشيط عملية الاقتراض.
علاوة على ذلك، يتم الحديث كذلك عن النظرية السيميوطيقية التي تعنى بالعلامات والأيقونات والرموز والمؤشرات البصرية واللغوية الموظفة في الصورة الإشهارية ، والتي تستعمل من أجل إقناع المتلقي، والتأثير عليه ذهنيا ووجدانيا وحركيا. ومن جهة أخرى، يستعين الإشهار بلسانيات الخطاب تلفظا ودلالة وتداولا لتحقيق التواصل، وتحصيل المنافع.
بيد أنه يمكن الاستفادة من كل تلك النظريات المتعلقة بالإشهار، أو يمكن تغليب نظرية على أخرى، وذلك حسب السياق والمقصدية التداولية .

• دراســـات حول الصورة الإشهارية:

من المعروف أن ثمة دراسات وأبحاثا متعددة في مجال الإشهار، والتي قد تناولته من زوايا متعددة، وتعاملت معه بنية ودلالة ووظيفة، وذلك انطلاقا من مقاربات مختلفة. فهناك من يصدر عن مقاربة اقتصادية، أو مقاربة مهنية، أو مقاربة قانونية، أو مقاربة اجتماعية، أو مقاربة إعلامية. بيد أن الأدب كان بعيدا جدا عن مجال الإشهار، إلى أن جاءت اللسانيات والسيميائيات لتهتم بالخطابات بصفة عامة، وتدرس الدوال اللغوية والبصرية بصفة خاصة. ثم، تعنى بتصنيف الأنواع والأجناس الكلامية والمرئية من جهة، ثم تنكب على مختلف العلامات الموجودة في مجتمعنا بالدرس والتحليل والتأويل من جهة أخرى.
هذا، ومن أهم الدارسين للصورة الإشهارية في الغرب على المستوى السيميائي، لابد من استحضار: رولان بارت R.Barthes الذي اهتم كثيرا بـ” بلاغة الصورة الإشهارية” ، وارتأى أن دراسة الصورة تستوجب التركيز على دراسة الرسالة اللغوية، والصورة التقريرية، وبلاغة الصورة . وقد خصص للإشهار دراسات قيمة كما في كتابه: ” عناصر السيميولوجيا” ، وكتاب:” المغامرة السيميولوجية” ، ونستحضر كذلك جاك دورانJacques Durand ، وجورج بينينو G.Peninou كما في كتابه:” ذكاء الإشهار: دراسة سيميوطيقية” سنة 1972م، وجوردان Jourdan،ولابروز la Prose، وبرنار توسان Bernard Toussaint في كتابه:” ماهي السيميولوجيا؟” ، وكلود ليفي شتراوس Claude Lévi Strauss…
أما عن أهم الدارسين في العالم العربي، فلابد من ذكر: سعيد بنكراد ، وحميد لحمداني ، و عبد المجيد العابد ، ومحمد خلاف ، وعبد المجيد نوسي ، وجعفر عاقيل ، وقدور عبد الله ثاني …

• مكونات الصورة الإشهارية:

من المعلوم أن الصورة الإشهارية خطاب استهوائي وإيحائي وإقناعي يتألف من ثلاثة خطابات أساسية: الخطاب اللغوي اللساني، والخطاب البصري الأيقوني، والخطاب الموسيقي الإيقاعي. ويتضمن أيضا ثنائية : الدال والمدلول ، ويتكون كذلك من ثلاثة عناصر تواصلية: العنصر الأول وهو المرسل (الدولة، والأفراد المنتجون، والشركات والمقاولات الإنتاجية، والمؤسسات المروجة اقتصاديا وخدماتيا…)، والعنصر الثاني هو الرسالة الإشهارية، والتي تتكون بدورها من الدال والمدلول، والعنصر الثالث هو المتلقي، والذي يتمثل في الجمهور.
زيادة على ذلك، تتضمن الرسالة الإشهارية ثنائية التعيين والتضمين، أو ثنائية التقرير والإيحاء. أي إن هناك رسالتين متداخلتين ومتقاطعتين: رسالة تقريرية حرفية إخبارية في مقابل رسالة تضمينية وإيحائية. ويعني هذا أن هناك رسالة مدركة سطحيا ورسالة مقصدية مبطنة. وإذا أخذنا على سبيل المثال:”جبنة البقرة الضاحكة” (La vache qui rit)، فإنها تحتوي على مدلولين أو رسالتين : الرسالة الأولى سطحية إخبارية تقريرية تعتمد على الاستعارة والتشخيص البلاغي ، وتبين لنا بأن الجبنة الحيوانية تغذية صحية متكاملة . بيد أن الرسالة الثانية تحمل مدلولا ثاويا وعميقا، وتؤشر على مقصدية إيحائية تتمثل في جودة المنتوج المعلن عنه، وأنه من الأفضل شراؤه ، واقتناؤه، واستهلاكه. أي تقول لنا الرسالة الإشهارية الإيحائية: ” أيها المستهلكون جميعا: اشتروا البضاعة، فإنها رائعة وجيدة”.
وهكذا، نجد أن الصورة الإشهارية تستعين بسمات وصيغ أسلوبية عديدة ومتنوعة كالتشبيه، والاستعارة ، والتشخيص، والأيقون، والمجاز، والكناية،والرمز، والأسطورة، والسجع، والتورية، والجناس، والطباق، والمقابلة، والتكرار، والتوازي، بالإضافة إلى تقطيع الجمل نبرا وتصويتا وإيقاعا وتنغيما ولحنا… كما يظهر لنا أن الرسالة الأولى في الصورة الإشهارية بكاملها :” تكون دال الرسالة الثانية. لذلك، يقال: إن الرسالة الثانية توحي بالأولى. نكون، في هذه الحالة، إذاً، بصدد بنية رسائل : إن الرسالة الأولى، والمكونة من اجتماع دوال ومدلولات، تغدو مجرد دال للرسالة الثانية، وفق عملية تقليص؛ بما أن عنصرا واحدا من الرسالة الثانية (دالها) يسع الرسالة الأولى بكاملها.”
هذا، وإذا كانت رسالة الإشهار الأولى صريحة، فإن رسالته الثانية إيحائية. ومن ثم، تتسم الصورة الإشهارية بعدة سمات ومكونات كالنفعية، والمجانية، والحدة الإلزامية، والتأرجح بين التصريح والإيحاء، وتشغيل بلاغة اللسان والصورة، والتركيز على المقصدية الإقناعية والتأثيرية، علاوة على خاصية الدعاية والإعلان، وخاصية التحفيز، والتشديد المضاعف على الرسالة… وكل هذا من أجل تحقيق تواصل بين القارئ والموضوعات البشرية الكبرى، بغية تحقيق المتعة واللذة، وبناء عوالم حلمية ممكنة على أساس التحفيز والتملك والاقتناء والاستهلاك.
وبالتالي، لا يمكن للصورة الإشهارية أن تحقق النجاح إلا بتجويد الصورة ، والتوفيق بين الدلالة التقريرية التصريحية والدلالة المقصدية الإيحائية. وفي هذا الصدد ، يقول رولان بارت:” إن الرسالة التقريرية … هي التي تتحمل، إذا جاز لي القول، المسؤولية الإنسانية عن الإشهار: إن كانت جيدة نجح الإشهار، وإن كانت رديئة فشل. ولكن ما معنى أن تكون رسالة إشهارية ما جيدة أو رديئة؟ إن القول بفعالية شعار ما، ليس معناه تقديم جواب، لأن سبل هذه الفعالية تبقى غير أكيدة: يمكن لشعار ما أن يغري دون أن يقنع، لكن يمكنه، مع ذلك، أن يدفع إلى الشراء عن طريق هذا الإغراء وحده. ويمكنننا القول، مستندين إلى الصعيد اللغوي للرسالة، إن الرسالة الإشهارية الجيدة هي تلك التي توجز في ذاتها بلاغة غنية جيدة، وتطرق بدقة ، وبكلمة واحدة في الغالب، الموضوعات الحلمية الكبرى للبشرية ، محدثة ذلك التوسيع الكبير للصور الذي يميز الشعر نفسه. وبعبارة أخرى، تكون معايير اللغة الإشهارية هي نفس معايير الشعر: صور بلاغية، واستعارات، وتلاعب بالكلمات. كل هذه الأدلة المذكورة، وهي أدلة مضاعفة، توسع من مجال اللغة ليشمل مدلولات مستترة، بل إنها لتمنح، بذلك الإنسان الذي يتلقاها، القدرة على خوض تجربة كلية. وبكلمة واحدة، بقدر ما تكون العبارة الإشهارية مزدوجة بقدر ما تكون متعددة، فإنها تنجز وظيفتها بصورة أفضل كرسالة إيحائية.”
هذه هي أهم المكونات الأساسية التي تنبني عليها الصورة الإشهارية سيميائيا، فضلا عن مكونات تداولية كالمرسل، والرسالة، والمتلقي،والقناة ، واللغة ، والمرجع، والأيقون. ولكل عنصر وظيفة معينة كالوظيفة التعبيرية، والوظيفة الجمالية، والوظيفة التأثيرية، والوظيفة الحفاظية، والوظيفة الوصفية، والوظيفة المرجعية، والوظيفة الأيقونية.

• تمظهرات الصورة الإشهارية:

تتمظهـــر الصورة الإشهارية في كثير من المجالات والميادين، ومن بين تلك المجالات، نذكر: الصحافة ، وخاصة الجرائد والمجلات والمطويات، والتي تستعين بالصورة الإشهارية بغية التأثير على المتلقي وإقناعه، وذلك أيضا من أجل تسديد نفقات النشر والطبع والتوزيع، ودفع أجور موظفيها. دون أن ننسى الوسائل السمعية البصرية من إذاعة، وشاشة صغرى وكبرى، وقنوات فضائية متنوعة، علاوة على اللوحات الإشهارية الملصقة على الجدران وأعمدة الطرق سواء أكانت تلك اللوحات الإعلانية ثابتة أم متحركة إلكترونيا. كما استخدم الإشهار فنيا وجماليا في مجال المسرح ، ولاسيما في المسرح التسجيلي أو الوثائقي أو السياسي، وذلك مع المخرجين الألمان كبيسكاتور وبيتر فايس وبرتولد بريخت، حيث استعملوا اللافتات الإعلامية ، والشعارات الثورية المعادية للرأسمالية والأنظمة المطلقة الفاشية، مع الاستعانة بالملصقات الإشهارية الدعائية ذات الطابع الاشتراكي، وذلك لتحريض الراصدين على الثورة والتغيير، وتوعيتهم بقضية العرض المسرحي ، وذلك عن طريق استخدام العقل والمنطق والحوار والنقد.

• الصورة الإشهارية صورة إيحائية خادعة :

ما يلاحظ على الصورة الإشهارية بالخصوص أنها صورة سيميائية خادعة، وعلامة لسانية مضللة للمتلقي ، وذلك من خلال تشغيل خطاب التضمين والإيحاء، وتجاوز التعيين، والارتكان إلى ثنائية الحافز والاستجابة، والخضوع للمتطلبات الإيديولوجية وشروط البرجماتية الاقتصادية. وهذا ما يستوجب من المتقبل أن يكون واعيا ومتنورا قادرا على النقد، وممارسة السؤال، وقراءة الرسائل الثاوية والعميقة، وتفكيك لغة الصورة جيدا، وتشريحها سطحا وعمقا. كما أن الصورة الإشهارية تحمل بطبيعة الحال نوايا المرسل، وتقدم رؤيته للعالم، وتعمل جاهدة للتأثير على القارئ ، وإقناعه، واستهوائه. وقد صدق روبير كيران Robert Guerin حينما قال:” إن الهواء الذي نستنشقه مكون من الأكسجين والنتروجين والإشهار”.
هذا، وتساهم الصورة الإشهارية أيضا بكل دوالها ومدلولاتها الإيحائية في استلاب الإنسان المتلقي، وتحويله إلى آلة استهلاكية مستقبلة ليس إلا.

• كيــف نقارب الصورة الإشهارية؟

من المعروف أنه عند دراسة الصورة الإشهارية لابد من التركيز على العلامات البصرية التشكيلية، والعلامات الأيقونية، والعلامات اللسانية، بالإضافة إلى الانتباه لثنائية التعيين والتضمين، وثنائية الاستبدال والتأليف، وثنائية الدال والمدلول، وثنائية التزامن والتعاقب( يوظف إشهار ” زيت الزيتون” بالمغرب في تطوره التعاقبي والتزامني، وذلك لتأكيد جدلية الأصالة والمعاصرة) ، والبحث في معمار الصورة الإشهارية ( الاستهلال، والعرض، والخرجة) ، ورصد وظائف هذه الصورة (الوظيفة الجمالية، والوظيفة التوجيهية، والوظيفة التمثيلية، والوظيفة الدلالية، والوظيفة الإعلامية، والوظيفة الإخبارية، والوظيفة الإيديولوجية، والوظيفة التأثيرية، والوظيفة الاقتصادية، والوظيفة التربوية التعليمية، والوظيفة السياسية… )
هذا، وتستعمل الصورة الإشهارية مجموعة من الآليات البلاغية والبصرية ، وذلك قصد التأثير ، والإمتاع ، والإقناع ، وتمويه المتلقي كالتكرار، والتشبيه، والكناية، والمجاز المرسل، والاستبدال، والتقابل، والتضاد، والجناس، والاستعارة، والمبالغة، والمفارقة، والسخرية، والحذف ، والإضمار، والإيجاز، والتوكيد، والالتفات، والتورية، والتعليق، والتكتم، والقلب، والتماثل، والتشكيل البصري…
هذا، وحينما نريد تحليل الصورة الإشهارية، فلابد من وصف الرسالة على مستوى الإطار والمنظور والعتبات، ومقاربتها إيكونولوجيا Iconologie، ودراستها سيميولوجيا تحليلا وتأويلا، والتركيز على العلامات التشكيلية البصرية، واستقراء العلامات اللغوية، واستكناه العلامات الأيقونية، دون نسيان البحث في المقاصد المباشرة وغير المباشرة، وتشغيل آليات التأويل(استدعاء المؤول الدينامي)، وذلك بتتبع عمليات السيميوزيس (التدلال)، والانتقال من التعيين إلى التضمين، و الانتقال كذلك من القيم الأكسيولوجية المجردة المحايدة إلى القيم الإيديولوجية بالمفهوم السيميائي.
وهكذا، تستوجب المقاربة السيميوطيقية التعامل مع الصورة الإشهارية ، وذلك من خلال التركيز على مستويات معينة كالمستوى اللساني، والذي يتمثل في دراسة مجموعة من البنيات: البنية الصوتية والإيقاعية، و البنية الصرفية والتركيبية، والبنية البلاغية. وبعد ذلك، الانتقال إلى المستوى السيميائي ، والذي يتمثل في دراسة العلامات البصرية والأيقونية، والانتهاء بالمستوى التداولي الذي يهتم بدراسة المقاصد المباشرة وغير المباشرة للرسالة الإشهارية.

خلاصات ونتائــج:

وهكذا، نصل إلى أن الصورة الإشهارية ستبقى وسيلة أساسية لتعضيد ثقافة الاستهلاك ، ولاسيما في المجتمعات الرأسمالية القائمة على الإنتاج، والتسويق، والتوزيع، والتنافس، والاحتكار، وتحصيل الأرباح ، ولو كان ذلك على حساب القيم والأخلاق. ومن هنا، نستحضر قولة برنار توسان Bernard Toussaint التي تدافع عن الإشهار، وذلك باعتباره مسلكا ضروريا في حضارتنا القائمة على اقتناء الأشياء، وتوظيف البصري:” الإشهار بالرغم من مناهضيه باسم إيديولوجيا شبه يسارية أو نظرة قيمية لأشكال التعبير، سوف يصبح الوسيلة الكبرى للتعبير الأيقوني والسمعي- البصري في عصرنا هذا، ومجال استثمار كبير يضاهي الاستثمارات الخاصة بكاتدرائيات العصر الوسيط. كما هو شأن الجمعيات الصناعية في العصر الوسيط، ويملك الإشهار أساطيره وخرافاته، وجماعاته التلقينية، ورسومه الأيقونية” .
ولكن هل يمكن الحديث بكل صراحة عن صورة إشهارية وإعلانية حقيقية، وذلك بدون الحديث عن المصداقية ، والمسؤولية، والالتزام، وتمثل القيم والأخلاق في تقديم الصور الإشهارية، وعرضها سمعيا وبصريا؟ وبتعبير آخر ، إلى أي مدى ستظل الصورة الإشهارية صورة خادعة ومضللة وواهمة بواسطة الإيهام وبلاغة المجاز والمبالغة والإنشاء الاستلزامي؟ وإلى أي حد ستبقى هذه الصورة ، وهي تستعين بمجموعة من النظريات المعرفية والمنهجية، ولاسيما اللسانية والسيميوطيقية منها، حبيسة التنافس المحموم ، والاستغلال غير الشرعي للمتلقي الساذج أو البسيط أوالمستلب؟!!!

الهوامش:

– رولان بارت: المغامرة السيميولوجية، ترجمة: عبد الرحيم حزل، دار تينمل للطباعة والنشر،مراكش، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1993م، ص:29؛
2- برنار توسان: ماهي السيميولوجيا؟، ترجمة: محمد نظيف، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 2000م، ص:64؛
3- برنار توسان: ماهي السيميولوجيا؟، ص:64-65؛

4- د. حميد لحمداني: (مدخل لدراسة الإشهار)، مجلة علامات، مكناس، المغرب، العدد 18، السنة 1998م، ص:75 وما بعدها؛
5 – د. حميد لحمداني: (مدخل لدراسة الإشهار)، مجلة علامات، ص:75 وما بعدها؛
6- د. حميد لحمداني: (مدخل لدراسة الإشهار)، مجلة علامات، ص:75 وما بعدها؛
7 – د. حميد لحمداني: (مدخل لدراسة الإشهار)، مجلة علامات، ص:75 وما بعدها؛
8 – د. حميد لحمداني: (مدخل لدراسة الإشهار)، مجلة علامات، ص:75 وما بعدها؛
9- انظر: رولان بارت: المغامرة السيميولوجية، ص:29 وما بعدها؛
10 – قدور عبد الله ثاني: سيميائية الصورة، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2007م، ص:39؛
11- رولان بارت: مبادئ في علم الأدلة، ترجمة: محمد البكري، عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م؛
12 – انظر: رولان بارت: المغامرة السيميولوجية، ص:29 وما بعدها؛
– برنار توسان: ماهي السيميولوجيا؟، ترجمة: محمد نظيف، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 2000م، ص:64؛
13 – سعيد بنكراد وآخرون: استراتيجيات التواصل الإشهاري، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، سوريا، الطبعة الأولى سنة 2010م؛
14- د. حميد لحمداني: ( مدخل لدراسة الإشهار)، مجلة علامات، المغرب، العدد: 18، 1998م، ص:75 وما بعدها؛
15- عبد المجيد العابد: مباحث في السيميائيات، دار القرويين، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2008م، ص:47-56؛
16 – محمد خلاف: (الخطاب الإقناعي: الإشهار نموذجا)، مجلة دراسات أدبية ولسانية، عدد خاص بتحليل الخطاب، المغرب،العدد:5 ، السنة1986م، ص:32-45؛
17 – د. عبد المجيد نوسي:( الإقناع في الصورة الإشهارية)، مجلة المناهل، المغرب، العدد:62-63، ماي 2001م؛
18 – جعفر عاقيل: (غواية الفوتوغرافيا الإشهارية)، مجلة علامات، المغرب، العدد: 33، السنة 2010م، صص:105-109؛
19- قدور عبد الله ثاني: سيميائية الصورة، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2007م؛
20 – انظر: رولان بارت: المغامرة السيميولوجية، ص:30 ؛
21- رولان بارت: المغامرة السيميولوجية، ص:33 ؛
22 – رولان بارت: المغامرة السيميولوجية، ص:33-34 ؛
23- فيصل الأحمر: معجم السيميائيات، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، ومنشورات الاختلاف، الجزائر، الطبعة الأولى 2010م، ص:114؛
24- برنار توسان: ماهي السيميولوجيا؟، ، ص:64.

7 رأي حول “سيميائية الصــــورة الإشهاريــة

  1. استمتعت بقراءة هذه الدراسة القيمة التي تنم على تعمقك في مجال الدراسات السميائية .
    دمت مبدعا جميلا يا جميل عيد أضحى سعيد عليك وعلى جميع أفراد الأسرة مودتي لك بحجم السماء

  2. أشبع نهمي مقالك ياجميل ..وهذا ليس بعسير على هرم مثلك فما زال في جعبتك المزيد …
    تقديري

اترك رد