(تقنيات السرد وعناصره في الحكاية المثلية)


(تقنيات السرد وعناصره في الحكاية المثلية)
(قصة “مثل الرجل الهارب من الذئب واللصوص” من كتاب كليلة ودمنة” لـعبد الله بن المقفع أنموذجا)
النص
(مثل الرجل الهارب من الذئب واللصوص)
كالذي قيلَ إنَّ رجلاً سَلَكَ مَفازَةً فيها خَوفٌ مِنَ السِّباعِ وكانَ الرجلُ خَبيرًا بوَعَثِ تلك الأرضِ وخَوفِها. فلمَّا سارَ غيرَ بعيدٍ اعتَرَضَ له ذِئبٌ من أحَدِّ الذِّئابِ وأضراها. فلمَّا رأى الرجلُ أنَّ الذِّئبَ قاصِدٌ نحوه خافَ منه ونَظَرَ يَمينًا وشِمالاً ليَجِدَ مَوضِعًا يَتَحَرَّزُ فيه مِنَ الذِّئبِ، فلم يَرَ إلا قَريَةً خَلفَ وادٍ فَذَهَبَ مُسرِعًا نحو القَريَةِ. فلمَّا أتى الوادي لم يَرَ عليه قَنطَرَةً ورأى الذِّئبَ قد أدرَكَهُ فألقى نفسَهُ في الماءِ وهو لا يُحسِنُ السِّباحَةَ وكاد يَغرَقُ لولا أن بَصُرَ به قَومٌ من أهلِ القريَةِ فَتَواقَعوا لإخراجِهِ، فأخرَجوهُ وقد أشرَفَ على الهَلاكِ. فلمَّا حَصَلَ الرجلُ عندَهُمْ وأمِنَ على نفسِهِ من غائِلَةِ الذِّئبِ رأى علي عُدْوَةِ الوادي بيتًا مُفَردًا فقالَ: أدخُلُ هذا البيتَ فأستَريحُ فيه. فلمَّا دَخَلَهُ وَجَدَ جماعَةً مِنَ اللُّصوصِ قد قَطَعوا الطَّريقَ على رجلٍ مِنَ التُّجَّارِ وهم يَقتَسِمونَ مالَهُ ويُريدونَ قَتْلَهُ. فلمَّا رأى الرجلُ ذلك خافَ على نفسِهِ ومَضى نحو القريَةِ فأسنَدَ ظَهرَهُ إلى حائِطٍ من حيطانِها ليَستَريحَ ممَّا حَلَّ به مِنَ الهَولِ والإعياءِ إذ سَقَطَ عليه الحائِطُ فماتَ
قالَ الرجلُ: صَدَقتَ قد بَلَغَني هذا الحَديثُ. وأمَّا الثَّورُ فإنَّه خَلَصَ من مكانِهِ وانبَعَثَ فلم يَزَلْ في مَرجٍ مُخصِبٍ كثيرِ الماءِ والكَلأِ، فلمَّا سَمِنَ وأمِنَ جَعَلَ يَخورُ ويَرفَعُ صَوتَهُ بالخُوارِ. وكانَ قريبًا منه أجَمَةٌ فيها أسَدٌ عَظيمٌ وهو ملِكُ تلك النَّاحِيَةِ ومعه سِباعٌ كثيرَةٌ وذئابٌ وبناتُ آوي وثعالِبُ وفُهودٌ ونُمورٌ. وكانَ هذا الأسَدُ مُنفَرِدًا برأيِهِ دونَ أخذٍ برأيِ أحدٍ من أصحابِهِ. فلمَّا سَمِعَ خُوارَ الثَّورِ ولم يكن رأى ثَورًا قَطُّ ولا سَمِعَ خُوارَهُ خامَرَهُ منه هَيبَةٌ وخَشيَةٌ وكَرِهَ أن يَشعُرَ بذلك جُندُهُ. فكانَ مُقيمًا مكانَهُ لا يَبرَحُ ولا يَنشَطُ بل يُؤْتى بِرزقِهِ كلَّ يومٍ على يَدِ جُندِهِ. وكانَ فيمَن معه مِنَ السِّباعِ ابنا آوي يُقالُ لأحدِهِما كَليلَةُ وللآخَرِ دِمنَةُ، وكانا ذَوَيْ دَهاءٍ وعِلمٍ وأدَبٍفقالَ دِمْنَةُ يومًا لأخيهِ كَليلَةَ: يا أخي ما شأنُ الأسَدِ مُقيمًا مكانَهُ لا يَبرَحُ ولا يَنشَطُ خِلافًا لعادَتِهِ? فقالَ له كَليلَةُ: ما شأنُكَ أنتَ والمسألَةَ عن هذا? نحن على بابِ ملكِنا آخِذَينِ بما أحَبَّ وتارِكَينِ ما يَكرَهُ ولسنا من أهلِ المرتَبَةِ التي يَتَناوَلُ أهلُها كلامَ الملوكِ والنَّظَرَ في أمورِهِمْ. فأمسِكْ عن هذا واعلَمْ أنَّه مَن تَكَلَّفَ مِنَ القَولِ والفِعلِ ما ليسَ من شكلِهِ أصابَهُ ما أصابَ القِردَ مِنَ النَّجَّارِ. قالَ دِمْنَةُ: وكيفَ كانَ ذلك?
(تحليل النص السردي في الحكاية المثلية)
إن النظرية النقدية المعاصرة، سعت إلى تداخل الأجناس الأدبية، ودراستها دراسة دقيقة تؤكد تطورها؛ وقد نشأت في الآونة الأخيرة النظرية السردية التي حرص النقاد والمفكرون أمثال: “تيزﭬيتان تودوروڤ”،و “جيرار جنيت” و”رولان بارت” وغيرهم، على مسايرتها لتلك النصوص التي تندرج تحت ما يسمى بتداخل الأنواع الأدبية، أو ما يسمى بتراسل الفنون، فالنظرية النقدية المعاصرة قد تجاوزت بروعتها وسحرها وظيفة النقد التقليدي الذي يركز على الجزئيات؛ دون النظر إلى القضايا الكلية التي تغوص في أعماق النصوص، وتحللها من جميع جوانبها، وقد واكب ظهورَ هذه النظرية الأدبية اختلافٌ كبيرٌ في المناهج والرؤى النقدية.
فالسرد بداية يعني:” مجموعة من العناصر المكونة لجنس أدبي ما ، وتتضمنSadالحدث، والزمان، والمكان، والشخصية، والتشويق ، وما إلى ذلك)؛ كما أنها” تتضمن : (التسلسل الزمني للأحداث والوقائع)، و من هنا سوف ننطلق في دراسة حكاية” مثل الرجل الهارب من الذئب واللصوص ” مستقصين مدى مطابقة بناء الحكاية وتشكل سردها مع العناصر السردية السالفة.
• وبقليل من التأمل والتفكير في الحكاية منذ بدايتها ؛ نجد أن بناءها منتظمٌ يراوح بين السرد الكثير والحوار القليل، غير أن حوار الملك “دبشليم” مع الفيلسوف “بيدبا”، أنتج حكاية شخصتها حيوانات؛ تفرعت عنها حكاية أخرى مضمنة في الحكاية الأولى وهي حكاية “الأسد وابن آوى والحمار” ثم حكاية (مثل الرجل الهارب من الذئب واللصوص).
• أما إذا نظرنا إلى عناصر السرد القصصي؛ فإننا سنجد (الفعل) ويتمثل ـ هنا ـ في محاولة فرار الرجل من الموت؛ فهو يمتاز كغيره من أبواب “كليلة ودمنة”، باحتوائه على حكمة وجودية وأحكام فلسفية عميقة مضمنة؛ إذ إن مجمل الأوضاع التي مر بها ” الرجل الهارب من الذئب واللصوص ” تجسد مفهوم” القضاء والقدر وعدم الفرار منهما.
• لقد سلك “ابن المقفع” في حكاية” مثل الرجل الهارب من الذئب واللصوص” إيصال رسالة إلى المتلقي مفادها إحداث تغيير إيجابي في المجتمع كله.
• ولن نسترسل طويلا في الكلام عن المغزى من الحكاية؛ ولكننا سوف ننتقل مباشرة إلى التحليل .
• (فالحكاية تدور حول رجل سَلَكَ مَفازَةً فيها مِنَ السِّباعِ ما فيها، فلمَّا سارَ اعتَرَضَه ذِئبٌ ضار؛ فأراد الرجل الفرار مِنَ الذِّئبِ، فلم يَرَ إلا قَريَةً ؛ فَذَهَبَ مُسرِعًا نحوها. فلمَّا أتاها ؛ وجد ماء ؛ وهو لا يُحسِنُ السِّباحَةَ؛ فكاد أن يَغرَقُ لولا أن بَصُرَ به قَومٌ من أهلِ القريَةِ فَتَواقَعوا لإخراجِهِ، فأخرَجوهُ وبعدها رأى بيتًا مُفَردًا في الوادي ؛ ففكر أن يستَريح فيه؛ فلمَّا دَخَلَهُ وَجَدَ جماعَةً مِنَ اللُّصوصِ وهم يَقتَسِمونَ مالَ تاجر؛ قَطَعوا عليه الطَّريقَ؛ ويُريدونَ قَتْلَهُ؛ فلمَّا رأى الرجلُ ذلك مَضى خائفا نحو القريَةِ؛ فأسنَدَ ظَهرَهُ إلى حائِطٍ من حيطانِها ؛ ليَستَريحَ ممَّا حَلَّ به مِنَ الهَولِ والإعياءِ؛ وعندها سَقَطَ عليه الحائِطُ فماتَ)
• وبما أننا ندرس هنا السرد، فلابد أن نشير إلى أن أغلب المنظرين للسرد والحجاج؛ مثل شايم بيرلمان، وميشال مايير، وبيار أوليرون، وآلان بواسينو جميعهم يعرف الحجاج:” أنه جهد إقناعي، وبأنه بعد جوهري في اللغة”( )
• فإذا نظرنا إلى عناصر السرد القصصي وتقنياته؛ فسنجد(الزمان) ـ على سبيل المثال ـ وزمن الأحداث يتمثل بداية بوقت النهار، فالزمن للأحداث ليس مرتبطا بوقت محدد؛ بل هو زمن كوني؛ غير أننا إذا أردنا حصره وقسمناه في الحكاية إلى بداية ووسط ونهاية؛ فسنجد أنه بداية يتركز في زمن الفرار من الذئب، ثم الزمن الأوسط عند الاستغاثة من الغرق؛ ثم إنقاذه والفرار إلى البيت الذي به اللصوص، ثم الزمن النهائي عندما استند إلى الحائط؛ فوقع عليه الحائط فمات؛ وكلها دارت في وقت النهار؛ فالأحداث هنا متعاقبة متنامية مرتبة ترتيبا خطيا منطقيا، ليس فيها ارتدادات؛ فهو لم يورد حدثا سابقا للنقطة التي وصل إليها السرد؛ ولا استباقات؛ لأنه لم يورد حدثا لم يبلغه السرد بعد.
• أما (المكان)،فإذا أردنا حصره في الحكاية؛ فسنجده يتمثل ظاهريا في (المفازة)ثم النهر، ثم القرية، ثم الدار، ثم تحت الجدار الذي سقط عليه) فالمكان حقيقة ـ في الحكاية المثلية ـ ليس مرتبطا بمكان محدد؛ بل إنه يمتد في ذلك الفضاء الكوني الفسيح؛ غير أننا نرى أن الزمان والمكان ظلا منفتحين يحيلان على أن الحكاية “المثلية فن كوني”؛ فهي حين تصور أشياء كونية ليست مرتبطة بكائن موجود في العالم”( ) .• أما (الشخصيات) فتتمثل في الرجل الذي يمثل الشخصية”الرئيسة” ودارت حوله الأحداث، وذلك عندما “طلب الرجل الأمان؛ حتى إذا ظفر به ضاع منه على غير إرادته”، أما “الذئب واللصوص و التاجر وأهل القرية”، فهذه كلها شخصيات “ثانوية”، أما “الأسد وابن آوى والحمار” فقد كانوا شخصيات ضرب بهم المثل، فكانت بذلك حكاية صغرى ،ذات مرامي بعيدة، متضمنة في الحكاية الكبرى” الرجل الهارب من الذئب واللصوص”.
• أما (الحوار) فهو غير موجود في الحكاية، ورغم أن الحكاية نحت منحى السرد أكثر منها إلى الحوار، إلا أن هذا السرد، كانت وظيفته ترتيب الأفكار والرؤى، وإثبات المواقف التواصلية التي ترومها حكاية ” مثل الرجل الهارب من الذئب واللصوص ” بشكل خاص، وحكايا “كليلة ودمنة” بشكل عام.
• أما (الوصف) فكان من وجهة نظر الباحث يأتي على لسان (راوٍ) لا يشارك في الأحداث.
• أما (الزمن السردي) فالترتيب الزمني هنا يقوم على المقارنة بين زمن الحكاية وزمن الخطاب” فإيقاع السرد وسرعته”تقوم على أساس حركة (المشهد) حيث تروى الأحداث مفصلة كأنها تدور أمامنا كما لو أننا نشاهدها، ونسمع ما يدور بين الشخصيات من أقوال؛ وحركة (المشهد) هنا تستخدم في سرد الأحداث المهمة .
• أما (الراوي) فليس بالضرورة أن يكون الراوي هو الكاتب، ولكنه الفيلسوف (بيدبا)؛ فالحكاية الإطار يعلن عنها “ابن المقفع” قبل البدء في سرد الأحداث مباشرة، وتتمثل في حكاية الملك “دبشليم ” والفيلسوف “بيدبا “؛ وذلك حين يطلب الأول من الثاني أن يضرب له مثلا:” اضرب لي مثل الرجل الذي يطلب حاجة، فإذا ظفر بها أضاعها”( )، ولعل هذه خاصية من خاصيات الحكاية المثلية، فبمجرد شروع الفيلسوف في الحكي، تتفرع الحكاية الإطار إلى:” حكايات كبرى تمثل أبواب الكتاب، وضمن كل باب تتوالى الحكايات الصغرى أو الحكايات الخرافية الفرعية، وخاصة ما غاب عنها الحيوان. ( )”
• ” أما (الحكي) هنا فيقوم على دعامتين أساسيتين:
أولاهما: أن يحتوي على قصة ما، تضم أحداثا معينة، وهي حكاية ” مثل الرجل الهارب من الذئب واللصوص ” بشكل خاص.
وثانيتهما: أن تعين الطريقة التي تحكى بها تلك القصة، وتسمى هذه الطريقة سردا، ذلك أن قصة واحدة؛ يمكن أن تحكى بطرق متعددة، ولهذا السبب فإن السرد هو الذي يعتمد عليه في تمييز أنماط الحكي بشكل أساس.
المروي له وليس بالضرورة أن يكون القارئ ولكنه الملك (دبشليم)
• ومن هنا يتبين أن خصائص السرد كما اتفق عليها والتي أشرنا إليها في تعريفات سابقة، حاضرة في الحكاية وإن كانت تنحو منحى الحوار، وحين تقترن بالحكمة التي تدل على سلوك إنساني، ويضرب بها المثل من أجل غاية إنسانية وخلقية وحكمية وجودية كما في ” مثل الرجل الهارب من الذئب واللصوص “، تصبح الحكاية المثلية “فنا كونيا”؛ لكي يتمكن النص من إيصال مراميه ومغازيه.
• وبعد أن انتهينا من الشق الأول الذي يتفرع منه النص السردي، حيث ينقسم إلى قسمين هما :
1- الحكاية : وتنقسم إلى( الأفعال والزمان والمكان والشخصيات)وهذه الحكاية مادة خام موجودة بالقوة وتحتاج إلى الخطاب لتكون موجودة بالفعل؛ وقد انتهينا من تحديدها.
2ـ الخطاب : وهو الكلام الذي يلتبس بالحكاية فيخرجها إلى النور، والحكاية والخطاب يكونان ما يسمى بالقصة، وفي القصص التخييلي؛ ومنه الحكاية المثلية؛ نجد أن السرد أو فعل السرد أو عملية السرد أو القص أو الرواية يولد في الآن نفسه (الحكاية والكلام الذي ينقلها) ،والرواة غالبا ما يستخدمون الماضي في سرد الحكايات للإيهام بواقعية الأحداث.
• فالسارد ـ هنا ـ قد افتتح حكاية ” مثل الرجل الهارب من الذئب واللصوص ” كما في كل الحكايات السالفة في “كليلة ودمنة”، بصيغة “قيل إن”؛ وهي صيغة تؤشر إلى بداية السرد، أو بداية القصة بعد الحوار الذي يجري بين المؤلف والملك.
• إن هذه البداية تؤكد أن بيدبا ليس مؤلف هذه القصص، بل هم قوم آخرون غير معروفين أو على الأقل لا يعرف بهم (بيدبا)، ولكن يبدو من خلال صيغة “قيل إن” التي تساوي “كان يا ما كان”، أو “زعموا أن ” وغيرها من الصيغ الحكائية التي يتوارى المؤلف خلفها؛ ففي “كليلة ودمنة”، اقتصر حضور المؤلف فقط على مقدمة الكتاب، ثم اختفى ـ بعد ذلك ـ في بقية الحكايات كلها. وهذا يوحي للمتلقي بواقعية هذه القصص فعبد الملك مرتاض يقول في هذا الشأن:”وربما يكون عبد الله بن المقفع اصطنع مصطلح “زعموا” لأن الناس كانوا، على عهده، حراصا على الرواية الموثوقة….لذلك ظل المصطلح هو اللازمة السردية الغالبة على نص “كليلة ودمنة””( )، “فالسرد يحتاج إلى الإعلان عن نفسه بصيغة من الصيغ التي تكون بالنسبة إلى الحكاية كالإطار بالنسبة إلى اللوحة، وهكذا فإن عبارة(قيل إن ، أو “زعموا أن”وغيرها) تعلن للمتلقي أن السرد قد بدأ وتحدد نوعه.” ( )
• من هنا نستنتج أن حكاية ” مثل الرجل الهارب من الذئب واللصوص ” المصنفة ضمن “الحكايا المثلية” الواردة في كليلة ودمنة”، توافرت فيها جل شروط السرد، وبهذا خضعت لتقنيات البنية السردية؛ وينساق وراء ما ورد فيها من أحداث ومفاهيم ما يؤكد معنىSadالمستجير من الرمضاء بالنار )؛ فالرجل منذ البداية يحاول أن يفر من قضاء الله وقدره إلى قضاء الله وقدره،
• لقد حرص ابن المقفع على بناء نصه وتشكيله على نحو يستجيب من خلاله لما تتطلبه النظرية السردية، وتقنيات السرد؛ من شخصيات، وحدث، وزمان، ومكان. ومن جهة ثانية، نجح في توظيفه الحجاج.
• أما (الرائي) فقد يكون الراوي وقد يكون أحد الشخصيات في القصة؛ والرائي هنا هو الفيلسوف (بيدبا)
أما (الرؤية) فهي مصطلح سردي يشمل كل الحواس وهو يعني وجهة نظر الرائي، وقد اتفق كثير من الدارسين على أن “الحكاية المثلية” نص حجاجي تهذيبي جمالي، يهدف إلى تثبيت قيم أخلاقية/إنسانية؛ وإيصال غرض تعليمي إلى المتلقي. وفي حكاية ” مثل الرجل الهارب من الذئب واللصوص” كثير من هذه المقاصد التعليمية/الخلقية التي تمثلت في ثنائية(الخطر والنجاة) مع ضرورة التسليم بثنائية (القضاء والقدر) ؛ فالخطر يفر منه الإنسان(الرجل) فينجو، ثم ما يلبث أن يأتيه الخطرمرة أخرى؛ ثم ما يلبث أن يأتيه الخطرمرة أخرى؛ وهكذا؛ وهذا يعني أن الحكاية في بنيتها السطحية الظاهرية تبدو سردًا، غير أنها ـ في حقيقة الأمر ـ تخدم بعدا أخلاقيا إنسانيا .
ويمكننا أن نستخلص من كل ما سبق، جملة من الأفكار والمعاني أهمها: (لا حيلة ولا فرار من الموت)، ولعل هذه الأفكار تحيلنا إلى موقفين من المواقف التواصلية في الحجاج؛ موقف احتفالي بنجاة الرجل في البداية من الموت، وموقف مأساوي يتم من خلاله تأبين الرجل الذي مات ووقع عليه الحائط، وهذا يتجاوز الموقف الذي حدث إلى موقف إنساني أعمق؛ يتخطى ويتجاوز “الرجل وما حدث له” إلى معالجة قضايا إنسانية كبرى منها؛ أنه “لا حيلة ولا فرار من الموت”.
وبعد هذا العرض المفصل لعناصر السرد القصصي؛ أو بمعنى أدق لعناصر الحكاية؛ يأمل الباحث أن يحقق بهذه القراءة النقدية لنص نثري وفق النظرية السردية شعيرة التواصل والمشاركة؛ كما يرجو من الله ـ عز وجلّ ـ أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه سبحانه وتعالى، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يلهمنا حسن الفهم والرشاد، وأن يرزقنا دوام التوفيق والسداد، وأن يأتينا تمام الحكمة في ازدياد؛ فإنه من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل، إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو نعم المولى ونعم النصير، وما توفيقنا إلا بالله؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

دكتور. محسن سيد يونس عثمان

                                                            أستاذ الأدب والنقد المساعد

رأي واحد حول “(تقنيات السرد وعناصره في الحكاية المثلية)

  1. كم اعجبني وراق لي اختيارك وعطائك الراقي
    فشكرا لك بحجم حضورك وحروفك
    عطاء منهمر وابداع مستمر

    لا تحرمنا جديدك

اترك رد