سِبراليكس*

بك خنتُ كلَّ الذين عرفتُهم، منحتُهم بعضَ امرأةٍ بروحٍ يسكنُها غائبٌ لا يغيب

“هذا الناي ال يغازلُ شهقاتي، وهذا الحزنُ الدافق في روحي أنهاراً، وهذي السماء الأقربُ إليّ من طرحتي لا تداعب شَعري الذي تشعّثَ إذ يحاول إبعادَها، تقرفص غارزةً حوافرَ من نارٍ ولهب.. وهذا النورُ البعيدُ البعيد كلما سارعتُ جريي إليه، فرَّ تاركَني ألهث ألهث.. وهذا الذي ينسكب من روحي حنيناً إليّ…”
بامتعاضٍ قاطعني غاضباً وصاح مشمئزّاً ممّا كرّرتُ أمامه حدّ الملل:
كلّ هذا البياض من حولك.. كل هذي العصافير تشدو للفرح.. فلماذا لا تسمعين غير الصراخ ولا ترين غيرَ الدم؟!

وكطفلةٍ غبيةٍ لا تملك إجابات، أطرقتُ أمامه ذاهلةً وهو يلحّ بنصيحته مهدّئاً من نبرته ما استطاع :”ابحثي فقط عمّا يمنحكِ الفرح، وابتعدي عن كلّ ما يسبّب لكِ الحزن، بغير ذلك لن تتخلصي من الاكتئاب”.. لا أدري إن كان ما أحرجني أني لا أعرف شيئاً يمنحني الفرح، أم كوني سأغدو مضطرّةً للابتعاد عن كلّ العالم، وأوّله أنا.. وكيف أفرح وثمة صباحاتٌ بأسنانٍ تنهش، ولعضّاتها وجع الحقيقة..
لم يبدُ عليه انزعاج من صمتي قدرما بدا راثياً لحالي.. أغرق أذنيّ بما لم أميز منه حرفاً ثم سألني بنبرة من قنط من فهمي : بم تفكرين يا ابنتي؟

-التوحيدي.. همستُ متحشرجة..
ولما تحجّرَت نظراتُه ألقيتها إليه كما كرةً تائهةً بلا مرمى :” بل الغريب من هو في غربته غريب”.**. ولم أنتظر رداً..

خرجتُ أبحث عن كون يتّسع لحزني..
النور الذي خفت وبهت ، الفضاء الذي كبحَته العتمة فضاق واختنق، النفس الذي اغتصبها الحزن فحبلت بالوجع، حملوا اسمَ غيابك خجِلين…
فيما حملتُ بين أحضاني بصمتٍ شظايا أملٍ ما زلتُ أُرضعه دموعي ليلتئم…

لا أذكر إن كنتُ استجديتُ النوم الحضورَ أم أنه باغتني.. .. حلمتُ بك ، كنتُ قد نسيتُ مَن نكون..وكنتَ خلعتَ عنك كلّ رداءات الخجل المعهود.. ضممتَني… ضممتني عميقاً حتى كدتَ تندسّ بين ضلوعي ثمّ رفعتَ ذراعيك وما زلتُ بين كفيك، قبّلتني،لم تكن دافئةً،كانت حارّةً حارّةً . رفعتَ عينيك وحدّقت بي طويلاً بصمت. كانت ملامحي تنضح لهفةً وشوقاً وشغفاً ووو…
ضحكتَ ضحكتك العميقة وقلتَ ونبرة الضحك لا تفارقك: تعشقينني يا مجنونة!!؟؟

(لا تعتب على مجنونةٍ أو مجنون.. ثمّ إنه حلمٌ فقط ، مجرّد حلم .)

كنتُ هناك، حيث خاشعةً كانت تؤدي صلاتَها (روحي) في محراب نورك، رأيتك تنسكب هيبةً ووقاراً ودفءَ حنانٍ لتغمر شغفي… هناك تماماً عرفتُ معنى السُّكر بلا خمر..تهدمت مني أسوار الحزن وحصونه، شيءٌ من النور شق العتمة.. وإذ قلتَ : أحبكِ، انهمرت كلٌ النجوم خجلاً وبقيت السماء عاريةً إلا منك ومني.. عند سدرة العبارة.. ثم عبثاً حاولت السماء يائسةً أن ترتفع إلى أجنحة حلمي الذي رحُب محلّقاً لمّا زاره طيفك. طمأنتُها بابتسامةٍ صادقة (فيما تعلّقتُ بطرفٍ منه غمر الأفق)، وأشرتُ لها من بعيدٍ أن تحلم بك، وحده طيفك يرمي بأطراف الحلم هناك..
لمّا رأيتَ ما منحتني من أجنحة رحتَ تكررها : أحبك أحبك أحبك..

ومع بغتة العبارة انفجر الحلم، اجتاحت شظايا نبراتك سراديبَ روحي، وجفلتُ أستجدي انهماراً أكبر.. كانت همساتك تتدافع في أذني، وكنتُ أرتجّ كأرضٍ غمرها الفيضُ بعد طول جفاف.. ثمّ ومن شهقات روحي انولدت شهوات..كلها لا تحمل إلا اسمك….. قلتُ شهوات؟! وهل ثَمّ شهوةٌ أقدس من وجودي في قلبك وفكرك أو وجودك فيّ؟ كأن أرانا مثلاً نقف في صفوف المصلين في مسجدٍ إمامُه لا يرى أبعد من أنفه، يزعق بأنّ صوتي عورةٌ وأنّ تعدّد الزوجات تكريمٌ للمرأة وأنّ الحجاب جاء درءًا للفتنة، ويرسم الدين رسماً شاذّاً دون أن أصرخ في وجهه ، بل أبتسم وأنا أراقبك وأستمع لما تقول في سرّك\ي، قبل أن أرانا في السيارة فيما تفتح النافذة لتشتمَ سائقَ شاحنةٍ أطلق صفّارته إذ مرّ فقطع علينا حديثاً انسجمتَ فيه بوصف الثوراتِ وتحويل مركبها فأنساك ما كنتَ تحكي عن ثورةٍ فكريةٍ هي العتبة الأهمّ كي نثور حقاً.. أو أراني أضحك إذ أتابع “خناقتك” مع بائع وردٍ كنتَ ستشتري لي منه زهرةً ونسيتَ حين لفّ عنقَها بجريدةٍ فيها مقالةٌ تحبّها فغضبتَ وهجتَ صائحاً بأنّ ثمة كلماتٍ أقدس من حديقة ورد.. نعم كلّ هذا، أو حتى أن ألتقيك كما الآن تماماً: أنت في تلك الديار وأنا هنا أهمس لطيفك وأحدّثك عن شهوتي التي لا تفتر، شهوتي بأن أجلس يوماً في حضرة هيبتك… وأعيد :من الروعة أن تحبّيه ومن الأروع أن تجلّيه، فإذا جاء الحب ثمة الإجلال اشهدي إنك لعلى عشقٍ عظيم.

في الصباح، وقبل أن يلج الفجر دروب الليل أيقظتني دعوات أمي تبتهل لله أن يشفيني، قبل أن يودي بي الاكتئاب إلى الجنون أو الموت. كانت تلحّ لله بأني طيبة ولا أستحقّ كل هذا الحزن قبل أن تبرئ نفسها أمامه بأنها فعلت المستحيل لأجل سعادتي المفقودة..
لم أقل شيئاً، تذكرتُ حلمي، ونورَك، قمت بلهفة المجنونة إلى غرفة أبي.. وقفت كثيراً عند بابه صامتة.ً . كان النفريّ في روحي والعبارات تضيق تضيق حد الإطباق…
هل تناولتِ السّبراليكس؟ سألني بحزم..
–وجدتُ لي سبراليكس آخر!! .. قلت، وعدتُ للنوم أنادي حلمي :هيت لك..

أنوار سرحان-الجليل فلسطين

*سِبراليكس: عقارٌ طبّيّ للتخفيف من حدّة الاكتئاب والاضطرابات العاطفية والنفسية.
** مقولةٌ لأبي حيان التوحيدي في وصف الغريب.

15 رأي حول “سِبراليكس*

  1. عندما توغل في حدائق انوار سرحان عليك ان تحمل كل ما يحميك من حرائق الدهشة … حتى تتيقن انك لعلى وعي عظيم … هنا تحتاج الى التحديق في عين الحرف في لغة الروح اولسعة الجسد فثمة خلائق هنا جاءت من سِفر انوار سرحان على غير اسفار التكوين كلها .. طوبى لك نوّارة الكروم وزهرة الجليل طوبى لكل حريق جميل تشعله حروفك في نار المعاني

  2. أشعر بسعادة حين أجد نصا منشورا لأحد الأحبّة ممّن تشدّني نصوصهم…وأنت تعرفين يا أنوار أن لنوصوصك مكانة خاصة في قلبي…
    شكرا يا بنت جبال الزعتر …شكرا أنك جمّلت صباحنا بهذا النصّ الفاتن…
    لقد تفطنت فورا أنّ السبراليكس لا يطلب خارج النص…فهو أحد خصائص عجينته…محبتي يا أخت الجليل

    كمال العيادي

  3. منذ وقت طويل لم اقرأ نصا جميلا مثل هذا النص الراااااائع….اشكرك يا أنوار
    وأجدد شكري انك ارسلت لي مجموعتك القصصية التي تزين مكتبتي وأعيد قراءتها كلما شعرت برغبة في قراءة نصوصا جميلة كما أنني لا ابخل باهدئها للأصدقاء

    ألف شكر يا أنوار العزيزة

  4. المقتدرة أنوار سرحان
    النصوص الحقيقية يكتبهاأناس حقيقيون..نصوص عميقة تدفعنا للنبش في حيواتنا…والتقهقر نحو ذواتنا للتأمل والتفكير..تجعلنا نلوي رؤوسنا أكثر من مرة..نراجع القناعات القديمة.زنفكر في الآخرين الذين رأيناهم والذين لم نراهم..نكتشف زيف الكثيرين وشفافية أناس قليلين…
    هذا النص رؤية معاكسة نحو الداخل..نحو العمق..نحو حقائق لا تتبدى كثيرا..هذا نص حقيقي..
    المقتدرة أنوار سرحان
    كم هم قلائل هؤلاء الناس الحقيقيون..كم هي قليلة هاته النصوص الحقيقية..
    ألف تحية وتقدير

  5. المتألقة أنوار
    أعيدي قراءة نصوصك مرات عديدة ، وستجدينها نوعا من سيبراليكس..
    كما أقرأها أنا ، فتهدأ من أعصابي ههه
    دمت راقية في إبداعك

  6. الكبير عبد السلام العطاري مبدعاً وإنساناً..
    للغة حروفٌ تحملنا ونحملها، وللمعاني عمقٌ يسكننا أو نسكنه، ولك في الروح مكانٌ وفي الذائقة سموٌّ يليق بك..
    شكراً لهذا الوسام للنصّ ولصاحبته أيها الحقيقيّ.. ومحبة كبيرة..

  7. أخا روحي الغالي كمال..
    كأنني أعودُ طفلةً نالت هديةً كلما أجد منك حرفاً نصاً أو تعليقاً.. فتتلعثم الحروف لفرط تزاحم المعاني..
    دمتَ في روحي يا كبير ، في عمق عمق الروح..أعلى من كل معاني المحبة..

  8. الأخت أنوار سرحان
    مفهوم النص عميق ، ربما من أرض الواقع ، إنسل من عاطفة جياشة لا تقوى على كتمان ذكريات ما .
    نصوصك دوما تعجبني

  9. الغالي حسن حمّودة..
    شيءٌ من البراءة البِكر يسكنني حين يطلّ اسمك يا ابن أمّ.. شرفٌ لكتابي أن يكون في مكتبتك يا الغالي..
    سلاماً لميونيخ التي أحببتُها فيكم جميعاً.. ومحبة

  10. المبدع العزيز مصطفى النفيسي..
    كلماتك تحفر في الروح دربَها كما ماءٌ زلالٌ ينسابُ بعذوبةٍ ليجمّل الطبيعة…
    شكراً يا صديقي لهذه الشهادة الوسام.. شكراً واعتزازاً..

  11. الرائع إدريس..
    لم أحلم بشهادةٍ أجمل من هذي الكلمات يا العزيز..
    محبّتكم هي السيبراليكس الحقيقيّ..
    كن بأمل وإبداع دائم..

  12. لو تدرين كم قرأت هذا النص يا انوار…وكم أود لو أنساه حقا…كيف أنساه وكل لدغة تتجسد في سماء ظلامي نجمة مؤلمة مؤلمة
    هذه الدقة التي تكتبين بها وكأنك تضعين مرآتي أمامي وترغمينني على التحديق بها…وكم أود لو عميت قبل أن أرى وجه الحقيقة أو حتى نصف وجهها…أمُرُّ على أحزانك فأراها تصافحني وتبتسم كمدا…وأحاول جاهدة أن أربت عليها ولو قليلا فأراني لا أصافح غير نفسي…
    كم مقلب بقي حتى ينقلب كل شيء وكفى
    كم أود لو أقلب مائدة التاريخ الماضي والقادم وأصرخ حتى أصير نسيا منسيا…
    يا عصفورة السلوى…ما أعذبك وأنت تلتقطين حبيبات الوجع بمنقارك الرقيق…بما تبقى من أرياش ملونة تدفئك ولو قليلا في هذا البرد السرمدي القارس….ما أجمل من يدمنون التغريد حتى في أشد ساعات الظلام…ليبقون قناديلنا المضيئة علنا نرقد في سلام …أضمك ملء وهن روحي يا رفيقة غربتي

  13. ………… Like
    قرأت النص من اعلاه حتى نائلة الخطيب
    قالوا في التعليقات ما يدل على مزاج طيب في القول
    أنا طيبت مزاجي بما قرأت
    سلام من قارئ يا انوار

  14. شاهر يا ابن أمي.. أشتاق أن أقرأ نصوصك بل وأن أسمع شعرك بالدارجة السورية عن بيت المونة.. سلامٌ على قلبك الطفل وقلمك الكبير

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>