أشكــــال الخطاب الميتاسردي في القصـــة القصيــرة بالمغرب

أشكــــال الخطاب الميتاسردي في القصـــة القصيــرة بالمغرب
د.جميل حمداوي

توطئـــــــة:

لقد انشغل علم السرد (Narratologie) من جهة ، والسيميوطيقا (Sémiotique) من جهة أخرى، بقضية الميتاسرد (Métarécit) في النصوص الإبداعية السردية والحكائية والقصصية والروائية ، سواء أكان ذلك في الأدب الإنساني القديم أم في أدبنا الحديث والمعاصر. وقد بدأ ذلك الاهتمام منذ مطلع القرن العشرين نظرية وتطبيقا. وفي هذا الصدد، ظهرت مجموعة من التصورات السردية والنقدية والمصطلحية التي تعنى باستكشاف الخاصية الميتاسردية في النصوص الإبداعية العربية والغربية على حد سواء ، وذلك إن تنظيرا وإن تطبيقا. وقد أصبحت الخاصية الميتاسردية اليوم ميزة أساسية تميز النصوص السردية التجريبية والنصوص ما بعد الحداثة ، وذلك عن غيرها من النصوص السردية الكلاسيكية أو التقليدية.
هذا، ويعد الخطاب الميتاسردي من أهم مميزات القصة المغربية الحديثة ، ويعد أيضا مظهرا من مظاهر التجريب والتجديد والتميز الفني والجمالي. فبعد أن كانت القصة المغربية خاضعة للنسق الواقعي الكلاسيكي منذ أربعينيات القرن العشرين، إلا أنها في العقود الأخيرة من القرن الماضي، وبداية سنوات الألفية الثالثة، بدأت تنحو منحى التجريب والتحديث والتأصيل، من خلال تمثل تقنيات سردية جديدة استلهمتها من القصة الغربية تارة ، ومن الموروث السردي العربي القديم تارة أخرى. فتحقق لها أن ثارت على نظرية الإيهام بالواقع، مستبدلة إياها بنظرية الميتاقص(Métarécit)، وتوظيف الخطاب الميتاسردي تضمينا، وتناصا، وتأطيرا، وتنظيرا، ونقدا، وتشكيلا، وبناء…فانتقلت القصة القصيرة بالمغرب من تشخيص الذات (السيرة الذاتية) ، إلى تشخيص الواقع (القصة الواقعية والاجتماعية)، فتشخيص الكتابة نفسها (الخطاب الميتاسردي). ومن ثم، فقد أصبح التمركز الذاتي أو السرد النرجسي من أهم سمات القصة الميتاسردية الحديثة أو المعاصرة. وإذا كان الإبداع القصصي الميتاسردي قد حقق نوعا من التراكم النسبي في الساحة الثقافية المغربية، فإن النقد لم يواكب هذا الإبداع بشكل من الأشكال، كما واكب الخطاب النقدي الميتاسردي الرواية المغربية ( سعيد يقطين ، ومحمد عزالدين التازي ، وعبد الرحمن بوعلي ، والحبيب الدائم ربي ….)
وهدفنا من هذه الدراسة هو تعريف الميتاقص ، وتبيان تاريخ الخطاب الميتاسردي إبداعا ونقدا، مع رصد وظائف هذا الخطاب، وتبيان أشكاله في القصة القصيرة بالمغرب. ومن ثم، فمنهجيتنا في مقاربة هذه الظاهرة تمتح من البنيوية السردية (Narratologie) تفكيكا وتركيبا، مع اعتماد آليات منهجية أخرى، مثل: آلية التعريف، وآلية التحقيب، وآلية التصنيف، وآلية التوصيف، وآلية التحليل، وآلية التقويم، وآلية التوجيه.
وإذا كانت الرواية قد استفادت – بشكل من الأشكال- من بعض المقالات النقدية التي انصبت على الخطاب الميتاسردي درسا وفحصا وتحليلا وتأويلا، فإن القصة القصيرة لم تعرف بعد- على حد علمي- دراسات مهمة في هذا المجال، تستكشف الخطاب الميتاسردي تفكيكا وتركيبا وتصنيفا، وتعد هذه الدراسة رائدة من نوعها في العالم العربي ، وذلك في مجال تصنيف الخطاب الميتاسردي في القصة العربية بصفة عامة، والقصة المغربية بصفة خاصة.
إذا، ماهو الميتاسرد أو الميتاقص؟ وماهو تاريخه الإبداعي والنقدي؟ وماهي مجمل وظائفه؟ وماهي أشكاله الفنية والجمالية في القصة القصيرة بالمغرب؟ وماهي خصائصه ومميزاته إن دلالة وإن تشكيلا وإن مقصدية؟ تلكم هي أهم الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها – قدر الإمكان- في هذه الدراسة المتواضعة التي بين أيديكم.

 مفهــــــوم الميتاســــرد ومصطلحاته:

يقصد بالميتاسرد أو الميتاقص(Métarécit) ذلك الخطاب المتعالي الذي يصف العملية الإبداعية نظرية ونقدا، كما يعنى هذا الخطاب الوصفي برصد عوالم الكتابة الحقيقية والافتراضية والتخييلية، واستعراض طرائق الكتابة وتشكيل عوالم متخيل السرد، وتأكيد صعوبات الحرفة السردية، ورصد انشغالات المؤلفين السراد ، وتبيان هواجسهم الشعورية واللاشعورية ، ولاسيما المتعلقة بالأدب وماهيته ووظيفته ، واستعراض المشاكل التي يواجهها المبدعون وكتاب السرديات بشكل عام. بمعنى أن الخطاب الميتاسردي يحقق وظيفة ميتالغوية أو وظيفة وصفية (Fonction métalangage) تهدف إلى شرح الإبداع تمظهرا ونشأة وتكونا، وتفسير آلياته وتقنياته الفنية والجمالية قبل الإبداع، وأثناءه، وبعد الانتهاء منه. ويذكرنا هذا الخطاب بالميتامسرح، وخطاب السينما داخل السينما، والسيرك داخل السيرك، كما يحيلنا هذا المفهوم على الروائية أو ما يسمى كذلك بالرومانيسك (Romanesque). ويعني هذا أن الخطاب الميتاسردي كتابة نرجسية قائمة على التمركز الذاتي، وسبر أغوار الكتابة الذاتية، والتشديد على الوظيفة الميتالغوية بمفهوم رومان جاكبسون(Roman Jakobson). زد على ذلك، يسائل الخطاب الميتاسردي طرائق تكون الإبداع ونشأته، ووصف عملية الكتابة وخطواتها، ورصد التناص والمناص والنص الموازي ، وتبيان أنواع التداخل بين النص الإبداعي والنص الميتاسردي، هل هو قائم على التأطير التعاقبي أو التناوبي أوالمتوازي أو المتقاطع؟! مع تبيان عمليات الانتقال من النص السردي إلى النص الميتاسردي، والعكس صحيح أيضا. ولم يعد الخطاب الميتاسردي أو الميتاقص اليوم مجرد تضمين أو تداخل النصوص السردية، بل يتخذ عدة أشكال تتعلق بالتناص، والنص الموازي، والعتبات، والبناء السردي، والخطاب النقدي، والخطاب التنظيري، ومتخيل القراءة، وتعدد السراد والرواة، وميتاسرد الشخصية، وتكسير الإيهام السردي، ورصد عوالم الكتابة ، وشرح تكون السرود انبناء وتشكيلا وتركيبا، وتبلورها فنيا وجماليا ودلاليا ورؤيويا. ومن ثم، يرتكز الخطاب الميتاسردي على تصوير عالم الكتابة السردية، وتجسيد قلق الكتابة ، وتبيان كيفية تفكير القصة أو الرواية أو الحكاية في نفسها أو ذاتها بطريقة نرجسية أو مرآوية ذاتية. وإذا كان السرد – من جهة- يشخص الذات والواقع ، فإنه- من جهة أخرى- يشخص أيضا ذاته، ويرصد عملية الكتابة نفسها، ويبرز مراحل تكونها وتطورها إلى أن يستوي النص السردي عملا إبداعيا، يستقبله القارئ الضمني أو المفترض استهلاكا وتقبلا وقراءة ونقدا.
هذا، وقد أطلق على الخطاب الميتاسردي مجموعة من المصطلحات عربيا وغربيا، ومن بين هذه المصطلحات والمفاهيم، نستدعي: الميتاسرد (Métarécit)، والميتاقص، والميتاتخييل(Métafiction) ، والتشخيص الذاتي، والرواية-المرآة، والرومانيسك(Romanesque)، والروائية، والتضمين (l’enchâssement)، والحكايات المتضمنة (Histoires intercalées)، أو الحكايات المؤطرة أو المتخللة(Histoires intercalées)،أو المحكي المؤطر (récit encadré) ، أو القصة داخل القصة(le récit dans le récit)، أو الحكايات الملحقة أو خارج النص(Hors-texte)، وميتاخطاب (métadiscours) ، أو السرد أو الأدب النرجسي(narcissisme littéraire)، والميتاشارح (Métarécit)، والخطاب الميتاسردي، والخطاب الميتالغوي، وهلم جرا…

 وظائـــــف الخطاب الميتاسردي:

يؤدي الخطاب الميتاسردي أو الميتاقص داخل النص الإبداعي مجموعة من الوظائف والأدوار، ويمكن حصر هذه الوظائف فيما يلي:
1- إغناء السرد وإثرائه نقدا وتخييلا وتوجيها.
2- تصوير الكتابة الإبداعية، ورصد عوالمها التخييلية.
3- خلق نص سردي بوليفوني، متعدد الأصوات، والأطروحات، واللغات، والأساليب، والمنظورات الإيديولوجية.
4- تكسير الإيهام بالواقعية لإبعاد الوهم والاستلاب عن المتلقي.
5- فضح اللعبة السردية، وكشف آلياتها الفنية والجمالية أمام المتلقي.
6- التأرجح بين التخييل الإيهامي والحقيقة الواقعية.
7- ربط المستوى السردي بالمستوى الميتاسردي.
8- شرح الإبداع السردي وتفسيره وتنظيمه والتعليق عليه.
9- ربط النص السردي بملحقاته الخارجية أو الداخلية.
10- تجديد السرد القصصي بنية ودلالة ورؤية، وتطويره تجريبا وانزياحا وتحديثا.
11- تحقيق الوظيفة الميتالغوية أو الميتاسردية .
12- إشراك المتلقي أو القارئ في بناء اللعبة السردية تخييلا وتوهيما.
13- تجاوز الرواية الواقعية نحو التجريب والحداثة ومابعد الحداثة.
14- ممارسة النقد داخل النص السردي تنظيرا ونقدا .
15- تنويع المستويات السردية ودرجاتها(السرد من الدرجة الأولى، والسرد من الدرجة الثانية – مثلا- )
16- تحويل عالم الكتابة والقص والسرد إلى موضوع للكتابة السردية والتخييل الإبداعي.
17- تقويض المواضعات والأشكال القصصية المهيمنة باسم الاختلاف والتفكيك والتثوير والتجريب والتحديث.
18- معرفة تشكل النص السردي أو القصصي، وإبراز مراحله التكوينية.

 تاريــــخ الميتاســــرد الغـــربي والعربـــي:

من المعروف أن الميتاسرد أو الميتاقص ظاهرة فنية وجمالية قديمة مع قدم السرد الإنساني، وقد وجدنا كثيرا من النصوص السردية تستند إلى آلية التضمين ، مثل: ” كليلة ودمنة” لابن المقفع، و” ألف ليلة وليلة”، و” ديكاميرون” لبوكاشيو، و” دون كيشوت” لسيرفانتيس، و” ترسترام شاندي” لستيرن، و” جاك القدري” لدونيس ديدرو،…، وغيرها من النصوص السردية الكلاسيكية. ويرى رولان بورنوف (Roland Bourneuf) وريال كولي (Real Quellet )بأنه قلما نجد نصا سرديا لا يتضمن نصا سرديا آخر، وخاصة في النصوص السردية الكلاسيكية .
بيد أن الخطاب الميتاسردي لم يتشكل في الحقيقة إلا مع الرواية الجديدة الفرنسية، والرواية السيكولوجية أو ما يسمى بتيار الوعي، وروايات تيل كيل، و روايات مابعد الحداثة. وقد اهتم كتاب الرواية الجديدة بالكتابة الميتاسردية ، وخاصة كلود سيمون(Claude Simon)، وألان روب كرييه(Alain Robbe Grillet)، وجان ريكاردو(Ricardou)، ونتالي ساروت(Sarraute)، وروبير بانجي (Robert Pinget)، وكلود أولييه (Claude Ollier) ، ومارغريت دورا (Marguerite Duras)، وميشيل بوتور (Michel Butor)، وغيرهم…بتقنيات الكتابة الميتاسردية، متأثرين في ذلك بالدراسات البنيوية الشكلانية والسيميائية والبلاغية. ومن ثم، فقد:” عمق بعض كتاب الرواية الجديدة ونقادها هذا المفهوم، ونظروا له، فكلود سيمون يرى أن اللغة لا تفرق بين ماهو واقعي ومتخيل، وأن الغاية من الكتابة هي اكتشاف تحقق معجزة الكتابة ذاتها.
وقد تعرض جان ريكاردو – بدوره- إلى مفهوم الرواية- المرآة مبينا أنه ذو صلة بمفهوم القصيدة الرومنطيقية باعتبارها مرآة للروح ، ومؤكدا أن الرواية لم تعد مرآة يتجول بها طول الطريق، بل هي أثر مرايا تفعل في ذاتها من كل ناحية.وهي، بالتالي، لم تعد تشخيصا، بل هي تشخيص ذاتي.وقد اتبع روبير بانجي ألان روب غرييه في موقفه هذا قائلا:” كل ما يمكن أن نقوله أو أن نعنيه لا يهمني، ولكن ما يهمني هو طريقة قوله.”
وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك اهتماما بالخطاب الميتاسردي بشكل من الأشكال في النصوص الروائية الواقعية، كما نجد ذلك جليا في روايات بلزاك(Balzac)، مثل روايته المشهورة :( الأب كوريو/Le père Goriot)، حينما دافع عن واقعية روايته في مستهل عمله السردي، موجها خطابه إلى القارئ المتلقي ، وهناك اهتمام نفسه في قصص موباسان(Maupassant)…
هذا، وقد بدأ الاهتمام بالخطاب الميتاسردي في الحقل النقدي الغربي تنظيرا وتطبيقا منذ مطلع القرن العشرين، وكانت البداية مع الناقد موريتز كولدشتاين (Moritz Goldstein) الذي قدم سنة 1906م دراسة نقدية حول الميتاسرد بطريقة علمية عميقة وممنهجة، حيث درس السرد داخل السرد في: “ألف ليلة وليلة” ، ودرسه أيضا في حكايات تيودور ستورم (Theodor Storm) ، وقد تبعه في ذلك الشكلاني الروسي شكلوفسكي الذي درس مجموعة من القصص التي تستعمل التضمين مثل: قصص ألف ليلة وليلة. وفي هذا الصدد، يقول شلوفسكي:”إنه بإمكاننا أن نحدد عددا من أنماط القصص القصيرة التي تصلح إطارا لقصص قصيرة أخرى، والتي هي، بالأحرى، طريقة لتضمين قصة قصيرة، قصة قصيرة أخرى، .إن الوسيلة الأوسع انتشارا هي سرد هذه القصص أو الحكايات بغية تأخير اكتمال هذا الحدث أو ذاك…”
ومن الدارسين الآخرين الذين اهتموا بالخطاب الميتاسردي، نذكر : جورج دوهاميل (Georges Duhamel) سنة 1925م في مقاله الذي خصصه للرواية تحت عنوان:” بحث في الرواية”. ونذكر أيضا: باربارا هاردي(Barbara Hardy) ، وجيرالد برينس(Gerald Prince) ، وإليزابيت كوليش(Elisabeth Gülich) ، وسوزان سنيادر لانسير ( Susan Sniader Lanser) ، وجاب لينتفلت (Jaap Lintvelt) ، وجيرار جنيت(G.Genette) ، وتزطيفان تودوروف(Todorov) ، وروبرت شولز (Robert Scholes) ، وميك بال (Mieke Bal) ، ومارغريت روزي (Margaret Rosé) ، وليندا هوتشيون (Linda Hutcheon) التي اهتمت بالأدب المتمركز على الذات أو السرد النرجسي ، وأنطوني ستيفنس (Anthony Stephens) ،ومارسيل بوب كورنيس(Marcel Pop-Corniş) ، وبرونزوايير (W. Bronzwaer) ، وشلوميت ريمون كنعان (Shlomith Rimmon-Kenan) ، وفرانسواز فان روسوم كويون (Françoise van Rossum-Guyon) ، وفيليب هامون (Philippe Hamon) ، وميشيل كلوفيرسكي (Michal Glo-wiriski) ، ولوسيان دالنباخ (Lucien Däl-lenbach,) ، وجيرزي بيلك (Jerzy Pelc) ، وكلود بريمون (Claude Bremond) ، وسوران ألكسندريسكو (Sorin Alexandrescu) ، ووليام كاص(William Gass) ، وباتريسيا ووث (Patricia Waugh) …
أما فيما يتعلق بالحقل الثقافي العربي، فقد ظهرت كثير من النصوص الإبداعية الميتاسردية قديما (” كليلة ودمنة” لابن المقفع، و”ألف ليلة وليلة”…)، كما تبلورت نصوص روائية وقصصية ميتاسردية حديثة ومعاصرة منذ سنوات الستين من القرن العشرين،إذ اعتبرت الخاصية الميتاسردية مظهرا من مظاهر التجريب والحداثة، تنفرد بها الرواية أو القصة العربية الجديدة ونصوص ما بعد الحداثة . ومن بين هذه النصوص الروائية ، نذكر: (” القصر المسحور” لتوفيق الحكيم وطه حسين (1936م)، و” الزيني بركات” لجمال الغيطاني”، و” موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، و” ثرثرة فوق النيل” لنجيب محفوظ، و”الأنهار” لعبد الرحمن مجيد الربيعي، و”رحيل البحر” لمحمد عزالدين التازي، و”الأبله والمنسية وياسمين” للميلودي شغموم، و” بدر زمانه” لمبارك ربيع، و” مجنون الحكم” و” العلامة” و” سماسرة السراب” لبنسالم حميش، و” طائر في العنق” لعمر والقاضي، “مملكة الغرباء”و” الوجوه البيضاء” لإلياس خوري، و” الديناصور الأخير” لفاضل العزاوي، و”قميص وردي فارغ” لنورا أمين، و” أصوات” لسليمان فياض، و”يحدث في مصر الآن” ليوسف القعيد،و” عالم بلا خرائط” لجبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف، و” وردة للوقت المغربي” لأحمد المديني، وغيرها من النصوص الميتاسردية… ).أما على مستوى القصة القصيرة، فنستدعي: (“العشاق الخمسة ” ليوسف الشاروني (1954م) ، مثلا…
أما فيما يتعلق بالنقد الميتاسردي في ثقافتنا العربية، فثمة مجموعة من الأبحاث والدراسات والكتب والمقالات التي تناولت ظاهرة الميتاسرد بشكل من الأشكال، ولاسيما مع ظهور المقاربات البنيوية والسيميائيات السردية بصفة خاصة. ومن بين هذه الدراسات، نذكر: ” ثارات شهرزاد : فن السرد العربي الحديث”(1993م) و” انفراط المقدس: منعطفات الرواية العربية بعد محفوظ”(1999م) لمحسن جاسم الموسوي، و”الرواية العربية والحداثة” لمحمد الباردي(1993م) ، و” القراءة والتجربة” (1985م) ، و” الميتاروائي في الخطاب الروائي الجديد في المغرب” لسعيد يقطين(1993م) ، و” مفهوم الروائية داخل النص الروائي العربي” لمحمد عزالدين التازي(1988م) ، و” الرواية العربية الجديدة” لعبد الرحمن بوعلي(2001م) ، و :” العوالم الميتاقصية في الرواية العربية” لأحمد خريس (2001م) ، و” خطاب الميتناص وتنظير القصة القصيرة جدا ” لنور الدين الفيلالي، و” الميتاقص أو مرايا السرد النارسيسي في رواية” خشخاش”لسميحة خريص نموذجا” لكمال الرياحي ،و” الخطاب الميتاسردي في القصة القصيرة بالمغرب” لجميل حمداوي، دون أن ننسى المقالات القيمة الرائدة التي كتبها كل من أحمد بوزفور، وحميد لحميداني، وسعاد مسكين حول الميتاقص في القصة القصيرة في المنجز القصصي المغربي…

 أشكال الميتاســــرد القصصـــي:

اهتمت القصة القصيرة المغربية بالميتاسرد أو الميتاقص بشكل من الأشكال ، وذلك على غرار القصص القصيرة الغربية (قصص موباسان مثلا)، والقصص القصيرة العربية (يوسف الشاروني…). وقد بدأ هذا الاهتمام – خصوصا- في العقود الأخيرة من القرن العشرين. فمن جهة، فقد تأثرت في ذلك بالرواية الجديدة والرواية السيكولوجية. ومن جهة أخرى، فقد تأثرت بالرواية المغربية الجديدة التي قطعت أشواطا متميزة في تشغيل الميتاسرد أو توظيف الخاصية الروائية تجريبا وتحديثا وتطويرا ، ولاسيما مع روايات مبارك ربيع، والميلودي شغموم، وعز الدين التازي، وأحمد المديني، والميلودي شغموم، وبنسالم حميش، ومحمد برادة…
وعليه، تستند القصة القصيرة المغربية إلى مجموعة من الأشكال الميتاسردية التي يمكن حصرها في الخاصيات والمكونات الميتاقصية التالية:

1- التداخــــل الســــردي:

ينتقل المؤلف/السارد في قصة:” الرحالة البرغوث” لجمال الدين الخضيري من قصة الميتاسرد المتعلقة بعوالم الكتابة تخييلا وإبداعا إلى قصة الطبيب زيد الذي أرسل إلى القرية ليلقح أهلها من الأمراض المعدية، فيقع في غرام سونيا الحسناء. ومن ثم، سيخضع سرد القصة لمنطق التناوب، فمرة يتحدث الكاتب عن الميتاسرد ، ومرة أخرى ينقل لنا قصة الطبيب زيد في صراعه مع ذاته ، وصراعه مع الواقع، وصراعه مع عالم الكتابة، وهكذا، دواليك… بل تختلط المحكيات داخل قصته تناوبا وتعاقبا. ولكن يلاحظ أن القصة الميتاسردية هي الأساس، وهي قصة من الدرجة الأولى . في حين، تعد قصة الطبيب الواقعية من الدرجة الثانية، ولكن بين القصتين نوع من الترابط والتكامل والتناسل. يقول الكاتب مستعرضا قصة الميتاسرد :” بلون أخّاذ تبرز على ظهر غلاف الرواية المنتشرة في كافة المكتبات والأكشاك هذه الفقرة التي تغري باقتحام طيات الكتاب:” أحداث هذه الرواية منذورة لمشاكسات عصافير الدوري، ولرطانة فتاة لها ليطة في القلب، ومستفزة كقرصة برغوث لم يشأ أن يجعل أحدا ينام على جنب واحد. أحداث تفشي عدم حيادها وتلتصق بتربتها، لم تكن قط من نسج الخيال، ولا ضربا من تسريج الأحاديث، وأي التقاء مع الواقع أو تشابه معه هي بمثابة السِّنخ والفرع، أو الأصل والنسخة، وليست بأي حال من الأحوال محض صدفة أو توارد خواطر.”
وأخيرا انتهى (زيد) من صياغة “الرحالة البرغوث”، رواية أرقته طويلا وجعلته ينتقل من مكان إلى مكان بحثا عن وقائع متوترة ومثيرة تتناسب وحجم الأحداث التي تبتلعها روايته. صعب جدا محاكاة عالم يعج بالمتناقضات ويطفح بالاختلالات من خلال عمل أدبي، لكن الظاهر أنه استطاع أن يثير كثيرا من الأسئلة، وينكأ الأوجاع الدفينة، بدليل اهتمام وسائل الإعلام المحلية والأجنبية بعمله، وإبداء أكثر من دار نشر عروضها المغرية لتلقّف الكتاب وتسويقه. ”
وبعد ذلك، ينتقل الكاتب إلى قصة الواقع مباشرة، لينقل لنا الأحداث الموضوعية المتعلقة بعالم القرية المنغلق والمتخلف، والذي يحارب العلم باسم التقاليد والعادات والأعراف، ولو كان ذلك على حساب الصحة والحياة والمستقبل:” اشتغال زيد طبيبا في مستوصفات ومراكز صحية متعددة جعله يعرف أناسا متعددين. وكما نجح في تشخيص أمراضهم العضوية نجح من خلال قلمه وإبداعاته في تشخيص أمراضهم الاجتماعية ووصف كوامنهم النفسية.
بأزيزها المتعاقب تئن القافلة الطبية الموغلة في أتون المرتفعات والمناطق النائية. قرى معزولة قائمة على سفوح الجبال وعلى حِقاف الوديان، يُخيل إلى والجها أنها لم تطأها قدم إنسان. فالدور بدت مبعثرة موغلة في أقنعتها وأسيجتها التي غالبا ما تتكوّن من الصبار ونباتات شوكية أخرى.
عندما وصلت القافلة بقيادة الطبيب زيد إلى القرية تلقاها الأطفال متسلقين جنباتها، صائحين لاعقين مخاطهم، محيطين بها مستكشفين أدواتها. نُودي في مكبر صوت الجامع، نداء يشعر الناس بقدوم القافلة ويحثهم على ضرورة تعاطي الحقن، ولا يُستثنى من ذلك أحد رجالا ونساء ولدانا وشيوخا، فالأمراض القادمة فتاكة، والجوائح تهدد الجميع.
سادت اللّجلجات، وكثر الهِياط والمِياط، وندّت عن الجميع احتجاجات مضمرة عبرت عنها العيون الشاردة، ولامبالاة السكان تجاه القافلة التي لم يقصدها أحد.
- لن نعري أكتاف نسائنا لذاك الغريب ليفعل فيها ما يشاء، ومن يدري قد يطلب منهن أن يحسرن عن أردافهن، طول عمرنا ونحن سالمون في ديارنا، كرامات شيوخنا، وتعاويذ فقهائنا درع لنا من كل سوء.
قلة هي النساء اللائي أقدمن على الطبيب، يتلحّفْن جلابيبهن بمعية رقيب لا يتزحزح عنهن قيد شبر. لقد استغل القائم على القرية نفوذه إلى أقصى حد حتى يجبر السكان على التعاون مع القافلة الطبية المبعوثة من قبل وزارة الصحة. هدد كل من امتنع عن تعاطي الحقن الوقائية بأداء غرامات، وحرمانه من مساعدات مهمة من قبيل الفسائل والبذور والأسمدة، وسيقوا إلى الطبيب كما يساق كلب خائف إلى شفا هاوية. ولأن نساء القرية لا يخرجن إلا مرات معدودة في حياتهن، أو الأصح هنّ كالكعبة التي تُزار ولا تزور، فقد تم الاتفاق على أن يزورهن الطبيب في منازلهن ليتعاطين هذه الأدوية اللعينة. ”
وهكذا، تتناوب المحكيات والقصص داخل قصة جمال الدين الخضيري بهذه الطريقة السردية : ق: [ح 1- ح 2- ح 1- ح 2- ح 1- ح ب2]… وهكذا، دواليك…والغاية من هذا الاستثمار هو التجريب السردي، وخلق حداثة قصصية متميزة داخل المسار القصصي المغربي المعاصر، والانزياح عن معايير القصة الكلاسيكية بما فيها القصة الواقعية.
ونجد هذا التداخل السردي أيضا في قصة:” الآخر” لمحمد أيت حنا ، حيث يتداخل الخطاب الميتاسردي مع خطاب القصة تأطيرا وتخييلا ، فتصبح القصة الميتاسردية هي في الحقيقة القصة المؤطرة لقصة اللقاء بين ابن رشد والمتصوف ابن عربي. ومن ثم، ترد القصة الثانية لتعضيد القصة الأولى تحبيكا وتخطيبا، وتقويتها حجاجا وتشويقا وتقبلا :”مهما نبش قارئ ” الفتوحات المكية” ، فإنه لن يظفر بشيء حول حقيقة وملابسات اللقاء بين الفيلسوف ابن رشد والمتصوف ابن عربي، أكثر مما أراد الشيخ الصوفي…
فالفقرة التي تهم اللقاء كتبت بمكر ودهاء شديدين، يجعلان القارئ يظن أن المتصوف كان سيد الموقف، وأربك الفيلسوف بكلمات قطعت أمامه كل سبيل للاستمرار، وجعلته ينصرف إلى حياته ضاربا صفحا عن الإدلاء بشيء مما دار في هذا اللقاء.
غير أن قارئا واحدا فقط استطاع أن يتخلص من سحر الفقرة التي كتبها ابن عربي، وانصرف إلى قراءة تفاصيل اللقاء في الصمت الذي اختاره فيلسوف قرطبة، فكانت هذه روايته. ”
ونجد هذا التداخل السردي عند بديعة بنمراح في قصتها :” وفاء”، حيث تنتقل من الخطاب الميتاسردي ، وذلك في شكل انتقاد للناشرين الذي يهتمون بالأسماء الإبداعية الوازنة، ولو كانت قصصهم رديئة، إلى سرد قصة وفاء في صراعها مع الذات والواقع :
” – مااسمك؟
- وفاء..!
- وفاء ماذا؟
- وماذا يهم اسمي، اقرأ القصة أولا، فإن أعجبتك ف..
قاطعها الرجل الغليظ الذي يجلس على كرسيه الوثير، وابتسامة سخرية تكاد تقفز من عينيه الضيقتين اللتين تسمرتا على وجهها وجسدها تتفحصانها بدقة.
- الصحافة يا سيدتي..النقاد والقراء، أريد أن أعرف إن كان اسمك معروفا، أن أطمئن على توزيع الكتاب، وعلى رأي الناس والنقاد قبل أن أغامر واقرأ أشتات أفكارك…
حملت الملف الذي يحتوي عصارة فكرها وفي عينيها نظرة احتقار للرجل الذي مافتئ يحملق فيها وكأنها كائن غريب، وسمعته يقول وهي تصفع الباب وراءها:
-امرأة وغير معروفة ها! ها!”
وهكذا، فقد كان الخطاب الميتاسردي القائم على تداخل القصص معروفا في السرد العربي القديم والحديث على حد سواء، وكان يتخذ عدة مصطلحات في علم السرد الحديث، وخاصة عند جيرار جنيت(Gérard Génette)، مثل: التناوب، والتعاقب، والتقاطع، والتأطير، … ويهدف هذا الشكل من الميتاسرد إلى تنويع الخطابات القصصية، وخلق بوليفونية حدثية وشخوصية وفضائية ولغوية وأسلوبية. ومازال تأثير كتاب ” ألف ليلة وليلة” بارزا على كتاب هذا الشكل من أشكال الخطاب الميتاسردي في القصة القصيرة المغربية؛ نظرا لوجود ظاهرة القص داخل القص.

2- التنظيــــر الميتاسردي:

هناك مجموعة من القصص القصيرة بالمغرب تسعى إلى التنظير إبداعا وكتابة، على غرار بعض الروايات المغربية كرواية :” لعبة النسيان” لمحمد برادة التي تنظر للرواية البوليفونية القائمة على تعدد الأصوات، واختلاف اللغات والأساليب، وتعدد التيمات والمضامين الفكرية ، وتباين الأطروحات الإيديولوجية، وتعدد الرواة والمنظورات السردية…بالإضافة إلى روايات بنسالم حميش (مجنون الحكم، والعلامة، وزهرة الجاهلية…) التي تنظر للرواية التراثية أو الرواية التأصيلية إبداعا وكتابة ورؤية…
ومن هنا، تعد قصة :”الجارية وقد صارت ملكا” لعدنان ياسين من النماذج القصصية المغربية التي وظفت خطابا تنظيريا، يرد في شكل ميتاسرد أو لغة وصفية متعالية موضوعية، ترصد خصائص الإبداع القصصي تقنية وبناء وتشكيلا، حيث يدعو القاص إلى قصة حداثية تجريبية قائمة على تشظية الأزمنة استباقا واسترجاعا، وتشغيل تيار الوعي في استنطاق المشاعر الغامضة، سواء الواعية منها أو غير الواعية، وتكسير الإيقاع الحدثي انزياحا وانتهاكا وتخريبا ، وذلك بتدمير وحدة التتابع المنطقي والزمني، واستعمال تقنية التداعي، والإكثار من المنولوجات المختلفة، والاستعانة بالتناص والتضمين، والاستفادة من الطريقة السينمائية المشهدية، بتوظيف تقنية السيناريو، وخلخلة أفق انتظار القارئ… كأني بالكاتب القاص يدعو إلى كتابة قصة سيكولوجية حداثية على غرار قصص فيرجينيا وولف، وكفاكا، وصمويل بيكيت، ومارسيل بروست:”ولأن هذا المشهد الجيد من حيث المبدأ لن يكفي، فسيجد نفسه بالتأكيد في استنطاق المشاعر الغامضة التي تسدل بظلالها على الوجه الحزين لزمرد. وقد يستحضر في هذا المقام إطلالة ” إيفلين” بطلة قصة جيمس جويس الشهيرة. سيفكر أيضا في التقنية التي كتبت بها هذه القصة. لم لا يستلهمها؟ لم لا يجعل بدوره الأحداث السابقة واللاحقة، الممكنة والمحتملة تتداعى تلقائيا عبر مونولوجات مختلفة بسبب دخان السجائر الذي يغلف هواء الشرفة؟
ثم ليس مهما في الحقيقة أن يضمن قصته حكاية زمرد مع الشاطر ” جوان الكردي” وأمه التي لم تفل شعرها منذ عقود، ولا أن يتوغل في غابة المصادفات السعيدة حتى يلمح القراء علي شار وهو يتقدم نحو صحن الأرز في السماط الذي تمده زمرد الحاكم في الميدان كلما هل شهر جديد عسى يحدث ما يسعد شهريار العبوس من خير وهناء وسعادة باللقاء وعيش في المسرات إلى أن يظهر على الشاشة – بعد عمر طويل طبعا-هارم اللذات.”
وثمة قصة أخرى تندرج ضمن التنظير الميتاسردي كما في قصة:”هواجس على هامش السرد” لمحمد فري، ويبحث فيها السارد المؤلف عن قصة تجريبية متميزة لها خصائصها الفنية والجمالية، وتعتمد على تعدد السراد والرواة ، وتشظية الحبكة السردية، وتنويع الرؤى والضمائر، والابتعاد عن القصة الواقعية بتتابعها المنطقي والزمني، وتكسير البناء المعماري الكلاسيكي، وتخريب النسق الزمني والفضائي، والاشتغال على اللغة ، مع تخييب أفق انتظار المتلقي، وتوظيف الميتاقص:” فكرت أن تكون قصة ذات طابع خاص، تبتعد عن المعتاد والمطروق، وتتباهى بزي منمق مرموق، تبهر السامع، وتشد ذهنه بأسلوب لامع..ترددت في اختيار تيارها ومنهجها..وقلت سأنطلق من الواقع، فهو يحفل بالأحداث العديدة، وبالوقائع القديمة والجديدة، ولن أكتفي بالنقل أو الوصف المحايد، بل سأعيد السرد عن طريق إعادة البناء..هي عبارة سمعتها عند الكثير من النقاد وهم يصفون ويحللون وينتقدون، فأعجبتني العبارة، وقلت أجرب دون اعتبار الخسارة.فكرة مثيرة حقا..لعلكم تتفقون معي فيها..أليس كذلك سيداتي وسادتي؟ .. غير أن الأمر مايزال مقلقا بالنسبة لي..وما تزال بعض الهواجس تتراكم بذهني..فالنص رغم بريق لفظة “إعادة البناء”، سيبقى مخلصا للتيار الواقعي.. مصنفا في خانته.. والمشكل أن الكثيرين الآن يعتبرونه تيارا متجاوزا..بل هناك من وصفه بالأصنام التي يجب تحطيمها وهدمها..فخشيت أن أصنف مع أصحاب الرأي القديم، وذوي الفكر الرميم..وصعقت عندما سمعتهم يهتفون بقتل الأب..وقلت ما شأني وتيار يثير غضب البعض ونقمتهم..فيصل بهم الأمر إلى التفكير في قتل الأب والجد وأب الأب..؟ ولعلهم يقصدون ما تركوه من موروث عفا زمنه.. وانقضى ألقه وعمله..على كل أنا لا أنتظر إرثا..ولا أملك إلا ما أتوفر عليه من زاد بعض الكلمات…أحاول التعبير بها عن بعض المهمات..ولايهمني أن يقتلوا الأب والجد والعائلة كلها..أو أن يقتلوا النص برمته…ليتهم على الأقل يتركون المؤلف فلا يمسونه بسوء.ها أنتم تلاحظون سيداتي سادتي أن الحيرة تستبد بي..مع أن الأمر في غاية البساطة، فكل ما أرومه هو تقديم نص ألقيه على جنابكم في هذه الجلسة الكريمة المخصصة للسرد…وللقصير منه بالخصوص…فكرت من جديد…وتساءلت أليس من المستحسن أن اعتمد تيارا حديثا- حتى ولو لم يكن حديثا بما فيه الكفاية- وأتجاوز ما يثير التصنيف مع القدماء؟ لم لا أشتغل على اللغة كما يقولون..وأجرب كا يجربون؟ وأكسر وأحطم كما يكسرون ويحطمون..؟؟ فسوق التجريب رائجة.. والحركة فيها هائجة مائجة..فعلى بركة الله..ولأخض هذه التجربة المثيرة..على الأقل لن أخسر شيئا إذا فشل تجريبي أو فشلت تجربتي..ومهما كانت الانتقادات سأقول إنني كنت أجرب…ولم أدع عملا متكاملا منتهيا..هي تجربة وحسب..والتجربة دائما عمل مفتوح..والكثيرون يعيدون كتابة النص مرات عدة في نطاق التجريب والتجربة..
بذلك سأتخلص من هواجسي التي يذكيها ترددي وعدم يقيني..وللإشارة هنا أرجوكم سيداتي سادتي..لا تحسبوا إشارتي هنا غمزا ولمزا..فأنا لا أعرض بأحد، ولا أعارض تيارا معينا…وربما لا أساند آخر..أريد أن أبقى دائما محايدا..وقد يساعدني الحظ..وتفيدني الممارسة فأكتشف تيارا محايدا لا ينبذ القديم ولا يرحب بالجديد..لاتسألوني سيداتي سادتي عن التفاصيل..هي هواجس تصدر عني.. ”
ويلاحظ أن القصة الميتاسردية لا يمكن أن تصل إلى نضجها الإبداعي ، وتبلغ أوج حداثتها الفنية والجمالية، إلا بممارسة النقد الذاتي، وتجاوز النقد التقويمي إلى البناء النظري، والتنظير الميتاسردي.

3- النقــــد الميتاســـردي:

لم يكتف جمال الدين الخضيري في قصته:” الرحالة البرغوث” بتشغيل تقنية التناوب الميتاسردي فحسب، بل وظف ما يسمى بالنقد الميتاسردي أو الخطاب النقدي، حيث وظف بعض المقاطع السردية لتقديم تصورات نقدية تتعلق بعالم الكتابة، إذ حصرها الكاتب في توثيق الأحداث بحثا وتحقيقا، و تكسير الأزمنة، وتنويع الفضاءات القصصية، وتخريب المعمار السردي، وتحريض الشخصية على التمرد على سلطة الكاتب أو المؤلف:” “الرحالة البرغوث” سيرة رحالة باحث عن الحقيقة، مهووس بأفضية مغايرة، وآفاق محتدمة بالصراعات. لشد ما تستهويه قسوة الأمكنة، ويكبّله تشرذم الأزمنة وتداخلها. رحّالة يعتقد أنه قد نملكُ مصائرنا حينما ننفكّ من عقال هاتين المقولتين اللتين هما من اختراع الإنسان والطاردتين له على الدوام. رحالة مسكون بإلغاء الأبعاد الرياضية، ونفي الاستقساطات الفلسفية. إنه يسعى إلى فك قيد الحبل المطاطي المشدود إليه. يحس أنه بنفس القوة التي يدفعه به هذا الحبل نحو الأمام، يرجعه إلى نقطة انطلاقه مخضوضا كلبن في جرة. وهل هناك كائن لا يستقر على حال، ولا يمكث فوق أديم تراب أكثر من البرغوث المشاء الوثاب بالفطرة؟!
سوّد الطبيب بعض الخطوط في كراسته، سرعان ما شطب عليها واقتلع الورقة تلو الورقة، وتمردت ووثبت شخصية الرحالة حتى على الكاتب نفسه، إذ لا يستطيع كبح جماحها وتطويعها في أحداث مرسومة من قبل. ”
يتبين لنا بأن هذه التعليقات النقدية من خصائص القصة القصيرة الحداثية التي تميل إلى الانزياح، وانتهاك معايير السرد الكلاسيكي تحبيكا وتخطيبا ورؤية.
ومن جهة أخرى، نجد عبد العالي بركات يمارس النقد في قصته:”الموعد” ، حيث يرصد لنا في قصته التجريبية موعدا ثقافيا بين صحفي وقاصة مغرورة، وسرعان ما يتحول هذا الموعد إلى محاكمة ثقافية للناشرين الذين يستغلون المبدعين ماديا ومعنويا، ومحاكمة للملاحق الثقافية المغربية، والدعوة إلى ضرورة استبدالها بالصحف المشرقية، لينتهي الموعد بتقويم السارد لقصتها الذكورية التي كتبتها بضمير المتكلم، بدلا من تشغيل ضمير الغائب. بيد أن القاصة اعتبرت ذلك تحديا وخلخلة للأجناس الأدبية:” رافقتها إلى محطة القطار. وكان النقاش بيننا يدور حول الكتابة القصصية. كنت سألتها عن السبب الذي يجعلها تكتب بضمير متكلم ذكوري.ألم يكن من الأفضل أن تكتب بضمير الغائب، إذا كان لابد من أن تتكلم عن تجربة رجل؟ ألا يعني هذا أنها غير راضية على كونها امرأة؟
قالت:
الكتابة بلسان الرجل، ماشي المقصود منها أنني مارضياش على ذاتي باعتباري أنني أنثى ، ولكن بغيت نتحدى.هذا كل ما في الأمر.الممارسة الإبداعية هي مجال للتحدي. ولكن ماكيناش هناك حدود وفواصل بين الأجناس الإبداعية. لما اقتنت تذكرة القطار، ودعنا بعضنا البعض.
عند المدخل، قالت لي وهي تتجه نحو القطار الذي كان متوقفا:
- الهاتف بيننا.
منذ ذلك اليوم، لم يتصل أحدنا بالآخر.”
ومن هنا، يبدو أن مساحة النقد الميتاسردي ما تزال ضيقة في القصة القصيرة بالمغرب إلى جانب التنظير الميتاسردي؛ لأن هذه القصة لاتهتم إلا بتشخيص الذات والواقع معا، وإن قررت – مرة ما- أن تجرب الخطاب الميتاسردي، فإنها تكتفي بظاهرة التضمين أو بظاهرة تداخل القص، أو ترصد عوالم الكتابة ومتخيلها الشعوري واللاشعوري فقط.

4- ميتاسرد الشخصيات:

تركز بعض القصص القصيرة المغربية على تصوير صراع الشخصية القصصية مع الشخصية الميتاسردية التي تتراقص بين سطور النص النرجسي للمؤلف السارد تعاليا وسيطرة، فتفرض وجودها الميتاورائي على مخيال ذلك الكاتب الضمني، بل قد تتمرد تلك الشخصية على خطة السارد ، فتعلن انشقاقها ورفضها لرؤية السارد وهيمنته ، كما يبدو ذلك جليا في قصة :” الرحالة البرغوث” لجمال الدين الخضيري، حيث تتقاطع في هذه القصة شخصية زيد مع شخصية الرحالة البرغوث، فتتداخل الشخصيتان معا تناوبا وتعاقبا وتأطيرا. فزيد شخصية قصصية تنتمي إلى عالم الواقع ، تمارس الطب والكتابة . بينما برغوث هو مجرد رحالة يبحث عن المستجد والمستحدث، وينتقل بين الأمكنة والأزمنة المتشظية للبحث عن الحقيقة الماورائية ، وذلك في انفصال تام عن حدود الزمان والمكان :” أوى زيد إلى مخدعه مبكرا، منذ مدة لم يكتب شيئا في كراسته التي لا تفارقه. يبدو أن فرادة المكان واستسلام القرية لعوامل العزلة والنسيان أوحت إليه بأمور كثيرة، وزودت روايته بوقود إضافي حتى تندفع بسرعة أكبر.
“الرحالة البرغوث” سيرة رحالة باحث عن الحقيقة، مهووس بأفضية مغايرة، وآفاق محتدمة بالصراعات. لشد ما تستهويه قسوة الأمكنة، ويكبّله تشرذم الأزمنة وتداخلها. رحّالة يعتقد أنه قد نملكُ مصائرنا حينما ننفكّ من عقال هاتين المقولتين اللتين هما من اختراع الإنسان والطاردتين له على الدوام. رحالة مسكون بإلغاء الأبعاد الرياضية، ونفي الاستقساطات الفلسفية. إنه يسعى إلى فك قيد الحبل المطاطي المشدود إليه. يحس أنه بنفس القوة التي يدفعه به هذا الحبل نحو الأمام، يرجعه إلى نقطة انطلاقه مخضوضا كلبن في جرة. وهل هناك كائن لا يستقر على حال، ولا يمكث فوق أديم تراب أكثر من البرغوث المشاء الوثاب بالفطرة؟!
سوّد الطبيب بعض الخطوط في كراسته، سرعان ما شطب عليها واقتلع الورقة تلو الورقة، وتمردت ووثبت شخصية الرحالة حتى على الكاتب نفسه، إذ لا يستطيع كبح جماحها وتطويعها في أحداث مرسومة من قبل” .
ويحضر هذا التداخل الشخوصي بشكل من الأشكال في قصة:” الأبرق” للمختار الغرباني، حيث يتأرجح المؤلف السارد بين شخصيات القصة (شخصية الكاتب) وشخصيات الرواية الميتاسردية التي تتضمنها روايته:”الأبرق”:” أنهى كتابة السطور الأخيرة من روايته التي تردد كثيرا قبل أن يعنونها بالأبرق..أطل على القرية من الشرفة العالية ..استنشق مرارة هواء لاسع..الشمس هنا حارقة تتسكع في الشارع الطويل، الخطو المضني يصطاد سراب الظل..صرصرة السيارات الفاخرة المرقمة بلوحات أجنبية تصعق الواجهات الزجاجية للدكاكين والمقاهي. شطحت نظراته خاطفة مائلة واستقرت في ربوع مقبرة مجاورة تتعرش فيها أشجار الدفلى والخروب..القبور تصطف متشابهة شاخصة لا تكترث لحرقة الحر…انشغل بعدها أصنافا متماثلة .يتيه في العدد تحت تأثير السلعة الحارقة..آه..آه..، لكم هو عنيد مكابر، السعادة تخترق جوفه وسيجارة مالبورو اللعينة ترقد بين شفتيه المحروقتين..أخذ نفسا ثقيلا..شمله هدوء داخلي تلاه وخز ثاقب جهة القلب..عاد إلى اضطرابه ثانية..مسح راحته جهة صدره..قلبه” ابن الكلب” لازال يذبح من حين لآخر ويحرمه من هواية سفر النظر من الشرفة العالية..الوخز يتثاقل..يحتد أكثر، فيجبره على الاحتماء بالمرتبة…يرتمي في أحضان حمى مرعشة…يلبسه وسواس لعين..شخصيات روايته “الأبرق” أعدت له سائلا مذاقه مر قاتل، ناولته كأس الفخار المفضل وتمتمت بلغة هامسة ” اشرب بعزم ولا تتردد…تجرعه دفعة واحدة..تجرعه لاتخف، فمن شأنه أن يطهر عروق الدم من فيروس الكتابة، وربما كانت الكتابة سببا فيما أنت عليه من سقم وبلاء.”
أما سانطو ..الولد المشاغب في الرواية فقد تعمد ممازحته بأنشودة اعتاد أن يرددها كلما أحس بخطو السارد بتعقبه من خلف.”
وهكذا، يتبين لنا بأن ميتاسرد الشخصيات يحضر في القصص القصيرة مركزا على صورة التقابل بين الشخصية المخيالية في السرد والشخصية الميتاسردية. ويعبر هذا التقابل الفني والجمالي عن التقاطع الموجود بين الحقيقي والخيالي.

5- ميتــــاسرد القراءة والتلقــــي:

تحضر صورة التلقي كثيرا في القصص الميتاسردية المغربية التي استفادت من جمالية القراءة أو نظرية الاستجابة أو التقبل، حيث يصبح المتلقي طرفا في عملية التصوير والكتابة والتخييل ، كما يتضح ذلك جليا في هذه الصورة التي يستحضر فيها محمد صوف القارئ المفترض ليشارك المبدع عملية الإبداع والتأويل:” ما رأيك عزيزي القارئ في هذا الوصف الواثب من التراث؟”
هذا، وقد اهتم القاص المغربي عبد الحميد شكيب بتحبيك صورة المتلقي في قصته:” ملهاة كازيمودو”، حينما بدأ لعبته الميتاسردية بتخطيب البداية، لينتقل –بعد ذلك- إلى مخاطبة المتلقي ذهنيا، واستفزاز المسرود له ليتروى قليلا ، حتى تستوي له المقدمة في أحلى حلة فنية وجمالية: ” لنبدأ…عفوا لأبدأ ولكن من أين وكيف؟
هل الكتابة سهلة إلى هذه الدرجة؟
قد يظهر للبعض أن الحروف ولا أقول الكلمات سهلة في تطويعها لتلطيخ البياض.وهذا البياض/الشهوة/ المساحات الفارغة تدلك على أن الطريق مسدود.
لأبدأ والبداية صعبة. هذا ما تعلمته من مداد قلمي.إنها ليست توطئة، ولكنه تواطؤ الذاكرة/ المخيلة/ صهد النار/ كآبة الأشياء التي قد تكون أو لا تكون.
المهم ابدأ يابن الكلب، وخلصنا من تجاويف اللف والدوران.
شرخ ثمة… يقف في وجهك، يعلو ولا يعلى عليه…إنها البداية.
انتظر أيها المتلقي قليلا خلف الجدار حتى تتراءى لك بلورية أو قاتمة.
توارى ولا تفتح النوافذ لترى أفق انتظارك.
ارهف سمعك إذا كنت مستمعا أو ارهف عينك إذا كنت مخبرا، عفوا متلقيا نظيفا.
أتساءل : هل العين تقرأ المسموع؟ وهل الأذن تسمع المخطوط؟ وهل الفم ينطق الضباب؟
كازيمودو يا قارع الأجراس، احك لنا قصتك وابدأ من الميلاد. ”
ويحضر ميتاسرد القراءة أيضا في قصة:” الآخر” لمحمد أيت حنا ، والمأخوذة من مجموعته :” عندما يطير الفلاسفة”، حيث يستحضر المؤلف السارد متلقيا افتراضيا يفكك شفرة اللقاء بين الفيلسوف ابن رشد والمتصوف ابن عربي، والبحث عن دلالات التآلف والاختلاف في خطابهما، وذلك في تقابل مع الغزالي:”مهما نبش قارئ ” الفتوحات المكية” ، فإنه لن يظفر بشيء حول حقيقة وملابسات اللقاء بين الفيلسوف ابن رشد والمتصوف ابن عربي، أكثر مما أراد الشيخ الصوفي…
فالفقرة التي تهم اللقاء كتبت بمكر ودهاء شديدين، يجعلان القارئ يظن أن المتصوف كان سيد الموقف، وأربك الفيلسوف بكلمات قطعت أمامه كل سبيل للاستمرار، وجعلته ينصرف إلى حياته ضاربا صفحا عن الإدلاء بشيء مما دار في هذا اللقاء.
غير أن قارئا واحدا فقط استطاع أن يتخلص من سحر الفقرة التي كتبها ابن عربي، وانصرف إلى قراءة تفاصيل اللقاء في الصمت الذي اختاره فيلسوف قرطبة، فكانت هذه روايته. ”
هذا، وقد اشتغل محمد فري على ميتاسرد المتلقي في قصته:” هواجس على هامش السرد” ، إذ خصص قصته كلها في تجريب نظرية التلقي، واستحضار المتلقي الافتراضي، وتخييب أفق انتظاره:” كان حريا بي أن أحكي لكم حكيا.. وأسرد عليكم سردا..لكن التفكير انزاح عما قصدته قصدا.. وابتعدت عن الغاية بعدا..فلم أملك لذلك ردا..فلتتقبل قصتي أريحيتكم..وأعتذر إن أخلفت أفق انتظاركم..فالعتب على غياب السارد..وعلى عجزي عن الإمساك بهذا المارد…ومع ذلك أيتها السيدات…أيها السادة ..زملائي…زميلاتي…أصرح أنني لن أستسلم..سأكتب لا محالة حروفا كلمات..تنضاف إلى نصوص سابقات..وأعدكم- للمرة الألف- أنني سأنتصر على الهواجس اللعينة..وأبحث عن سارد جيد..يحقق الوعد المعهود..ويمنحني النغم المفقود…فمازلت أتوق إلى نص مختلف…يمتعني ويمتعكم..ويحقق رغبتي ورغبتكم..فانتظروني أعز الله قدركم..وشرف جمعكم..والشكر الجزيل لكم. عفوا أيها الإخوة والأخوات لم أنته بعد…أعترف وأنا أتعثر خجلا.بأنني بحاجة إلى تصفيقاتكم..وأرجو أن يبقى بيننا..ولا يسمعه غيرنا: هذه التصفيقات هي زادي الوحيد الذي سأتغلب به على هواجسي…شكرا لكم جميعا مرة أخرى.”
ويتمظهر ميتاسرد القراءة أيضا في قصة:” إمبراطورية العليق” لإدريس اليزمي:” اسمحوا لي بتقديم نفسي إليكم:
أنا فلاح، لاعلاقة لي بهذه الصنعة…لكن الكاتب أقحم شخصي لرواية هذه القصة.فاقبلوا عذري، وإن كنت في الحقيقة ، وغيري من أهل القرية، لا نتقن إلا الحكي، في زمن البطالة، عن كل مانراه أو سمعناه..نلوك ونجتر.فما أمتعكم فخذوه وما أفسد عليكم صفوكم وضيع وقتكم فاطرحوه، وليتحمل الكاتب وزره.
كلامي كله سيدور حول هذه النبتة، التي غزت أوديتنا وحدائقنا:العليق…وحتى أقربها إلى أذهانكم، فهي شائكة، تشبه التوت البري…لكنهما يختلفان.التوت بثمرته السوداء في نضجها، الحمراء قبيلة، غذاء لذيذ هي ثمره صيفا، ونزرب به حظائرنا خريفا..نعم الربيب وهو..ربيب بيئتنا.
لكن، ما الجدوى من وراء العليق؟
حقا، ابتلينا به طوال هذه السنين المنصرمة.انضاف إلى المشهد الحزين الذي تعيشه هذه القرية المهملة الهامشية من بؤس وعوز، وتراجع في المردود الفلاحي جراء الجفاف..غزا هذا العليق أوديتنا، فدادينننا، حدائقنا الشبحية، غاباتنا الشمطاء، إنه يكتسح كل شيء.حتى سواري، وعيدان بيوتنا تلوي عليها.صار أخطبوطا يطوقها كالأفعوان يداهمنا بجيوشه أينما حللنا وارتحلنا.أرجلنا لاتكاد تسلم من أغلاله الدامية.
قد نتساءل:
من أين أنت هذه الداهية؟
وكيف استولت على القرية بما فيها وعليها؟
حق لك أن تسأل، ولا أملك إلا أن أجيب ولن أتدخل في ما سماه أو عنون به الكاتب قصته” إمراطورية” فثقافتي المحدودة لن تسمح لي بذلك…لكني سأقول لك إن ، ” اللي دارها بيديه يفكها بسنيه” فالنبتة أول الأمر، كانت تعيش على أطراف القرية. وجاءت بها الرياح.ومن يدري أن السيول قد تقاذفتها إلى أن وصلت بها إلينا…وربما تكون قطعان المواشي قد حملتها على ظهورها، أقصد بذرتها، المهم أنها تكاثرت واستوطنت أراضينا، في غفلة أو تهاون منا..وهاهي قد تكونت كما عنون به الكاتب القصة:” إمبراطورية” كيف سنجتث هذه النبتة الطفيلية، المحتلة لأراضينا، المتربعة على أبهى حدائقنا وودياننا.تنعم بالظل وأشعة الشمس، وسلسبيل الغدران على حساب جوعنا وعطشنا..؟
هذا ماسنتركه للأهالي ولك أيضا إن شئت أن تفكر فيه، وتستجيب الأيام حتما عن هذا السؤال الوعر..
أرجو أن تكون قد وعيت مارويته لك وإلا فاسأل الكاتب.”
ويظهر أن الروائيين المغاربة قد سبقوا إلى توظيف ميتاسرد القراءة قبل كتاب القصة القصيرة ، كما نجد ذلك جليا عند محمد برادة، وعمر والقاضي، ومحمد عزالدين التازي، فقد شغلوا جيدا صورة التلقي في كتاباتهم المتميزة، واستطاعوا أن يشركوا المتلقي بشكل إيجابي ومثمر.

6- البنــــــاء الميتاســــردي :

نعني بالبناء الميتاسردي ما يتعلق ببناء القصة على مستوى التحبيك والتخطيب. ويعني هذا تبيان مجمل الطرائق والكيفيات التي يبني بها الكاتب عالمه القصصي، وذلك بتوضيح كيف تفكر القصة في نفسها أو ذاتها ، عبر فضح مكوناتها الفنية والجمالية، ومناقشة تفاصيلها البنائية وجزئياتها التكوينية بالمساءلة والوصف والنقد والتقويم. وهكذا، يناقش شكيب عبد الحميد ميتاسرد البداية في قصته:”ملهاة كازيمودو”:” لنبدأ…عفوا لأبدأ ولكن من أين وكيف؟
هل الكتابة سهلة إلى هذه الدرجة؟
قد يظهر للبعض أن الحروف ولا أقول الكلمات سهلة في تطويعها لتلطيخ البياض.وهذا البياض/الشهوة/ المساحات الفارغة تدلك على أن الطريق مسدود.
لأبدأ والبداية صعبة. هذا ما تعلمته من مداد قلمي.إنها ليست توطئة، ولكنه تواطؤ الذاكرة/ المخيلة/ صهد النار/ كآبة الأشياء التي قد تكون أو لا تكون.
المهم ابدأ يابن الكلب، وخلصنا من تجاويف اللف والدوران.
شرخ ثمة… يقف في وجهك، يعلو ولا يعلى عليه…إنها البداية.
انتظر أيها المتلقي قليلا خلف الجدار حتى تتراءى لك بلورية أو قاتمة.
توارى ولا تفتح النوافذ لترى أفق انتظارك.
ارهف سمعك إذا كنت مستمعا أو ارهف عينك إذا كنت مخبرا، عفوا متلقيا نظيفا.
أتساءل : هل العين تقرأ المسموع؟ وهل الأذن تسمع المخطوط؟ وهل الفم ينطق الضباب؟
كازيمودو يا قارع الأجراس، احك لنا قصتك وابدأ من الميلاد. ”
ومن جهة أخرى، يهتم عبد الحميد شكيب بالملحقات الميتاسردية المتعلقة بالحواشي والهوامش والإشارات والملحوظات كما في هذا الهامش النصي:
” إشارات:
ولد كازيمودو سنة 1963.
أبوه الإسكافي مات سنة 1945.
أمه التي رمته قرب المسجد من مواليد 1977.
- ملحوظة:
أعتذر عن عدم ذكر اسم المؤلف الحقيق لهذه القصة نظرا لظروف قاهرة.
-الفصل التاسع:”………………………………………………………………..
………”
-الفصل العاشر:”……………………………………………………………..
…………..”
- الفصل الحادي عشر:”………………………………………………………..
…………..”
مات المؤلف ولم يتمم ملهاة كازيمودو. ”

وقد اهتم إدريس اليزامي ببناء قصته ميتاسرديا، من خلال استحضار القارئ الافتراضي، ورصد عوالم الكتابة وطقوسها، وطريقة بناء البداية أو المقدمة السردية كما في مجموعته القصصية:” رحيل اللونجة” ، ولاسيما في قصته الأخيرة:” قدر..وردة..و..”:”حاولت جاهدا أن أجد مقدمة للعمل أشدك بها لمتابعة هذا الهوس.لكنها استعصت علي رغم أني بدلت الفضاء.
كان أول الأمر مغلقا فصار رحبا.كان الصمت وناب عنه الضجيج.كان الشاي الذهبي يثير فضول /بله متعة النحل حولي؛ وهاهي المرة تعوضه علها تخز هذا الخامل في رأسي فيستنفر جحافله لتنقض على البياض…
لقد شحدت القلم ولن أدعك تفلت من بين نواجد كلماتي..فأنا كما ترى قررت أن أسرد عليك تفاصيل قصة ظلت تسكنني فكرتها لفترة طويلة.في البدء صغتها في قالب شعري.لكن القصيدة لم تسعني للتعبير عما يجيش في دخيلتي ويعتمل فيها.عفوا، لاتعتبرني مقلا من أهمية الشعر والقصيد..فهو والقصة صنوان إلى حد يصعب التمييز فيما بينها أحيانا.”
كما تعنى فاطمة بوزيان في مجموعتها القصصية:” همس النوايا” بميتاسرد القصة من خلال التشديد على الاستهلال أو مقدمة الحكاية:” تناسيت رعبي وتركته يفتتح الحكاية..
ماذا يمكنك أن تبتدع في خلاء الرتابة..
الصباح يمضي كالصباحات الماضية..
والمساء يأتي كما تتوقع أن تأتي المساءات الآتية..
وأنت كما أنت واقع في حصار الجدران القذرة!؟
تطلعت إلى الزليج اللامع، وزخارف الجيص الناصع والحقيقة- أيها السادة- وجدتها رائعة وأليفة ، أو ربما تعود عيوني الأنثوية على حصارات الجدران صورها لي كذلك! لكني فكرت أن اعتراضي قد يجهض مسار الحكي فحركت رأسي موافقة وتابع الحكي.”
ومن جهة أخرى، اهتم محمد صوف في مجموعته القصصية:” أزعم أن…” بالنهاية السردية تحبيكا وتخطيبا وتخييلا:” لا يهم إن كنت قد عثرت على الباب الذي انفتح لي سأحقق قفزة عبر الزمن وأختم القصة كالتالي..”
ويبدو أن اهتمام الكاتب بنهاية القصة دليل على تحفيزه للقارئ على المشاركة في بناء قصته، ومساعدته على بناء متخيله السردي تأويلا وتفسيرا وتصورا.
هذا، ويستعرض عبد الله زروال في مجموعته القصصية:” بساط الريح” صراع القصة المقصية مع المؤلف السارد، الذي يريد إبعاد هذه القصة اليتيمة عن مجموعته المختارة؛ بسبب ضعف كتابتها وأسلوبها. وقد تعمد إقصاءها أيضا بسبب نشازها الفني والجمالي والسياقي، وخروجها عن خط المجموعة دلالة وبنية ومقصدية، وانحرافها عن إيقاعها السردي رؤية وتصورا واسترسالا:” فجأة هيئ لي أن القصص المبعثرة بين يدي تستصرخ، وهي تحاول أن تدفع عن نفسها ألسنة اللهب المتأججة. دبت في الرقة والرأفة، وتملكني حنين مبهم إلى تلك الأيام، فلممت برفق أشتاتها، وعكفت على فرزها وانتقاء ما سيلتئم منها في أضمومة منسجمة متآلفة، غير أن قصة واحدة لا غير بدت لي متوترة كالنغمة النشاز، قرأتها، أعدت قراءتها مرات ومرات. ولما لم تثر في أي انجذاب شطبت عليها دونما تردد، ونحيتها جانبا، ثم انشغلت بالترتيب، فإذا بالقصص تنتظم عفوا وبلا تسابق أو تنازع وكأنها تواضعت سلفا على مراتبها.”
ومن جهة أخرى، فلقد حاولت ” القصة المقصية” بكل ما لها من قوة الحجاج، وما تملكه من بلاغة الإقناع ، أن تدافع عن نفسها بكل شجاعة وجرأة وصراخ بأحقيتها في الحياة مثل القصص الأخريات، بغية أن يضمها السارد المؤلف إلى مجموعته المختارة، كما أنها نتاج أفكاره وعواطفه وتخييله. فكيف يتخلى عنها المؤلف السارد بسرعة ، محاولا تشطيبها بجرة قلم، مع نزع جذورها و أوراقها من الوجود والحياة الصاخبة، بعد أن وهبها ذلك المؤلف الضمني سر الكينونة والانبثاق والتبلور:” نظرت إلى القصة المقصية نظرة مودع، ولما مددت يدي لأمزقها أجزاء صغيرة، بل ومتناهية في الصغر، أطلقت آهة ألم ممض، وبعد أن ابتلعت غصتها التمست مني لم شملها بأخواتها:
- ألست أنت الذي كتبتني؟!فما يضيرك لو أقحمتني مع المجموعة، واستوفيت بي اثنتي عشرة قصة؟
تساءلت:
-هل من الضروري أن تتألف المجموعة من اثنتي عشرة قصة؟ماذا لو زاد عدد المجموعة أو نقص؟
لما مضيت في التمسك بموقفي، وأصررت على ألا أتراجع عنه بأي حال من الأحوال، قذفتني القصة المقصية بالبيان الاستنكاري التالي:
” أنا القصة المقصية أشجب وبشدة إقصائي الممنهج، وأطالب بالتدخل العاجل والفوري، والذي لا يقبل أدنى مماطلة أو تسويف، لإدراجي ضمن المجموعة القصصية إسوة ببقية شقيقاتي…”
ماكنت أذعن بسهولة لذلك المطلب دون روية أو تمحيص.فبعد نظر طويل وتأمل عميق زاد إصراري على إقصائها.
كانت مميزة كالدخيل، مكشوفة كالوافد الغريب. كانت تختلف تمام الاختلاف عن الأخريات.كانت الأخريات متشحات بوشاح بسيط شفاف جذاب يدنيني إليها، أما هي فكانت متسامية مستعلية، كانت متلفعة بملاءات سود من ترميز وتجريد وغموض.
أذكر أني كتبتها في لحظة صاخبة ملتهبة، فاستنفرت لها كل ما أملك من طاقاتي التجريدية، ملأتها بالسراديب الداجية، زرعت في حقولها ألغام الشارد والمستغلق والغريب، وأغلقت فيها كل المنافذ، ولم أدع فيها كوة صغيرة يمكن النفاذ منها إلا أوصدتها وأخفيت أي أثر قد يدل عليها.
خطرت لي فكرة إعادة كتابتها، وما أن أخذت أخلع عنها أردية التجريد التي تلفها حتى تهاوت أركانها، وتداعى بناؤها، وانسابت كرمال ذرتها الرياح، وانطمست معالمها، ولم يتبق منها إلا عنوانها.”
وهكذا، يعلن المؤلف السارد نهاية القصة المتعالية برموزها الموحية، وتجريدها الغامض، فيحاول تبديدها لكي يخفي معالم تضمينها وانزياحها ، ويطمس معالمها التخييلية والافتراضية .

7- العتبــــات الميتاسرديــــة:

تتحول عتبات النص الموازي (العناوين، والإهداءات، والمقدمات، والهوامش، والحواشي، والأيقونات، والصور، وكلمات الغلاف، والمقتبسات….) إلى خطابات ميتاسردية في مجموعة من القصص القصيرة بالمغرب. ونذكر من بين هذه العتبات المقدمة التي يكتبها المبدع ليوجهها إلى المسرود له، يشرح فيها تصوراته النظرية والنقدية ، ويسرد مختلف الحيثيات التي دفعته إلى نشر مجموعته القصصية، كما هو حال مجموعة:” الزغاريد المؤجلة” لنجاة السرار التي رصدت فيها مجمل الأسباب والدواعي الذاتية والموضوعية التي دفعتها إلى كتابة قصصها، وكان حظ القارئ فيها كثيرا؛ مادام هو السبب الرئيس وراء إبداع مجموعتها الثانية، بعد أن تلقت الكاتبة من قرائها الضمنيين والواقعيين مجموعة من التهاني والتنويهات إشادة و تقريظا وترحيبا. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة موجهة خطابها نحو المسرود له:” أيها القارئ العزيز:
ها أنذا أطل عليك من جديد، بعد المجموعة القصصية الأولى ” حتى إشعار آخر” بناء على وعد قطعته على نفسي، على الرغم من الحواجز، على الرغم من غلاء اللقاء، (قد تبين لي أن ثمن الأقراط لن يغطي نفقات لقائنا، فالتجأت ” للسيد كريدور” غير مترددة، ومن أجل لقائي الغالي بك عزيزي القارئ، ها أنذا أؤدي الأقساط الشهرية حبا وطواعية، وبالشروط التي يفرضها، فلقاك علق ماله ثمن).
كان مقررا أن نلتقي برواية” وشوشات” التي أعلنت عنها في المجموعة الأولى ، إلا أن الرواية تأخرت كثيرا بوزارة الثقافة التي تبنتها، وانتظرت كثيرا، وتأخرت الرواية كثيرا، فضاق صدري، فها أنذا أبوح لك في هذه الزغاريد.
أخي القارئ، أختي القارئة:
إني مدينة لكم بالكثير، فالتشجيع المعنوي الذي لقيته منكما بعد صدور المجموعة القصصية الأولى، كان الحافز لإصدار هذا العمل، وإن نسيت لا أنسى قول إحدى القارئات:” قصصك كانت جميلة وممتعة، سهرت لوقت متأخر من الليل لـم الكتاب، كنت بسيطة ومقنعة، وكنت أرى فيك ذاتي بشكل أو بآخر، عبرت عن أشياء لم استطع قولها”.
وقارئ آخر من طنجة يكتب ليقول:” إن عنصر الصدق والعفوية كانا حاضرين بقوة مما جعل المجموعة جميلة وهادفة، وأنا شخصيا أحسست باللذة والمتعة…واعلمي أن بطنجة قارئا وجد في كتاباتك الأدبية لذة وسموا، ووجد أن مخيالك جيد وسامق ومجنح” وصوت متميز من بعيد عبر أسلاك الهاتف:” إن قصص المجموعة جريئة، وغير متواطئة، وجدت فيها نفسي”.
تلك كانت ولا تزال أجمل هدية فوق كل ماحملت به، من أجل أولئك القراء الذين لايستسلمون للنوم الملحاح على الرغم من شدة وطأته إلا بعد الانتهاء من القراءة، أكتب، وسأكتب، وإني أكتب، على الرغم من قصر ذات اليد، وتواطؤ دور النشر، وإجحاف مؤسسات القروض، وغلاء اللقاء.
من أجل أولئك القراء الذين لم تثنهم الوسائل الحديثة المرئية.والهوائيات الرقمية اللاقطة، بشتى قنواتها عن القراءة، أقف وقفة إجلال وتقدير. ”
ونجد هذا التقديم الميتاسردي بشكل آخر في مجموعة :” موسم الهجرة إلى أي مكان” لمحمد سعيد الريحاني، حيث يقدم الكاتب القاص مجموعة من الآراء النظرية حول القصة القصيرة، وذلك باعتبارها شكلا من أشكال التعبير والتغيير، داعيا إلى تملك مشروع جمالي ونظري لكتابة القصة القصيرة…
هذا، وتتحول الهوامش والملاحظات والتعليقات والمقتبسات في كثير من القصص القصيرة المغربية إلى خطابات ميتاسردية ، الغرض من إثباتها هو تأكيد الفعل التخييلي، وتكسير الإيهام الواقعي والمرجعي الذي نجده في النصوص السردية الواقعية ، كما يبدو ذلك واضحا في قصة:”الآخر” لمحمد أيت حنا:” يرجى عدم اعتماد هذه الرواية في البحوث والأعمال الأكاديمية، وذلك نظرا لافتقادها أدنى درجات العلمية والموضوعية.”
ويلتجئ الكاتب مرة أخرى في قصته:” ماقد تفعله بك الجيكوندا” إلى توظيف الإضاءات لكتابة قصة أخرى باعتبارها حاشية تلحق بالمتن. ويعني هذا أن السارد أورد لنا قصة جيوكندا ليلحقها بقصة القصر لبورخيس تعضيدا واستكمالا لدلالات القصة الأولى.
ويساهم المصطفى كليتي بدوره في تثبيت الملحقات الميتاسردية التي تضيء النصوص الأصلية ، وذلك بوضع مجموعة من التذييلات الميتاقصية التوضيحية في مجموعته:” موال على البال” ، ولاسيما في قصته:” الإرهابي”، وقصة “حكاية بذيل ورأس مقطوع”، وقصة ” حكاية عن رأي واسع النظر” …
هذا، ويتحول الإهداء إلى عتبة ميتاسردية في مجموعة:” في ضيافة المتنبي” لإدريس اليزمي:” كلما أفرغ من كتابة نص أهداه إلى غيره، قد يكون صديقا أو قريبا أو شخصية أثرت فيه حتى إما مجاملة وإما تعاطفا.
ذات نص وبعد أن وقعه، قال في نفسه: لماذا أهدي نصوصي لغيري ولم احتفل بذاتي قط. في أعلى الورقة دون: إلي.
ابتسم ساخرا وهو يتمتم:
ها الإهداء يصير عنونا للأقصوصة .قدر الكاتب دوما أن يعيش للآخرين لتمتد كلماته في الوجدان والذاكرة.”
ومن جهة أخرى، تشير بعض القصص القصيرة بالمغرب إلى إشكالية تثبيت العنوان، وما يثيره من مشاكل عويصة بالنسبة للمؤلف السارد أثناء عملية الاختيار والانتقاء، وقد استطاع عبد الله زروال في : ” القصة المقصية” أن يجسد هذا الإشكال بطريقة فنية أخاذة قائمة على صورة التشخيص والتجسيد أنسنة وإحياء واستعارة، حينما وجد نفسه حائرا أمام عناوين عدة، عاجزا عن اختيار عنوان واحد منها. لذلك، يلتجئ إلى القرعة التي جعلته يتراجع عنها بسرعة، ليحسم اختياره بشكل عقلي ومنطقي، لا اضطراب فيه، ولا فوضى، ولا عشوائية عفوية أو تلقائية:”أخذت أتهجى العناوين، أرددها متنغما متأملا لأنتقي سيدة الأضمومة الآسرة، فإذا بكل قصة تصيح في وجهي:
- أنا التي سأتربع على عرش تلك المجموعة.
خطرت لي آنئذ فكرة طريفة، فقد سمعت أن بعض الأسر تلوذ بها لحسم الخلاف في أمر اسم الوليد.
أكتب العناوين على وريقات، ثم أطويها طيا محكما، وبعد أن أمزجها جيدا ألقي بها على الطاولة، أبسمل أولا ثم أختار واضعا سبابتي على واحدة منها، أفتحها على مهل متحفزا مترقبا السعيدة الحظ التي ستظفر بمنصب النائبة عن المجموعة.
لم أكن لأفعل ذلك طبعا، فماذا أنا فاعل لو وقعت يد الحظ على عنوان قد لا أرتضيه للمجموعة؟!
طردت تلك الفكرة السخيفة، ووجدتني أستجيب لنزوع حار وغامض إلى واحدة، وكلي ثقة واطمئنان:
-أنت سيدة الأضمومة الآسرة.”
ويتميز عنوان قصة:”شخصية واحدة تبحث عن أكثر من مؤلف” لمحمد عز الدين التازي بإحالتها التناصية على مسرحية بيراندللو:”ست شخصيات تبحث عن مؤلف”. ويتميز هذا العنوان الميتاسردي بطابع السخرية والمفارقة ، فالشخصيات الست عند برانديللو تبحث عن مؤلف واحد، بينما في قصة عزالدين التازي شخصية واحدة تبحث عن أكثر من مؤلف. ويعني هذا أن الميتامسرح رديف الميتاسرد، بل يمكن القول بأن المسرح كان سباقا إلى تشغيل الميتاتخييل. والأكيد أن فني القصة والسينما بدورهما قد استفادا بشكل من الأشكال بهذه التقنية الدرامية ذات الطابع التخييلي والفني والجمالي.

8- التنــــــاص الميتــــاسردي:

يترك التناص ، بكل آلياته المضمرة، وتقنياته الجلية، ترسباته الواعية واللاواعية في مجموعة من القصص القصيرة بالمغرب. ومن ثم، يتجسد إحالة ومعرفة خلفية فوق مساحات القص، ليمارس لعبة الميتاتخييل أو الميتاقص. وهكذا، نجد عبد الواحد كفيح في مجموعته القصصية:” أنفاس مستقطعة” ، ولاسيما في قصته:” زمن الحكي”، يشغل التناص الميتاسردي للإحالة على قصص ألف ليلة وليلة، حيث يستدعي شهرزاد في تقابل مع شهريار. بمعنى أن المؤلف السارد يشبه جدته، التي كانت تحكي له القصص في ليالي ماضي الطفولة الأنيس، بشهرزاد التي كانت توقف حكيها مع صياح الديك. ومع وفاة الجدة الحاكية، قرر الحفيد السارد أن يستكمل مسيرة الحكي اعترافا بجميل جدته الشهرزادية. وهكذا، يتداخل حكي السارد/المؤلف مع حكي الجدة بعوالمه الشهرزادية:” عدت إلى البيت.. سمعت صراخا، نحيبا.. قالوا ماتت الجدة.. قلت بل انتهى زاد الحكي. قالوا ماتت الجدة قلت انتهى خيال الحكي.انتهى زمن الحكي. جدتي وشهرزاد وجهان لعملة واحدة.الأولى تحكي والثانية تحكي.الأولى أفنت زهرة عمرها تنسج من الخيال والثانية بالحكي تحارب الحتم والمآل .انزويت وحدي. بعيدا، استقطعت نفسا من الزمن وخلسة صليت صلاة الغائب على كل الشخوص/ الضيوف الأعزاء، خفيفي الظل، الذين عشت معهم أحلى الأيام والليالي.عشت معهم النفس التصاعدي حتى القمة والانحدار حتى القاع.كسرت مرآتي ومعها ماتت كل أشيائي.لأني ماملكت في طفولتي من لعب الأطفال غير ذاك الزمن الأنيس المؤنس، وخاصة في الليالي الليلاء.كم تمنيت لوعدت في لحظة طفلا ساذجا صغيرا، يستسلم للبكاء كما الدمية بلا سبب، أبكي بكل قواي حتى الثمالة.أفسح المجال لشلالات الدموع وأدعها تنهمر بلا انقطاع.كما انهمرت شلالات الحكي الخالد منذ زمان. موتها أقلق راحتي، تساءلت إلهي.هل دق شهريار طبول الحرب ضدي غدر بي اغتال زمني أخرس هدير الحكي.أعلن موت شهرزاد؟ في انتظار صلاة الجنازة وهي محمولة على الأكتاف، عاينت لوحدي طيورا صغيرة بالتوالي تخرج من كوة صغيرة في الجدار.كوة كانت ولم تعد. تفقدتها، اكتشفت قمقما؛ وجدت دواة وقلما. منذ ذلك تأبطت رقعي ومسوداتي، وأقسمت على نفسي ألا أمتهن قط طول حياتي غير فن الحكي .”
وعليه، يضع المؤلف السارد تقابلا بين زمان الجدة وزمان شهريار، وبين براءة الجدة وتسلط شهريار.
هذا، ويحضر التناص الميتاسردي أيضا في قصة:” ملهاة كازيكودو” لشكيب عبد الحميد ، حيث تتقاطع فيها كثير من الإحالات التناصية التي تستدعي كتابات مصطفى لطفي المنفلوطي ورواية:” أحدب نوتردام” لفيكتور هيجو:
” – الفصل الثالث:
خرج كازيمودو من السجن وهو شاب يافع .احترف عدة حرف ثم تقلب في عدة انحرافات.
- الانحراف الأول:
اشتغل بزنازا في الحي.اكترى بيتا فوق السطوح..وكان كل ما جمع قسطا من المال يوزع نصفه على المخبرين.ويدخل السجن ويخرج حتى صار معروفا لدى إدارة السجون.
- الانحراف الثاني:
ثاب كازيمودو عن بيع الحشيش واشترى سكينا طويلا وصار قاطع الطريق.
- الانحراف الثالث:
قتل مقدم الحي.
- الانحراف الرابع:
خرج من السجن منهوك القوى..أشيب الشعر..نحيف البدن.لايصلح إلا شخصية للمنفلوطي الذي لو كان حيا لألف عنه عدة فصول في الوصف.
كازيمودو الهامش!!
كازيمودو الهوامش!!
كازيمودو قطرة في بحر.
هانحن نملأ الصفحات بالشذرات وأنت لاه عنا.
-الفصل الخامس:
كازيمودو شخصية رئيسية في رواية أحدب نوتردام لفيكيتور هيجو. ”
ويعني هذا أن التناص قد يتحول من إشارة إحالية صرفة إلى خطاب ميتاسردي دال، يحمل في طياته معلومات ومؤشرات ومقتضيات التأليف والكتابة ، كما يحيل على عوالم الكتابة الإبداعية امتصاصا وتفاعلا وحوارا.

9- التضميـــن الميتــــاسردي:

نعني بالتضمين أو التناسل أو التوليد تلك العملية الميتاسردية التي تتولد عن قصتها الرئيسية قصة فرعية أو قصص صغرى متضمنة داخليا ، وذلك على غرار قصص :” كليلة ودمنة” لابن المقفع أو قصص “ألف ليلة وليلة”. بمعنى أن ثمة قصة مؤطرة (بالكسر) وقصة مأطرة(بالفتح)، ويبدو هذا جليا في قصة:” الدم والكلمات” المأخوذة من مجموعة:” دلائل العجز” لأحمد المخلوفي…وهذه التقنية السردية معروفة في الموروث السردي العربي ، وقد استلهمه السرد الغربي الكلاسيكي والمعاصر، والغرض من التضمين هو التجريب، وخلق الحداثة، وتحقيق البوليفونية الأسلوبية تهجينا وتنضيدا وأسلبة.

10- تكسيـــر الإيهـــام الواقعـــي:

تستند بعض القصص القصيرة بالمغرب إلى تكسير الجدار الفاصل بين الحقيقة والوهم، كما كسره بريشت في مسرحه الملحمي والجدلي، حيث يسرع الكاتب منذ البداية إلى إخبار المتلقي بأن عالم القصة المقدم إليه ليس إلا تخييلا في تخييل. وبالتالي، فهو عالم من الأوهام المختلقة، وعالم من الافتراضات الممكنة والمحتملة التي تجرد الواقع متخيلا وتخييلا. والآتي، أن الكاتب يرفض نظرية الإيهام الواقعية، كما كانت سائدة لدى كتاب الواقعية، مثل: بلزاك، وفلوبير، وستاندال، وموباسان، ونجيب محفوظ، وعبد الرحمن الشرقاوي، وعبد الكريم غلاب، ومبارك ربيع… ومن النماذج القصصية التي تمثل هذه الخاصية الميتاسردية القائمة على تكسير حقيقة الواقع ، واستبدالها بوهم المتخيل، نستحضر قصة:” بخفي زوليخا” المأخوذة من مجموعة :” نشاز آخر…. للبياض” لزليخا موساوي الأخضري :” خرجت زوليخا ذات صباح، قال الراوي، لاتلوي على شيء.في قبضة يدها درهمان. وفي الأخرى عقيقة .تقفز على الرجل اليمنى، ثم على اليسرى، ثم على اليمنى .ثم…
سأرافقك إلى السوق.قال أخوها المدلل.
توقفت عن القفز.تطلعت إليه بنظرة غاضبة ثم تابعت السير.”
ونرى هذا التكسير بشكل آخر عند محمد العتروس في مجموعته:”ماروكان”، ولاسيما في قصته:” ماروكان3″، حيث أورد لنا المؤلف السارد مجموعة من الأحداث الواقعية بالتواريخ الدقيقة التي توحي بالمصداقية الواقعية حول مجموعة من الأحداث التي تتعلق بالجفاف والفقر والجوع والقتل والغرق، وتشي بالموت والقمع واللامبالاة، وتحيل على ضآلة الإنسان في مغرب القهر والعسف والجور، لكن سرعان ما تتحول هذه الأحداث الواقعية إلى قصة خيالية مبنية على التوهيم والتخييل والافتراض الأدبي والفني والجمالي:” في سنة 1943مات الأخ الأصغر لجدي إثر اجتياح موجة برد قارس لبلاد المغرب. فبعد أن انتشر الموت والجوع والفقر في المدن والقرى والأرياف والجبال.وبعد أن انقرضت جذور” تابقوقة”2 التي كانوا يجتثونها من باطن الأرض، يجففونها في الشمس، ويطحنونها ويخبزونها ليطفئوا بعض صراخ البطون، وبعد أن انقرضت الأنعام والوحوش والكلاب والقطط أصبح الناس يختطفون الأطفال من الطرقات، ومن أبواب المدارس الشعبية، يذبحونهم، ثم يلتهمونهم لحما نيئا.
كما يذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته عن أحوال البربر في جبال الأطلس والريف وما جاور، باب عام الجوع.
في سنة 2003مات أخي الأصغر إثر اجتياح برد قارس وثلج كثير لبعض بلاد المغرب، مما تسبب في قطع الطرقات والإمدادات عن مناطق مهمة، فماتت الأنعام والأبقار، وقضت الطيور وأصاب الإنسان مثل ما أصاب الحيوان.
مات أخي في حضن أمي وهما ينتظران ” البلدزور” يفسح لهما الطريق كي يصلوا إلى أقرب مستشفى بالمنطقة.كان المستشفى على بعد أكثر من مائة وخمسين كيلومترا.
ذكر الحادثة الناصري في استقصاء، وأشار إليها في كتابه الآخر:”المغرب في أحوال أهل المغرب”.
في سنة 2005 رفعت قضية جبر الضرر إلى المحكمة الدولية بلاهاي، وطالبت بتعويضي، أولا عن أخ جدي الأصغر، وثانيا عن أخي الأصغر.
وفي سنة 2006 رفضت المحكمة الدولية بلاهاي النظر في قضيتي، أولا لنقص الأدلة، وثانيا لعدم الاختصاص.
في سنة 2007قمت بالانتحار، قذفت جسدي من سطح مؤسسة حكومية لست أذكر اسمها.
بكتني أمي كثيرا.فقدت بصرها من كثرة البكاء وشدة الحزن.كانت تزور قبري كل جمعة وتذرو عليه طحين ” تابقوقة”
في سنة 2008 أعجبتني حكايتي فقمت بكتابتها ونشرها هنا. ”
وينطبق هذا الحكم كذلك على قصة :” الكأس المرة” للكاتب نفسه، والتي يتحدث فيها عن يوم قضاه في حانة باريسية مع جعة خمر، بعيدا عن منغصات الأنثى، وقد أنهاها الكاتب بنهاية توحي بالانتقال من عالم الواقع إلى عالم التخييل والإبداع:”هل كان كل هذا الألم ضروريا كي أبدع قصة؟!”
وتوجد هذه الخاصية أيضا لدى عمر والقاضي في قصته:” حكاية” التي يكسر فيها الحقيقة الواقعية بمعول التخييل والميتاسرد:” يحكى أن راعيا كان محبوبا ومرغوبا لأهمية الدور الذي أعد له ، الدور الذي بقي سريا ولم يشع في القرية. بعضهم يرى أنه اختير لطوله الذي تجاوز المترين.الشيء الذي يجعل الناظر إليه أقل طولا منه، في قرية أغلبها أقزام.ثم جسمه الثخين الأكرش أي لو أناخ على أحد لاختنق.ويضيفون أشياء أخرى تتعلق بقدرته الجنسية، ولا داعي لذكرها، لأنها تتعلق بسبايا المعتدي؟
أما سنه فلا تعرف بالضبط، وحسب الحكاية دائما أنه قضى نصف عمره داخل القرية، ونصفه الآخر في ضاحية القرية، حيث لايزال رابضا. يقضي يومه بين الأكل والنوم حالما بنساء المعتدي!”
ونجد هذا التكسير عند أحمد بن شريف في مجموعته القصصية:” شموس طنجة”، وبالضبط في قصته:” الخروج من طنجة”:” ماذا سأحكي لها؟ أأحكي لها الأشياء والسخافات التي عشتها داخل الزنزانة؟ بما في ذلك السجالات التي كانت تدور بيني وبين رفاقي؟ أم أعدل عن ذلك وأكتفي بالحديث عن نفسي وهمومي التي عايشتها وعايشتني منذ عشرين سنة، لماذا لا أستعيد بمعيتها تلك اللحظات الدافقة التي طالما استيقظت في أعماقي وتوجهت؟ وأتوغل ما أمكن في سراديب النسيان…أستجلي العتمات، محاولا استبار العميق من الصور التي رأيتها ترفرف في فضاء الزنزانة، كانت تحملني بعيدا، وتمنحني طاقة عامة لتشكيل حياة أسعد.أكثر من نقطة وأكثر من علامة تحضرني، تشوش علي، لاأهتدي على شيء واضح. ”
ويتضح لنا ، مما سبق ، أن القصة المغربية حاولت تكسير الصدق الواقعي بفضح أسسه الوهمية، باستخدام مشرح التخييل والسرد والميتاقص.

11- الاستطراد الميتاسردي:

تنبني قصة :” الجارية وقد صارت ملكا” لياسين عدنان ضمن ما يسمى بالاستطراد الميتاسردي، حيث يفرع الكاتب قصته المؤطرة إلى مجموعة من القصص والمواضيع المأطرة تفصيلا واستطرادا وتشعيبا، فهناك قصة الكاتب داخل الحانة بين المجون والاستهتار، وقصة محمد الكسلان مع هارون الرشيد، وقصة علي شار وزمرد الجارية، وقصة إيفلين لجيمس جويس، وقصة زمرد مع الشاطر جوان الكردي وأمه، وقصة شهرزاد مع شهريار، وقصة الشرفة والحكاية والجارية التي صارت ملكا… ويعني هذا أن هذه القصة التجريبية تتضمن مجموعة من القصص الفرعية التي تؤطرها قصة الكاتب، وهو ثمل في الحانة الليلية يترصد الحسان، ويفكر في مشاريعه الحكائية والقصصية:” هذه كلها استطرادات غير ذات أهمية.فالكاتب لا يخشى شهريار، وما كانت الحكايات لتغريه.إنه منشغل فقط بزمرد وشرفة القصر.إيه.. هناك تفصيل آخر بدا له دالا جدا.إنه الساعة. منتصف الليل في اعتقاده برزخ أساسي، القبل والبعد..الاسترجاع والاستباق…الجهر الأسرار…الملك الجارية.أما مصير زمرد الغامض فيتنسمه القارئ في طعم الكونياك.سيفطن إليه من خلال العصبية التي كانت زمرد تطفئ بها سجائرها…
كان الليل يقترب من نهايته. بياض ما يخالج حلكته. والحانة تتخفف الآن من الضوضاء. كل نوافذ البناية المقابلة مغلقة الآن. حواس الكاتب بدورها بدأت تنغلق بالتدريج.دقات الساعة الكبيرة على الجدران.هدأة الثمالة التي تتلو العواصف المخمورة.
فجأة صاحت” البارميطة” الثخينة وهي تصفق الباب بعصبية:
لقد غادر الجميع أيها السيد…ولم يبق غيرك. حتى البيرة…باح…ولأن هذا المكان ليس مطعما.فإن بإمكانك- إذا كنت تنتظر الفطور- أن تتناوله في المقهى المجاور، بالله…سالينا!
وهو يجرجر قدميه بتثاقل خارج الحانة. تمنى لو أن أصدقاءه الذين انسحبوا مبكرا كانوا معه في هذه اللحظة ليحدثهم عن قصة بدأت تتشكل في ذهنه هذا الصباح.في الباب، رفع بصره إلى الشرفة الموصودة، ابتلع ريقه الناشف ومضى وهو يفكر في مشروع قصته الجديدة عن الشرفة والحكاية… والجارية التي صارت ملكا. ”
ويتجسد هذا الإيهام كذلك في قصته:” كتابة”، حينما ينتقل المؤلف السارد من مجموعة من المشاهد الحدثية ليحولها إلى حبكة تخييلية مرتبطة بعالم الكتابة:” يمر بي، أنا القابع في المقهى، المختبئ خلف نظارتي الطبية السميكة، يتوقف برهة، ينظر إلى الأوراق التي أمامي ويقول:
- مساء الحبر سيدي، ماذا تفعل؟
أبتسم وأقول له:
-أكتبك.. ”
وهكذا، يعتمد الاستطراد الميتاسردي على تنويع الحبكات السردية، وتنويع الفضاءات والقصص والشخصيات والرؤى السردية، مع رصد مجموعة من المواضيع المشهدية المستقلة التي لايربطها سوى رابط بنيوي عميق ومضمر .

12- المتنـــاص الميتاسردي:

تنبني بعض النصوص القصيرة على استحضار المتناص الميتاسردي حوارا وتفاعلا وتناصا. بمعنى أن هناك نصين: نص سابق ونص لاحق، وتجمعهما علاقة اشتقاق وتفاعل وحوار. وهكذا، نجد في أضمومة زهرة زيراوي:”حنين”، قصة بعنوان:” حكاية مملة ” من مذكرات رجل عجوز أو نكولاي اتشيخوف ونيكولاي 2 يرويان فصولا من حياتهما”. ومن ثم، تدخل الكاتبة في علاقة تفاعلية مع عوالم القص والسرد لدى الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف .
ونجد عند محمد عزالدين التازي متناصا ميتاسرديا لافتا للانتباه في مجموعته:” الشبابيك” ، ويتمثل في عنوان قصته:” شخصية واحدة تبحث عن أكثر من مؤلف” ، والذي يتناص مع مسرحية بيراندللو :” ست شخصيات تبحث عن مؤلف”. ويعني هذا أن محمد عزالدين التازي يستقي خطاباته الميتاسردية من عوالم الميتامسرح الارتجالي ، باستعمال الحوار التفاعلي القائم على السخرية والمفارقة والتناص والباروديا.

13- ميتـــاسرد الكتابــــة:

تستند كثير من القصص القصيرة بالمغرب إلى استعراض تجارب الكتاب القصاصين، وصراعهم مع الذات والموضوع والكتابة ، وذلك في قالب سردي نرجسي يركز فيه الكاتب على ذاته المهووسة بشهوة الإبداع وحرقته، مع رصد شهاداتهم الإبداعية كتابة وإبداعا وتنظيرا ونقدا، وسعيهم إلى استحضار طقوس الكتابة، وتعداد فضاءاتها وكيفياتها وتقنياتها الفنية والجمالية، واستدعاء عوالم الكتابة الممكنة والافتراضية والاحتمالية والتخييلية، كما نجد ذلك واضحا عند يوسف الحراق في مجموعته القصصية: ” غرف الانتظار”، وخاصة في قصته:” القلم”:”إحساس خفي يدفعني أن أكتب شيئا-أي شيء، لكن قلمي يتردد في عزف سواد المداد على بياض الورق. كل شيء جاهز فوق مكتبي وينتظر. فنجان قهوة يتنفس كسيجارة، وكراسة تغطي فراغا مستطيلا بعد أن انتشلتها من على رف من رفوف مكتبتي المهملة، وقلم نائم على بعد مليمترات من الفنجان والكراسة.
ويدي المرتعشة/المترددة تلتقط القلم وكأنها تمسك بلجام حصان عصي على الترويض.القهوة داخل الفنجان تبرد وتبرد حتى إنها لم تعد تتنفس.
أنا على وشك أن أكتب شيئا، لكن شيئا ما يجعل ذلك الشيء لاشيء-لاشيء.دائما يحدث لي الشيء نفسه لأجد نفسي أقرر ألا أكتب ولو كلمة هذا المساء.أضع القلم وأدفن الكراسة في المكتبة.
ألبس معطفي الرمادي وأختلس القلم لأدسه في أحد جيوب المعطف، فأنا لا أخرج إلا وأنا مسلح.
وقبل أن أخرج لجولتي المسائية مسحت الغرفة بلمحة سريعة وكأنني أقول لها أني عائد- لاتخافي مني الهجر.
أغلقت باب الغرفة واثقا أن كل شيء سينتظر..القهوة الباردة، المكتبة، والكراسة.ترميني الغرفة لدروب الظلام وحيدا أتحسس طريقي كضرير.ربما حينما سأرجع من جولتي قد أكتب شيئا، قد أكتب قصة أو حتى قصيدة، فالكتابة حبي الأول. تهت في دروب الملاح العتيقة وأنا أهمهم أغنيتي الأزلية…
ستشرق نصوصي في فنجان قهوتي
كعصفور يغني في قفص وحدته،
سيزف قلمي الحياة للكلمة فوق السطور،
عندها سأحرر عصفوري من أسلاك قفصه.. ”
ونجد هذا النوع من الميتاقص أو السرد الذاتي النرجسي في قصة :” أنا والورقة” لمحمد فري، حينما يسرد لنا عوالم الكتابة وطقوس اختيار المواضيع القصصية:”وضعت الورقة أمامي..وقررت أن أكتب قصة..نعم.. ولم لا؟ الكل يكتب الآن..فلم لا أدلي بدلوي..وأخوض المعمعمة مع الخائضين؟..فلأتحرك إذا.. مادامت الحركة بركة كما يقولون. فكرت أن أمارس طقوسا عند الكتابة كما سمعت كبار الكتاب يفعلون، فقد يساعد ذلك على تدفق الأفكار، وفتح شهية القلم، واسترضاء ربات الإلهام.
حملقت في الورقة البيضاء حتى كادت عيناي تنزلقان من محجريهما، ركزت كثيرا مستجمعا كل حواسي وعناصر إدراكي، محاولا استرضاء بنات أفكاري، لكن الورقة ظلت فارغة تتحداني ببياضها، واستعصى القلم وأضرب عن إسعافي..وكان بينهما عصيانا اتفقا عليه، فأكبرا علي أن أحشر في مصاف الأدباء.
غير أنني استنجدت بعنادي، ولم أرضخ لنزوتهما، وصممت على أن أكتب شيئا كيفما كان شكله وجنسه، فالكتابة هي القصد والغاية، وتبا للموضوع، وأستعن على ذلك بأي شيء، حتى ولو كان تعاويذ وتمائم، فالأسباب كثيرة والغاية واحدة. ”
وهكذا، يتحول ميتاسرد الكتابة إلى شهادات وثائقية أو تخييلية لتفسير عوالم الكتابة ، وتحديد ظروفها الخاصة والعامة، وإبراز طقوس الإبداع، ووصف آلياتها التعبيرية والجمالية.

14- ميتاسرد الرواة والسراد :

إذا كانت رواية” لعبة النسيان” لمحمد برادة ، قد طرحت قضية الرواة والسراد بشكل جلي، فإن القصة المغربية بدورها قد تعاملت مع هذه القضية بشكل من الأشكال.وهكذا، نجد محمد فري في مجموعته القصصية يتعامل مع تعدد السراد والرواة والذوات من خلال رؤية بوليفونية، كما يبدو ذلك واضحا في قصته:”مشكلة امرأة”:” القصة هذه المرة ليست لي، بل هي لسارد آخر، قال لي قرأها قديما، منذ عهد مراهقته..ولا يتذكر أين، كل ما يعرفه أنه اطلع عليها في مجلة فرنسية نسي اسمها بدورها..وأنا بدوري أنقلها عنه كما حكاها لي..لافضل لي فيها إلا جملا وعبارات وصياغة نمقتها كيفما اتفق لتناسب موضوع النص ورهانه..وبذلك أنفي عني كل تمة بالانتحال أو..السرقة..فالعهدة على السارد الأول..وما أنا إلا سارد ثان مسخر لقلم كاتب معين..قال لي ساردي الأول:مشكلته امرأة..ظل حياته يبحث عنها..امرأته ترافقه وتنعش وحدته..يأنس لها وتأنس له..تشاركه همومه وأحزانه..وتقتسم معه أفراحه ومسراته. ”
ونجد هذه الخاصية مرة أخرى عند محمد فري في قصته:” هواجس على هامش السرد”:” ” السادة…والسيدات
بقدر ما أنا سعيد باحتلالي هذا المنبر..بقدر ما أنا منفعل ومضطرب..السارد الذي عولت عليه عصيني وتمرد علي، فتركني في ورطة لم استعد لها، حاولت استرضاءه والتقرب إليه دون جدوى، فقد صمم على عناده وغيابه.ربما اعتصم بدوره في مكان مطالبا بحقوق لا أعرف عنها شيئا..أو ربما كان متوترا بدوره، يرهب اللحظة التي تفرض عليه أن يواجهكم فيها بحكيه..قلت لابأس، سأحاول الاستغناء عن خدماته، وأغض الطرف عن وساطته ، خصوصا وأنها وساطة تسقطنا في لعبة الضمائر وزوايا النظر، فنضيع بين المتكلم والمخاطب والغائب، وتتعقد الأمور في بعض الأحيان، فتغيب الحبكة والرهان، ويختلط الزمان بالمكان، ويرحل الحكي مع خبر كان… ”
وتعد قصة:” هواجس على هامش السرد” لمحمد فري من أحسن القصص التي كتبت في مجال الخطاب الميتاسردي المغربي؛ بسبب خاصيتها التشويقية، واستضمارها لمجموعة من النظريات النقدية المتنوعة، وتشغيل الخطاب التنظيري بدعوته إلى قصة حداثية متميزة، واستحضار المتلقي بشكل جيد، واستعمال أسلوب سردي يتميز بالأناقة والجاذبية والمتعة السردية. كما أنها متميزة بخطابها النقدي الذي يتسم بخاصية الانشطار(La mise en abyme)، حيث تتحول كتابة الخطاب الميتاسردي إلى نقد للكتابة السردية الإبداعية. بمعنى أن الميتاسرد هي كتابة الانشطار، والتشخيص الذاتي، والتأمل المرآوي في مجمل طقوس الكتابة وطرائقها الفنية والجمالية.
وتدلي السعدية باحدة بدلوها في هذا المجال بقصتها:” المحاكمة” التي شغلت فيها ميتاسرد السراد والرواة، حيث يلتجئ سارد القصة إلى الانتفاض والثورة على الكاتب المتسلط، ومحاكمته قضائيا أمام قاضي التحقيق، مادام هذا الكاتب يستعبده ويستغله ويهينه ويظلمه جوار وحيفا، ويفرض عليه مجموعة من الأدوار التي لا تتناسبه أخلاقيا ، و قد لا يطيقها بشكل من الأشكال، ولاسيما إذا كان ساردا يمتلك ضميرا حيا نابعا من الذات الصادقة. ومن ثم، لا يستطيع تنفيذ كثير من الأحداث والوظائف التي تتنافى مع مروءته وأخلاقه السامية والأصيلة، ولا يقو على إنجازها ممارسة و علاقة إن تحبيكا وإن تخطيبا. بيد أن الكاتب يجبره على ذلك قسرا وعسفا وشططا، دون مراعاة حقوقه الطبيعية المشروعة، كالدفاع عن نفسه، ومراعاة رغباته الذاتية والموضوعية:” تخامرني فكرة نص قصصي بعنوان “محاكمة” منذ زمن؛طالما أرّقتني وقضّت مضجعي ،كنت كلّما مسكت القلم وهممت بالكتابة،تستعصي عليّ العبارة،أكتب وأشطب ثمّ أكتب وأشطب.وكثيرا مايستحوذ عليّ الملل ويكبّلني السّأم،فأرجئ الأمر إلى حين..اليوم أحسّ أنّ رغبتي متّقدة، وحماسي يزيد قليلا عن المعهود، والسّبب أنّي تصيّدت البداية، ومنها ستكون الانطلاقة الجيّدة لنص جيّد..
ما إن كتبت العنوان ـــ لأنّ هذا العنوان على غير عادة كثير من النّصوص،كان هو الضّوء السّاطع الّذي فرض فكرة النّص واستدعى شخصياته الّتي تلائم أحداثه ونوازله،تشعّباته ودواخله ـــ حتّى رنّ صوت ليست نبراته غريبة عن مسمعي،أصخت السمع جيّدا،فإذا به ساردي ينبري أمامي بكامل هيئته الهلامية،يقف في وجهي كمرآة ،وينظر في عيني مباشرة.
وضعت أطراف أصابعي على وجنتي أتحسّس ملامحي وأنا غير مصدّق،ماهذه المصادفة العجيبة؟! إنه يشبهني تماما مع تشوّه قليل أكثر لأنّي كنت أبدو أمامه كمعتوه من فرط الدهشة. قال :
ـــ”بعد صبر وأناة، مكابدة ومعاناة، قرّرت اليوم أن أكون كاتب هذه القصة(محاكمة)، أتعلم لماذا؟ لأنّني أريد أن أرفع قضية تظلّم ضدّك أيّها الكاتب المتعسّف ” .
كمن تحمله الأمواج ،وتدور به الرّيّاح،وترسو به على أرجوحة يكاد تمرجحها يقلع أنفاسه ،ويوقف دقّات قلبه ،حاولت بجهد جهيد أن أنتشل نفسي من هذا الموقف وأبدو أكثر صلافة وصلادة وصلابة .. قلت بصوت أجشّ :
ـــ”أيها السّارد السّادر، إذا كنت تنوي أن نتبادل الأدوار بكل حبّ ورضا، فتؤلّف نص (محاكمة)،وأكون ساردك المطيع .. وقد أساعدك إذا أعيتك الحيلة وخانك التّخييل.أمّا إذا كنت تريد أن تقيم محكمة أكون فيها متّهما، وترفع ضدّي قضيّة تظلّم فهذا ما لا أفهمه.”
أطلق قهقهة ارتجفت لها أوصالي وقال:
ـــ”ألا تعلم وأنت العالم بفعل قصّك، أنّك أذقتني كلّ أنواع التعذيب، وما تركت لي يوما فرصة الاختيار.بكلّ تعنّت سخّرتني لألعب أدوارا ترجمت فيها عقدك النّفسية، وأمراضك الاجتماعية،وأحلامك المستعصية،وأسبغت عليّ إحباطاتك وانتكاساتك،وحملتني وزر وتبعات فشلك وانكساراتك…فكنت أؤدّي عنك الثمن،ازدراء تارة،وتعاطفا طورا،واشمئزازا من قراء متواطئين .. ألا تعلم أنك آلمتني كثيرا،وحوّلت حياتي إلى جحيم دائم.. ؟أعلم الآن نواياك السّادية في أن تجعل منّي كبش فداء في قصة محاكمة ،وستزجّ بي في السجن،أو تجعلهم يقدّمونني لحبل المشنقة..أليس كذلك؟”
قلت محاولا الدّفاع عن نفسي، ولا أنكر أنّني شعرت بالشفقة عليه:
ـــ”ساردي العزيز، فعلا كلّ ما قلته صحيح وأكثر..لكن ما يبرّر موقفي أنّني كنت صادقا مع نفسي..ولم أشأ أن أغدق عليك رغد عيش لم أعش مثله قط،هل كنت تودّ أن أجعلك أميرا تعيش حياة الترف والبدخ وتنعم..” ؟
ـــ”كفــــــــــــى “(صاح في وجهي) . سكت برهة وقال:
ـــ”لو كنت تودّ أن ترجع الأرض جنّة نعيم ،وفردوسا تتراقص فيه الأحلام فراشات وأنغام..”
ـــ”وقــــــــــــــــــــــــــوف…. مـــحـــكـــمـــة”.صاح صوت مرعب جعلنا نمتثل للأمر بسرعة وعفوية..كمن أصابته غفوة فتحت عيني محاولا استيعاب ما يجري، رأيته..إنّه هو بكامل هيبته ووقاره يجلس أمامنا،تأملت وجهه فإذا به نفس القاضي الّذي كلّفته في قصّة (محاكمة)، ليبتّ في أمر النّصاب الّذي عاث فسادا من أجل الغنى السّريع، الّذي مازاده إلاّ نهما وجشعا ،ولم أعد أستطيع كبح جماحه ،فنصبت له فخّا يوقعه ليأخذ جزاءه..! ها أنذا الآن أقف أمامه مُدانا.
فتح القاضي الملفّ وقال بصوت واثق:
ـــ”بما أنّنا تأكّدنا من مجريات القضية، وتابعنا حيثياتها إلى حدّ الاعتراف الصّريح والعلني من الكاتب بكل المنسوب إليه، فقد حكمت المحكمة بالآتي:
لكلّ من ضُبط متلبّسا باقتراف جريمة الكتابة عن سبق إصرار وترصد، وورّط السّرّاد مع الإجبار لارتكاب أفعال لا صلة لهم بها ،
قرّرنا الحكم عليه ب:
السّجن المؤبّد ضمن ضفّتي كتابه، مع تحمّل الصائر والخسائر.
رُفعت الجلسة. ”
تتميز هذه القصة – المحكمة صياغة وحبكة وخطابا- بكون القاصة المغربية السعدية باحدة واعية بآليات الخطاب الميتاسردي، ومتمكنة من تقنياته الفنية والجمالية، فقد توفقت في هذه القصة أيما توفيق، حينما التجأت إلى تشغيل حوار الباروديا والسخرية والمفارقات للفصل بين عالمي الواقع والوهم، أو مد جسر التواصل بين عالم الميتاسرد وعالم القصة، دون أن تنسى رصد عوالم الكتابة وطقوسها ، وطرائق بنائها وانكتابها الذاتي، واستجماع عتباتها الميتاسردية تخييلا وإبداعا وتشكيلا.

خاتمــــة تركيبيــــة:

يتبين لنا ، مما سبق ذكره، بأن القصة القصيرة المغربية قد بدأت منذ العقود الأخيرة في استثمار الخطاب الميتاسردي بشكل لافت للانتباه، ومن أهم لأسباب التي دفعت الكتاب القصاصين المغاربة إلى تمثل الميتاقص في كتاباتهم الرغبة في التجريب، والسعي الحثيث إلى دخول الحداثة السردية من أبوابها الواسعة، والانتقال من هموم الذات والواقع إلى هموم الكتابة نفسها، متأثرة في ذلك من جهة بالرواية الجديدة التي اهتمت كثيرا بالخطاب الميتاسردي تحبيكا وتخطيبا وتشكيلا ورؤية، والتأثر بالمناهج النقدية الشكلانية والبنيوية والسيميائية من جهة أخرى. علاوة على خلخلة النسق السردي إيقاعا وترتيبا وتسلسلا، وتشظية الأحداث والفضاءات والشخصيات، وتنويع الرؤى والمنظورات السردية، واستحضار القارئ أو المسرود له، وتكسير الإيهام الواقعي بتثبيت نظرية اللااندماج، وممارسة التخييل، والارتكان إلى لعبة الافتراض والاحتمال. وقد يتخطى الخطاب الميتاسردي في القصة القصيرة ما يرتبط بالتداخل القصصي والتضمين والتناص إلى توظيف الخطاب النقدي والتنظير الروائي. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى وعي كتاب القصة القصيرة المغربية بتقنيات الكتابة السردية والقصصية، وإدراك آلياتها الفنية والجمالية، وتبيان مقوماتها الحداثية والتجريبية.

ثبت المصادر والمراجع:

 المصــــــادر:

1- أحمد بن شريف: شموس طنجة، مطبعة فضالة، المحمدية، الطبعة الأولى سنة 1998م.
2- إدريس اليزامي: رحيل اللونجة، البوكيلي للطباعة والنشر القنيطرة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1996م.
3- إدريس اليزامي: في ضيافة المتنبي، مطبعة أنفوبرانت، فاس، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009م.
4- بديعة بنمراح: ورود شائكة، مطبعة شمس، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م.
5- جمال الدين الخضيري: سوق المضاجع، شركة مطابع الأنوار المغاربية، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.
6- زليخا موساوي الأخضري: نشاز آخر…للبياض، منشورات دار التوحيدي، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.
7- زهرة زيراوي: حنين، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،المغرب، الطبعة الأولى ، سنة2007م.
8- فاطمة بوزيان:همس النوايا، شركة بابل للطباعة والنشر، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2001م.
9- عبد الله زروال: بساط الريح،شركة مطابع الأنوار المغاربية، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.
10- عبد الواحد كفيح: أنفاس مستقطعة، منشورات وزارة الثقافة، الرباط، المغرب، سلسلة الكتاب الأول، الطبعة الأولى سنة 2006م.
11- عمر والقاضي: آبار الليل، الطبعة الأولى سنة 2009م، دون الإشارة على مكان الطبع.
12- مجموعة من المؤلفين: القصة القصيرة بين التجريب والتأويل، منشورات الشعلة للتربية والثقافة، مطبعة نورسافي آسفي ،المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م.
13- محمد برادة: لعبة النسيان، دار الأمان، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1987م.
14- محمد أيت حنا: عندما يطير الفلاسفة، منشورات أجراس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2007م.
15- محمد سعيد الريحاني: الحاءات الثلاث: مختارات من القصة المغربية الحديثة، الجزء الثالث، طوب برس، الرباط، الطبعة الأولى سنة 2009م.
16- محمد سعيد الريحاني: موسم الهجرة إلى أي مكان، طوب بريس، طنجة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.
17- محمد صوف: أزعم أن…، مطبعة سلمى، منشورات مرايا،طنجة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2008م.
18- محمد فري: أرضة رقمية، مطبعة أنفوبرانت، فاس، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م.
19- محمد العتروس: ماروكان، مطبعة الجسور، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.
20- محمد عزالدين التازي: الشبابيك، البوكيلي للطبع والنشر، القنيطرة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1997م.
21- المختار الغرباني: فتنة المساءات الباردة…!التنوخي للطباعة والنشر، الرباط، الطبعة الأولى سنة 2009م.
22- المصطفى كليتي: موال على البال، المطبعة السريعة، القنيطرة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2008م.
23- نجاة السرار: الزغاريد المؤجلة، مجموعة قصصية، دار وليلي للطباعة والنشر، مراكش، الطبعة الأولى سنة 2007م.
24- يوسف الحراق: غرف الانتظار، مكتبة سلمى الثقافية، تطوان، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.

 المراجـــع العربيـــة:

25- أحمد خريس: العوالم الميتاقصية في الرواية العربية، دار أزمنة للطبع والنشر، عمان الأردن، دار الفارابي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2001م.
26- الحبيب الدائم ربي: الكتابة والتناص في الرواية العربية، منشورات إتحاد كتاب المغرب، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2004م.
27- د.سعيد يقطين: القراءة والتجربة، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1985م.
28- د.سعيد يقطين: (الميتاروائي في الخطاب الروائي الجديد في المغرب)، مجلة مواقف، دار الساقي، لندن، العدد (70/71)، شتاء/ربيع من سنة 1993م.
29- ف.شلوفسكي: (بناء القصة القصيرة والرواية) ، نظرية المنهج الشكلي ، ترجمة: إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ومؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1982م.
30- د.عبد الرحمن بوعلي: الرواية العربية الجديدة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة، الطبعة الأولى سنة 2001م.
31- محسن جاسم الموسوي: ثارات شهرزاد: فن السرد العربي الحديث، دار الآداب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1993م.
32- محسن جاسم الموسوي: انفراط العقد المقدس: منعطفات الرواية العربية بعد محفوظ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1999م.
33- د.محمد الباردي: الرواية العربية والحداثة، الجزء الأول، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، سورية، الطبعة الأولى سنة 1993م.
34- د.محمد عزالدين التازي: (مفهوم الروائية داخل النص الروائي العربي)، مجلة الوحدة، الرباط، السنة الخامسة، العدد (49)، تشرين الأول سنة 1988م.

 المراجــــع الأجنبيـــة:

35-Balzac : Le père Goriot, collection l’Art du Mot, les éditions Maghrébines, Casablanca, edition2008.
36-Barbara Hardy: Tellers and Listeners, The Narrative Imagination. London, the Athlone Press, 1975.
37-Claude Bremond : «La logique des possibles narratifs», in: Communications 8, Paris, Seuil, 1966.
38-Dällenbach : Le récitspéculaire. Paris, Seuil, 1977
39-Philippe Hamon : «Texte littéraire et métalangage», in: Poétique, 1977, No 31.
40-Françoise Van Rossum-Guyon : «Métadiscours et commentaire esthétique chez Balzac: quelques problèmes», in: Degrés, 1980-81, No 24-25, VIIIe année, p. bl.
41-Georges Duhamel : Essai sur le roman. Paris, Marcel Lesage, 1925.
42-Gerald Prince: Narratology, the Form and Functioning of Narrative. Berlin New York-Amsterdam, Mouton Publishers, 1982.
43-Gérard Genette : Figures III. Paris, Seuil, 1972.
44-Jerzy Pelc: «On the Concept of Narration», in: Semiotica, III, 1971, 1.
45-Gass, William H: Fiction and the figures of life, Knopf, New York, 1970.
46-Jaap Lintvelt : Essai de typologie narrative, «Le point de vue». Paris, José Corti, 1981.
47-Linda Hutcheon : «Modes et formes du narcissisme littéraire», in: Poétique, 1977, No 29.
48-Margaret A. Rosé: Parody/Meta-Fiction. London, Croom Helm, 1979.
49- Mieke Bal: Narratologie. Paris, Klinksieck, 1977.
50- Moritz Goldstein: Die Technik der zyklischen Rahmenerzählungen Deutschlands. Von Goethe bis Hoffmann. Berlin, Bernhard Paul, 1906, p. 109.
51-Patricia Waugh: Metafiction: The theory and practice of self Conscious: fiction, Methuen, London-New York, 1984.
52-Robert Scholes : «Métarécits», in: Poétique, 1971, No 7.
53-Roland Bourneuf, Real Q u e 11 e t : L’Univers du roman. Paris, Presses Universitaires de France, 1972.
54-Shlomith Rimmon-Kenan: Narrative Fiction: Contemporary Poetics. London and New York, Methuen, 1983.
55-Sorin Alexandrescu, «Le discours étrange, essai de définition à partir d’une analyse de de Maupassant», in: Sémiotique narrative et textuelle, Paris, Larousse, 1973.
56- Susan Sniader Lanser: The Narrative Act. Princeton, Nex Jersey, Princeton University Press, 1981.
57- Tzvetan Todorov : «Les catégories du récit littéraire», in: Communications 8, Paris, Seuil, 1966.
58- W.Bronzwaer: «Implied Author, Extradiegetic Narrator and Public Reader: Gérard Genette’s narratological model and the reading version of Great Expectations», in: Neophilologus, 66th vol., 1978, No 1.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>