المضمر الخفي و المشترك الثقافي في القصة القصيرة جدا

المضمر الخفي و المشترك الثقافي
في
القصة القصيرة جدا

“إن المفهم لك و المتفهم عنك شريكان في الفضل” الجاحظ –البيان و التبيين

تقديم
إن المتتبع للقصة القصيرة جدا يلاحظ بأنها إبداع فني يسير بالموازاة مع الواقع ومع البنية الخارجية بشكل عام،لكن لا يعني هذا أنها تنقل الواقع نقلا حرفيا وإنما تهدف إلى البحث عن حلول لهموم هذا الواقع،فهي بذلك تنتقل من تفسير العالم إلى علاج قضايا وهموم هذا العالم،فالواقع هو همها ومشكلتها،لكنها لا تكتفي بنقل الواقع بسذاجة وإنما تنقله بموازاة مع التخييل وجمال اللغة و حسن انتقاء المشاهد الصادمة و المدهشة التي تعطي للمنجز القصصي القصير جدا عمقه الفكري وبعده الدلالي و الفني…..
ونحن في هذه الدراسة سنركز على مضمرات القصة القصيرة جدا النصية والتناصية والبصرية و التخطابية و التداولية.ونقصد بالمضمرات النصية و البصرية، العناصر الفنية المشتركة التي تؤثث عالم النص القصصي الفني بما فيه من لغة وتصوير وحوار وشخصيات وحدث وزمان ومكان…أما المضمرات التداولية و التخطابية فنقصد بها مضامين وامتدادات النص النفسية ومضمراته الأيديولوجية ورؤاه العميقة إلى العالم وكيفية معالجة الأديب للقضايا الاجتماعية و الكونية.

1- المضمرت النصية
إن اللغة هي البؤرة التي يلتقي فيها الملقي و المتلقي وهي القاسم المشترك الذي يجمع بينهما،فباللغة يتفاهم الإنسان وبها يفهم بعضهم بعضا،ولذلك فهي الوسيلة الوحيدة التي بإمكان الأديب إرسال نص الرسالة “القصة القصيرة جدا”ومن اللغة يمكننا دراسة ومعرفة خصائص القصة القصيرة جدا الخارجية و المرجعية .
وللبحث عن المضمر النصي لابد من الارتقاء باللغة من حالتها السكونية كتراكيب لغوية ونحوية يتداولها الناس عبر نشاطهم الكلامي و تحويره حسب رغباتهم وخلفياتهم،وبذلك تصبح اللغة تعبيرا يختلف من فرد لآخر،واللغة إذا بقيت بعيدة عن السياق الاجتماعي و التاريخي وانحصرت في مجال التركيب فقط تجمد وتبقى في حالتها السكونية .
وتجمد التركيب يعني بقاؤها خارج الحركة التاريخية للسياق التخاطبي،ويعني أيضا تراجع التركيب مرتميا في عزلته،وعندما نتحدث عن التركيب لابد من ذكر اللغة ككلمات تكون في تراصها تركيبا سكونيا،لأنها بدورها عندما تجمد وتكرر نفسها في إطار الحالة السكونية الثابتة تفقد صراعيتها،وتتجمد اللغة عندما تفارق الكلام الفردي الذي يولد الحركة داخل القصة القصيرة جدا .
إن القصة القصيرة جدا ليست لغة معزولة،وليست مرجعا معزولا بل هي وصف للغة كتركيب و الصياغة كمعطى،تتفاعل داخل سياقها الاجتماعي المشحون برغبات و أهداف الملقي و المتلقي،إنها بهذا المعنى تجاوز اللغة كتركيب قواعدي أو معجمي و دخولها مع مرجع النص القصصي في إطار بنية موحدة تجمع بين البنية اللغوية و البنية الخارجية التي تحتوي المشترك الثقافي بين الملقي و المتلقي.
ولذلك ينبغي التعامل مع القصة القصيرة جدا برؤية شمولية لا تفصل بين داخل النص القصصي وخارجه،أي النظر إلى خارج النص القصصي من داخله،التعامل مع البنية الخارجية من داخل بنية النص الداخلية،مع مراعاة المضمر الخفي الذي يبقى في نفسية كل من الملقي و القارئ وعندما تحصل متعة القراءة ترقى درجة التلقي إلى مستويات عليا التي يمكن نعتها بالنرفانا القرائية.
و لتحقيق ذلك لابد من اهتمام القارئ/الناقد بالتقاطعات البنيوية و التقاطعات السايكوسوسيولوجية ،حيث يكون النص القصصي هو بؤرة هذه التقاطعات على المستوى السانكروني و المستوى الدياكروني.
فالقصة القصيرة جدا بهذا المعنى ليست نصا بنيويا معزولا عن الواقع ولا واقعا معزولا عن بنية النص،إن القصة القصيرة جدا عمل متكامل يلتقي فيه الداخل و الخارج،ويلتقي فيه الملقي والمتلقي،الملقي الذي يبحث عن لذة الكتابة و المتلقي الذي يبحث عن لذة القراءة،وهناك تتقاطع المضمرات الخفية و المشتركات الثقافية بينهما.
لأن الكتابة القصصية القصيرة جدا ليست مسألة لغة ومفردات ومصطلحات أو تركيب صور،القصة القصيرة جدا قول،أي نطق بهذا الذي نعيش به كيومي نخشى أن يتفتت و يتبعثر ويغيب و يصمت …..القصة القصيرة جدا هي صياغة اليومي أدبا.
ويمكن أن نعرف هذا التفريق بين اللغة كنظام و اللغة كتعبير من خلال هذه الخطاطة التي تحدد مكان النص الأدبي :

الصياغة (اللغة /التعبير)

الكلمة / العلامة القصة القصيرة جدا التركيب (اللغة/ النظام)

الكلمة العلامة

إن الناقد يشتغل على القصة القصيرة جدا في علاقة الكلمة بالصياغة وهذه هي المرحلة الحركية،و لا يشتغل بعلاقة الكلمة بالتركيب لأن هذه المرحلة تتصف بالسكونية ولا تساعد الناقد على معرفة كل تيمات القصة القصيرة جدا وفك ألغازها.
نفهم من هذا أن المهتم بالقصة القصيرة جدا ينبغي عليه رفض التركيب كمعطى قواعدي نظرا لحالته السكونية التي تهيكل اللغة ولا تفسح لها المجال لاتخاذ دلالات متعددة .
غير أن التركيب عندما يدخل في إطار العلاقات الاجتماعية وفي إطار الصيرورة التاريخية يتخذ صياغة معينة تختلف من فرد لآخر،وتختلف أيضا باختلاف السنن الأخلاقية و السياسية و الدينية التي تحكم الصياغة .
وعندما ننظر إلى القصة القصيرة جدا كلغة في حالتها الحركية و الديناميكية فيجب أن ننظر إلى كيفية تشكلها في إطار بنية فنية تعطي للقصة القصيرة جدا قيمتها الفنية و الجمالية، و هي التي تجعل منها عملا أدبيا متميزا لأن غيابها يجعلنا نتهمها بأنها ( قول سياسي أو وعظي أو خطابي) ،وما يميزها كخطاب أدبي هي أدبيتها أي ما يجعلها نصا أدبيا .
و نتساءل هنا ما هي هذه البنية الفنية التي تجمع بين الملقي و المتلقي .
إنها بنية فنية متناقضة تتسم بصيغة ديالوغية صراعية ينتفي فيها الانسجام و التوحد،وهذا يعني فسح المجال للأصوات المتعددة داخل القصة القصيرة جدا للتعبير عن ذاتها بكل نزاهة و صراحة،وهي بذلك ترفض الصوت الواحد المنسجم الذي يعبر عن الأيديولوجية المهيمنة على المؤسسات الأخرى ويجعلها تنظر إلى الواقع الاجتماعي من خلال منظورها ومن خلال رؤيتها إلى العالم.
وهذه البنية الفنية تتميز بعدة أدوات تعتبر شيئا ضروريا في كل عمل قصصي قصير جدا من بينها الأسلوب الأدبي،أي أن لكل قصة قصيرة جدا كيفما كان نوعها أسلوبا خاصا بها.
ولذلك فإن القصة القصيرة جدا ينبغي أن تتوفر على أسلوب مشحون بالمحسنات الجمالية و البلاغية و الموسيقية،وتنويع الأزمنة بتنوع الأفعال،فقد يكون زمنا ماضيا حدثت فيه وقائع هذا العمل القصصي و هو ما يسمى بزمن الوقائع وهناك زمن حاضروهو الذي يكتب فيه الأديب عمله القصصي وهو الذي يسمى بزمن الكتابة،وبين هذين الزمنين تتم العملية الأدبية وتتشكل المضمرات النصية والمضمرات التخاطبية.
وعندما نتحدث عن الزمن فلابد من ذكر المكان لأنه لا يمكننا أن نفصل بينهما بحيث لابد لكل حدث من زمان ومكان وهو ما يسمى بالفضاء القصصي،و حضورهما في العمل القصصي القصير جدا يدفع بعض النقاد إلى جمعهما في كلمة واحدة وهي الزمكان.
وهناك أيضا رؤية القاص التي تحدد موقفه من العالم و الإنسان داخل المجتمع،فبدون رؤية لا يمكن للعمل القصصي أن يتخذ قيمته الأدبية و الفكرية لأنها هي التي تحدد زاوية الرؤية عند القاص ومقصديته،و تجعله يسير أحداث العمل القصصي من خلال هذه الزاوية،التي يسميها جريماس ب”زاوية الرؤية” ويستحسن أن تكون هذه الزاوية من الخلف لأن القاص فيها تكون له كامل الحرية في تسيير الشخصيات والغوص في ذهنيتها بل أحيانا يتدخل لتوجيهها حسب زاوية الرؤية التي يريد.
وهذه الأدوات الفنية هي التي تعطي للعمل الأدبي أدبيته،وهي أيضا التي تخلق ما يسمى بفضاء النص المتخيل،وهي أيضا التي توهمنا بحقيقة هذا الفضاء،وتجعلنا نشارك القاص فيما يسجل ويتمثل ويضمر من أحداث. إن هذه العملية توهم القارئ بحقيقة ما يكتبه القاص وبواقعيته و تجعله ينظر إلى هذا الواقع المتخيل كأنه حقيقة ثابتة و ملموسة.

2- المضمرات التناصية
تعتمد القصة القصيرة جدا على إثارة فضول المتلقي بواسطة طبيعتها المفارقة التي تتضمن مستويين من المعنى:
المستوى القريب الذي نفهمه من خلال القراءة السطحية ،و المستوى المضمر و الخفي الذي يكمن في ثنايا القصة وبين سطورها،وهو الذي يثير فضول المتلقي ويستفزه،وبالتالي يجد نفسه طرفا مشاركا في تأثيث فضاء القصة بالرغم من تكثيفها وضيق حجمها.حيث تزداد المفارقة اتساعا كلما ضاق المبنى وتعددت معاني الألفاظ المشكلة للقصة القصيرة جدا،وهنا تظهر أهمية الانزياحات البلاغية و اللغوية بشكل واضح في القصة القصيرة جدا.
والقصة القصيرة جدا لا يمكن أن تنتج نفسها بنفسها وإنما تنمو وتنهض في علاقتها بنصوص أخرى تتناص معها سانكرونيا(وصفيا)ودياكرونيا(مرجعيات النص) وهذا التناص هو الذي يحيي ويولد الإيحاءات و المضمرات الخفية في ذهن المتلقي،حيث تكون الاستجابة مع هذه النصوص إما إيجابا أو سلبا،إيجابا عند تقبلها و التجاوب مع محتوياتها،وسلبا عندما تتعارض مع ما تنطوي عليه من دلالات وحمولات فكرية وأيديولوجية مضمرة.
فتناص القصة القصيرة جدا مع المخزون الجمعي و الجماعي و الموروث الثقافي للمتلقي يولد لديه نصا جديدا من إنتاجه،نصا ذهنيا يماثل ما أفرزته ذاكرته عند تقبل القصة،وما أنتجته مفردات القصة القصيرة جدا من دلالات تداولية تختلف سياقاتها ودلالاتها من متلق لآخر،حسب مستويات التلقي و التأويل.
فذهن المتلقي ليس صفحة بيضاء تتقبل كل ما ينتجه القاص من مواد قصصية،إنه شبكة من التقاطعات الفكرية و الأيديولوجية و التجارب الحياتية،فالمتلقي الواعي يتقبل النصوص القصيرة جدا بوعي،وبالوعي تتم عملية الاسترجاع و الفهم و التأويل،وبالوعي يقلب المتلقي معلوماته القديمة التي تتناص و تتقاطع مع مضامين المنجز القصصي القصير جدا.
فالمتلقي أثناء عملية القراءة يقوم بعملية تحيين الذاكرة و المخزون الفكري و الموروث الثقافي،ويقوم كذلك بإدماج زمن القصة في زمن القراءة،وكلما كانت القصة القصيرة جدا مفارقة كلما كان لها أثر كبير في تحريك هذا الزمن وتقريبه ليصبح ملائما لزمن القصة،وهكذا يزيد في تحريك هذه التقاطعات الثقافية وتتم متعة القراءة(النرفانا القرائية) وتتنوع بتنوع عدد القراء وعدد القراءات.
وفي التناص حياة للنص القصصي القصير جدا وتحيين له،يحيا بحياة قرائه،لأنه يساعد على تحريك الثابت في ذهن المتلقي،ويعمل على خلق إمكانية التعدد القرائي الذي ينمي النص ويعطيه عدة تأويلات تختلف وتتفق مع ميولات المتلقين وتعدد أصواتهم.

3- المضمرات البصرية
إن النص القصصي القصير جدا ليس عالما مغلقا، ولا علامات بدون ذات،إنه نص قصصي مرتبط بشروطه المادية و الموضوعية المنتجة للمعنى،وهكذا تكون علامات القصة الظاهرة لها مضمراتها البصرية التي تقوم بعملية التواصل،و المضمرات البصرية هي ما يشترك فيها الملقي و المتلقي من مضمرات تظهر على صفحات المجموعة القصصية ابتداء من العتبات الموازية لمتن النصوص ونقصد بها عتبة العنوان و عتبة الغلاف وعتبة الحواشي الجانبية التي تلفت انتباه المتلقي….
فالقاص تبقى عينه دوما خلف كاميرا لاهثة في التقاط الصور تتفاوت فنيتها وجماليتها، وفي نفس الوقت يضمر أنساق معرفية ودلالية من خلال الخطوط حسب الرقة و الغلظ،فيصبح للخطوط و الكراكتيرات دوران بارزان هما:الدور الجمالي والدورالنفسي،اللذان يؤثرات إيجابا في رغبة واختيار القارئ لخط من الخطوط العربية كاختيار الخط المغربي الذي يوحي للقارئ بالمصحف الشريف،أو توحي له بالهوية المغربية وهكذا…..
و كذلك حركة الأسطر بشكلها المسترسل أو بشكلها المتساقط الدال على التحرر من سيمترية الكتابة المتداولة،وكذلك من خلال علامات الترقيم التي تساهم بدورها في توجيه المتلقي الوجهة التي يريدها الملقي،وعلامات الوقف و الوصل والفصل،التي تستفز المتلقي وتدفعه إلى التساؤل عن أسباب الوقف وغيرها من العلامات البصرية.
كما أن للبياض والسواد أهمية كبيرة في إضمار ما يمكن إضماره في القصة القصيرة جدا،فالفراغات البيضاء على صفحات القصة تشتت نظر القارئ وتجعله يتلقى مضمون النص من الزاوية التي يريدها القارئ،بل قد يتوجه الوجهة التي يريدها الملقي.
كما أن لطريقة كتابة القصة القصيرة جدا بشكلها الأيقوني وبرموزها المختلفة لها مقصدية خاصة يحملها الملقي ويتداولها المتلقي حسب ما توحي إليه من دلالات وإيحاءات،تتحول من الفهم العلاماتي إلى الفهم اللغوي،حيث إن أشكال الكتابة الأيقونية تصبح لها دلالات مختلفة تفهم في السياق التداولي.ففي قصة دناءة للقاص عز الدين الماعزي يظهر لنا الهدف من توزيع بضع كلمات على فضاء الصفحة ويبين لنا من خلالها كم هائل من الصفات المسيئة و المشينة التي يتصف بها بعض من يدعي الكتابة
(وقح
شاعر
فاجر
إنه هكذا يتدلى العسل من بين شفتيه يصلح أن يكون أي شئ إلا كاتبا) دناءة من قبلات في يد الهواء –عز الدين الماعزي
و القصة القصيرة جدا تعتمد في مضمراتها الشكلية على التناص بين الصورة الشعرية القائمة على التشبيهات والاستعارات… والصورة القصصية الثابتة الشبيهة بالصورة الفوتوغرافية أو الصورةالمتحركة الشبيهة بالصورة السينمائية،فكلمة (سجائر)مثلا على الرغم من أنها كلمة بسيطة إلا أنها تعتبر نصا متحركا،فهي في الظاهر كلمة وفي الباطن جملة اشارية تحمل موقفا تواصليا تحيل على جملة الظروف التي جعلت كثيرا من المدخنين يعرفون خطورة السجائر ولكن رغم ذلك فإنهم يدخلون معها في إطار علاقات حوارية متعددة(وطن وسجائر بالتقسيط) أحمد السقال ، فالقصة القصيرة جدا بهذا المعنى وبهذا الزخم من القلق ومن التفاعل السوسيو-سيكولوجي ومضة مشعة من الواقع تعكسه وتختزله في أقل الكلمات. .
فكل هذه الأشكال التي تؤثث فضاء القصة القصيرة جدا على المستوى الصوري تحدث تناصا مضمرا في ذهن المتلقي،وتحرك فيه المضمرات الثقافية التي يتقاسمها الملقي و المتلقي،ففي قصة “ذبيح” للقاص إسماعيل البويحياوي تشترك رؤية القاص مع رؤى القراء حول قصة إسماعيل الذبيح،وما يضمره اسم إسماعيل في ذهن إسماعيل القاص.
فشكل القصة المتناثر على فضاء الصفحة يلتقي عموديا مع مضمونها المختبئ في المخزون الثقافي الذي يقبع في ذاكرة المتلقي،والذي يعبر عن قصة درامية استغلها القاص إسماعيل البويحياوي ليعبر فيها عن تعدد القراءات للقصة الواحدة،فكل قارئ يقرؤ هذا المحتوى في ضوء ما يحمله عن هذه القصة الإنسانية من دلالات وحمولات فكرية.
وفي النهاية نقول بأن القارئ يدخل مع الملقي في عملية تأويل للنص القصصي القصير جدا في ضوء ما يشترك فيه الملقي و المتلقي من تقاسمات ومشتركات اجتماعية وثقافية،و في مرحلة ثانية يحاول المتلقي إعادة إنتاج هذا النص انطلاقا مما يملكه من أدوات إنتاجية.
فالقارئ لايحتويه النص القصصي القصير جدا بل هو من يحتوي هذا النص،يدخل إليه ثم ينسحب ليعيد إنتاجه من جديد،يتحول من قارئ مستهلك إلى قارئ منتج،من قارئ يعيش القصة ويتفاعل معها إلى قارئ ينتج القصة انطلاقا من رؤيته إلى العالم.
فعلى القارئ ألا ينخدع بظاهر النص وبجمالياته وإنما ينبغي أن يقرأه قراءة متأنية،يجب أن يدخل في سياقاته ثم ينسحب ليعيد إنتاجه من جديد، يرتقي من مرحلة التجاور إلى مرحلة التجاوز،ولا يمكن تحقق ذلك في غياب ثقافة واسعة وبخلفية معرفية عميقة تتقاطع فيها السياسة بالأدب و الأدب بالفلسفة وهكذا…لأن”النص بنية دلالية تنتجهاذات (فردية أو جماعية)ضمن بنية منتجة،وفي إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة”.سعيد يقطين : انفتاح النص الروائي، النص السياق.

4- المضمرات التخطابية
كان الناس قديما يعتقدون أن الإنسان كائن بيولوجي لكن مع مرور الزمن تأكد العلماء أن الإنسان كائن ثقافي كذلك،فلا يمكن فصله عن التراكمات الثقافية و المخزون المعرفي الذي يحمله كل واحد منا،وهذه التراكمات المعرفية لاشك أنها تراكمات يشترك فيها الكائن البشري في شتى أنحاء المعمور ولهذا السبب نشترك فيما هو جميل،فيما هو أدبي ممتع يأخذنا إلى عوالمه الفنية،لأنها قواسم مشتركة ومشاعة يحسها الجميع،وهذا المشترك هو المضمرات الخفية التي تمتعنا جميعا وتحدث فينا ما سماه رولان بارث ب”لذة القراءة”.
و المشترك الثقافي و المضمر الخفي يجمع الملقي و المتلقي،من خلال مجموعة من التقاطعات البنيوية و الدلالية و السميولوجية، التي يلتقي فيها هذان القطبان المشكلان للعملية الإبداعية،باعتبار أن الملقي يحقق ذاته من خلال لذة الكتابة،والمتلقي يجد نفسه ومتعته في لذة القراءة،وفي نقطة التلاقي تلك ينتج الملقي و المتلقي نصا آخر،يشترك فيه الاثنان في تحديد الرؤية وتقاسم المشترك الثقافي و المعرفي.
والملقي الحذق هو الذي يستطيع لفت انتباء المتلقي ويساعده على إدراك جمالية النصوص القصصية و الشعور بها مثلما يشعر بها الملقي، وحينها تتماهى شخصية الملقي مع شخصية المتلقي ويحدثان ما سميناه بالنرفانا القرائية.
وللوصول إلى هذه الدرجة من التقاطع الثقافي بين طرفي اللعبة القصصية القصيرة جدا كان لابد من إجادة الملقي لأنواع التراكيب التي تتوفر عليها اللغة،والاطلاع على التعابير المختلفة باختلاف السياقات وأنواع الخطاب،ومعرفة الطرق المساعدة على استنباط الدلالات التي يشترك فيها الطرفان،لأن اختيار الألفاظ و التراكيب و التعابير يساعد على التوافق في الفكر و في الإحساس أثناء عملية التلقي.
فالقاص يختار الألفاظ التي تحمل معنى لا تحمله ألفاظ أخرى،وكذلك بالنسبة للأساليب المنتقاة ينبغي أن تكون موجهة،تحدد وجهة القارئ وتدفعه إلى تمثل الصور والدلالات التي حددها الملقي إلى درجة اتهام الملقي بصفة المخادع و المخاتل الذي يورط المتلقي في لعبة الكتابة القصصية القصيرة جدا،وفي اختيار النهايات الممكنة،بل في وضع الاحتمالات المتعددة للنهايات.
لأنه لا يوجد في المنجز القصصي القصير جدا نصا بريئا،فالملقي ينتج نصا ماكرا و المتلقي يقرؤه قراءة ماكرة،لأن الكتابة الماكرة تمر بمجموعة من الخطابات ذات الحمولة الأيديولوجية وفي نفس الآن يبحث المتلقي في ما وراء مظهر المنجز القصصي القصير جدا،سواء في مستوياته الواعية أو غير الواعية.
غير أنه لا ينبغي أن يقع في فخ الإسقاط الذي يضيع المعنى وتصبح الدلالة منفلتة،حيث إذا انفصلت القصة القصيرة جدا عن القاص قد لا يصادف نية المتلقي وانطلاقا من هذه اللحظة يصبح النص يتيما بتعبير أفلاطون في كتابه “فيدر” وفاقدا لأبيه الذي كان يدافع عنه مواجها، بذلك، وحده مغامرة التلقي والقراءة.
والحقيقة إن الإنسان يؤلف وحدة كلية totaliteفهو كائن عارف وحاس وفاعل في نفس الوقت،وهكذا فإن الملقي و المتلقي يشتركان في الانتماء إلى الواقع كل واحد يسمع صدى الواقع بطريقته، فالملقي يتميز عن المتلقي بحس التعبير الفني و الجمالي،أما المتلقي فإنه يتميز بحس التلقي وفي النهاية يتكون مخزون الذاكرة و المشترك الثقافي لديهما،وتكون القصة القصيرة جدا هي الوعاء الذي يجمعهما،لأن القصة القصيرة جدا مجال رحب يسع العالم وينصت إلى نبضات الملقي ويستمع إلى حس المتلقي.
وبتعدد القراء تتعدد القراءات لكن هذه القراءات تلتقي في بعض القواسم المشتركة،غير أن المعنى الحقيقي و القراءة الحقيقية تبقى في بطن صاحبها سواء أكانت من زاوية الرؤية عند الملقي أم من زاوية الرؤية عند المتلقي.

5-المضمرات الدلالية
القصة القصيرة جدا تقوم على دعامتين أساسيتين هما القاص و القارئ وبينهما القصة القصيرة جدا بحجمها القصير والصغير،والقاص لا يكتفي بالوظيفة التركيبية في الجملة القصصية القصيرة جدا،أي لا تنحصر مهمته في البنية العاملية،بل يتعدى المستوى التركيبي الثابت إلى تقمص الأدوار وتمثيلها،حيث يصبح القاص/العامل قاصا ممثلا، يرتبط بدلالة الخطاب ويتصف بمجموعة من الصفات التي تجعل منه ممثلا حيا يتحرك في فضاء القصة القصيرة جدا،وقادرا على إنجاز مجموعة من الأدوار في حيز زمكاني ضيق،وبأقل الكلمات.
ففي قصة نعجة فاطمة للقاص عز الدين الماعزي
(نظر في عينيها فتاهت
قال…هل سبق لأحدهم أن قال لك…إنك تملكين أجمل عينين؟
ابتسمت…وقالت….لا
حينها …..همسا…قال…أنت حمل وديع) (قبلات في يد الهواء) ص34
ففي بضع كلمات استطاع الماعزي توظيف عناصر القصة الثلاثة السارد/الممثل الذي جاء هنا بضمير الغائبة،لكن زاوية الرؤية كانت من الخلف،حيث إننا نشعر بالسارد يصف الممثل ويدخل في ذهنه لمعرفة أهدافه من هذا الحوار،كما أنه استطاع إشراك القارئ في ملئ فراغات النص القصصي.
فالقصة بالرغم من قصرها فقد كانت مكثفة،وفيها حركية ودينامية ولدتها طبيعة الكلمات التي تبدو متجانسة،ففعل نظر فعل فيه حركة العينين المتوجهة في اتجاه عيني المخاطبة،وقد نتج عن هذا الفعل فعل آخر أكثر منه قوة،وهو فعل تاهت الذي يزيد من قوة تأزم النص وتوثره، الشئ الذي يدفع إلى مزيد من القراءات في ذهن المتلقي.
كما أن الضمائر لها أهميتها في هذه الحركية،فضمير الغائبة(هو) يحرك تاء التأنيث الساكنة ليدفعها للاستجابة،وهذا ما حدث بالفعل لأنه بعد فعل “نظر” كانت الابتسامة، ثم اللقاء ثم بعد ذلك بقيت القصة مفتوحة بين أيدي القراء كل واحد يقرؤها بطريقته.
وهكذا يكون القاص عز الدين الماعزي قد استغل البيت الشعري المشهور لأحمد شوقي نظـرة ، فابتسـامـة ، فـسـلامُ/فــكــلام ، فـمـوعــد ،فَـلِــقــاءَ ونقله من شكله الشعري إلى الشكل القصصي وأعطاه شكلا سرديا فيه دلالات متعددة يختلط فيها اللغوي بالنفسي.
وتتنوع أشكال الممثلين في القصة القصيرة جدا من شخصيات مادية وأخرى معنوية أو خرافية،ففي قصة كائنات للقاص عبد الغفور خوى
(كائنات خرافية،أشكالها غريبة،أصواتها مخيفة،خرجت من البحر ،من الرمل،من الريح….
كائن بعين واحدة وقرنين…)ص36 (النبتة التي غطت وجه القمر)
فالشخصية الممثلة هنا شخصية مجردة،لا تكتفي بدورها التركيبي في الجملة القصصية، بل تتعداه إلى دورها الوظيفي و الدلالي ،فالسارد كان وراء هذه الشخوص الممثلة يسيرها من الخلف ويتحكم فيها بل يتوغل عميقا في ذهنها ويتحكم في مصيرها.
وفي قصة(منبقاش نعاود) للقاص إسماعيل البويحياوي من مجموعته (ندف الروح) نشعر بالقاص يضمر شيئا منذ البداية،أي منذ عنوان القصة الذي يخفي أشياء خفية في ذهن القاص يمتنع عن تكرارها،ما هي هذه الأشياء التي لايكررها السارد؟؟.
هنا يتدخل القارئ بعدة تأويلات يملأ بها فراغات النص الغنية التي توحي بكثير من التداعيات والإسقاطات التي يشترك فيها الملقي و المتلقي.
( ألتصق برديفها وأرتعش.أفتح عيني الثملتين،يزأر شبح أبي فينهمر خجلي.
أهرب بلا رجلين.أسقط.أتقلب على جنبي،ثم أطير حتى السقف من طلقات حزام تلسع مؤخرتي) ص36
هناك جرأة السارد في وصف أحداث القصة المتتالية،الالتصاق،الرعشة،فتح العينين،صوت الأب حالة السارد النفسية و الجسدية،الهروب،السقوط على الأرض،التقلب،الارتفاع من الأرض ضربات الأب،الشعور بالألم…
كلها أفعال حركية تبطن وتضمر أفعال أخرى كثيرة ومتعددة،وفي الوقت الذي يسرد فيه القاص هذه القصة فإن القارئ يتتبع تفاصيل هذه الأحداث،وفي نفس الوقت يؤول هذه الأحداث في ضوء ما يخزنه في ذاكرته من أحداث عاشها في الواقع أو تخيلها في متخيله الفردي.

خلاصة وتعليق
إننا عندما نتعامل مع القصة القصيرة جدا لا يعني أننا نريد فهم محتوياتها والبحث عن مضامينها فقط،وإنما نريد البحث عن التجربة الوجودية التي تهم الناس جميعا و التي يفصح عنها القاص من خلال النص القصصي القصير جدا. إننا هنا بهذا المعنى نتصور نصا قصصيا قصيرا جدا بعيدا عن القاص الذي هو في نفس الوقت صاحب النص،يصبح النص ملك القارئ في زمان غير زمن النص وفي مكان غير مكانه،وتتغير القراءات بتغير الأزمنة و الأمكنة وهكذا يصبح النص القصصي القصير جدا مفتوحاً على أفاق التأويل وسلطة القراءة.
حيث لا يمكن فهم المنجز القصصي القصير جدا دون استحضار عنصري اللعبة الإبداعية بين الملقي و المتلقي،و كأن هناك اتفاقا مسبقا بينهما،وهذا يبين أهمية استحضار الملقي لنوع المتلقي ومستواه الثقافي وقدرته على اقتناص اللحظات الجميلة في المشاهد القصصية،وتمثل الجوانب الفنية و الجمالية و الدلالية التي تسري بين السطور وعبر نتوءات المنجزات القصصية صعودا ونزولا،الشئ الذي يسهل عملية التواصل والاندماج بينهما على المستوى البنيوي و الدلالي و السميائي….
وما يجعلنا نشعر بهذه المتعة هو اللغة،غير أننا لا نتكلم اللغة بمعزل عن الواقع إننا نتكلمها في الواقع ومن الواقع وداخل الواقع.ولهذا ينبغي على القاص تتبع المحيط الاجتماعي والبعد النفسي ورصده في العمل القصصي القصير جدا،وتتبع ما تخلفه هذه المعطيات من أثر في نفسية المتلقي،فالمنجز القصصي القصير جدا مساحة صغيرة لإعادة تشكيل الحياة،ولذلك وجب على القاص توفره على تجربة حياتية وهي مادة الحكي ورؤية للوجود ومهارة في الكتابة،كل هذه المعطيات تمكن القاص من ضبط آليات اشتغاله بشكل فني يتداخل فيه الفني و الجمالي وزاوية الرؤية عند الملقي و المتلقي،حيث يصبحان معا مشاركان في كتابة المنجز القصصي القصير جدا،و القاص الحقيقي يعلم أن بداية النص القصصي القصير جدا ونهايته تنتظره في ذهن القارئ.

رأيان حول “المضمر الخفي و المشترك الثقافي في القصة القصيرة جدا

  1. مساء الخير أخي محمد يوب
    هكذا تضع بين يدي القارئ العربي وعشاق القصة القصيرة جدا نصوصا نقدية عميقة بها من الاجتهاد والجدة الشئ الكثير .
    مساهماتك سدت العديد من الفراغات في ظل ضعف الموكبة أو تجاهل أنضج الأعمال الأدبية المغربية ، وهي تواكب ما استجد في حقول الأدب وشجرته الوارفة الظلال .
    شكرا لك صديقي لقد استمتعت بقراءة هذه الدراسة للمرة الثانية بعد المهرجان العربي بالناضور .
    محبة لا تشيخ

  2. صديقي العزيز و الناقد المحترم أشكر اهتمامك الدائم بما أقدمه للقارئ من أعمال تساهم ولو من قريب في طرح مجموعة من الأسئلة وأتمنى من الأجيال القادمة الحفر عميقا في هذا الجنس الأدبي المشاغب

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>