كارل ماركس : إذا أردت أن تكون تافهاً فما عليك إلا أن تدير ظهرك لهموم الآخرين.



محمد البوزيدي

كرامة ضائعة

إمدادات هذا الكاتب  محمد البوزيدي29 يوليو 2007

يسارع الزمن القاسي ،وبوحدته الخاصة التي تؤنسه كفزاعة غربة طويلة، يواصل لعن مسار الحياة القاسية التي فرضت عليه طقوسا استثنائية لتوفير لقمة خبز غير سائغة .

مبارك أو السي مبارك كما ألف الآخرون المناداة عليه، كهل في الرابعة والستين من عمره ،غزت التجاعيد جبهته المسطحة ،وعلا الشيب الشعيرات المتبقية في رأسه .

مع بزوغ كل صباح يجر عربته القديمة إلى السوق المغطى للخضر. .. يتيه في الزحام اليومي وسط أصحاب الرساميل القوية ، يحمل الصناديق المختلفة الأحجام وينقلها من مكان البائع إلى فضاء/سيارات المشتري ،يتأملها بقسوة تخفي آلاما حادة في القلب،فهو يتعامل كسلعة ومع سلعة هي فواكه مستوردة لم يتذوقها أبدا في حياته إلا نادرا …حينها قد تسقط بعضها من إحدى الصناديق فيلتقطها،يخفيها في الجيب ،ليتناولها بعد ذلك ويكسر بها جوعا يداهمه كل حين من فرط العمل المضني والمتواصل .

في العاشرة من صباح كل يوم ،يقتعد الكراسي المهترئة بأحد المقاهي المتنقلة بالسوق ،يستريح فليلا ويتناول فطورا هو كأس شاي مع زلافة رخيصة من الفول المطهي،يدخن سيجارة شقراء ليحرق بها أوجاعا تداهمه كل حين بين جوانحه أسفا على ماضيه العريق وحاضره التليد.

حين ينطلق من جديد في عمله وسط نداءات باعة الخضر الكبار، يراوغ رجال الشرطة الذين ألفوا استفزازه ظلما لأخذ عمولة 10 دراهم كل صباح ومساء بذريعة عدم توفره على رخصة خاصة لنقل البضائع ،و حين يدرك اقتراب التوقيت المعتاد يتملص بطريقته الخاصة فيتيه وسط دروب وأزقة السوق …

ذات يوم غاب مبارك عن السوق .. ؟سأل عنه رفاقه وأصحابه والآخرون ..بحثوا عنه لكن لا جواب..

في يوم الغد نشرت قصاصة أخبار محلية خبرا يقول إنه أصبح مقعدا ،وغير قادر على الحركة لآلام في الظهر نتيجة حمل أحد الصناديق الثقيلة.فلم يعد يقوى المسكين على الحركة وحتى الأبناء المفترض فيهم تحمل مسؤولية المنزل تاهوا في السراديب العجيبة لهذا الزمن الرهيب دون نتيجة تذكر……….

فإلإبن الكبر في السجن نتيجة تشابه في الملامح مع مجرم آخر يسكن نفس الحي، والبنت في معمل للخياطة تمارس تدريبا بالمجان ،بينما الزوجة تدبر أمور بيت يوشك على الانهيار بطريقتها الخاصة التي تستعمل فيها كل أساليب التسول المعروفة لدى الأقارب والجيران.

يعيش مبارك آخر أيامه حنقا على وطن تنكر له فقد قاوم الإستعمار حقيقة، لكنه بلا بطاقة مقاوم، والتي استفاد منها الآخرون رخصا للتنقل واستحقاقا بالوظائف …لكن حرم من كل ذلك لخلاف بسيط مع أحد عملاء الإستعمار والذي كان يعمل مترجما للمرتزقة السنغاليين في شوارع البيضاء والذي أصبح مسؤولا عن أحد المكاتب الفرعية للمندوبية إذ خاطبه في أحد الأيام :

أنا أتبرؤ من مقاومة تكون أنت أحد المسؤولين عن رجالاتها .

ومن يوم ليوم، تتوالى الأيام، ومبارك يواصل عد أيامه المتبقية منتظرا موتا محققا ،يتذكر الأيام الخوالي والتي حولته إلى إنسان بلا تغطية صحية، ولا رعاية لحقوق العجزة ،ولا ضمان اجتماعي ،ولا قوت يومي مستلب ،ولا تقاعد ولو تافه، ولا اعترافا بتضحيات تاريخية ..

ومع كل صباح يتجرع مرارة الحرمان التي لا تنتهي غاضبا على وطن تنكر له حيث لا يكافئ الرجال، ويصبح فيه الإنسان أرخص شيء، لذلك لا يمل من الترديد مع الراحل بوجميع

ماهموني غير الرجال إلى ضاعوا

البيوت اللي رابوا كلها يبني دار




التعليقات 10 على “كرامة ضائعة”

  1. وحيد نورالدين علق:

    العزيز محمد البزيدي :
    …..سرني ان التقيك بالامس وز اصافح يدك الكريمة لاول مرة .
    ….اتمنى ان نلتقي مرارا و تكرارا و يتسع الوقت لحديث زاده كافورا .
    ……………………………….فائق الود .

  2. حسن اعبيدو علق:

    اخي الحبيب محمد
    رايت زهرة طيبوبتك البارحة ، رايت قسمات الاديب الحامل لنقاء فطرة الجنوب ، وسعدت باناملك وهي تعزف حروف التوقيع على رواية بحجم الوطن وان ضاق بنا الوطن ليصبح بحجم غرفة ورايت سكرك يذوب محبة وانت تحلي تلك الاخوة الادبية التي تعانق فيها المبدعون انيس ووحيد وفري وكفيح و قهوايجي وعبد النور وتومرت ومصباح وزينب وليلى وصراري وعسال وحمدون والسعدية والبتول وكثير من الاحبة ممن حضر فالقى او استمع
    فلك مني التحية ملفوفة بحروف الود حتى مطلع ابداع جديد

  3. محمد فـــري علق:

    سررت بلقائك أمس
    وتمتعت بسماع النص وأنت
    تقرأه بصدق واضح
    واكتشفت فيك الإنسان الطيب المتواضع والخلوق
    ولا أملك إلا مشاعري الصادقة
    أقدمها لك عربون صداقة

    محمـــد فـــري

  4. عبد الواحد كفيح علق:

    عزيزي محمد البوزيدي
    سررت بلقائك والاستمتاع بفتنة صمتك وسحر كلامك
    كانت رحلتي من الفقيه بن صالح الى البيضاء فيها شيئ من البوزيدي
    ووطن بحجم وسعة غرفة
    وكان لي من الرواية ما اريد ومن البوزيدي فوز بإهداء خاص
    تحياتي

  5. محمد البوزيدي علق:

    الرائع والصديق وحيد نور الدين
    بدوري منذ الصباح كنت أبحث عنك…..
    ووجدتك أخيرا في المساء….
    واستمتعنا بابتساماتك وطيبوبتك الخاصة صحبة العزيز حسن اعبيدو
    تبا للزمن الذي كان يطاردني على عجل
    وسنلتقي مجددا في محطات أخرى
    مع عميق المودة والتقدير

  6. محمد البوزيدي علق:

    الصديق حسن اعبيدو
    فخور جداااااا بلقائك وكسب صداقتك
    كانت أمسية رائعة وفضاء للتعارف المباشر
    سرني كثيرا طيبوبتك الخالصة والتي تتفاعل مع النصوص في عمق دلالاتها وحمولاتها المختلفة
    مودتي الفائقة

  7. محمد البوزيدي علق:

    الصديق محمد فري
    شهادتك أعتز بها كثيرا
    لمست فيك الانسان الصادق الذي لا يتردد في تشجيع الآخر وتحفيزه
    سعدت كثيرا بحمولات نصك الذي قرأت في الأمسية وحاولت تحليله وتذكره جيدا وأنا في الطريق على متن الحافلة لأنه تغطية خاصة وتحليل واقعي لما يجري في دائرة السرد ………..
    أنتظر بكل شوق مجموعتك القادمة* النحرير*
    مع عميق محبتي

  8. محمد البوزيدي علق:

    صديقي العزيز عبد الواحد كفيح
    شكرا على مشاعرك الخاصة
    أتمنى أن تجد في روايتي وطن بحجم الغرفة ما يتسع للغرفة لتصبح وطنا واسعا منفتحا وجميلا ………..
    حدثني أحد أصدقائي هذا الصباح عن زيارتك لزاكورة في أحد ملتقياتها القصصية التي نظمها نادي الهامش القصصي في سنة 2005
    اتفقنا في الحكم معا على طيبوبتك الخاصة و……
    مع الأسف منعناضيق الوقت من الجلوس مطولا
    نتمنى ذلك في فرصة قادمة
    محبتي بلااااااااااا حدود

  9. حسن اعبيدو علق:

    اخي محمد اعتذر ان قمت باستغلال صفحتك للاخبارعن
    اختفاء اخينا محمد علوط وفق ما جاء في الجرائد الوطنية حيث اضطرت اسرته للاعلان عن هذا الاختفاء بما يجعل القلق يساورنا على مصير هذا الناقد اذ جاء في جريدة المساء الخبر التالي
    تهيب اسرة علوط المتكونة من ام وخمسة ابناء بكل من يعرف مكان معيلها المختفيي بان يبادر باخبار العائلة اذ خرج منذ شهرين الى مكان عمله دون ان يعود لذا فالمرجو الاتصال ان تم التعرف على مكان تواجده بالرقم التالي
    21215116507

  10. محمد البوزيدي علق:

    العزيز حسن اعبيدو
    صفحتي فضاء مفتوح للجميع ولكل الخبار والقضايا المختلفة للتداول
    متمنياتي بعودة ميمونة للزميل محمد علوط
    محبتي الدائمة

أضف تعليقاً


متابعة التعليقات دون ترك تعليق


Rss Feed Tweeter button Facebook button Technorati button Reddit button Myspace button Linkedin button Webonews button Delicious button Digg button Flickr button Stumbleupon button Newsvine button Youtube button

Switch to our mobile site