برتراند راسل: حياتنا الشخصية قصيرة ومن الممكن أن تكون حياة الانسانية كلها قصيرة إذا قيست على مقياس الكون.



محمد عضيمة

محاضرات في التقاليد الشعرية اليابانية 1

إمدادات هذا الكاتب  محمد عضيمة12 يونيو 2005

أوكا – ماكوتو

سوغارارا – نو-ميتشيزاني: شاعر وسياسي
أو
مثال الشرخ الذي يفصل الشعر الياباني عن الشعر الصيني (كانشي)
-1 –
في البداية أود التعبير عن عميق تقديري لإرادة ” الكوليج دو فرانس” التي منحتني شرف تقديم سلسلة من خمس محاضرات في هذه المؤسسة العلمية العريقة. وهذا الشرف يتجاوزني ليصل إلى الشعر الياباني في مجموعه، ويشهد على فضولية مليئة بحسن التفات إلى مجال لا يزال مجهولاً بالنسبة إلى الجمهور الفرنسي والغربي عموماً. لذلك يبدو لي أن الكلام عن الشعر الياباني تحد مثير أرجو من خلاله النجاح في الإجابة على بعض فضوليتكم، كما أرجو إثارة اهتمامكم من أمكن ذلك.
“سوغووارا- نو –ميتشيزاني” هو الشخص الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم أمامكم. لقد كان واحداً من رجال الدولة، وواحداً من رجال الأدب الأكثر أهمية في يابان الأزمنة القديمة :شاعر فحل، ومثقف لا نظير له، استطاع أن يصل إلى أعلى مراتب السلطة السياسية، قبل أن يقال من
5
مناصبه في ظروف مأساوية. وبعد أن عاقبته العاصمة، مات ميتة فظيعة في منفاه.
وقبل الكلام المباشر عليه، أود الإشارة إلى المحيط الاجتماعي والثقافي الذي أفرز رجالاً مثله – لأن ذلك سوف يضيء محاضراتي الأخرى القادمة.
بقصد بعصر “هيبان” وعلى صعيد تاريخي بحت، القرون العدة التي بدأت خلالها اليابان تنعتق نسبياً من تأثير الحضارة الصينية الهائل، وأخذت بطريقة واعية تشكّل ثقافتها الخاصة. يغطي عصر “هيبان” تقريباً، الأربعمائة السنة الممتدة من بداية القرن الثاني عشر. إن المائتي سنة الأولى من أغنى المراحل بالأحداث المهمة والفارقة، سواء على الصعيد الأدبي أو التاريخي. فخلال هذين القرنين تمّ إنتاج أبدع الأعمال الشعرية والنثرية : “سوغاوارا – نو – ميتشيزاني”، “كينو – تسورايوكمي”، “إيزومي . شيكيبو” في الشعر، “موراساكي – شيكيبو” ، “ساي شوناغون” في النثر.
ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة بالذات، هو أنها تعتبر العصر الذهبي لأدب أنتجته نساء أشهرهن: “إيزومي – شيكيبو”، “ساي شوناغون” وجميعهن ظهرن في وقت واحد تماماً : بين نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر. كان بينهن في حياتهن الخاصة كما في نشاطهن الأدبي، وبصفتهن سيدات شرف أو وصيفات في البلاط الإمبراطوري، روابط صداقة أو – حسب الحالات – روابط منافسة شديدة – وذلك قبل أن يمتن في العزلة دون أن يعرفن عظمة الأعمال الأدبية التي كنّ قد أنجزن.
الآن وقد مضى ما يقارب الألف سنة، فإن آثار هؤلاء السيدات الأدبية لا تزال محلّ تقدير وإعجاب. ومن الأصح أن يقال إن جمهور
6
قرائها في تصاعد مستمر، إضافة إلى أنها قد نقلت إلى لغات عدة من بينها الفرنسية. لكن عدداً قليلاً من اليابانيين يستطيع اليوم تناول هذه الآثار في نصها الأصلي. وبفضل الترجمات المتعددة إلى اللغة اليابانية المعاصرة، نستطيع مثلاً، أن نأنس بقراءة “سيرة كانجي” أو “يوميات وسادة”، وبفضل الشروحات والتعليقات، أيضاً، المخصصة لذلك فقط، نتعلم كيف نتذوق ونقدّر قيمة “قصائد” أو “يوميات” السيدة إيزومي – شيكيبو” .
يكمن تفسير هذه الوضعية في ما عرفه اللّسان الياباني المكتوب من تغيرات مفاجئة وطارئة خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر، أي خلال المرحلة التي يشار إليها عادة بعبارة “إصلاحات ميجي” والتي تتقاطع مع انفتاح اليابان على الأجانب وعلى التغريب والتحديث. هذا التغيير اللساني المفاجئ جعل اليابانيين غير قادرين على قراءة النصوص الكلاسيكية مباشرة وبسهولة إلا إذا تدربوا على هذه القراءة بشكل منهجي منظم.
لكن على الرغم من هذه الصعوبات، نجد أن عملاً مثل “سيرة كانجي”، والذي ترجمته – مرات عديدة، بحية وتصرف – إلى اللغة اليابانية الحديثة كاتبات متعددات، لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة، لحد أنه نقل إاى إطار كتب الصور، والقصص المصورة، والرسوم المتحركة علة شاشة التلفزيون. ولو بعثت “موراساكي – شيكيبو” من جديد في عصرنا لصعب عليها بالتأكيد التعرف على النص الذي كتبته هي نفسها، وذلك بسبب ما تعرض له من تحولات.
هناك عدة أسباب تكمن وراء الظهور المتزامن – بين نهاية القرن العاشر والنصف الأول من القرن الحادي عشر – لهؤلاء الكاتبات العبقريات حقاً مثل “موراساكي – شيكيبو”. أولاً، يتحدرن جميعاً وبلا استثناء من
7
عائلات أرستقراطية متوسطة ومثقفة جداً، ومنذ الطفولة الأولى تلقين تعليماً نوعياً مميزاً أعدّه لهن الآباء. ثانياً، باعتبارهن سيدات شرف في حاشية زوجات الأباطرة المساعدات (كان لكل إمبرطور عدة زوجات، هذا دون حساب العلاقات العابرة ) ، كن يعشن في قلب مجتمع البلاط، وبالتالي كانت لهن – وهذا شيْ نادر بالنسبة إلى نساء ذاك العصر – اتصالات مثيرة مع رجال من الطبقة النبيلة التي كنّ يعرفنها بشكل عميق.أحياناً، كان يمكن لعلاقة بسيطة مع أمير إمبراطوري أن تجعلن مشهورات جداً، وهذه حالة الشاعرة “إيزومي – شيكيبو”.
أما كاتبتا النثر “موراساكي – شيكيبو”و”ساي – شوناغون”، فلم تكن رواياتهما أو نصوصهما الأدبية تترك أثراً عميقاً لدى سيدات الشرف الأخريات وحسب، بل كان الجميع ينتظر ما تكتبان، وكانت نساء الأباطرة يقرأن كتاباتهما بشغف وفضولية. كما كانت لهما لدى الرجال حظوة رفيعة. ومن هنا تلك المباريات الفطرية بين هؤلاء الكاتبات، ومن هنا أيضاً نشوء وتطور منافسات أدبية عالية المستوى في البلاط الإمبراطوري. وهذا ما أتاح للكاتبتين إعطاء عملين مثل “سيرة كانجي” و “يوميات وسادة”، دون أن تفكرا يوماً بأن هذين العملين سوف يعتبران، بعد عشرة قرون جزءاً من كلاسيكيات الأدب العالمي.
سوف أتحدث من جديد، في محاضرتي الثانية، عن الشاعرة “إيزومي – شيكيبو”. لكن لنؤكد منذ الآن ا أنها تركت في قصائد الحب نصوصاً نلمس فيها حقاً علامات العبقرية. لقد كتبت في إطار شكل “القصيدة اليابانية الموجزة” أي شكل “الواكا” أعمالاً تطغى عليها سوداوية عميقة ورؤى فلسفية حول الكائن البشري.
عندما نتأمل منجزات هؤلاء النساء في المجال الأدبي، يجب أن نحترس من نسيان قضية في غاية الأهمية: أي الدور الذي لعبه نظام
8
ا الكتابة المستخدم من قبل مثقفي ذاك العصر. فالرجال الذين كانوا يعملون كموظفين في البلاط – وهم ممثلو الأوساط الثقافية آنذاك – كانوا يجدون طبيعياً أن يكتبوا أعمالهم الأدبية بالحروف الصينية، وبالأسلوب المعروف بـ “كامبون”:شكل هجين صيني – ياباني لا علاقة له باللغة اليابانية المحكية.
كان إتقان أسلوب “الكامبون”معياراً حاسماً للحكم على كفاءة ومهارة موظف البلاط. من جهة أخرى، كان يجب على من يكتب نثراً جميلاً الضلوع ليس فقط في مجالات الحقوق والاقتصاد والدبلوماسية والسياسة الداخلية والتاريخ، بل وفي الآداب أيضاً، وهذا ما قد يبدوا مفاجئاً. والذي سأتكلم عليه بعد قليل، أي “سوغاورا – نو – ميتشيزاني”، هو واحدٌ من هؤلاء البشر النادرين: يسبق ا النساء اللواتي ذكرتهن آنفاً بمائة عام. إنه شخصية ذات أهمية استثنائية وشاعر رائع أيضاً.
لكن قبل الحديث المباشر عنه، أريد الوقوف قليلاً عند الموضوعة السابقة: أعني الكتابة التي كان يستخدمها المثقفون اليابانيون آنذاك أثناء صياغة أعمالهم الأدبية.
قلت أنفاً إن الرجال – سواء في الشعر أو في النثر – كانوا يستخدمون الأحرف القادمة من الصين كما هي للكتابة بأسلوب صيني. ومن السهل أن نجد بفرنسا ما يقابل هذه الظاهرة: في العصر نفسه تقريباً، ولكي تتشكل اللغة الفرنسية، مرّت بسيرورة استعارات من اللاتينية ومن الألسنة الرومانية.
فأناشيد الفروسية المعتبرة أول الأعمال الأدبية المكتوبة باللغة الفرنسية، قد ظهرت في النصف الثاني من القرن الحادي عشر أي بعد عقود عدة على ظهور كتاب السيدة “موراساكي – شيكيبو” “سيرة كانجي”الذي رأى النور في بداية القرن الحادي عشر .
قبل ذلك، كانت لغة المثقفين الرسمية، سيما على صعيد النص المكتوب، هي اللاتينية التي كانت تلعب دوراً مماثلاً لدور “الكامبون”أي
9
الصينية الكلاسيكية، في اليابان.
عرفت اللغة اليابانية، في مجال الكتابة، سيرورة انعطاف مشابهة لما عرفته اللغة الفرنسية مقارنة باللاتينية. ففي العصر الذي أتحدث عنه تولد عن الآحرف الصينية – وكانت حكراً على الرجال – ما نسميه بأحرف ال “كانا” التي سرعان ما تبنتها النساء. والواقع، إنّ هذه الأحرف الجديدة، ولكي تترجم الأصوات نفسها، تحتوي على أبجديتين مقطعيتين مختلفتين: هما “الهيراغانا” و “الكاتاكانا”.
حروف “الهيراغانا” عبارة عن نظام نقل وتدوين حصل عليه من خلل تبسيط شديد جداً لبعض الحروف الصينية التي – حتى بعد تبسيطها – تحافظ على نطقها الأساسي. ( أي نكتب الحرف الصيني – والأفضل أن يقال الرسم الصيني – ideogramme – بحرف ” هيراغانا” واحد دون أن يتغير النطق. والفرق هو أن للرسم الصيني معنى، لكن لا معنى الهيراغانا بذاته. م) . أما حروف الكاتاكانا فهي مثل الأولى، حصل عليها انطلاقاً من الحروف – الرسوم الصينية، لكن بدلاً من تبسيط الحرف – الرسم الصيني، اكتفينا هذه المرة باقتطاع جزء منه.
لكل حرف – رسم صيني، في الأساس، صوت ومعنى في آن. أحياناً، يمكن لحرف – رسم واحد أن تكون له تشكيلة كبيرة من المعاني. غير أن حروف “الهيراغانا” و “الكاتانانا”هي ببساطة مجرد مقاطع صوتية لا غير، وليست لها في ذاتها أية دلالة. إذن هي من حيث المبدأ شبيهة بأبجدية اللغات الأوروبية، وكذلك الكتابة بها.
إن اكتشاف الكتابة هذه، أي كتابة ال”كانا” من الأهمية بحيث يمكن اعتباره من بين كبرى الاكتشافات ليس في اليابان وحسب، وإنما في العالم كله. ويبدو أن حروف “الهيراغانا”و “والكاتاكانا”قد تبلورت تماماً وبدأ استخدامها، بشكل واسع، في أوائل عصر هييان، أي حوالي بداية
10
القرن الثامن.
مما لا شك فيه أن جمالية حروف “الهيراغانا” الخاصة، حيث تسيطر على شكل الحرف الإلتواءات، دفعت النساء إلى استخدامها في الكتابة بشكل واسع. ولهذا كانت تسمى في ذلك العصر بـ “أونا –دي”، أي حرفياً “يد امرأة” يعني حسب الحالات “نص كتبته امرأة” أو “كتابة نسوية”. وهذه الحروف التي كان يمكن أن يظنّ بفقرها الشديد على صعيد الخط المكتوب، بدأت تلعب دوراً جديداً تماماً. فسرعان ما ثبت بالممارسة أنها، ومن أجل كتابة اليابانية المحكية، أقدر بكثير من الحروف – الرسوم الصينية المتخصصة باللغة المكتوبة.
لم تكن قصائد “الواكا” لتنفصل في جوهرها عن القراءة بصوت مرتفع، وتكشّفت حروف “الهيراغانا” عن مقدرة استثنائية لمن يريد تدوين تلك القصائد، لأنها تتيح كتابة نطقية أمينة لأشعار “الواكا” كما أنشدت، والحالة هذه، كان شكل ” الواكا” أيضاً، طريقة التعبير الوحيدة عن المشاعر، لحد أنّ علاقة حب ما، لم تكن واردة دون الاعتماد على هذه الصيغة الشعرية. ولذلك وجب على الرجال الإسراع في إتقان هذه الحروف.
وهكذا لم يعد بإمكان اليابانيين الاستغناء عن حروف “الهيراغانا”- ولا عن حروف “الكاتاكانا”، هذه الطريقة الأخرى للتدوين النطقي والتي سرعان ما قدرها الرجال وتعلموها – هذه الظاهرة تحديداً، هي التي أتاحت للأدب، في عصر “هيبان” أن يكون فاتحة عصر ذهبي. هكذا يعتبر وضع كتاب “ديوان قصائد الواكا القديمة والحديثة” ، “كوكين واكا – شو” في مجال الشعر من اهم أحداث بداية القرن العاشر. اما في النثر، فقد تتابعت خلال القرن الحادي عشر كتب مثل “قصص العظمة – البهاء” من المعروف ان كتّابي: “سيرة كانجي” و “يوميات وسادة” هما لكاتبتين. أما
11
عن كتاب: “قصص العظمة – البهاء” ذي الأهمية الكبرى. على صعيد ولادة “الرواية التاريخية” فإن هوية مؤلفه غير مؤكدة، لكن الأرجح هو أنه لـ “أكاسومي – إمون” هي الأخرى سيدة شرف في البلاط، وتمتاز بذكاء حاد.
بالمقابل، نجد في “ديوان القصائد الواكا القديمة والحديثة” – هذا الجامع الحقيقي لنفائس الشعر الياباني ذاك العصر والعصور السالفة – أن الشعراء الأكثر فحولة هم من الرجال في الغالب. لكن، هنا أيضاً، نستطيع أن نلمس في كل صفحة، إلى أي حد كان تغثير الثقافة النسوية سائداً وقوياً.
باختصار شديد، إنّ اكتشاف كتابة أل “كانا” وتحليق الأدب النسوي، هما الميزتان الكبيرتان لتلك المرحلة من عصر هيبان.
-2 -
آن وقت الحديث عن “سوغاوارا – نو – ميتشيزاني”، الموضوع الرئيسي لهذه المحاضرة.
يعتبر “ميتشيزاني” أكبر شاعر في بداية عصر هيبان، أي في زمن كان فيه البلاط الإمبراطوري، والأرستقراطية اليابانية، يعيشان تحت تأثير الثقافة الصينية الشديد. وهذا تماماً قبل العصر الذهبي للأدب النسوي الذي تحدثت عنه منذ قليل، وقبل انتشار حروف الـ “كانا” التي ستعطي هذا الأدب دفعة قوية. لكنه – أي ميتشيزاني – كان أيضاً مثقفاً كبيراً ضليعاً في البوذية والكونفوشية دفعة واحدة. كما كان رجل سياسة استطاع، بعد بدايات ديبلوماسية موهوبة، أن يتوصل إلى مرتبة وزير اليمين، أعلى مرتبة في الحكومة آنذاك.
12
عندما أقول كان شاعراً، فأنا لا أتكلم عن أشعار “الواكا” المكتوبة باللغة القديمة الخاصة باليابان، والمعروفة باسم “ياملتو –كوتوبا”، بل أتكلم على القصائد المكتوبة بالحروف – الرسوم الصينية (كانشي) التي تلتزم التزاماً شديداً بصيغ وقواعد شعر الصين القديمة. هذا لا يعني أن “ميتشيزاني” لم يكتب أيضاً قصائد “واكا” لكن ما وصلنا منها غير مؤكد بأنه له حقاً. فبعد إقالته السياسية، وبعد نهايته البائسة، ثم بعد ردّ الاعتبار إليه بشكل استعراضي بعد موته، يحتمل جداً أن كثيراً من قصائد “الواكا” قد كتبت باسمه ونسبت إليه. لكن المؤكد أن “ميتشيزاني” يبقى أعظم شاعر ياباني كتب “الكانشي” “الشعر باللغة الصينية”. ولحسن الحظ أن مجاميعه الشعرية الصينية وصلتنا كاملة، دون نقص، ونستطيع اليوم تناولها بفضل إصدارات مليئة بالتفاسير الدقيقة جداً.
من هو “ميتشيزاني” هذا الرجل الذي توفي عن 59 سنة، بعيداً عن العاصمة، في مدينة “دازيفو” الواقعة في أقصى غرب الأرخبيل الياباني، في جزيرة “كيوشو” حيث عوقب بالنفي إلى هناك ؟ إليكم، في البداية لمحة موجزة عن حياته.
ولد سنة 845 وتوفي سنة 903 . كان مثل جده وأبيه، مثقفاً ضليعاً في الكونفوشية، ثم جاء حفيده ” فو –ميتوكي” ليصبح هو الآخر شاعر “كانشي” معروفاً جداً.
يحكى أن “ميتشيزاني” أثار دهشة أبيه بقصيدة كان قد كتبها وعمره لا يتجاوز 11 سنة. وبعد سنوات عدة أصبح الشاب ديبلوماسياً، واستقبل في “كيوتو” بعثة ديبلوماسية لبلد يدعى “بوهاي” الذي كانت لليابان معه علاقات وطيدة ومتطورة جداً. وقد أشاد السفير نفسه بمواهب “ميتشيزاني” الشعرية. “بوهاي” منطقة تقع في الشمال الشرقي من الصين؛ ازدهرت بين القرن الثامن والقرن العاشر، وكانت لها ثقافة غنية غنى ثقافة
13
الإمبراطورية “التانغية” . كما أن سفيرها كان شاعراً معروفاً،و بمقدوره اكتشاف موهبة “ميتشيزاني” الشعرية.حاز “ميتشيزاني” على لقب دكتور في الآداب وعمره 32 سنة ،وهذا أمر نادر في ذلك العصر .وكان،بصفته موظفاً مثقفاً وينتظره مستقبل باهر، يتمتع بملذات الحياة في البلاط. بالمقابل كان عرضة لجميع أنواع الغيرة والحسد .هذا الموظف اللامع ،الذي كان من المؤكد أنه سوف يتابع عمله بشكل منتظم في البلاط ،عيّن وهو في سن الواحد والأربعين، وبسبب تغيّر مفاجئ تماماً، حاكماً على منطقة “سانوكي”- أي منطقة “كاغاوا” حالياً-في جزيرة “شيكوكو” بعيداً عن العاصمة. هكذا كان مجبراً على البقاء أربعة أعوام مثبّطة في بلد بعيد جانب البحر. فلأول مرة يجد نفسه على احتكاك مباشر مع الناس. ولذا استطاع أن يعرف واقع حياتهم اليومية البائسة جداً.الأمر الذي سوف ينعكس على إبداعه الشعري، ويدخل تطوراً جديداً ومهماً. هكذا بدأت تظهر في قصائده سلسلة موضوعات، ما كان له أن يتناولها لو بقي في البلاط،كما يمكن أن نلمس فيها وبدقة يقظة متدرجة على الفساد المنتشر في أوساط الموظفين آنذاك.بعد هذه الإقامة في “سانوكي”. عاد إلى العاصمة. وهناك نال ثقة الإمبراطور”أودا” شبه المطلقة، بعيد تدخله الفذّ لحل مشكلة سياسية معقدة.بعبارة أخرى، كان للقائه مع الإمبراطور تأثير حاسم على مصيره كانت تسيطر على الأوساط السياسية في ذلك العصر، عائلة”فوجي وارا” سيطرة لا مثيل لها إطلاقاً. وكانت للأباطرة، مع بعض نبلاء هذه العائلة روابط زواجية، وفي الغالب، لم يكونوا سوى دمى بأيدي هؤلاء. ومع ذلك، كان الإمبراطور “أودا” يطمح إلى تحييد آل”فوجي وارا”
14
وإصلاح القضايا السياسية. ومن أجل هذه الغاية،رفًع “ميتشيزاني” إلى مراتب مهمة.هكذا أصبح تقدم هذا الأخير في الأوساط السياسية الرسمية سريعاً جداً،الأمر الذي عزّز احتراس آل “فوجي وارا” منه.
ثمّ أن غيرة الموظفين الآخرين منه، وتمنعهم من التعاون معه، كانا قد بلغا الذروة. إضافة إلى زواج الأمير الإمبراطوري “توكيو-شينو” بإحدى بناته . في مثل هذه الظروف، حيث كان القلق ينغّصه من إزدياد الخصوم المحيطين به، توصل “ميتشيزاني” إلى مرتبة وزير اليمين، أعلى مرتبة سياسية آنذاك، وكان عمره 54 سنة. وفي الوقت نفسه، كان “توكيهارا-نو-فوجي وارا” الشخص الوحيد الذي عينه الإمبراطور في مرتبة مماثلة لمرتبة “ميتشيزاني” أي وزير اليسار، وهو من أقوى فروع عائلة “فوجي وارا” ولم يكن عمره آنذاك أكثر من 28 سنة أي أصغر من “ميتشيزاني” بـ 26 سنة . في هذا الحديث ما يوضح جيداً القوة السياسية الأسطورية لآل “فوجي وارا” آنذاك . بعبارات أخرى، يشير هذا إلى أي حد كان “ميتشيزاني” يعيش معزولاً. كان دعم وثقة الإمبراطور “أودا” في البداية فقط، يمنحانه الثقل والسلطة للتعادل السياسي مع قوة آل “فوجي وارا” لذلك لا نبالغ إذا قلنا إنّ مصيره كان معلقاً بخيط فقط. وقبله بقرن ونصف، كان “كيبينو-ماكيبي” هو الشخص الوحيد الذي لم يكن من عائلة رجال الدولة، بل من وسط مثقفين غير غني، والذي بلغ أعلى مراتب الطبقة السياسية.
15
30 سنة . لقد استطاع “أودا” أن يتمتع-ولحد موته بعد 34 سنة من تخليه عن العرش –بملذات الحياة التي تتاح عادة للأباطرة السابقين . في هذا الوقت ازدهرت حضارة عصر هييان وعرفت أوج تفتحها. والواقع أن عصري الإمبراطور “أودا” وابنه الإمبراطور “دايغو” يمثلان فعلاً ازدهار الثقافة اليابانية الكلاسيكية ، ويمثلان المرحلة التي استطاع خلالها شاعرنا، ثم شعراء “ديوان قصائد الواكا القديمة والحديثة “، أن يوصلوا إلى أعلى درجات الإتقان والكمال شكلي “الكانشي” و”الواكا” الشعريين. كنّ الإمبراطور الشاب “دايغو” ، في البداية وتنفيذاً لأوامر الأب، كلّ الاحترام والتقدير “لميتشيزاني”. أضف إلى أنه لم يخف مّرة واحدة إعجابه اللامحدود بقصائده . وبعد سنتين من تنصيبه إمبراطوراً، عيّن “ميتشيزاني” وزيراً لليمين. آنذاك، كان الإمبراطور المعتزل “أودا” لا يزال قادراً على إدارة ابنه بسهولة من على مسافة. الأمر الذي يفسر نجاح “ميتشيزاني” في تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقه، بسبب موقعه،رغم الصعوبات المتعددة التي كان يواجهها.
بيد أن هذه الوضعية ستجر “ميتشيزاني” بشكل خفي لكن محتم، إلى الخسارة. فكلما كلن نفوذه يزداد، كان يبدو أكثر خطورة في نظر آل “فوجي وارا” . لقد تآمر عليه أقوياء هذه العائلة من “توكيهارا” إلى المثقفين المليئين بالحقد عليه، إلى الراغبين بخسارته، فأقنعوا جميعاً الإمبراطور “دايغو” بأن وزير يمينه يدبر له مكيدة هائلة، غايتها أن يتخلى عن العرش وأن يحلّ محله الأمير ” توكيو – شينو” المتزوج بابنة “ميتشيزاني” نفسه.
من السهل أن نتصور الصدمة التي أصيب بها الإمبراطور الشاب. الذي لم يكمل بعد عقده الثاني “16 سنة”، من جراء هذه المؤامرة المزعومة. هكذا أقيل “ميتشيزاني ” من منصب وزير اليمين، ليعين في وظيفة مثيرة للسخرية: “حاكم مبعوث في كيوشو”. عقوبة
16
العاصمة جاءت في وقت قصير للغاية. إن هذه الوظيفة الجديدة، والتي تعادل في أيامنا ” نائب الوالي” لم تكن في غالب الأحيان، أكثر من تعيين اسمي لموظفي الحكومة المركزية الكبار المقالين من مناصبهم.
وهذا ما حدث لشاعرنا “ميتشيزاني” تماماً، دون أي خرق للقاعدة. لنشر إلى أن مدينة “دازايفو” الوقعة في غرب أقصى الأرخبيل الياباني، كانت بالنسبة إلى حكومة “كيوتو” قاعدة عسكرية دفاعية ضد أية تهديدات محتملة من الصين أو من كوريا.
بعد سنتين من حياة الانزواء في هذه المدينة القوية. مات “ميتشيزاني” هناك والآلام الروحية والمعنوية تقض مضجعة. إن القصائد التي كتبها، خلال منفاه، انتحاب بدموع من دم. إنها تعبر بصدق عن رجل مدان بجريمة لم يرتكبها. وبفضل هذه الأعمال الأدبية صار “ميتشزاني” الشاعر الكبير الذي نعرفه.
عندما أرسل إلى المنفى، بدّدت عائلته بفظاعة، وشتت أفرادها في ستة أماكن مختلفة. زوجته وابنتها
استطاعا البقاء في البيت بكيوتو. لكن أولاده، فقد أرسلوا إلى محافظات بعيدة جداً عن العاصمة: الأول إلى “توسا”، الثاني إلى “سوروغا”، الثالث إلى “هيدا”، الرابع إلى “هاريما”، أما “ميتشيزاني”فقد أخذ طريق المنفى الذليل مع أصغر أبنائه، فتى وفتاة. سرعان ما مات هؤلاء الأخيران بسبب سوء التغذية في “كيوشو”. هو الآخر لم يكن صلباً كثيراً: سقام حاد بسبب الخوف واليأس، عجلا في نهايته.
لكن التاريخ لم يتوقف عند موت “ميتشيزاني”. فبعد هذا الموت بوقت طويل تعود روحه القلقة الثائرة لتنتقم من الذين دبروا إقالته. فوزير اليسار، “فوجي وارا – توهيكارا”، المسؤول الأول عما حدث لشاعرنا، مات باكراً وعمره 38 سنة. ورأى الجميع عي هذه الميتة أن روح
17
” ميتشيزاني” تنتقم. كما أن صاعقة ضربت أهم جناح في القصر الإمبراطوري، فمات بعض الذين تآمروا خفية على “ميتشيزاني” ميتة شنيعة. وحتى بعد وفاة الإمبراطور “دايغو” انتشرت دعاية مفادها أنه سقط في الجحيم. باختصار، كان يعتقد أن “ميتشيزاني” تحول إلى إله الرعد كي ينتقم لنفسه. ولهذا، بعد عشرين سنة على وفاته، يعاد إلى جميع مناصبه الأولية، كوزير اليمين، بغية أن تهدأ روحه الثائرة. ثمّ بعد قرن صار بمرتبة أله. ولا يزال حتى اليم معبوداً في جميع محافظات اليابان تحت اسم “تن- جين – ساما” ( حرفياً: ألوهية سماوية ) وباعتباره كان مثقفاً كبيراً خلّف وراءه آثاراً أدبية لا مثيل لها، فإن مرشحي مسابقة الدخول في الجامعات والمدارس يتوجهون برجائهم إليه، وكذلك عندما يأتي فصل الامتحانات، فإن التلامذة وأمهاتهم، في جميع أنحاء اليابان، يتوافدون إلى المعابد المخصصة ل: “تن- جين – ساما”.
يوضح هذا أن الصورة المنتشرة عن “ميتشيزاني”، هي صورة شخص عنده طاقات ثقافية نادرة. لكن اليابانيين، في غالبيتهم، نسوا أنه كان قبل كل شيْ شاعراً كبيراً. يعود هذا النسيان إلى أن أعماله المكونة أساساً من “الكانشي” ( أي الشعر المكتوب باللغة الصينية )، مكتوبة بأسلوب ” الكامبون” أو بالصينية القديمة التي لا يفهمها في أيامنا سوى عدد محدود من القراء.
بالمقابل، فأن شعراء الجيل التالي ل “ميتشيزاني”، بدءاً بـ “كينو – تسورايوكي”، كانوا يكتبون أشعارهم باليابانية المحكية آنذاك ( ياماتو – كوتوبا ) ويستخدمون حروف الـ : “كانا”. وبفضل هذا التغيير الجذري لنظام الكتابة والذي حدث عبر جيل واحد بالكاد، فإن مختارات “ديوان قصائد الواكا القديمة والحديثة” التي وضعها “كينو – تسورايوكي”، فرضت نفسها خلال عشرة قرون تلت، كأهم مختارات في تاريخ الشعر الياباني.
18
بالمقابل. وفيما كان “ميتشيزاني” يزداد شهرو كمثقف، وكسياسي ذي مصير مأساوي، ثم بعد موته – كإله معبود، وفيما كان مسرح “الكابوكي”يزدهر باستلهام هذه الشخصية – “مسرحيات حول سوغاورا “- بدءاً بمسرحية عنوانها ” مرآة التدرب على تعاليم سوغاورا السرية ” فإن قيمة “ميتشزاني” كشاعر بقيت مجهولة لوقت طويل جداً. وهذا ما يؤسف له، لا بل هو ظلم حقيقي لشاعرنا. ولذلك ألححت في كتاب نشرته منذ سنوات تحت عنوان :” سوغاورا – نو – ميتشيزاني شاعراً” على أهمية هذا الرجل في المجال الشعري.
في محاضرتي الثانية، سوف أتكلم على “كينو – تسورايوكي”، وعلى الجمالية التي تطبع مختارات “الواكا” الموضوعة بأمر إمبراطوري، بدءاً ب “ديوان قصائد الواكا القديمة والمدنية”. لكن لنؤكد منذ الآن، وللإشارة إلى هذه المسألة في علاقتها مع أعمال “ميتشيزاني”، أنه يوجد اختلاف نوعي وجذري
بين شعر “الكانشي” وشعر “الواكا”
إن “ميتشيزاني”، وبلجوئه، على صعيد اللغة والكتابة، إلى وسائل تعبر عن أصل صيني قد بذل كلّ ما في وسعه لكتابة قصائد ترتكز على مباديْ الشعر الصيني نفسها. وقد توج مسعاه هذا بالنجاح. فأعماله تمتاز، على صعيد اللغة أو المضمون، بشمولية لحد أن شعراء الصين الكبار – ليبو-، توفو، أو بوشري – لو قدّر لهم وقرءوها، لكانوا استقبلوها باحترام شديد جداً.
وبشكل عام، نجد في قصائده – ولا سيما التي كتبها خلال إقامته بسانوكي ثم خلال منفاه بجزيرة كيوشو – أن التعبير عن المشاعر ( فرح أو حزن، غضب أو ألم ) ترافقه باستمرار إشارة دقيقة إلى العلة والمعلول. كما أن موقع الذات محدد بدقة هو الآخر. كذلك نجده يعّبر بوضوح عن مواقفه إزاء أحداث المجتمع المحيط به. والموضوعات التي يتناولها متعددة
19
متنوعة: فهو تارة يذكر الرشاوى والمفاسد الأخرى المنتشرة في وسط البيروقراطيين، الغيرة والجشع السائدين بين المثقفين؛ كذلك يشير إلى قوة إرادته في مثل هذه الظروف؛ وتارة يصف أبهة مختلف الحفلات الرسمية مركزاً اهتمامه على غنج الراقصات وجمالهن الساحر، على حركاتهن،ووضعاتهن الفاترة؛ وتارة أخرى يرسم بالتفصيل فقر وآلام الناس الحسية، والمعنوية؛ كما ينقل إلينا مظاهر متعددة عن حياته الخاصة اليومية من خلل قصائد تحكي بطريقة مؤثرة وجارحة كيف كان يعيش وحيداً، أو كيف مات ابناه الصغيران معه. باختصار، إن قراءة الأعمال التي تركها “ميتشيزاني” سوف تتيح لنا، وبشكل ملموس أن نتخيل وجود هذا الشاعر المثقف الذي كان قد عاش منذ ألف عام، وسف ندرك ذاك الوجود على حقيقته، وحتى في تمزقاته النفسية.
هذا بالضبط ما كان يقصده الصينيون بالشعر. بدقة أكثر، كانوا يعتبرون طبيعياً أن تظهر ” الأنا ” في القصيدة، وتؤكد نفسها بوضوح إزاء المجتمع. كان التميز، لا بل وحتى التناقض، منذ الأساس، موجوداً بين الذات والموضوع، وبشكل صريح جداً، في الشعر الصيني القديم، أي في “الكانشي”.
والمقارنة بين هذا الشعر والشعر الياباني سوف تكتشف، وفي نقاط عديدة، عن فرق نوعي مفاجأ يكمن، بالدرجة الأولى، في شكل “الواكا” الشديد الإيجاز. والحقيقة أن صيغيها الأكثر بساطة وأولية،
هي صيغة “التانكا”( أي قصيدة قصيرة )، والتي تتكون من 31 مقطعاً صوتياً موزعة على خمسة أبيات. ومنذ القرن السادس عشر يأتي شكل “الهايكو” (17 مقطعاً صوتياً ) الأقصر، ليغني بقصره هذا العالم الشعري. إن شكلي “الهايكو” و “التانكا” كانا على مرّ العصور محلّ شغف وافتتان. ولا يزال الأمر كذلك لحد اليوم. لكن من يقول “إيجاز”
20
يقول بشكل طبيعي “صعوبة قصوى في التعبير عن وقائع وأشياء محددة” من خلال شكل مماثل. براعة هذا الشعر ترتكز أساسا على الإيماء، على تقديم معلومات محدودة جداً جداً. في شعر التانكا لا يوجد إطلاقاً أي وصف تفصيلي لأحداث ملموسة، أو لأشياء: فيه إشارة موجزة جداً إلى المشاعر التي تولدها أحداث الخارج لدى الشاعر. ولا تذكر الوقائع الملموسة إلا عندما تكون ضرورية حقاً للتعبير عن تلك المشاعر، وذلك بأقل ما يمكن أيضاً. واللجوء إلى وصف أكثر دقة، يعتبر سوقياً ونثرياً، ومستبعداً إلا في أعمال كتّاب عرفوا ببراعتهم ومهارتهم.
ا انطلاقاً من هذه الملاحظات، نجد أنه في شعر “الواكا” يندر جداً إثبات “الفاعل” – الذات”، أو الإشارة إليه في علاقاته مع المجتمع، أو المحيط المباشر. يتم، في هذا الشكل الشعري عموماً، إسقاط الفاعل – الذات. وغالباً ما ينظر إلى الذات والموضوع ليس في تناقضهما، بل في جانبهما “الاندماجي.”انتشرت في أيامنا طريقة شعرية تقوم على كتابة قصائد “تانكا” متتالية – عشرة، عشرون – حول موضوع واحد. هذه الطريقة المدعوة ب”كتابة متسلسلة”، هي وسيلة لمداواة الإقتضابية المذكورة آنفاً، والتي هي جزء من شعر “الواكا”. تتيح وصف ورواية الوقائع بشكل ملموس، كما تتيح التعبير عن الرأي الشخصي. يبرهن ظهور هذه الطريقة على أن الوصف الدقيق لا يمكن أن يكون إلا محدوداً جداً، وموجزاً جداً، في إطار قصيدة “واكا”.واحدة. فهذا الشكل الشعري، يقوم حقاً على فن التقاط أولى ارتعاشات الإحساس قبل أن تتلاشى.
وهناك طريقة أخرى تساعد على توسيع الحدود الضيقة لشكل “التانكا”.يقوم عدة أشخاص بتأليف سلسلة من نصوص قصيرة، مترابطة تشكل قصيدة طويلة. هذه الطريقة المعروفة أساساً باسم “رنغا” أو “رنكو”
21
وحسبما تستند على “التانكا” أو على “الهايكو” أفرزت أخيراً منهجاً جديداً للكتابة، يشار إليه بكلمة”ربنشي” أو قصائد متسلسلة”. وبصفة ال “رينشي”صيغة أصيلة للإبداع الجمعي، فقد بدأت تلفت الانتباه وتثيره حتى في أوروبا. وفي هذا أيضاً، يمكن أن نلمس واحدة من نتائج استحالة التعبير، ضمن حدود قصيدة “واكا” واحدة، إلا عن معنى محدود جداً جداً.
بشكل عام وفيما يبدو أن “إثبات” أنا الشاعر شيْ طبيعي جداً في الشعر الصيني، فإن العكس يمكن أن يقال بصدد شعر “الواكا”حيث يحبذ “إلغاء” الأنا بشكل طبيعي جداً. لكن عما يبحث الشاعر من خلل هذه الإلغاء؟ فبدلاً من التعبير عن فرديته، يذوب طواعية في الطبيعة المحيطة به، بغية التوحد معها توحداً يتسامى بالأنا. لنشر إلى أن المجتمع الذي ازدهر فيه شعر “الواكا” القديم كان يحكمه نظام دقيق وحاد جداً. أضف إلى أن معنى الجميل والأذواق، كانت ترتكز على أسس مقننه، الأمر الذي وقف عائقاً أمام إبراز الشخصية وإخراجها.
إن عصر هييان، الذي يمتد على مدى أربعة قرون، يعني في الجوهر سيادة عائلة فوجي وارا سيادة قوية على مجتمع يصعب فيه قبول التصرفات والكتابات الشاذة، والغربية، سواء بين أفراد العائلات الأخرى القوية، أو حتى بين أفراد آل فوجي وارا أنفسهم. بهذا المعنى، نستطيع وصف هذا المجتمع بأنه “متجانس”وهنا، أيضاً، نجد سبباً من أسباب إلغاء أو إسقاط الأنا والفرد في الشعر.
بيد أننا، وإذا تابعنا هذه القضية في مؤلفات النساء، فمن الممتع الاكتشاف بأنهن، في المجال الشعري على الأقل، يفقن عدد الرجال في الكتابة والتعبير خارج “جمالية التجانس”هذه. وذلك لعدة أسباب: من جهة، لأنهن أقل من الرجال خضوعاً لمنظومة الواجبات الاجتماعية، وبالتالي لم يكنّ ليبالين كثيراً جداً بالمظاهر، أو بالواجبات المتعلقة
22
بمرتبتهن.ومن جهة أخرى، وبما أن اهتماماتهن الأساسية كانت تتعلق بحياتهن الخاصة، سيما الحب والزواج والتغيرات التي يمكن لهذين الحدثين إضافتهما إلى وجودهن، كن قادرات على التعبير بعفوية أكثر من الرجال بكثير، من خلل شكل موجز كشكل “الواكا” عن ألوان غنية ومتعددة من المشاعر والأحاسيس، وعن شعور مكثف بالوحدة. بعبارة موجزة، إذا ما نظرنا إلى الأشياء لجهة التعبيرعن
ا العواطف، نستطيع القول إن النساء – على الأقل في إطار “الواكا” الشعري – كن يمتلكن طاقة تفوق جيداً طاقة الرجال.
سوف أعود إلى هذه المسألة في محاضرتي الثالثة عندما آخذ مثالاً بعض شاعرات اليابان قديماً. لكن الأسباب الذي ذكرتها للتو، توضح جيداً الدور الكبير الذي لعبته النساء في تاريخ “الواكا” إن الحديث عن هذا التاريخ دون الكلام على الشاعرات كالحديث عن الجسد دون قلب.
هذه الظاهرة استثنائية ونادرة في تاريخ الشعر، سواء في الصين أو في الحضارات الأوروبية. وبهذا المعنى يمكن التأكيد على أن الأمر يتعلق بواحدة من خصوصيات التقاليد الشعرية اليابانية.
-3-
سأقوم الآن بعرض أمثلة من أشعار “سوغاورا – ميتشيزاني”، موضوع هذه المحاضرة. وآمل أن أوضح لكم، على مدى محاضراتي التالية، كم تختلف هذه الأشعار عن شعر “الواكا”.
وها هي قصيدة أهداها إلي “كينو هاسيو”، صديقه الحميم وتلميذه في المجال الأدبي. يسبق هذه القصيدة تمهيد قصير، ينتقد فيه “ميتشيزاني” أخلاق علماء عصره الفاسدة.
23
عندما أتأمل سلوكيات مثقفي هذه الأيام، سواء في الاجتماعات الحميمة، أو بين الناس، فلا أرى غير الجنون في أقوالهم، لأنهم عبثاً يناقشون طويلاً آراءهم المتعلقة بالمبادئ الأساسية لأي علم لا يزال واهياً أو متعثراً. أما عن الآخرين، فمن الأفضل ألا تقول شيئاً: مع الكحول أو مع النساء، يقضون الوقت في تصفية حساباتهم، وهمهم الوحيد هو التشاتم وإذلال بعضهم بعضاً، وجعل خصومهم يفقدون كلّ شئ. أهديك هذه القصيدة كي أشجعك على الكتابة الشعرية.
بهذه العبارات، يهدي “ميتشيزاني” قصيدته إلى “كينو – هاسيو”:
عاصفة في الجامعة
ولا رغبة في الدراسة‍ ‍‍
والأنكى، أن العلماء يتسكعون
في جميع الجهات
وماذا‍ ‍‍هؤلاء الرعاع أليس
في قلوبهم غير الحصى؟
لا شئ غير الهذيان
يفتن المستمع
استيقظ من خدرة
ا الليالي حيث تنتشي
وقف أمام الأزهار
كي تغني كما تريد.
لا تخف أن يهجرك
الشعر في يوم ما.
لا متناه النعيم الذي
يقّدمه لنا الأمير
24
من البيت الأخير، نفهم أن ” ميتشيزاني” كان موظف بلاط كبيراً. وبصفته هذه، يحض صديقه على الدراسة بجدية، وعلى إظهار مواهبه الشعرية. لأنه هكذا يستطيع اكتساب محبة ورعاية الإمبراطور.
إن الموضوع الذي يتناوله “ميتشيزاني” في هذه القصيدة، يستحيل تناوله في إطار شكل “الواكا” الغنائي. ومن جهة أخرى، تتجلى إرادة “ميتشيزاني”، بشكل واضح، لتجاوز هؤلاء الناس، ولتأكيد وتثبيت قناعاته. وعندما يتم اختيار صيغة “الكانشي” الشعرية، فمن الطبيعي القدرة على التعبير بهذا الشكل. ويمكن القول أكثر من ذلك: وحدها صيغة الكانشي كانت تتيح هذا الشكل من التعبير الذي تعجز عنه صيغة “الواكا” في إطار حدودها الموجزة جداً.
في القصيدة التالية، نجد مظهراً مختلفاً تماماً لموهبة “ميتشيزاني” : فهو يغني جمال الراقصات الساحر، وغنجهن أثناء مأدبة باذخة أقيمت بداية الربيع في البلاط. والمقطع الذي اخترته لكم يتحدث عن جو لحظات انتهاء العيد، ذلك الجو المدّخ والحنيني:
لم تبدو الثياب ثقيلة جداً
فوق بشرتهن البيضاء الحريرية؟
“لكن الربيع هو الذي يوهن أوراكنا”
كذا ستقول لكم الشقيات الكاذبات.
ماكياج يتغير، يد ناعمة تفتح
علبة المساحيق النفيسة
على عتبة القصر يمشين بخطوات وئيدة،
كآبة الرحيل.
في عيونهن المغرية الجذابة تخفق أمواج
أثارتها الرياح.
25
المشيتهن وثبة ثلج تطير
ويرقصن في نضارة الصحو
وفيما يغيب النهار خجولاً بين الزهور
يتوقف غناء الشّبابة.
متأملات سحاباً في المدى، يسرعن الخطى
في اتجاه جناحهن السّري.
عبر هذه الأسطر نتعرف على الموقف البلاطي، الشاب، السعيد من نفسه، والذي يتمتع تماماً بسحر وملذات البلاط.
لكنه، وبعد كتابة هذا النوع من القصائد، أجبر على الحياة مدة أربع سنوات خالج العاصمة، بصفته حاكماً لمقاطعة “سانوكي”. ونستطيع أن نتخيل الأثر الذي تركه هذا التحول الفجائي في المسيرة المنتظمة لمهنته. إنه أشبه بأثر عاصفة في سماء صافية. خلال هذه الفترة، أنشد “ميتشيزاني” في كثير من القصائد كآبته ووحدته. لكنّ هذا ليس كل شيء: مقارباً لأول مرّة في وجوده حياة الناس المليئة بالبؤس، يسجّل في قصائده ما يستطيع التقاطه من تلك الحياة. هكذا أتيح لمن كان يمجد متعة وعذاب الدراسة، جمال وفتور حياة البلاط، أن يكتب مادّة شعرية جديدة اغترفها من واقع الأشياء.
من بين الأعمال التي تعّبر جيداً عن هذه المرحلة، نجد سلسلة نصوص بعنوان: ” عشر قصائد للبرودات الأولى”. وسبب هذا العنوان، هو انه يظهر بشكل منتظم، وفي بداية كل قصيدة نجد البيت التالي: “لمن ستكون البرودات الأولى؟”. باختصار، يأخذ “ميتشيزاني” مثال عشرة أشخاص من أوساط مختلفة، ويتساءل أي شخص تناله أولاً قسوة الشتاء فيهبط إلى حضيض الىلام:
26
لمن ستكون البرودات الأولى؟
لحافي قدمين يعود إلى بلدته؟
لم يعد له أثر في السجل المدني:
اسمه يخون جذوره
** **
تربة قاحلة في بلاد عقيمة
جسد أنحله التشرد
بلا هدف ولا مأوى سيتوه الرجل
إلا إذا ناله عطف غني.
** **
تتناول هذه القصيدة مصير رجل لم يستطع أن يعيش حياة مقبولة بسبب الضرائب، والأعمال المرهقة التي تثقل كاهله، فهجر مسقط رأسه لكن حتى في مكان آخر، لم يجد أرضاً يعيش فيها بهدوء. ولذا أجبر على العودة إلى بلدته. لكن في بلدته أيضاً، اختفى اسمه من لوائح السجل المدني. هكذا لم يبق أمامه إلا أن يتحول إلى متشرد ضائع بشكل نهائي.
مصير آخر بائس: مصير بستاني، يعمل في مجال زراعة أعشاب طبية غالية جداً . ولا يحق له، حتى في حالة مرض خطير، أن يستخدم عشبه واحدة من هذه الأعشاب التي تخرج من بين يديه:
لمن ستكون البروات الأولى؟
لعامل يومي يزرع الأعشاب الطبية؟
يعرفها جميعاً، من أنبلها إلى أحقرها
إنسان مستعبد، مسخّ دون رحمة.
27
هذه الأعشاب المجنية بدراية
لن تشفي آلامه وبؤسه
وأثناء الحصاد، إذا نقصت عشبه واحدة،
بفظاظة يجلد ويصفع
** **
سلسلة “عشر قصائد للبرودات الأولى” تتناول، كما أشرت، مجموعة من الأشخاص الذين يعانون أولاً، وقبل الجميع، من قسوة الشتاء: متجول يبحث عن عمل جاء من إقليم آخر، ودخل إلى إقليم “سانوكي” بشكل غير شرعي؛ رجل منّ توفيت زوجته، يحضن بائساً ابنه الصغير بين ذراعيه، يتيم الأبوين، العتّال الذي يكدّ ناقلاً البضائع من جهة إلى جهة، يمارس هو الآخر، مهنة النقل، الصياد الباحث عن أسماك مفترضة سوف تساعده في دفع ما يتوجب عليه من ضرائب، بياع الملح – لأن إنتاج الملح على شواطئ جزيرة “شيكوكو” كان مشهوراً – أو الحطاب.
ما تجدر ملاحظته هنا، هو أن غالبية الأشخاص الموصوفين في هذه القصائد، هم أناس فقراء يعانون من ثقل الضرائب. أمام هذا الواقع الذي أكتشفه “ميتشيزاني” في “سانوكي” لا بدّ أنه – ولكونه في جهة من يأخذ الضرائب – قد صدم صدمة قوية تشهد عليها قصائده نفسها. لم يكن ممكناً إلا لموظف مثله، وبمرتبه، أن يرصد وبشكل متنوع ، وواسع الظروف الواقعية للفقراء العشرة الذين يظهرون هنا. لكن تظهر الإشارة إلى أن الموظفين الكبار، كانوا أساساً، وفي غالبيتهم، عاجزين عن الشعور بالعطف والرأفة إزاء الطبقات الاجتماعية المسحوقة. بهذا المعنى، يبدو “ميتشيزاني” موظفاً بلاطياً، وشاعراً نادراً. ولا نجد قبله، وبعده، إلا عدداً قليلاً جداً من الشعراء الذين أقدموا على مقاربة شعرية مماثلة. ومع مرور الزمن، صار عدد الشعراء القادرين على كتابة قصائد من هذه النوعية، يقل شيئاً فشيئاً لحد الندرة.
28
“ميتشيزاني” الذي احتفظ قلبه سراً بذكرى ما شاهده في “سانوكي” يعود من جديد إلى العاصمة “كيوتو”. وبفضل الإمبراطور “أودا” الذي ميزه عن غيره، تصاعدت مراتبه بشكل مذهل السرعة. غير أنّ داخله قد أصبح ساحة للمشاعر المتناقضة. هذا الموظف الشاعر، وبعد أن شاهد في “سانوكي” مصير الناس البائس، كيف كان يمكنه من جديد أن يغطس في حياة البذخ والرفاهية لأرستقراطي الطبقة العليا؟ وعلى الرغم من كل شيء، تابع تدرجه في السلطة بشكل لا يقاوم. وكانت إرادة الإمبراطور “أودا” وابنه الإمبراطور “دايغو” وراء هذا الصعود الاستثنائي، ولم يكن بمقدور “ميتشيزاني” أن يخيب توقعهما.
في مثل هذه الظروف، وعندما كنست المكيدة التي دبرها آل فوجي وارا ثقة الإمبراطور “دايغو” بشاعرنا، لم يكن السقوط إلا أكثر فظاعة. طلب شاعرنا، وقتها، دعم الإمبراطور المعتزل “أودا” الذي بذل ما في وسعه لإنقاذه من الكارثة، لكنه لم يستطع صدّ هذه الدسيسة. وهكذا جرد “ميتشيزاني” من كل شيء، ونفي إلى أقصى الأرخبيل الياباني، إلى مدين “دازايفو”، حيث وجب عليه أن يعيش في بيت يفتقر إلى شروط السكن الأولية. كانت ممتلكاته الوحيدة التي احتفظ بها في رحلته هذه، أعمال الشاعر “بو 0تشواي”، وأعمال شعراء صينيين آخرين يجلهم إجلالاً عظيماً. كان عمره آنذاك 57 سنة، ولم يكن قد بقي له من الحياة سوى سنتين، كتب خلالهما 39 قصيدة. وهذا لا يعادل حتى عشر إنتاجه الإجمالي الذي يصل إلى 514 قصيدة. لكنّ هذه الأعمال المكتوبة في “دازيفو” تمثّل مجموع نشاطه الأدبي بعد التغيير الجذري الذي قلب حياته.
بين هذه القصائد المتنوعة جداً، حيث تتقاطع نصوص قصيرة، وأخرى أكثر طولاً، يوجد ما يستحق فعلاً أن يقال عنه إنه تحفة شعرية. وهذا بالتحديد ما خلّد اسم “ميتشيزاني” في الشعر.
29
في نصوص السنتين الأخيرتين من حياته، يصف “ميتشيزاني” بدقة، البؤس الذي يحيط به، يهاجم التهمة الظالمة التي تعرض لهان يشكو مصيره البائس، يفكر بزوجته وأطفاله، يغني باستمرار قنوط المناظر المحيطة، ووحدته الخاصة، يبكي بكاءً حادّاً فقد صديق عزيز لاحقته العدالة بسبب وضعية مشابهة لوضعيته، ولعله مات اغتيالاً. يشكو من أنه لم يستطع أن يجد راحة القلب رغم أن لجأ إلى البوذية. وجميع هذه القصائد مكتوبة يطريقة حية لحد أننا نكاد نرى حياة ميتشيزاني” تجري أمام أعيننا. أضف إلى أن هذه النصوص المرصعة بالشواهد من أعمال الشاعر “بو- تشواي”، وغيره من شعراء الصين هي على الصعيد الشكلي مكتوبة بصرامة وأناقة لا تختفيان لحظة واحدة. هي في الواقع نموذج حقيقي للشعر الصيني الكلاسيكي.
هذا التواجد المشترك لدقة لا مثيل لها في الشكل، ولكآبة حادّة في المضمون، يشهد على عظمة الأعمال الشعرية التي أنجزها “سوغاوارا –نو- ميتشيزاني”.
وإذا لا أستطيع أن أقدم هنا، وبالتفصيل، أطول القصائد، فإنني اكتفي ببعض المقاطع، أو بذكر بعض الأمثلة المأخوذة من قصائد قصيرة، وذلك لإعطاء لمحة عن حياة “ميتشيزاني” في سنواته الأخيرة.
هي ذي لحظة مأخوذة من حياته اليومية:
أما من أحد نتحدث إليه؟
أنام وحيداً وذراعي وسادة.
ووجبات الطعام نادرة: لا جمر في المدفأة.
أسمكة تسبح في القدر المليئة ماء؟
30
وعلى العتبة ضفدع ساحر لا يكف عن القرير
فلّاح صغير يجلب لي خضاراً
وإلى جانب الفرن طفلة تطبخ الدقيق.
البيت الذي سكنه”ميتشيزاني”، وبما أنه بقي غير مسكون لفترة طويلة، تحول إلى كوخ وضيع عاش فيه الشاعر حياة انقباض، لحد أنه فقد رغبة أن يصنع لنفسه طعاماً بشكل منظم. وحدهم أطفال القرية المجاورة، كانوا يحضّرون له وجبة خفيفة لأن معدته كانت ضعيفة ومريضة.
واضحة قدرة الوصف في هذه الأبيات. فمنذ القراءة الأولى، يتكّشف بوضوح أمام أعيننا، المحيط اليومي للشاعر الكبير، المنفي قبل ألف سنة. في حياة المنفى هذه، كان “ميتشيزاني” ينتظر بتلهف أليم رسائل زوجته التي بقيت في “كيوتو”. لكن أن الزوجة لم تكن قادرة على الكتابة بحرية. كانت، من حين إلى حين، ترسل إليه زنجبيلاً طازجاً داخل صرّة مموهة بعبارة “أدوية”:
بعد ثلاثة شهور مظلمة ودون أي
نبأ،
رياح مواتية حملت إليّ أخباراً
منها:
شجرة الرواق الغربية نقلت من مكانها،
وفي شمال الحديقة جرت بعض الأعمال.
صرة زنجبيل داخل “صرة أدوية”
طحالب في السلة “لأكلها أيام القطاعة”.
لكن عن البرد، عن الجوع الذي تقاسيه عائلتي
ولا لفظة واحدة – هذا الصمت يؤجج آلامي.
31
وبفضل قصائد مؤثرة، كهذه القصيدة، تبدو لنا المكابدات التي عاشتها العائلات المدانة سياسياً، كأحداث طارئة ومفاجئة في أيامنا.
وفيما كان” ميتشيزاني” منفياً في “دازيفو”، توفي صديقه “فوجي وارا –نو- شيزاني” الذي كان يثق به ثقة كاملة، توفي في أقصى شمال اليابان، في الجزيرة الرئيسية التي تدعى اليوم منطقة “تو هوكو”. كان “شيجزاني” موظفاً معروفاً باستقامته وكرهه للظلم. ولهذا السبب، على ما يبدو، جرّ على نفسه نفور مرءوسيه منه، ومات في ظروف غامضة. تأثر شاعرنا لدى سماعه نبأ الوفاة هذه تأثراً بالغاً، وكتب آنذاك قصيدة طويلة يأسف قيها لفقد صديقه، ويصف أيضاً سوء تصرفات الموظفين العاملين في غرب البلاد: يجمعون الثروات الطائلة بالغش والغدر، يغرقون بالرشاوى أصحاب النفوذ في العاصمة، وهكذا خلال عدة سنوات يتجهون صوب “كيوتو” لاستلام مناصب رفيعة. والمقطع التالي يتحدث عن واحد من هؤلاء :
يتخذ مكتبه إلى جانب سيده
وفي القصر يتبادلان نظرات متواطئة
فالمفسد ينتظر عمولته،
جاذبية الغنى تجعله ينسى الأعراف.
ولو وجد قاض عنده بعض جرأة
لصرّ على أسنانه أمام هذه الخسّة،
ودان الجريمة فاتحاً تحقيقاً قضائياً
وعاقب الخسيس عقوبة حقّة.
لكنّ اللص. وقتها ، سوف يهاجم القاضي
الذي قد يعرف- بعد الموت- وفي النهاية علّة
الوجود.
32
يشير البيتان الأخيران إلى المصير المأساوي الذي لاقاه الموظف الكبير بسبب ما فعله لتطبيق العدالة: لقد جرّ على نفسه بغضاء الأشرار، وانتهى إلى الموت قتلاً. الشخص الموصوف هنا، والذي يفهم بعد موته ما حدث، هو “فوجي وارا –نو-شيجزاني”، صديق الشاعر. ومن المحتمل أن يكون الشاعر نفسه أيضاً.
من خلال الإشارة إلى نكبة هذا الصديق القريب، الذي مات ميتة مبتسرة، يعبر “ميتشيزاني” عن غضبه ونقمته انفيه إلى غرب اليابان بعد مكيدة فظيعة المدى.
في أعمال “ميتشيزاني” نادرة هي القصائد ذات الصبغة السياسية التي تهاجم فساد الحكام ومظالمهم: لكن أعتقد أن نصوصاً من هذه الطبيعة، لها أهمية كبرى في تاريخ الشعر الياباني. توجد في العصر الحديث قصائد اجتماعية وسياسية، لكن غالباً ما تكون بعيدة عن التميز الفني. من جهة أخرى، وقبل العصور الحديثة، لا يوجد شاعر – باستثناء شاعرنا- تناول هذا النوع من الموضوعات.
قد يبدو هذا مدهشاً، وعجيباً، إذا ما رأينا العدد المرتفع لرجال السياسة وللمحاربين الذين كانوا يمارسون كتابة الشعر، إضافة إلى عملهم الأساسي.
إن تاريخ الشعر الياباني، بعد “ميتشيزاني”، يتسم بتغير مذهل حدث خلال مدة قصيرة جداًك انتقل مركزه من شعر الكانشي إلى شعر الواكا ومن بين الفواعل الأساسين لهذا التغيير، يجب أن نذكر، وبالتحديد، الإمبراطور “دايغو”. لقد أشرت أكثر من مرة إلى أنه تم اللجوء إلى إطار شعر “الواكا” للبحث عن طرق تتيح إبانة العواطف الجمالية، إبانة أدق الفروق بينها، وتهذيبها بشكل لا نهائي. عندها انفتح للشر الياباني طريق مختلف جذريًا عن طريق
33
شعر “الكانشي” طريق مكرّس لموضوعات ملموسة ومحسوسة، سياسية أو اجتماعية.
سيعترف الحكام (وغالبيتهم من آل فوجي وارا)، والمحاربون (كانت غالبيتهم، وبعد الانتصار بقوة السلاح، تنتهي بأن تنضم إلى القيم الثقافية الجذابة، قيم الأرستقراطيين) إن رقة شعر الواكا ولطافته تعبران عن خلاصة وجوهر المثال الجمالي، وبالتالي كان من المؤكد أن القصائد التي يكتبونها ستهتم بالمشكلات الاجتماعية والسياسية. ولن تظهر هذه الخبرة إلا بشكل عرضي، ودوماً داخل إطار علاقتها بعالم العواطف والأحاسيس.
بسبب هذا السياق التاريخي، ندرك لماذا لم يعترف بقيمة “ميتشيزاني” الشاعر، الحقيقية. وأحد أسباب هذا التجاهل والنسيان، هو أنه كان يكتب شعر “الكانشي” ذي الأصل الصيني، كما نعرف الآن. بيد أن هذا الشكل هو الذي أتح له التعبير عن نفسه، كما رأينا. إذن، يمكن القول أن حياته مثال للتناقض. وبهذا المعنى، يجسد حقاً الهاوية التي تفصل الشعر الياباني التقليدي عن الشعر الصيني التقليدي.
لكن الآن، وبعد مرور ألف سنة، أعتقد بضرورة إخراجه من تلك الهاوية، وإحيائه مجدداً، وقراءة الشعر الياباني عل ضوء آثاره الأدبية.

::. ترجمة: محمد عضيمة
الناشر: دار المواقف للنشر والتوزيع – سورية – اللاذقية




التعليقات 6 على “محاضرات في التقاليد الشعرية اليابانية 1”

  1. محمد العباس علق:

    عزيزي/ محمد
    لهذه الترجمة سنعرف أن ” الآخر ” ليس غربيا بالضرورة
    فالشرقي أيضا ” آخر ” نجهله
    ونحتاج لترجمة الكثير من انجازاته المعرفية والجمالية لنتعرف عليه
    أعتقد أن هذا يكسر شيئا من ” مركزوية ” الغرب
    سأستمع لصوت أوكا ماكوتو من خلال ترجمتك يستعرض أسلافه من الشعراء والشاعرات
    لأني على يقين بأن الشعر لا يختصر في ملتون أو رامبو أو سيلفيا بلاث
    مودتي

  2. إستبرق أحمد علق:

    قرأت هذا الكتاب..
    و مازلت أشعر بحلاوة ما ورد فيه ومدى عمقه في الغوص بتاريخ الشعر الياباني
    شكرا محمد عضيمة لنقلك لثقافة الآخر خاصة اليابانية و مدى أجتهادك و إصرارك
    على عدم إلغاؤها من الذاكرة الإنسانية..

  3. ممممممم علق:

    ……………………………………i don`t know

  4. ممممممم علق:

    و مازلت أشعر بحلاوة ما ورد فيه ومدى عمقه في الغوص بتاريخ الشعر الياباني
    شكرا محمد عضيمة لنقلك لثقافة الآخر خاصة اليابانية و مدى أجتهادك و إصرارك
    على عدم إلغاؤها من الذاكرة الإنسانية..

    ممممممم: تعليقك يحتاج موافقة مدير المدونة.

    12 مارس 2007 في الساعة 6:25 م
    ……………………………………i don`t know

  5. ممممممم علق:

    سوغارارا – نو-ميتشيزاني: شاعر وسياسي
    أو
    مثال الشرخ الذي يفصل الشعر الياباني عن الشعر الصيني (كانشي)
    -1 –
    في البداية أود التعبير عن عميق تقديري لإرادة ” الكوليج دو فرانس” التي منحتني شرف تقديم سلسلة من خمس محاضرات في هذه المؤسسة العلمية العريقة. وهذا الشرف يتجاوزني ليصل إلى الشعر الياباني في مجموعه، ويشهد على فضولية مليئة بحسن التفات إلى مجال لا يزال مجهولاً بالنسبة إلى الجمهور الفرنسي والغربي عموماً. لذلك يبدو لي أن الكلام عن الشعر الياباني تحد مثير أرجو من خلاله النجاح في الإجابة على بعض فضوليتكم، كما أرجو إثارة اهتمامكم من أمكن ذلك.
    “سوغووارا- نو –ميتشيزاني” هو الشخص الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم أمامكم. لقد كان واحداً من رجال الدولة، وواحداً من رجال الأدب الأكثر أهمية في يابان الأزمنة القديمة :شاعر فحل، ومثقف لا نظير له، استطاع أن يصل إلى أعلى مراتب السلطة السياسية، قبل أن يقال من
    5
    مناصبه في ظروف مأساوية. وبعد أن عاقبته العاصمة، مات ميتة فظيعة في منفاه.
    وقبل الكلام المباشر عليه، أود الإشارة إلى المحيط الاجتماعي والثقافي الذي أفرز رجالاً مثله – لأن ذلك سوف يضيء محاضراتي الأخرى القادمة.
    بقصد بعصر “هيبان” وعلى صعيد تاريخي بحت، القرون العدة التي بدأت خلالها اليابان تنعتق نسبياً من تأثير الحضارة الصينية الهائل، وأخذت بطريقة واعية تشكّل ثقافتها الخاصة. يغطي عصر “هيبان” تقريباً، الأربعمائة السنة الممتدة من بداية القرن الثاني عشر. إن المائتي سنة الأولى من أغنى المراحل بالأحداث المهمة والفارقة، سواء على الصعيد الأدبي أو التاريخي. فخلال هذين القرنين تمّ إنتاج أبدع الأعمال الشعرية والنثرية : “سوغاوارا – نو – ميتشيزاني”، “كينو – تسورايوكمي”، “إيزومي . شيكيبو” في الشعر، “موراساكي – شيكيبو” ، “ساي شوناغون” في النثر.
    ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة بالذات، هو أنها تعتبر العصر الذهبي لأدب أنتجته نساء أشهرهن: “إيزومي – شيكيبو”، “ساي شوناغون” وجميعهن ظهرن في وقت واحد تماماً : بين نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر. كان بينهن في حياتهن الخاصة كما في نشاطهن الأدبي، وبصفتهن سيدات شرف أو وصيفات في البلاط الإمبراطوري، روابط صداقة أو – حسب الحالات – روابط منافسة شديدة – وذلك قبل أن يمتن في العزلة دون أن يعرفن عظمة الأعمال الأدبية التي كنّ قد أنجزن.
    الآن وقد مضى ما يقارب الألف سنة، فإن آثار هؤلاء السيدات الأدبية لا تزال محلّ تقدير وإعجاب. ومن الأصح أن يقال إن جمهور
    6
    قرائها في تصاعد مستمر، إضافة إلى أنها قد نقلت إلى لغات عدة من بينها الفرنسية. لكن عدداً قليلاً من اليابانيين يستطيع اليوم تناول هذه الآثار في نصها الأصلي. وبفضل الترجمات المتعددة إلى اللغة اليابانية المعاصرة، نستطيع مثلاً، أن نأنس بقراءة “سيرة كانجي” أو “يوميات وسادة”، وبفضل الشروحات والتعليقات، أيضاً، المخصصة لذلك فقط، نتعلم كيف نتذوق ونقدّر قيمة “قصائد” أو “يوميات” السيدة إيزومي – شيكيبو” .
    يكمن تفسير هذه الوضعية في ما عرفه اللّسان الياباني المكتوب من تغيرات مفاجئة وطارئة خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر، أي خلال المرحلة التي يشار إليها عادة بعبارة “إصلاحات ميجي” والتي تتقاطع مع انفتاح اليابان على الأجانب وعلى التغريب والتحديث. هذا التغيير اللساني المفاجئ جعل اليابانيين غير قادرين على قراءة النصوص الكلاسيكية مباشرة وبسهولة إلا إذا تدربوا على هذه القراءة بشكل منهجي منظم.
    لكن على الرغم من هذه الصعوبات، نجد أن عملاً مثل “سيرة كانجي”، والذي ترجمته – مرات عديدة، بحية وتصرف – إلى اللغة اليابانية الحديثة كاتبات متعددات، لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة، لحد أنه نقل إاى إطار كتب الصور، والقصص المصورة، والرسوم المتحركة علة شاشة التلفزيون. ولو بعثت “موراساكي – شيكيبو” من جديد في عصرنا لصعب عليها بالتأكيد التعرف على النص الذي كتبته هي نفسها، وذلك بسبب ما تعرض له من تحولات.
    هناك عدة أسباب تكمن وراء الظهور المتزامن – بين نهاية القرن العاشر والنصف الأول من القرن الحادي عشر – لهؤلاء الكاتبات العبقريات حقاً مثل “موراساكي – شيكيبو”. أولاً، يتحدرن جميعاً وبلا استثناء من
    7
    عائلات أرستقراطية متوسطة ومثقفة جداً، ومنذ الطفولة الأولى تلقين تعليماً نوعياً مميزاً أعدّه لهن الآباء. ثانياً، باعتبارهن سيدات شرف في حاشية زوجات الأباطرة المساعدات (كان لكل إمبرطور عدة زوجات، هذا دون حساب العلاقات العابرة ) ، كن يعشن في قلب مجتمع البلاط، وبالتالي كانت لهن – وهذا شيْ نادر بالنسبة إلى نساء ذاك العصر – اتصالات مثيرة مع رجال من الطبقة النبيلة التي كنّ يعرفنها بشكل عميق.أحياناً، كان يمكن لعلاقة بسيطة مع أمير إمبراطوري أن تجعلن مشهورات جداً، وهذه حالة الشاعرة “إيزومي – شيكيبو”.
    أما كاتبتا النثر “موراساكي – شيكيبو”و”ساي – شوناغون”، فلم تكن رواياتهما أو نصوصهما الأدبية تترك أثراً عميقاً لدى سيدات الشرف الأخريات وحسب، بل كان الجميع ينتظر ما تكتبان، وكانت نساء الأباطرة يقرأن كتاباتهما بشغف وفضولية. كما كانت لهما لدى الرجال حظوة رفيعة. ومن هنا تلك المباريات الفطرية بين هؤلاء الكاتبات، ومن هنا أيضاً نشوء وتطور منافسات أدبية عالية المستوى في البلاط الإمبراطوري. وهذا ما أتاح للكاتبتين إعطاء عملين مثل “سيرة كانجي” و “يوميات وسادة”، دون أن تفكرا يوماً بأن هذين العملين سوف يعتبران، بعد عشرة قرون جزءاً من كلاسيكيات الأدب العالمي.
    سوف أتحدث من جديد، في محاضرتي الثانية، عن الشاعرة “إيزومي – شيكيبو”. لكن لنؤكد منذ الآن ا أنها تركت في قصائد الحب نصوصاً نلمس فيها حقاً علامات العبقرية. لقد كتبت في إطار شكل “القصيدة اليابانية الموجزة” أي شكل “الواكا” أعمالاً تطغى عليها سوداوية عميقة ورؤى فلسفية حول الكائن البشري.
    عندما نتأمل منجزات هؤلاء النساء في المجال الأدبي، يجب أن نحترس من نسيان قضية في غاية الأهمية: أي الدور الذي لعبه نظام
    8
    ا الكتابة المستخدم من قبل مثقفي ذاك العصر. فالرجال الذين كانوا يعملون كموظفين في البلاط – وهم ممثلو الأوساط الثقافية آنذاك – كانوا يجدون طبيعياً أن يكتبوا أعمالهم الأدبية بالحروف الصينية، وبالأسلوب المعروف بـ “كامبون”:شكل هجين صيني – ياباني لا علاقة له باللغة اليابانية المحكية.
    كان إتقان أسلوب “الكامبون”معياراً حاسماً للحكم على كفاءة ومهارة موظف البلاط. من جهة أخرى، كان يجب على من يكتب نثراً جميلاً الضلوع ليس فقط في مجالات الحقوق والاقتصاد والدبلوماسية والسياسة الداخلية والتاريخ، بل وفي الآداب أيضاً، وهذا ما قد يبدوا مفاجئاً. والذي سأتكلم عليه بعد قليل، أي “سوغاورا – نو – ميتشيزاني”، هو واحدٌ من هؤلاء البشر النادرين: يسبق ا النساء اللواتي ذكرتهن آنفاً بمائة عام. إنه شخصية ذات أهمية استثنائية وشاعر رائع أيضاً.
    لكن قبل الحديث المباشر عنه، أريد الوقوف قليلاً عند الموضوعة السابقة: أعني الكتابة التي كان يستخدمها المثقفون اليابانيون آنذاك أثناء صياغة أعمالهم الأدبية.
    قلت أنفاً إن الرجال – سواء في الشعر أو في النثر – كانوا يستخدمون الأحرف القادمة من الصين كما هي للكتابة بأسلوب صيني. ومن السهل أن نجد بفرنسا ما يقابل هذه الظاهرة: في العصر نفسه تقريباً، ولكي تتشكل اللغة الفرنسية، مرّت بسيرورة استعارات من اللاتينية ومن الألسنة الرومانية.
    فأناشيد الفروسية المعتبرة أول الأعمال الأدبية المكتوبة باللغة الفرنسية، قد ظهرت في النصف الثاني من القرن الحادي عشر أي بعد عقود عدة على ظهور كتاب السيدة “موراساكي – شيكيبو” “سيرة كانجي”الذي رأى النور في بداية القرن الحادي عشر .
    قبل ذلك، كانت لغة المثقفين الرسمية، سيما على صعيد النص المكتوب، هي اللاتينية التي كانت تلعب دوراً مماثلاً لدور “الكامبون”أي
    9
    الصينية الكلاسيكية، في اليابان.
    عرفت اللغة اليابانية، في مجال الكتابة، سيرورة انعطاف مشابهة لما عرفته اللغة الفرنسية مقارنة باللاتينية. ففي العصر الذي أتحدث عنه تولد عن الآحرف الصينية – وكانت حكراً على الرجال – ما نسميه بأحرف ال “كانا” التي سرعان ما تبنتها النساء. والواقع، إنّ هذه الأحرف الجديدة، ولكي تترجم الأصوات نفسها، تحتوي على أبجديتين مقطعيتين مختلفتين: هما “الهيراغانا” و “الكاتاكانا”.
    حروف “الهيراغانا” عبارة عن نظام نقل وتدوين حصل عليه من خلل تبسيط شديد جداً لبعض الحروف الصينية التي – حتى بعد تبسيطها – تحافظ على نطقها الأساسي. ( أي نكتب الحرف الصيني – والأفضل أن يقال الرسم الصيني – ideogramme – بحرف ” هيراغانا” واحد دون أن يتغير النطق. والفرق هو أن للرسم الصيني معنى، لكن لا معنى الهيراغانا بذاته. م) . أما حروف الكاتاكانا فهي مثل الأولى، حصل عليها انطلاقاً من الحروف – الرسوم الصينية، لكن بدلاً من تبسيط الحرف – الرسم الصيني، اكتفينا هذه المرة باقتطاع جزء منه.
    لكل حرف – رسم صيني، في الأساس، صوت ومعنى في آن. أحياناً، يمكن لحرف – رسم واحد أن تكون له تشكيلة كبيرة من المعاني. غير أن حروف “الهيراغانا” و “الكاتانانا”هي ببساطة مجرد مقاطع صوتية لا غير، وليست لها في ذاتها أية دلالة. إذن هي من حيث المبدأ شبيهة بأبجدية اللغات الأوروبية، وكذلك الكتابة بها.
    إن اكتشاف الكتابة هذه، أي كتابة ال”كانا” من الأهمية بحيث يمكن اعتباره من بين كبرى الاكتشافات ليس في اليابان وحسب، وإنما في العالم كله. ويبدو أن حروف “الهيراغانا”و “والكاتاكانا”قد تبلورت تماماً وبدأ استخدامها، بشكل واسع، في أوائل عصر هييان، أي حوالي بداية
    10
    القرن الثامن.
    مما لا شك فيه أن جمالية حروف “الهيراغانا” الخاصة، حيث تسيطر على شكل الحرف الإلتواءات، دفعت النساء إلى استخدامها في الكتابة بشكل واسع. ولهذا كانت تسمى في ذلك العصر بـ “أونا –دي”، أي حرفياً “يد امرأة” يعني حسب الحالات “نص كتبته امرأة” أو “كتابة نسوية”. وهذه الحروف التي كان يمكن أن يظنّ بفقرها الشديد على صعيد الخط المكتوب، بدأت تلعب دوراً جديداً تماماً. فسرعان ما ثبت بالممارسة أنها، ومن أجل كتابة اليابانية المحكية، أقدر بكثير من الحروف – الرسوم الصينية المتخصصة باللغة المكتوبة.
    لم تكن قصائد “الواكا” لتنفصل في جوهرها عن القراءة بصوت مرتفع، وتكشّفت حروف “الهيراغانا” عن مقدرة استثنائية لمن يريد تدوين تلك القصائد، لأنها تتيح كتابة نطقية أمينة لأشعار “الواكا” كما أنشدت، والحالة هذه، كان شكل ” الواكا” أيضاً، طريقة التعبير الوحيدة عن المشاعر، لحد أنّ علاقة حب ما، لم تكن واردة دون الاعتماد على هذه الصيغة الشعرية. ولذلك وجب على الرجال الإسراع في إتقان هذه الحروف.
    وهكذا لم يعد بإمكان اليابانيين الاستغناء عن حروف “الهيراغانا”- ولا عن حروف “الكاتاكانا”، هذه الطريقة الأخرى للتدوين النطقي والتي سرعان ما قدرها الرجال وتعلموها – هذه الظاهرة تحديداً، هي التي أتاحت للأدب، في عصر “هيبان” أن يكون فاتحة عصر ذهبي. هكذا يعتبر وضع كتاب “ديوان قصائد الواكا القديمة والحديثة” ، “كوكين واكا – شو” في مجال الشعر من اهم أحداث بداية القرن العاشر. اما في النثر، فقد تتابعت خلال القرن الحادي عشر كتب مثل “قصص العظمة – البهاء” من المعروف ان كتّابي: “سيرة كانجي” و “يوميات وسادة” هما لكاتبتين. أما
    11
    عن كتاب: “قصص العظمة – البهاء” ذي الأهمية الكبرى. على صعيد ولادة “الرواية التاريخية” فإن هوية مؤلفه غير مؤكدة، لكن الأرجح هو أنه لـ “أكاسومي – إمون” هي الأخرى سيدة شرف في البلاط، وتمتاز بذكاء حاد.
    بالمقابل، نجد في “ديوان القصائد الواكا القديمة والحديثة” – هذا الجامع الحقيقي لنفائس الشعر الياباني ذاك العصر والعصور السالفة – أن الشعراء الأكثر فحولة هم من الرجال في الغالب. لكن، هنا أيضاً، نستطيع أن نلمس في كل صفحة، إلى أي حد كان تغثير الثقافة النسوية سائداً وقوياً.
    باختصار شديد، إنّ اكتشاف كتابة أل “كانا” وتحليق الأدب النسوي، هما الميزتان الكبيرتان لتلك المرحلة من عصر هيبان.
    -2 -
    آن وقت الحديث عن “سوغاوارا – نو – ميتشيزاني”، الموضوع الرئيسي لهذه المحاضرة.
    يعتبر “ميتشيزاني” أكبر شاعر في بداية عصر هيبان، أي في زمن كان فيه البلاط الإمبراطوري، والأرستقراطية اليابانية، يعيشان تحت تأثير الثقافة الصينية الشديد. وهذا تماماً قبل العصر الذهبي للأدب النسوي الذي تحدثت عنه منذ قليل، وقبل انتشار حروف الـ “كانا” التي ستعطي هذا الأدب دفعة قوية. لكنه – أي ميتشيزاني – كان أيضاً مثقفاً كبيراً ضليعاً في البوذية والكونفوشية دفعة واحدة. كما كان رجل سياسة استطاع، بعد بدايات ديبلوماسية موهوبة، أن يتوصل إلى مرتبة وزير اليمين، أعلى مرتبة في الحكومة آنذاك.
    12
    عندما أقول كان شاعراً، فأنا لا أتكلم عن أشعار “الواكا” المكتوبة باللغة القديمة الخاصة باليابان، والمعروفة باسم “ياملتو –كوتوبا”، بل أتكلم على القصائد المكتوبة بالحروف – الرسوم الصينية (كانشي) التي تلتزم التزاماً شديداً بصيغ وقواعد شعر الصين القديمة. هذا لا يعني أن “ميتشيزاني” لم يكتب أيضاً قصائد “واكا” لكن ما وصلنا منها غير مؤكد بأنه له حقاً. فبعد إقالته السياسية، وبعد نهايته البائسة، ثم بعد ردّ الاعتبار إليه بشكل استعراضي بعد موته، يحتمل جداً أن كثيراً من قصائد “الواكا” قد كتبت باسمه ونسبت إليه. لكن المؤكد أن “ميتشيزاني” يبقى أعظم شاعر ياباني كتب “الكانشي” “الشعر باللغة الصينية”. ولحسن الحظ أن مجاميعه الشعرية الصينية وصلتنا كاملة، دون نقص، ونستطيع اليوم تناولها بفضل إصدارات مليئة بالتفاسير الدقيقة جداً.
    من هو “ميتشيزاني” هذا الرجل الذي توفي عن 59 سنة، بعيداً عن العاصمة، في مدينة “دازيفو” الواقعة في أقصى غرب الأرخبيل الياباني، في جزيرة “كيوشو” حيث عوقب بالنفي إلى هناك ؟ إليكم، في البداية لمحة موجزة عن حياته.
    ولد سنة 845 وتوفي سنة 903 . كان مثل جده وأبيه، مثقفاً ضليعاً في الكونفوشية، ثم جاء حفيده ” فو –ميتوكي” ليصبح هو الآخر شاعر “كانشي” معروفاً جداً.
    يحكى أن “ميتشيزاني” أثار دهشة أبيه بقصيدة كان قد كتبها وعمره لا يتجاوز 11 سنة. وبعد سنوات عدة أصبح الشاب ديبلوماسياً، واستقبل في “كيوتو” بعثة ديبلوماسية لبلد يدعى “بوهاي” الذي كانت لليابان معه علاقات وطيدة ومتطورة جداً. وقد أشاد السفير نفسه بمواهب “ميتشيزاني” الشعرية. “بوهاي” منطقة تقع في الشمال الشرقي من الصين؛ ازدهرت بين القرن الثامن والقرن العاشر، وكانت لها ثقافة غنية غنى ثقافة
    13
    الإمبراطورية “التانغية” . كما أن سفيرها كان شاعراً معروفاً،و بمقدوره اكتشاف موهبة “ميتشيزاني” الشعرية.حاز “ميتشيزاني” على لقب دكتور في الآداب وعمره 32 سنة ،وهذا أمر نادر في ذلك العصر .وكان،بصفته موظفاً مثقفاً وينتظره مستقبل باهر، يتمتع بملذات الحياة في البلاط. بالمقابل كان عرضة لجميع أنواع الغيرة والحسد .هذا الموظف اللامع ،الذي كان من المؤكد أنه سوف يتابع عمله بشكل منتظم في البلاط ،عيّن وهو في سن الواحد والأربعين، وبسبب تغيّر مفاجئ تماماً، حاكماً على منطقة “سانوكي”- أي منطقة “كاغاوا” حالياً-في جزيرة “شيكوكو” بعيداً عن العاصمة. هكذا كان مجبراً على البقاء أربعة أعوام مثبّطة في بلد بعيد جانب البحر. فلأول مرة يجد نفسه على احتكاك مباشر مع الناس. ولذا استطاع أن يعرف واقع حياتهم اليومية البائسة جداً.الأمر الذي سوف ينعكس على إبداعه الشعري، ويدخل تطوراً جديداً ومهماً. هكذا بدأت تظهر في قصائده سلسلة موضوعات، ما كان له أن يتناولها لو بقي في البلاط،كما يمكن أن نلمس فيها وبدقة يقظة متدرجة على الفساد المنتشر في أوساط الموظفين آنذاك.بعد هذه الإقامة في “سانوكي”. عاد إلى العاصمة. وهناك نال ثقة الإمبراطور”أودا” شبه المطلقة، بعيد تدخله الفذّ لحل مشكلة سياسية معقدة.بعبارة أخرى، كان للقائه مع الإمبراطور تأثير حاسم على مصيره كانت تسيطر على الأوساط السياسية في ذلك العصر، عائلة”فوجي وارا” سيطرة لا مثيل لها إطلاقاً. وكانت للأباطرة، مع بعض نبلاء هذه العائلة روابط زواجية، وفي الغالب، لم يكونوا سوى دمى بأيدي هؤلاء. ومع ذلك، كان الإمبراطور “أودا” يطمح إلى تحييد آل”فوجي وارا”
    14
    وإصلاح القضايا السياسية. ومن أجل هذه الغاية،رفًع “ميتشيزاني” إلى مراتب مهمة.هكذا أصبح تقدم هذا الأخير في الأوساط السياسية الرسمية سريعاً جداً،الأمر الذي عزّز احتراس آل “فوجي وارا” منه.
    ثمّ أن غيرة الموظفين الآخرين منه، وتمنعهم من التعاون معه، كانا قد بلغا الذروة. إضافة إلى زواج الأمير الإمبراطوري “توكيو-شينو” بإحدى بناته . في مثل هذه الظروف، حيث كان القلق ينغّصه من إزدياد الخصوم المحيطين به، توصل “ميتشيزاني” إلى مرتبة وزير اليمين، أعلى مرتبة سياسية آنذاك، وكان عمره 54 سنة. وفي الوقت نفسه، كان “توكيهارا-نو-فوجي وارا” الشخص الوحيد الذي عينه الإمبراطور في مرتبة مماثلة لمرتبة “ميتشيزاني” أي وزير اليسار، وهو من أقوى فروع عائلة “فوجي وارا” ولم يكن عمره آنذاك أكثر من 28 سنة أي أصغر من “ميتشيزاني” بـ 26 سنة . في هذا الحديث ما يوضح جيداً القوة السياسية الأسطورية لآل “فوجي وارا” آنذاك . بعبارات أخرى، يشير هذا إلى أي حد كان “ميتشيزاني” يعيش معزولاً. كان دعم وثقة الإمبراطور “أودا” في البداية فقط، يمنحانه الثقل والسلطة للتعادل السياسي مع قوة آل “فوجي وارا” لذلك لا نبالغ إذا قلنا إنّ مصيره كان معلقاً بخيط فقط. وقبله بقرن ونصف، كان “كيبينو-ماكيبي” هو الشخص الوحيد الذي لم يكن من عائلة رجال الدولة، بل من وسط مثقفين غير غني، والذي بلغ أعلى مراتب الطبقة السياسية.
    15
    30 سنة . لقد استطاع “أودا” أن يتمتع-ولحد موته بعد 34 سنة من تخليه عن العرش –بملذات الحياة التي تتاح عادة للأباطرة السابقين . في هذا الوقت ازدهرت حضارة عصر هييان وعرفت أوج تفتحها. والواقع أن عصري الإمبراطور “أودا” وابنه الإمبراطور “دايغو” يمثلان فعلاً ازدهار الثقافة اليابانية الكلاسيكية ، ويمثلان المرحلة التي استطاع خلالها شاعرنا، ثم شعراء “ديوان قصائد الواكا القديمة والحديثة “، أن يوصلوا إلى أعلى درجات الإتقان والكمال شكلي “الكانشي” و”الواكا” الشعريين. كنّ الإمبراطور الشاب “دايغو” ، في البداية وتنفيذاً لأوامر الأب، كلّ الاحترام والتقدير “لميتشيزاني”. أضف إلى أنه لم يخف مّرة واحدة إعجابه اللامحدود بقصائده . وبعد سنتين من تنصيبه إمبراطوراً، عيّن “ميتشيزاني” وزيراً لليمين. آنذاك، كان الإمبراطور المعتزل “أودا” لا يزال قادراً على إدارة ابنه بسهولة من على مسافة. الأمر الذي يفسر نجاح “ميتشيزاني” في تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقه، بسبب موقعه،رغم الصعوبات المتعددة التي كان يواجهها.
    بيد أن هذه الوضعية ستجر “ميتشيزاني” بشكل خفي لكن محتم، إلى الخسارة. فكلما كلن نفوذه يزداد، كان يبدو أكثر خطورة في نظر آل “فوجي وارا” . لقد تآمر عليه أقوياء هذه العائلة من “توكيهارا” إلى المثقفين المليئين بالحقد عليه، إلى الراغبين بخسارته، فأقنعوا جميعاً الإمبراطور “دايغو” بأن وزير يمينه يدبر له مكيدة هائلة، غايتها أن يتخلى عن العرش وأن يحلّ محله الأمير ” توكيو – شينو” المتزوج بابنة “ميتشيزاني” نفسه.
    من السهل أن نتصور الصدمة التي أصيب بها الإمبراطور الشاب. الذي لم يكمل بعد عقده الثاني “16 سنة”، من جراء هذه المؤامرة المزعومة. هكذا أقيل “ميتشيزاني ” من منصب وزير اليمين، ليعين في وظيفة مثيرة للسخرية: “حاكم مبعوث في كيوشو”. عقوبة
    16
    العاصمة جاءت في وقت قصير للغاية. إن هذه الوظيفة الجديدة، والتي تعادل في أيامنا ” نائب الوالي” لم تكن في غالب الأحيان، أكثر من تعيين اسمي لموظفي الحكومة المركزية الكبار المقالين من مناصبهم.
    وهذا ما حدث لشاعرنا “ميتشيزاني” تماماً، دون أي خرق للقاعدة. لنشر إلى أن مدينة “دازايفو” الوقعة في غرب أقصى الأرخبيل الياباني، كانت بالنسبة إلى حكومة “كيوتو” قاعدة عسكرية دفاعية ضد أية تهديدات محتملة من الصين أو من كوريا.
    بعد سنتين من حياة الانزواء في هذه المدينة القوية. مات “ميتشيزاني” هناك والآلام الروحية والمعنوية تقض مضجعة. إن القصائد التي كتبها، خلال منفاه، انتحاب بدموع من دم. إنها تعبر بصدق عن رجل مدان بجريمة لم يرتكبها. وبفضل هذه الأعمال الأدبية صار “ميتشزاني” الشاعر الكبير الذي نعرفه.
    عندما أرسل إلى المنفى، بدّدت عائلته بفظاعة، وشتت أفرادها في ستة أماكن مختلفة. زوجته وابنتها
    استطاعا البقاء في البيت بكيوتو. لكن أولاده، فقد أرسلوا إلى محافظات بعيدة جداً عن العاصمة: الأول إلى “توسا”، الثاني إلى “سوروغا”، الثالث إلى “هيدا”، الرابع إلى “هاريما”، أما “ميتشيزاني”فقد أخذ طريق المنفى الذليل مع أصغر أبنائه، فتى وفتاة. سرعان ما مات هؤلاء الأخيران بسبب سوء التغذية في “كيوشو”. هو الآخر لم يكن صلباً كثيراً: سقام حاد بسبب الخوف واليأس، عجلا في نهايته.
    لكن التاريخ لم يتوقف عند موت “ميتشيزاني”. فبعد هذا الموت بوقت طويل تعود روحه القلقة الثائرة لتنتقم من الذين دبروا إقالته. فوزير اليسار، “فوجي وارا – توهيكارا”، المسؤول الأول عما حدث لشاعرنا، مات باكراً وعمره 38 سنة. ورأى الجميع عي هذه الميتة أن روح
    17
    ” ميتشيزاني” تنتقم. كما أن صاعقة ضربت أهم جناح في القصر الإمبراطوري، فمات بعض الذين تآمروا خفية على “ميتشيزاني” ميتة شنيعة. وحتى بعد وفاة الإمبراطور “دايغو” انتشرت دعاية مفادها أنه سقط في الجحيم. باختصار، كان يعتقد أن “ميتشيزاني” تحول إلى إله الرعد كي ينتقم لنف

  6. » » محاضرات في التقاليد الشعرية اليابانية 2 ::. Doroob .::. دروب .:: علق:

    [...] الجزء الأول [...]

أضف تعليقاً


متابعة التعليقات دون ترك تعليق


Rss Feed Tweeter button Facebook button Technorati button Reddit button Myspace button Linkedin button Webonews button Delicious button Digg button Flickr button Stumbleupon button Newsvine button Youtube button

Switch to our mobile site