![]() |
ست روايات سعودية تبحث عن موضوع |
سعود السويداء | 12 يونيو 2005 |
كان السؤال المفضل عند محرري الصفحات الثقافية ، هو ذلك الذي يتعلق بالسر وراء غياب الرواية المحلية . و يبدو ان الاجتهادات المنشورة في ذلك الحين (كأعمال المشري و الصقعبي ) ، لم تكن مرضية لمن يتداولون السؤال ، سواء من حيث الكيف او الكم . وفيما كان هناك من يحاول التبرير موضوعيا لذلك النقص المحرج قليلا ، كان هناك من يرى المسالة اقرب الى عدم نضج الاقلام التي تكتب في ذلك الحين . والسؤال كان غالبا ما يتم توجيهه اما للنقاد او لكتاب القصة اذ يبدو انه من المنتظر من كتاب القصة ان يكونوا قادرين على كتابة رواية بعد نشر عدد من المجاميع وهو شيء يشبه ان تطلب من عداء المائة متر ، مثلا ، ان يجرب نفسه في الماراثون . وهو امر لم يبرهن عليه الواقع ، اذ جاءت روايات مبكرة من اقلام متنوعة ، غازي القصيبي (شاعر ومثقف ورجل دولة) ، تركي الحمد (كاتب مقالة سياسية ) وعلي الدميني (شاعر).
في الوقت الحاضر ، ترك السؤال عن غياب الرواية المحلية مكانه لتصريح بدأ يأخذ شكل الشعار ، مفاده ان الرواية المحلية تشهد ازدهارا نوعيا وكميا الخ. ولا انوي هنا تقديم قراءة للاعمال الروائية ، اذ يستحق الكثير منها قراءات مستقلة ، ولكنها محاولة لتلمس خطوط عامة وطموحات مضمرة تشترك فيها هذه الاعمال قليلا او كثيرا ، كما انها محاولة لاخذ ابتهاجنا بالمشهد الروائي المحلي خطوة ابعد.
(الان وقد تعلمت الكلام ، مالذي يمكنني قوله ؟!)
هناك استمتاع صرف بالكلام ..بالكتابة .. بالقول .. هناك رغبة بالوقوف امام المرآة ، برؤية المدينة التي تعيش فيها ، الشوارع التي تعبر من خلالها ، مقهاك المفضل و مركز التسوق المحبب اليك على الورق ، هناك رغبة عارية بالتسمية ، فقط .( مقهى صلاح الدين – جدة – الكورنيش- شارع فلسطين – الشرفية الخ ).
الشخصيات ورقية ولا تعدو في الغالب ،ان تكون مناسبة للحديث ، لمتعة الوصف ، للتصعيد الوجداني ..لتركيب المجازات والصور .. لتجريب نزوات شعرية ، للتعليق على كتاب مفضل ، للاستشهاد بشاعر محبوب ، للمغامرة بتحليلات سياسية ايضا (مالمانع؟) ، وللتفنن المرح المغرق في الاستعارة.
“وأذ بي اعلق في دوامات مهنة اخرى غير حرفة عشقي له ، واذ بأيامي تحتسب من هلعي القادم “اوفر تايم” للألم ، وكأن “دوام” تعبي فيه لا يكفيني!”.
هذا المقطع من رواية (أجندة مغتربة) للكاتبة خلود السيوطي ، حيث لا نجد حدوتة بالمعنى الدقيق . هناك فتاة تغادر جدة للدراسة في لندن ، تطاردها ذكريات حب يلفظ انفاسه فيما تعيش غربتها الغربية . لكننا نستطيع في 95 صفحة هي حجم العمل ، معرفة ذوق البطلة في الشعر والروايات والاكلات ، كما نسعد بالاطلاع على خواطر وجدانية كثيرة ، وذكريات طفولة ، اضافة الى تعليقات عابرة في السياسة العربية و مشاكل محلية ليس اولها البطالة ولا اخرها الرقابة الجمركية في مطاراتنا الحبيبة.
وهو بعض ما نجده في رواية (الفردوس اليباب ) للكاتبة ليلى الجهني ، حين يحاصر شخص شرير بكل معنى الكلمة بين بطلتي العمل ، اللتان لا تنسيان وسط تعرية شرور المجتمع من خلال هجاء شخصيته ، مشاركتنا بشيء من قراءتهن الادبية ، واغانيهن المفضلة ، ولاباس بالاستشهاد بالقضايا العربية الحالكة ، مثل مجزرة قانا ، تعميقا لخيانة البطل الصامت (عامر ) ، ولاعطاء الاحداث راهنية ربما اضافت بعدا واقعيا في الضبابية التعبيرية التي تغلف العمل.
فكرة الحدود التي يفرضها اي شكل فني ، تترك هنا مكانها لولع مجرد بالتعبير ، وتكون الورقة البيضاء حضنا لاحدود له ، يمكن الاسترخاء داخله و الفضفضة
حول اي شيء.
(الحب والموت )
“رأيت كيف تموت الملائكة” .
هكذا يبدأ محمد علوان روايته “صوفيا” .
.. والرواية تفتتح على مشهد كوني يذكر بلوحات بليك التي تحفل بالملائكة والشياطين ، مفسحة المكان لحب غوطي محاط بالموت من كل جانب. ورغم مركزية الشخصية “صوفيا” منذ العنوان الا انها لا تبدو اكثر من مناسبة ليختبر البطل المشاعر الكبرى ، من ندم ، شفقة ، وسقوط وخلاص غير متحقق ، فالضجر ذلك البطل الرومانطيقي بامتياز ، وهو يحاول اكتشاف ذاته في المقام الاول ، او اختبارها من خلال شخصية “استثنائية “(صوفيا امرأة جميلة مصابة بالسرطان ومحكومة بموت قريب) كما تملي الجمالية الرومنطيقية تعبيرا عن حالة الانجذاب للمرأة والنفور منها في الوقت ذاته ..ومن هنا يلجا لترميزها ، و اسطرتها ، وابهامها ، عنوة ، لانقاذ روحانية قلقة لايزال الجسد غريبا عليها ، وهو ما يعكسه الامعان في تفحص البدن وووصف تفاصيله ، من سوائل وافرازات الخ.
والذي يحدث هو محاولة لاستكشاف الذات يكون الاختيار ، نموذجيا ، للمواضيع الكبرى ، الحب والموت.
هذه الرومانطيقية هي التي تغلف رواية مبكرة للكاتب يوسف المحيميد “لغط موتى ” . فالشخصيات هي ضحايا “استثنائية” في الغالب ، في تعاستها ، وهي تحضر بهوية واحدة هي كونها ذوات “مقموعة” تطارد ذاتا (الراوي) مسحوقة تحت غنائيتها . من هنا لاتكون الاحداث تجري لتلك الشخوص بل الشخوص تحدث للبطل الرواي ، الذي هو موضوع الرواية التي يحاول ان يكتبها . في تكنيك شبيه بالقصائد التي تبدأ “بماذا أقول ” لتمرر ما تريد قوله ، عبر التعبير عن الحيرة في القول .
ونلاحظ هنا ، انه في هذه الاعمال ، تحضر شخصيات ، الا ان السيكولوجيا تبدو ترفا لاطائل من ورائه ، ولن تكون اكثر من معيق لتدفق السرد والوصف ، فيما تترك الاحداث والحبكة مكانها لانفعالات وتصعيد لغوي ، هو ما يعول عليه لتحقيق التماهي من قبل القاريء.
الذي يحدث هنا هو خروج من مجرد الفضفضة الى محاولة استكشاف تنتهي غالبا عند حدود الذات ، فلا تغامر الى الداخل و لا تخطو نحو الخارج.
( .. العثور على موضوع )
كيف نكون على مستوى الاحداث التي تجري من حولنا؟ كيف نستطيع تمثل هذه التحولات ؟ كيف تستيقظ فجأة وتجد نفسك جزءا من هذا العالم ؟
اظن ان اسئلة كهذه هي ما تفتح عليه الوعي الشعبي عموما بعد حرب الخليج وانشغل الكتاب بمحاولة التعبير عنه . وقد ذكر روائي شاب هو محمد علوان مؤخرا بان رواية حرب الخليج لم تكتب بعد . من هنا تم التعامل مع حرب الخليج ليس كحدث بل على انها “الحدث”. كانما قامت الحجة على الكتاب الذين اشتكوا كثيرا بانه ليس هناك ما يحدث . وبالتالي تم التخلي عن اللغة المشعرنة باعتبارها غير قادرة على التعامل مع الاحداث بعد ان كان الرهان يقع عليها في تحقيق تعاطف القاريء.
وقد اختار عبدده خال في روايته “نباح” ان يصور تداعيات حرب الخليج من خلال قصة حب تدور في جدة وتنتهي في اليمن. بينما اصر يوسف المحيميد على استحضار احداث حرب الخليج كخلفية للاحداث التي تجري لبطلته في رواية “القارورة” ، ربما تكثيفا لحالة الخديعة التي هي موضوع الرواية.
هذا الانشغال بالموضوع لم يكن بلا ثمن ، فقد ترك اثره الفادح احيانا على فنية الاعمال .
فالتخلي عن الشعرنة التي اثقلت السرد المحلي طويلا هو مكسب استراتيجي ، الا ان الذهاب بعيدا حد الاقتراب من مجرد التدوين ومراكمة الحواديت والوصف دون اي الحد الادنى من محاولة تفعيل الامكانات اللغوية والتخلي عن الانتقاء ، هو رهان مبالغ فيه على جاذبية الحدوتة ، كما نلاحظ في رواية “نباح” مثلا.
بالمقابل ، لا يستطيع الراوي في ” القارورة ” ترك مسافة بينه وبين البطلة . لا يكاد يتركها تتنفس لوحدها ، حتى يحاصرها بالوصف ، بالتغزل في جمالها ، بالطبطبة على المها ، وفي الكلام نيابة عنها اذا استدعى الامر ، في وصاية مبطنة تجري ضد النوايا المعلنة للعمل ، فيما يبدو ذلك نتيجة حتمية للانجذاب المدوخ في الموضوع .
( الرغبة بالتأصيل )
يبدو هذا الطموح جامعا لكل هذه الاعمال . وهو طموح مشروع بالطبع . لكن ، نريد تامل الوسائل او الاقتراحات المطروحة للتعامل مع فكرة الاصالة الممضة.
هناك احساس مبطن باللاشرعية ، يغلف طموح الكتابة ويترك اثره عليه على شكل ردة فعل او مبالغة في عنصر معين من العناصر.
فمن الاتكاء على الموروث الشعبي المحلي كما في بعض روايات عبده خال الى الاغراق في التفاصيل الجافة التوثيقية والتي لا تترك مجالا للشك حول هوية المكان والناس كما في رواية المحيميد الاخيرة . وهو يشبه ماتقوم به ليلى الجهني في رواية (الفردوس اليباب) ، حيث يتم افساح قسط لا باس به من الرواية ، للتأكيد على هوية المكان ولو من خلال ترديد الاسم كثيرا ، “جدة”.
بينما ، تسعى خلود السيوطي لعقد مقارنات مستمرة بين لندن وبين الوطن ، الذي عادة مايكون “جدة” و”مكة” .
لا يتوقف التأكيد على الاصالة عند حد الهوية ، بل يطال اثبات المقدرة ولو من خلال نواح شكلية مثل الطول الاستثنائي والعناوين الكبيرة والطموحة ، كما نجد في روايات عبده خال و روايات عبدالحفيظ الشمري .
ايضا ، يمكن ملاحظ الالتفاف على الاخر ( على المركز) وتحويله لموضوع : اذ يقارب علوان بيروت كمدينة والحرب الاهلية . وحين تردد بطلة “القارورة ” عبارة “الناس في بلادي” فذلك يزيد اشتباه القاريء المحلي بانه لايقرأ روايات فقط بل روايات وتقارير مرفوعة ليس اليه ولا الى غريكو بل الى ” العالم” !
سعود السويدا
الرياض /اكتوبر/2004
الروايات المشار اليها :
- ( أجندة مغتربة) للكاتبة خلود السيوطي ، المؤسسة العربية للدراسات 2004.
- (الفردوس اليباب ) للكاتبة ليلى الجهني ، دار الجمل 1999.
- (لغط موتى ) للكاتب يوسف المحيميد ، دار الجمل 2001 .
- (نباح ) للكاتب عبده خال ، دار الجمل ، 2003.
- (صوفيا) للكاتب محمد علوان ، دار الساقي ، 2004.
- (القارورة) للكاتب يوسف المحيميد ، المركز الثقافي العربي ،2004.
::. سعود السويدا
الرياض






شارك معنا في استبيان حول الكتاب المسموع


12 يونيو 2005 في الساعة 9:28 ص
عزيزي/ سعود
في الغالب تتوفر الروايات المحلية على شخصيات مسكونة بشر أنطولوجي
هذا يحتاج إلى دراسة
ليس لأن ذلك المنحى يخالف وصايا فورستر في الطبيعة الصراعية داخل الرواية بين الشخصيات
وشروط تعادلها الصوتي
ولكن لأن البنية الإجتماعية تزحف بقوة داخل نسق الرواية
أظن أن الروائي المحلي ما زال ناسخا للواقع
وبالتالي فهو ضعيف أمام هذه المرجعية الساطية
لذلك الضعف علاقة – على ما أعتقد – بوهم يتصور بموجبه الراوي أنه يستخدم اللغة
فيما هي تكتبه
أو ينكتب هو من خلال صلابة مداميكها المؤسسة داخل خطابات متمادية أكثر صرامة
لا تكف يا صاحبي عن مساءلة وعي الروائيين
مودتي
12 يونيو 2005 في الساعة 12:27 م
الأستاذ سعود
رأي التمس فيه عمقا تحمله آنية صقيلة من الصدق ، تنسيك وجع القراءات العابرة ، تلك التي تجئ من اهتمام بالبحث عن ( الفضائحي ) .
ولكني قد أختلف معك – إن سمحت لي – في رؤيتك للفردوس اليباب ، التي تكمن أهميتها أو تستمد قيمتها مما تحمله من رؤيا ، ودلالات تضئ كثيرا. أما القارورة وصوفيا ، فأعذرني لأني لم أقراهما بما يكفي حتى الآن .
خالص تحياتي
13 يونيو 2005 في الساعة 6:02 ص
عزيزي محمد
اوافقك ان لدرجة الوعي باللغة علاقة جوهرية بالموضوع ..
حين لايغدو حسن النوايا سوى ايديولوجيا اخرى ..
كل الود لحضورك
عزيزي محمود
احمل الكثير من التقدير لتجربة وجهد ليلى الجهني وللكثير من روائيينا..
واعتز برأيك كثيرا
25 يونيو 2005 في الساعة 1:21 ص
يعني ما ينفع تنجح في عملها بحجابها الاسلامي