في مصادر ‘إرادة الحياة’: بين شابّي تونس وشابّي الجزائر

نهوضاً نهوضاً بني جلدتــي إلامَ ونحن بطيّ ىالخـــبرْ
إلامَ وفي الأسر أرواحـــــنا ونحيا هواناً حياة الــبـــقرْ
أنمسي ونصبح في حسرة وننسب ذاك الشقا للـــــقدر
أنمسي ونصبح في ذلّـــــة ونلزمُ خوفا سكون الحــجرْ
على الذلّ نصبر حتى الفنا وفي سبُل العزّ لا نصطبرْ
أراكمْ من الجهل في غفلة تظنّون نيل المنى بالحــذرْ
أراكمْ تُسرّون بالتافهات وشعبكمُ في مهاوي الحُــــفرْ…
***
أذكر أنّي ما قرأت هذه الأبيات، وأخرى غيرها، على طلبتي ـ وأنا أدرّسهم ملامح التجربة الرومنطيقيّة في الشعر العربي الحديث ـ وسألت لمن هي؛ إلاّ بادر أكثرهم دون أيّ تردّد، بإجابة متعجّلة ‘هي للشابي طبعا’. ولم أكن أستغرب ذلك منهم،فالنبرة نبرة الشابي، والمعجم معجمه،والصور تكاد تكون صوره. ومع ذلك فهذه الأبيات هي من قصيدة موسومة ب’نغمة الشباب’ لشاعر جزائريّ اسمه رمضان حمّود (1906ـ1929) لا أظنّه اُشتُهر شهرة الشابي أو ظفر من عناية الدّارسين،بما ظفر به شاعرنا؛وهو الذي لم ينقطع ذكره ولا شرد من ذاكرة الناس.بل إنّ بعضه مثل ‘إذا الشعب يوما أراد الحياة’ استتبّ مستودعا من مستودعات الحكمة الشعبيّة.
الحقّ أنا لم أسمع برمضان حمّود إلاّ عام 1995 خلال لقاء علميّ بمدينة طنجة المغربيّة، نظّمته مؤسّسة ‘بروتا’ الأمريكيّة التي تديرها الشاعرة والباحثة الفلسطينيّة المرموقة سلمى الخضراء الجيوسي.ثمّ حصَلت على كتابه الشعري ‘بذور الحياة’، ودارسة الجزائري محمّد ناصر ‘رمضان حمّود الشاعر الثائر’؛ وكتبت عنه في نفس العام مقالا في الصحافة التونسيّة، كان له بعض صدى عند بعض الجامعيّين من الشعراء خاصّة، أذكر منهم صديقنا الراحل الطاهر الهمّامي الذي قال إنّه يسمع بهذا الشاعر لأوّل مرّة.
كان الشّابي ‘منفردا بين معاصريه من الشّعراء التّونسيين’ بعبارة المصري عزالدين اسماعيل،وبين مجايليه مثل مصطفى خريّف. ولكنّه لم يكن كذلك مقارنة بآخرين معاصرين له في البلاد العربيّة مثل الهمشري والتيجاني يوسف بشير ممّن تلقّفهم الموت ولمّا يمتّعوا بشبابهم. وأظنّ أنّ أقربهم رؤية، إليه، الشّاعر الجزائري رمضان حمّود؛حتّى في العنوان الذي تخيّره كلّ منهما لديوانه ‘أغاني الحياة’ للشابي، و’بذور الحياة’ لحمّود. وللحركة الثّقافيّة التّونسيّة في العشرينات، أثر كبير في تكوين حمّود وهو الذي استكمل تعلّمه بجامع الزيتونة بتونس ؛ إلاّ أنّه في شعره ـ وأنا أقطع بهذا عن دراية به وبشعر قرينه ـ لم يكن ليثب وثبات الشّابي في ‘إرادة الحياة’ أو يتدفّق تدفّقه في ‘النبيّ المجهول’ أو ‘صلوات في هيكل الحبّ’ أو ‘الصباح الجديد’ أو ‘إرادة الحياة’، على إقراري بأنّ قراءة شعر الشابي قراءة رصينة،تتجرّد من الأهواء العارضة والسّمعيّات المقرّرة، تبيّن أنّه يتفاوت قوّة وضعفا؛ وأنّ مؤثّرات الآخرين فيه (شعراء المهجر الأمريكي خاصّة) تختلف وضوحا وخفاء. وإنّما تظافرت في هذه الشّهرة أسباب وملابسات معقّدة، ليس هنا مجال الخوض فيها، ونجملها في غياب ‘السّلطة الشّعريّة’ في نظامنا الثّقافي الرّمزي. وهي الفجوة التي استطاع الشابي أن يسدّها إلى حدّ كبير، وهو ما لم يقدر عليه حمّود، برغم أنّه كان من ذوي اللسانين: العربي والفرنسي؛ فيما كان الشابي يطير أو يحلّق ‘بجناح واحد’ كما يقول عن نفسه.
وُلد رمضان حمّود بمدينة غرداية الجزائريّة (جنوب الجزائر)عام 1906،والتحق وهو في السادسة من عمره بإحدى المدارس الفرنسيّة في مدينة غليزان حيث كانت تجارة والده؛ ثمّ بجامع الزيتونة في تونس وكان قبلة الجزائريّين في النصف الأوّل من القرن الماضي.وفي تونس كوّن مع بعض أصدقائه الجزائريّين جمعيّة وطنيّة أدبيّة كانت لها جريدة حائطيّة. ولكنّ مرض السلّ الذي أصابه وهو في ريعان شبابه، جعله ينقطع عن الدراسة، ويعود إلى غرداية، دون أن يفتر حماسه. فقد ألّف خلال هذه الفترة القصيرة كتابيه: ‘بذور الحياة’ و’كتاب الفتى’ ونشر بعض كتاباته بجريدة الشيخ ابن باديس’الشهاب’ و’وادي ميزاب’ للشيخ أبي اليقظان.
كتب الشابي قصيدته الشهيرة ‘إرادة الحياة’ في 16 سبتمبر 1933، ونشر حمّود قصيدته ‘نغمة الشباب’ التي افتتحت بها هذا المقال بجريدة ‘وادي ميزاب’ في 18 ماي 1928أي قبل الشابي بأكثر من خمس سنوات. وهذا لا يسوق ضرورة إلى استنتاج متعجّل كأنْ نقطع بأنّ الشابي اطّلع على قصيدة حمّود أو هو تأثّرها وتأثّر به، برغم أنّ هذا الاستنتاج ليس بالمستبعد. ومع ذلك تظلّ قصيدة الشابي أغنى معجما وتصويرا وأشدّ وقعا.
يفتح الشابي قصيدته لنوع من الغنائيّة الفرديّة والحفاوة بـ’أنا الشّاعر’ والتّواصل مع الطّبيعة ‘لأنّ الفنّ في صميمه إنّما هو صورة من تلك الحياة التي يحيا بها الفنّان في هذا الكون الزّاخر الرّحيب أو في دنيا خياله وأحلامه كيفما كانت تلك الصّورة في اللّون والشّكل والعرض…’ كما جاء في تقديمه لديوان المصري أحمد زكي أبي شادي ‘الينبوع’؛ فبين الحياة والفنّ شوابك قرابة، وفي كليهما ضرب من الوحدة وإن تعدّدت المظاهر وتنوعّت أدوات التّعبير. وهي الجذوة التي يسمّيها يسمّيها نيتشه ‘إرادة القوة’ ويسمّيها شوبنهاور ‘إرادة الحياة’.
Die wille zur leben Die wille zur macht
ومن اللاّفت أنّها نفس التّسمية التي يسم بها الشّابي هذه القصيدة التي هي أشهر قصائده. ولعلّها حجر الزاوية في رؤيته الشعريّة. وهو ما يحمد لأبي القاسم فهو ـ لا شكّ ـ صاحب مشروع شعري قد ينمّ عليه نثره أكثر من شعره. ولكنّ الموت ‘مفسد الحياة’ بعبارة أسلافنا، لم يمهله، ليستكمله، فاختطفه، وهو لم يمتّعْ بشبابه وحياته.
لكن أليس من قبيل التمحّل على القصيدة أن نتأوّل ‘إرادة الحياة ‘ فلسفيّا؛ فنحن نرجّح حتّى لا نقول نقطع- أنّ الشّابي لم يقرأ فلاسفة الإرادة من كانط إلى شوبنهاور إلى نيتشه..وربّما ألمّ ببعض أفكارهم بواسطة الترجمة. ولكنّنا نعتقد أنّ روح المفهوم الفلسفيّ لمفردة الإرادة تسكن نصّه. فليس من قبيل الإسقاط إذن أن ننظر في’إرادة الحياة’ من زاوية التّأويل الفلسفيّ حتّى وإن سلّمنا بأنّ أباالقاسم لم يقرأ فلاسفة الإرادة. والمسوّغ لذلك أنّ الشابي وهو ينهل من العربيّة فقط (وهي اللغة الوحيدة التي كان يتقنها، علما أنّه لم يتعلّم الفرنسيّة وكان يتحسّر بسبب ذلك ويقول إنّه يطير بجناح واحد منتوف الريش، كما ذكرت سلفا) إنّما كان ينهل من لغة كانت قد بدأت بعد في التّفاعل مع اللّغات الأوروبيّة. تلك اللّغات التي ننصت إلى أجراس المفهوم الفلسفيّ تُقرع في جنباتها وتتصادى في ثنايا اللّغات الأخرى التي تتفاعل معها سواء عن طريق الترجمة أو عن طريق أسلوب أولائك الرّواد الذين برعوا في الكتابة بواحدة من اللّغات الأوروبيّة (خاصّة الأنجلزيّة والفرنسيّة) وبلغتهم الأمّ، بما في ذلك رواد عرب.
لقد دشّنت الفلسفة فعل تحويل الحياة إلى موضوع للإاردة بعدما كان يعتقد أنّ الحياة بداهة لا تحتاج إلى تعليل فيها ولا تحتاج إلى أن تكون موضوع قصد؛ وإنّما هي فقط مجال تُلتَقط منه الحكمة. دشّنت الفلسفة هذا الاتّجاه سواء تلقّفنا ‘الإرادة’ من التّأسيس الكانطي للأخلاق وهو يردّها إلى العقل، فإذا هي تعبير عن جوهر إنسانيّ كامن لا يمكن تفعيله إلاّ إذا فهمنا الإرادة من حيث هي قوّة للعقل. هذا العقل كلّي أو كونيّ universel لدى كانط ولكنّه كم يكون قريبا من ‘إذا الشّعب يوما أراد الحياة’ إذا ما دفعنا التّحديد الهيغلي لمفهوم ‘الشّعب’ إلى استضافتنا. فهذا المفهوم يفيد، في ما يفيد، معنى ‘روح الجماعة’وليس للفرد من إمكان أن يكون حرّا إلاّ بقدر ما يكون فردا في الجماعة، أي مواطنا. ومن ثمّة فإنّ إرادته نابعة من أرادة الجماعة أو الشّعب.
إلاّ أنّ مفهوم الإرادة لا ينعقد فقط على حدٍّ ميتافيزيقيّ أو نظري ،وحتّى شوبنهاور وهو يصل الإرادة بالحياة، إنّما هو يصلهما ضمن هَمّ ميتافيزيقيّ يتقصّى عن نظام الطّبيعة. بل هو إلى ذلك، معقود في جينيالوجيا نيتشه على قوّة الحياة بما هي اندفاع حيويّ، جسديّ، غريزيّ إلى الوجود. وعندئذ لا حاجز، ولا مانع، ولا معيق، ولا سدّ وإنّما طوفان وجوديّ يأخذ القدر في مجراه..
تُرى هل كانت اللّغة العربيّة في قصيدة الشّابي تسترق السّمع’من خلال’ ما قرأه من ترجمات أدبيّة وفكريّة، إلى ‘إرادة الحياة’ تصطرب في أحشاء تلك اللّغات الأخرى في فورة حداثتها؟سؤال نتركه معلّقا،ولا نحبّ أن نتعجّل الإجابة عنه.بل نؤْثر أن نباشرالقصيدة من مداخل الشعر ومكوّناته الأساسيّة،وهل هي سوى الإيقاع والصورة وما يتعلّق بهما من نظام النحو والمعجم والتركيب؛حتى لا يطوّح بنا التأويل بعيدا فنملي على ‘إرادة الحياة’ ما ليس منها أو ما يجافي خاصّتها الشعريّة. وهذا موضوع آخر قد نعود إليه في مقال آخر.

حول د. المنصف الوهايبي

* ولد بحاجب العيون [قرب القيروان] في 20/12/1949، /تونس * أستاذ جامعي بكلية الآداب بالقيروان * من إنتاجه: - ألواح دار ديميتير للنشر- تونس 1989 . - من البحر تأتي الجبال: دار أمية – تونس – 1991 - مخطوط تمبكتو: دار حامد صفاقس/ تونس 1995. - ميتافيزيقا وردة الرمل تونس1999 كما نشر عشرات المقالات والدراسات الهامة بمختلف المجلات العربية والأجنبية...خلال السنوات الأخيرة...وقد ترجمت نصوصه إلى العديد من اللغات...وكتبت حول تجربته الشعرية عشرات الدراسات والبحوث الجامعية....

رأي واحد حول “في مصادر ‘إرادة الحياة’: بين شابّي تونس وشابّي الجزائر

  1. الأستا> الدكتور و الشاعر الجميل منصف الوهايبي .. سعدت بلقائك في دروب كما سعدت بلقائك في سيت و استمتع بقراءتك شاعرا و ناقدا و استا>ا لأدبنا العربي .. محبتي و تقديري العميق

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>