الفنان منير العبيدي

عن إبداع مدن الملح* – ما هي المشكلة؟

في أمسية نقدية ماتعة للاستاذ عيد الناصر، في رواية الاستاذ محمد المرزوق “لا تشته امرأة جارك”، كان طرف من الحديث يتطرّق للتحولات التي جرت على مدن الملح* من نواحٍ عدة. كانت بلادنا تسير في طريق تطور في المهن والاعتماد على الذات في سائر جنبات الحياة؛ لكن الطفرة الاقتصادية وتغيّر وجه الحياة، نقلنا من تلك الحياة بحسناتها وسيئاتها، إلى حياة أخرى، أين ذهب عنها الفلاح والبحار والغواص والخباز و القطان والصواف والصفار والنحاس و الخياط وكل المهن التي كانت في أيدي الناس في كل أساسيات الحياة وأولوياتها، أين ذهبت الاحياء والطرقات والممرات والدكاكين؟ أين هي الحيوانات والنباتات والمزارع والترع ومجاري المياة ورائحة وصوت الطبيعة؟

تغير كل شئ، أصبح الناس أفضل حالاً مادياً، لكن اعتمادهم على أنفسهم وتمكنهم من المهارات الأساسية و ما بعدها تلاشى وذهبت بعض المهن إلى العمالة الأجنبية وانقرض بعضها الآخر. أصبحت الحياة تتطلب العمل ولكن من نوع آخر في المكاتب و حقول النفط والمنشآت والمصانع ولكن ليست كتلك بتاتاً. أصبحت كثير من الحيوات ذكرى في الكتب واحاديث الجدات والأجداد وبعض طرق التوثيق و مع من بقي من زمن غابر. أصبح كل ذلك غريبا عن جيل اليوم وأصبح جيل اليوم غريباً.

طرحت تعليقاً، تعقيبا على هذا الخيط من الحديث في نهاية الأمسية، قلت إن ذلك قد انعكس على حالة المبدعين من فنانين تشكيليين وموسيقيين و شعراء وأدباء و مصورين و في المسرح والسينما والتلفزيون وسائر المشتغلين بإبداع ما. إنهم يبحثون عن بقية الإنسان الباقية من تلك الأيام، التي يعتبرونها “حقيقية”، التي كانت بالنسبة لهم “المعنى”. إنهم لا يجدون الإنسان ولا طعم لرسم لوحة من حياتهم المعاصرة التي فيها السيارات والأجهزة والبيوت الحديثة وأجواء العمل والشوارع والمنشآت وملاعب الأطفال والانترنت والتواصل الحديث وموضوعات اليوم. هكذا لا يفعل الشعراء والموسيقيون والكتاب وبقية المبدعين. إنهم يشعرون بالحرج لو فعلوا ذلك، ذلك “غير حقيقي” وغير جذاب وغير مقبول. وإن مخرجهم من هذه المعضلة لهو مخرج مؤسف للغاية. بعد أن أصبحنا و قد أخذتنا الطفرة، ولم نتطور في التعلم ولا في الفكر ولا الثقافة والاطلاع ولا النضج بشكل عام – لنكن صريحين – أصبح الاستهلاك – أكثر ما نفعل – لنكن صريحين – هو المنقذ ولبئس ما هو. أقصد بالاستهلاك هو التوجه للسوريالية والتجريدية والفن المفاهيمي – الذي مات – و فنون وتوجهات ما بعد الحداثة التي تسمح للفنان والشاعر والمبدع أن يخبط خطاً أو سطراً كيفما هو، وربما ظن انه وحي وإلهام اختاره، ليكون عبقرياً مدهشاً تسعفه الثقافة المتدنية للجمهور وقوة الدعاية والترويج والسوق الاستهلاكية والثقافة الشائعة الهابطة التي تجوب العالم وتذهب بكل المعاني الجميلة إلى قوالب الضجيج والزيف الممل. ربما أعود لهذا الموضوع يوماً، إن تطلّب الأمر.

ولكي لا نكون مشغولين بهذا الحزن على ما نحن فيه، ولنحاول أن نتغيّر ونكون عمليين ونتعلم، لنطالع بعض النماذج الجيدة من عندنا قبل النفط أو من بلادنا التي لم تسبخ بعدُ أو من بلاد مازالت فيها حياة حقيقية في يومنا المعاصر. لنطالع هذه النماذج من الفنون والآداب والابداعات لتلمس ما أعني.

الفن التشكيلي

الموسيقى

أما في الموسيقى فحدث ولا حرج، سأذكر بعضها هنا منوعا الجغرافيا ومعلقا قليلا كلما اقتضت الضرورة.

هذه قصيدة من يغنيها الاستاذ أحمد الصالحي يطلق عليها “صوت” من الفن الخليجي العريق وهي من أشعار و ألحان الاستاذ عبدالله الفرج – الكويت – المتوفي عام 1901م وهو المتفوق المخترع المجدد ويكفي أن يحمل لحنها وكلماتها وصور الشعر فيها عبق الإنسان في ذلك الزمن كيف كان يعيش ويتسلى ويفكر ويعشق:

أتذكرون ماذا كان يلحن سيد درويش؟ عن الحمالين والعمال وللمسرح والحياة اليومية؟ أتذكرون بنت اليوم؟

اسمعوها بصوت الفنان الشاب احمد جمال:

اتذكرون كيف غنى سيد درويش ضد الفقهاء ولحم الخيل؟ كيف غنى ضد الاستعمار؟ بلا اوروبا بلا أمريكا؟

ما هي موضوعات أغناني عبدالوهاب من ساكن قصادي وفاتت جنبنا  والجندول – رحلة إيطاليا – والحبيب المجهول إلى من غير ليه؟

أغاني عبدالحليم وأم كلثوم و محمد قنديل – الغورية – ثلاث سلامات – سماح – وعبدالمطلب  وحواريات محمد فوزي ونجاة الصغيرة.. أتذكرون الأغاني اللتي كتبها الشاعر الذكي .. حسين السيد؟

أتذكرون أغاني فيروز عن العربية والقهوة والسفر بكتب اسمك والقصائد المعاصرة التي كتبها جبران وسعيد عقل؟ أتذكرون ما لحن لها فيليمون وهبي؟

لا ننس الاغاني الوطنية والموسيقى الخالصة التي كتبها المصريون وعناوينها أدل على عصريتها  ومناسباتها دون إخلال بالمحتوى الفني والثقافي.

أتذكرون موضوعات يوسف عمر الساخرة والجادة، موضوعات اغاني ناظم الغزالي وسليمة مراد وصالح الكويتي وما لحن؟

ولتذكروا النشط الاستاذ  الفنان مصطفى سعيد في ثورة 25 يناير:

و الشعر والكتابة

أما الشعر فآسف عليه كثيراً مما أصابه وأنهكه من مرض ما بعد الحداثة واستسهاله والتخلي عن ما كان بالأمس يجعله صعباً. لكن ها هو هنا محمود درويش و إيليا أبو ماضي و سعد الياسري و الجواهري ومظفر النواب وحسين السيد وبيرم التونسي ..

الكتابة لم تنج من أمراض الشعر أيضا، ابحثوا عن الإنسان فيها عند من هو حيّ.

الأدب

أما الأدب فلدينا الإنسان في خبايا نجيب محفوظ و امين معلوف و حنان الشيخ وأورهان باموق و في رواية العطر و 1980 وغيرها. ربما نجت الرواية – محظوظة، أكثر من غيرها في فنون السرد.

وتزداد القيمة الثقافية في الإبداعات بمقدار “الشغل” والخبرة والاهتمام لدى من يعتبر كل عمل يعمله مشروعاً أكثر من كونه منجزاً بلا قيمة تخلده.

المشكلة المشار إليها في الأمسية وفي الرواية أكبر منها مشكلة إبداع، إنما هي مشكلة جزء من كل. ربما لا يشعر البعض بأننا في عالم هلامي بلا طعم وربما كان من الأفضل التأسيس لنقلة تطورية على كل الصعد كي تتوافق الخطوات والحلقات ونصبح مجتمعات أكثر صحة لم تخسر الكثير من إنسانها. هل يمكن إعادة العمل على استرجاع الإنسان؟

 

* استعارة من رواية العظيم عبدالرحمن منيف: مدن الملح والذي يقصد بها بلاد النفط.

::. فاضل التركي

حول فاضل التركي

من مؤسسي ومحرري ومبرمجي دروب وكاتب فيه. متخصص في علوم الكمبيوتر و هندسة البرمجيات. مهتم بالعلوم البحتة و المنطق والرياضيات والمنهج العلمي والتفكير النقدي ويستمتع بمنهج الشك وتطبيقاته العملية. يهتم بالموسيقى الشرقية نظريا وعمليا والتصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي وأمورا لا تنتهي ..

رأيان حول “عن إبداع مدن الملح* – ما هي المشكلة؟

  1. عزيزي أبو محمد،
    موضوع جميل جدا لأنه يأتي ليعمق حالة الفهم للنص الأدبي عبر الغوص في دلالاته التاريخية والإجتماعية والفنية والتي تعني تحليل دلالات النص عبر الولوج الى واقع الحياة المتشعبة التي يحمل النص مخاضاتها. هناك من يرى النقد من خلال البحث عن هنات العمل ومناطق الضعف فيه (وكأنه توجيه للكاتب من أجل أن تكون كتابته أفضل في المستقبل وكأن الناقد يقول بأنه استاذ وموجه للكاتب مع أن بعضهم لم يجرب كتابة ونشر قصة قصيرة واحدة)، وهناك من يراه البحث عن عملية بناء النص من خلال تشخيص وتحليل عملية السرد وتفكيكيها طوبة طوبة. وكل هذه المدارس أو الوسائل في العمل على النص الأدبي جائزة وصحيحة طالما أن تلك القراءة تحتمل التأويل المقصود من القراءة.

    أحد الأخوة الكرام في الأمسية قال بأن القراءة كانت انطباعية. رغم أن الإنطباعية في الفن والأدب مدرسة عالمية لها دورها الكبير في الحياة الثقافية العربية والعالمية، وكلمة انطباعية ليست تقليلا من العمل لأن القراءة الأنطباعية لها مستويات مختلفة، وهي في شكلها البسيط تعنى ما أنطبع في ذهن القاريء بعد قراءته للنص. ولكن مستوياتها الأخرى تتطلب الإشتغال على النص بشكل أعمق. إلا أن الطريقة التي أعتمدها في قراءاتي للنصوص هي تفكيلك النص وتحليل جزئياته وفرزها بشكل علمي ومن ثم دراسة دلالاتها النفسية والإجتماعية والسياسية والتاريخية وليس الإكتفاء بظاهر الحديث في النص كما يشي البعض بذلك إلى الحد أن النص الواحد قد تتولد منه عدة قراءات مختلفة (نص لا تشته إمرأة جارك خرجت منه بثلاث قراءات لزوايا مختلفة عن بعضها البعض، وقراءة من هذا النوع يبدو لي بأنها تتجاوز الإنطباعات البسيطة والسطحية لأي عمل.

    أنت هنا ترفع من وتيرة النص عبر تعميق دلالاته التاريخية والإجتماعية والفنية وتضيف الى بنائيته أبنية أخرى مجاورة ومصاحبة في دلالاته البعيدة والقريبة وهذه بعض أهداف النقد الثقافي.

    خالص مودتي،

    1. أهلا أيها العزيز أبا جهاد.

      تروقني قراءاتك النقدية التي تلج النص بأبدواتك الخاصة .. وتستخرج وتستسكشف وتضيف من عندك ربما ما هو أكثر لتقعميق أفكار وملاحظات واكتشافات جديرة بالتأمل وغاية في الأهمية حياتنا.

      هكذا يكون الفعل الإبداعي – في الرواية هذه مثالا – متواصلة بالفعل النقدي ومن ثم تعود على المجتمع المخصوص بالموضوع ليأخذ خطوة في طريق أفضل وخبرات أنجع وأولى بالوقت والجهد.

      في انتظار القراءات الثلاث للعمل وإني لواثق بجديد في كل منها كما عودتنا.

      خالص التحية والتقدير والشكر وكن بخير،
      فاضل التركي

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>