قالوا عن كتاب الهجمة المضادة..ضروري القراءة والتمعن

عن الكتاب
قالوا عن كتاب “الهجمة المضادة للحملة الصليبية: جذور وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر”، وعن نسخته المترجمة إلى اللغة العربية:
***
“هذه المادة العلمية القيمة من المهم إطلاع عليها أكبر عدد من القراء والمثقفين العرب”

***
“يمكن القول دون مجازفة إن هذا الكتاب من أثمن ما صدر حتى الآن عن أحداث 11 سبتمبر، وتفسير مغزاها الإستراتيجي والثقافي…”
موقع الجزيرة نت

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/2F3161A5-9827-41F3-B081-6D7F22E3709B.htm?GoogleStatID=29

****
“الكتاب يُعَد من أثرى المؤلفات التي كتبتْ في تفسير أحداث الحادي عشر من سبتمبر”
“جدير بالإشارة أن الكتاب أُلِّف باللغة الفرنسية، وأسهمت الترجمة الرصينة المتْقَنة من جانب الباحث الموريتاني – المقيم في نيويورك – الأستاذ أحمد صالح احميِّد في تعزيز قيمة الكتاب، وإتاحته لجمهور القارئين في الوطن العربي، المفتقد لِمثْل هذه الدراسات الجادة في سوق دور النشر العربية”
موقع الألوكة

http://www.alukah.net/Culture/0/27786/

***
ترجمة عربية ممتازة جدا لكتابه “الهجمة المضادة للحملة الصليبية: جذور وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر”
محمد السالك ولد إبراهيم
(موريتاني)
خبير استشاري دولي وباحث مرموق
***
“تهنئة على العمل الذي أنجزته”
منير العكش
(سوري-فلسطيني)
أكاديمي مرموق
أستاذ الإنسانيات ومدير الدراسات العربية في جامعة سفك/بوسطن (بالولايات المتحدة الأمريكية)
وهو من أبرز الباحثين العرب في الدراسات الأمريكية
***
مادة مذهلة جدًا ومثيرة
الدكتور فاروق المواسي
أكاديمي، باحث، وشاعر فلسطيني
***
“الكتاب مهم للغاية”
يحيا اليحياوي
أكاديمي وباحث مغربي مرموق
***
“الكتاب قيم للغاية يستحق الجهد الذي بذل فيه”
محمد بن المختار الشنقيطي
مفكر إسلامي
***
“هذا الكتاب مهم جدا جدا”
فيصل القاسم
معد ومقدم برنامج الاتجاه المعاكس بقناة الجزيرة الفضائية
***
“الكتاب مفيد للقارئ العربي”
صلاح الدين الزين
مدير مركز الجزيرة للدراسات

عرض موقع الجزيرة نت لكتاب الهجمة المضادة الحملة الصليبية

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/2F3161A5-9827-41F3-B081-6D7F22E3709B.htm?GoogleStatID=29

كتاب “الهجمة المضادة للحملة الصليبية ”
عرض/محمد بن المختار الشنقيطي
يمكن القول دون مجازفة إن هذا الكتاب من أثمن ما صدر حتى الآن عن أحداث 11 سبتمبر، وتفسير مغزاها الإستراتيجي والثقافي.
يتألف الكتاب من أربعة فصول سردية، وثلاثة فصول تحليلية، مع مسرد بأهم الأحداث، وآخر بأهم الأشخاص ذوي الصلة. وقد حدد الكاتب غاية الكتاب في مدخله بأنها توفير مصدر للمعلومات حول تلك الأحداث “ووسيلة للتفكير في أسبابها وآثارها.. وفهم مدلولاتها، والتفكير في تبعاتها” (ص 8).
ونجح المؤلف في سرد القصة، وفي استنطاق مدلولها، فامتاز سرده بحسن السبك والتماسك المنطقي وثراء المعلومات والتفاصيل ورفض الخرافات التآمرية التي تم تداولها حول هذا الأمر.
بيد أن نجاحه في تفسير هجمات 11 سبتمبر كان أكبر، وهو الأهم، خصوصا بالنسبة لكتاب مكتوب في الأصل بلغة أوروبية. ذلك أن المؤلف واجه المسكوت عنه في الأدبيات الغربية حول هذا الموضوع، واتسم بشجاعة فكرية قل نظيرها بين المفكرين والكتاب المقيمين في الغرب، وهو يشرح الدوافع السياسية المفعمة بمرارة الظلم وراء تلك الهجمات الدامية.
– الكتاب: الهجمة المضادة للحملة الصليبية
– المؤلف: محمد محمود ولد محمدو
– ترجمه عن الفرنسية: أحمد صالح احميِّد
– عدد الصفحات: 290
– الناشر: عالم الكتب الحديث، إربدْ، الأردن
– الطبعة: الأولى 2010
مؤلف هذا الكتاب هو المفكر الإستراتيجي، ووزير الخارجية الموريتاني السابق، محمد محمود ولد محمدو، الذي يعمل الآن أستاذا زائرا بمعهد الدراسات الدولية ودراسات التنمية في جنيف، وباحثا بمعهد جنيف للدراسات الأمنية.
وقد عمل من قبل بمعهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد، وبمعهد “رالف بونش” التابع للأمم المتحدة في نيويورك. ويعتبر المؤلف مرجعا في الدراسات الإستراتيجية والأمنية، وخبيرا في منظمة القاعدة وأخواتها.
وقد صدر له من قبل كتابان بالإنجليزية هما كتاب “فهم تنظيم القاعدة: التحولات في طبيعة الحرب” (لندن 2007)، وكتاب “العراق وحرب الخليج الثانية” (سان فرانسيسكو 1988). وقد ترجم هذا الكتابَ من اللغة الفرنسية بأسلوب عربي رصين الباحث الموريتاني المقيم في نيويورك أحمد صالح احميِّد.
إستراتيجيات التهرب
كشف مؤلف الكتاب ما دعاه “إستراتيجيات التهرب” التي تنتهجها النخبة السياسية في الغرب عموما، وفي الولايات المتحدة خصوصا، في تفسير هجمات 11 سبتمبر، محاولة تجاهل الدوافع وراء تلك الهجمات، وأوضح أن “السؤال [عن هذه الدوافع] بحد ذاته ظل على الدوام بدون إجابة في الولايات المتحدة، إذ يتم عن قصد إبعاده عن دائرة النقاش المسموح به، مما جعله في الغرب موضع إبعاد وكبت جماعي.
هكذا غدا الاهتمام الكبير بدوافع الهجمات مما يصنَّف في عداد الثقافية المثيرة للريبة” (ص 6)، والسبب في هذه الريبة هو أن الغربيين “يفضلون قتل الإرهابيين بدل أن يسألوهم لماذا هم إرهابيون… إنهم لا يقومون بالحفر إلى الأعماق في التربة الخصبة للإرهاب خشية الوصول إلى جذور الشر” (ص 192).
لكن المؤلف لم يعبأ بتلك العوائق النفسية والفكرية المسيطرة في الغرب، وقرر أن يحفر في الأعماق، وأن يتحدث عن جذور الشر غير متلعثم، وهي جذور ضاربة في الظلم والإصرار على الظلم. فقدم تفسيرا لتلك الهجمات لا يتقيد “بمألوف المعجم، ومعتاد القيم، ومطروق الآراء” في الغرب (ص 10)، بل ينطلق من الحقيقة الصلبة، وهي أن هجمات 11 سبتمبر الدامية “إنما تعود في المقام الأول إلى الشعور بالظلم، والتعطش إلى المعاملة العادلة المنصفة” وإلى “الرغبة الجماعية في الثأر” (ص 6-7).
“الأمر الذي لا يريد الأميركيون الاعتراف به -لأنه اعتراف ضمني بالمظالم المزمنة التي يرتكبونها في العالم الإسلامي- هو أن تلك الهجمات كانت مدفوعة بدافع الثأر وعزة النفس”
وبين أن تلك الهجمات “ما هي إلا رد فعل على تصرفات الولايات المتحدة الأميركية الجائرة” (ص 10).
ومما يزكي هذا الطرح عند المؤلف أن من يقفون وراء هجمات 11 سبتمبر “عناصر بورجوازية متعلمة، لا مساكين أعماهم التعصب” (ص 149). وقد عاد المؤلف إلى تقرير هذا الأمر أكثر من مرة في ثنايا الكتاب، وأوضح أن الأمر الذي لا يريد الأميركيون الاعتراف به -لأنه اعتراف ضمني بالمظالم المزمنة التي يرتكبونها في العالم الإسلامي- هو أن تلك الهجمات كانت مدفوعة بدافع الثأر وعزة النفس، إذ “من غير المتصور إقدام ملياردير سعودي على التخلي عن نمط عيش الباشوات من أجل تحقيق العدالة، ليعيش في ظروف شظف ومخاطر تحفّ من كل جانب، إلا عندما يتم النيل من الشرف نيلا كبيرا، وأن يكون على قدر من عزة النفس” (ص 145). لكن “الغرب أصم عما لا يريد سماعه” (ص 147) كما يقول المؤلف.
يقدم الكتاب في شقه السردي معلومات مفصلة عن شخصيات منفذي الهجمات، وتنسيقهم مع قيادة القاعدة في أفغانستان، ومفاتيح نجاح خطتهم.
وقد أوجز هذه المفاتيح في أن الخطة اتسمت بـ”بساطة مذهلة” و”شفافية مضللة” (ص 46). كما أن قوة الروابط بين المنفذين أعانتهم على مبتغاهم: فأربعة منهم ينتمون إلى نفس القبيلة (غُمَّد)، وثمانية منهم ينتمون لنفس المنطقة (عسير)، ومن بينهم ثنائيان من الأشقاء.
ثم كان لـ”رباطة الجأش” التي اتسموا بها (ص 48) دور في نجاح تلك العملية المركبة، التي ولدت فكرتها في ماليزيا، والإشراف عليها من أفغانستان، وصيغت خطتها في ألمانيا، وجاء تمويلها من الإمارات، وتم تنفيذها في أميركا.
ويشرح المؤلف مسارات الإعداد للهجمات بعد أن وصل جميع المنفذين إلى الأرض الأميركية، وهو يميل إلى أن تحضيرات الأيام الأخيرة تنم عن استعجالٍ خوف الانكشاف، ربما بسبب اعتقال زكريا الموسوي الذي كان يفترض أن يلحق بالفريق. ثم يقدم وصفا دقيقا لاختطاف الطائرات الأربع ومساراتها، وما آلت إليه كل منها.
بيد أن المؤلف يشكك في صيغة القصة الأميركية الرسمية عن سقوط الطائرة الرابعة في أحد حقول ولاية بنسلفينيا، بعد عراك بين الركاب وبين المختطفين. ويرى ذلك السيناريو “موغلا في الأسلوب الهوليوودي” (ص 85).
وهو يرجح أن الطائرة تم إسقاطها من قِبل طائرتين عسكريتين كانتا في المنطقة حينها. ويرى أن الرواية الرسمية سادت وترسخت في الذاكرة الجماعية بسبب الحاجة إليها في تدعيم المعنويات الأميركية.
ويتتبع المؤلف رد الفعل الأميركي المباشر بعد الهجمات، واستيقاظ الروح الإمبراطورية المتجبرة، كما عبر عنها وزير الدفاع الأميركي حينها دونالد رمسفيلد الذي صرح بأن “على الولايات المتحدة أن تستخدم قوتها لتأديب العالم” (ص 106). وبيّن المؤلف أن رد الفعل الأميركي ينم في سرعته ومداه عن أن هجمات 11 سبتمبر “لم تكن سوى إشارة مؤذنة بالانطلاق في تنفيذ سياسة كانت مبيتة من قبل” (ص 107).
ولم يكن رد الفعل ذلك مجرّد سعي للثأر ممن خططوا لتلك الهجمات، فقد أباد الأميركيون عشرات الآلاف من الأفغان في الشهور التالية للهجمات، وبدؤوا فور الهجمات في التحضير لغزو العراق، فانكشف الواقع عن “شرعية دولية تحولت إلى مهزلة، واستعمار يتم تقبله، وحكومة فاشية تشن حربا ضد دكتاتورية شائخة، لفرض الفوضى العارمة عن طريق القوة… ومسح عار الإهانة عن جبينها، هذا العار الذي لحق بها جراء عملية الحادي عشر من سبتمبر” (ص 121-122).
“المقاومة الإسلامية للهجمة الحضارية الغربية الساعية إلى ضرب المسلمين في مكامن قوتهم، بدأت تتجه وجهة المركز الأميركي بالذات، وتعبر عن نفسها في صيغة مناقَضة متحدِّية لمطامع الأميركيين ومطامحهم”
صراع حضارات
ثم ينتقل المؤلف في الفصول الثلاثة الأخيرة من الكتاب من سرد القصة إلى شرح مدلولها، ووضعها في سياق ثقافي وإستراتيجي أوسع، فيتبنَّى نظرية صمويل هانتنغتون، ويرى أن “صراع الحضارات هو بالفعل أمر واقعي” وأن “الصراع الدولي القائم اليوم… ذو طبيعة ثقافية” (ص 134).
بيد أن طرح المؤلف هنا يبدو أقل تماسكا من ذي قبلُ، لأنه يلح في الوقت ذاته على أن هجمات 11 سبتمبر “ذات بعد سياسي بامتياز” (ص 142) وأن “دوافع محمد عطا، شأنها شأن دوافع بن لادن، إنما كانت بامتياز ذات طابع سياسي” (ص 143) ولم تكن بدافع ديني أو ثقافي.
فهل قصد المؤلف أن هنالك حربا حضارية من جانب واحد، من الغرب ضد العالم الإسلامي؟ ذاك هو فحوى خطابه، وإن لم يصرح به بشكل سافر.
فالصراع الحضاري بين القوى الغربية والعالم الإسلامي قائم، لكن جوهره اليوم هو أن “الغرب يمثل الحضارة التي سعت أكثر من غيرها، وبطريقة ممنهجة، إلى السيطرة على العالم، والحضارة الإسلامية تمثل في هذا السياق منافسها الأكثر صلابة” (ص 139). وهذا فهم دقيق للمعادلة سبق إليه أدوارد سعيد في كتابه عن “الاستشراق”.
ويتجلى هذا الصراع الحضاري اليوم أكثر ما يتجلى في العلاقات الإسلامية الأميركية، ذلك أن “أكثر ضحايا الإمبريالية الأميركية، بغض النظر عن العرق الذي ينتمون إليه، أو الموقع الجغرافي لمناطقهم، يدينون بالإسلام” (ص 142).
وبحسب إحصائيات وزارة الدفاع الأميركية التي يوردها المؤلف، فإن الولايات المتحدة نفذت 19 تدخلا عسكريا في الأعوام الثمانية عشر الفاصلة بين 1980 و1998 في الشرق الأوسط، وكانت كلها موجهة ضد المسلمين، “ولم تكن أي حضارة أخرى عرضة لمثل هذا النوع من التعرض المتكرر للأعمال العدوانية ضدها من جانب الولايات المتحدة الأميركية” (ص 232).
كما أن المقاومة الإسلامية للهجمة الحضارية الغربية الساعية إلى ضرب المسلمين في مكامن قوتهم، بدأت تتجه وجهة المركز الأميركي بالذات، وتعبر عن نفسها في صيغة مناقَضة متحدِّية لمطامع الأميركيين ومطامحهم: فـ”في الوقت الذي تصدر فيه الأوامر إلى بقية العالم بالاصطفاف خلف (فاعلة الخير) في العاصمة الإمبريالية الجديدة واشنطن، هناك مقاومة عربية إسلامية تذكرها على الدوام بمحدودية قوتها الأيديولوجية، ثم –خلافا لكل التوقعات- تباغتها بضربة موجعة” (ص 167).

دمقرطة النضال
ومن الملاحظات الثمينة في الكتاب التأكيد على أن ظاهرة القاعدة ثمرة من ثمار عجز الأنظمة العربية وفشلها في حماية شعوبها، ووقوفها -ومن ورائها الغرب- في وجه أي تحول ديمقراطي، فتحررت قوة الشعوب جراء ذلك بطريقة فوضوية خارج أطر السلطة المتصلبة، بعد أن يئست من التحرر بطريقة شرعية.
والمفارقة هنا أن القاعدة -ذات الخطاب السلفي المعادي لمسمى الديمقراطية- هي في جوهرها ظاهرة ديمقراطية، ولكنها جزء مما دعاه المؤلف “دمقرطة النضال ضد الغرب المتسلط” (ص 144).
يعتقد مؤلف الكتاب أن النفاق الذي يجسده “ما للغرب من قدرة لا حد لها على إحداث قطيعة بين الأقوال والأفعال” (ص 162) والإفلاس الأخلاقي المتمثل في “اللجوء الانتقائي إلى القيم الأخلاقية” (ص 154) سمات جوهرية تكوينية في الثقافة الغربية.
وهو يرى أن “الحرب على الإرهاب التي تخاض في العراق وأفغانستان… ما هي إلا حرب ضد الإسلام” (ص 155) لكن “الطبيعة الحقيقية للغرب المشحونة في الصميم بالحقد على الإسلام والخوف منه” (ص 160) تتم التغطية عليها بزخرف القول والمجاملات الباردة.
ومما ضاعف الموقف الغربي السلبي تجاه الإسلام أن الإسلام دين يعلم أتباعه القيام بالقسط، وعدم الخنوع للذلة أو القبول بالضيم: “فالإسلام دين يرتكز في الأساس على العدل، وكل مبادئه تقريبا تستند على إعطاء الأولوية لهذا البعد” (ص 160).
“بدلا من الاعتراف بالخطأ ورفع الظلم، توسعت دائرة الصراع وتكثفت حينما أعلنت الولايات المتحدة حربا ضد الإسلام دون أن تسميها -لحد الآن- باسمها الحقيقي”
كفى ظلما
يقدم هذا الكتاب هجمات 11 سبتمبر في شكل رسالة عنيفة، مكتوبة بالأحمر القاني وبالخط العريض، تقول: “كفى ظلما”. وقد نجح منفذوها في “أن يجعلوا من موتهم سلاحا مطلقا ضد نظام يحيا بالحرص على الحياة” (ص 194-195).
وكانت تلك الهجمات “فرصة فريدة بالنسبة للولايات المتحدة لاستخلاص العبر والسعي لتعديل توجهات سياستها الخارجية” (ص 227). لكن قراءة الرسالة تستلزم الاعتراف بالخطأ ورفع الظلم، وهو ما لا ترضى به حتى الآن القوى الأميركية والغربية، بل هي تجترح كل يوم ظلما جديدا تهربا من مواجهة الظلم القديم.
وبدلا من الاعتراف بالخطأ ورفع الظلم، توسعت دائرة الصراع وتكثفت حينما “أعلنت الولايات المتحدة حربا ضد الإسلام دون أن تسميها -لحد الآن- باسمها الحقيقي” (ص 230).

وقد قدم مؤلف هذا الكتاب خدمة جليلة للمهتمين بهجمات 11 سبتمبر، وبالعلاقات الإسلامية الأميركية، حينما بيَّن أن الدول الغربية -وأولها الولايات المتحدة- لا تعاني من الجهل النزيه المبني على ضعف الإدراك لجذور وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر، بل من جهل متعمد و”رفض واع ومتعمد لتغيير السياسيات” (ص 194) وإصرار على الظلم وإدامته.
وبرهن الكاتب على أن الانشغال بالتفسيرات الغربية والأميركية لهجمات 11 سبتمبر وما تلاها مضيعة للوقت وتبديد للجهد.
أما بالنسبة للقوى المتحفزة لحرب كونية ضد العالم الإسلامي فإن المؤلف اكتفى بتساؤل ذي دلالة: “هل يجب علينا تذكير هؤلاء الذين ينادون بالنزال أن أسلافهم قد خسروا المعركة إبان الحروب الصليبية”؟ (ص 237).
وإذا كان الكتاب استحثاثا للغرب على “بذل جهد ذهني يطبعه التجرد من المؤثرات التي تُغلِّب المصالح الذاتية على المكاشفة الصادقة” (ص 230) فهو أيضا استحثاث للمثقفين المسلمين على “المحاجة المتحلِّلة من عُقد النقص” (ص 223) حول هذه الأمور الكبيرة والخطيرة، وإلى التحرر من اجترار التفسيرات الغربية التي يطبعها التضليل والتطفيف.
وقد ضرب المؤلف مثالا ناصعا للشجاعة الفكرية في تناوله لهذه الأحداث الشائكة ومدلولها، وهذا موقف جدير بالاحترام والإكبار، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع نتائج صياغاته وتحليلاته.
ويبقى أثمن ما في الكتاب أنه برهن على أن جذور الشر كامنة في السياسات الأميركية، لا في العقيدة الإسلامية، وفي أفعال الظالم المنهجية، لا في ردود أفعال المظلوم الفوضوية. فهل نتشجع جميعا -مسلمين وأميركيين- على تسمية جذور الشر بأسمائها كما فعل مؤلف الكتاب، أملا في اقتلاعها من طريقنا إلى العدل والحرية؟
المصدر: الجزيرة نت

عرض موقع الألوكة لكتاب الهجمة المضادة للحملة الصليبية

http://www.alukah.net/Culture/0/27786/

الكتاب: الهجمة المضادة للحملة الصليبية: جذور وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر.
المؤلف: محمد محمود ولد محمدو.
ترجمه عن الفرنسية: أحمد صالح أحميِّد.
عدد الصفحات: 290.
الناشر: عالم الكتب الحديث، إربدْ، الأردن.
الطبعة الأولى: 2010.
• • • • •
صبيحة يوم الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001، اصطدمتْ طائرتان جوِّيَّتان مدنيَّتان مخطوفتان ببُرْجَي مَبنى مركز التجارة العالَمي؛ لينهارَ المبنى في مشهد هوليودي دراماتيكي من الطراز الأول الثقيل، في غضون ساعات معدودة، ولتستيقظ “أمريكا” التي كانتْ غَارقة في “الصناعات الترفيهيَّة”، وحالة من “اللامبالاة” على وقْعِ هجمات – وُصفتْ بـ”الحدث الجَلَل” – لتتوالى الأحداث بسرعة غير طبيعيَّة، أُعلن عن طائرة ثالثة هاجمتْ مَقرَّ وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، ثلاثة آلاف من الضحايا والمصابين من جرَّاء الإنفجارات؛ ليعلن الرئيس الأمريكي “جورج دبليو بوش” عن الحرب ضد الإرهاب و”القاعدة”، تَحت مُسَمَّى “الحرب الصليبية الجديدة” – حسب تعبير بوش بعد ذلك – مع مباركة أغلب أنظمة الدول العربية الإسلامية لهذه الحرب بعد أن طالتْها أصابعُ الاتهام المباشر، ليبدأ عصر “الهيمنة الأمريكية” الجديد.
يحاول الكاتب محمد محمود ولد محمدو – في كتابه الثري بالتفاصيل “الهجمة المضادة للحملة الصليبية: جذور وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر” – تفسير: “لماذا تَمَّ ارتكاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟ لماذا وقَع حادث من هذا القبيل؟ ما الذي بلغ بشباب مُتعلِّمين من أوساط برجوازية عربية، ويعيشون حياة عَصْريَّة، ما الذي جعلَهم يأخذون في التحضير الدقيق لهجمات انتحارية من هذا النوع؟”؛ (ص: 5).
ويدلِّل الكاتب أنَّ كتابه “مصدر للمعلومات المتعلِّقة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ووسيلة للتفكير في أسبابها وآثارها، وفَهم مدلولاتها، والتفكير في تبعاتها”؛ (ص: 8).
وساعد على التدليل على أهميَّة الكتاب كمُّ المعلومات التي يزْخَر بها الكتاب في أسلوب سَردي طيِّب من الكاتب، إلى جانب أنَّ الكاتب نفسَه ضليعٌ في العمل السياسي، فصاحِب الكتاب باحثٌ، وحاصِل على الدكتوراه في العلوم السياسية، وسَبَق له أنْ تقلَّد مناصب أكاديميَّة مرموقة، فقد شَغل منصب المدير المساعد لبرنامج السياسات الإنسانية والبحث في النزاعات بجامعة “هارفرد”، وكذلك مدير البحث بالمجلس الدولي لسياسات حقوق الإنسان “بجنيف”، وعمل باحثًا بمعهد “رالف بنتش” للأمم المتحدة بمدينة “نيويورك”، إلى جانب كونه وزيرَ خارجية دولة “موريتانيا” الأَسْبق.
صدرتْ للكاتب كتب عديدة، من ضمنها: “فَهم تنظيم القاعدة: التحولات في طبيعة الحرب”، (لندن، 2007)، “العراق وحرب الخليج الثانية – بناء الدولة وأمن النظام”، (سان فرانسيسكو، 1988).
كما نُشِرَت له كذلك أبحاث وكتابات في صحف عَريقة، من بينها: “نيويورك تايمز”، “شيكاغو هرلد تربيون”، وصحيفة “لوموند دبلوماتيك” الفرنسية، ودورية الأبحاث القانونيَّة بجامعة هارفارد.
فالمؤلف يُعدُّ من طليعة الباحثين في الغرب، إلى جانب أنه يجيد التحدُّث بأربع لغات: الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، والعربية.
صدّرَ الكاتب مؤلَّفه بمدخل تمهيدي بعنوان “الحدث الْجَلل”، يتحدَّث فيه عن الدافع لكتابة هذا الكتاب: “فلئن ظلَّ الغموض يَلفُّ العمليَّات المنفَّذة ضد الولايات المتحدة، فإنه قد أصبحَ من الممكن الاعتماد على بعض العناصر؛ لإعادة بناء الكيفيَّة التي تَمَّ عليها تخطيط العملية وتنفيذها، (أين؟ ومتى؟ وإلى حد ما: كيف؟)، حتى وإن كان ذلك بشكلٍ غير مكتمل”؛ (ص: 9)، وعليه فقد أتْبَع الكاتب تمهيده بأربعة فصول تحضيرية تقديميَّة عن أهم ملابسات تلك العمليات، وتعريف بالأشخاص ذوي الصِّلَة بالهجوم، وكيف تَمَّت الهجمات؟ ثم أنهى كتابه بثلاثة فصول تحليليَّة متماسكة، تعضدها شهادات هامَّة ومباشرة من الغربيين أنفسهم عن تبايُن النظرة الغربيَّة للعالم العربي الإسلامي، وعن كون تلك الهجمات كانتْ بمثابة “الثمن” الذي “دفعتْه” الولايات المتحدة جرَّاء سياساتها الجائرة في حقِّ العالم العربي – الإسلامي.
الكوماندوز: العقول المدبرة:
يبدأ الكاتب فصول كتابه بتعريف بأهم شخوص مُنفِّذي الهجمات، وماهيتهم، وكيفيَّة ارتباطهم بتنظيم القاعدة، وبدايات الفكرة وتبلورها؛ من خلال “خلية هامبورج” بألمانيا، “تشكَّلتْ في مدينة “هامبورج” خلال الفترة 1996 – 1998 نواة صُلبة لهذه المجموعة تضمُّ (6) شُبَّان مسلمين بريادة محمد عطا، أحد طلاب قسم الهندسة العمرانيَّة، والقائد المزعوم للكوماندوز الذي نفَّذ الهجمات، لقد اكتسبَ الفريق تدريجيًّا سِمَة التجانُس؛ من خلال الْتِفَافِه حول هذا المصري البالغ من العمر سبعة وعشرين عامًا، والذي انضمَّ إليه الإماراتي مروان الشحي، واللبناني زياد الجرَّاح، واليمني رمزي بن شيبة”؛ (ص: 13).
واختيار الكاتب نفسه لتعبير “الكوماندوز” جاء موفَّقًا لحدٍّ كبير؛ للتأكيد على أنَّ هؤلاء التسعة عشر من الفريق هم بمثابة النخبة الذين تَمَّ انتقاؤهم بعناية؛ لتكون أرواحهم فداءً لمعتقدهم، أو حسب تعبير “روبر بليرز” – القسم المختص بشؤون مكافحة الإرهاب بمكتب التحقيقات الفيدرالي – الذي صدَّرَ به الكاتب فصله الأول “تسعة عشر تقدَّموا لقَتْل أنفسهم! وما خارتْ عزيمة أيٍّ منهم، لقد قاموا كلُّهم بذلك، وهو ما يفيد حقيقةً بأنَّ طريقة انتقائهم كانت ممتازة”؛ (ص: 13).
ويؤكِّد الكاتب على أنَّ أعضاء الكوماندوز برهنوا بصفة خاصة على رباطة الجأْش؛ لأن دوريات الشرطة قامتْ أربع مرات باعتقال أحد أعضاء الفريق – عطا والجراح، فكلاهما اعْتُقِل مرتين – وفي كل مرة يتمُّ فيها التوقيف، “أَبْدى الانتحاريون قُدرة على التحلِّي بضبط النفس حالتْ دون وقوعهم في الارتباك، متجنِّبين بذلك أن يتمَّ الكَشْف عنهم أو أن يفتضحَ أمرهم”؛ (ص: 48)، وهذا كان بدوره أحد “مفاتيح النجاح” للعمليَّة؛ (ص: 46).
يركِّز الكاتب على حقيقة أنَّ التسعة عشر من مُنفِّذي العمليات أغلبهم من منطقة الشرق الأوسط، ومن بلدان عربيَّة إسلاميَّة، وسَبَق لبعضهم أن خَرَج في مطلع التسعينيَّات للجهاد في أفغانستان والشيشان ضدَّ هجمات الاتحاد السوفييتي السابق، ورُبَّما كان هذا أحد الأسباب الرئيسة للتواصُل مع تنظيم القاعدة فيما بعد، والْتِقَاء الأفكار معًا على أرضيَّة عمل مشتركة، وأغلبهم “إخوة أو أولاد عمومة”؛ (ص: 41).
جمعتْ بينهم قوَّةُ الروابط، وساعدتْ على تماسُك الهيكل العام لشخوص العمليَّة، ويؤكِّد الكاتب أنَّ الفقر والجهل لَم يَعُودا سببًا لتلك العمليات (الإرهابية) حسب ما يروِّج له الإعلام الداخلي الموجَّه، “وكما يروق للإعلام الأمريكي أن يقدِّم الإرهابيين”؛ (ص: 149)، فأغلب أعضاء منفِّذي الهجمات شخصيَّات برجوازيَّة تنتمي لعوائل محترمة، وبعضهم حَازَ أعلى الشهادات العلميَّة، فالظواهري – منظر تنظيم القاعدة، والأب الرُّوحي لهجمات 11 سبتمبر – “طبيب جرَّاح ينتمي إلى أسرة برجوازيَّة عريقة بالقاهرة، فخالُه كان أوَّل من تقلَّد منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية”، (ص: 149)، ومحمد عطا أبرز الأعضاء وقائد المجموعة “ولِد في كنف أسرة برجوازيَّة من القاهرة، وحَصَل على دبلوم في الهندسة المعمارية، ووَصَل إلى “هامبورغ” بألمانيا؛ لاستكمال دراساته العُليا”؛ (ص: 22)، و”كل مَن عرفوا “عطا” يشهدون لهذا الشاب بسَعْيه الدؤوب؛ لتحقيق الامتياز في جميع أنشطته”؛ (ص: 23)، و”زياد سامر” الجرَّاح اللبناني كان طبيبًا جرَّاحًا، أو حسب وصْف “روزماري كانل” – صاحبة البيت الذي استأجرَ الجرَّاح اللبناني إحدى غُرفه حال إقامته بهامبورغ -: “لقد كان طيبًا جدًّا، وذكيًّا جدًّا، وإنه أوروبي بالكامل”؛ (ص: 25)، و”مروان الشحي” الإماراتي كان “ابنًا لأحد الأئمة”؛ (ص: 24)، و”نوَّاف الحازمي”، “ابن تاجر سعودي يمتلك متْجرًا كبيرًا بمكة”؛ (ص: 35).
لذا؛ فهم – على حدِّ تعبير الكاتب نفسه – “عناصر بورجوازية مُتعلِّمة، لا مساكين أعماهم التعصُّب”؛ (ص: 149).
يقدِّم الكاتب خلال الفصل وصفًا سَرديًّا لكيفيَّة اندماج عناصر المجموعة وتبلور الفكرة العامَّة لتلك العملية المركَّبة، والتي وُلِدتْ فكرتُها في ماليزيا، والإشراف عليها من أفغانستان، وصِيغت خُطتها في ألمانيا، وجاء تمويلها من الإمارات، وتَمَّ تنفيذُها في الولايات المتحدة الأمريكيَّة.
التحضيرات – الإعداد للعملية:
يضع الكاتب في فصله الثاني تصوُّرًا محتملاً لكيفيَّة الإعداد للتحضيرات الأخيرة الخاصة بالعمليَّة، والتي جاءتْ أثناء لقاء أعضاء الفريق في “تاراغونس” بإسبانيا؛ حيث: “تمخض عنه اتفاق الفريق على أنَّ المصري “محمد عطا” هو من سيقرِّر تاريخ العمليَّة والمواقع المستهْدَفة بها، وأنه سيُبلغ رفاقه بذلك، وبالطرق التي يختارها”؛ (ص: 54)، وعليه، فإنه “بقَدْر ما كان اعتبار اجتماع “كوالالمبور” بماليزيا بمثابة نقطة البَدء لانطلاقة عمليَّات الحادي عشر من سبتمبر، فإن لقاء “تاراغونس” يبدو كما لو كان بمثابة الاجتماع الخاص بالتحضيرات الأخيرة، وهذان اللقاءان رُبَّما يكونان المرتين الوحيدتين اللتين تتقابَل فيهما الخليَّة التي يديرها “عطا” وجْهًا لوجْه مع رُعاتها من القاعدة، أو – على الأقل – ممثِّليهم بأوروبا وأسيا”، (ص: 55).
ويشرح المؤلِّف مسارات الإعداد للهجمات بعد أن وصَلَ جميع المنفِّذين إلى الأرض الأمريكيَّة، وهو يَميل إلى أن تحضيرات الأيام الأخيرة كانتْ تنمُّ عن استعجالٍ؛ خوف كَشْف وافتضاح أمرهم، خاصةً بعد اعتقال زكريا الموسوي – العضو الفرنسي العشرين – الذي كان يُفترض أن يَلحق بالفريق، هذا الخبر الذي “ربما يكون عطا ومساعده قد أَخْفَياه عن باقي أعضاء المجموعة؛ حِرصًا على السِّريَّة، وهو ما أَلْقَى بظلاله على عملية كان يمكن في هذه المرحلة – أكثر من أي وقتٍ مَضَى – أن تنكشفَ في أيِّ لحظة، كما أن نجاحَها مُعتمد على التصرُّفات المتعددة لهؤلاء النفر التسعة عشر؟”؛ (ص: 61).
يركز الكاتب في نهاية فصله على بساطة العملية ماليًّا، رغم صعوبتها من الناحية التكتيكيَّة، في مقابل كمِّ الخسائر الهائلة على الجانب الأمريكي التي كان يعوِّل عليها “محمد عطا” ورفاقه كأحدِ المهام المنوط تحقيقها من جَرَّاء العملية، فيقول: “كُلِّفتِ العملية في النهاية ما يُناهز ثلاثمائة ألف دولار، وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، فإن تداعيات العملية ستكلِّف الولايات المتحدة خسارة قَدرها عشرون مليار دولار، منها: ثلاثة مليارات ومائتي ألف دولار في ولاية نيويورك كأضرار مادية وخَسائر في المداخيل (البشرية)”؛ (ص: 62).
العملية – اختطاف طائرات الهجوم:
يقدِّم الكاتب وصفًا دقيقًا لعملية اختطاف الطائرات الأربع، ومساراتها، وتوجيهها بعد ذلك نحو الأهداف التي كان “محمد عطا” ورفاقه ينوون الهجوم عليها في وقتٍ واحدٍ مُتَّفَق عليه، وما آلتْ إليه كلٌّ منها.
يصِف الكاتب أن العمليَّة تَمَّتْ “ببساطة مذهلة”، و”شفافية مُضللة”؛ (ص: 46)، وأنَّ “الواقع تفوَّق على الخيال” أثناء تنفيذ عملية اختطاف الطائرات الأربع، فقد قَسَّم “عطا” رفاقه أربعة فِرَق ترأَّس هو بنفسه إحدى تلك الفِرَق، بينما كان “الشطي” و”الجرَّاح” و”هاني حنجور” على رأْس الفِرَق الثلاث الأخرى، وقامتْ كلُّ فِرقة باختطاف طائرة مَدَنيَّة بعد إقلاعها في الجو؛ لتوجيهها لمناطق الهجوم المستهْدَفة.
يقدِّم الكاتب جَدَلاً حول مصير الطائرة الرابعة التي كان يقودُها “زياد الجرَّاح” الطبيب اللبناني، والتي فشلتْ في تحقيق هَدَفِها، وسقطتْ في أحد حقول ولاية “بنسلفانيا”، بعد عِراك بين الرُّكَّاب وبين المختطفين.
ويرى ذلك السيناريو “مُوغلاً في الأسلوب الهوليودي”؛ (ص: 85)، ويرجِّح أن “الحكومة الأمريكيَّة، لعلَّها هي مَن قامتْ بكتابة هذا السيناريو المتضمِّن تحديدًا لانفراج بطولي”؛ (ص: 83)، ويرجِّح الكاتب نفسه أن “تكون طائرات حربيَّة قامتْ بتعقُّب الطائرة إلى أن آلَ الأمر بها إلى إطلاق صاروخ على أَحَد مُحَرِّكاتها، فالانفجار وليس التحطُّم هو ما يُفَسِّر تناثُر حُطام الطائرة بموضعين مختلفين، امتدَّتْ مساحتهما على مدى اثني عشر كيلو مترًا إلى مشارف بحيرة إينديان ليك”، (ص: 86).
يبيِّن الكاتب أنَّ إخفاء الحكومة الأمريكيَّة لأغلب تفاصيل تلك العمليَّات، وتكتُّمها على الصناديق السوداء للطائرات المختطفة ومحتواها، “كل ذلك فتَحَ الباب أمام ما لا مَناص منه من شيوع للأساطير الحضريَّة (الخرافيَّة)، مثل: الفرضيَّة التي تزعمُ أنَّ الطائرتين اللتين ضَرَبَتَا البُرْجين التَّوْءَمين كانتا موجَّهتين عن بُعد، وأنَّ أسامة بن لادن عميل لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكيَّة”؛ (ص: 92).
يستبعد الكاتب كذلك المحاولة المغلوطة؛ لتقرير صِلة إسرائيل بالهجوم، على أَثَر خلفيَّة حادثة “رؤية خمسة احتياطيين من الجيش الإسرائيلي يعملون موظَّفين لدى شركة عاملة في مَيدان نقْل الأمتعة والتجهيزات بنيويورك وهم يرقصون في مُنتزه الحريَّة “ليبرتي استيت بارك”، كما لو كانوا يحتفلون بتدمير مركز التجارة العالمي”؛ (ص: 93)، ولكنه يرجِّح أنه رُبَّما كون ” أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قد تمكَّنتْ من الحصول على معلومات ذات صِلة بكوماندوز الحادي عشر من سبتمبر، ولَم تقمْ بنَقْلها إلى وكالات الاستخبارات الأمريكيَّة الحليفة لها”؛ (ص: 96).
وهو ما يبدو واضحًا عقب تحليل تلك الأحداث المترابطة؛ حيث إنَّ ضلوع “الموساد” في هجمات الحادي عشر من سبتمبر يبقى ببساطة أمرًا مستبعدًا”؛ (ص: 97).
التأهُّب لخوض الحرب:
ويتتبَّع المؤلِّف ردَّ الفعل الأمريكي المباشر بعد الهجمات، واستيقاظ الرُّوح الإمبراطوريَّة المتجبِّرة، كما عَبَّر عنها وزير الدفاع الأمريكي حينها “دونالد رمسفيلد” الذي صرَّح بأنَّ “على الولايات المتحدة أن تستخدم قوَّتها لتأديب العالَم”؛ (ص: 106).
حيث سارَعَ جميع السياسيين الأمريكيين باتِّهام تنظيم “القاعدة” كالمحرِّك الأساسي لهذه الهجمات، مما يُثير قدرًا كبيرًا من الشك والريبة؛ “فالواقع أنَّ الولايات المتحدة بدأتْ في الترتيب لردِّ “شامل” بسرعة لَم يسبق لها مثيل، بحيث بدا كما لو أنَّ الأحداث التي وقعتْ عَشيَّة اليوم السابق لَم تكنْ سوى إشارة مؤذنة بالانطلاق في تنفيذ سياسة كانتْ مبيَّتة من قبل”؛ (ص: 107)، وسارعتِ الإدارة الأمريكيَّة وسط تأييد جيرانها الأوروبيين بغزو أفغانستان في غضون شهور قليلة، “وفي نهاية المطاف قرَّرت الولايات المتحدة – مُتذرِّعة بهجمات الحادي عشر من سبتمبر – شنَّ حَربٍ ستمكِّنها من التخلُّص العسكري من طالبان، وإحكام السيطرة المباشرة على أفغانستان”؛ (ص: 112)، وهو ما يؤكِّد أنَّ “وراء الدفاع المشروع عن النفْس – الذي تذرَّعتْ به إدارة “بوش”؛ لتبرير غزو أفغانستان – تتخفَّى بالأساس الرغبة الأمريكيَّة الجامِحة والمبيَّتة منذ أَمَد بعيد للسيطرة على أسيا الوسطى ومصادر الطاقة الموجودة بها”؛ (ص: 110).
ويؤكِّد الكاتب مرة ثانية أنَّ سرعة الردِّ الأمريكي على هجمات الحادي عشر من سبتمبر وطبيعة هذا الردِّ، يُمكن اعتبارهما تنفيذًا عمليًّا لسياسة رُتِّبَ لها منذ أَمَد بعيد؛ (ص: 111).
ويرى الكاتب أنَّ الربط بين أحداث الحادي عشر من سبتمبر وغزو العراق بعد ذلك، كان مقحمًا بصورة فَجَّة من جانب إدارة “بوش”؛ لتوسيع هَيمنة أمريكا على مصادر الطاقة، وأن الولايات المتحدة قد “خَسِرتْ سياسيًّا”؛ (ص: 119) في تلك الحرب غير المبرَّرة، والتي وَصَفَتْها بأنَّها “حرب وقائيَّة ضدَّ عراق صدام حسين”؛ (ص: 118)، وخاصةً بعد كَشْف كمِّ جرائم الحرب، والانتهاكات الدوليَّة التي ارتكبتْها أمريكا خلال غزو العراق، أو في سجونها التي أقامتْها على أرض العراق كسجن “أبو غريب”، وغيرها كـ”جوانتانامو” جنوب شرق “كوبا”، بحيث لَم يَعُدْ لها أن تتفاخَر بـ “النموذج الديموقراطي الذي كان يُمثِّل خلال جزءٍ كبير من القرن العشرين مصدرَ إلهامٍ بالنسبة للكثيرين”؛ (ص: 122).

ونجد أنَّ الولايات المتحدة بنظام استخباراتها القوي قد فَشِل فشلاً ذريعًا في التنبُّؤ بهجمات الحادي عشر، رغم العديد من التحذيرات والمؤشِّرات التي كانتْ تفيد بأن من المحتمل “توجيه ضربات هجوميَّة ضد الولايات المتحدة الأمريكية”؛ (ص: 112)، ويظهر ذلك جَليًّا في “ضخامة الردِّ الأمني والعسكري الأمريكي على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والذي يُعبِّر عن الرغبة في تعويض عجز المخابرات الأمريكيَّة عن التنبؤ بهجمات الحادي عشر من سبتمبر أو التمكُّن من إجهاضها”؛ (ص: 112).
صدام الحضارات – مناقشة مع هنتجتون:
يبدأ الكاتب فصوله الثلاث التحليليَّة الأخيرة بمناقشة نظريَّة “صراع الحضارات”، التي نادى بها “صمويل هنتجتون” عام 1993 كتفسير لماهيَّة تلك الأحداث؛ حيث سَبَق للكاتب محاورة “هنتجتون” بصفة شخصيَّة بشأْن آرائه المتعلِّقة بالنظام السياسي والديموقراطي، وخاصة نظريته الأكثر جَدلاً بخصوص تصادُم الحضارات على أساس ثقافي لا أيديولوجي أو اقتصادي، ونرى الكاتب يتبنَّى هذه النظرية في تفسيره، ويرفض تفسير الصراع بين الشرق والغرب على أنه صراع بين الأديان، أو ذو طابع اقتصادي بَحْت، وإنما “الأمر يتعلَّق بداهة بصراع بين الحضارات والثقافات”؛ (ص: 136)، و”الصدام الثقافي هو واقعٌ لا يُمكن إنكارُه، على اعتبار أنَّ العلاقات بين الغرب والعالَم الإسلامي كانتْ على الدوام تصادُميَّة، لدرجة أنه يُمكن التحدُّث – دون مبالغة – عن عداءات حضارية”؛ (ص: 139)، ومِن ثَمَّ “فإن المشكل يتلخَّص ببساطة في أن الغرب يمثِّل الحضارة التي سَعَتْ أكثر من غيرها، وبطريقة ممنهجة إلى السيطرة على العالَم، والحضارة العربية الإسلامية تمثِّل في هذا السياق منافسها الأكثر صلابة”؛ (ص: 139).
ويجانِبُ الكاتب الصواب في تفسير هجمات الحادي عشر من سبتمبر على أساس نظرية أستاذه “هنتجتون” التي ينادي بها؛ حيث يؤكِّد على أنَّ هجمات 11 سبتمبر “ذات بُعد سياسي بامتياز”؛ (ص: 142)، وأن “دوافع “محمد عطا” شأْنها شأْن دوافع ابن لادن، إنما كانتْ بامتياز ذات طابع سياسي، فهذه الدوافع تنبعُ – في الواقع – من مسألة عدم التناظُر في القوة أكثر مما تعود إلى صِراعات محليَّة أو مسارات تتعلَّق بليبراليَّة العالَم السياسي”؛ (ص: 143)، ولَم تَكنْ بدافع ديني أو ثقافي؛ أي: كأن الكاتب يريد أن يؤكِّد أنَّ الشرق والعرب عامَّة غير قادرين على مُجاراة نَهْج الحضارة الغربيَّة ذات النظرة الاستعلائية الاستعمارية، ومِن ثَمَّ حَدَث التصادُم حضاريًّا، ووقعتْ أحداث الحادي عشر، “فالولايات المتحدة تستعمر بلدين مسلمين – أفغانستان والعراق – وتدعم بشكلٍ نَشِط استعمار بلد ثالث (فلسطين)، وهي تُهَدِّد عَلنًا دولتين أُخْرَيين – إيران وسوريا – كما فرضتْ عُزلة دبلوماسيَّة على اثنتين أخريين – السودان وليبيا – إلى أن انصاع “القذافي” لمطالبها، وتتسامح إزاء قمع المسلمين في الشيشان وكشمير، فهل يُمكن أن نتفاجَأ بما يشعر به النشطاء الإسلاميون – والحالة كهذه – من رغبة جامِحة في الثأْر من الأمريكيين، يشاطرهم فيها الكثير من المسلمين المعتدلين، أكثر ممن يقرون بذلك علنًا؟”؛ (ص: 143).
ويعتبر الكاتب أنَّ ظهور تلك الجماعات النشطة سياسيًّا نابعٌ من “فشل الأنظمة العربية في حماية مصالحها، وتضافُر ذلك مع واقع هَيمنة القُوَى الغربية على هذه الدول؛ مما أدَّى إلى ظهور فاعلين من خارج المؤسَّسات الرسميَّة على المسرح – مثل القاعدة – أخذوا على عاتقهم سدَّ الفراغ في السلطة الملاحَظ لدى الأنظمة العربيَّة والإسلامية”؛ (ص: 144)، وأنَّ هؤلاء الشباب المتحمِّس للاستشهاد في سبيل تلك القضية “نمط جديد من المعارضة تجاه الغرب يمثِّل ديمقراطيَّة النِّضَال ضدَّ الغرب المتسلِّط”؛ (ص: 144).
ويرى الكاتب أنَّ تلك الجماعات الأصوليَّة هي إفراز طبيعي “ناجم بالأساس عن السياسات الغربيَّة الاستعماريَّة الجديدة والإمبرياليَّة، فالظاهرة الجديدة للحادي عشر من سبتمبر هي أن مجموعة مُعَيَّنة من النخب العربيَّة ذات التوجُّه الإسلامي قرَّرتْ – وهي متسلِّحة بعزيمة نادرة – أن تترجِمَ في أفعال متجسِّدة ما كان يَجيش في صَدْرها من امتعاض لتلك السياسات”؛ (ص: 149).
ومنه يظهر بشكلٍ واضحٍ أنَّ سياسة “النفاق تمثِّل إحدى القِيَم البنَّاءة ضمن الجوهر اللازم لنَمَط النهج السياسي الغربي”، وأنَّ “التوسع الاستثنائي والتفوق الذي أحْرَزَه الغرب يعود جزئيًّا إلى ممارساته الشَّرِسَة، والطابع المنظَّم لهذه الممارسات، كما يعود إلى أنَّ الغربيين يقتلون بطريقة أكثر فاعلية من الثقافات الأخرى”؛ (ص: 154).
وإنه تبعًا لهذه الغَطرسة الغربية، والأسلوب الاستعلائي المتسلِّط “يبلغ نفاق الغرب ذِروته حينما يرفض الإقرار بمهاجمته للإسلام، فالحرب التي تُخَاض فِعليًّا في أفغانستان والعراق ما هي إلا حرب ضدَّ الإسلام”، وإنَّ تلك الحروب والمواقف العدائيَّة “تَكْشف ببساطة، وبِما لا يدع مجالاً للشكِّ، عن الطبيعة الحقيقيَّة للغرب المشحونة في الصميم بالْحِقْد على الإسلام والخوف منه”؛ (ص: 160).
“في الوقت الذي تَصدر فيه الأوامر إلى بقيَّة العالَم بالاصطفاف خلف (فاعلة الخير) في العاصمة الإمبرياليَّة الجديدة “واشنطن”، هناك مقاومة عربيَّة إسلاميَّة تُذَكِّرها على الدوام بمحدوديَّة قُوَّتها الأيديولوجيَّة، ثم – خلافًا لكل التوقُّعات – تُبَاغِتها بضَرْبة مُوجِعة”؛ (ص: 167).
ويرى الكاتب كمحصلة للأمر مع أستاذه هنتجتون “أن انحطاط الغرب بحسب اعترافات بعض الغربيين أنفسهم قد بدأ بالفعل؟”؛ (ص: 156).
محصلة كل المخاوف:
بماذا غيَّر الحادي عشر من سبتمبر الولايات المتحدة الأمريكية والعالَم؟
• بروز نَمَط من الفاشيَّة في الولايات المتحدة الأمريكية، أو دولة الجيش التي تعيش حالة استنفار حَربي دائمة.
• ظهور محاولة لفَرْض “الإمبراطورية الأمريكيَّة” على العالَم، وما ترتَّب عليه من غزو أفغانستان والعراق، والتهديد باحتلال سوريا وإيران، ووضْع بعض الدول مصدر التهديد تحت مُسَمَّى “محور الشر” (إيران وكوريا الشمالية وكوبا).
• تصدير النموذج الأمريكي إلى الخارج للدول المتحالفة قَسرًا، عن طريق تطويع القانون الدولي لِخِدمة مصالحها، وتجريد المنظَّمات الدولية من الصبغة الشرعية التي تتمتَّع بها، مثل: تعزيز الأنظمة السلطوية التي تضمن هَيمنة الإمبريالية الأمريكية في باكستان والعراق وإسرائيل، التهديد بقَطْع المساعدات الاقتصادية عن الدول التي لا تتعاون في ملاحقة “الإرهابيين”، إضفاء الشرعيةَّ على جرائم الحرب التي ارتكبتْها في حروبها بعد الحادي عشر من سبتمبر بحجة ملاحقة الإرهابيين.
• التحلُّل من حقوق الإنسان، ودولة القانون التي كانتْ تتشدَّق بها أمريكا دومًا، فعلى إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر ضاعفتِ السلطات الأمريكية انتهاكاتها للحُريَّات العامَّة، مثل: القيام بعمليات التجسُّس على المنازل، الرقابة على المواطنين، اعتقال الرعايا الأجانب لآجال زمنيَّة غير مُحددة دون محاكمتهم طبقًا لقانون الاشتباه، عسكرة القَضاء الجنائي، خَرْق نصوص معاهدة “جنيف” بشأن معاملة المحتجزين أمنيًّا وأسْرَى الحروب، وتحييد المدنيين أثناء الحروب.
• حسب إحصائيَّات السلطات الأمريكية نفسها، تَمَّ في الفترة ما بين ربيع عام 2001 وصيف 2003، توقيف ما يناهز ثلاثة آلاف شخص بحجة أنهم أعضاء في تنظيم القاعدة، وبحسب إحصائيَّات مستقلة، فإنَّ عددَ المعتقلين قد وصَل إلى خمسة آلاف شخص، وسُلِّم مائة شخصٍ من المعتقلين إلى سلطات البلدان الصديقة – وبالأخص الأردن وسوريا ومصر – وألزمتِ الأجهزة الأمنيَّة السريَّة باستنطاقهم.
• التعامُل مع العدو الوهْمي الجديد كما لو كان حقيقة، بحيث أضحت “القاعدة” أداة وهميَّة، يُراد لها أن تكون مصدر الشرور في كلِّ مكان حسب التصور الأمريكي، ومنه ترسيخ فكرة “الإسلام الراديكالي” – عالَميًّا – كعنوان رئيس للإرهاب.
• منذ الحادي عشر من سبتمبر قامت الولايات المتحدة بإنشاء ثلاث عشرة قاعدة عسكريَّة في ثماني دول – المجر، رومانيا، بلغاريا، العراق، أوزبكستان، قيرغيزستان، أفغانستان، باكستان – من أجْل تدعيم سياسة “الدفاع عن النفس” التي وضعتْها كسبيل لتدعيم مفهوم التدابير الاستباقيَّة ضد البلدان المعادية والتنظيمات الإرهابيَّة، وذلك من جانب أحادي من ناحيتها.
• المسعى العنيف والأعمى من جانب الولايات المتحدة؛ لكَبْح حريَّات الآخرين بما فيهم مواطنوها أنفسهم، كذلك جَعل أمريكا – حسب تعبير الروائي “نورمان ميلر” – بصَدد التحوُّل إلى “دولة ضخمة ذات مقومات هَشَّة” تحمل مقومات فنائها.
نهاية الأوهام – الحصاد الْمُرّ:
يرى الكاتب أنَّ أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد فرضتْ حالة من “الْهَلع الشديد” بالولايات المتحدة الأمريكية؛ (ص: 207) أدَّتْ بها إلى “حالة استنفار دائم”؛ (ص: 208)، وبدلاً من تصحيح الأوضاع بالاعتراف بالخطأ ورَفْع الظلم، حيث مَثَّلَتْ هجمات الحادي عشر من سبتمبر “فرصة فريدة بالنسبة للولايات المتحدة؛ لاستخلاص العِبَر والسَّعْي لتعديل توجُّهات سياستها الخارجية”، (ص: 227)، على النقيض تمامًا، توسَّعتْ دائرة الصراع وتكثَّفتْ حينما “أعلنت الولايات المتحدة حربًا ضد الإسلام دون أن تسمِّيها – إلى الآن – باسمها الحقيقي”؛ (ص: 230).
وعلى المدى البعيد ستكون مُحَصلة كل تلك الغَطرسة والجبروت الأمريكي “دَفع الولايات المتحدة ثمنًا باهظًا جرَّاء سلوكها الإمبريالي، الداعم بلا هَوَادة للسياسة الإسرائيليَّة الهدَّامَة، وللحروب التي أشعلتْها في أفغانستان والعراق، فهناك أجيال جديدة من العرب والمسلمين يتربَّون اليوم على كَرَاهية أمريكا، وهذه الكراهية آخذة في الاتِّساع؛ لتشمل كلَّ حليف للولايات المتحدة”؛ (ص: 207 – 208).
وينادي الكاتب الأصوات المتعقلِّة في الغرب بتحييد الصراع، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فمن الواضح تمامًا “أن الإسلام هو المستهدَف الوحيد بِجام الغضب الصادر عن هؤلاء الذين يقدِّمون دروسًا للغير، ويُنَصِّبون أنفسَهم حُماة للقِيَم”؛ (ص: 217)، وهم في أشدِّ الحاجة لها.
ويبرْهِن الكاتب على أنَّ الانشغال بالتفسيرات الغربيَّة والأمريكية لهجمات 11 سبتمبر وما تلاها – مَضْيعة للوقت وتبديد للجُهد، وأنَّ الانسياق وراء “نفاق وسائل الإعلام الغربيَّة”، وأصوات الشر من الكُتَّاب الغربيين المتطرِّفين سوف يُسْهم في “إبعاد أعداد من الغربيين – ممن ليسوا أغبياء ولا شركاء – عن استيعاب حقائق الصراع”؛ (ص: 224)، وأنَّ “سياسة الثأْر” و”كَبْش الفِداء”؛ (ص: 237) – التي يتعامل بها الغرب والولايات المتحدة ضدَّ كل ما هو إسلامي – هي بمثابة “انحطاط حضاري”؛ (ص226) يَصْعُب معه “إنقاذ ما كان من المتاح إنقاذه”؛ (ص: 226).
ويتساءل الكاتب متعجِّبًا: هل يجب علينا تذكير هؤلاء – الذين ينادون بالنزال – أنَّ أسلافهم قد خَسِروا المعركة إبَّان الحروب الصليبية؟”؛ (ص: 237).
ذاقت الولايات المتحدة في نهاية الأمر طعمَ العقاب، وفي نهاية المطاف أنجبتْ أُم المعارك عمليَّات الحادي عشر من سبتمبر، وعليه يختتم الكاتب كتابه بتساؤله المحتوي في باطنه على رجاء بأن يتعقَّل الغرب من أنَّ هجمات الحادي عشر من سبتمبر هي عاقبة الفكر الغربي القائم على استلاب الحريَّات وقَتْلها، وأنَّ إعادة الكَرَّة ثانية سوف يؤدِّي بنا لِهُوَّة مُظلمة في مستقبل مجهول:
“ماذا سيكون المستقبل؟ هل سيكون حالة من التصارُع ما بين حملة دوليَّة من الإرهاب الدائم، وإمبراطورية عالميَّة تمارِس أساليب العقاب؟
طالَما أنَّ الولايات المتحدة لَم تتقبَّل – على مستوى سياسي أكثر منه ثقافي – وجود حضارة لها قِيَم بديلة، حضارة تَمَّ إضعافُها اليوم، لكنَّها قابلة لأن يكون لها من القوة ما للغرب كما دلَّل التاريخ على ذلك – فإن الحوار حول ماهيَّة الحادي عشر من سبتمبر لن يوضَعَ في نصابه”؛ (ص: 239).
تقييم الكتاب:
• الكتاب يُعَد وثيقة هامَّة للغاية، مُقدَّمَة للعالَم الغربي؛ لفَهم طبيعة هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وماهيَّة أسباب حدوثها، ودعوة للعقلانيَّة من نُزهاء وشُرفاء الغرب؛ لكَفِّ المظالِم ضدَّ الإسلام وآله، باعتباره العدوَّ القديم للحضارة الغريبة الاستعمارية، فالظلم لا يولِّد إلا الظلم؛ كما برْهَن الكاتب خلال فصول كتابه.
• الكاتب استبعد تمامًا نظرية المؤامرة، التي هي بضاعة كثير من الكتابات العربيَّة حول هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وذلك بأسلوب تحليلي عميق، مركِّزًا في الوقت ذاته على ضرورة وجود وجهة نظر مغايرة من جانب الغرب نفسه؛ لفَهم دوافع تلك الهجمات وغيرها، وهو ما يهمُّ القارئ، ويحقق ثمرة الكتاب المرجوَّة، فالكتاب موجَّه بالأخصِّ للقارئ الغربي، الذي يستبعد تمامًا فكرة المؤامرة من حساباته، ويحاول إيجاد جواب عن السؤال الذي يتردَّد ليل نهار في وسائل الإعلام الغربيَّة: لماذا يكرهوننا؟! لماذا يهاجموننا؟.
• جانَبَ الكاتب الصواب في اعتماد وجهة نظر المفكِّر “صمويل هنتجتون” في ربط هجمات الحادي عشر من سبتمبر بصدام الحضارات ثقافيًّا، مع إغفال الجانب العَقَدي لطبيعة الصراع الدائر حتى يوم القيامة بين جانبي قُوَى الغرب الملحِد والعالَم الإسلامي، فلا يمكن فصل الثقافة الإسلاميَّة والعربيَّة عن العقيدة بأيِّ حال من الأحوال.
• الكتاب يُعَد من أثرى المؤلفات التي كتبتْ في تفسير أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومليء بالتفاصيل، ويدلِّل على ذلك اعتماد الكاتب في كتابة مؤلَّفه أكثر من 100 كتاب كمرجع، أكثر من 400 مقال صحفي، و 12 فيلمًا وثائقيًّا، وكانتْ هذه المراجع بخمس لغات: العربية، الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية، الألمانية، وكان من أكثر الكتب مبيعًا بفرنسا، وتَمَّتْ إعادة طباعته عِدَّة مرات، إلى أن الكاتب نفسه ألْحَق بخاتمة كتابه ثبت بالتسلسل الزمني لأحداث الحادي عشر من سبتمبر حسب روايته بالكتاب، وأهم الأعلام الوارد ذِكرُها بالمؤلَّف.
• جدير بالإشارة أن الكتاب أُلِّف باللغة الفرنسية، وأسهمت الترجمة الرصينة المتْقَنة من جانب الباحث الموريتاني – المقيم في نيويورك – الأستاذ أحمد صالح احميِّد في تعزيز قيمة الكتاب، وإتاحته لجمهور القارئين في الوطن العربي، المفتقد لِمثْل هذه الدراسات الجادة في سوق دور النشر العربية.
عن موقع (الالوكة)
مقتطفات من الكتاب
عن الكتاب
عنوان الكتاب هو: “الهجمة المضادة للحملة الصليبية: جذور وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر” و ومؤلفه أستاذ عربي حاصل على دكتوراه في العلوم السياسية، عمل أستاذا بجامعة هارفرد وأدار أحد المعاهد البحثية فيها.
اعتمد المؤلف على ترسانة أكاديمية ضخمة (أكثر من 117 كتابا، أكثر من 500 مقال صحفي، و 12 فيلما وثائقيا، وكانت هذه المراجع بخمس لغات: العربية، الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية، الألمانية، وكان من أكثر الكتب مبيعا بفرنسا وتمت إعادة طباعته). ويتعرض الكاتب في الجزء الثاني إلى “صدام الحضارات”، إذْ أن المؤلف قد قام شخصيا بمحاورة صمويل هنتغتون حول هذه النظرية. كما أنه يدافع فيه باستماتة ضد ما تروج له بعض النخب الثقافية والسياسية في الغرب من آراء لحجب التظلمات التي يعبر عنها العرب والمسلمون والتشويش عليها لطمسها.

ملخص وارد على الغلاف الخلفي للكتاب “الهجمة المضادة للحملة الصليبية: جذور وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر”
في يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 “استيقظت” أمريكا “التي كانت غارقة في الصناعات الترفيهية” على وقْعِ هجمات – وُصفتْ بالـ”حدث الجَلَل”- شنَّها شُبان شرق أوسطيون، بأسلوب استعراضي لم يسبق له مثيل في التاريخ، واستهدفت تلك الهجمات رمز القوة الأمريكية بشقيها المالي والعسكري.
لكنْ، ماذا نعرفه عن هذه الهجمات بعد مرور ما يُقارب عِقْدا من الزمن عليها؟ كيف تمتْ، بدْء من وضع تصور لها، إلى التخطيط لها، وتنفيذها؟ هل لا يزال بعض المشتركين فيها، ماكثين في الولايات المتحدة، دون علْمها؟ ما هو دور المخابرات الإسرائيلية فيها؟ كيف كانت ردة الفعل الفورية للإدارة الأمريكية، وكيف خططتْ فيما بعْد للرد عليها؟ وأخيرا،هلْ كان ذلك إيذانا بـ”تفْعيل” صدام الحضارات؟
يعكف المؤلف في هذا الكتاب على إعطاء إجابات دقيقة، نابعة من دراسة وتقص حصيفين لما تم قبل العملية وبَعْدها، فيقوم بالكشف عن خفايا وأسرار ما حدث بأسلوب “هوليودي” آسر.
كما أنه يقوم بتسليط الضوْء على الحدث لسبر أغواره، والكشف عن ما يحمل في ثناياه من أبْعاد ومضامين متعددة، ويعرض للتداعيات اللاحقة له على المستويين الداخلي في الولايات المتحدة، وعلى مستوى العلاقات ما بين الولايات المتحدة والغرب من جهة، والشرق العربي-الإسلامي من جهة أخرى.
فالكاتب – الذي حظي شخصيا بمحاورة صمويل هنتغتون حول نظرية “صراع الحضارات” – يغوص في الأعماق ليستخرج لنا المكنونات السياسية والتاريخية للحدث، وكيف يتم وضعه في السياق الذي يتنزل فيه، ويخلص إلى أن الهجمات كانت بمثابة “الثمن” الذي “دفعته” الولايات المتحدة جراء سياساتها الجائرة في حق العالم العربي-الإسلامي، وهي تدخل في سياق عداء تاريخي يطبع العلاقة ما بين الإثنيْن.

عن المؤلف
مُحَمَّدْ مَحْمُودْ وَلدْ مُحَمَّدُ ؛ باحث، حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية. تقلد مناصب أكاديمية مرموقة. فقد شغل منصب المدير المساعد لبرنامج السياسات الإنسانية والبحث في النزاعات بجامعة “هارفرد”، مدير البحث بالمجلس الدولي لسياسات حقوق الإنسان بجنيف، وعملا باحثا بمعهد “رالف بنتش” للأمم المتحدة بمدينة نيويورك. وهو أستاذ بمعهد الدراسات الدولية، ودراسات التنمية في جنيف، وباحث بمعهد جنيف للدراسات الأمنية.
صدرت له كتب عدة، من ضمنها: “فهم تنظيم القاعدة: التحولات في طبيعة الحرب” (لندنْ، 2007)، “العراق وحرب الخليج الثانية- بناء الدولة وأمن النظام” (سانْ افْرانسيسكو، 1988). كما نُشِرَتْ له، كذلك، أبحاث وكتابات في صحف عريقة، منْ بينها: “نيويورك تايمز”، “شيكاغو هرلد تربيون”، صحيفة “لوموند دبلوماتيك” باللغة الفرنسية، ودورية الأبحاث القانونية بجامعة هارفرد. فالمؤلف الذي يبتوأ الصدارة في طليعة الباحثين في الغرب، يتحدث أربع لغات: الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، والعربية.
الهجمة المضادة للحملة الصليبية
جذور هجمات الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها
ألَّفه باللغة الفرنسية
مُحمدْ محمودْ وَلدْ مُحمَّدُ

ترجمه (من الفرنسية) إلى العربية
أحمدْ صالحْ احميِّدْ

عالم الكتب الحديث
Modern Books’ World
إربد- الأردن
2010

فهرس الكتاب

الموضوع الصفحة
مدخل تمهيدي
الحدث الجلل 3
الفصل الأول
الكوماندوز 11
الالتحام 14
محمد عطا 22
مروان الشحي 24
زياد سامر الجرّاح 25
الاندماج 26
التنفيذ 29
وصول الفرق 34
هاني حنجور 35
نواف الحازمي 35
خالد المحظار 36
العنصر العشرون 38
مفاتيح النجاح 46
الفصل الثاني
التحضيرات 51
القرارات الأخيرة بأسبانيا 54
التصويبة الأخيرة بـ”لاس فيغاس” 56
الفصل الثالث
العملية 63
طائرة شركة طيران امريكان آيرلاينز، الرحلة 11 69
طائرة شركة طيران آيرلاينز، الرحلة 175 72
طائرة أمريكان أيرلاينز الرحلة 77 76
طائرة شركة يونايتد أيرلاينز، الرحلة رقم 93 81
المناطق الضبابية 91
فرَضِيَّةُ الضلوع الإسرائيلي المزعوم في العملية 93
الفصل الرابع
التأهب لخوض الحرب Bellum seipse alet 99
الامبراطورية تتحرك 106
الفشل الاستخباري الذريع 112
المسألة العراقية 117
الفصل الخامس
صدام الحضارات 125
نبوءة البرفسور 128
الحادي عشر من سبتمبر وتأكيد الصِّدَام 135
إضفاء صبغة أكثر راديكالية على التساؤل 144
كشف النقاب عن الغرب 152
الفصل السادس
مُحصِّلة كل المخاوف 169
التحلُّل من حقوق الإنسان ودولة القانون 172
قانون “بيتريات” Patriot والإجراءات الاستثنائية 179
الأمريكيون: الضَّحايا الرَّاضَونَ بذلك 182
التعامل مع العدوِّ الوهمي “الجديد” كما لو كان حقيقة 188
الأسلوب الأمريكي والإغراءات الإمبريالية 196
الفصل السابع
نهاية الأوهام 205
ردّة الفعل 208
خِيّانة رجال الدين 215
على من يأتي الدور الآن؟ 218
عصر الامبراطورية الأمريكية 225
إصابة الذهن الأمريكي بالجمود، وفقدانه للإحساس 228
التسلسل الزمني للأحداث 241
المصادر ولوائح الكتب التي تم اعتمادها كمراجع 259
أولا : المُؤلفات والمقالات (وِفْقَ الترتيب الأبجدي اللاتيني للأسماء العائلية للمؤلفين) 259
ثانيا : الأفلام الوثائقية 282
لائحة بأسماء الشخصيَّات الواردِ ذكرها في المؤلف 285
(توجد لائحة مكتملة بموزعي إصدارات عالم الكتب الحديث في مؤخرة النص)

مقتطفات من الكتاب تتحدث عن القضية الفلسطينية
إنَّ المحافظين الجدد محاطون بمثقفين من اليمين، مثل وليام كريستل ، رابرت كاغن ، كارلس كروثامر ، جاشوا موراتشفيك وفرينك غافني ، وهم يستلهمون رؤيتهم العَقَدية من الفيلسوف ليو ستروس ؛ ويشكلون في الأساس تيارا فكريا لبَعْث اليمين الريغيني (نسبة إلى الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغن). كما أنَّ رؤيتهم نتاج لتحالف معقَّد بين اليهود الموالين لإسرائيل (مثل بول ولفويتز) والمسيحيين الصهاينة (جورج بوش، كارل روف)، والمنهجيين الكنسيين (ديك تشيني)، والبروتستانت المتطرفين (كوندوليزا رايس). والتحالف مع إسرائيل هو في الأساس – بالنسبة لبعضهم – ذو أبعاد توراتية محضة. وهكذا، فإن الدعم الإنجيلي لسياسة بوش المساندة لإسرائيل (بات رابرتسون ، جورج فالويل ، جاري باور) يستند على حجج دينية مفادها أن النبي إبراهيم قد تعهد للشعب اليهودي بأنْ يَستعيد – إلى الأبد- “أرضه الأصلية”. فالإنجيليون، وَمِنْ بينهم عقيلة ديك تشيني، يُؤمنون إيمانا جازما بأنّ عوْدة المسيح على الأرض لنْ تتمَّ إلا بعْد أنْ يستكمل الشعب اليهودي إقامة الدولة اليهودية على كامل أراضيها، وعاصمتها القدس.”
****
في هذه الظرفية، لم يكن مفهوم الحرب الوقائية مُرتَجَلاً، ولم يُتَّخَذْ كمجرد إجراء دِفاعيٍّ صِرْفٍ، بلْ إنَّه – على العكس – يستند على منطق هيمنة كان قد بلغ مرحلة النُّضج إِثْرَ عمليةِ تحضيرٍ طويلة؛ فعندما كان ديك تشيني وزيرا للدفاع في ظل إدارة الرئيس جورج بوش (1988-1992 ) قام – بمساعدة عدد من مستشاريه، من بينهم لوس ليبي (الذي سيشغل فيما بعد مدير ديوان تشيني في ظل إدارة جورج أيتش بوش)، بول ولفويتز وزالماي خاللزاد (وهو حينها الممثل الخاص لإدارة بوش المكلف بالمسائل المتعلقة بالمقاومة العراقية المناهضة لنظام صدام حسين) – بإعداد وثيقة معنونة بـ”دليل تخطيط [سياسات] الدفاع ” Defense Planning Guidance حيث تضمنت جوانب تَمَّتْ إعادة العمل بمقتضاها في سنة 2002 ضمن خِطَطِ إدارة الرئيس بوش، وأُعِيدتْ برمجتُها من جديد. ومن أبرز النقاط الواردة فيها ضرورة الحفاظ على تفوق القوة الأمريكية عن طريق التحالفات المناسبة بحسب الظروف القائمة( [1][1]).
وفي السياق نفسه كان ريتشرد بيرل Richard Perle، مساعد وزير الدفاع، قد وقع سنة 1996 مع ديفد ورمسر David Wurmser – مساعد وزير الخارجية المكلف بالحد من التسلح – مُذكرة موجهة إلى الوزير الأول الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو، معنونة بـ “قطيعة تامة: استراتيجية جديدة لحماية المجال “A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm” يَدْعُو فيها إسرائيل إلى تبنِّي استراتيجية استباقية تجاه الفلسطينيين (لأجل احتواء سوريا، وتقليص دائرة نفوذها).
وعلى الرغم من تلك التوجيهات، فإنَّ إدارة بوش كانتْ تبدو مع ذلك – عند تولِّيها السلطة في شهر يناير من سنة 2001 – وكأنها تتَّجه صَوْبَ التوقف عن الانخراط في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، والمُراهنة على خلْق ديناميكية جديدة في المنطقة تاركة الأطراف تُواجه بعضها البعض. وبهذه الطريقة، فإنّ الولايات المتحدة – وكما هو واضح – أطلقتْ يدَ إسرائيل، متبنِّيةً في الوقت نفسه سياسة انحياز سلبي يُجيزُ – عَمَلِيًّا – لإسرائيل ما تقوم به من تصرفات. و في مواجهة الفوضى العارمة و الدمويَّة التي ارْتَمى فيها الإسرائيليون والفلسطينيون مع بدْء انتفاضة الأقصى في شهر سبتمبر من سنة 2000، وضع الأمريكيون استراتيجية تقوم على الوساطة عنْ بُعْدٍ، سيتبين بعْدَ أشهر أنها غير فعالة على الإطلاق( [2][2]).
كما أنَّ هذه السياسة الخاصة بالمنطقة لمْ تَعْرفْ قَطُّ في واقع الأمر- ولم يُرَدْ لها ذلك – تحوّل الأمريكيين عن النهج المتَّسِم بالرغبة الجامحة لمعالجة الملف العراقي معالجة نهائية، في أعقاب حرب الخليج الثانية، سنة 1991. إنَّ الولايات المتحدة بمساندة من بريطانيا كانت تخوض حربا مستمرة ضد العراق طيلة العقد الزمني السابق مُشْهِرة في وجهها سيفا مُصَلَّتاً، تَمثَّل بدءً في فرض الحصار الاقتصادي، ثم إقامة مناطق حظر الطيران الجوي، ثم التأثير المباشر على مهام مفتشي نزع التسلح UNSCOM خِدْمة للأهداف الأمريكية( [3][3]).

*****

****
يمْكن اعتبارُ أنّ الغرب كان لغاية الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، على وشك أن يستمرئ واقع الاستغلال الذي يمارسه في حق العالم العربي والإسلامي. فالثمن الذي يتعيَّنُ دفْعُهُ كان زهيدا نِسبيًّا، والمعاملة الجائرة التي تُمارَسُ (في فلسطين وفي العراق) يتم تسويقها في قالَبٍ مُعَقْلَنٍ (إسرائيل دولة ديمقراطية، “صدام حسين يشكل تهديدا”)، والنزاعات العربية الداخلية مُستمرة، وفسادُ الحكومات يُكَمِّلُ المشهد. لكنّ ردّة الفعل كانتْ عنيفة. فعلى نحو ما قد يشهد التاريخ مِن أحداث مُسرَّعَةٍ، تَشكَّلَ فجأةً نمطٌ جديد من المعارضة تجاه الغرب. إنَّ الفشل الجليَّ للحكومات العربية في التصرف بصورة شرعية وناجعة – باسم الشعوب العربية، سعْيا لحماية مصالح هذه الأخيرة – وَلَّد حركة ذات حدَّيْن، أفْضَتْ إلى دمقْرطة النضال ضد الغرب المتسلِّط. فالقاعدة اليوم ليستْ سِوى أعراض مُستَفْحلة لتلك الحالة المَرَضِية. وستكون القاعدة مُستقبلا – في بُعْدها العالمي وطابع “الخوصصة” المتَّسِمة به – تلك الحالة المرضية.
وكما أشار إلى ذلك المثقف الأمريكي نعوم تشامسكي Noam CHOMSKY، فإنه من النَّادر طرحُ مسألة الدوافع التي أدّتْ إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر. والامتناعُ عن طرْحها بطريقة جِدِّيَّة يَعْنِي – بالأساس – إيثارَ زيادة فرص احتمال حدوث هجمات جديدة.( [4][4])
*****
وتساءل بعضُ المُعَلِّقين الأمريكيين عنْ ما إذا كان إحداثُ تغييرٍ سياسي في الشرق الأوسط إثْر هجوم إرهابي لا يشير إلى أن المهاجمين حققوا الانتصار. فقدم الصحفي الأمريكي غاري كاميا Gary Kamiya جوابا لذلك. فهوَ يشير إلى أنه “مُنْذُ أَمَدٍ بَعيدٍ جِدًّا، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتظاهر بمظهر مَنْ هو خارج دائرة الصراع ]الدائر بين إسرائيل والعرب] – وَهْيَ ليست مُحايِدةً فيه – إذْ أَنَّهَا تُساند بطريقة غير نَشطةٍ وضعِيَّةً لا يزال فيها الحَنقُ الفلسطينيُّ المكبوت يزداد إلى أنِ انفجر في صورة حالة من العنف بلغتْ حدَّها الأقصى … فلوْ كان الوضع يتعلق بصراع بين الخير والشرِّ، بين “إسرائيليين خيِّرين” يحاربون ضد العرب الأشرار” من أجل البقاء، فإن قضيةً من هذا النوع، تستحق أن تَجْلِبَ لأمريكا حِقْدَ ملايين الأشخاص. لكنَّ الأمْر ليس كذلك. فلا يُوجد من الأشخاص مَن يُؤْمن بذلك في هذا العالم، باستثناء شريحة من الشعب الإسرائيلي، والحكومة الأمريكية فيما يبدو”.( [5][5])

****
ومِنْ ناحية أخرى فإنَّ كاتب افتتاحية المجلة الفرنسية لبوين Le Point، ومُؤسِّسها، كلود إيمبار Claude Imbert، يُعْلن هو الآخر عنْ كراهيّته للإسلام. وتَبعهُما الكاتب الفرنسي ميشل هويلبك، الذي عبََّرَ عَلَناً عنْ كراهيته المجّانية للإسلام، أيَّامًا قبل الحادي عشر من سبتمبر. (ففي مُؤَلَّفِهِ “المنصّة Plateforme” الذي حقَّقَ أكبر المبيعات في سوق الكتب خلال صيف العام 2001 بفرنسا، كانت الشخصية المحورية في القصة تُوضِّح أنْ لا شيء يُثْلِجُ صدْرها أكثر من عِلْمِهَا عبْر نشرات الأخبار بأنَّ امرأة فلسطينية، مِن المُحبَّذِ أن تكون حاملا، قدْ تمَّ قتلها).
وبخصوص المسلمين، فإن الصحفيَّة الأمريكية آن كولتر Ann Coulter ترى “أنه يَلْزَمُ احتلالُ بلدانهم، وقتْلُ قادتهم، وتحويلُهم إلى مسيحيّين”.( [6][8])
هل هذه الشخصيات – الذائعة الصيت لدى الجمهور – تُعبِّر على الملأ عمَّا تُضْمِرهُ أغلبية منافقة؟.
الواقع أنّ المهمة المتمثلة في تقديم العرب على أنهم شياطين، من أجل تشريع ممارسة العدوان ضدهم، عَرَفَتْ عَشِيَّة الهجمات على نيويورك وواشنطن نجاحا لَمْ يَكُنْ مُؤَمَّلا، كما يشهد على ذلك انتشارُ المؤلَّفاتِ المُعبِّرةِ تصريحا أوْ بطريقة مُبَطَّنة عن عدائها للإسلام أو العرب. ( وفي تلك الحالة، فلنْ يَتطلَّب الأمرُ تَبْييِنَ أنَّ الأمر هنا يتعلق بحرب قائمة بين الحضارات).
كما أن الانحيازَ المُستمِرَّ للسياسة التوسُّعية الإسرائيلية من قِبل الحكومات الغربية وبعض المثقفين الغربيين، وكذا القطيعة القائمة بين العرب (وبين الشعوب العربية وحُكَّامها) وبيْن الولايات المتحدة، قد تصاعدَتْ وتيرتُها منذ الحادي عشر من سبتمبر.
وممَّا له مدلول خاص يوْمَنا هذا، عدمُ التصرّفِ (ولاَ حَتَّى تحريك ساكن) حِيَالَ ما تقوم به إسرائيلُ من خَرْقٍ للشرعية الدولية، من ناحية، وما هو مُشاهَدٌ من مظاهر القوة العسكرية الأمريكية، التي يتم استخدامها بشكل شبه حصري ضد العرب والمسلمين، من ناحية أخرى. ففيما يخص النقطة الأولى، لا يتردَّد بعضُ المثقفين في تبرير الاغتيالات والأفعال الإجرامية التي يتم ارتكابُها من قِبَل حكومة شارون.( [7][9])
يشير الكاتب الأمريكي، جوان ديديون Joan Didion، إلى أنّ الأمريكيين لم يعُدْ بوُسْعِهِمُ الدخولُ في حوارٍ بشأن علاقتهم بإسرائيل […] بلْ حتَّى أنه لَم يَعُدْ هناك سبيل لإثارة التساؤل المتعلق بمسألة العلاقة ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل في جامعة هارفرد Harvard University، لا في نيويورك، ولا في واشنطن. فذلك قد يُفْضي إلى الموت … إننا نَخْتبيء. إننا نتخفَّى. فنحن نريد أنْ يتمَّ نزعُ فتيلِ المُشْكلِ، في الوقت الذي نكون فيه تحت الحماية في منأىً من الخطر خلف حاجز واقٍ يتمثل في الإساءات الجارحة والإساءات الجارحة المضادة. يَتم التعبيرُ عن الكثير من الآراء. لكنَّ القليل هُمْ مَنْ يُتاحُ لهم بسْطُ أفكارهم. والأقل من ذلك همْ مَن يقومون بتغييرها.( [8][10])
وعلى الرغم من الاحتجاجات الصادرة عن بعض المثقفين الغربيين مِمَّنْ يتطلَّعون إلى أسلوب يمتاز بالصرامة والصدق، ويشعرون بالعار تجاه “جُبْنِ” حكوماتهم، فإن عجز الغالبية الكاسحة من الدول الغربية – ونحن نقيس كلامنا في مثل هذا التعميم – عن مجابهة الظلم الأمريكي والإسرائيلي يَفْضَحُ أكثَرَ من أيِّ وقت مَضَى نفاقَ كلِّ الصَّرْحِ السياسي والإعلامي والثقافي الغربي، الذي يَكيل بمكيالين عندما يُقْدِمُ على التعبير عن السّخط المصطنع، من منطلق أخلاقي.
فقدْ كتبتْ يومِيّةُ لوموند الفرنسية – في سعيها إلى التخفيف من حدّة انتقاد طفيف وُجِّهَ إلى شارون الذي تم وصْفه بأنه “عديم المصداقية” (وهو تعبير مُلَطَّفٌ لا يليق أَلْبَتَّةَ استخدامُه للحديث عن مُجْرم حرب) – أنَّه فيما يتعلق بالهجمات الانتحارية التي شنّها انتحاريون فلسطينيون من البالغين سنَّ الثامنة عشر، فإن “الوسائل تحدِّدُ الغايات، وتلك الوسائل التي يتم استخدامُها في إطار النضال الوطني تُوحِي دائما بتلك الوسائل التي سيتم استخدامُها عندما يتعيَّنُ حكمُ فلسطين كدولةٍ مستقلة”. ومن ذا نستشف إلى حدٍّ ما الإيديولوجيا المبطّنة داخل هذا الانتقادات.
هل أن مُحَرِّري هذه الافتتاحية( [9][11]) يُفكرون فعلا في تفنيد شرعية قيام شعب يرزح تحت نَيْرِ الاستعمار باللجوء إلى استخدام القوة؟.
فمِنْ بين الملاحم الدموية للإمبريالية، فإن تاريخ حرب التحرير في الجزائر، والوسائل المستخدمة في قمع عمليات النضال الوطني في سبيل التحرُّرِ قد أبَانَتْ لنا، إذن، عن سَوْءة أولئك الذين يستخدمونها.
لقد قام مدير صحيفة لوموند Le Monde ، جان ماري كولومباني Jean-Marie Colombani، بإعطاء زخم لهذا الرأي الذي دافعَتْ عنه الصحيفةُ اليوميةُ الباريسية – وذلك بعد مضيّ يومين من صدوره – واصفا الهجمات الفلسطينية بأنها “نذير شُؤْمٍ لمستقبل الشعب الفلسطيني وشكْل الدولة الفلسطينية”.
ألا يُعَدُّ هذا محاكمة للنوايا؟ (فالحُجَّةُ نفسُها يمكن أيضا أن تنْسحب حرفيًّا على الإسرائيليين أنفُسِهم الذين أُنْجِبتْ دولتُهم في ظل الإرهاب الموجّه ضد البريطانيين وضد الفلسطينيين). فما ذهب إليه كولمباني موغِلٌ في المبالغة، لأنَّ صحيفة واشنطن بوست Washington Post، التي يصْعب أن تُتََّهم بالتعاطف مع الفلسطينيين، كانتْ قد أشارتْ في افتتاحيتها – بعد مرور ثلاثة أيَّام – إلى “أن الإرهاب يُستخدم أحيانا باسم القضايا العادلة.
“نحن بِأَسْرِنَا أمريكيون أكثر من الأمريكيين أنفسهم…”( [10][12]) فمِن خلال تأكيده أنّ الصراع الجديد ذو طبيعة ثقافية، يتوسَّع كولمباني في بسْط رؤيته في كتابه، مُدافعا عنْ كون التضامن مع الولايات المتحدة يبقى جوهريا، ولا يقتصر على البُعد العاطفي وحده.
فهذا الحكم التلقائي المتعلق بحتمية التكاتف ما بين أوروبا و الولايات المتحدة يستند على أساس من المعاملة بالمثل تجاه أمريكا التي أبْدَتْ، بعد الحرب العالمية الثانية، شعورا مماثلا من خلال انشغالها بمصير أوروبا. لكنه بالذات، يتعلق أيضا بمجموعة تشترك في منظومة من القيِّم الموحدة؛ فبالطريقة نفسها التي يشعر فيها الملايين من العرب والمسلمين بأنَّهم “بأسْرِهم فلسطينيون” أو أنهم ” بأسْرهم عراقيون”، فإن الغربيين همْ “بأسْرهم أمريكيون” وهُمْ “بأسْرهم إسبان”.
وبعد مرور سنة على هجمات نيويورك وواشنطن، يستمرُّ كولمباني في التشديد على ذلك مِن خلال الإشارة إلى “أننا، لسنوات، كنا أمريكيين بطريقة يطْبَعُها الثباتُ. ونحن لا نزال، وسنبقى كذلك، طالما أن مصير كلِّ منَّا مرتبط بمصير الآخر”( [11][13]). (إنّه تَجَلٍّ جديدٌ لصراع الحضارات).
****
علاوة على تلك البلبلة العامَّة والتَّخبط الناجِمَيْن عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أخذتْ وسائل الإعلام منذ خريف العام 2001 – بلْ وعددٌ كبير من المثقفين الغربيين أيضا – في تقديم صورة سلبية عن الإسلام والعرب، وذلك بطريقة شبه ممنهجة. يضطلع بهذا الدور في الولايات المتحدة الكثيرُ من الصحفيين والجامعيين، كالصحفية جودث ميلر Judith Miller، والجامعي فؤاد العجمي، لوري ميلروا LaurieMylroie، ميلتون فيورست Milton Viorst ، و برنارد لويس Bernard Lewis. أما في فرنسا، فإن التحاليل يتكفل بإشاعتها برنارد هنري-ليفي Bernard Henry-Lévy، آلان فينكلكرو Alain Finkelkraut، آندرى غلكسمان André Glucksmann، آلكسندر آدلر Alexandre Adler، ميشل تريبالا Michèle Tribalat، بَيَيْر آندرى تاغيف Pierre André Taquieff، آلكسندر دَفالْ Alexandre Del Valle، آليزابت ليفي Elisabeth Lévy، دانيل سيبوني Daniel Sibony، جاك آلين لجي Jack-Alain Léger و باسكال بركنر Pascal Bruckner، ضِمْنَ آخرين.
ويَلزَم أن يُذكر في هذا الصدد، أنّه في ظل النظام الجمهوري، كما [هو] الحال في فرنسا مثلا، فإنّ بعض المثقفين والصحفيين الذين يدينون باليهودية – من غير الإسرائيليين – يَدَّعون الموضوعية، وهي صفة لا يُمْكنهم الاتِّصافُ بها بشكل كامل في صراع ذي خلفية عقائدية، فَهُمْ من يُغذِّي حالة التضليل التي أضْحى إخوانهم في المواطنة ضحيَّة لها.
فاستغلال المخاوف المتصلة بالإرهاب لأجل التشويش على الأذهان قد سَهَّلَ – منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر – المُهمة التي يضطلع بها آندري غلكسمان وغيْرُهُ، منْ أمثال ألين فينكلكروت (الذي جعل المُمَثِّلة جوليت بينوش Juliette Binoche – مُؤخرا – تَشْعر بالذنب، بسبب التعبير عن إحساسها الصادق، على شاشة إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية).
كما أنَّ الحجج التي رَوّجَ لها – خلال التسعينيَّات – الفيلسوفُ برنارد-هنري لَفِي فيما يتعلق بـ”الخطر الإسلامي”، وتلك التي ساقها – خلال العشرية الحالية – الكاتبُ آندرى غلكسمان- الذي لا فرق لديْه بين الحرب الإنسانية والحرب ضد الإرهاب( [12][14]) -، تَنْطوي على خِدَاعٍ مُضَلِّلٍ. ينضاف إليها كذلك النهج المُتعالي المتسلِّط، والمشوب بالإزدراء لهؤلاء المثقفين، هذا النهج الذي يطال حتَّى المجتمعات التي ينتمون إليها. فالنهج الذي يتبعونه يتمثل في “استخدام أسلوب خطابي يأتي في قالب معكوس، يتم صهره في بوتقة، وإخراجه في ثَوْبٍ – مُحافظٍ – جديدٍ.( [13][15])
فمن خلال التغطية الإعلامية الهائلة المخصصة لهُمْ، يقومون من تلقاء أنفسهم بزرع بذور معاداة السامية، التي لمْ تغادر في واقع الأمر أوروبا على الإطلاق، و التي لا ناقة للعرب فيها ولا جملا. فلئن كانت معاداة السامية قد ظهرت اليوم جزئيا في صفوف شريحة من الشباب من ذوي الأصول المغاربية، ممَّنْ يحسُّون في أعماقهم بالإحباط الحاصل لدى ملايين الفلسطينيين والعراقيين، فإنَّ الأمر يعود إلى أسباب سيَّاسية محضة. فشجْب معاداة الساميّة أمرٌ صائب. لكن التوقف دون تَفحُّص أسباب تلك المعاداة – التي لا علاقة لها بالحياة الاجتماعية، بلْ إنها ذَاتُ طبيعة سياسية بالذات -، ليس كذلك. بلْ إنّ ذلك من قبيل خِداعِ الذَّاتِ.
ففرنسا، في هذا الصدد – على غرار ماحدث في الولايات المتحدة، فيما يتعلق بأقلياتها العرقية من ذوي الأصول اللاتينية (التي تعود جذورها لأمريكا اللاتينية)، خلال سبعينيات القرن العشرين – تشْهدُ تحولات ديمغرافية مُتسارعة، بطريقة لمْ تَعُدْ تَسمح لسياستها الخارجية أنْ تُزيح عنْ دائرة الضوْء شريحة هامة من مواطنيها “الجدد”، أَحْرَى أن تتبنى – حصْريًّا – مواقف تعبرُّ عن رأْي شريحة لاَ تُمثل سِوَى أقليَّة.
من ناحية أخرى، فإنه من الأمور التي لها دلالة، أن الإسلام هو المستهدف الوحيد بجام الغضب الصَّادر عن هؤلاء الذين يُقَدِّمُون دروسا للغير، وَيُنَصِّبُونَ أنفسهم حُماةً للقيم في وجه “الغُلوّ” الصادر عن الديانات السماوية. فبالنسبة لآلكسندر آدلر، على سبيل المثال، فإنَّ “الكفاح ضد بن لادن، يَبدأ – أوّلا وقبْل كلِّ شيء – تدريجيّا، في كل بلد، وفي كل قرية، لانتزاع الشعب من البُؤْس واليأْس والعنف”. مهمة حضارية جديدة ذات بُعدٍ إنسانيٍّ!. (لماذا لا تتجنبون التغطية على الظلم الصارخ، بدلا من عقلنة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، واحتلال الولايات المتحدة للعراق باستخدام الحُجَّة الصحيحة-الكاذبة [الخادعة] القائمة على غياب الديمقراطية في العالم العربي؟). ويتابع الصحفي آدلر قائلا: “هذا الظهور المباغت لنمط التفكير الغَيْبِيّ البائد، لا يُمْكن القضاء عليه إلا عن طريق ظهور توجُّه سياسي واقعي وقوي، قابل لأنْ يتْبَعَ نهْجًا ديمقراطيا في المناطق الرئيسة بالعالم الإسلامي”.
فنحن هنا أمام صِيغةٍ لاستراتيجيةٍ امبريالية خاصة بإدارة بوش، هي منْ إفرازٍ أمريكي محْضٍ، تتمثل في فرض حكومات غير منتخبة، تكون بمثابة دُمىً يَتم تحريكُها وفقا للمصالح [الأمريكية]، ليْس إلاًّ. فـ”الواقعية السياسية القوية” هي مجرَّدُ شكْلٍ مُعدَّلٍ لصيغة “الدول الإسلامية المعتدلة”، التي كانت تُطْلق في سالف الزمن على “المتعاونين”: حامد كرزاي بأفغانستان، إيَّاد علاوي بالعراق
مقتطفات من كتاب:

الهجمة المضادة للحملة الصليبية
جذور هجمات الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها
إنَّ المعاملة الجائرة هي تجسيد للشرِّ لدى الإنسان.
ابن خلدون، كتاب “واقع العمران البشري”

فقرة من مقدمة الكتاب
….لقدْ وَضعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 حَدًّا لحالة اللاَّمبالاة التي كانتْ تَعرفها أمريكا، حيث كانتْ – أكثرَ مِن أيِّ وقت مضى في تاريخها – غارقة في الصناعات الترفيهية. وعلى الرغم مِن كل ما قيل وكل ما كُتب بخصوص هذا الحدث، فإنَّ مِن المفارقة أنْ يَظلَّ الرفضُ القويُّ لمواجهة الدوافع الحقيقية لِما حصل مِن أحداث مُسيْطِرا لدى الولايات المتحدة والغرب عموما. لماذا تمَّ – في واقِع الأمر – ارتكابُ هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟ لماذا وَقع حادِث مِن هذا القبيل؟ وما الذي دَفع المهاجمين إلى القيام بما فعلوا؟. ما الذي بَلَغ بِشبان مُتعلّمين، – مِن أوساط برجوازية عربية، يَتحدثون لغات مُتعددة، ويَعيشون حياة عصرية مكَّنتْهمْ مِن التعرُّف على العديد من البيئات والثقافات – حدّا جعلهم يأخذون في التحضير الدقيق لهجمات انتحارية من هذا النوع؟ ما الحوافز التي دفَعتهمْ إلى هذه الدرجة من الإقدام ورباطة الجأش؟ ولماذا كانوا على استعداد كامل للتضحية بأرواحهم؟.
لقد تَم طرْح التّساؤُل عمّا دفع إلى القيَّام بذلك (وإن كان الجواب على هذا التساؤل ستقدِّمُه اعترافاتُ مُدبِّري العملية أنفسهم)، وكيْف حدَث؛ بَيْدَ أنّه لَم يَتمَّ القيام بوقفة تأمُّل ومراجعة للذات، لمعرفة “دوافع” هذا التصرف. وعلى الرَّغم مِن أنَّ الإجابة على هذا التساؤل أمْر بَدَهِي بالنسبة للإنسان العادي – العربي أو المسلم – فإنّ السؤال بِحدِّ ذاته ظلَّ على الدَّوام بدون إجابة في الولايات المتحدة؛ إذْ يَتمُّ – عنْ قصْد – إبعادُه عن دائرة النقاش المسموح به، ممّا جعله في الغرب موْضع إبعادٍ وكبْتٍ جماعي. هكذا، غدا الاهتمامُ الكبير بدوافع الهجماتِ مِمَّا يُصَنَّفُ في عِداد الأنشطة الثقافية المثيرة للريبة. وكما ذكر الرّاحل أَدْورد سعيد: “قدْ يكون – اليَوْمَ – أقلُّ رأْيٍ حُظْوةً في القبول لدى الرأي العام، هو ذلك الذي يُشير إلى وُجود دَوافع تاريخية جلبَتْ للولايات المتحدة – بوَصْفها فاعلا دوليا رئيسا – هذا النوع من الكراهية بسبب تصرفاتها. فالموْقف السائد اليوْم هُو أنَّه لا تَسامح ولا اهْتمام بِأيِّ رأْيٍ يُقلِّلُ منْ شأْن الهجماتِ أوْ يَسْعَى إلى استجلاء أسبابها، بلْ وحتى التساؤل عنْها بشكلٍ عقْلاني”([1]).
لِماذا وقعتْ، إذنْ، أحداث الحادي عشر مِن سبتمبر؟ تكمن الإجابة أساسا في وجود شعور عميق بالظلم يُحسّه يوميا ملايين العرب والمسلمين في قرارة أنفسهم، حيال سلوك وتصرفات الولايات المتحدة والغرب تجاههم. فالمسألة لا تَنْبعُ مِنْ الأصوليّة الإسلامية أوْ التعصب الديني أو الفقر، ولا مِن غياب الديمقراطية في العالم العربي؛ إنمَّا تعُود في المقام الأول إلى الشعور بالظلم، والتعطش إلى المعاملة العادلة المنْصفة. ومَردُّ هذا الشعور تحديدا هو تلك الممارسات الجائرة التي لا تتوقف، و المتمثلة أساسا – ولكنْ بشكل غيْر حصْريٍّ- في الدَّعم اللامشروط لدولة إسرائيل القائمة على النهْب والاغتصاب. ومِما يجْدر التذكير به هنا أنَّ تفوّق الولايات المتحدة ليْس هو الذي يُغذِّي هذا الشعور بالغيْظ، بل المسؤول عن ذلك هو سياسة الدولة الأمريكية وما يطْبعها مِن هيمنة، لأنَّ التفوق الأمريكي أمْر واقعيٌّ لا يمكن التشكيك فيه أوِ الاعتراض عليه.
يُضاف إلى ذلك أنَّ الخوْف بسبب جسامة الحدث وطابعه الاستثنائي يُلْزِمُ اعتمادَ الصِّدْق في الكشف عن حقيقته. ما الذي يَجْعل الغرب يتهرّب من استجلاء دوافع هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟ هلْ هوَ تخوُّفُه مِن مواجهة كُرْهه للإسلام، وما جلبه على نفسه من ضغينة لقاء ذلك؟ أمْ أنَّ استراتيجيات التهرُّبِ تلك تحمل إيثارا للنسيان، ورفْضا لِمُواجهة جرائم الاستعمار وما اقترفتْه يداهُ في حق المسلمين، ماضيًّا وحاضرا؟ أمْ هُوَ الخوْف مِن الإقرار بهشاشة رغَد عيش العالم المعاصر مِن مدريد إلى نيويورك، وبنسبيِّة التطمينات التي يَرْكنُ إليها؟.
الكثير من الأمريكيين والأوروبيين صرّحوا في أعقاب هجمات نيويورك وواشنطن: إنَّ منْ ارتكبوا هذه الأعمال “يَكْرهون نَمَطَ حياتِنا”. ولكنْ هلْ لهذه التأكيدات، في الواقع، منْ معنى؟ ليْس هناك أيُّ عربي يكره نمط الحياة الغربية لدرجة ارتكاب هجمات انتحارية مِن هذا القبيل، لأنَّ الطَّعْن في هذا النهج أمْر لا يهمُّه بالأساس، حتى لَو اختار العيش وفق هذا النهج. ومع ذلك، فإنَّ الأغلبية الساحقة مِن المسلمين، ليسوا بحاجة إلى إشراقات إلهية أوْ أطْياف شيطانية لِيُحسّوا بالمرارة مِن الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية، إلى حدِّ تصوُّرِ إمكانية القيام بِردة فعل عنيفة تجاه الولايات المتحدة. وفي ظل وضْعية الاحتلال العسكري للعراق، ازدادتْ حِدَّةُ هذا الإحساس وضراوتُه. إنّ الرَّغبة الجماعية في الثأْرِ تُشكِّلُ في واقع الأمر حافزا قويًّا (كما كان الحال بالنسبة للأمريكيين غَداة الحادي عشر من سبتمبر، رغْم أنَّهُم أخْطأوا الهدف بخوض الحرب ضد العراق)، وشُعورُ المسلمين بأنّهمْ ضحيَّة ليْسَ مِن قبيل الأسطورة على الإطْلاق. إنَّه – على العكس من ذلك – يُشَكّلُ واقعا مريرا بالنسبة لعدد كبير جِدًّا من العرب والمسلمين الذين سُلبوا ما كان لديْهم. وبالرغم مِن ذلك، لا يزال يسْتعصي على الكثير من الأمريكيين تصوُّرُ أنْ تكُون لعمليات الحادي عشر من سبتمبر دوافع أُخرى غير التعصب الديني.
وفي مثل هذا السياق، يُشكّل هذا الكتاب مصدرا للمعلومات المتعلقة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، و وَسيلةً للتفكير في أسبابها وآثارها. والقيامُ بتحريات حوْل هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وفَهْمُ مدلولاتها، والتفكيرُ في تبعاتها، مِن الأهمية بمكان، لسببيْن اثنيْن على الأقل. فمِن جهة: يُشكِّلُ استهدافُ نيويورك وواشنطن في واقع الأمر حدثا تاريخيا رئيسا في النظام الدولي، وبالأخصِّ في مجال العلاقات بيْن ما سَيُطْلَقُ عليه – دون تهرّب- العالمان الغربي والإسلامي. فالهجمات شكّلت في حد ذاتها – دونما مبالغة – “الحدث الأبْرز”، أوْ لِنَقُل: إنَّها “أُمّ الأحداث”، أو ْالحدث “الخالص” الذي يَخْتزل بداخله كل الأحداث التي لَم يُكتبْ لها قط أنْ تحدثْ من قبلُ([2]). بتعبير أدقّ، تُشكل الهجمات “أوَّل حدث بارز في فترة ما بعد الاستعمار”. لقد كانتْ القوى الإمبريالية – وِفْق المنطق الاستعماري – تَخوض – بعيدا عنْ مجالها الترابي، وأحيانا بالوكالة – حروبا يكُون العالم الثالث وقودها. ووِفْق المنطق السائد في فترة ما بعد الاستعمار، صار المُخْضَعونَ بالأمسِ اليومَ فاعلين، حتّى لو اقتضى الأمرُ منْهم الاغتراب – على نحو ما حصل في نيويورك – لِخوْض معركة مضادة في قلب العالم الغربي([3]). يَجْدرُ التنبيه إلى أنَّ عملية الحادي عشر من سبتمبر تُمثِّل أَول مَرّة تُسْتهدف فيها الولايات المتحدة بهجْمة على أراضيها منذ حرب 1812، عندما عاثتْ القُوات البريطانية فسادا في مدينة واشنطن، وأَشْعلت النار في البيت الأبيض ومقر الكونغرس، مُجْبِرة الرئيس جيمس ماديسون James Madison وأعْضاء الكونغرس على الفِرار من المدينة.

مقتطفات من الجزء الأول من الكتاب
***
لقد كان المخطط الذي أعدَّه الدكتور الظواهري، مُنْذ البداية يَسيرُ وِفْقَ عِدَّة مُستويات مُتداخلة، لكنَّها مُتوازية ومُعَدَّة بحيث تبْقى المجموعات مُستقلة عن بعضها البعض حتى تحين اللحظات التي سيكون فيها التحامها ضروريا: في الفترة التي ستكون فيها مجموعة مِن الملاّحين بصدد متابعة تكوينها في الولايات المتحدة (بولايتي فلوريدا وأريزونا)، على إثْر ما جُمِع من معطيات من قِبَل مُستكشفين، فستتابع مجموعة ثالثة مِن “الجنود” تكوينا ذا طبيعة عسكرية في أفغانستان. إثْر التئام فرعَيْ الكوماندوز، فإنَّهما سيتوزعان من جديد، لكنْ إلى أرْبع (4) فرق هذه المرة، كلّ فرقة تتألف من خمسة (5) أعضاء، يُديرها رئيس واحد (محمد عطا، مروان الشحِّي، وزياد الجرَّاح وهاني حنجور). يُضاف إلى ذلك قائد للعملية مُكَلَّف بالتنسيق العام (محمد عطا)، يُؤازره أحد أعضاء الكوماندوز (نواف الحازمي).

محمد عطا
وُلد محمد الأمير عوَّاد الساجد عطا في فاتح سبتمبر من سنة 1968 بكفر الشيخ شمال القاهرة بمصر، في كَنَفِ أُسرة برجوازية من القاهرة. عمل والده، محمد الأمير عطا، محاميًّا مُعْتَمَدًا لدى محاكم القاهرة. أمَّا أُخْتاهُ فَإحداهما دكتورة في الطب، والأخرى أستاذة في علوم الحيوان.
دَرس محمد عطا بكلية الهندسة في جامعة القاهرة في الفترة ما بين سنة 1985 وسنة 1990، وحصل على دبلوم في الهندسة المعمارية، ثُمَّ تابع بعد ذلك دروسا في اللغة الإنجليزية بالجامعة الأمريكية في القاهرة. وفي أعقاب دورة تدريب لدى شركة ألمانية عاملة في مجال الهندسة المعمارية – بلانكونتور Plankontor- وصَل هذا الفتى إلى مدينة هامبرغ في الرابع والعشرين من يوليو سنة 1992، وهُو في سن الرابعة والعشرين (24). وفي شهر أكتوبر من سنة 1992، قام بالانتساب إلى برنامج حوْل التهيئة الحضرية بجامعة هامبرغ-هاربرغ التقنية (تكنسشي يونيفرسيتاس المعروفة اختصارا بـ تَهْ Technische Universitat Hamburg-Harburg, TUHH ) – حيث كان يُعْرف باسم محمد الأمير- وبدأ دراسته بتاريخ الثالث والعشرين من شهر نوفمبر الموالي. استأْجر عطا في البداية غرفة لدَى رجل وقرينته – وهما أستاذان ألمانيَّان – وعمل، ابتداء من فاتح ديسمبر، في وظيفة ذات دوام جزئي – بشركة بلانكونتور في هامبرغ “آلتونا” Hambourg-Altona – بوَصفه مُصمِّما صناعيا ( حيث كان يتقاضى مُرتَّبا شهْريًّا بمقدار ألف وسبعمائة [1700] مارك) تحْتَ إشراف المُهندس المعماري الرئيس جورغ لوين Jörg W. Lewin. ثُمَّ أجَّر لاحقا غرفة في النُّزُل الجامعي بـ “آم سنتامشاوس Am Centrumshaus.
كان الفتى المصري يَتردَّدُ بانتظام على مسجد القدس الواقع على شارع ستيندام Staindamm بحي سانت جورج Saint-George. قام في سنة 1995 بأداء مناسك الحج بمكة. وفي شهر أغسطس من السنة نفسها قَدِمَ إلى القاهرة لِدِراسة أنْظمة الحماية الخاصة بمدينة القاهرة العتيقة، كما سافر كذلك إلى تركيا. وخلال هذه الرحلة، صرَّح لأحد رفقائه الألمان، رالف بوندستين Ralph Bodenstein، بمُعارضته للحكومة المصرية. ثُمَّ تَوارَى عن الأنْظار خلال صيف عام 1997، طيلة أشهر كثيرة. ومِن المُرجَّحِ أنّه كان بمدينة قندهار في أفغانستان، بمركز التدريب التابع للقاعدة المعروف بـ “بيت الْغُمَّد” ( نسبة إلى قبيلة الغُمَّد السعودية التي يَنتمي إليْها الكثير من المُنْتَسِبين لِتنْظيم القاعدة).
ولدَى عودته إلى هامبرغ، في شهر أكتوبر من سنة 1998، استأنف عطا عمله بالحماس نفسه، حسب أساتذته، لكنْ مع مزيد من التحفظ والانعزال. وبعْد مُضِيّ شهر على ذلك، أقام مع سعيد بهاجي ورمزي بن شيبه، في الطابق الثاني مِن المبنى رقم أربع و عشرين (24) على شارع مارينستراس Marienstrasse، في الضاحية الجنوبية لمدينة هامبرغ. أقام الرفاق الثلاثة في شقة مِن غرفتين مساحة كل منهما ستون (60) مِتْرا مربعا، وسينضمُّ إليْهِمْ لاحقا مروان الشحِّي وزكريا الصبار. تمَّ استئجار هذه الشقة لدى الوكيل العقاري تورستن آلبرشت Torsten Albrecht الذي سيصف عطا لاحقا، بأنه “المستأجِر المثالي”.
كُلُّ منْ عَرَفُوا عطا يَشهدون، في واقع الأمر، لهذا الشاب بسعْيه الدؤوب إلى تحقيق الامتياز في جميع أنشطته، وهي سِمَةٌ ستُشكِّل أَحَد مفاتيح نجاح عملية الحادي عشر من سبتمبر.
لقدْ كان يتميز بدقة كبيرة في أداء أعماله، وكان نشِطا في الجامعة إذْ أسَّس بها النادي الإسلامي للكلية (وأبْقى فيها البريد الإلكتروني: el-amir@tu-harburg.de وشارك في ملتقيات حول التخطيط الحضري في الدول السائرة في طريق النموِّ، حيث قَدَّم عُروضا، اعتُبرتْ ذات قَدْرٍ كبير من البلاغة( ). وفي سنة 1999، ناقش أطْروحة دكتوراه حول التجديد الحضري في المدن الإسلامية القديمة ونال حسب المدير المشرف، السيد ديتمار ماشول Dittmar Machule، أسْمَى علامة مُمْكنة.
لقد ترك المهندس المصري بهذه الطريقة بصمته على العملية من خلال مجموعة من التماثلات، حيث اشترى تذكرته في يوم عيد ميلاده، وتولَّى بنفسه قيادة طائرة الرحلة “أ أ11″ في 11 سبتمبر مستهدفا البرجين التوأمين؛ وهي أهداف ورحلات وتواريخ كانت بمحض اختيار منه. وفي معرض رَدِّه على السؤال حوْل ما إذا كان عطا ينزع إلى الامتياز، يجيب المشرف على أطروحته، الألماني ديتمار ماشيل Dittmar Machule، الذي عرفه خلال سبع (7) سنوات: ” أجلْ ، بالتأكيد المُطْلَق، بالتأكيد المطلق، بوسعي أن أؤكد على ذلك، لقد كان ينزع إلى الامتياز، أجل، أجل، بوسعي التأكيد على ذلك”. راجع الأفلام الوثائقية داي تودس بيلوترى داس لبن در آتنتاتر فان نيويورك (قبطان الموت) Die Todespilotere Das Leben der Attentäter von New York إخراج تامس برندت Thomas Berndt، جوشن غرابرت Jochen Graebert، ستفان بوشن Stefan Buchen وكريستوف مستماتشر Christoph Mestmacher، الذي بُثَّ سنة 2002 على القناة الألمانية الفرنسية آرتا Arte، وبرنامج فرانت لاين: بداخل الشبكة الإرهابية Frontline : Inside the Terror Network، من إخراج بن لوترمان Ben Loeterman، الذي بُثَّ في الولايات المتحدة على قناة “ببلك برود كاستينغ سرفس” Public Broadcasting Service (PBS) في شهر نوفمبر من العام 2001.

القرارات الأخيرة بأسبانيا
في شهر يونيو من سنة 2001، انعقد اجتماع مُهم في تاراغونس Tarragonés بمنطقة كاتالونا Cataluña تمخَّض عنه اتفاقُ أعضاء الفريق على أنَّ محمد عطا هوَ مَن سيقرِّر تاريخ العملية والمواقع المستهدفة بها، وأنه سيبلغ رفاقه بذلك، وبالطرق التي يختارها. شارك في هذا الاجتماع الدولي الأخير، فضلا عن المصري، زياد الجراح، مروان الشحِّي، رمزي بن شيبه، وشخصان آخران، قد يكون من ضمنهم سعيد بهاجي. وفي السابع من يوليو – ثمانية أسابيع قبل العملية – سافر عطا مِن ميامي مُتِّجها إلى مدريد Madrid مرورا بزيوريخ Zurich. ووصل إلى إسبانيا في اليوْم الموالي عند الساعة الرابعة وعشرين دقيقة مَساءً، ومكث خمس ساعات بمطار مدريد باراخاس Madrid Barajas. وبعد استعماله لكمبيوتر مُخصَّص لاستخدام الجمهور، توجَّه – حوالي الساعة التاسعة والربع – إلى وكالة سفريات فياخس أيرا Viajes Aira الواقعة في باحة المطار؛ حيث استأجر غرفة بفندق ديانا كازادورا Diana Cazadora (كان قد أقام به منْ قبْل في الرابع من يناير). والتقى هناك، بشخص يحْمل جواز سفر أيرلندي يَستخدم الاسم العائلي “إقبال أفضل أدمات”. أقام الاثنان بالفندق المقابل للمطار حيث أجْريا اتصالات هاتفية بهامبرغ Hambourg وَ مانشستر Manchester . استخدم عطا اسم محمد الأمير عواد السيد ونزل بالغرفة رقم 111، في حين كان رفيقه في الغرفة رقم 109.
وفي اليوم التالي قام عطا باستئجار سيَّارة مِن طراز هونداي (تحْمل الرقم التسلسلي بِي أَيْتْشْ أَف 5315BHF # (Hyundai وقَطع بها مسافة تناهز ألفي (2.000) كيلومتر، ثُمَّ سلكَ الطريق السريع ن2 Highway N-II قاصدا تاراغونس في شمال شرق إسبانيا، على بُعد عدة كيلومترات من مدينة سالو Salu على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. (لَم يكن اختيار هذه المنطقة من إسبانيا من قبيل الصدفة، إذْ يبدو أنّ الشبكات الإسلامية أصبحتْ تستخدمها منذ سنوات عديدة، لعبور الأموال وتنظيم اللقاءات). نزل عطا بفندق سان جوردي San Jordi مُستخدما اسم محمد الأمير وأقام بالغرفة رقم 206.
وفي ذلك الوقت، وصل رمزي بن شيبه في التاسع من يوليو، إلى مطار رويس Reusقُرْبَ سالو Salu، قادما من هامبرغ. قدِمَ إلى فندق مونيكا دي كامبريلس Monica de Cambrils حيث مُنِعَ – في باديء الأمر – من الحصول على غرفة، قبْل أن يعود إليه في الساعة العاشرة والنصف مساء رفقة شخص آخر، وقبِلَ أصحابُ الفندق إيواءه هذه المرة. وفي صبيحة اليوم التالي، غادر الاثنان الفندق عند الساعة التاسعة صباحا. وحضر المشاركون الآخرون في الاجتماع، ونزلوا في فنادق متفرقة في المدينة( ).
بقدْر ما يمكن اعتبار اجتماع كوالا لامبور بمثابة نقطة البدْء لانطلاقة عمليات الحادي عشر من سبتمبر، فإن لقاء تاراغونس يبدو كما لوْ كان بمثابة الاجتماع الخاص بالتحضيرات الأخيرة. وهذان اللقاءان ربما يكونان المرَّتَيْن الوحيدتَيْن الَّلتيْن تتقابل فيهما الخلية التي يُديرها عطا وجهاً لوجهٍ مع رُعاتها من القاعدة، أوْ – على الأقل – ممثليهم بأوربا وآسيا.( )
بِما أنَّ تحضيرات العملية كانت في مراحل مُتقدمة، فما ذا عَسَى أنْ يكون – إذا – جدْول أعمال هذا اللقاء بتاراغونس؟ هلْ كان الأمر يتعلق بتحديد تاريخ الهجمات وتعْيِين المواقع التي سيتم استهدافها؟ هلْ كانتْ هناك ثغرات يَتعيَّن سدُّها؟. اتّفق المشاركون على نقطتين رئيستين: التضامن التَّام إلى آخر المطاف، وأنّ عطا وحْدَهُ هُو مَنْ سيُحدِّد بمفرده تاريخ العملية والمواقع التي سيتم استهدافها.( )
وفي الأيام القليلة اللاحقة على ذلك، قدِم عطا إلى وكالة سفريات بتاراغونس لحجز تذكرة العوْدة إلى ميامي بتاريخ التاسع عشر من يوليو (تاراغونس – مدريد – برلين – أتلانتا على متن الخطوط الجوية لشركة دَلْتَا). مكثَ الأيام الثلاثة الأخيرة من إقامته (التي دامت اثني عشر [12] يوما) بفندق كازابلانكا بلايا Casablanca Playaوفندق هوستال مانستانت Hostal Monstant بمدينة سالو( ).
وفي السادس عشر من يوليو، عاد بن شيبه إلى هامبرغ على متن رحلة في طائرة مُؤجرَة، قادمة من مطار رويس Reus. وبعْد أسابيع، وقبْل الهجمات بستة (6) أيَّام على التحديد، سيغادر ألمانيا مرورا بمدريد ثم يتوجه إلى أفغانستان، ثُم باكستان، حيث سيتم توقيفه بعد سنة من ذلك، في يوم الحادي عشر من سبتمبر سنة 2002، بمدينة كاراتشي.

التصويبة الأخيرة
لدَى عوْدته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، عكَفَ عطا على تنظيم لقاء يَهْدف إلى إبلاغ كل أعضاء الكوماندوز بالقرارات التي تم اتخاذها أخيرا بتاراغون. وتفاديًّا لإثارة أيِّ نوْع من الرِّيبة حِيالَ تجمُّعٍ يقيمه عِدَّةُ شُبَّانٍ عرب، يخوضون في نِقاشات خطيرة وحيّة، قام المهندس المِصري باستدعاء كبار معاونيه- مروان الشحي، زياد الجراح، هاني حنجور، خالد المحظار، ونوّاف الحازمي إلى عُمْق أمريكا الماجن: لاس فيغس Las Vegas. ففي الثالث عشر من أغسطس، سافر عطا جوًّا إلى ولاية نيفادا Nevada وأقام بالغرفة رقم 122 بأحد نُزُلِ أيكونو لودج Econo Lodge Motel على الشارع الرئيسي الجنوبي للاس فيغس. وكان قد أقام بالفندق نفسه في التاسع والعشرين من يونيو السابق على ذلك التاريخ بالغرفة 22، خلال رحلة قصيرة في إطار مهمة تتعلق بتحديد المواقع. (يبدو أن نمط الترتيب الذي سار عليه عطا كان يتمثل – بطريقة ممنهجة – في القيام برحلات ذات طبيعة استكشافية سابقة على كل مرحلة من المراحل المهمة، فهذا ما قام به حين حلَّ بإسبانيا قبل اجتماع “تاراغونس”، وفي “لاس فيغس” قبل اجتماع أغسطس، وفي مدينة بورتلند Portland بولاية مَيْن Maine قبْل أنْ يقْضي بها الليلة الأخيرة في العاشر من سبتمبر).( )
…….اجتمعتْ إذا مجموعة من الفريق، ثلاثة أسابيع قبْل الهجمات، في “لاس فيغس”، للاتفاق على الخطوات الأخيرة، المتعلقة بالحجوزات وشراء التذاكر، والتواصل، والتنسيق المتعلق بمواعيد الالتقاء قُرْب المطارات عَشيّة الهجمات، وطُرُق صعود الطائرات، والظروف التي يُمْكـن أنْ تُؤَدّي إلى إجهاض العملية. (هلْ ساهم توقيف زكريا موسوي، ثلاثة أيام بعد اجتماع لاس فيغس، في تسريع وتيرة الأحداث؟ لا شيْءَ أقل يقينا من ذلك.) وعُقد اجتماع آخر قبل “اليوم المشهود” باثني عشر (12) يوما، لكن هذه المرة في جنوب فلوريدا.
وفي يوم الخامس والعشرين من أغسطس، أقام عطا مع مهنّد الشهري بفندق بانثر (نُزُلُ النِّمْر) Panther Motel بمدينة ديرفيلدبيتش Deerfield Beach (شاطئ مَيْدان الغِزْلان). وكان هناك أيضا الأَخَوان من عائلة الشهري، وكذا سطام السقامي.
اجتمعتْ المجموعة مِن جديد بالنُّزُل. أكانَ ذلك هذه المرة علامة على الاضطراب؟ لقد عيلَ صبْرُ المتآمرين إزاء مُقدِّمي الخدمات بالفندق، وهو ما قدْ يُسهِّلُ كشف أمرهم. اعتبر محمد عطا أنَّ أداء خط التوصيل الهاتفي الموجود بغُرفتهم غيرُ مُرْضٍ، وطلب استبداله بخطوط ربْط أكثر فعالية. لقد قام بإبلاغ مُسيِّر الفندق بأنه ورِفَاقَهُ سيتلقَّوْن “أطنانا من المراسلات الإلكترونية”. غيْر أنَّ العاملين في خدمات الاستقبال أبْطؤوا في القيام بما هو ضروري لتصحيح الوضع. عادَ عطا مُجَدَّدًا للْمُسيِّرِ وشرَح له بنبرة ساخطة، أنَّه يُضيعُ عليهم الوقت، وأنَّ لديهم “مهمة يتعين إنجازها”. لكنَّ عطا توقف فجْأة عن الاستمرار في الحديث عندما سأله المسيِّرُ بنبرة لا تخلو من دعابة، عن ما إذا كان لهذه المهمة “صلة ما بالإسلام”!. عندها….

….صرَّح الجرّاح الحائز على تأشيرة أمريكية نافذة الصلاحية بأنَّه قُبطان طائرة يُقيم مؤقتا بالولايات المتحدة الأمريكية. عاد اللبناني إلى الولايات المتحدة في الخامس والعشرين من فبراير، قبْل أنْ يُغادر مِن جديد، ويعود إلى فلوريدا في الثالث عشر من إبريل. واستقر هذه المرة، ببلدة صغيرة بضواحي مدينة هوليوود Hollywood الواقعة جنوب مدينة فورت لورديل Fort Lauredale، حيث استأجر شقة بمبلغ مائة وخمسة وستين (165) دولارا للأسبوع، أقام فيها لغاية الثاني والعشرين من يونيو الموالي.
وفي السابع مِن مايو، قام الجرّاح بالاشتراك في دروس تتعلق بفعاليات رياضية خاصة بالدفاع عن النفس Self-defense، بأحد نوادي اللياقة البدنية يُطْلق عليه “كِلَبْ يُو أَسْ رقم 1 US-l fitness club” بمدينة دانيا بيتش Dania Beach على مَقْربة من مدينة ميامي Miami. لقد علَّمه المُدرب ومالك المركز، “برت رودريغيز” Bert Rodriguez، العديد من تقنيات المصارعة (خصوصا ما يتعلق منها بالضربة القاضية مِن خلال الهجمة المُباغتة على الأوداج). واستمر الجرّاح في متابعة هذا البرنامج التدريبي الذي كان يَتم مرتين في الأسبوع (بمقدار تسعين دقيقة للجلسة الصباحية) لغاية السابع من سبتمبر. انْبهر رودريغيز بالقُدرات القتالية للجرّاح، لدرجة أنّه عَرض عليه التقدم للمشاركة في منافسات رياضة الملاكمة المصحوبة بالرَّكل Kickboxing، وهو ما سيرفضه هذا الأخير. وفي شهر يناير حطَّ هذا الأخير الرِّحال بلورديل المطلة على البحر Lauderdale-by-the-sea في جنوب ولاية فلوريدا، في دائرة (مقاطعة) برووُرْدْ Broward County على مقربة من بوابة الخروج من الطريق السريع آيْ 95Highway, Exit I-95 على طريق بوغينفيل Bougainville. وهناك
العنصر العشرون
لمَّا أصبح تخلف رمزي عن اللحاق برفاقه في الولايات المتحدة الأمريكية أمرا بَدَهيًّا – بعْد أنْ قوبل طلبه لتأشيرة الدخول إلى الأراضي الأمريكية بالرَّفض أربع مرات – فلرُبَّما كان تفكير العقل المدبر للعملية محمد عطا، بالتشاور مع ابن شيبه، قد أدَّى به إلى اختيار زكريا موسوي بديلا عن بن شيبه. فالواقع أنّ الحلَّ المتمثل في استبدال أحد عناصر الكوماندوز قد تمَّ التعويل عليه منذ نهاية سنة 2000، عنْدما حلَّ بن شيبه بلندن قادما من هامبرغ، في الفترة ما بين الثاني والتاسع من ديسمبر للالتقاء بموسوي.
منْ هُوَ زكريا موسوي الذي كان قابعا يوم الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 في أحد السجون بمقاطعة شلبورن Shelburne County بولاية بنسلفانيا Pensylvania؟.( )
وُلد هذا الفرنسي سنة 1968 بسانت جان دي لوز في بلاد الباسك Saint-Jean-de-Luz (Pays Basque) . وهو ابن لِمُهَاجِرَيْنِ مَغْربيَّيْن. وقد قضى طفولته بفرنسا في وسط متواضع.
يَذكر أخوه – الذي عاش معه لغاية سن الرابعة والعشرين – أنَّ أسرة الموسوي عانتْ كثيرا من العنصرية بفرنسا. علاوة على ذلك، “لم تكن أُمُّه مرتاحة لهويتها”. فقد حرصتْ على تربية أطفالها بحيث يتاح لهم أدنى حدٍّ ممْكن من التواصل مع الجالية المسلمة( ).
غادر الموسوي فرنسا في نهاية سنة 1991 و بحوزته خمسة وعشرون ألف (25.000) فرنك فرنسي من المُدَّخرات بجيبه. أقام بلندن والتحق بجامعة ساوث بنك London South Bank University، حيث حصل منها، بعد ثلاث سنوات، على شهادة في التجارة الدولية. وعلى غِرار الكثير من أبناء المهاجرين المغاربة في فرنسا ممَّن اكتشفوا هوِيتهم الدينية بصورة متأخرة، فإنَّ مُوسوي كان يتردّدُ على الأوساط الإسلامية دون تَبَصُّرٍ كبير. ففي لندن، كان يتردد على مسجد فينسبري بارْك Finsbury Park Mosque حيث التقى بناشطين إسلاميين. سافر موسوي، إثر ذلك، إلى الشيشان سنة 1996، ثم أفغانستان عامي 1998 و1999. ومِن المحتمل أيضا أنْ يكون قد حلَّ بباكستان وماليزيا في سنة 2000.
وهناك احتمال قوي، أنْ يكون قد تلقَّى، خلال رحلته إلى أفغانستان في العام 1998، تكوينا بأحد مخيمات التدريب في قندهار وجلال أباد. وفي كل الأحوال، فإنَّ هذا ما وَردَ من معلومات عنْ وكالات الاستخبارات الفرنسية العاملة في مجال مكافحة التجسس، وهوَ ما سيقومون آنذاك بإبلاغه لنظرائهم الأمريكيين( ).
ولكِنْ تبقى الشكوك – مع ذلك – قائمة في شأْن ما إذا كان موسوي من بين أعضاء فريق عطا، أمْ أنَّه كان بصدد التحضير لعملية موازية؟. فيبدو – على سبيل المثال – أنَّ هذا الفرنسي كان بالأْحرى مُهتما بطائرات البوينغ من طراز 747 المستخدمة في الرَّحلات الطويلة، والتي نادرا ما يتم استخدامها في الرحلات الداخلية بالولايات المتحدة.
وبعْد أنْ تسلَّم مبلغا من المال منْ بن شيبه حين جاء لزيارته، سافر موسوي من جديد إلى أفغانستان، وذلك في الفترة ما بين التاسع من ديسمبر لغاية السابع من فبراير الموالي. وبعْد مضيِّ أيام، وصل بتاريخ الثالث والعشرين من فبراير إلى شيكاغو، قادما من لندن، حاملا جواز سفر فرنسي (رقم “أ” “إي”27016 Passport # AE27016)، وحائزا على تأشيرة دخول للأراضي الأمريكية تمَّ الحصولُ عليها في باكستان، وبحوزته مبلغ خمسة وثلاثين ألف [35.000] دولار ( حرَصَ على التصريح بها لسلطات الجمارك الأمريكية). توَجه موسوي إلى ….
وبسبب استيائه من التكوين الذي ظلَّ يتلقاه منذ 26 من فبراير بمدرسة الطيران لتكوين الملاَّحين Airman Flight School، قام في الثالث والعشرين من مايو بتوجيه رسالة بالبريد الإلكتروني إلى أكاديمية الطيران بان أمريكان Pan American International Flight Academy بمدينة منيابليس Minneapolis بولاية مينوسوتا Minnesota، للاستعلام بشأن شروط الالتحاق بها.
كانَ موسوي قد سافر للمرة الثالثة إلى باكستان، بعْد عِدة أشهر من وصوله، وتحديدا في شهر يونيو، حيث التقى ببن شيبه في مدينة كراتشي لنقاش التحضيرات الْمُمَهِّدة للعملية التي يتولَّى محمد عطا تنسيقها. ولدى عوْدته إلى الولايات المتحدة عَكَفَ – بشكل نشط – على إكْمال تكوينه في ميدان الملاحة الجوية. ومن مدينة دسلدورف Dusseldorf قام بن شيبه (مُستخْدِما اسما مستعارا هو أحمد ثابت)، بإرسال تحويلين مصرفيين للموسوي بلغا في مُجْملهما أربعة عشر ألف (14.000) دولار، في الأول والثاني من شهر أغسطس سنة 2001. و أكَّد الموسوي تَسلُّمه للمبالغ، عنْ طريق رسالة بعث بها عبْر الفاكس. وفي التاسع من أغسطس، قام صديق له – يُدْعَى حسين العطاس، والذي عاش معه في الغرفة نفسها بمدينة أوكلاهوما لفترة شهر- باصطحابه في السيارة إلى ولاية مينسوتا. (عندما قام مكتب التحقيقات الفيدرالي باستجوابه، اتهم العطاس موسوي بـ”التطرف”.)
وفي الثالث عشر من أغسطس، بدأ موسوي دورة تكوينية لمدة أسبوعين على جهاز لمحاكاة الطيران خاص بطائرات البوينغ من طراز 747 في أكاديمية الطيران “بانْ آمْ” بمدينة مينابوليس. وسدَّد مصاريف الانتساب نقْدا (وقدرها 8300 دولار). وفي غضون الأيام اللاحقة تغيَّر سُلوكُه، فلم يعُدْ يُبْدِي اهتماما بطرق الإقلاع والهبوط، بل انصبَّ تركيزه أساسا على الملاحة في الجوِّ، مما لفت انتباه المدرب المُشْرف على تكوينه، فقام بإبلاغ مكتب المباحث الفيدرالية في الخامس عشر من شهر أغسطس بذلك، والذي قام بإيفاد الوكيل ديْف رابْ Dave Rapp، مصحوبا بوكيل من إدارة الهجرة والتجنيس Immigration and Naturalization Service (INS)، لتوقيف الفرنسي غداة اليوم الموالي بمحلِّ إقامته برزيدنس إين
Residence Inn. تمَّ توقيف هذا الأخير ل

…كيْفَ كانتْ الحالة النفسية لأعضاء الكوماندوز خلال تلك الأيام الأخيرة، في الوقت الذي تتسارع فيه الأحداث، وَ هُمْ في حالة تنقل دائم، في الوقت الذي تقترب فيه استحقاقات انتحارهم الجماعي، وعلى خلفية توقيف موسوي- الذي ربما يكون عطا ومساعدُه قد أخْفَياه عن بقيَّة المجموعة، حرصا على السرية، وهو ما ألقَى بظلاله على عملية كان يمكن في هذه المرحلة – أكثر مِن أيّ وقت مضى – أنْ تنْكشف في أي لحظة، كما أنَّ نجاحها متوقف على التصرفات المتعددة لهؤلاء النفر التسعة عشر؟.
…..مِن جهة أُخرى، تكلّف عطا، الذي يُشرف على التنقلات المتشابكة المعقّدة والخطيرة، بإبلاغ قيادته – بواسطة شريكه؛ رمزي بن شيبه في مدينة هامبرغ – عنْ تاريخ العملية والأماكن المستهدفة بها. فعطا الذي يتراسل بالبريد الإلكتروني مع بنْ شيبه بألمانيا – الأول يتقمُّص شخصية طالب في مقتبل العمر يُقِيم بالولايات المتحدة، ويتواصل مع خليلته بألمانيا – يكتب إلى شريكه في العملية: ” سيبدأ الفصل الأول في غضون ثلاثة أسابيع. لمْ يطْرأْ أيُّ تغيير. كل شيء على ما يرام … مدرستان عاليتان وجامعتان … سيكون هذا الصيف ساخنا … يلْزمُ أنْ أُحدِّثك ببعض التفصيل. تسع عشرة (19) شهادة وأربعة (4) امتحانات. تحياتي للأستاذ( ).
إنَّ هذا الخطاب المشفّر يُشير لتاريخ العملية، والأماكن المستهدفة والفريق الانتحاري. فقد كنَّى عنِ البنتاغون بمدرسة “الفنون الجميلة”، ولَقّب مركز التجارة العالمي بـ”كلية التجمعات الحضرية”، في حين أَطْلق اسم “كلية الحقوق”على مبنى الكونغرس. وفي كل الأحوال، فإن “الأستاذ” هو الدكتور أيمن الظواهري، والشهادات التسع عشرة (19) تُشير إلى أعضاء الكوماندوز.
بعْد مُضيّ أسبوع على ذلك – أيْ في التاسع والعشرين (29) من أغسطس تحديدا – عِنْد الساعة الثانية والنِّصف صباحا – كان بن شيبه مُستغرقا في النوم في شقته بهامبرغ عندما تلقى مكالمة هاتفية مِنْ عطا ليؤكد له المعلومات الآنفة الواردة بالبريد الإلكتروني، ولِيُبْلِغَ اليَمَنِيَّ بتاريخ الهجمات في شكل أُحْجِيَّةٍ: “ما المقصود بِعَصَوَيْنِ (11)، وعلامة شرطة (-)، وكعكعة بأسفلها عصا (9)؟” بن شيبه، الذي فهم المغزى من الإيعاز المتعلِّق بالتاريخ الذي تمَّ اختياره (11-9)، قام حينها بإبلاغ بعض شركائه في أوروبا بقرب تنفيذ العمليات، وقام أيضا بإخبار أسامة بن لادن بذلك في السادس من سبتمبر، ثُم غادر ألمانيا على الفور متوجها إلى باكستان.
كلُّ شيء قدْ تمَّ. وبِما أنّ كل العناصر قد انتظمتْ في أماكنها، فيُمْكنُ

طائرة شركة أمريكان أير لاينز الرحلة 11
وهي طائرة من نوع بوينغ طراز 767-223 إي آر Boeing 767-223ER الرحلة رقم أأ 11AA11 ، وهو طراز خاص يتمتع “بقدرات طيران عالية” “Extended Range” ولها سِعة تخزينية تبلغ أربعة وعشرين ألف غالون (24.000) من وقود الكيروزين. وقدْ أقلعتْ مِن مدينة بوسطن، من المدرج 4 ر 22 أَلْ 4R/22L عند الساعة السابعة و59 دقيقة متوجهة إلى مدينة لوس انجلس Los Angles وعلى مَتْنها اثنان وتسعون (92) شخصا (واحد وثمانون [81] راكبا، وتسعة [9] من أفراد الطاقم، وملاّحان [2] اثنان). كانتْ الطائرة تُقِلُّ تسعة (9) مسافرين في الدرجة الأولى (من ضمنهم قراصنة الجو الخمسة)، وتسعة عشر (19) راكبا في درجة الأعمال، وثلاثة وخمسين (53) في الدرجة الاقتصادية. كان محمد عطا يشغل المقعد رقم 8 “Seat 8D”، وكان عبدالعزيز العمري بجنبه في المقعد رقم 8 “و” “Seat 8G “، في حين كان الأخوان من عائلة الشهري (وائل ووليد) يجلسان في المقعدَيْن 2 “أ” Seat 2A والمقعد “2ب” Seat 2B على التوالي. أمَّا سطام السقامي فكان يجلس بعيدا عن زملائه في المقعد “10د” Seat 10D بمؤخرة الطائرة.
في الساعة الثامنة وثلاث عشرة دقيقة وتسع وعشرين ثانية، طلب برج المراقبة بمركز بُوسْطنْ الجوي مِن ملاح الطائرة أنْ يستدير يَمينا بزاوية قدرُها عشرون درجة، لأجل الشروع في اتِّباع مَسارِه صوْب الساحل الشرقي للولايات المتحدة. فردَّ القُبْطان جان أوغُونُووُسْكِي John Ogonowski مُبْلِغًا تلقِّيه للأوامر. وبعد مُضيّ ست عشرة ثانية على ذلك، أرسل البرج أمرا ثانيا للطائرة بالارتفاع إلى عُلُوِّ خمسة وثلاثين ألف (35.000) قَدَمٍ.
لمْ يَتمَّ الرد، هذه المرة، على الرّسالة. وبَعْد مُرور لحظات، كانت الإشارة التي تظهر على شاشة رادار مركز المراقبة تفيد بأن الطائرة تتجه ناحية الجنوب، صَوْبَ ولاية نيويورك. في الفترة الزمنية الفاصلة، قام الكوماندوز بشن الهجوم.
لا نَدْري بالتحديد الكيفيّة التي تَمَكَّن بها عطا ورجاله مِن إحْكام السيطرة على الطائرة. لكن الفَرَضِيَّة الأرجح هي أنْ يكون المهاجمون استخدموا شفرات من النوع المستعمل في تقطيع الأوراق Cutters أوْ سكاكين، لقطع حنجرة أحد المسافرين، من أجْل بث الرعب والفزع في نفوس الركاب، وتثبيط أي إرادة للمقاومة لديهم. ومِن المؤكد كذلك أنْ يكونوا قد استخدموا منضاحا كيمائيا (من نوع “مَيْسْ” Mace، يَتِمُّ تسويقه في الولايات المتحدة الأمريكية) لِشلِّ المُضيفين والمُضيفات عن الحركة، وإجبار المسافرين على البقاء بعيدا عن المنطقة الأمامية من الطائرة. ويَظْهَرُ بداهةً أنَّ الهجوم كان سريعا، همجيًّا وناجعا، لأن القراصنة تمكنوا من السيطرة على الطائرة، لحظات قليلة بعد إقلاعها.
وعند الساعة الثامنة وعشرين دقيقة صباحا اتصلتْ المضيفة بَتِي أُونْغْ Betty Ong – الجالسة في المقعد رقم “3 ر” 3R – هاتفيًّا بمركز عمليات شركة الطيران “أمريكان أيرلاينز” American Airline بولاية كارولينا الشمالية، وأبلغتْ المشرفة على الخدمة، نِيدْيَا غُونْزَالِيسْ Nydia Gonzalez، أنَّ اثنين منْ زُملائها وأحد المسافرين في درجة الأعمال قدْ تعرَّضوا للطَّعن، وأنَّ غازا قد تَفَشَّى في ذلك الجناح، وأنَّ قُمْرَةَ القيادة لم تَعُدْ تستجيب للاتصالات( ). في الساعة الثامنة وأربع عشرين دقيقة، خاطب عطا الرُّكاب بأسلوب لايخلو من مجاملة قائلا: “لدينا عدة طائرات. اهدؤوا فكلُّ الأمور ستسير على ما يرام. نحن نعود إلى المطار. لا يتحرَّكْ أحدٌ منْ فضلكم. “لوْ حاولتم القيام بأيِّ تصرف مهما كان، فستعرضون أنفسكم والطائرة للخطر( )”.
وبعْد مُضيِّ دقائق، أَبلغ مركز مراقبة حركة النقل الجوي بناشوا Nashua إدارة الطيران الفيدارلية Federal Aviation Administration (FAA) أنَّ طائرة شركة أمريكان أيرلاينز، الرحلة رقم11 Flight AA11، قدْ تعرضتْ فيما يبدو للاختطاف. وقامتْ الهيئة الفيدرالية للطيران – بدوْرها – بإبلاغ القيادة المركزية للدفاع بأمريكا الشمالية، وِفْقا للإجراءات التنظيمية المعمول بها في هذا الشأن.
وفي الساعة الثامنة و28 دقيقة، كان جهاز رادار الملاحة الجوية لِطائرة أمريكان أيرلاينز الرحلة 11، الذي يُتيح قراءة مستوى ارتفاع الطائرة، والذي تَتعرف بواسطته الرادارات الخارجية عليها، قدْ توقَّفَ عن البث. لقد باشر القبطان محمد عطا النزول صوب الهدف. سيستغرق ذلك ثمانية عشر (18) دقيقة. وفي الساعة الثامنة وأربع وثلاثين دقيقة، تَوجه هذا الأخير [محمد عطا] مِن جديد إلى الركاب قائلا: “حَذَارِ مِن أنْ يتحرك أحد. نحن نعود إلى المطار. حذار من مُحاولة القيام بتصرفات حمقاء”. عند الاقتراب من نهر “هَدْسِنْ” Hudson، الذي يَفْصِلُ شبه جزيرة منهاتن Manhatan عنْ ولاية نيوجرزي New Jersey، حوالي ست دقائق (6) قبْل الارتطام، قام عطا بزيادة السرعة إلى ما يقارب ثمانمائة (800) كيلومتر للساعة وهُو ما يُمثل ضعف السرعة المعتادة عند الهبوط.
عِنْد بلوغ طائرة البوينغ 757 للوُجْهَةِ المقابلة لمجموعة العمارات التي تنْتصب على حافة شبه الجزيرة، وهي سائرة في اتجاه الرياح، وتحوي عشرين ألف (20.000) غالون من الكيروزين، ارتطمتْ بالبرج الشمالي مِن مركز التجارة الدولية عند الساعة الثامنة (8) وست وأربعين (46) دقيقة وست عشرين (20) ثانية، وهي تسير بسرعة سبعمائة وستين (760) كيلومترا للساعة. إنَّ قُوَّةَ الانفجار المدوِّي الناجم عن الاصطدام تُعادلُ مائتي ألف (200.000) كيلوغرام من الديناميت. و قوة الصدمة – التي خلَّفت ردّات اهتزازاية زلزالية بلغتْ درجتها 9.0 على مقياس ريختر Richter- تأثَّرتْ بها بشكل مباشر مكاتب شركة مارش Marsh وماكلنن McLennan في المنطقة الواقعة بين الطابق الثامن والثمانين (88) والطابق الرابع والتسعين (94). لقد بلغتْ درجةُ حرارةِ لهبِ الحريقِ الحاصلِ تسعمائة وتسعين درجة مئوية (990 Celcius). وفي تلك اللحظة، تأرْجَح البرج تأرجُحا طفيفا ثم عاد ظاهريًّا إلى مكانه. سينهار البرج عند الساعة العاشرة و 28 دقيقة، بعد أنْ صَمَدَ مُدَّة ثمانٍ وعشرين دقيقة زِيَّادة على الفترة التي صمد خلالها توأمه الذي سُيُصْدَمُ بعده.
وفي الساعة الثامنة وخمس وخمسين دقيقة تمَّ الإعلان عبْرَ أجهزة الاتصال المستخدمة في الربط الداخلي Interphone للبرج الجنوبي بأنَّ المبْنى آمن، وأنْ لا حاجة تدعو لإخلائه. إنَّ العديد من الوسطاء التجاريين، مثل شركة كيفي Keefe، بريت وودز Bruyette Woods، قرَّرُوا البقاء لغاية افتتاح العمليات المالية. وبعْد مُضيّ سبع دقائق……..،

طائرة شركة طيران آيرلاينز، الرحلة 175
أقْلعت طائرة البوينغ طراز 767-200 التابعة لشركة ينايتد أيرلاينز الرحلة رقم United Airlines 175 عند الساعة الثامنة وأربع عشرة دقيقة من مدينة بوسطن متوجهة إلى مدينة لوس انجلس وعلى متنها خمسة وستون (65) شخصا (ستة وخمسون [56] مسافرا، سبعة [7] طواقم، وملاَّحَيْن اثنين [2]). كان مروان الشحي يَجْلِسُ بالمقعد رقم “6ج ” 6C، بينما كان حمزة وأحمد الغامدي يَجْلسان في المقعدين “9ج 9C” و”9د 9D”، وفي موضع أكثر تقدُّماً صوب الجهة الأمامية، كان فائز أحمد ومهند الشهري يَجْلسان في المقعدين “2أ 2A” و “2ب 2B” من الدرجة الأولى.
وبعْد الإقلاع بقليل، عند الساعة الثامنة وثلاث وعشرين دقيقة، قام مركز بوسطن الجوي للطيران بربط الاتصال مع الطائرة، مُتواصلا مع القبطان فيكتور ساراسيني Victor Saracini بالذَّات. وبعْد انقضاء ثماني عشرة دقيقة – عند الساعة الثامنة وإحدى وأربعين دقيقة – تمَّ آخر اتصال بالطائرة. طلبتْ هيئة المراقبة الجوية بشيكاغو Chicago مِنَ الطائرة أنْ تُعدِّل مسار طيرانها بزاوية قدرها ثلاثون درجة نحو الشرق. وبعْد مضي دقيقة ونصف على الاتصال، تنبَّه المراقب إلى تذبذب في الإرسال الصوتي: لقد قام الشحِّي وشركاؤه للتَوِّ بالدخول عُنْوةً إلى قُمْرة القيادة.
وبعْد أقل من عشرين دقيقة – وبالتحديد: عند الساعة التاسعة ودقيقتين وأربع وخمسين ثانية – اصطدمت الطائرة اصطداما عنيفا بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي؛ حيث اخترقتْهُ مُستَقِرَّةً في المنطقة الواقعة ما بين الطابق الثامن والسبعين (78) والطابق الرابع والثمانين (84)، عَلَى مُسْتوى ….
نفَّذ الشحِّي وهو آتٍ من ناحية الجنوب مُناورة التفافية أكثر تعقيدا من تلك التي قام بها عطا. فقد صدم البرج وهو يسير بسرعة تسعمائة وستين (960) كيلومترا للساعة، أيْ مائتين وأربعين (240) كيلومترا للساعة زيادة على السرعة الاعتيادية في مِثل هذا المستوى من العُلوِّ المنخفض. إنَّ الدَّوران والسرعة قضتا بأنّ ستة أعشار ثانية كانت كافية لأنْ تكون هذه الطائرة البالغ وزنها مائة وسبعة وثلاثين (137) طنًّا في حالة توقف كُلِّي عن الحركة. لمْ تنفجرْ هذه الطائرة – التي كانتْ تحوي ثمانية آلاف ومائتي (8200) غالون من الكيروزين، وهي حمولة الوقود المتبقيَّة مِن الكمية الأصلية البالغة تسعة آلاف وخمس مائة (9500) – تماما لحظة الاصطدام. وبقِي الجُزء الخلفي من الطائرة باديًّا للعيان لفترة زمنية قصيرة. إنَّ قُوَّةَ الاصطدام البالغة اثنين وثلاثين ألفا وستمائة (32.600) كيلو نيوتن Kilonewtons كانتْ أَقوى بكثير ممَّا يُمْكن للبرج أنْ يتحملهُ، إذْ لمْ تكُنْ بُنيْتُهُ الهيكلية لِتصمد إلا في وجْه اصطدام أقلَّ قُوّة بثلاث مرات ممَّا حدث.
إنَّ مركز التجارة العالمي World Trade Center – المُؤلَّف منْ مُجمّع مكوّن من سبع (7) عمارات تنتشر على مساحة قدرها خمسة وستون ألف (65.000) متر مربع، والذي شُيِّد في غضون ست (6) سنوات وثمانية (8) أشهر، في الفترة الزمنية مابين 1966 و1973، (وكانَ له رمزه البريدي Zip Code الخاص به)، سينهار في ظرف ساعة واحدة وإِثْنَْتَيْنِ وأربعين (42) دقيقة، مُخَلِّفًا هزة زلزالية بقوة 3.2 درجة على مقياس ريشتر، تمّ الإحساسُ بها على بُعْد أربعة وثلاثين (34) كيلومترا.( )
سَيَلْحَق الدمار بمُجمّع العمارات بأكمله: البرجان التوأمان اللذان كانا ينتصبان على علو مائة وعشر (110) طوابق( )، كمَا سيلْحق الدمار ببرج ثالث مُؤَلف من أربعة وخمسين (54) طابقا (وهو المبنى رقم سبعة [7]) في مركز التجارة الدولي)، وجزء من فندق ماريات Marriott وثلاثة فنادق مُتقابلة. كما ستَلحق أضرار ماديَّة جسيمة بثمان مبان أخرى (أمريكان أكسبرس American Express، المركز المالي الدولي رقم 2 World Financial Center # 2، ونتر غاردن Winter Garden، فرايزون Verizon، كيوني CUNY، بانكرز ترست Bankers Trust، ومباني تحمل أرقام تسعين [90] ومائة وثلاثين [130] من شارع سيدار 90 & 130 Cedar Street.)
إنَّ البرج الشمالي الذي اخْتُرِقَ قبل ستة عشر دقيقة مِن الهجوم على البرج الجنوبي، قد انهار بعد توأمه. (هل قام عطا والشحي – خلال فترة الربع الساعة الفاصلة بين الرحلتين – بالاتصال ببعضهما البعض بواسطة هواتفهما المتنقلة عندما كان كل منهما يقود طائرته؟). لقدْ تعطلتْ الأجهزة الفنية المُستخدَمة في التواصل بيْن فِرق الإنقاذ. فموجات البث التَّردُّدِي للرَّادْيُو كانتْ سيئة، ولَم تتمكنْ الفِرَقُ من تحديد مواقع أفرادها، وعنْد الإحساس بمَخاطر الانهيار، لَم تُسْمَعْ نداءاتُ الإخلاء ……كما أنَّ الخيار القاضي بالقيام بعمليات الإخلاء عبْرَ السُّطوح (كما كان الشأْن خلال الهجوم الأول ضد مركز التجارة العالمي في شهر أكتوبر من سنة 1993) لمْ يتمَّ اعتماده. وكان لِغياب التنسيق آثار كارثية، فقدْ لقِي ثلاثمائة وثلاثة (303) أفراد من رجال الإطفاء حتْفهم، بينما كانوا مُتجهين إلى البرج الشمالي لتقديم المساعدة للأشخاص الموجودين به. وبالفعل، فرجال الإطفاء المذكورين، كانوا قدْ وصلوا إلى مستوى الطائرة في البرج الجنوبي (يُوجد تسجيل صوتي لاثنين من رجال الإطفاء، أوريو بالمر Orio Palmer ورونالد بوكا Ronald Bucca، في الطابق الثامن والسبعين “78”).
سيَصمد البرج الشمالي لمدة مائة ودقيقتين (102)، أمَّا البرج الجنوبي فسيصمد ستا وخمسين (56) دقيقة( ). قَضَى في الهجمات على نيويورك: ألف وتسعمائة وستة وأربعون (1946) شخصا كانوا متواجدين في الطوابق التسعة عشر (19) العلوية من البرج الشمالي والطوابق الثلاثة والثلاثين (33) العلوية من البرج الجنوبي. كما أنَّ ما يقارب مائتي (200) شخْص رَمَوْا بأنفسهم من المباني قفْزًا نحو الفراغ، فِرارا منْ ألْسنة اللهب. تم العثور على قرابة أربعين (40) جُثة على سطح مبنى فندق مريات Marriott Hotel (على مستوى الطابق الثاني والعشرين الموجود في باحة المنتزه المتاخم للبُرْجيْن( )). وفي لحظة الارتطام الأولى قُذِف أيضا، بِعِدّة أشخاص من الجانب الشرقي للبُرْج الشمالي.
كانَ أمامَ الأشخاص الموجودين في البرج الشمالي ست عشرة…….
كانَ للارتطام الأول تأثير كبير، لكنَّ أخطر ما ترتب عنه، كان اشتعال النار في أساطين البرج الشمالي، وما نجم عنْ ذلك من تداعيَّات مُتلاحقة مُدمِّرة. وعندما اشتدت ضراوة الحرارة، فقد الفولاذ قُدْرته على المقاومة وتَدَاعَتِ الطوابقُ العلْويَّة مُلْقِيَةً بِثِقَلِهَا على الطوابق السفلية.
وعلاوة على ذلك، فإن مستوى تأثير الطائرة الأولى كان مُحصِّلة الجمْع بطريقة مُثْلَى بين تضاؤل القوة وزيادة الثِّقَل. لقي ما مجموعه ألفان وسبعة مائة واثنان وتسعون (2792) شخصا مصرعهم بمركز التجارة العالمي: الرّكاب وطواقم الطائرتين، والأشخاص المتواجدون بالمباني، ورجال الإطفاء ورجال الشرطة، بالإضافة إلى ضحايا الانهيارات. وقُدِّر وَزْن الأنقاض التي خَلفتها التفجيرات بمليون وستمائة ألف (1.600.000) طن.

رابعا
التأهب لخوض الحرب

Bellum seipse alet

كان الرئيس الأمريكي بوش George W. Bush بمدينة سارازوتا Sarasota في ولاية فلوريدا، يَحْضر حِصَّة قراءة لبعض طلاب مدرسة “إِيما بُوكْرْ” Emma E. Booker حينما أبلغه مستشاره المقرب، أمين سر البيت الأبيض كارل روف Karl Rove ، بأنّ طائرة قد اصْطَدمَتْ للتَوِّ بمركز التجارة العالمي، مُشيرا إلى أن الأمر ربما يتعلق بحادث عرَضِيٍّ. أجْرى الرئيس مشاورات مع مدير ديوانه، أندرو أيتش كارد Andrew H. Card، ثُمَّ قَرَّر مُتابعة برنامجه. لحظات بعد ذلك، عند الساعة التاسعة وخمس دقائق، قام كارد بإبلاغه أن طائرة ثانية صدمت البرج الثاني. “أمريكا تتعرض للهجوم”، وضّح المستشار. عندها التقطت كاميرات الحضور التعبير المتوتر الذي ارْتسم على وجه الرئيس الْمُتَجَهِّمِ.
والواقع أن المسؤولين الأمريكيين لم يتبيّنوا طبيعة الوضع إلا بعْد أنْ قامتْ الطائرة الثانية بضرب البُرج الشمالي، ممَّا يعني حُدوث هجوم منسَّقٍ ضد الولايات المتحدة الأمريكية. فمُعظم المسؤولين الأمريكيين، بعْد أنْ عَلِمُوا أن طائرة قامتْ للتَوِّ بضرب مركز التجارة العالمي، تابعوا مهامهم الاعتيادية. بلْ إنّ البعض منهم، مثل لويس ليبي Lewis Libby مستشار الأمن القومي ومدير ديوان نائب الرئيس، أغلقوا أجهزة التلفزيون وتابعوا نشاطاتهم.
كان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جورج تِنِتْ George Tenet ، يتناول الفطور بفندق هاي آدمس Hay-Adams Hotel على مقربة من البيت الأبيض رفقة عضو سابق من مجلس الشيوخ عن ولاية أوكلوهاما Oklahoma هو ديفد بورن David Boren، عندما قام أعضاء فريق حراسته المقربين بإعلامه أن طائرة قدْ تحطمتْ للتوّ على مركز التجارة العالمية، فردَّ تِنِتْ على الفور: “هل كان هذا هجوما؟ إنَّ هذا يشبه الهجوم. هذا بن لادن، إن هذا يشبه بن لادن”.( )
بدوره، كان وزير الدفاع ، دانلد رمسفيلد Donald Rumsfeld، مُتواجدا بمكتبه في الطابق الثالث من الحلقة الخارجية لمبنى البنتاغون. وبعْد تقديم الإسعاف للمصابين مِن ضحايا الهجوم الذي نفذته طائرة شركة أمريكان أيرلاينز الرحلة رقم 77، اتجه بعدها إلى المركز القومي للقيادة العسكرية حيث سيتباحث مع الجنرال ريتشارد بي مايرز Richard B. Myers.
أمَّا وزير الخارجية كولن باول Colin Powell فكان بـ”ليما” Lima، يتناول الغداء مع رئيس البيرو Peru. وبعْد أنْ أدرك هَوْل الحدث، شرع باول على الفور في رحْلة الإيَّاب إلى واشنطن، وهي رحلة ستستغرق سبع (7) ساعات. أخيرا، كانت المستشارة لدى مجلس الأمن القومي، كاندوليزا رايس Condoleezza Rice تتأهَّب للتوجه إلى اجتماع، كان مُقَرَّرًا لها أنْ تعْقده عند الساعة التاسعة مع فريق مِنْ معاونيها، حينَ علمت بنبإ الهجوم الأول. وبعْد أن اتصلتْ هاتفيا بالرئيس بوش في سارازوتا، ذهبت إلى المؤتمر. وما كاد الاجتماع يبدأ حتى قام أحد مساعديها بتسليمها ورقة تتضمن رسالة خطية مقتضبة مفادها أن طائرة ثانية قد تحطَّمتْ للتوِّ على البُرج الثاني. توقفت الجلسة فورا، وتوجهت رايس على عجل إلى مركز الأزمات بالبيت الأبيض المُسمّى بسيتاويشون روم Situation Room.
إثْر انتهاء جلسة القراءة التي كان يحضرها، انسحب الرئيس بوش لِيُجْريَ اتصالات هاتفية مع نائب الرئيس ديك تشيني Dick Cheney، وحاكم ولاية نيويورك جورج باتاكي George Pataki، ومدير مكتب المباحث الفيدرالية روبرت ميلر Robert Mueller. وفي الساعة التاسعة والنصف صباحا، قام الرئيس بالإدلاء بأول تصريح انطلاقا من المركز الإعلامي لمدرسة بوكر. وبعد مرور ثماني عشر دقيقة، تحطَّمتْ الطائرة الثالثة على مبنى البنتاغون. لقدْ تم اتخاذ قرار بإرسال الرئيس إلى مقرِّ القيادة الإستراتيجية العامَّة للولايات المتحدة، الواقع في قاعدة “أوفت” Offutt بولاية نبراسكا .Nebraskaوقدْ كان مِن الإلزامي له التوقف بقاعدة باركسديل Barksdale بولاية لويزيانا Louisiana، لأنه من أجل تفادي هجوم محتمل على الطائرة الرئاسية (طائرة القوات الجوية رقم1 Air Force One)، فإن الطائرة كانت تطير على عُلوٍّ منخفض، مما جعلها تستهلك الكيروزين بكميات أكْبر مما هو الحال في ظروف الطيران العادية، وهو ما صعّب أيضا مِنْ إمكانية تموينها بالوقود خلال فترة طيرانها. غادرالرئيس سارازوتا عند الساعة التاسعة وخمس وخمسين دقيقة متجها إلى باركسديل التي وصلها عند الساعة الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة، ترافقه مقاتلات من طراز أَف-15 و أَف- 16. وفي الساعة الثانية عشرة وست وأربعين دقيقة، أدْلى بوش بتصريح ثان: “سنثبت للعالم أننا سنتجاوز هذه المِحْنة”.
وخلال هذا الظرف الزمني، كان التوتر قد بلغ أَشُدَّهُ في واشنطن. ففي الساعة التاسعة وست وعشرين دقيقة، أصدرتْ الهيئة الفيدرالية للطيران FAA أوامِرها إلى جميع الطائرات غيْر العسكرية بأنْ تبقى جاثمة أرضا، وأَلْغَتْ كل الرحلات القادمة إلى المجال الجوي الأمريكي أو الخارجة منه. ( في هذا الصباح، كان البلد تحت حماية أربع عشرة (14) طائرة تابعة للحرس الجوي الوطني، تتوزَّع على سبع (7) قواعد عسكرية متناثرة عبر التراب الأمريكي). وبعد مرور تسع دقائق، قامت الهيئة الفيدرالية للطيران بإرسال إشعار يُنْذر بأن طائرة ثالثة تتجه صوب البيت الأبيض وهي تسير بسرعة تزيد على ثمانمائة (800) كيلومتر في الساعة. ثم إن أحد مُراقبي المجال الجوي بمطار دولز Dulles اتَّصل هاتفيا بالبيت الأبيض لإبلاغه بوجود طائرة على بُعْد حوالي خمسين (50) كيلومترا. وفي الساعة التاسعة وخمس وأربعين دقيقة، تم إخلاء البيت الأبيض. لقد أَجْبَرَ جهازُ الأمن الرئاسي نائبَ الرئيس، ديك تشيني، على مغادرة الجناح الغربي للبيت الأبيض على عجل، حيث كان يتابع الأحداث على شاشة التلفاز، والنزول إلى قاعة القيادة الموجودة تحت الأرض، أيْ المركز الرئاسي لعمليات الطواريء Presidential Emergency Operations Center (PEOC). وتم نشر قنَّاصة من قوات النُّخبة، ونَصْبُ قذائف أرض-جو في محيط البيت الأبيض. وقدْ عاين كلٌّ من تشيني ورايس انهيار البرجين، وهما في حالة من العجز التامِّ أمام ذلك المشهد.
وبعْدَ شيْءٍ من التردد، أصْدر تَنتْ أوامره، عند الساعة العاشرة، بإخلاء مقر وكالة الاستخبارات المركزية بلانغلي في ولاية فرجينيا باستثناء ثمانية (8) أشخاص بَقَوْا بمركز الردّ الموجَّه لمكافحة الأنشطة الإرهابية العالمية، والموجود في الطابق السادس من المبنى.
وفي اللحظة نفسها، تلقى الجهاز المكلف بالحماية المباشرة للرئيس رسالة مجهولة المصدر تعلنُ أنَّ طائرة الرئيس، أو “القوات الجوية رقم1 Air Force One ” هي “الهدف القادم ضمن اللائحة المُستهدفة”. ( لقد تمّ نقل كل أشكال المعلومات المغلوطة إلى الفريق المتواجد بقاعة الأزمات، مثل الحديث عن حدوث تفجير بنصب لينكولن التذكاري Lincoln Memorial). فالشخص الذي قام بالاتصال ذكر الاسم المشفر المستخدم للطائرة الرئاسية “الملاك” “Angel”، ممّا جعل التهديد ذا مصداقية. وعند الساعة العاشرة وإحدى وأربعين دقيقة، طلب تشيني التحدث إلى الرئيس. أبْلغ تشيني بوش بأنّ البيت الأبيض مُستهدف الآن، ونصحه بأنْ لا يعود إلى واشنطن حتى يتَّضح الوضع( ). على الرغم من الآراء الصادرة من مستشاريه، بقيَ تشيني بالبيت الأبيض، حيث كانت البلبلة على أَشُدِّهَا. وحتى الساعة الواحدة ظهرا ظلَّتْ بعض الطائرات (من بينها أربع طائرات قادمة من الخارج تابعة على التوالي لكوريَنْ أيرلاينز Korean Airlines، كانتنتال أيرلاينز Continental Airlines، يونايتد أيرلاينز United Airlines وأير كندا Air Canada) محلَّ ريبة واشتباه. كما اعتُقد لبعض الوقت بأنّه تم استهداف ضيْعة الرئيس بوش بمنطقة كراوفورد Crawford في ولاية تكساس Texas من قِبَل طائرة خاصة ذات حجم صغير.
أصْدر وزير النقل، نورمن مينتا Norman Mineta – الذي التحق بديك تشيني في البيت الأبيض- أوامره إلى المدير المساعد للوكالة الفيدرالية لشؤون الطيران، مونتا بلجر Monte Belger ، بإجبار الأربعة آلاف وخمسمائة وست وأربعين (4546) طائرة الموجودة في المجال الجوي الأمريكي في تلك اللحظة على الهبوط. وبالفعل، كانت الطائرات العسكرية، بحلول الساعة الثانية عشرة وست عشرة دقيقة ظهرا، هي وحْدها التي تحلق في سماء الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لأول مرة في تاريخ هذا البلد. أصدر وزير الدفاع رامسفيلد الأوامر للقواعد العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء العالم بأنْ تنتقل إلى مستوى حالة الاستنفار القصوى (دَلْتَا Delta). وفي الوقت نفسه، انتقلتْ الوضعية الهجومية للجيش الأمريكي إلى دَفْ كَانْ ثلاثة DefCon 3، وهي وضعية دونَ حالة الحرب بدرجتين فقط( ). وقبل ذلك بقليل، أرْسل رمسفيلد طائرات من القُوّة الجوية للحرس القومي Air National Guard لحماية المجال الجوي في محيط واشنطن ونيويورك، حيث أعلن الحاكم باتاكي، عند الساعة العاشرة والنصف صباحا، حالة الطوارئ.
وفي الساعة الثانية عشرة وست وثلاثين دقيقة ظهرا، وجَّه الرئيس بوش، من جديد، خطابا عبر التلفزيون بُثَّ من القاعدة العسكرية في باركسديل. في هذه الرسالة، التي أعاد البنتاغون بثها عند الساعة الواحدة وأربع دقائق ظُهْراً، قال الرئيس الرئيس الأمريكي: “لقد اتخذنا التدابير الأَمْنية المناسبة لحماية الشعب الأمريكي. إنَّ قواتنا على امتداد التراب الأمريكي وفي كل أنحاء العالم، في حالة استنفار قُصوى، وقد قمنا باتخاذ التدابيرالأمنية اللازمة لضمان استمرارية تسيير أعمال حكومتنا”. لقد تم إعلان حالة الطوارئ بواشنطن عند الساعة الواحدة وسبع وعشرين دقيقه. بعد عشر دقائق، قام الرئيس الأمريكي بمغادرة باركسديل متوجها إلى القاعدة الجوية في “أوفووت” Offut قرب مدينة أوماها Omaha بولاية نبراسكا Nebraska وهي مقر القيادة الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية US Strategic Command (حيث يمكن تفعيل قوة الرَّدع النووي). وصَل هناك بحلول الساعة الثانية وخمسين دقيقة ظهرا. وبعد أربعين دقيقة عقد اجتماعا بواسطة الفيديو مع مجلس الأمن القومي National Security Council. صرَّح الرئيس لمستشاريه: “سنعثر على هؤلاء الأشخاص وسيدفعون ثمن ما اقترفوا”. إن درجة الاستنفار كانتْ على مستوى أصبحتْ فيه السلطات الأمريكية تُفكِّرُ في حمْل الرئيس على المبيت في مكان مُحصّن تحت الأرض Bunker بمقر القيادة الاستراتيجية، حتى يتسنَّى له أنْ يَكُونَ على مقربة من مركز التحكم في الترسانة النووية للبلد، وللحيلولة دون أنْ يقوم شخص ما بانتحال هويته، وإصدار الأوامر بإطلاق الجحيم النووي.
غادر الرئيس بوش عند الساعة الرابعة وست وثلاثين دقيقة مساء، قاعدة “أوفَّتْ” متجها إلى واشنطن حيث حطَّتْ به طائرتُه عند الساعة السادسة وأربع وثلاثين دقيقة. وصل البيت الأبيض عند الساعة السادسة وخمسين دقيقة، بعْد أنْ كان قد سافر في مروحية ضمن سِرْب من ست (6) مروحيات متطابقة الشكل، بحيث لا يمكن تمييزُ المروحية التي تُقلُّه من بين الأخريات. وفي الساعة الثامنة وثلاثين دقيقة، وجَّه خطابا مقتَضَبا إلى الأمة [الأمريكية]: “اليوم عاينَتْ أمَّتُنا الشرّ. […] إن أيًّا منّا لن ينْسَى هذا اليوم [العصيب]”. ثم ترأَّسَ – عند الساعة التاسعة مساء – اجتماعا ثانيا لمجلس الأمن القومي، حيث انضمّ إليه كولن باول، الذي وصل قبْل ذلك بقليل من ليما، عاصمة البيرو.

الامبراطورية تتحرك
شَرَعَ الفريقُ الرئاسي الأمريكي – في اليوم التالي لهجمات الحادي عشر من سبتمبر – في النظر في الخيارات العسكرية للرَّد على هجمات اليوم السابق. بدأتْ
المعلومات تتضح أكثر من خلال مصادر أفغانية أفادتْ بأن تحضيرات العملية كانتْ جارية منذ عامين بإشرافٍ من “الدكتور” أيمن الظواهري – الساعد الأيمن لأسامة بن لادن – وأنَّ مبنى الكونغرس والبيت الأبيض كانا ضِمن الأماكن المستهدفة بالطائرات الانتحارية. خلال النقاشات التي دارتْ في الدِّيوان الرئاسي، كان وزير الدفاع دانلد رمسفيلد Donald Rumsfeld يَرى أنّ على الولايات المتحدة أنْ تستخدم قُوَّتها من أجل “تأديب العالم”( ).
والواقع أن الولايات المتحدة بدأتْ في الترتيب لرد “شامل” بسرعة لم يَسْبق لها مثيل، بحيث بدا كما لوْ أنَّ الأحداث التي وقعتْ عشية اليوم السابق لَم تكُن سِوَى إشارة مُؤْذنة بالانطلاق في تنفيذ سياسة كانت مُبيَّتَةً من قَبْلُ. عَمَدَ الرئيسُ بوش – وبسرعة – إلى توزيع المهام. ففي الثاني عشر من سبتمبر، طَلب من وكالة الاستخبارات المركزية تقديم دعم شبه عسكري، ومالي لتحالف الشمال في أفغانستان من أجل التصدِّي لطالبان، المشتبه في إيوائها لأسامة بن لادن. وبموازاة ذلك، تمَّ تكليف وزير الخارجية كولن باول بالعمل مِن أجْل الحصول على التعاون الكلِّي من لَدُنْ باكستان (النفاذ إلى البلد، إشراكها للولايات المتحدة في الاطّلاع على المعلومات الاستخباراتية، إدانة الهجمات، فرض حصار على طالبان وقطع العلاقات مع أفغانستان). قبِلَ الرئيسُ الباكستاني برفيز مشرف تلبية جميع المطالب، وإنْ كانت الإدارة الأمريكية قد نبذَتْه من قَبلُ بسبب الانقلاب العسكري الذي أوْصله إلى سُدّة الحكم في كراتشي خلال شهر أكتوبر من العام 1999.
كما ظهر على الفور دَعمُ بريطانيا اللامشروط للولايات المتحدة الأمريكية. ففي الثاني عشر من سبتمبر، قام الوزير البريطاني الأول توني بلير Tony Blair بإيصال مذكرة من خمْس صفحات إلى الرئيس بوش يُبيِّنُ فيها الكيفية التي ينبغي أنْ يكون عليها الرد الأمريكي (أوْ ما سيطلق عليه “الحرب على الإرهاب”) تحديدا وتنفيذا. ويقوم بلير في هذا الصدد بحث بوش قائلا: “إنه يتعين التأثير على الرأي العام الدولي، والتشهير بدور بن لادن وتنظيم القاعدة، والتشديد على مسألة مخيمات التدريب العسكري في أفغانستان من أجل ربطها بمصير طالبان، وتوجيه إنذار أخير لهؤلاء، إضافة إلى تحسين العلاقات مع إيران، وتقديم الدعم لتحالف الشمال ودمجه في الحملة العسكرية، وأخيرا مَدُّ المعركة إلى مناطق أخرى خارج أفغانستان من خلال توسيع دائرة العمل العسكري بصورة تدريجية( ).
وفي اليوم نفسه، عقد وزير العدل الأمريكي – جان آشكروفت John Ashcroft – مُؤتمرا صحفيا سمَّى فيه المسؤولين عن الهجوم، وقدَّم شروحا للعملية التي قاموا بها. وبعد انقضاء عدة ساعات على ذلك، وتحديدا عند الساعة العاشرة مساء بالتوقيت المَحلِّي، قامت الشرطة الألمانية بتطويق المنطقة المحيطة بمبنى مارينستراس Marienstrasse في حيٍّ هاربرغ Harburg بمدينة هامبرغ Hambourg، الذي سَكنَ به عطا وشركاؤه خلال مُقامهم بألمانيا. وبعْد يوميْن، عُقد مؤتمر صحفي ثان بحضور مدير مكتب المباحث الفيدرالية، روبن مويلر، الذي حدَّد هوية قراصنة الجو التسعة عشر. ويوم السبت الموافق للخامس عشر من سبتمبر، عقد فريق مستشاري الرئيس بِأَسْرِهِمْ- كولن باول Colin Powell، ديك تشيني، جورج تنت، دونالد رامسفيلد، كوندوليزا رايس، بول ولفويتز Paul Wolfowitz، رابرت مويلر Robert Mueller، آندرو كارد Andrew Card، لويس آيْ سكوتر I. Lewis “Scooter، جان مكلافلن John McLaughlin، كوفر بلاك Cofer Black والجنرال هنري أَيْتْشْ General Henry H – اجتماعا بكامب ديفد Camp David في ولاية ميريلند. وخلال هذا الاجتماع الحاسم كانت الغلبة للمحافظين الجدد “الصقور” من وزارة الدفاع على حساب المعتدلين من وزارة الخارجية (كـكولن باول وريتشرد آرمتاج Richard Armitage)، وتمكن الفريق الأول من فرض رؤيته المتعلقة بأمريكا الامبريالية( ). لقدْ طالب جورج تنت الذي قدم للحضور وثيقة بعنوان “مصفوفة الهجوم العالمي” Worldwide Attack Matrix، بأنْ يَقُومَ الرئيس بمنْح “سلطات استثنائية” لوكالة الاستخبارات المركزية ليتسنَّى لها استخدام كلِّ الوسائل – بما فيها القوة – لإدارة عملياتها، وكان ذلك بمساندة مِن وزير الدفاع رمسفيلد. وطالب بول ولفوويتز؛ مساعد وزير الخارجية، بأنْ يتم استهداف العراق على الفور. في حين كان باول أكثر “تحفظا”.
مع ذلك، كانت هذه الاستراتيجية المُتأرجحة بين التأنِّي والهجوم – والتي يَعْكِسها التصادم فيما بين مواقف كولن باول ورامسفيلد، بطريقة تفتقد المرونة – موضوع تحكّم كامل من قبل الإدارة الأمريكية؛ حيث اعتَمدتْ هذه الإدارة على مستوى السياسة الخارجية نهْجا – لا يخلو من براعة – في المراوحة بين الترغيب والترهيب سبيلا لِحَمْلِ خصومها على تغيير مواقفهم. فهذه الإزدواجية في الأسلوب بما يشوبها من لَبْسٍ، هي – أكْثر من أيَّ وقت مضى- أمْرٌ مُبَيَّتٌ. فقدْ ورد في إحدى مذكرات الأمن الحكومي أنه “مِمّا يضر بنا أنْ نُقدم أنفسنا كما لو كنا غاية في العقلانية والتأنِّي”. فكوْن بعض العناصر قدْ تبدو كما لوْ كانتْ – بالقوة – “خارجة عن السيطرة” لا يخْلو من فائدة؛ لِما يترتب عنْهُ من زرع للرُّعب والشكوك في أذهان صناع القرار مِن الأعداء […] فكوْن الولايات المتحدة يُمْكنُ أنْ تتصرَّف بطريقة ثأرية غيْر عقلانية فيما لوْ هُوجمتْ مصالحها الحيوية، هُو مُعْطًى يَلْزَم أنْ يكون عنصرا مِن سلوكنا القومي نجْعل جميع أعدائنا مُدْركين له( ).
وعلى إثر
****
إصابة الذهن الأمريكي بالجمود، وفقدانه للإحساس

عمَّاذا تكشفُ هذه الأفكار الأرويلية (نسبة للعالَم السُّلْطَوِيِّ كما تخيَّله الكاتبُ الإنجليزي جورج أوروِلْ George Orwell)*؟ أيْن كانت خلال التسعينيات؟ هل هي تجلياتٌ لطغَاء نزعة مُتسلطة تُمثلُ التوجه السائد في يومنا هذا zeitgeist؟ أمْ أنها تمثل معتقدات ثقافية راسخة طالما ظلتْ مكبُوتة، واليوم تمَّ تحريرها؟ إنَّ الإجابة من السُّهولة بمكان: فبزوال الشيوعية، لَمْ يعُدْ وجودٌ لشرْخ داخلي في الغرب، ويُمْكن له، إذن، مستقبلا خلقُ جبهةٍ يهودية-مسيحية مُوَحَّدة في مواجهة “الكائنات البشرية الإسلامية” l’homo islamicus، التي تمثل الخصم الوحيد الأبَدي له.
فحتَّى مع أن “أمريكيِّي ما بعد الحادي عشر من سبتمبر” سرْعان ما عادوا إلى هذه السَّطحية، وإلى هذه الخِفَّةِ التي تميِّزُهم في أعْين بقية العالم، فلا شيْء – ولا حتى هذا الحدث الذي يُوصفُ بأنه الأكثر جسامة في تاريخ الولايات المتحدة – سيزعزع مجتمع الاستهلاك الجامح، والإثارة التي لا تنقطع( ). فقد أصبح اليوم الحادي عشر من سبتمبر هو المنظار الوحيد الذي تقوم الولايات المتحدة، والكثير من البلدان الأخرى، بتحليل العالم من خلاله. فبعْد مضيِّ أشهر عِدّة من سنة 2002 – التي اعتُقد فيها أن بن لادن قد لَقِيَ مصرعه في القتال بِطُورَا بورا، تمتْ إعادةُ تسميَّة تنظيم القاعدة – على غِرار أنظمة البرمجيات – بـ”قاعدة الجيل (النسخة) الثاني “Al-Qaida 2.0.
وبِحُكْمِ وفائها لتلبية الواجب الوطني، ستنضم هُولِيوُود (مؤسسة الإنتاج السينمائي) بدافع حسن النيَّة منها، إلى هذه الحرب الصليبية الجديدة.( )
فمِنْ ضِمن الديناميكيات الهوليودية الجديدة، يُلاحَظُ تزايدُ المُنْتَجات السينمائية ذات الطابع العسكري بالذات (سقوط مِروحية بلاك هوك: Black Hawk Down، مُحصّلة كل المخاوف: The Sum of All Fears، الآثار الجانبية: Collateral Damage، دموع الشمس: Tears of the Sun، خَلْفَ صُفوف العدُوِّ: Behind Enemy Lines، قوات التدخل السريع: S.W.A.T، حرب هارت: Hart’s War، الأساسي: Basic، كُنَّا جنودا: We Were Soldiers، مُتكلّمُو الريح: Windtalkers، الجنود الجواميس: Buffalo Soldiers)، وتمجيد وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (ألعاب التجسس: Spy Game، المُجَنَّدُ الجديد: The Recruit، هوية [جَيْسِنْ] بُورْنْ: The Bourne Identity). ويتلاقى ذلك مع تجديد على مستوى الهوية والروحانية الغربية (آلام المسيح، مَمْلَكَةُ السَّماء: The Passion of the Christ, Kingdom of Heaven) .

****
فرَضِيَّةُ الضلوع الإسرائيلي المزعوم في العملية
إنَّ الْقِصَّة الأكْثرَ إثارة هي المحاولة المغلوطة لتقْرِير صِلة إسرائيل بالهجوم. ففي يوم الحادي عشر من سبتمبر، لحظات بعد الهجوم على نيويورك، شُوهد في منتزه الحرية “ليبرتي استيت بارك” Liberty State Park بمدينة “جرزي سيتي” Jersey City خمسة احتياطيين من الجيش الإسرائيلي، تتراوح أعمارهم ما بين اثنين وعشرين وسبع وعشرين سنة، يعملون موظفين لدى شركة عاملة في ميدان نقل الأمتعة والتجهيزات مقرها بنيويورك – هم سيفان كرزبرغ Sivan Kurzberg، بول كرزبرغ Paul Kurzberg، يارون شميل Yaron Shmuel، أودد ألنر Oded Ellner وَ أُومَرْ مَارمَارِي Omer Marmari – وهم يَرْقُصون، كما لو كانوا يحتفون بتدمير مركز التجارة العالمي. كان الشبان يلتقطون صورا لأنفسهم بحيث تظهر في خلفية المَشْهد في الصورة، العمارات المشتعلة على الضفة الأخرى لنهر “هدسن” Hudson River. ولمَّا قامتْ الشرطة بتوقيفهم – بِناء على إشعار من قِبَل إحدى قاطنات المنطقة المجاورة، التي لاحظتْ ذلك المشهد الغريب وقامتْ بتسجيل الرقم التسلسلي لسيارتهم (وهي سيارة نقل صغيرة من طراز “شفرولي” Chevrolet Minivan بيضاء اللون تملكها شركة “أربن موفنيغ سيستمز Urban Moving Systems ” العاملة في ميدان نقل المعدات المنزلية الحضرية) – عَثرتْ على شفرات من النوع المستخدم في تقطيع الأوراق Cutters داخل شاحنة النقل الموجودة بحوزتهم، إضافة إلى مبلغ أربعة آلاف وسبعمائة (4.700) دولارا في جوارب أحدهم، وجوازَيْ سفر بحوزة آخر. وبعْد مضِيِّ أسبوعين على الحادثة، أصْدر أحد قضاة الهجرة أمرا بترحيلهم إلى إسرائيل. لقد قرَّر مكتب المباحث الفيدرالية الاحتفاظ بهم في السجن وإخضاعهم للاختبار بواسطة جهاز كشف الكذب، الذي أظْهر أنَّ اثنين منهم كانا عميلَيْن مِنْ وكالة الاستخبارات الإسرائيلية / الموساد Moassad. تمَّ إثْرَ ذلك إطلاق سراحهم وترحيلهم إلى إسرائيل بعْد أنْ أمضوْا ثمانية (8) أسابيع في السجن( ).
وتبيَّن فيما بعد أنّه

الفصل الخامس
صدام الحضارات

بعض الأشخاص لا يروق لهم التنظير، ولهم مواقف مناوئة حِيّال التكهنات. ذلك أنّ التكهُّنَ وبناء النظريات لا يَعْدُو كونه نسَقاً لتنظيم الأفكار. ومن يناوئ التنظير لا يمكنه الاعتقاد في أهمية مسألة من هذا القبيل . فالنظرية بالنسبة له تبقى مجرد أكاذيب حتى تتم البرهنة عليها، وعندها تصبح حقيقة أو أمرا قائما. دون أن يؤدي ذلك إلى أيِّ زَهْوٍ بالبناء التجريدي الذي شُيّد.
جان استينبك John Steinbeck

إنَّ السُّرعة التي تَوصَّلتْ بها الولاياتُ المتحدة إلى تحليل كل شيء على مَقاس مُحاربتها للإرهاب يُعطي صورة شاملة عنِّ التأثير الذي خلَّفتْهُ هجماتُ الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001. ومع ذلك، فإنَّ ردَّة الفعل الأمريكية تَحْجبُ البُعْد الحقيقي للصِّراع، الذي هو تكريس الصراع الحضاري بين الغرب والعالم الإسلامي.
في السابع عشر من إبريل سنة 2002، بَثَّتْ قناةُ الجزيرة الفضائية وصيَّةَ أحمد الحزناوي، أحد قراصنة الجوِّ ممَّنْ كانوا على متْن طائرة يونايتد أير لاينز، الرحلة 93، وقدْ تمَّ تسجيل تلك الوصية في شهر مارس من سنة 2001 في أحد معسكرات التدريب التابعة للقاعدة بأفغانستان. ففي ذلك الشريط، الَّذي يُشكِّل أوَّلَ دليل على وجود صلة مباشرة بين تنظيم بن لادن وهجمات الحادي عشر مِن سبتمبر، يقول الحزناوي: “لقد قتلناهم خارج أرضهم، بعون الله، لكنَّنا اليوم نقتلهم في عُقْرِ دِيارِهِمْ. وإذا كان الزعماء الأمريكيون يُريدون الأمْن لشعبهم ولجيشهم، فليغادروا البُلْدان الإسلامية”.
وعليه، فإن دوافع كاماندوز الحادي عشر من سبتمبر جِدُّ جَلِيَّة. فلا هي عَداوَةٌ لحضارة الغرب أوْ ثقافته، وإنمَّا للهيمنة التي يُمارسها. وبالمقابل، يَرى الكثير من المسلمين أنَّ الغرْب، برفضه اعتبار المنطق الإسلامي وقبول شرعيته، يُبرْهن على كراهيته لحضارة الغير. وهذا يعني أنَّ أسباب هجمات الحادي عشر من سبتمبر لا يُمكن فهمُها إلا في سياق الصراع المتجدِّد بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية. وفي هذا الشأن، تَطرَحُ ثلاثُ إشكالياتٍ نفسَها: طبيعةُ التعارض بين الثقافتين، وسلوكُ الغرب تجاه العالم العربي وما يُولّدُه من امتعاض، هذا علاوة على ما يتصف به الغرب من تشبّث جانح بهويته السياسية-الثقافية.

نبوءة البرفسور
عندما قام الخبير السياسي الأمريكي صمويل هنتنغتون سنة 1993، بنشْرِ مقال بعنوان “صراع الحضارات؟” – يُؤكد فيه أنَّ نهاية الحرب الباردة تُنْذِرُ ببداية حقبة زمنية سيطْبعُها تصاعدُ التوتر بين المجموعات الثقافية المختلفة، وبِخاصة فيما بين الغرب والإسلام – أثار ذلك ردة فعل احتجاجية شاملة، تشْجب هذا النوع من إثارة المخاوف بين الثقافات.([1])
وحِينها، كانَ القليل منَ المحلِّلين همْ منْ تنبّهوا إلى صحة ذلك التدليل المُتَّسِم بقدْرٍ عال من وضوح الرؤية. ففي عصر تتَّجه فيه المشارب السياسية اتجاهات مُختلفة، وتأخذ إيديولوجْيَا حقوق الإنسان بُعْدا عالميا، سيُعدُّ – بالتأكيد – مُجانِبًا للصوَّاب كلُّ مَنْ يَعْتقد أنَّ الفُروقَ الأكثر أهمية بين الشعوب لنْ تَكون سياسية أوْ إيديولوجية أوْ اقتصادية؛ وإنّما ستصبح ذات طبيعة ثقافية. وعلى الرغم منْ أنّه قد أصبح بدَهِيا، في الحِقبة التي أعقبتْ حرب الخليج الثانية والأحداث التي عرفتها أوروبا الشرقية، أنَّ الأفراد أخذوا يُحدِّدون هويتهم أكثر فأكثر في إطار تكتلات ثقافية – كالقبائل، التجمعات العرقية، التجمعات الدينية، الأُمم، وفي نهاية المطاف، الحضارات -، فإنَّ نظرية هنتغتون أُخذ عليها أنها “مُفْرِطَةٌ في النَّسَقِيَّة “([2])؛ وأنَّها “إعادة إنتاجٍ لأطروحة الحرب الباردة”([3])؛ وأنها تُمثل في صميمها “طرْحا مُوغلا في المحافظة والجمود”([4])؛ وأنّها طرْحٌ سياسيٌّ تم إخراجه في قالبِ مُؤَلَّّف أكاديمي”([5]) ؛ وأنها – باختصار – “كتاب ذو طابع أصولي”([6]).
وقدْ سعى مارك كربون Marc CREPON – الباحث بالمركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا – جاهداً عَبْر مُؤلَّف كامل، إلى إظهار خطورة هذه النظرية، التي وصفها “بالعنصرية” لِما تنطوي عليه من “عنف في الصميم”.([7])
ما فَحْوَى أقوال هنتنغتون؟ فلِكوْنه يُعرِّف الحضارات بأنها كِيّانات ثقافية، فإنّ هنتغتون يُدافع عنِ الحجج القائلة بأنّ العلاقات الدولية قد دخلتْ منذ نهاية الحرب الباردة في طوْر جديد لنْ يكون فيه نمط الصراعات إيديولوجيا ولا اقتصاديا، بلْ سيكون ذا طبيعة ثقافية؛ وأنَّ أشكال التباين بين الحضاراتِ ستشكِّلُ ميادين جبهاتِ الحروب المستقبلية. فالصراعات الجديدة، بالنسبة له، لنْ تَنْجُمَ مُستقبَلا عن مواجهات إيديولوجية أوْ نزاعات اقتصادية كما كان الحال من قبلُ، بلْ إنَّها ستكون ذات طابع ثقافي وديني، وستُؤدي إلى تصارع الحضارات ذات الثقافات المختلفة.
فالأمر يتعلق بطبيعة تغيُّر موازين القِوى، والتي تتمثل أسبابها في كوْن التباين الثقافي حقيقة واقعية أكثر عُمْقا وتجذّرا مِن الاختلافات القائمة في ما بيْن الإيديولوجيات والأنظمة السياسية.
يُضاف إلى ذلك، أنّ تقلُّصَ فضاء العالم وتحوُّلَه إلى ما يُشْبه القرية الكونية، أدّى إلى زيادة الوعْي الثقافي بالهيمنة الغربية – التي تَحْمِلُ الولايات المتحدة الأمريكية مِشْعلها – ودفْع الحضارات الأخرى إلى التصدِّي لها بأسلوب مختلف عن الأساليب المستخدمة مِن قبل الغرب. يُذكر في الأخير أنَّ خصائص الهوية الثقافية (“من أنتم؟”) أقلُّ قابلية للتحوّل، ومنْ ثَمّ فهي، بالفعل، أقلُّ قابِلِيَّةً لأن يَتِمَّ التنازلُ بشأنها مُقارَنةً بمُحدِّدات الانتماء السياسي (” في أيِّ جانب أنتم؟”).
إنَّ هنتنغتون قام – في واقع الأمر – بمُجرد إدخال نموذج جديد لتحليل وضعيَّة جديدة في حقْل منْ حقول العلاقات الدولية المتَّسِمة بالتطور. فهذا الأكاديمي يضع المنافسة الثقافية والهوية الحضارية الحاضنة لها في مَرْكَزِ الصدارة، بوصفهما عاملَيْن حاسميْن في ترتيباتٍ عالمية انتقلتْ إلى حِضْنِهَا الولاءاتُ السياسية. ومِنْ شأن القيام بتحليل حصيف للعلاقات الجيوسياسية خلال ربع القرن الأخير أنْ يُبيِّنَ صدْقَ ما ذهب إليه.
فأحداث رئيسة – مثل “حرب الخليج الثانية” و”حرب العراق” – قائمةٌ على مُرْتكزات سياسة مُتجذرَّة وثابتة (على وجه الخصوص في ما بين الولايات المتحدة والعالم العربي)، تُؤكِّدُ هذا الأمر الواقع.
فهنتغتون الذي لا يَعتبر العصْرَنَةَ مُرادفا للتغريب يُوضح – بجلاء – أنَّ العالم بصدد التّخلي عن النهج الغربي. فهو يَرفض الإمبريالية الأخلاقية السائدة والعقلية الصليبية الساذجة، مُعْتبِرا أنَّ استراتيجية التدخل الغربي لا تنطوي على مخاطر فحسبْ، بل إنها غيرُ مُجْدية كذلك، لأنَّ النزاعات ستتواصل، بإملاء مِن عوامل أساسية أخرى أكثر أهميَّة وحضورا واستقرارا، ألاَ وهي الطبيعة الجوهرية لصميم الحضارات. كما يلاحظ هنتغتون أنّ النزعة الفردية التي تتميَّزُ بها القراءاتُ الغربية للديمقراطية الليبرالية ليستْ ذات طابع كَوْنِي على الإطلاق. وبتمكّنه من البرهنة على أنّ الصراعات الثقافية باتتْ حقيقة واقعية، ولمْ يَعُدْ بالإمكان تجاهلها – حتّى وإنْ أمْكن ذلك في الماضي- فإنّ هنتغتون يكون قد أزاح عن طريقه المدرسة الفكرية الغربية ذات النهج الثقافي ذي المشارب المتعدّدة ([8]).
كما أزعج هذا الخبيرُ السياسيُّ المفكرين المدافعين عن العالم الثالث ممَّنْ كانوا ينظرون بعين الرِّيبة لدعوته إلى بَعْثِ الهوية الغربية، دون أنْ يُدْركوا أنّ دفاعه عن الغرب يتمُّ، لا على أساس ادّعاء الصبغة الكونية لحضارته، وإنّما انطلاقا من انتمائه (الشرعي) لتلك الحضارة.
فعلى الرغم مِن أنَّ تصريحاته تكشف عن الاستمرارية التاريخية، فإنّ البعض يتّهمه بأنه يكتفي “بمحاولة شرح لحظة تاريخية([9])، أوْ بأنه “لا يستوعب الحاضر”.([10])
كما يُؤْخذُ عليه كذلك عدم “تحديد الْمَدَى الكلِّي للنتائج التي قد تَحْدثُ إذا ما وقع تصادم ما بين دُوّلٍ أوْ امبراطوريات ذات عُمْق حضاري”([11]).
وبالرَّغم من أنَّهُ يسْعَى إلى تقديم وصف لوضعية عالمية شاملة بدأتْ في الظهور، فإنه يُتَّهَمُ بكونه “لا يُريد ببساطة فهْم العالم، بلْ يُحاول تغييرَهُ”.([12])
ومع أنه يُشير بدقة إلى الطبيعة التطورية والدينامية للحضارات، إلا أنه تُعْزَى إليْه مَقولة “أنّ الحضارات غير قادرة على التكيُّف والتغيّر”([13]).
أخيرا، يُذْكرُ أنّ الكثير منَ المعلِّقين استنتجوا بطريقة متسرِّعة أنّ هنتغتون قد دعا إلى صراع الحضارات، بالرغم من أنه في المقال الأصلي الذي كان أساس كتابه، قدّم مُجرّد تساؤل عن طبيعة التشكِّل الجديد، ثُم أنَّه قَدّم في الكتاب وصْفا لِما يبدو له أنه نسق جديد للنظام الدولي بدأ في الظهور. (فمؤلفات هنتغتون الأخرى لا تشتمل على أيِّ شيْءٍ مِن شأنه إثارة مِثل هذه المخاوف).([14])
والمُحصِّلة أنّ “صراع الحضارات” لا يَعدو كونه نظرية من نظريات العلوم السياسية تندرج في نَسَق المُقاربات التاريخية التي انتهجها ابن خلدون، وآرنلد توينبي Arnold Toynbee ، وفرناند برودل Fernand Braudel وإيمانويل ولرستين lmmananuel Wallerstein، و أوسوالد سبنجلر Oswald Spengler، وكارول كويجلي Carroll Quigley. والمزِيَّةُ الأساسية لهذه النظرية بالذّات هيَ أنّها تُقدِّم العالم كما هو، لا كما ينبغي أن يكون. كما أنها تُمَكِّنُ من استشفاف نمط الاعتبارات التي دفعتْ محمد عطا ومجموعته لارتكاب الهجمات الانتحارية في الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، وهي رغبةً في الثأر في مواجهة المُعاملة الجائرة التي تقترفها – بدون عقاب – الولايات المتحدة الأمريكية في حق العرب، إمَّا بصفة مباشرة أو مِنْ خلال الدَّعم المتواصل للسياسات الإسرائيلية الهدّامة، وقناعةً بأنّ الغرب هو العدو اللدود للعالم الإسلامي. ومع ذلك، فإن الأوْهام التحليليِّة بلغت درجة من التَّصَلُّبِ جعلتْ المُحلل الفرنسي بول ماري دي لا غورس Paul-Marie DE LA GORCE يقول في معرض تعليقه على نظرية هنتغتون بأن “لا شيْءَ في التاريخ، ولا المستقبل المنظور يُبرِّرُ هذه الأطروحة”.([15])
بيْدَ أنّ هنتغتون – وببصيرته الأكثر نفاذا من غيره – كان قد لاحظ منذ عشرين سنة خَلَتْ، أنّ ميكانيزمات التوسع الأمريكي تتسم بالتعقيد: فهي – بحسب الأحوال – تكتسي طابعا قسْريّا، أوْ تنافسيّا، بَدَل أنْ تكون ذات طبيعة استعمارية صِرْفة.([16])
لكنها ستكون كذلك في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، مِن خلال الحروب المتتالية في أفغانستان والعراق.
وعليه، فإنّ صِدام الحضارات هو بالفعل أمر واقعي. (فقد كان كذلك في سنة 1993 عندما تحدث رئيس الوزراء البريطاني جون ميجر John Major عنْ تدابير كان “الغرب” ينوي اتخاذها ضد صدَّام حسين([17])). وبعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، أصبح الأمر فعليًّا أكثر من أيّ وقت مضى، وكل المؤشرات تَدلُّ على أنه سيستمرُّ على ذلك النحو في السنوات القادمة.
ومع أنَّ هذا التصارع القائم بين الشرق والغرب أمْر واقع وله جذور تاريخية؛ إلا أنّه لا ينبغي أنْ يصل الأمر به إلى التسبب – تلقائيا – في نشوب النزاع. وفي هذا السياق، يُذكر أنّ تعبير “الحرب الباردة” «guerra /fria» قد استحدثه الإسبان في القرن الثالث عشر (12) لوصف علاقاتهم مع جيرانهم “الموريسكيين” المسلمين. أمّا الصراع الدولي القائم اليوم فلا مِراء أنه ذو طبيعة ثقافية. وسواءً شئْنا أم أبيْنا، فإنّ الثقافة – بمعنى النمط العام للحياة في مجتمعٍ ما: قِيَمُهُ، مُعْتقداته، توجهاته، والمسلكيات السائدة لدى الأفراد المنتمين إليه – هي أمور من الأهمية بمكان، كما أنَّ الإحساس بالانتماء الثقافي هي مسألة لها انعكاسات جيوسياسية عميقة.

الحادي عشر من سبتمبر وتأكيد الصِّدَام
لمْ تَحْدُثْ هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلا بعْد مُضِيِّ عَشْرِ (10) سنين على صدور مقال هنتغتون، لِتُبَرْهِنَ على وَجاهة أطروحته، التي ورَدَتْ في كتابات أحد وزراء الخارجية الفرنسيين السابقين “حيث تم تصوير هنتغتون، من باب السخرية، كما لو كان قد أوْصَى بالدُّخول في هذه المواجهة [التي تمت بين الإسلام و الغرب]. والحال أنه كان قد حذَّر منْ مَغبَّةِ ذلك الخطر… فالصدمة التي خلَّفتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 أطلقت العنان لمشاعر مكنونة من العداء للإسلام، ولذا غَدَتْ مجموعةٌ من الغربيين مُسْتعدَّة، بل إنها تتوق إلى الاضطلاع من جديد بممارسة “مهمتنا الضاربة الجذور في التاريخ، والمتمثلة في جلْب الحضارة للآخرين” تحت شعارات اكْتسَتْ بالْكَادِ ثوْبا عصريّا، مثل مصطلحات: إعادة الاستعمار، العمل بنظام المحميّات، ونظام الوصاية. وهكذا أصبحنا أمام نُموٍّ للإسلاموفوبيا Islam phobia (كراهية الإسلام) الفكرية، لا يُثيرُ ردَّة فِعل كبيرة”.([18])
كان الحادي عشر من سبتمبر، في واقع الأمر، حدَثا استثنائيا بالطريقة التي أكَّدَ فيها – بشكل مُثيرٍ – ما يطْبع واقع العلاقات بين الإسلام والغرب من نفاق سائد.
فهو، من ناحية، قد كشف بجلاء صورة النزاع الحقيقيّة، المتمثلة في التعارض القائم بين منظومتين من القيِّم متباينتين في جوهرهما. كما آذن، من ناحية أخرى، بانْصِرام عهد نظريات التفاوض. خاصة فيما يتعلق بتسوية الصِّراع العربي الإسرائيلي- الذي يُعَدُّ سرطانا في العلاقات الدولية، والذي تتطلب تسويته من الغرب تغييرا في المواقف، الأمْر الذي لا يزال يرْفض [الغرب] القيامَ به.
فبَعْد الفترة البيْنِيَّة لحقبة الحرب الباردة، وعشر سنين تلتها من الغطرسة والظلم الأمريكي الْمُسْتند على انتصار وهْمي في العراق، تداعَى مع انهيار أبراج نيويورك سرابُ التواصل بين الثقافتين، وأصبح بإمكان المبشِّر بالانتصار الغربي فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama، الترويج – بقليل من التريُّث وكثير من عدم التسامح – لطرْحٍ مُؤدّاهُ أنّ تاريخ البشرية يُخْتَزَلُ في الثالوث التالي: كَوْنُ الديمقراطية المُعاصرة صيغةً عِلمانية مُستوحاة من العقيدة المسيحية المتعلقة بالمساواة الشاملة بين البشر، اعتبار أن المنطق المبطَّن للعصْرنة يُفيدُ بأنّ القِيَّمَ الغربية ليستْ نتاجات قسْرية مُتفرِّعة عن المسيحيّة الغربية، بلْ تُمثِّلُ نهْجا أكثر شمولية، أمَّا العنصر الأخير من الثالوث فيُقرِّرُ أنَّ الإسلام هو الثقافة العالمية الرئيسية الوحيدة التي تُعاني، على الأرجح، من مشكل جوهري في القدرة على التكيُّف مع العصرنة.([19])
ويُضيف هذا التلميذ السابق لصمويل هنتغتون: “إن الإسلام الرَّاديكالي يُمثِّل على العموم تحدِّيًّا إيديولوجيا للديمقراطية الغربية الليبرالية يَفوق بكثير ما تُمثِّله الشيوعية، لكنه يستطرد قائلا:”على المدى البعيد، يصعب أن نتصور النهج الإسلامي بديلا قابلا للاستمرار، أيْ بمثابة إيديولوجيا تَحْكم المجتمعات في عالم واقعيٍّ”.([20])
هلْ أنَّنَا نعيش في واقع الأمر حربا بين الأديان؟. خلافا لما لا يزال يراه الكثير من المؤرخين، فإنّ الأمر يتعلق بداهةً بصراع بين الحضارات، وذلك لثلاثة أسباب على الأقل:
أولها: أن الخلاف تَنظُرُ إليه مختلفُ الأطْراف على هذا النَّحو [على أنه حرب بين الأديان]، والتصور، كما نعلم، يُشكِّلُ – وَإنْ كان ذلك من سبيل الخطأ – جوْهر العوامل التي تدْفع على التحمُّسِ والاندفاع. فمساعد وزير الدفاع الأمريكي نفسه، العقيد ويليام بويْكن William Boykin، يَرى أنّ الصراع عبارة عن حرب دينية.([21])
وثانيها: أنّ المعطيات الجيوسياسية، وتصرفات الفاعلين أنْفسِهم تُؤكّدُ هذا البُعْدِ. فقد اضْمحلَّ، على سبيل المثال، التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية، الذي يَعود تاريخه إلى أربعة وثمانين (84) عاما، في غضون أسابيع معدودة خلال ربيع العام 2001. وكانَ يتعيَّنُ انتظارُ ما يَقلُّ عن بضعة أشهر لِيقوم الأمريكيون بإعادة النظر في صداقتهم مع السعوديين. وفي بداية شهر يونيو من سنة 2002، قام لورانت موراويك Laurent Murawiec، المُحلِّل بمؤسسة راند كوربوريشين Rand Corporation – وهي مركز للدراسات تابع للحكومة الأمريكية، مَقرُّهُ بكاليفورنيا، ويَعْملُ هذا المركز بوصفه العقل المدبِّر لوكالات الاستخبارات – بتحرير مُذكرة وصف فيها المملكة العربية السعودية، بدون مُوارَبَةٍ، على أنها عدوٌّ للولايات المتحدة الأمريكية. حيث أوْصى موراويك بتقديم إنذار أخير للسعوديين مِن أجْل إيقاف دعمهم للإرهاب، فموراويك (الذي كان في السابق مستشارا لدى وزارة الدفاع الفرنسية) كتب: “إن السعوديين يعملون على جميع مستويات شبكة الإرهاب: مِن التخطيط إلى التمويل، ومِن التأطير إلى التنفيذ، ومِن السَّنَد الإيديولوجي إلى الدعاية […] فالمملكة العربية السعودية تساند أعداءنا وتهاجم حلفاءنا […]، إنها تمثِّل بُؤْرة الشرِّ، فهي المتآمر الرَّئيس والخصْم الأكثر خطورة.([22])
وبمبادرة من ريتشرد برل Richard Perle عُرِضَت الوثيقة المذكورة في العاشر من يوليو على لجنة المجلس السياسي Defense Policy Board الذي يَضُمُّ من بين أعضائه وزير الخارجية السابق هنري كسنغر Henry Kissinger، نائب الرئيس السابق دان كويل Dan Quayle ، والْمُتحدِّثَيْنِ السَّابِقَيْنِ لمجلس النواب نيو غنغرتش Newt Gingrich وتامس فوليThomas Foley .
تقدَّم مورياك باقتراح مفَادُه أنْ تُلزِمَ الولاياتُ المتحدةُ السعوديين بوقف الدَّعْم المالي للشبكات الإسلامية، والتوقُّف عن التصريحات المناهضة لأمريكا ولإسرائيل، والشروع في توقيف كُلُّ منْ يُشتَبَهُ في ضلوعه في أنشطة إرهابية.
فلوْ أنَّ السعوديون رفضوا الانصياع لذلك، فإن الاستشاري الفرنسي يَقترح استهداف حقول النفط وممتلكات أسرة آل سعود بالخارج، والتهديد ضمنيا باحتلال الأماكن المقدسة.([23])
فمورياك يكتب :”إذا لمْ يستجبْ النظام السعودي للشروط المتعلقة بالإنذار، يتعيَّن حِينها احتلالُ الحقول المذكورة [..] وتطبيق إجراءات المصادرة في حق الأملاك السعودية الخاصة، وكذا أملاك الدولة”، الصفحات (275 -276).
ويَخْلَصُ هذا العرض المكون من أربعة وعشرين (24) جدولا بيانيًّا إلى أنّ “الإستراتيجية الكبرى الجديدة للشرق الأوسط يُمثل فيها العراقُ السَّنَدَ التكتيكي، والمملكةُ العربية السعوديةُ السَّندَ الاستراتيجيَّ، ومِصْرُ المكافأةَ”.([24])
وبعد مُضِيِّ عدة أشهر على ذلك، جاء رجْعُ الصّدَى، في إبريل 2003، من قِبَلِ جنرال إسرائيلي يَحْظَى برعاية مركز القدس للشؤون العامة Jerusalem Center for Public Affairs، هُوَ اللِّواء ياكوف آميدرور Yaakov Amidror متمثلا في النداء التالي: “ليس العراق هو الهدف المطلق”، فالهدف الأخير هو الشرق الأوسط، العالم العربي، والعالم الإسلامي. ولنْ يكون العراق سوى الخُطْوَةِ الأولى في هذا الاتجاه، فالانتصار في الحرب على الإرهاب يعني تغيير المنطقة بِرُمَّتِها، وأنْ يَتِمَّ ذلك بشكلٍ بِنيَويٍّ “.
ومن باب التذكير، فإن المملكة العربية السعودية كانتْ، إلى جانب إسرائيل، أَحد ركائز السياسية الخارجية الأمريكية، لمدة نصف قرن من الزمن. وبَعْد مُضيِّ بعض الوقت على العرض الذي قدمه موراويك، قام مُحلِّلٌ سابق بمؤسسة (ريند) بنشْر مقالٍ خلَصَ فيه إلى أنَّه “لا يُمْكن للولايات المتحدة الأمريكية التعويلُ على الرياض في جُهودها الرّامية إلى القضاء على الشبكة الدولية التي تُقدم التمويل للإرهاب […] ويتعيَّنُ على واشنطن تَبنِّي أساليبَ أُحاديةِ الجانب، دون أن تُراعِي حساسيَّات السعوديين […] عليْنا أنَّ نكونَ شرسين. وهو ما يعني أنَّ الصراع معَ السعوديين أمرٌ لا مناص منْ حدوثه.([25])
وثالثها: أنّ الصِّدام الثقافي هو واقع لا يُمْكن إنكارُهُ؛ على اعتبار أنّ العلاقات القائمة بين الغرب والعالم الإسلامي كانتْ على الدوام تصادمية، لدرجة أنه يمكن التحدث – دون مبالغة – عنْ عداءات حضارية . فالاختلافات القائمة لا تُحْصى، ويتمُّ الكشف عنها – شيئا فشيئا – على الملأ، من قِبَل الجانبَيْن. ثُمَّ إن المُشْكِلَ يتلخَّصُ ببساطة في أنّ الغرْب يُمثِّل الحضارة التي سعَتْ أكثر من غيرها وبطريقة مُمَنهجةٍ إلى السيطرة على العالم، والحضارة العربية-الإسلامية تمثل في هذا السياق مُنافِسَها الأكثرَ صلابة.
إنّ ردة الفعل الصادرة عن الغرب على هجمات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 تكْفي بذاتها للتدليل على أنَّ الأمر يتعلق فِعْلا بصراع بين الحضارات. فقدْ تمثَّلَتْ بادئ الأمر في ظهور سَيْلٍ من الآراء المُفْعَمة بالحقد اتجاه الإسلام، وانتشار النصوص المناهضة للعرب، كما يَشِي بذلك كتاب الصحفيَّة الإيطالية آريانا فلاسي Orianna Fallaci التي وَجَدَتْ – ولا تزال تَجِدُ اليوم كذلك – ما لا يُحْصَى، في أوروبا وفي الولايات المتحدة، من المُردِّدِينَ لآرائها والمتعاطفين مع أطروحاتها العنصرية. لقد نادتْ فالاسي بالتَّعامُلِ- عموما – بشيْءٍ من الرِّيبة تجاه المهاجرين العرب والمسلمين الموجودين في الغرب: “هل أنَّ أبناء الله الذين نسْتضيفهم كلُّهم قِدِّيسون ضِعاف؟ أليستْ لهم أيةُ علاقة بما جرى وما يجري؟”([26])
إنَّ خطابَها – وهذا ما تجْدُرُ ملاحظتُه – يَجِدُ مَن يتقبَّلُه، بل حتَّى أن البعض يَرَى فيه تعبيراً عنْ جُرْأة سياسية حقيقة.([27])
كمْ مِنْ قُرَّاءِ هذا الكتاب – الذي حقق مبيعات عالمية قياسيَّة – يُشاطرون فلاسي التصريحات العدوانية التي تَكِيلُ لِلْمُسْلمين “والآن أقول لكم: الحربَ أردْتم، الحرب هي ما تريدون؟ اتفقنا. بالنسبة لي، فليكن ذلك ؛ حتى الرَّمق الأخير”.([28])
وقد ردَّد صدَى فالاسي أخصّائي علم الاجتماع الإيطالي جيوفاني سارتوري Giovanni Sartori – وهوَ مِنْ أرباب الفِكْرِ المُنظِّرين لليسار الليبرالي الأوربي، وأستاذ بجامعة كولومبيا Columbia University في مدينة نيويورك، وجامعة فلورانس Florence- في مقابلة مع صحيفة “ألْ بَيّيسْ” El Pais اليومية، حيث صرّح بأن وُجود تجمُّعات من المهاجرين داخل أوروبا لا ترغب في الاندماج، يُشكّلُ تهديدا للتعدُّدية والديمقراطية.([29]) “وفيما يخص الرَّأي القائل بأن الحضارة الغربية والإسلام متعارضان من حيث الجوهر، فإنني أعتقد بأن ذلك صحيح، وأنا على استعداد للدفاع عنه”، يضيف جيوفاني.
وفي الولايات المتحدة، قام – في السادس من أكتوبر 2002 – أحدُ الإنجيليين مِنْ مقدِّمي البرامج التلفزيونية، جيري فولويل Jerry Falwell، وهو من قادة المُؤتمر المعْمداني للجنوب Southern Baptist Convention بنعْتِ الرسول محمد بـ”الإرهابي”، وذلك على أمواج قناة سي بي أَسْ CBS. أمّا رفيق دربه، القسيس جري فاينز Jerry Vines ، فزايَدَ على ذلك، واصِفاً الرَّجلَ المقدَّس لدى المسلمين بأنَّ به “مَسًّا من الجِنِّ”. أَمَّا في فرنسا، فقد عبّر الكاتب ميشيل هولبك Michel Houellebecq على الملأ – أيَّاما قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر – عنْ عدائيته المجَّانية لديَّانة الإسلام. ففي معرض إجابته على سؤال وُجِّه إليه: “بالنسبة للإسلام، فإنّ ما تعبِّرون عنه لمْ يَعُدْ الازدراء، بل الكراهية؟”، يُجيب هذا الكاتب الحائز على جائزة غونكور prix Goncourt سنة 2000 :”أجَلْ، أجَل، يُمكِنُ الحديثُ عن الكراهية”، ثُمَّ يُرْدف قائلا :”إن الديانة الأكثر حماقة هي الإسلام […] فالإسلام ديانة خطيرة، وهي كذلك منذ ظهورها. ولِحُسْنِ الحظِّ أنَّه [أَيْ الإسلام] تتِمُّ إدانتُه”.([30])
وتُتْركُ مهمة تلخيص التصور السائد، لمسؤول إسرائيلي، ليقول الأشياء كما يَحْلُو له أنْ تكون: “إنَّ الإسلام آيلٌ إلى الزَّوال. فما نُعايِنُ اليوم في العالم الإسلامي ليس صَحْوةً عقائدية، بلْ هوَ الحُمْرَةُ الخافتةُ لجَذْوَةِ إسلامٍ بِصَدَدِ الخُمود […]. في غضون بِضْع سنين، سَيتمُّ شنُّ حملة عسكرية مسيحية ٍّ ضِدّ الإسلام وستكون بمثابة أعظمِ حدثٍ في هذه الألفية. بَداهةً سنُواجِهُ في الحقيقة مُشْكلا إذا لم تَبْقَ إلاَّ ديانتان كبيرتان، هما اليهودية والمسيحية، لكنْ لدينا الوقت لِتَدبُّرِ ذلك الأمر”.([31])
لقدْ كانتْ العنصرية تتصدر قمة المحاذير Tabou كافة، لكنها لم تعد كذلك. ففي الغرب، تمَّ – بَدْءً من ربيع 2001 – إطلاقُ العنان للأقوال العنصرية تجاه العرب والمسلمين. وغَدَتِ الحمْلاتُ المناهضة للعنصرية تُثير الحفيظة، بلْ تَجْلِبُ لأصحابها الشتائمَ وتُولِّدُ العنصرية.
وهذه المشاعر تطال كل شرائح المجتمع الغربي، بما في ذلك الشباب الذين همْ في العادة بمنأىً من هذه الانحرافات السلوكية. ففي فرنسا – على سبيل المثال – تُعبِّرُ أعدادٌ مُتزايدة من المراهقين والشبَّان البالغين عن رفضها للأجنبي، وكراهيتها للعرب بالذات.([32])
ينضاف إلى هذا: الرَّفْضُ المتعنِّتُ لِفَهْمِ أنَّ ما يرْبو على مليار مسلم يتجرَّعون يوميا – في واقعهم المعيشي – شعورا بالحَيْفِ، تُغَذِّيه خيْبَةُ أملٍ لا تنقطع، من المعلوم أنَّ الغرب هو مَن يتسببُّ فيها.
وقد بلغ الأمرُ حدَّ السَّعْيِ الجاهدِ لِوَصْف هجماتٍ ذاتِ بُعدٍ سياسي بامتياز، بأنها ليست ذات طابع سياسي. ومِن المفارقة، أنّ أولئك الذين أدانوا “همجية العنف الإرهابي العربي” على أثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، نادوْا باتخاذ إجراءات انتقامية، حتى لوْ أدَّت تلك الإجراءات إلى ما حصل من زَهْقٍ لأرواح الأبرياء، وتمهيد السبيل للفظاعات التي ارتُكِبت في العراق.
والواقع أنَّه أصبح اليوم من الجليِّ أن أكثر ضحايا الإمبريالية الأمريكية، بِغضِّ النّظر عن الْعِرْق الذي ينتمون إليه أوْ الموقع الجغرافي لمناطقهم، يدينون بالإسلام.
فالولايات المتحدة الأمريكية تستعمر بَلديْنِ مُسلمين (أفغانستان والعراق)، وتدْعم بشكل نشط استعمار بلد ثالث (فلسطين)، وهي تُهدِّد علناً دولتين أُخريَيْن (إيران وسوريا)، كما فرضتْ عُزلة دبلوماسية على اثنتين أُخْريين (السودان وليبيا، إلى أن انصاع قائدها-معمر القذافي، لمطالبها)، وتتسامح إزَّاء قَمْعِ المسلمين في الشيشان وكشمير.
هل يُمْكن أنْ نتفاجأ بما يشعر به النشطاء الإسلاميون، والحالةُ هذه، من رغبة جامحة في الثأر من الأمريكيين، يُشاطرهم فيها الكثيرُ من المسلمين “المعتدلين”، أكثر ممِّن يقرّون منهم علنًا بذلك؟
إن استراتيجية عدم الإعتراف للعرب بمكانتهم تُؤدِّي دوْرا آخر يتمثل في غَرْس الشعور بالذنب لدى مُثقَّفيهم الذين يُنتظر منهم أن يُبْدُوا آراءهم أساسا – إنْ لمْ نَقُلْ حصْرا – حوْل نواقص المشهد الديمقراطي في مناطقهم، والخطر الإسلامي، و ضرورة السّعي إلى اللحاق بالمجتمعات الغربية. فإذا كان تخلُّفُ الديمقراطية في العالم العربي أمرًا لا يُمْكن إنكاره، فإن النزاع مع الغرب مسألة تختلف جوهريا عن المُشكل القائم بين الدولة والمجتمع العربي. قدْ يكون من المُهمِّ هنا إعادةُ النظر في مَدى صِدْقِ الاستدلال الذي يُريدُ أنْ يَجْعل من عجز المجتمعات العربية عنْ تَمَثُّلِ النهج الديمقراطي سببَ بُروزِ ظاهرة الإرهاب الإسلامي. فمن الوارد أنْ نُدافع عن الرأْي القائل إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانتْ محتملة الحدوث، حتى وَلوْ كانت الدول العربية الاثنتان والعشرون (22) كلها ديمقراطية. وبالطريقة نفسها، يُمْكن لعراق محكوم بنظام ديمقراطي حقيقي، أوْ لمملكة عربية سعودية لا تَحْكُمها أسرة آل سعود، أن يُوَاجِهَا أوضاعا يكونان فيها في حالة صراع مع الولايات المتحدة الأمريكية.
والسبب في هذا هوَ أنَّ دوافع عطا، شأنُها شأنُ دوافع بن لادن، إنَّما كانتْ بامتياز ذات طابع سياسي. فهذه الدوافع، تنبع – في الواقع – منْ مسألة عدم التناظر في القوة، أكثر مما تعود إلى صراعات محلية أو مسارات تتعلق بلبرالية المشهد السياسي.
فما شاهدناه حقيقة – في حادثة الحادي عشر من سبتمبر – هو ظاهرةَ استبدالٍ، تتمثل في قيام فاعلين من غير الدول، بالإضطلاع بالدور الذي كان من المفترض للأنظمة العربية الحاكمة أنْ تُؤدِّيه.
ففشل الأنظمة العربية في حماية مصالح شعوبها، وتضافر ذلك مع واقع هيمنة القِوى الغربية على هذه الدول، أدَّى إلى ظهور فاعلين مِنْ خارج المؤسسات الرسمية على المسرح – مِثل القاعدة – أخذوا على عاتقهم مهمةَ سدِّ الفراغ في السلطة، الملاحَظِ لدى الأنظمة العربية والإسلامية. إنَّ هذا السَّعْي لامتلاك أسباب القوة العربية الإسلامية، والذي أصرَّ الغربُ على إجهاضه في المَهْدِ مع اندلاع حرب الخليج الثانية (عندما شرع عراقُ صدّام حسين سنة 1991 في الحصول على وسائل لقلْب الموازين التي تُكرِّس الهيمنة الإقليمية لإسرائيل، وإحكام السيطرة الأمريكية على البترول)، قدْ أُفْسِحَ له المجال اليوم للتحرُّر بشكل فوضوي.

إضفاء صبغة أكثر راديكالية على التساؤل
يمْكن اعتبارُ أنّ الغرب كان لغاية الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، على وشك أن يستمرئ واقع الاستغلال الذي يمارسه في حق العالم العربي والإسلامي. فالثمن الذي يتعيَّنُ دفْعُهُ كان زهيدا نِسبيًّا، والمعاملة الجائرة التي تُمارَسُ (في فلسطين وفي العراق) يتم تسويقها في قالَبٍ مُعَقْلَنٍ (إسرائيل دولة ديمقراطية، “صدام حسين يشكل تهديدا”)، والنزاعات العربية الداخلية مُستمرة، وفسادُ الحكومات يُكَمِّلُ المشهد. لكنّ ردّة الفعل كانتْ عنيفة. فعلى نحو ما قد يشهد التاريخ مِن أحداث مُسرَّعَةٍ، تَشكَّلَ فجأةً نمطٌ جديد من المعارضة تجاه الغرب. إنَّ الفشل الجليَّ للحكومات العربية في التصرف بصورة شرعية وناجعة – باسم الشعوب العربية، سعْيا لحماية مصالح هذه الأخيرة – وَلَّد حركة ذات حدَّيْن، أفْضَتْ إلى دمقْرطة النضال ضد الغرب المتسلِّط. فالقاعدة اليوم ليستْ سِوى أعراض مُستَفْحلة لتلك الحالة المَرَضِية. وستكون القاعدة مُستقبلا – في بُعْدها العالمي وطابع “الخوصصة” المتَّسِمة به – تلك الحالة المرضية.
وكما أشار إلى ذلك المثقف الأمريكي نعوم تشامسكي Noam CHOMSKY، فإنه من النَّادر طرحُ مسألة الدوافع التي أدّتْ إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر. والامتناعُ عن طرْحها بطريقة جِدِّيَّة يَعْنِي – بالأساس – إيثارَ زيادة فرص احتمال حدوث هجمات جديدة.([33])
وعندما يُطْرحُ السؤال، تتخذ صياغته شكلا ذا طابع تعميمي وميكانيكي، على نحْوِ ما دَأبَ على فعْله مُحرِّرُو صحيفة نيويورك تايمز الذين يُقرِّرون أنَّ “مرتكبي الجريمة تصرفوا بدافع الحِقْدِ على القيِّم الأثيرة لدى الغرب مِثْل الحرية والتسامح والرفاهية والتعددية الدينية وحق التصويت المكفول للجميع”.([34])
في السياق نفسه، شدَّد مُدير صحيفة لوموند الفرنسية، بعد هجمات الحادي عشر من مارس سنة 2004 بمدريد، على أنّ “مجانين الله” ليست لديهم مطالب مُحدَّدة وإنما يتهجَّمون على المجتمعات الغربية لأنها منفتحة وديمقراطية.([35])
مِثلُ هذا الرأي شبيهٌ بالقول إنَّ حفنة من الأفراد الحاقدين على مفاهيم الحرية والعدالة والتقدم والديمقراطية – التي هي مُثُلٌ يناضلون من أجْلها (حتَّى الموت) في بلدانهم – يسمحون لأنفسهم بالإقدام على الانتحار لأجْل الإعراب – عبْر تصرُّفٍ تَطْبَعُه الإثارة – عنْ حقدهم المزعوم على هذه المفاهيم.
والواقع أنَّ منْ غيْر المُتصوَّر إقدام ملياردير سعودي على التَّخلِّي عن نمط عيْش الباشوات، مِنْ أجْل تحقيق العدالة، لِيعيش في ظروف شظفٍ ومخاطر تحفُّ من كل جانب، إلا عندما يتمّ النَّيْلُ من الشَّرَفِ نَيْلاً كبيرا، وأنْ يكون على قدْرٍ من عزة النفس. ولا بُدَّ مِن أنْ يعيش أناسٌ مثقفون حالة من اليأس الشديد حتى يختارُون – عن وعيٍ تام – القيامَ بوضع حدٍّ لحياتهم، بُغية التعبير علناً – في وجْه العالم أجمع – عن رفضهم للاضطهاد”.([36])
رَغدُ العيش والرفاه، تلك هي القِيَمُ المطلقةُ لدى الغرب، والتي عزَفَ عنها أسامةُ بن لادن ورجالُه. فهذه القطيعة المتَّسِمةَ بالزُّهد، يَلْزمُ – بطبيعة الحال – قِياسُها مقارنةً مع ما سبقها، ألا وهو التَّراتُبِيَّةُ في العداء الذي تنتهجه الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العرب والمسلمين. ففي الغرب هناك تهرُّبٌ من رُؤيةِ مُقَدِّمات الهجمات والمقتضيات المسبقة للهجوم، تُسانده ضجّة إعلامية، حيث يَنْصَبُّ الجهدُ على تقرير لا شرعية أعمالِ عُنفٍ يتمُّ إخراجها عن السياق الذي تتنزَّل فيه. بيْدَ أنّ منْ يَقومُ تلقائيا بإلصاق وصف “اللاشرعية” بهذه “الأعمال”، كما لوْ كان هناك تلازم بينهما، يَفوتُه التنبُّه إلى أَنَّ التغطية على أسبابها لم يَعُدْ أَمْراً مُمْكنا، بما أنَّ تكثيف عمليات النضال ضد الغرب واشتداد ضراوتها أصبح واقعا يفرض نفسه، هذا النضال الَّذي لم يَعُدْ مُقيَّدًا بِمكانٍ، وَهو غير محصور في تجمع واحد من فُلولِ المقاومة دون غيره، كما ينبئ بذلك هذا الحدث (هجمات الحادي عشر من سبتمبر).
وفي النسق نفسه؛ فإن الفرنسي اللبناني الأصل، المختص في علم الأديان جوزف ميلاJoseph Maïla يُجانِبُ الصَّواب عندما يكتب إنّ العملية “لا تَخْدُم أيَّ ثورة معينة، ولا أيّ قضية مُحددة بشكل واضح”.([37])
فالعكْسُ هو الصحيح، إذْ أنَّ دوافع التخطيط للهجمات والترتيب لها أمر واضح ومُدوَّن من قِبَلِ المهاجمين أنفسهم بشكل لا لَبْسَ فيه. فهكذا كان رمزي بن شيبه، عضو الكوماندوز الذي تخلف بمدينة هامبورغ، قدْ حرَّر وثيقة من مائة وثِنْتَيْنِ وعشرين (122) صفحة عَنْوَنَها بـ”طبيعة حرب الصليبيين الجُدد” – وقَّعَها باسم “صلاح الدين، هازم الصليبيين” – يُوضِّحُ فيها أسباب ودواعي معارضة الولايات المتحدة. سلَّمَ المعنيُّ نُسخةً من هذه الوثيقة إلى يُسْري فوده – الصحفي العامل بقناة الجزيرة – لِيَقومَ هذا الأخيرُ بترْجَمَتِها إلى اللغة العربية، وَلِيُوَصِّلها إلى مكتبة الكونغرس الأمريكيبواشنطن. وهو ما يَدلُّ على رغْبة جِدُّ واضحة في الحرْص على تبْيِينِ دواعي العملية، حتى تكون مفهومة من لَدُنْ الجميع.
إنَّ هذه المحاولات شبيهة بتلك التي قام بها أيمن الظواهري عندما نَشَر مُذكرة مُوَجَّهة للأمريكيين، دون جدوى. فالغرب أَصَمُّ عمّا لا يريد سَماعَه، وهو يُخرج التُّهم الواردة في النص في قالب كاريكاتوري، عازفا أَلْبَتَّةَ عنْ تحليلها. فَوحده “نشيد الإوزّ” الذي يؤديه بعض “الاختصاصيين” وبعض “خِداجُ” العرب، هو الذي يجِدُ آذانا صاغية من قبل وسائل الإعلام، وصُنَّاع القرار، و بالتالي لدى الشعوب الغربية.([38])
وفي هذا السياق، صرَّح الرئيس جورج بوش في خطاب ألقاه، بتاريخ العشرين من سبتمبر سنة 2001 أمام الكونغرس الأمريكي قائلا: “لماذا يكرهوننا؟ إنهم يمْقُتون ما يَروْنه في هذه القاعة، هذه الحكومة المنتخبة ديمقراطيا. فقادتهم يُعيّنون أنفسَهم بأنفسِهم. إنّهم يمْقتون الحريات التي نتمتع بها، الحرية الدينية التي نُمارسها، حرية التعبير التي نتوفَّر عليها، حرية التصويت والتجمّع المتاحة لنا، وحريتنا في أن نختلف مع بعضنا البعض”. إنّ هذا التدليل المُقدَّم في أسلوب يقتضي من المتلقي التسليم به؛ إذْ يتم التعبير عنه في قالب إثباتي، وبطريقة تستبعد أن يكون ذلك من باب الإفتراض، ينصبُّ حصرا على كراهية مُفترضة مُسبقا. ولذا تمَّ طرْحُ السؤال بصيغة “لماذا يكرهوننا؟” بَدَلَ البحث عن الدوافع (“لماذا أقدموا على هذا التصرف؟” ). بِمثْلِ هذا النوع من الخطابات، يُخْفِي المعسكر الأمريكي نواياه عن نفسه، ليس إلاَّ.
ومع ذلك، فإن الحوار يتركز بالتحديد عند هذه النقطة، إذْ أنَّ المَعاهد الأمريكية الأكثر نفوذا، مثل مجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations وبروكينغ انستوت Brookings Institution ومعهد آمريكان آنتربرايز American Entreprise Institute ، سارَتْ كلُّها وِفق هذه الاستراتيجية. فهُم يقومون – من جديد – بعرض الرِّواية الخاصة بهم، كما لوْ كانت عقيدة لا يأتيها الباطل مِن بين يديها ولا مِنْ خَلْفِها، عِوَضَ محاولةِ فهم الدافع وراءَ تصرُّف العدوِّ. فقد سَعتْ السلطات الأمريكية جاهدة لتُوضِّح لنا أنَّ نَمَط حياة الأمريكيين هو المستهدف، في حين يُبيّن أعضاء الكوماندوز أنفسهم أنَّ تصرفات الولايات المتحدة الأمريكية (وشركائها) هي التي حدَتْ بهم إلى القيام بهذا العمل.
عندما طَلبتْ السلطات الإدارية بجامعة كارولينا الشمالية North Carolina منْ أربعة آلاف (4.000) من طلاب السنة الأولى في الجامعة قِراءة مُؤَلَّفٍ ذي طابع عام، الهدف منه تعميم نشر رسالة القرآن – وعنوانه” مقاربة القرآن” Approaching the Qur’an ، لمؤلفه مايكل سلزMichael Sells -، أَعلن الصحفي النجم؛ بيل أورايلي Bill O’Reilly من شبكة فوكس نيوز الإخبارية Fox News Network ، بأنَّ ذلك شبيه بما لَوْ كنَّا قدْ طلبنا من بعض الطلاب خلال العام 1941 قراءة كتاب أدولف هتلر (مين كامبف Mein Kampf “كفاحي”)، مُتعلِّلاً بأنْ “لا فائدة تُرْجَى من دراسة دين أعدائنا”. والأسوأ من ذلك، أنّ منظمةً مسيحية عاملة في الميدان التربوي – يُطلق عليها “شبكة السياسات العائلية” Family Policy Network – رفَعَتْ في الثاني والعشرين من يوليو سنة 2002 دعوى قضائية ضد الجامعة نفسها أمام العدالة، بِحِجَّةِ أنّ إلزام الطلاب بدراسة ديَّانة مُعيَّنَة، مِمَّا يتنافى مع مقتضيات الدستور.
وكما أشار إلى ذلك مُؤلف الكتاب – مَحَلِّ الجدل – “فإن هذا يُعَدُّ بمثابة رفع دعوى باسْم الكتاب المقدس، ضدَّ القرآن”.([39])
ويَبْقَى مِنَ الإلزامي، أنْ نفهم أنّ عمليات الحادي عشر من سبتمبر قدْ أعادتْ الصراع بين الشرق والغرب – من جديد – إلى صورته الأصلية، وأنّ الجُرْأة التي صَاحَبتْ الهجمات لا تُخْفي إلاَّ طابعها المُبَيَّتِ. إنّ حدثا كهذا كان سيحدث، إنْ عاجلا أوْ آجلا. كما أنّ الواقع المتمثل في هوْل النتائج المترتبة عن الحدث في شكلها الحسابي، لمْ يَرُقْ لها إلا أن تتسبب في ظاهرة القيام بمحاكاة تلك الهجمات في مناطق أخرى.
وفي هذا الصدد، فإن الفائض المباغت للقوة المتأتية من الهجمات، وشِدَّة ثِقلها ، كان خلال الأشهر الأولى التي أعْقبتْ الهجمات، مِمّا يَنوءُ حِمْلُه بكاهل العديد من المسلمين، وذلك بطريقة يتلاقى فيها هاجسُ الارتياح لرؤية العدو الأمريكي يتجرّع العقاب، والتخوُّفُ من الإجراءات الانتقامية التي ستُتَّخذُ ضدَّ المجموعة التي ينتمون إليها (وهو ما سنتناوله قريبا، راجع الفصل التالي).
فجسامة المسألة جعلتْ بعض المُهاجرين العرب في الغرب، يجِدون حَرَجاً حقيقيا – بلْ حتّى أن هاجس الخوف يتملُّكهم – من الخوْض – بشكل حُرٍّ وعلنيٍّ – في الحديث عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ جنوح النشطاء الإسلاميين نحو الراديكالية ناجمٌ بالأساس عنِ السياسات الغربية الاستعمارية الجديدة، والامبريالية. فالظاهرة الجديدة للحادي عشر من سبتمبر هِي أنَّ مجموعة مُعَيَّنَةٍ من النُّخَبِ العربية ذات التوجه الإسلامي قَرّرتْ – وهي مُتَسَلِّحة بعزيمة نادرة – أنْ تُترجم في أفعال مُجَسَّدة، ما كان يجيش في صدْرها من امتعاض.
إن الضالعين في هجمات الحادي عشر من سبتمبر هُمْ – في الأساس – عناصر برجوازية متعلمة، لا مَسَاكينَ أَعْمَاهُمُ التعصب، مِثْلَ ما يَرُوقُ للإعلام الأمريكي أن يُقدِّم “الإرهابيين”. ولا أدَّلَّ على ذلك، من كون أيمن الظواهري – وهُوَ على كلٍّ العقلُ المدبِّرُ للعملية – طبيب جراح ينتمي إلى عائلة برجوازية عريقة بالقاهرة. فخاله كان أوَّل مَن تقلَّدَ مَنصبَ الأمين العام لجامعة الدول العربية.([40])
كما أنّ أعضاء كوماندوز الحادي عشر من سبتمبر، مِن محمد عطا إلى مروان الشحِّي مُرورا بزياد الجرّاح، كانوا أبناء عائلات برجوازية ثرية وموسرة ؛ فكل هؤلاء الأفراد ليسوا استثناء ولا شذوذا ضِمن مجتمعاتهم. فَهُمْ يُمثِّلون – كلٌّ بطَريقَتِه – حالةَ الشُّعور العام بالإمتعاض الدفين تجاه الغرب. فقد كشفتْ بعضُ استطلاعات الرأي التي أُجْريت في مصر والأردن من قِبَل بعض معاهد البحث الأمريكية (معاهد غالوب Gallup والزغبي Zogby في الفترة ما بين فبراير- مارس سنة 2003، على سبيل المثال) حجم ذلك الشعور.
علاوة على القاعدة، يتمثل العنصر الثاني الْمُسْتَجِدُّ في أنّ الأساليب الخطابية المُتبجِّحة حوْلَ قُوّةِ أمريكا التي لا تُضاهَى، قدْ أدَّتْ إلى إفْراز مُقاومة من العيار الثقيل، تمخضتْ عنها دمقرطة النضال ضد الغرب وتبنِّيه من قِبَل الفرد العربي والمسلم أيْنما كانا. بعبارة أخرى، بَعْدَ عجز القوميين العرب والأحزاب الإسلامية عنْ إفراز تجديد مجتمعي يتمتع بالشرعية ويمتلك القوة، تحمَّل المواطنون أنفسهم مسؤولية التعبير عن ذلك الإحساس، وأنجزوا المهمَّة.
إنّ هذه الثورة الجديدة المرتبطة بالهوية، تتغذَّى أساسا على ما دَرجَ عليه الغربُ باستمرار مِنْ نَعْتِ الإسلام بالأوصاف السلبية، وهذا “الحقد الممزوج بالخوف” الحاصل لدى الغرب ناجم في الأساس عن أنّ الإسلام وَقف له بالمرْصاد، وأخذ بالأسباب التي تتيح له مهاجمته في المستقبل.
كما أنَّ “أيَّ مسعىً للتنبؤ بمستقبل الشرق الأوسط يَلْزم أن يُقِرَّ بِأَنَّ الحقبة الجديدة التي بدأتْ في الحادي عشر من سبتمبر، قد كشفتْ بعض الأعراض المَرَضِيَّة الدِّفينة في المجتمع الأمريكي والبريطاني، وعن ثقافاتهم وسياساتهم([41]).
وكدليل على ذلك، لا يزال الغرب – كما يرَى الفيلسوف التونسي يوسف صديق – يَنظر إلى الإسلام كما لوْ كان حلَبة تَصَارُعٍ يتراشق فيها المسلمون بالفتاوى واللعنات. فأوروبا على سبيل المثال تُريدُ – من جهة – إسلاما مستنيرا يُكْسِبُها الثراء. وهي – من جهة أخرى – تُسارع دونما تَرَوٍّ إلى نشر آراء “أبطال” الاعتراض، كسَلْمَانْ رُشْدِي أو تَسْلِيمَا نِسْرِينْ.([42])
فمع أنهم لا يَفْتَرُونَ من ترديد أن الإسلام ما زال يَحُزُّ فيه إزاحته عن مركز الصَّدارة، إلا أنَّ منْ يُعانون وُجْدَ الحنين إلى الإمبراطورية البريطانية، وبدرجة أقل وُجْدَ الحنين إلى الإمبراطورية الفرنسية لا يزالون دون عزاء. فالتصور القائم لدى الشرقيين هو أنَّ البريطانيين بعد مرور أقل من خمسين (50) عاما على حرب السويس، حرصوا على الانضمام إلى “أبناء عمومتهم” من مناطق ما وراء البحار لخوض مغامرة استعمارية جديدة في الشرق الأوسط.
في نهاية المطاف، يُعتبر العداء الغربي تجاه الإسلام مُحصِّلَةَ ثلاثة عناصر: انزعاج داخل الغرب نفْسه يجْعله أقل تسامحا (وفي هذا الشأن، يمكن أن تُستخدم التوترات داخل النظام الأمريكي أداة لقياس المستقبل المحتمل للكثير من المجتمعات الغربية)، ثُمَّ عدم الارتياح تجاه التجديد الذي تشهده الحضارة الإسلامية (وهو ما يجعل من اللازم تذكيرها على الدوام بمرتبتها الدُّونِيَّة، كما تكفَّل بذلك وزيرُ الخارجية الإيطالي سيلفيو برلسكوني Silvio Berlusconi)، وأخيرا، الشعور السائد الذي يَعتَبِرُ أن الغرب قدَّم الكثير والكثير (باسم العون في مجال التنمية أوْ حقوق الإنسان، على سبيل المثال) إلى حضارات أخرى تبدو ناكرة للجميل. إِنَّ ثالوث الشجن المذكور – الذي يُعتَبَرُ نوعا من العبْء الجديد الذي يُثْقِلُ كاهل الرجل الأبيض – يظلّ يَحْجُب، مع ذلك، مُشْكِلا متِّصلا بالخصوصية المتفردة لهذه الحضارة.

كشف النقاب عن الغرب
هلْ سبقَ أنْ تَمَّ تناولُ خصوصية الغرب ومُناقشتها ضمن حوار مستفيض؟.
إنَّ الأدب الغربي يَزْخَرُ بكتابات تُعْنَى بالثقافات الأخرى، و بالأخصِّ، ما يتعلق منها بتاريخ العرب، سيكولوجيتهم، مجتمعاتهم وديانتهم – بَدْءً بالقصة الأولى للعرب، “هيستوريا سارانيكا” Historia Saraœnica، التي نشرها الكاردينال رودريغو أغزيمنيز Rodrigo Ximenez كبير أساقفة طُليطلة سنة 1625، وصولا إلى المُؤلَّفات الرَّامية إلى نشْر المعارف المتعلقة بهذا الشأن، والتي تغُصّ بها المكتباتُ في كلِّ مناسبةٍ تحْدُثُ فيها أزمةٌ في الشرق الأوسط. ومع ذلك لا يزال الطريق مَسْدودا في وجْه تناول ماهو ملازم للطبيعة الجوهرية للغرب. فباستثناء الملاحظة أوْ التشكيك في تفوُّق هذا الأخير، فإنّ مُثقفي “الجنوب” نادرا ما سعَوْا – على سبيل المثال – إلى سبْرِ أغوارِ الثقافة الغربية من خلال نظرة ثاقبة، تُبْرِزُ ما تنطوي عليه من لَبْسٍ وما يَطْبعُها من تناقضات. فالمقاربة التي تعاملوا بها مع هذه الحضارة تجْنَحُ إلى أساليب التشكِّي، والاقتصار في الغالب على القيام بعملية جَرْدٍ للمساوئ، يغلب عليها طابع العَجْز. فتناول التساؤلات ذات الطبيعة الثقافية وفق قالب معاكس للطَّرْح الغربي أمْر لا يُعقَل تصوُّرُه بالنسبة لمثقفي العالم الثالث، الذين، غالبا ما يَرْبطون معارضة الغرب بمعاداة العَصْرَنة التي هي السمةُ الغالبة في ثقافاتهم([43])، فيبقى الجدلُ مُنْحصرا حينها في شجب التصرفات الصادرة عن الغرب أوْ إطْرائها.
لقدْ كشف الكاتبُ الفلسطيني الأمريكي الجنسية أَدورد سعيد عن الكيفية التي لَعِبَ فيها الخطاب الأدبي دورَ الظَّهير للاستعمار الأوروبي، ثُم للإمبريالية الأمريكية([44])، لكنَّ الأمر يتعلق بإستراتيجية يتم تحريكها لأغراض تهدف إلى الإخضاع أوْ التبعية، ولا صلة لها بجوهر الهوية.
وهناك مثالان بليغان على هذا النمط من الخطابات هما: كتاب دي كيمون D. KIMON عن الأعراض المَرَضِيَّة للإسلام وطُرُق القضاء عليها (باريس، 1897) ، والمحاضرة التي ألقاها أرنست رنان Ernest Renan بجامعة الصربون Sorbonne، بتاريخ التاسع والعشرين من مارس 1883 حول “النَّهج الإسلامي والعلوم”.
ومن المسائل التي تَبْقَى منْ دُونِ طَرْحٍ، هو الأمر المتعلق بطبيعة الجوهر المشترك الذي يجْمع الغرب، وبالذات فيما يتعلق بالإصطفاء الذاتي الذي يقومون بموجبه بوضع أنفسهم في مرتبة تُخوِّلهم إملاء القيّم الكونية ذات الطابع الشمولي.
إنَّ تفحص طبيعة الغرب والتدقيق فيها يُعَدُّ إذن – بالنسبة للكثيرين – ممَّا لاَ يليق.
والواقع أن الغرب قد جَنَّدَ الأموال والطاقات لدراسة عادات وتقاليد الآخرين، لكنْ لا أحَدَ أتاح للآخرين دراسة عادات وتقاليد الغرب”([45]).
فعندما نعكف على دراسة طبيعة العادات والتقاليد الغربية، سنكتشف أنّ النفاق يُمثل إحْدى القيَّمِ البنَّاءة ضمن الجوهر المُلازم لنمط النهج السياسي الغربي، بدءً باستغلال “الحب المسيحي” لتحقيق المآرب من قِبَل التيَّار الديني للْـ”حُجَّاجِ” Pilgrims الذين بَنَوْا أمريكا صاحبة الممارسات العنصرية والاستعبادية، إلى فرنسا المعادية للسامية، التي تعاونت مع النازيين، مُرورا بالامبراطوريات الاستعمارية التي تم تقديمها على أنها حاملة للقيم الحميدة.
وعلى امتداد ثلاثة قُرون بعد معاهدة وِسْتفاليا Westphalia (1648)، قامتْ أوروبا تدريجيا بالاستيلاء على السَّواد الأعظم من أراضي المعمورة، لدرجة أنّ ما يُناهز خمسة وثمانين بالمائة (%85) من مساحة الكرة الأرضية كان في بداية الثلاثينات من القرن العشرين، مُسْتَعْمَرَاتٍ تابعة لإحدى الكيانات الأوروبية المُسْتَعْمِرَةِ.([46])
إنّ هذا التوسع الاستثنائي والتفوقَ الذي أَحْرزه الغرب يعود جِزْئيًّا إلى ممارساته الشَّرسة، والطابع المنظَّم لهذه الممارسات؛ كما يَعُودُ إلى أنَّ الغربيين يقتلون بطريقة أكثر فاعلية من الثقافات الأخرى([47]).
زيّادة على ذلك، فإنَّ التمييز بين الغرب والفئات البشرية التاريخية الأخرى يَكْمُنُ – إلى حدٍّ كبير – في الطريقة التي يكون الفرْدُ فيها قد تحرَّرَ تدريجيا من التبعيّة لسُلْطَان التقاليد… فكُلُّ هذه الثقافات، تتقاسم مع بعضها البعض – بدرجات متفاوتة – حُكْماً مُسْبَقاً يقرِّرُ أنها – بالمقارنة مع الغرب – مجتمعات بدائية، بسيطة، أوْ أنها أيضا تقليدية، على اعتبار أن ثِقَلَ الماضي يُحدِّد مُسْبقا سلوك الأفراد، ويَحْصر مُسْبقا الفضاءات المختارة. فأساس معايير السلوك لا يُسْتعارُ من النموذج المتداول العلني المُدعّم بالحجج، لأن الأساس الاستدلالي للمعايير يعتبرونه ابتكارا خاصا بأوروبا العصور الحديثة.([48])
وحينها، يأتي الخطاب السائد المتعلق بغير الغربيين، بما فيه الخطاب الصادر عن الكثير منْ مُثقفي الجنوب، في شكل “الحكم التلقائي، المُتَّصِف غالبا بعَدم دقة الوقائع التي يستند إليها، فهو دائما مُفعم بالتمثّل التلقائي للممارسات السياسية الفاسدة، العودة إلى البربرية، غياب القدرة على التوقُّع، وغِيّاب القيّم المدنيّة في تلك الرُّبوع…”.([49])
فنحن نُراهن على أنه يوجد في صميم دوافع عطا وشركائه رفضٌ لهذه الغطرسة، وهذه المعاملة الجائرة التي ما فتيء الغرب يقترفها. علاوة على ذلك، فإنَّ الولايات المتحدة، قامتْ أيضا – على سبيل المثال – باللجوء الانتقائي إلى القيم الأخلاقية. فالمتحدِّي الأكبر للغرب (العالم الإسلامي) – في نظرها – هو الأكثر مثولا للعيان، وبالتالي الأكثر عرضة للانتقاد. كما تَتمُّ المبالغة في تصوير خطورته بعشرات الأضعاف. وفي هذا السياق، ورغم ما يُثْنيهِ عن الاتفاق مع المسلمين، يبلغ نفاقُ الغربِ ذُرْوتَه حينما يرفضُ الإقرارَ بمهاجمته للإسلام. فـ”الحرب ضد الإرهاب” التي تُخاض فعليا في أفغانستان والعراق، وافتراضيًّا في اليمن وسوريا والسودان وإيران، ما هي إلا حرب ضد الإسلام.
وبدَل الإقرار بالتعارض والصراع بين الشرق والغرب، تتمثل الجُرْأة التحليلية الوقِحَة في السعي – بطريقة معزَّزَةٍ بالتأكيدات القطعية، ووِفْقَ نمط الرؤية الميكانيكية – إلى إفهامنا “مكامن الخلل” في الإسلام. فهكذا، عكف المؤرخ الأمريكي برنارد لويس Bernard Lewis على هذه المهمة، في كتاب ذي طابع تاريخي حول العرب، عنوانه: ما الذي خرجَ عن الجادَّة؟ What Went Wrong?
إن هذا النمط من “العلاج الاجتماعي” الذي يأتي في أسلوب استعلائي ومُتَسَلِّطٍ، يسعى جاهدا إلى تشخيص “مُشْكِلِ” العرب وانتكاساتهم، دون أنْ يهتم كثيرا بفحص تصرفات الغرب منذ الحملات الصليبية إلى إعادة استعمار العراق سنة 2003. ومع ذلك بوسعنا الرُّد، بطريقة حاسمة، مستندين على مؤلفات مضادة([50])، أنَّ: الاستعمار هو الذي خرج عن الجادَّة! Colonialism is what went wrong!
فأدوارد سعيد الذي وصف كتاب لويس بأنه “كارثة أخلاقية وثقافية”، يُلاحظ أنَّ المؤرخ يقوم بمُجرِّد الترويج للحجّة القائلة بأن الأفْراد واللّغات والثقافات “لمْ تَسِرْ على ما يُرَام”، كما لوْ كان التاريخ مُجرَّد مَسْألة “صح”، التي تتحدد بوجود القوة، و”خاطئ” التي تتميز بغياب القوة([51]).
وَهُناك آخرون يَسْعوْنَ إلى التَّصالُح من جديد بين المسلمين و الغرب. هذه المُقاربة النابعة من تفكير حصيف قدْ تكون بنَّاءة، لوْ لمْ تكنْ من حيث الأساس وَفيَّةً لمنطق التدخل والإصلاح الذي يحْرِص على تغيير المسلمين، لأنّ شيئا ما في صميم ذواتهم ما يزال يطْرح إشكالا. وكما لاحظ الباحث اللبناني المُختص في الشؤون السياسية أسعد أبوخليل، فإنه من المُلْفِتِ للنَّظر أن الجذور الإيديولوجية للحروب الصليبية بَقيتْ كما هيَ لمْ يَشُبْها شائب – تقريبا – لغاية العصور الحديثة. فلا يزال يُنْظر إلى العرب وفق الصورة النمطية السلبية باعتبارهم قُسَاةً، منافقين، مُتوحِّشين، مُتخلِّفين، أجلافاً وغيْرَ مُؤَهَّلين حضاريا.([52])
هلْ لقيام الغرب بتصوير العرب بهذه الطريقة ما يُبرِّره، في حين أنَّ انحطاط الغرب بحسب اعترافات بعض الغربيين أنفسهم، قد بدأ بالفعل؟ فالانحطاط يتجلَّى مِن خلال ازدياد المسلكيات المناهضة للقيِّم الاجتماعية، وتداعِي الخلية الأسرية، وتراجع الرَّصيد الاجتماعي المتعلق بالثقة المتبادلة التي ترْبط بين الأفراد، وضعْف الأخلاقيات المِهنيَّة في ميْدان العمل، وتراجع الاهتمام بالتعلم والأنشطة الثقافية([53]).
فالثقافة الغربية قد وَصلتْ – في الواقع – في مُستهلِّ القرن إلى حدِّ الترويج “للفساد الناعم” على أنَّهُ ذُرْوة النَّشْوَةِ، في مسْعًى دائبٍ للتَّباهي بحْثا عن الإشباع الفوري للشهوات. فهناك طُغْيان ثقافة الازدراء، وسيادة نزعة اللاَّمبالاة، واعتماد أسلوب إلْقاء الحبْل على الغارب كقيم سلوكية؛ وتحرير الفرد من الضوابط السلوكية السائدة، وتقديس مُخالفة القيِّم والأعراف، وتمْجيد الإفراط في كل شيء؛ فكل شيء مباح ولاشيء – حتَّى وإنْ كان حربا استعمارية في العام 2003 – يُؤخَذُ مأخذ الجدِّ.
يُضاف إلى ذلك: الانغماسُ في المَلذات، والإجْرامُ، والإفراطُ في الإباحيَّة، ودمقرطةُ النخبوية التي بمقتضاها يُنتَظر من كل فرد أن يَرْقَى إلى مرتبة يَعلو بها على الأشخاص العاديِّين المحيطين به، والذين يُعتبرون في عِداد الأغبياء. وقد قام أحد الأكاديميين الفرنسيين بوصف هذا الإفلاس الأخلاقي البارز الذي يطْبع المجتمع الغربي المعاصر قائلا: إنه “تحوُّل مباغت للقيِّم … فالقيم الحميدة لم يَعُدْ يتمّ التخلُّق بها، ولا يُنْصحُ بها، كما كان في السابق …، فقد استُعيضت بالهوس الذي غدا شيئا إيجابيا، بل قيمة حميدة، ناهيك عن إرادة إقصاء المنافس باعتماد كل أساليب المُضايقة”.([54])
وهكذا فإننا نَشهد زيادةً في حِدّة العداء واتساع نطاقه، وهُو عداء خالٍ من مضمون مُحدَّدٍ، وهُوَ ما يَؤول في نهاية المطاف إلى تثْمين المسلكيات العُدوانية المشوبة بالازدراء وتلميع صورتها، والحالُ أنْ لا هدف يُرْجى منها.([55])
ابدأ نفسك قبل الآخرين ….
النفاق يتجلي فيما سيأتي: عندما تتم إثارةُ حفيظةِ الغرب، فإنه غالبا ما يَكْشِف عن طبيعة بَديلة، مُغايرة، وخطابٍ مختلف في جوْهره عنْ ما يُبشِّر به (وذلك بخلاف العرب، وغيْرِهم كالأفارقة المُنْحدرين من جنوب الصحراء. إذْ أنَّهُ عنْدما يُضيَّقُ الخناقُ عليهم، فإننا نجدهم يتشبثون بالبقاء على النَّهْجِ الخطابيِّ نفْسه، الذي تطْغَى عليه التناقضاتُ، حتَّى ولوْ كان ذلك على حسابهم).
إنَّ التاريخ حافِل بالأمثلة التي تُبيِّن هذا النفاق الغربي، لكننَّا نكتفي بذكر ما جَرى منها في أقرب العهود. فخلال حرب العراق، في شهر مارس من سنة 2003، تم التقاطُ مشهد تصويري لضابط بريطاني، هو العقيد تيم كولين Tim Collins، عَشِيَّة الهجوم على البَصْرَةِ وهو يُصْدِر – بطريقة مُشرِّفة – تعليمات إلى جنوده؛ حيث قام بحثِّهم على الالتزام بالضوابط الأخلاقية، ومُعاملة الجنود والمدنيين معاملة لائقة. وبعْد مُرور عِدِّة أسابيع على ذلك، اتُّهِمَ الضابط “الْمُوَقَّرُ” نفسُه بالقيام بعملية قتل همجية لجنود عراقيين ومدنيين عُزَّلاً، لا يُشَكِّلُونَ خطرا عليه([56]).
هلْ هوَ حدث معزول لا دلالة له – ذلك أمر يَصْعب تصديقه على ضوء الفظاعات التي تَم ارتكابُها في سجن أبو غريب -، أَمْ أنَّه مَظهر كاشف للنفاق السياسي لدى الغرب؟.
ففيما يتعلق بأحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، وخلافا لما يعتقده الكاتب الفرنسي آلان فينكلكرو Alain Finkelkraut ، لمْ يكن حادثُ الهجمات في حدِّ ذاته مصدر العنف الأول؛ بل هو المعاملةُ الجائرةُ المرتَكَبَةُ من قِبَل بعض الغربيين في حقِّ العرب، بطريقة تُشكل خرقا سافرا للقوانين الدولية.([57])
والواقع أنَّ هذه المواقف تكْشِفُ ببساطة، وبما لا يَدَعُ مجالا للشك، عن الطبيعة الحقيقية للغرب، المشحونة في الصميم بالحقد على الإسلام والخوف منه. فالكثير من المثقفين الفرنسيين مِمَّن يدينون باليهودية (برنارد هنري ليفي Bernard-Henry Lévy ، آلان فينكلكرو Alain Finkelkraut وأندري غلكسمان André Glucksmann، بالذات) يَبْدُونَ – للأسف – شِبْهَ عاجزين عن تفهُّمِ أحاسيسِ ومشاعرِ العالم الإسلامي منْ دون أنْ يكون ذلك في تصورهم بمثابة خيَّانة للقضية الصهيونية، بلْ حتى للهوية الإسرائيلية؛ فمنتقدوهم يوصَمون – ببساطة – بمعاداة السامية.
والأمر هنا على قدْرٍ كبير من الأهمية؛ لأنّ الولايات المتحدة، والغرب بصفة عامَّة، يُقَدِّسان القانون في خطاباتهما، ومع ذلك يتحرَّران منه في تصرفاتهما، إذا ما حَلاَ لهما ذلك.
وبدوْره، فالمجتمع الإسلامي، رَغْم أنه شكّل ثورة قانونية مقارنة مع وضع العالم في العصر الجاهلي، فإنّه يُولِي أهميةً أكبر لمفهوم العدالة – أو لـ”متطلبات العدالة” اقتباسا من تعبير هِيبَرْ فَدْرِينْ Hubert Védrine – أكثر ممَّا يُولِي مِنَ الأهمية لمفهوم القانون. فالقانون هو إذن مسألة تكاد تكون ثانوية، إذْ هو متفرِّع عن العدْل، ولأنه يُفْترض فيه قبْل كُل شيء أنْ يَخْدم المساواة من خلال إقامة أنظمة ردْع منيعة في مواجهة الظلم، والسهر على تطبيقها.
فالإسلام دين يرتكز في الأساس على العدْل، وكل مبادئه تستند تقريبا على إعطاء الأولوية لهذا البُعْد. ولا تنحصرُ سبُلُ الوصولِ إلى هذا العدْل في مجرّد ترتيبات قانونية. وهكذا، فإنّ الإسلام ليْس – على سبيل المثال – ديانةً تُشجّع الاستكانة من خلال “مدّ الخدّ الآخر” كما في المسيحية. فعلى العكس من ذلك، نلاحظ في الغرب أنَّ القانون – الذي يكون متعسِّفا في أغلب الأحوال، وغير مُنْصف أحيانا – تَكُونُ له اليد العليا والغلبة.
وكما هو وارد في المقولة اللاتينية ذات المضمون الأخلاقي: “القانون متعسِّف، ولكن الغلبة للقانون” Dura lex sed lex.
بيْد أنّه يتعين أنْ نُلاحظ أنَّ القانون البشري ماهو – في الواقع – سوى مجرد مجموعة ترتيبات، مُتغيِّرة بحسب مصالح الأفراد والمجتمعات (فقبل مائتي [200] سنة فقط، كان الاتِّجار بالبشر في أوروبا والولايات المتحدة، مُمارَسَة مُعْتادة يُجيزها القانون). وبخلاف ذلك، فالأهمية بالنسبة للإسلام تكْمن في إشاعة العدالة بمفهومها السرمديّ (المتحرِّر مِن قيود الزمن) والعمل بمقتضى إسقاطاتها، والإلتزام بضوابطها في الواقع المعيش على وجْه البسيطة.
أمَّا الفرق الجوهري الآخر فهو “أنّ المجتمع الغربي يَنْزِعُ تلقائيا إلى مُمارَسَة النقد الذاتي. وهذه إحدى الأسباب التي مكَّنَتْ الغربَ من التكيّف والتطوّر.([58])
والإسلام – بدوره – يُشدّد على استمرارية التشبُّث بالأصالة. ونُشير – كما نبّه إلى ذلك الشاعر السوري أدونيس – بأنّ هذه الأصالة لا تُقابل نقطة مُحدَّدة في الماضي، لأنَّ الهويَّة لا تُحتِّمُ العوْدة إلى ظرف زمني مُحدَّدٍ في التاريخ.([59])
فمنْ ناحية، لديْنا الإشادة بكلّ ما مِن شأنه أنْ يَقود إلى مراجعة الأمور وإعادة النَّظر إليها، والسعْي للتغيير الدائم، ومنْ ناحية أخرى لدينا الحرْص على الحفاظ على التقاليد السائدة واستمراريَّتها. ففي المجتمعات العربية الإسلامية، تُعَدُّ استمراريةُ القِيَمِ الضاربةِ جذورُها في التاريخ، مسألةً لها قيمةٌ في حد ذاتها.
فيوجد – إذن – نقص، وكذا ما يشبه المحذُور من الإقْدام على تحليل طبيعة الغرب، وهو أمر آن الأوان لإحْداث قطيعة معه. ففي مُؤَلَّفٍ بعنوان “الغرب والآخرون”، وهُو مؤلف قدْ يمثِّل حدثا تاريخيا بارزا، تعكف المؤرخة والكاتبة الفرنسية سوفي بسيس Sophie Bessis على هذه المسألة، أيْ على “الاطمئنان اليقيني الذي يجعل غالبية الغربيين يقومون بتعزيز شرعيتهم”.([60])
وتُحدِّد بسيس في مُسْتَهَلِّ الكتاب النَّهج الفريد الذي منْ خلاله أضْحى الغربُ الحضارةَ الوحيدة التي أنتجت آلية نظرية (مِن فلسفة، وأخلاق وعلوم) لتبرير شرعيتها، وإيديولوجْيَا للهيمنة ترتكز على نتاجات عقلية. وهي توضح أنّ “مكانة الغرب التي تضعه في موقع الهيمنة، قدْ أتاحتْ له أنْ يضعَ تنظيرا لتجربته، لِيُزيل عنها خاصية التفرُّد، ويضعها في مرتبة تكون بمقتضاها السبيل الوحيد للوصول إلى التقدم العالمي، الذي نصَّب نفسه رائدا لهُ ومُرشدا إليْه”.([61])
ومع ذلك فإن هذا الاصطفاء الذاتي، والهوية الغربية نفسها، يطْبعُهما على العموم تناقضٌ جوهري؛ إذْ تقول بسيس: “إنّ المفارقة بخصوص الغرب تكْمن في قدرته على إنتاج أنماط عالمية، وجَعْلِها تتبوأ مراتب مُطْلقة، ثم خَرْقِ المبادئ التي استخلصها منها بطريقة مُدْهشة ووفق نسق فكري مُمَنْهج، ومنْ ثمَّ الإحساسُ بضرورة صياغة تعليلات نظرية لهذه الخروقات … إنَّ ما للغرب من قُدرة لا حَدَّ لها على إحداث قطيعة بين الأقوال والأفعال، جعلتْ عصْرَنَتَه تبقى إلى أمد بعيد، لا هي قابلة للاستيعاب، ولا هي شرعية، بالنسبة لمن يُشيرُ إليْهم بالآخرين.”([62])
وتُضيف بسيس مُستطردة :إنَّ عدم التناسق يتضافر مع ” القناعة الراسخة بأن طُرُق التعبير عن الأنماط العالمية – بِغَضّ النظر عنْ مضمونها – حكْرٌ طبيعي على الغرب”.([63])
وهذا لا يعْدو كوْنَه ضربا من الانتهازية والنفاق، لأنّ هذا الأخير “لديه تقدير مفْرِط لذاته، بحيث غدا يجعل من القوة والمصالح، الدوافع الوحيدة وراء تصرفاته”([64]).
إنّ هذه المُسَلَّمات ستشكِّل مُسْتَنَدًا للتوجه الاستعماري لأوروبا الغربية خلال القرن التاسع عشر، ثُمَّ الإمبريالية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين، في عملية إخضاعهما للشعوب غيْر الغربيّة، التي كانَ يُنْظر إليها على أنّها مُتخلِّفةٌ عن ركْب التطور، ثم أنها غيرُ ناضجةٍ، حَرُونَةٌ، أوْ أنّها ناكرة للجميل.
ويُمْكن القولُ في نفس السياق، ومن زاوية تاريخية مَحْضَة أنّ المجتمعات التي تمّ صَوْغُها قَسْرِيًّا في قالب مُفَصَّل على مقاسٍ غربي (مثل رواندا التي تم تغريبها بهمجيِّة من قبل ألمانيا وبلجيكا، وكذا الجزائر التي اغتُصِبَتْ من قِبَل فرنسا لمدة قرن ونصف، على سبيل المثال)، مثَّلتْ بُؤَراً عانَتْ العُنْفَ والقسوةَ. فالغرب لا يَحتمل إلا أصْحاب التقليد الأعمى، والطيِّعين. وكلُّ نموذجٍ فِعْلِيٍّ بديل – مَهْما كانت الشرعية التي يتمتع بها – مُثيرٌ للرِّيبة في نظره.
كما أنه لا يُمكن – في الواقع – لمثقف عربي أوْ مُسلم الوصولُ حقيقةً إلى مستوى الشُّهرة في الغرب ما لَم يَدْفع ضريبة (مُشرِّفة) لقاء ذلك؛ وذلك بانتقاد مجتمعه أوْ أنْ يتنازل عن انتمائه العرقي، وهذا ما يعني أن يُقدِّم للجمهور ما يَنتَظِر منه تقديمَه تحت ذريعة السعي إلى تحقيق مهمة نبيلة ذات طبيعة عالمية (مالك بتيه، الرئيس السابق للمنظمة غير الحكومية الفرنسية “الخلاص من العنصرية SOS Racisme”، مِثالٌ حيٌّ على هذا النوع من المَسْخِ الثقافي).
ودَرَجَ – كذلك – على هذا النهج بعضٌ من المؤرخين العرب – مِنْ أمثال عبدالوهاب مداب – الذين تَحْجُبُ أُطروحاتُهم المتعلقةُ بالتَّدْليل على أمراض العالم الإسلامي كُلَّ مسؤوليةٍ يتسبب فيها الغرب تقريبا، هذه الحُجَجُ التي تَنْزع بطبيعتها إلى افتراض أنّ مناهضة العالم الإسلامي للغرب تأتي من فراغ.
وإذا تجاوزنا أصحاب إيديولوجيا حقوق الأعراق السامية (لأنها سَتُناطُ بها بعضُ “الواجبات”)، مثل أرنست رنان Ernest Renan و جيل فري Jules Ferry، نَجدُ أنّ كل الإيديولوجيات الغربية (الليبرالية، الاشتراكية، النازية، الفاشية وإيديولوجيات حقوق الإنسان”) تصبُّ في هذه الاستثنائية مع بعض التَّفاوت تبعا لخصوصية كلِّ إيديولوجيا على حِدَةٍ.
فحتى الشيوعية نفْسها لمْ تتمكَّنْ إذنْ – بالرغم من مواقفها المؤسَّسة على مَبادئ المساواة – مِن بناء بديل مُتّسق لثقافة التفوق. فهِي تُقَدِّمُ – على العكس من ذلك – رواية جديدة لها، تُصْبح بموجبها الْبُروليتاريا (الطبقة الكادحة) في الدول الرأسمالية، مُضْطَلِعَةً بمهمة تخليص العالم من الاضطهاد.([65])
وكما أوْردتْ بَسِيسْ، “فإن رفض غالبية الأوروبيين والأمريكيين طرْح التساؤل المتعلق بعلاقاتهم مع الآخرين يُظْهر عجْزهم عنْ تُمثّل عالم مُشيّد وفق مقتضيات لنْ يكونوا بموجبها مِحْوَرَه … أولئك الذين يُريدون تجنُّب الوقوع في فَخِّ رَدّة الفعل وإزالة الخصوصيات من النموذج الثقافي الشمولي، لجعْله نموذجا عالميا قابلا للتبنِّي من قِبل الجميع، غالبا ما يَصْطدمون في الظرف الحالي بالتحفُّظات الصادرة عن الغربيين، الحريصين على أنْ يَظلوا مُحْتكرين لإنتاج الآراء”.([66])
فالمؤرخة الفرنسية تشير إلى أنّ التعارضات والتناقضات، والاعْتداد بالأنماط التفكيرية السائدة، والتمظهر الأخلاقي الخدَّاع، هي عناصر تضافَرَتْ لتُفرِزَ حالة انفصام مُدْهِشة، أصبحتْ سِمةً للمجتمع الغربي، علاوة على ما يتصف به من نفاق”.([67])
وعلى العموم تشير “بسيس” إلى أن “الغرب لا يزال مُقْتنعا بأنَّه بَنَى نفسه بنفسه وأنه غيرُ مَدينٍ إلا لنفسه، بِحُكْمِ العظمة التي يتَّصف بها” (الصفحة 98).
هلْ نحن، في الواقع، مُحِقُّون في إطلاق الوصف الأخير؟. بالنسبة للغرب، لا يُمْكن – في الواقع – إدانةُ التصرفات السلبيَّة الصَّادرة عنْه إلا حينما تكون تلْك الإدانة صادرة منه. فأيُّ نقْدٍ آخر صادرٌ عنْ أيِّ مرْجع عِلْميٍّ – مهْما كان تبحُّره – يُعتبر موضوعيًّا غيْر مشروع، وينمّ بالأساس عن ردة فعل نفسية، يُمْكن – على الأكثر – أنْ يَتم التجاوز له عن بعض الإهانات والتصرفات السلبية. فالنقد الذاتي الغربي لا يُقدَّم في الوقت الراهن إلا في صيغة تعبيرية على نحو: “كان بإمكاننا فعل المزيد لمساعدتهم”. أيْ أنه من فئة الأخطاء الطفيفة، أوْ على الأقل “الأخطاء التي ليستْ بالتأكيد سيئة”. “كانَ علينا أنْ نبذل مجهودا لفهم طبيعة الآخرين”، ” لقد تركنا الراديكالية تَسْتَفْحِلُ دونَ أنَّ نَقُومَ بِمُعالجتها”، ” كان بإمكاننا محاولة تحسين الأمور”. أيْ بعبارات أخرى: هناك قُصور في الجهْد يُعزِّزُ بصورة غير مباشرة المرتبة الفوقيَّة، بدلا مِن تحديد الأخطاء والتصرفات السلبية.
ما ذا يُمثِّل هذا النفاق في نهاية المطاف؟ هلْ هو رفْض للقيام بعملية نقد للذات، واستحالة الإقرار بأنَّ الدوافع الغربية قدْ تكون ذات طبيعة ماديَّة واطئة، وأنها تستدعي استغلال “الآخرين”؟ وهؤلاء الأخيرون ليس بإمكانهم – مع ذلك – التبجُّح بإمتلاك قيِّمٍ أخلاقيةٍ أكثرَ سُمُوًّا. أقْصى ما يُمْكن أنْ نُقِّرّ لهُمْ به هو منظومة ثقافية بديلة ذات نفع اجتماعي لمجتمعاتهم. مع أنّه يتعين عليهم حينها أنْ يكونوا “معتدلين”، “عصريين” أوْ “ديمقراطيين”، أوْ بعبارة أشمل: عالميِّين. بمعنى، أنْ يكونوا – في نهاية المطاف – مُغَرَّبِينَ. والواقع أن النفاق لم يعُدْ يبدو كخلل في بُنْية المنظومة الإيديولوجية للغرب، بلْ إنه هو الأساس الذي تقوم عليه.
وكما يوضِّح الخبير في العلوم السياسية، اللبناني غسان سلامة، في قوله: “إن الغرب يُلاحِظ بمزيج من الخوف والازدراء ما يَعْتبر أنه – وهو في الغالب مُخْطئ في ذلك – بمثابة سلوك غير منطقي لبعض الشعوب، يمكنه أن يُصحّحه فـَ” يُعيده إلى الجادِّة “، بفضل تدخله “المحتمل”، في حين أن “التُّهمَ التي تُكال لفاعل مُعَيَّنٌ أوْ غيرهُ من بين الفاعلين غير الرئيسيين، يُبرْهن – في واقع الأمر – على عدم إدراكٍ للمنطق الذي يُحرِّكه […] ذلك أنّه من المُستعْصي إقناع الكائنات البشرية الغربية homo occidentalis أنَّ معاييرها السلوكية هي ممَّا يخص بها دون غيرها”.([68])
فهكذا أعلن أحد أباطرة المال والسياسة، البريطاني سسيل رودز Cecil Rhodes في القرن التاسع عشر: “نحن أَسْمَى عِرْقٍ في العالم ، وكلما زادتْ رُقعة العالم التي نحتلها، فسيكون ذلك أفضل لِرفاه الجنْس البشري.”
ويَخلصُ سلامة مُسْتشهدا بكلام عالم الاجتماع الفرنسي بير بوردي Pierre Bourdieu، إلى أنّ عمليَّة العولمة الممنهجة للمعايير الغربية أشبه باستراتيجيةٍ تجْنَح إلى التَّلميح والتوريَّة (“نفاق” نا)، والتي تهدف إلى إخفاء الهيمنة تحت قناع يَأخذ شكل ممارسات أخلاقية مُنقِذة. أمّا الميكانيزم الثاني من ميكانيزمات إنْكَارُ المسؤولية فيُوَضِّحُ أنَّ الرُّؤى (الأصولية) التي تُشير إلى الغرب بالبنان بوصفه المسؤول عن مآسي العالم العربي، لا تزْدهر إلا في تُربة يسود فيها البؤْسُ الاجتماعي والاقتصادي. وأُعيدتْ صياغة هذه الحجة بعد الحادي عشر من سبتمبر، لِتُقرِّر أنّ الفقْر هو المسبب للإرهاب. (هل الإخفاق الناجم عن الإفلاس المالي هو الذي حدا بالمياردير السعودي بن لادن، والطبيب الجراح أيمن الظواهري، والمهندس المعماري محمد عطا إلى مهاجمة الولايات المتحدة الأمريكية؟.)
أخيرا، ووِفق المنطق نفسه الذي بِحَسَبِهِ يقوم دانتي Dante بـ(تخليص) ابن سيناء وابن رشد من دخول النار، ووضْعهم في المنطقة البيْنيّة، ما بين النار والجنة، يُوجدُ مُسلمون يُحبِّذ الغرب عَدَم التعرُّض لهمْ بلْ يقوم بتمجيدهم. ويَعنْي بأولئك المسلمين الآخرين: أيْ أولئك الذين لا تَصْدرُ عنهم ردّة فعل، أولئك المقبولون، أولئك الذين يُشبهونه إلى حدٍّ ما، مثل القائد مسعود، طاهر بن جلون، والناشطون في مجال الحركة النسوية “من المحرِّرِين” … إلى آخره. في حين أنْ جوْهر العروبة والإسلام – للتَّحرُّك بخُطى حثيثة – تِلْك الموجودة في منطقة حضرموت باليمن، – على سبيل المثال – يتمُّ – عنْ قصْد – تَجاهُله في كل جوانبه. فهو يُشَكِّلُ تهديدا، وتتمُّ من الآن فصاعدا محاربته.
إنّ الاعتراض على الطبيعة العدائية للثقافتين قد أضْحى، تبعا لذلك، شكلا آخر من النفاق.
عنْد عرض نظرية التفرّد الأمريكي على هذا المحكّ، يظهر أنها لا تعدو كونها آخر التمظهرات الوخيمة للتجربة الغربية. واليوم، يجْعلنا سماعُ بعْض الخطابات الغربية الرسمية نعتقد أن القيَّم والأخلاق، والديمقراطية هي برُمّتها من إنشاء الثقافة اليهودية-المسيحية، هذه الخطابات المفعمة غالبا بالاستعلاء (فالرئيس بوش، المعتدُّ بالمغامرة الأمريكية التي تعود إلى مائتي [200] سنة، يقول للعراقيين، الذين هُمْ ورثةُ حضارة يعود تاريخها إلى خمسة آلاف [5.000] سنة من التاريخ : “أنتم شعب طيِّب، ومُبْتَكِر”).
وفي الوقت الذي تَصْدر فيه الأوامر إلى بقية العالم بالاصطفاف خلف “فاعلة الخير”، في العاصمة الإمبريالية الجديدة، واشنطن، هناك مقاومة عربية إسلامية تُذكِّرُها على الدوام بمحدودية قوَّتها الإيديولوجية، ثُمّ – خلافا لكل التوقعات – تباغتُها بضربة موجعة.
ثُمّ إن الحادي عشر من سبتمبر كان – كذلك – بمثابة صدمة مزدوجة للغرب العاجز عن تصوّر صدور المبادرة التاريخية مِن أي مشروع حضاري آخر، كالإسلام الذي كان في الماضي غازيًّا، والذي كان يَعتبر حضارة الغرب ضرْبا من التضليل.([69])
إنّ التاريخ يَسيرُ في حركة مزدوجة، مُتكرِّرة وتراكميَّة، وذلك بطريقة يطْبَعُهَا الثباتُ. فالتراكم محْكوم عليه بأنْ يُصبح مُتجاوزًا بمرور الزمن؛ فتكون الغلبة فقط لطبيعة المجتمعات وديمومة قِيَّمِها.
وبفضل تضافر جملة من العوامل التاريخية، تمّ من ناحيةٍ تسخيرُها بالقوة ومن ناحية أخرى عن طريق إضعاف الآخرين، استطاع الغرب أن يحقق السيطرة في عصرنا اليوم. ماذا سيكون، إذن، مصير الحضارات؟.
بدل التفكير في إعادة النظر في “المهمّة الكونية التي جعلتها “قَدَرها المحتوم”، قررت الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 – وبقوة أكثر – الإعلان عن هذه المهمة، واستماتت في تحقيقها، بحيث إنها لم تعُدْ تَعْبَأُ بالحفاظ على المظاهر. فالنفاق- البادي في ردة الفعل المتوجِّسة – على أطروحة صامويل هنتغتون- شهدتْ – إِثْرَ ذلك – الظهور مُجَدَّدًا. والفرق الذي يوضِّح جزئيا ما صاحبَ الردَّ الأمريكي من عنف، هو أن الخوف هذه المرة مِن فُقدان منزلة الهيمنة، كان هو الدافع الذي يُحرِّك الولايات المتحدة. خاف الغرب، فسقطت الأقنعة.

سادسا
مُحصِّلة كل المخاوف

“لقد كان الحادي عشر من سبتمبر بمثابة
” افتح ياسمسم أبوابك”
على درْب الإمبراطورية العالمية”([70])
نورمان ميلر

إذا تجاوزنا كَوْنَ الحادي عشر قد كَشَفَ – كما رأينا للتوِّ – عنْ حدوث صدام الحضارات، فلنا أنْ نتساءل: بماذا غيَّر الحادي عشر من سبتمبر العالم؟ إنَّ ذلك يتجلّى بالأساس في مظهرَيْن: بُروز نمطٍ من الفاشيَّة في الولايات المتحدة الأمريكية، وظهور محاولة لفرض الامبراطورية الأمريكية على العالم. فإذا كانتْ معارضة بقية سكان المعمورة للطموحات الامبريالية الأمريكية ومسألة التفوق الأمريكي ذات الحدَّيْن أضحت موضوع السجال الدولي الرئيس في مطلع هذا القرن، فإن آثار اتساع الهجمات ضد نيويورك وواشنطن قد تجسَّدَتْ في الحال في قيام الحكومة الأمريكية بعملية كبْح للحقوق الأساسية للأجانب، من العرب و المسلمين، لكنْ مع كبْح حقوق المواطنين الأمريكيين أنفسهم كذلك. إنَّ المسعى العنيف والأعمى الذي بدأته الامبراطورية الأمريكية عندئذ، أخذ يُفْقِدُ الولايات المتحدة طبيعتها الديمقراطية، وأضْحَى البلدُ – بحسب تعبير الرِّوائي نورمان ميلر Norman Mailer – بصدد التحوُّل إلى “دولة ضخمة ذات مُقوِّماتٍ هشّة” Mega-Banana Republic، يأخذ فيها الجيش نفوذا متزايدا، بشكل يُؤْذِنُ بالتمهيد لعودة الفاشية proto-fascism بمظهرها الغابر، كما عَرَفَهُ البلد خلال الخمسينيات من القرن العشرين المنصرم([71]). فالنزعات الفاشية أضحت منذ حين بادية للعيان.

التحلُّل من حقوق الإنسان و دولة القانون
على إثْر هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ضاعفتْ السلطات الأمريكية – ما بين عشيَّةٍ وضُحاها –

________________________________________
([1]) صمويل بي هنتغتون، “صدام الحضارات؟”، السياسة الخارجية [مجلة تصدر كل شهرين عن مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة]، صيف العام 1993، الصفحات22-49 .
Samuel P. HUNTINGTON, “The Clash of Civilizations?” Foreign Affairs, Summer of 1993, pp. 22-49.
عَمل هنتغتون أستاذا بجامعة هارفرد، حيث أدار معهد جان أم أولين للدراسات الإستراتيجية.
John M Olin Institute for Strategic Studies, Harvard University
صدر المقال الذي كتبه “هنتغتون”، في حُلَّتِهِ الأولى خلال شهر يناير سنة 1993، وذلك في شكل “ورقة عمل” «working paper» صادرة عن معهد أولين. فهنتغتون يُشير – حتى في تلك البَاكُورة الأولى – إلى أنه يتعين أن نأخذ “نقطة الاستفهام الواردة في مقاله مأخذ الجدِّ… ذلك أن الأمر يتعلق بفَرَضِيَّةٍ، وهو ليس تنبُّؤًا”. (ص1).

إضافة من المترجم: في إطار الأبحاث التي قمت بها، عثرت على كتابات للمؤلف (محمد محمود ولد محمدو) حول نظرية “هنتغتون” المتعلقة بـ”صدام الحضارات”، ورد في أحدها مايلي:
“عندما كنت حائزا على امتياز “الزمالة” بجامعة “هارفرد” في الفترة ما بين 1996-1997، بوصفي باحثا في مرحلة ما بعد الدكتوراه، أُتيحتْ لي فرصة التحاور مع “هنتغتون” بشأن آرائه المتعلقة بالنظام السياسي والديمقراطية، و بخصوص “صدام الحضارات” كذلك. فبوصفي عربي و مسلم يمارس شعائر دينه، وجدتُ في نفسي أني أتفق مع الحجج التي دافع عنها، والتي تحظى بالجمع مابين الإحتفاء، وإثارة الجدل، والتي غالبا ما يُساء فهمها كذلك، تلك الحجج المتعلقة بكوْن المصدر الرئيس للنزاع في هذا العالم الجديد لنْ يكون بالأساس إيديولوجيا أو اقتصاديا، بلْ ثقافيا.”
http://www.theatlantic.com/doc/200203/lettersالرابط الألكتروني:
إضافة من المترجم: توفي صمويل هنتغتون في الرابع والعشرين من ديسمبر 2008.

([2]) بيير باهار، “الحضارات ومستقبل العالم”، فيتيريبل، 226، ديسمبر 1997، الصفحات 5- 17.
Pierre BEHAR, “Les Civilisations et l’avenir du monde”, Futuribles, 226, décembre 1997, pp. 5-17.
([3]) أَدوارد سعيد، “صدام التعاريف”، تأملات حول المَنفَى، ومعالجات تحليليَّة أخرى، مطبوعات جامعة هارفرد، كامبريدج، 2002، الصفحة 570.
Edward W. SAID, “The Clash of Definitions”, Reflections on Exile and Other Essays, Harvard University Press, Cambridge, 2002, p. 570.
([4]) مايكل إيغناتييف، “موضع الإنشقاق”، القسم المخصص من صحيفة انيويورك تايمز للمراجعات التقييمية للكتب الصادرة، العدد الصادر في فاتح ديسمبر 1996، الصفحة 13.
Michael IGNATIEFF, “Fault lines”, The New York Times Book Review, December 1, 1996, p. 13.
([5]) رابرت ماركس، “صدام الحضارات وإعادة صياغة النظام العالمي”، فصْلِيَّة تاريخ العالم 2، 1، ربيع العام 2000، الصفحات، 101- 104.
Robert MARKS, “The Clash of Civilization and the Remaking of World Order”, Journal of World History, 2, 1, Spring of 2000, pp. 101-104.
([6]) ستييفن شان، “موغِلٌ في الرَّتابة وينُمُّ عن تفكير غيرُ مكْتمل النضْج”: هنتغتون والحضارات”، الألفية، 26، 1، الصفحات 137- 140.
Stephen CHAN, “Too Neat and Underthought a World Order: Huntington and Civilizations”, Millennium, 26, 1, pp. 137-140.
([7]) مارك كربون، القول المُضلّل بوجود صِدَام بين الحضارات، دار النشر بلين افَّهْ، باريس، 2002.
Marc CREPON, L’imposture du choc des civilisations, Éditions Pleins Feux, Paris, 2002.
من أجل الاطّلاع على تحليل متقن، طالع ديفد آرْ اغرس، “المضامين المُضْمرة” لـ”صدام” هنتنغتون”، دار النشر أوربيس، 41، 2، ربيع العام 1997، الصفحات 285-299.
David R. GRESS, “The Subtext of Huntington’s ‘Clash'”, Orbis, 41, 2, Spring 1997, pp. 285- 299.
([8]) فـ(وِليام أيتش ماكنيل) – الذي يعتبر نظرية هنتغتون “مُزعجة” – يدافع عن الطرح القائم على “تجاوز الفضاءات المحلية … بوصفه أفضل أمل بالنسبة للمستقبل”. طالِعْ : ماكنيل ،”هل يعني النظام الدولي الجديد لصمويل هنتغتون أفول الغرب؟ دورية المراجعات التقييمية للكتب الصادرة، 9 يناير1997، الصفحات 18-22.
McNeill, “Samuel Huntington’s New World Order: Decline of the West?” The New York Review of Books, January 9, 1997, pp. 18-22.
([9]) اتشان، “موغلة في الرتابة و تنمّ عن تفكير غير مكتمل النضج”، الصفحات 137-140.
CHAN, “Too Neat and Underthought”, pp. 137-140.
([10]) جان غراي، “الطوباويات العالمية والحضارات المتصادمة: إساءة فهم الحاضر”، دورية “الشؤون الدولية” 74،1، 1998، الصفحات 149-164.
John GRAY, “Global Utopias and Clashing Civilizations: Misunderstanding the Present”, International Affairs 74,1, 1998, pp. 149-164.
([11]) بيتر جي، كاتزنستين (..) ، ثقافة الأمن القومي – قواعد السلوك والهوية في السياسات الدولية، مطبوعات جامعة كولومبيا، نيويورك، 1996، الصفحة 533.
Peter J. KATZENSTEIN (dir.), The Culture of National Security- Norms and ldentity in World Politics, Columbia University Press, New York, 1996, p. 533.
([12]) كارل جرشمان، “الصراع داخل الحضارات”، صحيفة الديمقراطية، 8، 4، أكتوبر 1997، الصفحات 165-170.
Carl GERSHMAN, “The Clash Within Civilizations”, The Journal of Democracy, 8, 4, October 1997, pp. 165-170.
([13]) دايتر سنغاس، “صراع حضارات- [هل هي] ضرْب من الهوس؟”، صحيفة دراسات السلام، 35، 1، 1998، الصفحات 127-132.
Dieter SENGHAAS, “A Clash of Civilizations – An Idée Fixe?”, Journal of Peace Research, 35, 1, 1998, pp. 127-132.
([14]) وبخاصة: “الموجة الثالثة – الدمقرطة في نهاية القرن العشرين”، منشورات جامعة أوكلاهوما، نورمان، 1991.
The Third Wave- Democratization in the Late Twentieth Century, University of Oklahoma Press, Norman, 1991.
والنظام السياسي في ظل المجتمعات المتغيرة، مطبوعات جامعة ييل، نيو هيفن، 1969.
Political Order in Changing Societies, Yale University Press, New Haven, 1969.
([15]) بول ماري دَي لاَ غورس، هل سيكون القرن الواحد والعشرون أمريكيا؟، باريس، غراسي، 1996، الصفحة 172.
Paul-Marie DE LA GORCE, Le XXIe siècle sera-t-il américain ?, Paris, Grasset, 1996, p. 172.
([16]) صمويل بي هنتغتون، “التنظيمات العابرة للحدود في السياسات الدولية”، دورية السياسات الدولية، 25، 3، إبريل 1973، الصفحات 334-338.
Samuel HUNTINGTON, “Transnational Organizations in World Politics”, World Politics, 25, 3, April 1973, pp. 334- 338.
([17]) مقابلة تم بثها في برنامج “صباح الخير أمريكا”، على قناة أي بي سي، بتاريخ الواحد والعشرين من ديسمبر 1990.
“Good Morning America”, ABC, 21 December 1990.
([18]) هيبر فدرين، “كيف يُنْكَرُ صِدَامُ الإسلام والغرب؟”، صحيفة لوموند، بتاريخ 28 فبراير2003، الصفحة15 .
Hubert Védrine, “Comment nier le choc Islam-Occident ?”, Le Monde, 28 février 2003, p.15.
([19]) فرانسيس فوكاياما، “ما يستهدفونه [هو]: العالم المعاصر”، صحيفة نيوزويك، قضايا وملفات 2002، شهر ديسمبر2001 فبراير2002، الصفحات 58-63.
Francis FUKUYAMA, “Their Target: The Modern World”, Newsweek, Issues 2002, December 2001-February 2002, pp. 58-63.
([20]) ربما يكون الغرب بصدد التصدع”، محاضرة بجامعة ملبورن، بتاريخ الثامن من أغسطس 2002.
“The West May Be Cracking”, conférence à l’Université de Melbourne, 8 août 2002.
([21]) طالع ريتشرد تي كوبر، “الجنرال يُضْفي طابعا دينيا على الحرب”، صحيفة لوس انجلس تايمز، العدد الصادر بتاريخ السادس عشر من أكتوبر 2003.
Richard T. COOPER, “General Casts War in Religious Terms”, The Los Angeles Times, October 16, 2003.
([22]) تامس إي. ريكس، “وصْفُ السعوديين بالأعداء خلال عرض تم تقديمه: حَثُّ مجلس إدارة البنتاغون على توجيه إنذار أخير”، صحيفة واشنطن بوست، العدد الصادر بتاريخ السادس من أغسطس 2002، الصفحة 1.
Thomas E. RICKS, “Briefing Depicted Saudis as Enemies: Ultimatum Urged to Pentagon Board”, The Washington Post, August 6, 2002, p. 1.
طالع أيضا كتاب موراويك: الحرب التي ستحدث فيما بعد، آلبين ميشل، باريس، 2003.
MURAWIEC, La Guerre d’Après, Albin Michel, Paris, 2003.
فكتاب موراويك يتحامل على السعوديين بلهجة مُسْتعرة، لا يُضاهيها أسلوب أوريانا فالاسي Orianna Fallaci في التشهير بالمسلمين. فهو – على سبيل المثال – يكْتب أن السعوديين “أشبه ما يكونون بكومة مُكدّسة من البكتيريا” (الصفحة33)، وأنهم “سُلالة مُنْحطَّة من البشر تتناسل بكثرة كالأرانب”، وأنَّهم ” بَدْوٌ رُحَّلٌ أُمِّيُّون أجْلاف” الصفحة (263)، يعيشون “حياة بائسة ومعزولة في واحات تائهة في الكثبان الرملية” (الصفحة 175). وحينما تخفُّ النبرةُ الثأريَّةُ في أسلوب موراويك، تجده يَعِيبُ على المملكة العربية السعودية كونَها تستخدم أساليب التعدِّي على مجالات خارج حيِّزِها الترابي، وترفض مع ذلك أن تُعامَل بالمثل” الصفحة (176). (ومثل هذا الوصف ينطبق بجدارة على الولايات المتحدة).

([23]) سيتم بسط هذه الأفكار في خلاصة مؤلَّفَهِ المُعَنْوَنِ بـ”تخليص شبه الجزيرة العربية من آل سعود”.

([24]) جاك شيفر، العرض البياني – المُعَدُّ على شاشة عرض [ باستخدام برمجيات باور بوينت] – الذي زلزل البنتاغون”، الموقع الإلكتروني slate.com بتاريخ، السابع من أغسطس 2002.
Jack SHAFER, “The PowerPoint That Rocked the Pentagon”, slate.com, 7 août 2002.
([25]) آلكس آلكزيف،”نهايةُ حِلْفٍ”، مجلة ناشنال ريفيو، [الدوريات] ،54، 20، ، العدد الصادر بتاريخ 28 من أكتوبر 2002، الصفحات 38-42.
Alex ALEXlEV, “The End of an Alliance”, The National Review 54, 20, October 28, 2002, pp.38-42.
([26]) أوريانا فالاسي، السخط و الغرور، دار النشر بلون، باريس 2002، الصفحة 98.
Orianna FALLACI, La rage et l’orgueil, Plon, Paris, 2002, p. 98.
إن كتاب “فالاسي” يَطْفَحُ بالأخطاء حول تاريخ العرب، وتعاليم الإسلام، ناهيك عنْ الأخطاء المتعلقة بالحادي عشر من سبتمبر. فعلى الرغم من أنه تم نَشْرُ كتابها بعد مُضِيِّ أشهرٍ عديدة على الهجمات، ومع أن العناصر الأساسية المتعلقة بالوقائع كان قد تمَّ التثبُّتُ منها، كَتبتْ فالاسي، على سبيل المثال، بأنَّ منْ ضمن فريق الانتحاريين التسعة عشر، عراقيِّين وفلسطينيِّين وجزائريِّين وتونسيِّين (الصفحة 95 ).

([27]) موريس زافران، “[عملية] تشريح لكتاب حقير”، ماريان، 3-9 يونيو 2002، الصفحة 15.
Maurice SZAFRAN, “Anatomie d’un livre abject”, Marianne, 3-9 juin 2002, p. 15.
([28]) فالاسي، السخط والكبرياء ، الصفحة 42.
FALLACI, La rage et l’orgueil, p. 42.
فالمقال الأصلي، الذي نشرته صحيفة كورير دلاَّ سرا Corriere Della Sera الإيطالية، بتاريخ التاسع والعشرين من سبتمبر 2001، دافع عنه وزيرُ الثقافة الإيطالي جوليانو أورباني Giuliano Urbani.
وبعد ثلاث سنوات، نشرت فالاسي كتابا ثانيا مناوئا للإسلام عنوانه ” قوة المنطق” (ريزولي، 2004).
La Force de la Raison (Rizzoli, 2004).

([29]) جيوفاني سارتوري، عدم وضع قيود على الهجرة يجعل منها مصدر تهديد، صحيفة البايس، بتاريخ الثامن من إبريل، 2002.
Giovanni SARTORI, “La Immigración Sin Limites es Una Amenaza”, El Pais, 8 avril 2002.
([30]) مقابلة مع ديدي سنكال، ليرْ، بتاريخ سبتمبر 2001، الصفحات 28-36.
Entretien avec Didier Sénécal, Lire, septembre 2001, pp. 28-36.
([31]) تصريحات لوزير السياحة الإسرائيلي، بني ألون Beny Elon . طالع دانيل بن سيمون، “تم وضع ترتيبات شاملة”، صحيفة هآرتز، العدد الصادر بتاريخ الثامن من مايو2003.
Daniel BEN SIMON, “All Mapped Out”, Haaretz, May 8, 2003.
([32]) فيليب بروسارْ، “هؤلاء الشباب الذين يرفضون الأجنبي”، صحيفة لوموند، بتاريخ الثامن و العشرين من مايو 2002، الصفحة 15.
Philippe BROUSSARD, “Ces jeunes qui rejettent l’étranger”, Le Monde, 28 mai 2002, p. 15.
([33]) نعوم تشامسكي، 9-11، انيويورك: دار نشر (نيويورك سفن استوريز) [القِصص السَّبع] ،2001، الصفحة 27.
Noam CHOMSKY, 9-11, New York: Seven Stories Press, 2001, p. 27.
([34]) “الوجوه تَتَبَدَّى” ، صحيفة نيويورك تايمز، العدد الصادر بتاريخ السادس عشر من سبتمبر 2001، الصفحة 10، والصفحة 16.
“The Faces Emerge”, The New York Times, 16 September 2001, p.10.
([35]) جان ماري كولمباني، “الحقد والديمقراطية”، صحيفة لوموند، العدد الصادر بتاريخ السادس عشر من مارس 2004، الصفحات1 و16.
Jean-Marie COLOMBANI, “La haine et la démocratie”, Le Monde, 16 Mars 2004, pp. 1 et 16.
([36]) آلان سورال، إلى أيِّ مستوىً سنَنْزِلُ؟، دار النشر باكت، باريس، سنة 2002، الصفحة 253.
Alain SORAL, Jusqu’où va-t-on descendre ?, Pocket, Paris, 2002, p. 253.
([37]) جوزف ميلا، ” الهجمات كما يراها الإسلام “، منشورات أسبري، شهر أكتوبر 2001، الصفحة 65.
Joseph MAÏLA, “L’attentat vu par l’Islam”, Esprit, octobre 2001, p. 65.
([38]) إضافة من المترجم: استئناس حول التعبير (نشيد الإوز):
فطائر الإوز – حسب الأسطورة – عندما أحس بقرب وفاته، غَنَّى للمرة الأخيرة، بأداء رائع لم يقم بمثله منْ ذي قبْل. وهذا الإوز يطلق عليه أيضا اسم الإوز الأخرس. كما أن نشيد الإوز يطلق على أروع عمل يقوم به الشَّخص (الفنان، الكاتب) قبل وفاته.
([39]) مايكل سلز،”الكتاب المقدس ضدَّ القرآن: ليس من اللائق الاستخفاف بالأسفار”، صحيفة إنترناشنال تربيون، بتاريخ التاسع من أغسطس 2002، الصفحة 4.
Michael SELLS, “Bible vs. Koran: Scripture isn’t to be Taken Lightly”, The International Herald Tribune, August 9, 2002, p 4.
([40]) فالظواهري – في واقع الأمر – ابنُ أستاذٍ في علم الصيدلة، وأخو طبيبٍ أخصائي في أمراض الجلْد. فثلاثون (30) من بين أعضاء أسرته البالغة ستة وأربعين (46) فردا، ما بين دكاترة، صيادلة أو أخصائيين في الكيمياء. أما الأعضاء المتبقون فمن ضِمْنهم عضو في البرلمان وقاضٍ وسفير. أمّا عمُّ والده فتقلَّد منصب الإمام الأكبر للأزهر، تِلك الجامعة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى أكثر من ألف عام. وجدُّه من جهة الأم شغَلَ منصب رئيس جامعة القاهرة، و كان مؤسس ومدير جامعة الملك سعود بالرياض في المملكة العربية السعودية.
([41]) أناتول ليفن، “فخ مِنْ صُنعِ أيْدهم”، دورية لندن للمراجعة التقيمية للكتب الصادرة، 25، 9، العدد الصادر بتاريخ الثامن من مايو 2003.
Anatol LIEVEN, “A Trap of Their Own Making”, The London Review of Books, 25, 9, May 8, 2003.
([42]) يوسف صديق، “لم نَقُمْ – في واقع الأمر – بقراءة القرآن مُطْلَقاً”، مقابلة مع عاليا تابايي وفوزيا زواري، مجلة “جان أفريك لينتلِّجَانْ” 2170، 12-25 في شهر أغسطس 2002، الصفحة 90.
Youssef SEDDIK, “Nous n’avons jamais vraiment lu Le Coran”, entretien avec Alia Tabaï et Fawzia Zouari, Jeune Afrique L’intelligent 2170-2171, 12-25 août 2002, p. 90.
([43]) مثلما فعل يان بوروما و آفشا مارغاليت: النهج الغربي – الغرب في أعين أعدائه، منشوارت بنغوين، نيويورك، 2004.
Ian BURUMA & Avishai MARGALIT, Occidentalism – The West in the Eyes of Its Enemies, Penguin Press, New York, 2004.
وبدرجة أقلّ، نايله فاروقي: غربيان اثنان، دار النشر لارين، باريس، 2004.
Nayla FAROUKI, Les deux Occidents, Les Arènes, Paris, 2004.
([44]) طالع أدورد سعيد، الاستشراق – المفاهيم الغربية والشرق، روتلدج، 1978.
Edward W. SAID, Orientalism – Western Conceptions and the Orient, Routledge, 1978.
([45]) أمبرتو إيكو: “ما يتعلق بشأْن مرْتبة التفوق الغربي”، صحيفة لوموند، العدد الصادر بتاريخ العاشر من أكتوبر 2001، الصفحة 1.
Umberto Eco, « À Propos de la ‘Supériorité’ Occidentale », Le Monde, 10 Octobre 2001, p.1
([46]) تبعا لحسابات ديفد فيلد هاوس، كما أوردتها آنيا لومبا: الحقبة الاستعمارية/حقبة ما بعد الاستعمار، راوتلدج، لندن، 1998، الصفحة 13 بالترقيم الروماني.
David Fieldhouse, cité par Ania LOOMBA, Colonialism/Postcolonialism, Routledge, London, 1998, p. xiii.
([47]) هذا الموقف يَدْعمه فكتور ديفس هانسون: المجازر والثقافة- المعارك البارزة خلال صعود القوى الغربية، ودستون، أينكر بوكس، 2002.
Davis HANSON, Carnage and Culture – Landmark Battles in the Rise of Western Power, Woodston, Anchor Books, 2002.
([48]) آشي ممبي: من حقبة ما بعد فترة الاستعمار – دراسة تتناول بالمعالجة، المخيلة السياسية في إفريقيا المعاصرة، كاتالا، باريس، 2000، الصفحة 25.
Achille MBEMBE, De la postcolonie – Essai sur l’imagination politique dans l’Afrique contemporaine, Karthala, Paris, 2000, p. 25.
([49]) المرجع السابق (الصفحتان 21 و22).
([50] ) على سبيل المثال، مارك فيروا، الكتاب الأسود للاستعمار، روبرت لا فون، باريس 2001.
Par exemple, Marc FERRO, Le Livre noir du colonialisme, Robert Laffont, Paris, 2001.
([51]) إدوارد سعيد، “التاريخ المستحيل – لماذا لا يمكن تبسيط النماذج الإسلامية المتعددة”، هاربرز 305، 1826، يوليو 2002، الصفحات 69-74.
Edward SAID, “Impossible Histories- Why the Many Islams Cannot Be Simplified”, Harper’s 305, 1826, July 2002, pp. 69-74.
([52]) أسعد أبوخليل: بن لادن، الإسلام وحرب أمريكا الجديدة على الإرهاب”، ندوة مفتوحة، نيويورك، 2002، الصفحة25.
As’ad ABUKHALIL, Bin Laden, Islam and America’s New ‘War on Terrorism’, Open Media, New York, 2002, p. 25.
إن الأنماط الأدبية التي يتم التعبير من خلالها عن هذا النوع من الأفكار شائعة جدا، إذ أنها لا تزال تغذِّي الفكر السياسي الغربي. طالِعْ على سبيل المثال، بريس-جونز: الحلقة المغْلقة – توضيح كُنْهُ العرب و مَاهِيَّتُهُمْ، هاربر و روو، نيويورك، 1989.
David PRYCE-JONES, The Closed Circle – An Interpretation of the Arabs, Harper and Row, New York, 1989.
و رالف باتايي: الذهن العربي، شاكن، نيويورك، 1973.
Raphael PATAI, The Arab Mind, Schocken, New York, 1973.
بعد الحادي عشر من سبتمبر عَرَفَتْ هذه المدرسةُ بعضَ التجديد، وأصبحت أكثر راديكالية، حيث تبنَّتْ نبرة خطابية ذات طابع عنصري مكْشوف، ومناوئ لكل المسلمين. طالع، بالذات، أنتني جي دنيس: صعود الامبراطورية الإسلامية وتهديد الغرب، وايندال هول برس، ليما، أوهايو، 2001.
Anthony J. DENNIS, The Rise if the Islamic Empire and the Threat to the West, Wyndham Hall Press, Lima, Ohio, 2001.
رابرت سبنسر: كشف النقاب عن الإسلام: أسئلة مزعجة حول الديانة العالمية الأكثر انتشارا، “أنكاونتر بوك”، سان فرانسيسكو، 2002.
Robert SPENCER, Islam Unveiled: Disturbing Questions about The world’s Fastest Growing Faith, Encounter Books, San Francisco, 2002.

([53]) هنتغتون، الصدام، الصفحة 304.
HUNTINGTON, The Clash, p. 304.
طالع بهذا الخصوص، نيكولاس لمان: ” الإجماع الأمريكي الجديد: “حكومة الشعب الذي يَخْلُدُ للرَّاحة، التي يُديرُها من يَخْلد للراحة، لصالح من يَخْلد للراحة”، مجلة نيويورك تايمز ماغزين، العدد الصادر بتاريخ فاتح نوفمبر 1998، الصفحات، 37-42 و 68-72.
Nicholas LEMANN, “The New American Consensus: Government of, by and for the Comfortable”, The New York Times Magazine, November 1, 1998, pp. 37-42 et 68-72.
تشارلز ملمان و جان بيير لبرن: الرجل الذي يَفتقد الجدِّية – الاستمتاع بأي ثمن، دنويل، باريز، 2002.
Charles MELMAN et Jean-Pierre LEBRUN, L’Homme sans Gravité – Jouir à tout prix, Denoël, Paris, 2002.
كاترين فينسانت: “استبداد النَّزوة”، صحيفة لوموند، العدد الصادر بتاريخ الواحد والعشرين من مايو 2003، الصفحة 26.
Catherine VINCENT, “La Tyrannie du Plaisir”, Le Monde, 21 mai 2003, p. 26
و”هل الرفاه في الإفراط؟”، صحيفة لوموند، العدد الصادر بتاريخ الفاتح من أكتوبر 2003، الصفحة 27.
“Le Bien- être est-il dans l’Excès?”, Le monde, 1 Octobre, 2003, P. 27.
تنبيه من المترجم: إن صياغة “حكومة الشعب الذي يَخْلُدُ للراحة، التي يُديرها من يَخْلد للرَّاحة، لصالح من يخلد للراحة”، تم اقتباسها من تعبير “حكومة الشعب، المنتخبة من قبل الشعب، لخدمة الشعب”، الذي استخدمه الرئيس الأمريكي الرّاحل إبراهيم لنكولن Abraham Lincoln في خطاب ألقاه في مدينة غتيسبيرغ Gettysburg بولاية بنسلفانيا، وذلك بتاريخ التاسع عشر من نوفمبر1863، إثْر الهزيمة التي ألحقتها قوات الاتحاد الفيدرالي بقوات الكونفدرالية (خلال الحرب الأهلية الأمريكية).
“…that government of the people, by the people, for the people…..”

([54]) برتران بوارو دبلش، ” ثقافة الكراهية”، صحيفة لوموند، العدد الصادر بتاريخ السادس والعشرين من مارس2003، الصفحة 19.
Bertrand POIROT-DELPECH, “Culture de la Haine”, Le Monde, 26 mars 2003, p. 19.
([55]) فرونيك ناعوم-غراب: مِن حلم الانتقام إلى الحقد السياسي، بتشت، شاستل، باريز، 2003، الصفحة 29.
Véronique NAHOUM-GRAPPE, Du rêve de vengeance à la haine politique, Buchet/Chastel, Paris, 2003, p. 29.
و استفن أرلانجر:”باكس أمريكانا ([مرض] الجُدَري الأمريكي: جَعْلُ العالمِ آمناً، آهْ [تأوهٌ]، لأيِّ شيء”، صحيفة نيويورك تايمز، العدد الصادر بتاريخ الخامس عشر من مارس 1998، القسم الرابع، الصفحتان 1 و 4.
Steven ERLANGER, “Pox Americana: A World Made Safer for, Uh, Whatever”, The New York Times, Mars 15, 1998, section 4, pp. 1 & 4.
توضيح من المترجم: استخدم الكاتب تعبير “باكس أمريكانا” – ربما من باب السخرية والتهكم – للإشارة إلى الدور الرسمي للولايات المتحدة في تفشي “مرض الجدري” خلال الحرب الأهلية الأمريكية. والتعبير تَمَّتْ صياغته قياسا على “باكس أمريكانا” – وهو تعبير مُختلف، يرمز به إلى “فترة السِّلْمِ” التي سادتْ بعد الحرب الأهلية الأمريكية، وكذا الفترة التي عرفت هيمنة الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. واصطلاح “باكس أمريكانا” هو تعبير صيغ قياسا على “باكس رومانا” في عهد الهيمنة في ظل الإمبراطورية الرومانية، و “باكس بريتانيكا” خلال فترة الهيمنة الإبريطانية في القرن التاسع عشر. طالع:
Pax Romana (Pax Augusta) , Pax Britanica, Pax Americana
وهو يختلف عن التعبير الذي استخدمه الكاتب؛ “الجدري الأمريكي”:
“Pox Americana”
تنبيه من المترجم: إبدأ بنفسك قبل الآخرين…
Charité bien ordonnée…
مدلول هذه المقولة أنه يتعيّن على الشخص أن يتكفل بنفسه قبل التكفل بالآخرين. ويستخدم المثل
أيضا للردِّ على من يوجِّه النَّقدَ للْغير متجاهلا أو متناسيا نفسه.
لم يَاْتِ الكاتب بالنص الكامل للمًثل الفرنسي، الذي هو:
Charité bien ordonnée commence par soi-même.
ومؤدَّاهُ أنَّ على الشخص أنْ يشتغل بعيوبه قبل الاشتغال بعيوب الآخرين (طُوبَى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس).

([56]) وُورِنْ هوج: ” الضابط المحتَفَى به يخضع للتدقيق.
Warren HOGE, “Celebrated Officer Under Scrutiny”, The International Herald Tribune, 22 mai 2003, p. 1.
([57]) في مواجهة ردة الفعل العنيفة المعاديَّة للعرب من قبل مثقفي اليسار في فرنسا، جرى الحديث عن “النزوع إلى اليمينية ” لدى هؤلاء المفكرين الذين كانوا يتظاهرون بالتسامح والانفتاح الثقافي. طالع، في هذا الشأن، دانيل لندنبرغ: الدعوة إلى الانضباط – تحقيق حول الرَّجْعِيِّينَ الجُدُد، لسَيْ، باريس،2002.
Daniel LINDENBERG, Rappel à l’ordre – Enquête sur les nouveaux réactionnaires, Le Seuil, Paris, 2002.
([58]) صمويل هنتغتون، مقابلة مع دومينيك دومبر، “المجتمعات الأخرى تسعى للعصرنة، دون أنْ تتبنى حتْما النهج الغربي”، صحيفة لوموند، العدد الصادر بتاريخ الثامن عشر من نوفمبر 1997، الصفحة 18.
Samuel HUNTINGTON, entretien avec Dominique Dhombres, “Les autres civilisations veulent se moderniser, pas forcément s’occidentaliser”, Le Monde, 18 novembre 1997, p. 18.
([59]) أدونيس (علي أحمد سعيد)، الشعرية العربية، بيروت، 1985.
ADONIS (Ali Ahmed Saïd), Al Shi’riya al ‘Arabiya (La poétique arabe), Beyrouth, 1985.
([60]) سوفي بسيس: الغرب والآخرون – تاريخ أحد نماذج التفوق، لادكوفرت، باريس، 2001، الصفحة 7.
Sophie BESSIS, L’Occident et les Autres – Histoire d’une suprématie, La Découverte, Paris, 2001. p. 7.
([61]) المرجع نفسه المحال إليه سابقا، الصفحة 197.
([62]) المرجع نفسه المحال إليه في السابق، الصفحتان 10-11.
([63]) المرجع نفسه المحال إليه في السابق، الصفحة 37.
([64]) المرجع نفسه المحال إليه في السابق، الصفحة 54.
([65]) بسيس، الصفحة 69.
([66]) بسيس، الصفحتان 107 و237.
([67]) فكَوْنُ الغرب اعتمد على إمبراطورياته الاستعمارية ليحقق ثورته الصناعية، أمرٌ يعتبره أحد الاقتصاديين السويسريين بمثابة “الأسطورة”. طالع بول بيروك: خرافات ومفارقات التاريخ الاقتصادي، لاديكفورت، باريس، 1999.
Paul BAlROCH, Mythes et Paradoxes de l’Histoire Économique, La Découverte, Paris, 1999.
([68]) غسان سلامه، نداء الإمبراطورية، فيار، باريس، 1996، الصفحات 198-199.
Ghassan SALAME, Appels d’Empire, Fayard, Paris, 1996, pp. 96-97 et 198-199.
([69]) تلخِّص بسيس الشعور السائد في الغرب قائلة: ” المسلمون.. مصدر… خوف. في الماضى كانوا غُزاة، وقبل فترة كانوا محكومين، وهم اليوم منتقمون، فهم بالنسبة للغربيين الأجانب الأكثر أُلْفة، ومن اللازم أخذ الحيطة منهم، أكثر من غيرهم” (الصفحة 269).
توضيح من المترجم: Manifest Destiny
مفهوم “القدر المحتوم” هو اصطلاح وشعار في آن واحد، إِذْ تمَّ استخدامه في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر للتعبير عن العقيدة المتمثلة في أن الولايات المتحدة يلزمها، بل حتى أنها مفوضة تفويضا إلهيَّا، بالقيام بالتوسع عبر أمريكا الشمالية في الحدود الجغرافية الحالية للولايات المتحدة (من ساحل المحيط الأطلسي في الشرق، إلى ساحل المحيط الهادي في الغرب). بلْ إنه حتى بالنسبة لبعض التأويلات الأكثر شمولية ضمن “هذه العقيدة”، فإنها تضيف إلى ذلك وجوب ضمِّ كل أمريكا الشمالية بما في ذلك كندا، وكذلك المكسيك، وكوبا و أمريكا الوسطى.

([70])”September 11 was the ‘open sesame’ to the path of world empire”
– Norman Mailer
([71]) نورمان ميلر: “اكتساب امبراطورية، خسارة ديمقراطية؟”، محاضرة في معهد لوس انجلس للعلوم الإنسانية، بتاريخ الثاني والعشرين من فبراير 2003.
Norman MAILER, “Gaining an Empire, Losing Democracy?” discours devant le Los Angeles Institute for the Humanities, 22 février 2003.
طالع أيضا كفن بيكر،” نحن الآن في الجيش “، هاربرز ماغزين [مجلة هاربرز]. 307، أكتوبر 2003، الصفحات 35 – 46.
Kevin BAKER, “We’re in the Army Now”, Harper’s Magazine. 307, octobre 2003, pp. 35-46.

رأيان حول “قالوا عن كتاب الهجمة المضادة..ضروري القراءة والتمعن

  1. مقال هام واستنتاجات جيّدةومفيدة :”
    ويبقى أثمن ما في الكتاب أنه برهن على أن جذور الشر كامنة في السياسات الأميركية، لا في العقيدة الإسلامية، وفي أفعال الظالم المنهجية، لا في ردود أفعال المظلوم الفوضوية. فهل نتشجع جميعا -مسلمين وأميركيين- على تسمية جذور الشر بأسمائها كما فعل مؤلف الكتاب، أملا في اقتلاعها من طريقنا إلى العدل والحرية؟”

  2. هذا ليس مقالا، هذا كتاب رائع، ومن قرأه يعلم بأن باحيثنا في الوطن العربي لا يزالون لم يصلوا مبلغ الباحثين في الغرب، فلا تزال هناك أشواط بعيدة يجب قطعها حتى نصل مستواهم.
    شكر للموقع عل نقل هذه المعلومات الهامة عن هذا الكتاب الرائع

اترك رد