الجزء الأول من رواية: نادي العباقرة الأخيار (1-15)

وذكّر فإنّ الذكرىة تنفع المؤمنين:

الجزء الأول كاملا من رواية: نادي العباقرة الأخيار (من الفصل 1 إلى الفصل 15)

604004_10151754835162043_870917797_n

رواية:

نادي العباقرة الأخيار

كمال العيادي القيرواني ( الكينغ)

تصدر عن دار الكمال للنشر والتوزيع بالقاهرة
القاهرة – فبراير 2014

الفصل الأولّ

(الفصل1 – من31 فصل)

ما قبل سقوط القيروان:

مدخل إلى صلاح الدين بوجاه والمنضف الوهايبي ومحمد الغزي

أنتم الآن معي في رحلة زمنيّة ومكانيّة مثيرة, وها أنني أضعكم مباشرة عند مدخل القيروان, وبالتحديد حيّ المنصورة الجنوبي.. بعيدًا عن الأسوار القديمة… الآن أنتم, تقفون على مطبّ أرضي وسياسيى والطقس دافئ جدًّا, والهواء مكتوم, على غير عادته في مدينة القيروان عاصمة الأغالبة العجوز المحنّكة, المُلتحفة بملحفة -الحايك – الأسود كل الوقت, ولكنها كانت مكشوفة الشعر والرقبة والصدر اليوم, في هذه الوقت المتقدم من الشتاء… بالضبط, أنتم عند النقطة الزمانية والمكانية المتقاطعة مع قدر صباح يوم الإثنين, الرابع والعشرين من شهر فبراير 1986.

شاب قيروني نحيل, سيعرف بعد سنوات قليلة, أنّه يشبه شاعرًا روسيًّا كبيرًا من أصول حبشيّة اسمه ألكسندر بوشكين… وسيكتب كثيرًا عنه لاحقًا, حتى إنه سيصدر عنه باكورة أعماله. ولكنه الآن, وحتى ذاك اليوم من صبيحة الإثنين الرابع والعشرين من شهر فبراير سنة 1986 كما سبق وقلنا, كان يُلقّب بين أصدقائه من تلامذة السنة السابعة آداب, بمعهد المنصورة الجبّار, (أحد أكبر معاهد الجمهورية التونسية, وأكثرها إثارة للشغب. حيث إنّه, كان يبسط مدى جناحيه لأكثر من ثلاثة آلاف تلميذ من السنة الأولى ثانوي وحتى الباكالوريا يقيمون فيه ليلاً نهارًا, لأنهم من قرى بعيدة, من خارج حدود أسوار القيروان الصارمة.
والمبيت التلمذيّ يقع في الجزء الشّاسع الأيسر.

كان هذا الشاب الذي ترون الآن, يُلقّب, بالسَيّاب القيرواني, ذلك أنّ ملامحه فعلا تُشبه ملامح السيّاب (الشاعر العربي الفذ) قبل مرضه الأخير.. كان يُشبهه بشكل مذهل في ذلك الوقت من بداية الثمانينات. وحتى اليوم بعد ثلاثين سنة.

هذا هوّ الشاب السَيّابيّ البُوشكيني إذن سنة 86.
نعم.. هوّ نفسه ذلك الذي ترونه الآن عند حجر الكيلومتر رقم (138 كم), هذا الحجر الذي يشير للمسافة المُتبقيّة على مدينة صفاقس, جنوبًا….

أنظروا يمينًا, هل ترون؟..

هناك, عند ذاك هذا الحجر الذي يُشبه قوس شباك حجري, من الإسمنت المحدودب, ألا ترونه؟؟
…ذاك المطلي باللّون الأحمر والأبيض.
هاهوّ الشاب البوشكيني النحيل يضع فوق سطحه الأملس ما كان بين يديه من كتب مدرسية تافهة, أضخمها ذاك الكتاب, الأخضر, الذي ترون, هوّ كتاب التاريخ المُزيف المخصص لتلامذة السنة السابعة ثانوي, والكتاب الثاني الذي رأيتم أنه يضعه أيضا على حجر الرصيف, هوّ كتاب الفلسفة, إنه ذاك الكتاب الأصفر المائل للون البطاطس أكثر, وهو كما لاحظتم, كتاب ضخم أيضًا والحقّ يقال, ولا يقلّ ضخامة عن كتاب التاريخ الآخر.
وانتبهوا, هذا هوّ الجزء الأوّل فقط منه.
كوننا في الشهر الرابع فقط من الموسم الدراسي الأول…
وصديقنا البوشكيني, ليس حمارًا, ليحمل الجزءين, فالجزء الثاني من محاور الكتاب سيبدأ بعد ثلاثة أشهر كاملة من هذا اليوم الشتويّ.. حيث نتلصص عليه اليوم في أحد أيام عادية جدًّا من حياته الأرضيّة القيروانيّة السابقة.

المهم… تتابعون…؟؟!!

لقد انتهى للتوّ من ربط حذائه الرياضي كما ترون, وكما كنت أتوقّع. وأشعل سيجارة طبعًا, بين الوقوف وربط حذائه.
سيجارة لا أرى نوعها, لكنّها بالتأكيد من نوع (الكريستال) وهي أكثر ما كان يمكن له أن يتدبّره يومها…
فالسجائر الأجنبية في ذلك الوقت, مثل الروثمان, والكينت والكمال, والجيتان والمارلبورو, كانت أكثر من طاقته.
وبضعة سجائر منها, قد تعصف بكل مصروفه الاسبوعي الذي لا يتجاوز الألف وحمسمائة مليم ( 150 مليم). هوّ يُخصص ثلاثة أرباعها للساندويتشات الغواية, التي يشتريها يوميًّا من عربة (رزوقة) تلك العربة الخشبية المطليّة باللون الأزرق, وكان نصف الساندويتش بـ200 مليم والربع بـ100 مليم, وهو يا للمسكين, كان ريقه يبدأ بالسيلان, حتى قبل نهاية الحصة الأولى, وبعد الحصة الثانية التي تدوم أيضًا ساعة واحدة, كالأولى, تكون الساعة العاشرة, ويكون هناك راحة بربع ساعة, فتراه – يا قلبي عليه – يهبط السلالم عدوًا, ليكون من أوائل من يقفون بالطابور, مادّا (لرزوقة) صاحبها, المَرِح على الدّوام, بقطعة المائة مليم, ومرددًا نفس العبارة الوحيدة التي أستعملها معه (رُبُعْ.. يا رزوقة)
ويأخذ (رزوقة) ربع الرغيف الصغير جدًّا, كقشرة برتقالة, ويغمس ملعقة الهريسة المحللة في الماء ويطلي بها باطن ربع الرغيف بسرعة لا تصدق, ثم بإصبعين يتناول فُتَاةَ التونة أو مهروس السردين المُنقّع في زيت الزيتون, عند أوقات الذروة حين تنتهي التونة.. خاصة وأن أكثر من خمسمائة تلميذ وأكثر, يهبّون عليه معًا وفي الوقت نفسه…
ولديهم جميعا ربع ساعة فقط, وليس هناك غير عربتين, عربته هوّ الزرقاء, وعربة محمّد, (لا أحد يعرف له لقبًا أو اسم شهرة), صاحب تلك العربة المقابلة الخضراء.. و(محمد) جاء قبل (رزوقة), ومنذ بداية سنة 1981, في حين التحق به (رزوقة) كمنافس, دون حتى مجرّد الإهتمام بضرورة أن يشهر نظرات الشرّ, أو يتقنّع (يُمسكي كما نقول) بقناع وجه التحدّى, تحدي الفحول كما يليق, بذكر ابن ذكر, ومن عائلة أغلبها جزارين وسارق بهائم في قرية العلا. وهو يستوطن حيّزًا مسكونًا, وكان أول ظهور له في ساحة المعهد الجبّارو سنة 1985 فقط, لذلك (فمحمد) كان دائمًا متجهّمًا, وهي يقضى الوقت الفارغ كلّه في رمي رزرقة بظرات مسمومة, كان يمكن لمهندس عبقري أن يحولها إلى مصدر لا ينضب لطاقة.. وخلال رحلتي الطويلة اللاحقة في الحياة, لم يحدث وأنني صادفت ولا رأيت, لا في الأفلام ولا في الواقع, نظرات قاتلة مثل تلك التي كان يثبّتها محمد صاحب العربة الخضراء على (رزوقة) المرح كلّ الوقت, مثل بقرة هولندية حلوب, لا مُبالية, (ووالله كان وجهه مُكتنزًا فعلاً ويقطر حليبًا ودمًا أيامها, مثل بقرة مسّها الله بالرحمة والصفاء في أرض الشُقر الذين يُقدرون البقر المعطاء حقّ قدره) والحقيقة, كان هناك شيء غريب أيضًا. فعربة رزوقة كانت دائمًا لا تكاد تُرى من كثرة التلامذة المحيطين بها, في حين أنك لن ترى سوى ثلاثة أو أربعة على أقصى تقدير أمام عربة محمد. وهما طبعًا لا يبيعان طوال الوقت. فقط من الساعة العاشرة إلاّ ربع, وحتى العاشرة, موعد حصة الراحة الأولى.. وعند منتصف النهار وحتى الساعة الواحدة والنصف عند راحة منتصف النهار أو الفسحة الكبرى كما كنّا نسميها, والفترة الثالثة والأخيرة هي أيضًا ربع ساعة فقط, تمتد ما بين الرابعة إلا ربع, والرابعة بعد الظهر, وما عدا ذلك, ففترات فراغ, يستغله رزروقة في شقّ ثلاث جبال من أقراص الخبز الرقيق.. أرباع.. وأنصاف.. وجبل أصغر يرمي فيه أقراص الخبز الصغيرة كاملة, ولكن مشقوقة.

فهو وإن كان يُعتبر من بين المحظوظين جدًّا, بالمُقارنة مع أولاد حومة عليّ باي, حيث يسكن, والتي تبدأ من ذلك الممرّ غير المبلّط الذي رأيتموه يخرج منه منذ قليل, كما لاحظتم, ولكن سيجارة مارلبرور بمائة فرنك (مليم), كان يمكن أن يشتري بها خمسة سجائر كريستال.. وأنا نبّهتكم منذ البداية, ومنذ دعوتكم لهذه الرّحلة, أنّه شاب غير عاديّ.. ولا تهمّه المظاهر, ولا شيء يغريه, غير قميص أزرق يدخل فيه.. وغير علبة سجائر كاملة…

هوّ الآن يتجه صوب معهد المنصورة (اللّيسيه كما يسمونه في ذلك الوقت) ولم يبق له إلا أن يقطع المسافة المقتطعة حديثًا من أرض المعهد الشاسعة, والتي حوّلوها إلى مصنع أمريكي – تونسي للتبغ والوقيد.. ولاحظوا أنّ هذه الرحلة مبرمجة بالثانية, وليس فيها حشو، ولو ذكر فيها اسم – مِسمار – كما قال تشيخوف, فثقوا بأنّ البطل سيُشنق على هذا المسمار بالذات.. وتحديدًا…

طيّب لنعد لموضوعنا الرئيس ورحلتنا, ولا تقاطعونني بحقّ السماء.. فأنا أرى كلّ شيء.. وأراكم واحدًا واحدًا ومسؤول أمام الله عنكم وعلى خروجكم, كما دخلتم, سالمين من القيروان. القيروان التي لا يُمكن أن تخرج منها من نفس الباب الذي دخلتها منه.

أين وصلنا…؟

طيّب, فهمت… سجائر الكريستال وشيء من هذا القبيل…

أنا لم أكن أريد أن أركز على نوع السجائر أيضًا… فهل تتصورون أنه عندي وقت؟ إطلاقًا.. لكن نوع السجائر مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصنع التبغ والوقيد, وهو عنصر رئيس في صلب حياة هذا الشاب البوشكيني, وهذا المصنع, الذي بدأ يشتغل رسميًا منذ ثلاث سنوات فقط, أي في سنة 1983 والذي اقتطع 22 هكتارًا, من مساحة معهد المنصورة, سيغيّر وجه وتاريخ القيروان وعبادها وأخلاقها وعاداتها وتقاليدها وأسرارها وتركيبتها المعقدة وللأبد, كمصنع تونسي أمريكي تم الإعلان عن إنشائه منذ مساء الثاني من شهر ماي 1981, أي قبل خمس سنوات من تاريخنا اليوم في هذه الرحلة القصيرة, وفتحت أبوابه بعدها بسنتين.. سنتان ستغيران تاريخ القيروان, جرائم وكوارث رهيبة وقعت بسبب هذا المصنع قبل فتحه, وأثناء بدأ تسجيل أسماء وقوائم العمال المحتملين.. آلاف مؤلفة, كانت ترابط عند بوابة الولاية وأرباب الشغل يوميًّا من أجل تسجيل أسمائها, أو أسماء قريب تنخره الغربة ويريدون له الموت والحياة في بلاده.. في القيروان.. ومنذ أعلن عنه, في شاشات التلفزين والراديو وكلّ وسائل الإعلام الممكنة, بداية من معلقات الإشهار, ووصولاً لرسم صورة بالفحم له, في شكل مربع كبير يخرج منه دُخانٌ وتحته جملة (معملّ الدّخان, سيُحيي رئة القيروان) ومنذ أكدوا رسميًّا, في خطب متكررة, بداية من إجتماعات على أعلى مستوى, يُشرف عيلها الوالي, إلى حدّ إجتماعات أحياء صغيرة غير مرسومة على الخرائط الرسمية آنذاك, يقوم بتنظيمها رؤساء الشعب الدستورية, الذين لا يفرقون بين لون علم البلاد, ولون دخان السجائر, ولون الوطن, مادام بورقيبه شخصيًّا قد صرّح عبر وزراء مختارين بأن مصنع التبغ والوقيد, إنجاز عظيم, وهدية منه للقيروان التي تستحقّ.. ومن كان يستطيع أن يُكذب بورقيبة؟ خاصة بعد الإعلان, بأن وزارة المالية نفسها ستتولى رئاسة مجلسه والإشراف عليه, برأس مال تافه بالنسبة للدنيا آنذاك, (فقط خمسة وعشرين مليون دولار, ومضاف لها 86 مليوم دينار تونسي ونصف, كرقم مخصص للمعاملات الداخلية وللإحتياط)..
آه هوّ رقم تافه في البورصة الآن مثلاً.

لكن أيامها لم نكن نعرف إلا بورصة نيويورك والبورصة في الأفلام والأخبار, وفي كتب الجغرافيا التي علينا حفط دين أمها صمّ, فقط….

ثمّ أن هذا الرقم الذي ترونه قليلاً وغير مهم بالمقارنة مع شركات تعرفونها وقرأتم عنها في زمنكم المتأخر هذا, بعد الثورة ومحمد البوعزيزي الذي سيحرق نفسه بعد ربع قرن من تاريخ اليوم الذي أنتم فيه معي في هذه الرحلة.
هذا الرقم.. كان بالنسبة لمدينة مثل مدينة القيروان, المحرومة منذ ما قبل الإستعمار من أي مشروع صناعي أو ثقافي أو إجتماعي يُذكر, يُعتبر مبلغ خيالي جدًّا…
خيالي ومبالغ فيه, مخصص لمدينة مثل القيروان بالذات, هذه المدينة التي كان بورقيبه يخاف منها وكان يريد لها أن تبقى للسياحة الدينية, مرّة في السنة.

حتى إن بقية البلدان التي تحجّ إليها في موسم المولد النبويّ الشريف فقط, كانوا لا ينسون وهم يعودون في شاحنات يابانية تلمع, وسيارات لا بأس بها, ومحملّين بعلب الحلويات والمقروض القيرواني الشهير خصوصًا, كانوا يودّعون القيروان قائلين (مدينة خراء.. كأنها في عهد الرسول.. لا ديسكو, لا مونابري لا مغازات للتبضع لا مسارح لا بارات لا شراب, لا دين أمهم.. قِرَاوَى متخلفين على الحضارة, بهايم…)

وهم يقولون بصراحة أكثر من ذلك.. ونحن أبناء القيروان, نتعمّد أن لا نسمع, أو نكتمها بيننا, ونبتلعها, لأنه من غير زوار ليلة المولد.. فالقيروان حقّا خراء.. لذلك نسكت حين نسمع.

أما قولهم أنه لاتوجد بارات في القيروان في ذلك الوقت, فكنّا نضحك ونتندر على بهامتم…لأنه صحيح لم يكن هناك إلا بارًا واحدًا صغيرًا, اسمه بار (المِحشي), ولكن مَن في مقدوره من شيوخ القيروان وكبارها, أن يناقشني الآن ويحلّ فمه ويقول لم يكن هناك خمور في القيروان في تلك الفترة؟؟!!!….
ههههه.. سأموت عليه, من الضحك…
تقريبًا كلّ بيت يبيع الخمر…
بااااستا.
قفلّ على الموضوع.. ماهوش مشكلتنا الآن…

مشكلتنا مع معمل التبغ والوقيد…
يا دين السما.. أعتذر…

مشكلتنا مع المولد النبوي الشريف…

يا ربي.. كلّ هذه كلّها مواضيع فرعية…
مُشكلتنا مع هذا الشاب البوشكيني الذي كانوا يسمونه بالسيّاب القيرواني.
وهو الآن كما ترون, يلقي بعقب السيجارة لأنه تجاوز حائط مصنع التبغ والوقيد الخراء.. وسيدخل من البوابة الحديدية السوداء لمعهد المنصورة الجبار.. وسيفتح له الآن عمّك الحبيب.

عمّك الحبيب الكلب (حاشاه, أقسم بالله كان أرجل الرّجال) لكن يقولون عنه فقط أنه قوّاد لمحمد غربال. مدير المعهد الصفاقسي الأصل.
وسموا لي واحد فقط من القيمين أو الأساتذة غير المُتربصين, لم يكن قوادًا يومها.. وأنا أمشي معكم في الخط.. وأقول مثلكم: عمك الحبيب كلب، وقواد.

وأزيد عليكم والله. فكيس الشتائم عندي مليئة ولكن الحقّ حقّ.

عمّك الحبيب, له كشك صغير في فم البوابة, وقبل ثلاثة أشهر فقط كان الحال هادئًا ولم يكن هناك من سبب وجيه لإغلاق البوابة الحديدية الضخمة.. وزنها وحده أكثر من أربع أطنان, كان يقول لنا وهو ينفخ أوداجه ليبصق ما في فمه من لفّة النفه (النشوق) الجزائري المعطّر بطيب التفاح أو الياسمين.. تفووه على الخراء.. لماذا الإضرابات يا أولاد المنيوكه؟؟ اممهه؟؟؟

علاش!! كنت لا بأس عليّ.. نرّوح ونرجع مرتين وثلاثة مرات.. الدار قريبة ونيكلها صحن كسكسي معتبر…
لا تسمع منه لا مبتدأ ولا خبر مثل هذا الخراء إلّلي تدرسوا فيه النهار الكلّ ونايكلي ببوشة أذني.. تفوووه عليكم يا حثالة.. كلّ يوم إضرابات؟؟؟؟!!!
ولازمني نقفل الباب المرزبه, بعد كلّ واحد منكم.. وإللى يجي متأخر على خاطر زبور أمو ناكلها نوم.. وقعد يفسّ.. ولازمني, طبعًا أنا نحلّ لدين والديه الكلب؟؟!!…
هكّه قال ربي؟؟!!!
هكّه قال ربي يا ولاد الكلب؟؟!!!
روحو كان تنيكو يا ملاقيط يا همل يا خمج.. تفوووه..

كان يصرخ فينا, خاصة نحن الذين نحبه ونسعى دائمًا إلى إستفزازه, حتى يشتمنا ونموت بالضحك على طريقته في البصق علينا وشتائمه الشنيعة…
نحن نموت عليه ونحبه…
ومن لا سجائر لديه منا فعمّك الحبيب هوّ المخزن…
يعطينا 3 سجائر كريستال بمائة مليم, والسبعة بمائتين… والعشرة بمائتين وخميسن مليم (فرنك) فقط… وأغلبنا يسدد ديونه بعد ثلاثة أشهر وأكثر, بعد عطل المواسم الأربعة, حين يتدبّرنفسه ويشتغل مع أحد أقاربه في بناء بيت جديد للجيران الجدد…
كانت كلّ الأحياء تغلي بالبناء.. وللجميع فرصة…

عمّك الحبيب كما ترون لا يرّد.. هل يعقل أن تنتهي بنا الرحلة معكم اليوم عند البوابة الحديدية؟؟….
لننتظر قليلاً.. كلّ محاولة منكم للصراخ وتنبيه القيمين هناك في الداخل, قد تؤدي إلى طرد عمّك الحبيب.. وقد تتدخّلون بذلك في تاريخ القيروان كلّه.. وقد تكونون بذلك, مجرمين أكثر حتى ممَن خطط لإنشاء مصنع التبغ والوقيد بحي المنصورة, ومن المهندس الذي وافق على اقتطاع مساحة 22 فدان من أرض المعهد الثانوي الجبّار بالمنصورة (اللّيسيه) وخصاه من يومها وللأبد…
فكرّوا جيدًّا…
لا تتسرعوا…
ومن عيل صبره فالباب يفوّت جملاً….

سنحكي عن أشياء خطيرة جدًّا.. وعن الروائي صلاح الدين بوجاه.. وعن الشاعر المنصف الوهايبي والشاعر محمد الغزي.. ولا تقاطعونني.. أعرف أن اسمهم الآن
د. صلاح الدين بوجاه
د. المنصف الوهايبي
د. محمد الغزي …….وووووووو…
أعرف.
ولكن أنتم المتسرعون.

في صبيحة ذلك اليوم الموافق ليوم الإثنين, من الرابع والعشرين من شهر فبراير 1986. كانوا الثلاثة داخل أسوار المعهد, وكان المنصف الوهايبي أشهرهم. وهو الذي درّس قبل سنوات قليلة صلاح الدين بوجاه نفسه, أي والله هو أستاذه, وهل كان يمكن لأحد أن يمرق من معطف المنصف الوهايبي؟ كان صلاح الدين بوجاه أيامها, ذلك الأستاذ الشاب المهذب المتوهج, (ولد البلاد) ولم يكن قد مضى على عودة المنصف الوهايبي أيامها, من ليبيا التي رجع منها بسيارة بيجو قديمة, وما يكفي لوضع الأساس لبيته في طريق حفوز, إلا مدة قليلة.. وكان علمًا ومعروفًا جدًّا بين التلامذة والأساتذة على السواء والذين كان أغلبهم تلامذة بدورهم قبل سنوات قليلة, فلم يكن يدخل القيروان في ذلك الوقت ولا يرغب فيها أحد.. الجميع يفضل المدن الساحلية حيث البنات والشراب, وغرفة مضمونة لمصيف الأقارب والعائلة صيفًا, حين يتضاعف سعر كراء الغرف إلى العشرة والعشرين ضعف عنه في الشتاء.. ومحمد الغزي بالطبع كان علمًا أيضًا. لأنهما كان مثل الحسن والحُسين.. لا يتحركان إلا معًا.. ويكتبان معًا. ولم يكن لهما غير مجموعة صغيرة جدًّا وفي نفس الحجم لكّل منهما.. مجموعة المنصف الوهايبي أصدرها عن دار سيريس للنشر والتوزيع قبل أربع سنوات من هذا اليوم وبالتحديد في خريف 1982.. وأما محمد الغزي فقد كان قد أصدر طبعًا مجموعته في نفس الشهر أيضًا عن دار ديمتير خريف 1982 بالطبع…
لا وأزيدكم علمًا, أنه لم يكن إرتباط في التواريخ والمقهى حيث يجلسان معًا دائمًا ولا حتى في طريقة تدريسهما لسنوات الخامسة والسابعة آداب (لا أدري لماذا كان يختاران أيضًا تقاسم فصول السنوات الخامسة والسابعة آداب تحديدًا), قلتُ ففضلاً عن ذلك, فهما ويا للعجب العُجاب, (كنتُ أتساءل أيامها) يبدآن معًا كلّ في مجموعته بقصيد وكأنه نفس القصيد مشروخ ومتفخذ مجموعتين لشاعرين كلّ يعود مساء إلى بيته.. وكلا القصيدين طبعًا على بحر الكامل (نكاية في الشاعر القيرواني الآخر, الأكبر سنًا, وثقلاً, أيامها, الدكتور جعفر ماجد, الذي أنهى بناء بيته في سرّة المنصورة منذ زمااااااااان….ونكاية في شاعر أقل قيمة, ولكنّه نظَّام لا يُستهان به, وهو المرحوم محمد مزهود, الذي كان يتقاسم معهم بدون خبث ولا مكر أقسام وفصول حصص اللّغة العربية لقسم الآداب لتلامذة المعهد الجبّار.. معهد المنصورة (الليسيه) هذ الذي يقف الشاب البوشكيني الآن عند بوابته الحديد الضخمة المغلقة.

كان صلاح بوجاه في الثلاثين بالضبط من عمره, وهو أستاذ تعليم ثانوي مبتدئ, أيامها, ولم يكن له غير عمل واحد منشور وهو رواية مدونة الإعترافات والأسرار التي نشرها قبل سبعة أشهر فقط من تاريخ اليوم وبالتحديد في شهرأغسطس 1985, وهي روايته الوحيدة آنذاك (قبل أن تظهر لاحقًا جدًّا أعماله الأخرى الفاتنة مثل:
رواية “التاج والخنجر والجسد” التي ستصدر بالقاهرة سنة 1992 ورواية “النخاس” التي ستصدر بتونس سنة 1995، وسيقدم لها الصديق اللاحق الرائع مصطفى عبد الله, بورقة فاتنة بعد ظهورها، ورواية “السيرك” التي ستصدر ببيروت 1998، و رواية “سهل الغرباء” التي ستصدر بتونس أيضًا سنة 1999 ثم سيُعاد طبعها بالقاهرة سنة ألفين، ورواية “لا شيء يحدث الان” بتونس والتي ستظهر بالقاهرة سنة 2002. وكتبه النقدية وورقاته كلها, وأجملها, “وجوه ــ بورتريهات ــ و حمام الزغبار” وكتاب عن الرواية والأسطورة في الرواية الواقعية الذي سيصدر ببيروت بعد تاريخ اليوم بأربع سنوات أي سنة 1990.
وكتاب الجوهر العرض في الرواية الواقعية الذي سيصدر ببيروت بعد تاريخ اليوم بستة سنوات أي سنة 1992, وكتابه عن المقالة الروائية الذي سيخرج في بيروت بعد تاريخ اليوم بثماني سنوات أي سنة 1994.

وآخر كتبه التي وصلتني عن طريق الصديق الأقرب لي (لاحقًا) المنصف المزغني بالبريد إلى عنواني بميونيخ, ويومها, سألني موظف البريد الخمسيني وطلب مني أن أشرح له عمّا يحكي فلخصلت كلامي في جملتين وقلت له: كتاب نقدي متين لمبدع نقي من غيلان أساتذتي (الأخيار وليس الأشرار) وعنوانه: كيف أثبت هذا الكلام؟.
وأضفت أنه صدر منذ ثلاثة أيتام, وهو هام جدًّا بالنسبة لي, لأنني أكتب رسالة طويلة عن تاريخ وتواريخ الإبداع والمبدعين في بلدي.. وأنني هذه السنة 2004, وصلت فقط للفصل الثامن والعشرين منها.. وأن هذا الأستاذ الذي علّمني اسمه صلاح الدين بوجاه.. وهو يبدأ مغمورًا وكبيرًا في صدري وينتهي معمورًا وأكبر في صدري النحيل دائمًا…
وكدت أخطا في الزمن, فأخبره أنه, هوّ نفسه الواقف أمامي يومها, هوّ بعينه وأرنبة أذنه الضخمة المرتخية, هوّ عينه موظف البريد الألماني الغبي الغلبان, موجود في الصفحة التاسعة والسبعين بعد الألف من رسالتي، بل كنت سأتهوّر وأكمل له بأن صلاح الدين بوجاه, فتح اليوم حسابًا في الفيسبوك (بتاريخ 23 أغسطس 2013), وأنني أردت فقط أن أرحب به بعجالة, وأن أقود أحبتي الذين ذبحتهم اليوم معي في رحلة إلى البدايات الأولى البكر.. حيث كان صلاح الدين بوجاه يتلعثم في الكلام خارج الفصل وحين يدخله, كان النبي الكليم.. وفي القسم الذي إلى جواره, والقسم الذي يليه, شاعر اسمه المنصف الوهايبي, والآخر اسمه محمد الغزي, ولم يكن لا هذا ولا ذاك دكتورًا أيامها.. وكان لا يميّزهم غير طريقتهم المُختلفة جدًّا في مخورة أنفهما, حين كانا يتفخذان (كلّ في فصله), طاولة, (كلّ وطاولته), ويكتبان على السبورة: نص صفحة 142, مثلا أو صفحة 67 رجاء.. اقرؤوه جيدًا في صمت وكل يكتب ماذا يفهم, ثم ينغمسان في إعداد ردّ مشترك (وكلّ في ناحية) يتفصّد بلاغة, لذبح شاعر شاب أرعن قدم العاصمة من سيدي بوزيد, أشعث أغبر.. واسمه محمد الصغيّر أولاد أحمد.. أو للردّ على معلّم لغة عربية اسمه المنصف المزغني (كما كانا يظنان) جاء من صفاقس التي لا تُنجب الشعراء, ودرّس في مدرسة ابتدائي..

أففففففف… في مدينة متخلفة اسمها جندوبة, ويبحثان (كلّ على حدة) في الصحيفة الوحيدة المعتمدة, وخاصة ملحق الصباح الأدبي والعمل, عن قرد من اليسار أو كلب من اليمين, يتجرأ فقط, ويكتب حرفًا واحدًا عن جماعة القيروان…
ولم تكن جماعة والله…
كانا إثنان فقط…
أما جعفر ماجد فقد كان تونسيًا أكثر من شعراء العاصمة أنفسهم. وهو خارجًا عنهما وعنهم.

وأما صلاح الدين بوجاه, فقد كان منشغلاً بنا نحن التلاميذ يبحث عن بوادر وعلامات في بريق لسان أو عيني تلميذ ألمَعيّ بيننا يورثه السرّ والمحبة.
وفي الوقت الضائع, كان يتنهّد وهو يُعدّ بخربشات سريعة على الورق لمشروعه اللاحق العظيم…
أما أنا…
القيرواني النحيل,
فقد كنت ذاك الولد البوشكيني النحيل الذي يُشبه السيّاب, وسيُشبه بوشكين…

كدت أن أرمي بياضى مرّة واحدة وأحدّث موظف البريد بكّل ذلك وبالتفصيل, وكنّا كما ذكرت لكم في شهر أبريل من سنة 2004, و…لكن الحمد لله. تداركت الأمر, وانتبهت من سكري بدون الخمر، وقلت له متلعثما:
ــ سيدي موظف البريد.. لا شيء.. لاشيء.. كانت ترجمة خاطئة للألمانية: ليس هناك شيء اسمه فيسبوك.. (ولم يكن ليفهمني على كلّ حال, فأنا أقف أمام خشبته وطوابع أدمغته البريدية ولونه الأصفر سنة 2004 حين لم يكن أحد يعرف ماذا يعني فيسبوك أو فيسأمك….

لا تتلاعبوا بالزمن.. هذه لعبتي.. تابعوا فقط.. وإن شئتم حين تعودون من الرحلة هذه, فراجعوا أي معلومة, وإن تبين لكم خطأ ولو هباءة من معلومة تافهة, فطالبوا بحقكم فيما أضعت من عمركم, ثبت الله حقّكم وأنتم تقرؤون الآن.. وتنسون أنكم جزء من الرّحلة.. يا للعجب.

الفصل الثاني

(2- من31)

لا تهمتوّا أيّها الأحبّة, بهذا الخيط الرفيع من الدّم الدّاكن الذي ينزف الآن من فتحة أنفي الأيسر, وأنا أبدأ فجرًا, وكالعادة, مع السّاعة الخامسة صباحًا بالضبط, في الكتابة, قرب, الهرم الأكبر. بمنطقة الجيزة.

فأنا أسكن تحديدًا, عند تقاطع ثلاثة خطوط: شارع فيصل – شارع الهرم – ومخرج بُطين المريوطية التي كانت في القديم, وقبل آلاف السنوات, آخر إستراحة للمهندسين, لكي يُكملوا رسم خرائط مسار حجارة طوب الجرانيت الضخمة وتحديد مرقدها الأبدي, بدقّة مرسومة على أوراق البردي, لتصل ببطء السلاحف الأسطورية حيث المثلثّ الأعلى للهرم الأكبر, والذي استمرّ بناؤه أيضًا ثلاثين عامًا.

وأعرف يقينًا أنكم ستظنون ببداهة, أنه من المفترض أن يكون هناك هرم آخر قبله, لم يُكتشف بعد لوالد خوفو العظيم, وهو الفرعون (سنفرو) الجبّار. ولكن سيخيب للأسف ظنكم. فهذا هو السبب الذي من أجله جئت مصر. فضلاً عن رسالتي هذه, وعلى كل حال, لولا والد خوفو الأكبر, لكنتُ ربما وجدت مكانًا آخر أنهي فيه رسالتي. خاصة أن إصراري منذ كان لي من العمر خمسة عشر سنة وبضعة أشهر على إنهاء رسالتي عند سفح الهرم الأكبر, كان قد بدأ يفتر قليلاً, سنة 1990 وتحديدًا قبل بدايتها بأيام, حتى إنني ذات مرّة أردت أن أترك الأمر كلّه, وأركز على مستقبلي, بل إنني كنت قد قررت ليلتها ليلة رأس السنة هذه, أن أكتب رسالة لأستاذي السابق, المنصف الوهايبي وأحسم معه الأمر كلّه, وأوضح له ما حدث, رغم أنني علي يقين أنه يذكره بذاكرة الصبّار العجيبة التي لديه, ويُحكى عنها كما يُحكى عن الأساطير. فكرت ليلتها أن اكتب له فقرة واحدة وأرتاح.. فقرة من الجمر.. تحرقني منذ سبع سنوات.. أيامها وفي تلك السنة.. فقرة قاتلة.. حاسمة.. واضحة.. وكنتُ سأختار لها عبارات كالجمر.. نعم.. الجمر.. كهذا الجمر الذي في قلبي وصدري وطحالي ورئتي وأطراف لساني وذاكرتي ووجداني منذ سبع سنوات.

كنت سأكتبُ له:

(مُعلّمي المنصف الوهايبي.
ترجّل عن قلبي من فضلك..
يكفيك.
أنتَ الآن لست مُعلّمي.
لأنك أصلاً لست مُعلّمًا عظيمًا.
وانا لا أقبل أن يكون مُعلمي عاديًا….
وأنتَ أخطأت في حق تلميذ عبقري.
والمعلمون الكبار لا ينبغي أن يُخطؤوا في حقّ تلامذتهم العباقرة.
ذلك أنّ المسألة خطيرة جدًا, وما ينبغي لهم أن يتقدموا في الحياة بلقب مُعلمين كبار, إلا ليراعوا مشاعر وأحاسيس تلامذتهم العباقرة المُرهفة.
ويحافظوا على شعلة الربّ وسرّه فيهم.
وأنت يا أستاذي لم تكن معلّمًا جيّدًا…
رغم انّك شاعر جيّد.
ولكن لا يعنيني الآن أنك شاعر جيّد.
المسألة تتعلقّ بمهمتك لا بقدرتك.
وأنت فشلت في مهمتك فشلاً ذريعًا.
بل أنت تسببت في ضياع مستقبلي للأبد.. للأبد.)

ورغم أنني كنت على يقين تام, بأنه يعرفني ويذكرني جيدًا جيدًا, رغم سنواتي الخمسة عشر أيام كنت تلميذًا بفصله, رغم ذلك, فقد كنت على إستعداد أن أتواضع أكثر وأمشي له بإمضاء مميز. مثلاً كالتالي:

(التلميذ كمال العيادي, المُرسّم للأسف خطأ وظلمًا, بفصلك الذي كنت تتولى تدريس حصة اللغة العربية فيه, للسنة الرابعة ثانوي آداب A, لسنة 1983, بالمعهد المنصورة بالقيروان, المسمى بالجبَّار قبل خصيه سيدي.. مع فائق إحتراماتي لك ولشخصك في كلٍّ عدا ذلك. شعرًا ونزاهة وتواضعًا خارج وداخل المعهد. المذكور أعلاه.)

وأذكر أنني بدأت فعلاً في كتابة الرسالة هذه, والتي كانت ستختصر لي ثلاثة وعشرين سنة كاملة من حياتي اللاحقة.. والتي امتدت حدّ اليوم.. في هذه اللّحظة التي أكتب له فيها كالمحموم.. وبدون انقطاع, وأذكر أنّ عبارة واحدة لم تُعجبتي فنمت, وأنا محموم بعد أن تجرّعت زجاجة ساماجون كاملة, وهي فودكا محليّة الصنع, يقطّرونها من البطاطا, لونها مائل للبنفسجي الفاتح جدًّا…وهي تصرع فورًا.

ولم أكتب الرسالة. ونمت قتيلاً. فحدثت المصيبة. أو المُعجزة.

الأقدار هيّ التي غيرت مسار هذه الرسالة وحياتي للأبد, بلقائي الغريب بهذا الفرعون الغريب, (سنفرو) والد (خوفو العظيم).
في تلك الليلة الليلاء, وزجاجة الساماجون على صدري فارغة….
إلتقيتُ به والله…
ولم أكن أعرف إطلاقًا.. ولا سمعت به…
كنت أسمع وقرأت عن ابنه, خوفو الأعظم, لكن هوّ.. أبدًا.. ولا رأيت اسمه قبلها في كتاب ولا ورد ذكره أمامي.. ولا تنسوا أمرًا مهمًا هنا.. أنني أتمتع بذاكرة تفوق ذاكرة المنصف الوهايبي العجيبة…

بل إنّ ذاكرتي فذّة وفوق أرضية. فمثلاً, يمكنني أن أردد لك أسماء جدودي حتي الجد الخمسين. بعد أن تعبت في جمعهم خلال رحلة بحث دامت سنوات, لا أكاد أخرج فيها من المكتبة العتيقة بالقيروان, ببروطة, وهذا في عطلة الصيف, حيث نصف أصدقائي في سوسة, يسبحون ويمرحون. ونصفهم في حضائر البناء يدخّرون ويكنزون.. وأنا فأر المجلدات كما كان يُسميني عمّك الحاج سالم الصادقي, أمين المكتبة الذي كان يقاسمني يوميًّا مرق زوجته وطبيخها المذهل.
كان يقول لي يا بُني:
ــ إمشي حرّك رجليك وارجع…
فأجيبه وأنا غاطس في المجلّد الذي بين يدي:
- أبحث عن نسبي يا حاج.. نسبي كالنمل, يتحرّك…

لقد وصلتُ إلى خطّ الصعيد والعيايدة, وجيش عقبة الذي سحبهم وسحبني معهم منذ سنة 49 للهجرة, إلى هذه المدينة التي لا تفهم فيها شيئًا…
هذه المدينة الغامضة كشجرة رمّان مليئة ببرغوث الشجر في الليل البهيم….
هذه القيروان يا حاج.. آه من هذه القيروان الظالمة.

وكان الحاج يضحك, ويُجيبني عادة:
- الله لا يفكّر بيك وليدي…
دبّر راسك.. إهلك عينيك على الصّغر. والله حرام عليك. يوم القيامة تُخرج عينيك قدامك وتبكى تبكي وتمخط في أنفها وتقول لربي: ها العجل الفرخ, دمّرني في عزّ شبابي…

وكنتُ أجيبه وأنا أسعل من الضحك, والدّخان الرديء:

- قسمًا بالله أنتَ أروع من صموائيل بيكيت ويوجين يونيسكو وسلفادور دالي كلهم في صحفة واحدة يا حاج….
هوّ ثمّة عين عندها أنف؟؟؟

وكان يُجيبني وهو يبتسم إبتسامة أعشقها قائلاً:

- بهايم.. الفرانسيس الكلّ بهايم.

أقول وقد نسيتُ أجدادي بين دفتي المجلدات تمامًا:

- يا حاج, حرام عليك, صموائيل بيكيت من أيرلندا, من دبلن, ويونسكو من رومانيا وسلفادور دالي اسباني.. من أين لك بحكاية الفرانسيس هذه؟

فيُجيبني جادًّا كلّ الجدّ قائلاً وهو يسفّ النشوق:

- إي آش بيه.. مرحبًا بيهم. أما الكلّ كيف كيف. فرانسيس وبهايم….

حينها أكون قد شرقت بالضحك.. والله عنده حقّ عمي سالم.. كلّهم فرانسيس…
حتى أنّ يوجين يونسكو بعدها بمدّة تجنّس وأخذ الجنسيّة الفرنسيّة فعلاً…
وصموائيل بيكيت وسلفادور دالي ماتوا كفّار رغم أنهّم ماهمش فرنسيس…

ياااااااه….عمّك الحاج

مات سنة 1993.
صدمته شاحنة غبية مليئة بالخرفان يقودها فلاح تافه, في طريق فسقية الاغالبة, وبين مؤوى العجّز ومقام الولي أبو زمعة البلوي. صاحب رسول الله وحلاّق, تبيّن أنّ السائق وهو من قرية العلا, كان سكرانًا ومتوجهًا لسوق البهايم خلف مقام سيدي الصحبي, (ابو زمعة البلوي).
عجنه عجنًا وهرب…

وفصل رأسه عن جسده التي بقيت عالقة بجانبي العجلة الخلفية…
محمد العسكري ابن حي ولاد زايد الحماص, رآه, وكان هناك مصادفة…

حكى لي في جلسة شرب في بيت أحد أساتذة التاريخ والجغرافيا من الأصدقاء الذين لا يهتزون لشيء من كثرة ما قرؤوا من مصائب في كتب التاريخ…

حكي لي ولم يتمالك نفسه وتقيأ في حجر (عبد العزيز), أستاذ التاريخ والجغرافيا, الذي تقيأ بدورة لمنظر القيئ في حجره وعلى صحن المرق.
وأنا ضحكت.. ضحكت.. ضحكت, لأنني كنت متاكدًا أنهما تقيآ فقط, بسبب الخمر الرديئ.. فمحمد العسكري أبوه هو الهادي الشعبوني, غسّال الموتى منذ عرفت الدنيا.. وكان يساعده في تغسيل الموتى قبل أن يفتح لنفسه حانوت حمّاص يبيع بذور قتل الوقت, من بذور عباد الشمس والقرع وحتى البطيخ المجفف. وأعرف أنه لا يعاف.
وعبد العزيز أستاذ تاريخ وجغرافيا, وشيوعي فوق ذلك.. ولا يؤثر فيه شيء.

أما أنا فقد ضحكت ثم أجهشت بالبُكاء كالثكلى.. وأغمي عليَّ يومها, بسبب السّكر الذي بالغت فيه, وبسبب الخمر الرديئ الذي يبدو وأنه مغشوش.. وبسبب أنني تذكرت حكاية الفرنسيس في تلك اللحظة بالذات, تلك اللحظة التي من المفترض فيها, أن اتخيّل راسه مفصولاً ومحصورًا بين جانبي عجلة شاحنة غبيّة يقودها فلاح سكّران مثلنا، تفووووه عليك يا قيروان.
يا بلد الخمر المغشوش وأساتذة التاريخ والجغرافيا.

ليلتها لم أنم وكتبت رسالة إلى المنصف الوهايبي أحملّه فيها مسؤولية ترك الشاحنات تخترق وسط السوق وداخل البلد, رغم أنه يعرف أنّ ذلك ممنوع منعًا باتًا.
حتى إنّه في عهد الصحابة أنفسهم كان يمنع مرور البغال والحمير قرب مقام صاحب رسول الله.

وحمّلته فيها مسؤولية بيع الخمر المغشوش في القيروان. وهو يعرف أن ذلك ليس فقط حرام. وإنما بشع.

وحمّلته مسؤولية أنّ أغلب طلبته اختاروا أن يكونوا أساتذة تاريخ وجغرافيا. وتفرقوا بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار والوسط.. وأنهم يدرّسون تلامذتهم بنفس الطريقة التي يدرّس بها هوّ تلامذته وهو يمخور انفه المُدبب, ويقرأ الجرائد الأسبوعية والملاحق الثقافية والأدبية بحثًا عن ابن قحبة واحد, يتجرأ ويكتب كلمة واحدة في جماعة القيروان.
وكتبت له بحدّة, مُذكرًا إياه أنّ جماعة القيروان وهمٌ.

وأنّه لا يوجد شيء في الدّنيا اسمه جماعة القيروان.
ببساطة. لأنه هوّ جماعة القيروان.. هوّ فقط. لا غير.
نقطة وارجع للسطر.
وأنّ محمد الغزي شاعر ما دام معه. وماداما يكتبان نفس القصيدة على نفس البحر بنفس الروح ونفس القافية ونفس الخرا…
وأنه عيب.
وانه هوّ المُبدع الشرير العبقري الوحيد الذي أمامي.. وهو غريمي الأوحد.

وأنّ صلاح الدين بوجاه كذلك لا ينتمي لجماعة القيروان هذه. فهو معلّم حقيقيّ. والمعلّم لا يمكن أنّ يكون مبدعًا عبقريًّا, لأن دوره أولاً أن يثعلّم ويربيّ النشأ.

ولأنه ببساطة آلة إنتاج للروايات والكتب المحكمة التي لا تجد فيها خطأ واحدًا, والمبدع الشرير لا ينبغي له أن يبدع أكثر من سبعة كتب.. كلّها تمارين لكتابه الأوحد.. وأن صلاح الدين بوجاه ليس شريرًا.. والمبدع الكبير الكبير لا بدّ وأن يكون شريرًا بالضرورة. كونه يتحدى ربيّ في غابة اللّغة.. معقل الله المنيع. وكونه يسعى إلى الكتاب.. بالألف واللام.. كتابه. قبل أن يُحشر بين ملايين الملايين يوم الحساب, وكلّهم يحمل كتابه. وهذا كفر. وهذا شرّ.
وهذا تحدّ لفرادة الله. لأنّ الله هوّ صاحب ومؤلف ومعدّ ومرشد ومنجز الكتاب.

وكتبتُ له: بأنّ لقب المبدع الأوحد خرا.. وهو لا يغريني, رغم أنني عبقري أكثر منه. وأنه في إمكاني أن أعيد تذكّر ما درّسنا في السنة الرابعة ثانوي سنة 1981, من قواعد العروض الزبالة, ويمكنني لو أعطاني ثلاثة سنوات فقط. أن أجعله يضحك من السُليك بن السُليكة وأبى تمامه الذي سلخ من أجله عشرة سنوات لإعداد رسالة دكتوراه الدّولة.. ليثبت أنّ أبا تمام شاعر.

وكنتُ أريد أن أضيف, بأن القضية قبضة ريح…
فلا محمد مزهود شاعر شرير…
ولا جعفر ماجد شاعر شرير…
ولا صلاح الدين بوجاه شاعر شرير
ولا حسونة المصباحي كاتب شرير…
ولا حاتم النقاطي شاعر شرير…
ولا محمد الغزي شاعر شرير…
ولا جميلة الماجري شاعرة شريرة…
ولا جماعة الخلان والإخوان ومَن تقدّم ومَن تأخرّ منذ الحصري زابن رشيق وحتى لمية بلحاج شعراء أشرار…

وأنه هوّ الوحيد الشاعر الشريّر.

وأنّه غريمي الأوحد منذ ذبح عقبة بن نافع أولّ عجل إحتفاء بولادة مدينة…

وانّ كلّ العقارب والأفاعي التي أخرجها من غابة القيروان الشريرة السوداء, حين دعا ربّه دعاءه الشهير قائلاً: (اللهم املأها علمًا وفقهًا، وأعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزًا لدينك وذلاً لمَن كفر بك، وأعز بها الإسلام…)

إنما كانت مؤامرة ضد روح القيروان الأرض. ذلك أنه بدعائه هذا ضمن لنفسه وجودًا دائمًا وإقامة مريحة للمسلمين المُستسلمين… وأنه ضمن لك مطيعين.. وأنه عيب.. فحتى الدعوة بملئها بالعلم, فهو أول مَن يعرف, أي علم يعني…علم الترديد والحفظ وتدريب الذاكرة الحديد, التي وهبني الله إياها معه فقط.. لا غير. بدون تمارين ولا عنعنات ولا خراء….

وأنه عيييب.. ويكفي تضليلاً وتكسير عظام.

لأنه يعرف أنّ العقارب والأفاعي كما البلابل والفراشات, لا فرق بينهما في غابة اللّغة, وهم ينامون جميعًا بين دفتي قاموس غبيّ يمكن أن يكون نارًا ويمكن أن يكون طين.. وأنه لا يوجد قاموس شخصيّ للّغة في غابة القيروان وأطرافها إلا مجازًا للعامّة يختلقون حول مجازهم الأساطير, وأنه لم يكن له أن يوجد, حقيقة, ويظهر للعيان, إلا عند أحد الندّين المُتقابلين: (ومن هنا تبدأ المعضلة, قاموس, كتاب فقط.. لا غير. وإمّا بيمين هذا أو بيمين ذاك) واحد من إثنين لا ثالث لهما:

أحدهما أنتَ, يا دكتور يا منصف الوهايبي.. يا مَن قضى تسعة أشهر يُعلّمنا كيف نترجم للفرنيسة جملة (لا شيء يوحي بأن هذا الخريف سيكون أجمل من الفصل الذي يليه..)

والثاني اسمه كمال العيادي القيرواني. سافر والده إلى جندوبة صيف 1967، وحمل إليها معه زوجة فاضلة حامل في شهرها السابع, لتلده هناك, في الحادي عشر من يونيو لتلك السنة, ثم ليعود به مجرجرًا زوجته النافس الحديثة الولادة. مع قماطة, ستكبر القماطة وبها غيظ.. وسؤال: لماذا؟

لماذا لم تلد في القيروان, تلك المرأة الفاضلة…؟؟؟
ولماذا جرجرها معه ثلاثمائة كيلومتر وتزيد, من أجل أن يعود بعد شهرين ونصف, ودماء جرح الرّحم لم تجفّ بعد؟؟؟

والبويضة التي تتطلّع للنجم, تجمّعت بأنثاها تحت سماء وقوس خط شهاب القيروان.

وأنه لم يعلّمني جيدًا بسبب ذلك.
وبسبب ذلك فقط.

وأنه لا دخل لي في الأمر. لأنه هو نفسه ليس من القيروان. بل من قرية بعيدة اسمها حفوز. وكان يمكن أن تكون تابعة لمدينة أخرى أقرب حدودًا مثلاً، وأنّ القيروان أكذوبة.

لأنّ القيروان التي يرونها مجرد ّ طين وطوب وحكايات معطوبة…، بينما القيروان روح شريرة… وأنه يعرف أننا, أنا وهوّ فقط نتقاسمها. مثل نصفي حبّة فول متجمّعة في قشرة واحدة.. وأنّ أي سوسة تثقب في لحمة النصف, ستصل النصف الآخر لا محالة…

أردت أن أكتب أكثر من ذلك.

لكنني نمت.

سكرانًا كنت مِن غير خمر نِمتُ.

وفي الصباح, حين صحوت.. فكّرتُ وقدّرت.. وقلتُ لا…

كان ذلك اليوم مصادفة يوافق عيد ميلادك.. أيها المولود في النصف الثاني من أمكر أشهر التكوين الأول للخلق, أيها المولود في شهر ديسمبر المتقلب بين سنتين.

أردت أن أواجهكَ لأوَّل مرّة وبشراسة وأرتاح.

لكنني قُلتُ في نفسي. فلأصبر عشر سنوات أخرى.
كان يومها قد مرّ على الحادثة التي تسببت في تشريدي في الأرض وغضبتي عشر سنوات بالضبط.
عشر سنوات من حياة شاب, لم يتجازو يومها السادسة والعشرين من عمره. وعاشها وكأنها ثلاثة آلاف من السنين…

يومها, استغفرتُ ربيّ.. وقرأت سورة مريم التي أحبّها وتُلهمني
وقرأت سورة الطوفان التي تُلهمني أيضًا وتهدأ بمائها غضبي.

كتبتُ لك هذه الرسالة.
هذه الرسالة التي وصلتك في يومها بالبريد السريع وقلت لم تصلني.. وأقسم بالله أنك قراتها. وأنكَ فهمتها وتحسست بتوجس وريبة أوّل عروق الزغب الأسود في لغتي وعباراتي…
كان الجميع يقرأها وهو يتلمظ سكّرها في جريدة الصباح, حيث نُشرت.

وكنت أعرف أنّك الوحيد الذي شرب عليها نصف زجاجة ويسكي كاملة.. ذلك الويسكي الرديئ.

هل نسيت؟؟ أذكرك إذن بعد مرور عشرين سنة كاملة عليها.. عشرون سنة بالتمام والكمال.
واليوم لم يعد من سبب للتراجع
لقد أوفيتُ وعدي، وكتبتُ لكَ رسالتي هذه التي أتمّ آخر فصولها.. بعد ثلاثين سنة.

هل تذكر تلك الرسالة المُلغّمة الأولى؟

لقد كتبت لك بلا بسملة:

أستاذي وصديقي: الشاعر منصف الوهايبي.
كان ينبغي أن أتمم هذه الرسالة منذ يوم السبت31 ديسمبر 1983…!

وبما أن الأرقام صارمة ولا تقبل التأويل، فإنّي أعتذر لك علنًا.

هي عشر سنوات، وهذا زمن.
ولكن ذاكرتك الفذة المبخرة بعروق الصبار لن تعدم إمكانية للربط.
ثمة أمر آخر.
أنني في ذلك اليوم من تلك السنة، حين كنت تلميذًا مشوش الذهن والروح، وكنت أنتَ أستاذًا لحصة اللغة العربية التي كان علي متابعتها، كان من الصعب عليَّ التخلص من الشعور بأنني معرض لسوء الفهم. ولكنني كنت على كل حال قد بدأت في كتابة الرسالة، وكان الأمر يتعلق بتهنئتك بعيد ميلادك.

عشر سنوات مرت من حياتك، سمعت خلالها بأنك أتممت بناء منزلك، على بعد سبعين ذراعًا من مقبرة الجناح الأخضر جنوب القيروان. وأنا فخور بذلك، فمن بنى منزلاً بالقيروان، فتحت له كوة في الجنة. وليكتف الزائرون القادمون منكَ، بأنكَ تركت لهم كوة تطل على قيروان يُبعث أمواتها كلما نودوا، وهي ثابتة – كخنفس مشدود إلى دبوس – لا تموت أبدًا، ولا تحيا أبدًا.

بالمناسبة، لقد حدث وأنني زرت بيت – بولجاكوف – مؤلف رواية “المعلم ومارجريتا” و”قلب كلب” بشارع أوستروفسكي بموسكو، كان ذلك سنة 1989. إنه مبنى من طابقين, نزعوا عنه كل الأبواب، وأطر النوافذ وأخذوا منه كل السجاد والأثاث. واختاروا له طلاء أسود. لقد جعلوا منه مغارة سوداء، يتجمع فيها ما تسوقه الريح من فتات الثلج وأوراق شجر النواقيس.
ولكنهم مقابل ذلك فتحوه للزوار، تاركين لهم الحق في اقتناء أصابع من الطباشير بسعر خيالي لخربشة أسمائهم على الجدران الداكنة.

أنا لم أكتب اسمي على الجدران. ولم أقتن طباشير، اقتناعًا مني بأنه لا يجوز لطالب مقيم بموسكو أن يشتري إصبع طباشير بثلاثين روبل. ولكنني يا سيدي أخذت معي كل الجدران و المدرج. وقلعت الخشب دون أن أفسد نقوشه. ولقد أحببت – بولجاكوف – بعدها وأسكنته بيته ثانية بعد أن أعدت طلاءه من جديد.

هي عشر سنوات، مضت الآن،
قرأت لك فيها بعض الشذرات من هنا و هناك.
ومن حسن حظي أنني قرأتها في حضرة زمن، لم تعد فيه أنتَ نفس أستاذ حصّة اللغة العربية التي كان عليَّ حضورها، كما أنّني لم أعد منبهرًا بطلاسم القيروان، وأحاجي الزوايا.

قرأتها في زمن، كنت مضطرًا فيه لرسم دائرة بقلم الرصاص لأحدّد لصديقاتي المفتونات بالشمس، موقع البلاد.. بلادي التي يلفها البحر من جهتين والصحراء من جهتين.

قرأت قصائدك بموسكو يا سيدي، وأعدتها ببودابيست، وحفظتها بألمانيا.
واقتنعت بأنّكَ لم تزرع كل ذلك النخيل إلا من أجل إحراق جذوعه فيما بعد.

لونك بني يا سيدي، وثمارك قطافها الخريف…
فهل كنت اتخذتني تابعًا أشي بكَ عند الخلفاء والسّلاطين؟

أشد على يديك…
وأنتَ تصبر عن سذاجة الآلهة الجديدة التي لم ترث عن أجدادها العظام سوى الرغبة في الإيذاء.

أشد على يديك…
وأنتَ تفتح باب التوبة للعبارة المارقة، وتعيدها جارية للجلاس….
أشد على يديك…
وأنتَ تنهض بغضبة الأعراب لزجر السحاب عن مزارع العظام شمال المقبرة القديمة.
وأنت تصر بأسنانك لطرد الفراش الملون الذي يسوقه الضوء إلى أقبية البيوت العتيقة.

عشر سنوات مضت الآن، وما زلت أنتَ تقيس المسافة الفاصلة ما بين السور الشرقي وجنوب المقبرة.

عشر سنوات, وأنت منهمك بعزم غريب في مهمتك، لا تقف إلا للحظة عابرة لتعلن بإشارة عميقة، وأنت تهز حاجبيك، بأن للقيروان روحًا عنيدة، تتكاثر كل ما قلت، وتتسع كل ما ضاقت.

هل تؤمن حقًا بالأرواح العابثة يا سيدي؟

وهل تؤمن حقًا بأن حدود القيروان نبوءة، وبأن مساحتها أوسع من الجغرافيا الحديثة…؟

عشر سنوات مضت يا سيدي، و إذ كان أنّني لم أهنئك بعيد ميلادك قبل عشر سنوات، فإنّني سأفعل الآن.

لقد جبت العالم خلال تلك الأعوام. شاركت بتشييع جنازة لعجوز لا أعرفه بجنوب إيطاليا. وارتدت مقهى تدخن فيه الصبايا القوقازيات الغليون بموسكو. عرفت حانات لا تبيع الخمر إلا للغرباء. وأخرى تقد م عصير الساماجون ممزوجًا بالفودكا لتخفف من وطأة الكآبة التي تصاحب ليالي أوكرايينيا عند أواخر شهر الحزن- ديسمبر- شهرك يا سيّدي.

سبحت يا سيدي بملابسي في بحر البلطيق. ورميت بفتات الخبز لطيور النورس ببودابست. نمت بمحطة القطارات ببرلين، وقاسمني الغجر خبزهم بالقوقاز…

وانتهيت يا سيدي إلى غرفة بنافذة واحدة بميونخ. ميونيخ الرمادية اللون.

عشر سنوات مضت يا سيدي، لم يحدث خلالها أن سمعت نباح كلب، ولم تفاجئني عنزة، ولم تخفني بقرة هائمة في غبش الفجر.

العالم ضيق يا سيدي، وربما كان من الأفضل إعادة توزيع المدن بشكل لائق.

عشر سنوات، كنت مشغولاً عنك وعن القيروان.
جربت أن أقيس حدود الأرض بخطواتي، ولكنّني لم أخط شبرًا واحدًا. والذنب ليس ذنبي يا سيدي فالمدن متشابهة. البخار المتصاعد من نهر الفولجا غربًا، هو نفسه ضباب نهر مجردة جنوبًا. نهود الصبايا المحصورة بمبنى البابوشكا بموسكو هي نفسها خواض الحناء بضريح سيدي بوفندار.

إنه نزق التكوين يا سيدي.
ألم تر أنّ العبارة تتكور كالصلصال حينًا وتلين حينًا آخر كالماء…؟

إنه نزق الأسماء يا سيدي.
أولم تقل أنتَ بأن أبانا آدم تعلم أن يسمي الأشياء ولم تستو أسماؤها بعد…؟؟

العالم ثابت منذ البداية، وأصله واحد.

وإذا كان أنني بعد عشرين سنة قادمة، لا أقف عند مدخل القيروان الشرقي لأتابع انشغالك بقيس الأمتار الزائدة، التي امتدت حديثًا ما بين سور القيروان الغربي، وضريح الإمام سحنون المتفق عليه، فلا تنقطع عن واجبك المقدس. سأنتهز فرصة أخرى وأغافل جسدي يومًا قبل موعده الموقوت، ثم أعود عشبة تزهو بعروقها الضاربة في رحم القيروان.

سأفشي عندها، للزوار الذين يرتادون الأماكن مر ة واحدة، أسرار أقبية القيروان، وأحكي لهم عن الودع الموشى بأعواد الخيزران.

سأشير بمكر نحوك ياسيّدي، فيندهش الزوار.

السنوات متشابهات، كما الأماكن يا سيدي.

وليكن أن هذا العام أطول من غيره.

فنحن سنعد أيامه على أصابعنا… وسنغش في العد كلما سار بعيدًا.

فواصل عملك أنتَ. لا تهتم بنا. إننا مثل طيور الأحاجي يا سيدي…

تطير باتجاه الغرب، لتحل بالشرق من جديد.

عامك سعيد إذن. وكل عام والقيروان بخير.

(كمال العيادي – تلميذك بالسنة الرابعة ثانوي قسم آداب, بمعهد المنصورة لسنة 1983)

وأنا, كمال العيادي القيرواني, البوشكيني النحيل, لم أختر هذا الهرم بالذات, من بين ثمانية أهرام مشهورة, ومائة وثمانية أهرامات أقلّ شهرة, لإكمال رسالتي منذ ثلاثين سنة, لم يكن إلا لسبب واحد, أنه كان, ومازال لحسن حظي, يمثّل المعجزة الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا السبع التي نسمع عنها فقط ولم نرها.

ولم تكن تعنيني من أخبار هذا الهرم – القبر, عظمة البناء, حين قررت أن يكون مركز آخر سطر أخطّه في هذه الرسالة, قبل إرساله أخيرًا لصاحبها الذي حمّلني دون أن يدري وزر إضاعة حياة كاملة, لشاب عبقري, ألبسُ جثته وأجرجرها معي بلا رحمة ولا شفقة, ولا دمعة واحدة, وأنا الأرقّ, من خدّ وردة، ولكن ما كان يعنيني هوّ ما كُنتُ قد قرأت عنه أيّامها بلغة فرنسية مهتزة, وركيكة, في كُتيّب قديم صغير, سنة 1983, وكان لي من العمر حينها خمسة عشر سنة وبضعة أشهر قليلة, هوّ بالذات معجزة تخطيطه الداخلي المحكم، المثير للإعجاب. فقد قرأت يومها, وأنا على السطح, في تلك الظهرية القيروانية الخانقة, من الحكايات عنه ما جعلني أرتعش من اللذّة والوجد. وكان هذا الكتاب, وأظّن. أنه أخطر كتاب قرأته في حياتي. قبل قراءة رواية المُعلّم ومارجريتا, للكاتب الرّوسيى العبقري الفذ, ميخائيل أفانيسيفتس بولجاكوف التي نُشرت لأوّل مرّة بعد موته بثلاثين سنة بالضبط وتحديدًا في منتصف شهر مارس من سنة 1970, في حين أنّ كاتبها العبقري العظيم, كان توفي رسميًا, وأطفأت شعلة الروح في جسده الأرضيّ, فجر يوم الأحد, للعاشر من مارس 1940.

(ألاحظ أنّكم بدأتم تلاحظون غرابة هذا الرقم 30 الذي تدور في فلكه الرواية, دائمًا هناك رقم ثلاثين.. هل لاحظتم؟!!!)

لا أريد أن أسبقكم بالاحداث ممّا قد يُشوّش عليكم, لذلك فلنكمل خطوة خطوة.

أنا شخصيًّا عندي من الصبر ما يفوق طاقة البشر والله. وستعرفون ذلك وستتأكدون منه حتى قبل نهاية هذه الرسالة, التي دامت ثلاثين سنة كاملة ولن تنقص إلا عشر ثوان فقط. تقديرًا للملك العظيم. خوفو ابن (سنفرو) الجبَّار, أوّل فرعون بدأ مشروع جمع جناحي ورافدي النيل الأزرق الأبيض معًا, في صدر حكم وحاكم ومعبد وتاج وخزانة واحدة.

وسأعود إليه بعد قليل, لأنه في نظري أهمّ وأخطر فرعون على الإطلاق.. رغم أن لا أحد يؤكد ذلك علميًّا, وبالبرهان, وسأفعل, لكنني الأن, بصدد التخاطر والتقاطع مع ابنه الفرعون: خوفو مشيد الهرم الأكبر الذي يقابلني الآن.. وقد شيّده في ثلاثين سنة بالتام والكمال, ثلاثين سنة لاحظوا, (بدات أتيقّن أنكم أدركتم أنّ كلّ شيء في هذه الرواية محسوب بالحرف والكلمة.. ولا حشو فيها ولو ظهر للمتسرعين في الأولّ) …إذن ثلاثون سنة, وهي تمامًا المدّة التي اخترتُ أن تستغرقها رسالتي.. وسأنقص من مدّة كتابة رسالتي عشر ثوان فقط, تقديرًا, وتواضعًا, وإجلالاً, للملك خوفو العظيم, ويا ما أكثر فضائله ومزاياه عليَّ وعلى البشرية وفجر حضارة الأرض كلّها.
لهذا سبقتكم بالحديث. وصرّحت بتسرّع ربّما, وهذا أقرّ به, ولن أحذفه, بأنّ رسالتي دامت ثلاثين سنة إلا عشر ثوان. وستنتهي كما قلت, قبل الثواني العشر, من هذه السنة البسيطة.

أقول بسيطة, وأنا أعني ما أقول, وليست سنة كبيسة, لأنّ السّنة الكبيسة, تكون كذلك, عندما تجمّع من أيامها 366 يوم وحين يُتمّ شهر فبراير فيها, 29 يوم, وهي تأتي فقط كل أربع سنوات, وكما تعلمون, فقط كان آخر يوم في شهر فبراير لهذه السنة 2013, هو يوم الثلاثاء. وكان فقط 28 يوم. فهي إذن, سنتي البسيطة.

وسأكون كذابًا, ومُبالغًا, لو قُلتُ لكم أنني كنتُ أعرف أنها سنة بسيطة, حين بدأت في كتابة الرّسالة, ليلة رأس السنة الميلادية, لسنة 1983 بسطح بيتنا غير المُكتمل أيّامها, بحومة عليّ باي, الملاصق للمنصورة, حيث المعهد الثانوي, (اللّيسيه). الذي كنّا نُسمّيه أيّامها – الجبَّار- والذي انحسر اليوم إلى مساحة تافهة, بعد أن إقتطعوا منه 22 فدان لمصنع التبغ والوقيد, كما ذكرنا سابقًا, ومساحة ثمانية فدادين, لبناء مساكن, كان مقّررًا لها في البداية أن تكون مساكنًا للموظفين وكبار العمّال. ثمّ لم يكفهم ذلك, فشرخوا الجزء المتبقى منه, في أبشع عملية إيذاء وخصي, عرفها المعمار البشري, وقسّموه بجرّة مشرط إلى معهدين. معهد عقبة. ومعهد ابن الجزّار. ويا لحزن عقبة المَخصيّ, ويا للوعة ابن الجزّار المقحم في حكاية ظلم بشعة, ليكون باسمه شاهدًا عليها ومتورّطًا للأبد فيها بدون وجه حقّ. وكلّ معهد منهما, لا تتجاوز مساحته الفعلية بعد الشفط والسلخ غير ثلاثة فدادين ونصف الفدّان.

وفي هذا الجزء اليسار ممّا تبقى من المعهد, وهو الذي ستجدونه مدوّن عليه بلافتة سخيفة, تشير إلى تاريخه الجديد, بعد التقسيم, وأنّ اسمه: معهد عقبة بن نافع بالقيروان.

وعند هذا الجزء الصغير, من المساحة الشاسعة سابقًا, بدأت الحكاية. حكاية الرّسالة العجيبة هذه والتي سلخت ثلاثين سنة من عمري, في كتابة شبه يوميّة, أهرّبها عن العيون ما استطعتُ. بدأت ورقًا, على أوراق سميكة, هي في الأصل أوراق لفّ للسكرّ والصابون, مما يُستعمل إلى الآن في محلّات العُطارة القديمة في الأحياء الشعبيّة, ووصلت اليوم عبر تطوّر لم أحسب حسابه, ولا كان يخطر لي على بال, وصلت إلى رقنها مباشرة على موقع الفيسبوك والرسائل الإلكترونية ورسائل الآس آم آس(sms), والتغريدات التويترية. والحقيقة, وحتى أكون دقيقًا, فأنا لديَّ حساب في تويتر, منذ بدأ, ولم يكن حينها معروفًا في البُلدان العربيّة, وبحكم طبيعة عملي في ألمانيا أيامها, فقد كان يجب عليَّ أن أنشئ حسابًا باسمي مدفوعًا طبعًا من إدراة المركّب الدولي لشارلز هوتيل الشهير, وذلك للتواصل بيننا, وخاصة وأنني راوغتُ كثيرًا قبلها, في إنشاء حساب على التويتر في أول شهر بدأ ينتشر فيه في ألمانيا, وكنت شبه مجبر عليه, قانونيًّا حسب عقد توظيفي نفسه, حيث كنتُ أتولى مهمّة المدير العام المركزي للعملة, بشركة آر بي ها (RBH) الألمانية, وكانت مهمتي الإشراف على كلّ العقود مع الفنادق لتوفير جيوش العمال (كُنت مسؤولاً عن سبعة آلاف من العمّال), وبما في ذلك إستخلاص الفواتير الشهرية وتسجيل المُخالفات وفض النزاعات بين الموظفين وطرد المختلسين أو المتقاعسين, وإمضاء عقود الجدد, الذين يصلون إلى الخمسين يوميًّا وأكثر، وقد يصلون في مواسم الذروة في الصيف, حين تنشط السياحة, إلى أكثر من ألف خمسمائة عامل جديد في اليوم بعقود موسمية مدّتها ستة أشهر فقط، وتصوروا في أيّ مطبخ بشع من الحياة التافهة كُنت. وكُنتُ أعمل كالمجنون سبعة عشر ساعة يوميًّا, على أقلّ تقدير.

وبقدر احترامي الشديد للفراعنة, وخصوصًا للعظيم الفرعون خوفو, بقدر نفوري من أبيه الأرعن (سنفرو) الجبَّار, الذي كان في إعتقادي سبب بلاء هذا البلد العظيم… رغم أنه لا قبر له, ولا ذكر تقريبًا إلا عنّد قلّة وبالتكهّن من المختصين.. فقد ابتلعت أرض مصر المقدسة, كلّ آثاره.. كلّ كلّ شيء.. ولم يصلنا منه سوى خبر, أنه كان أبا أعظم فرعون عرفه التاريخ, وهو خوفو العظيم.. ولولا وفاء الابن للدّم الأرضيّ, لكان غيّر حتي اسم العائلة والألقاب.. ولكان بدا بلا أب أرضيّ…

والحقيقة أنّه أوّل من فكّر في ذلك.. وما الهرم الأكبر وفكرته أساسًا, إلا أوّل إستعارة لفكرة الذكر الثابت الذي لا تهزّه ريح أرضيّة.. وفي اعتقادي.. كان أباه (سنفرو الجبّار), مجرّد فرعون جشع, لم يفهم ولم يطق الحدّ الفاصل بين السماويّ والأرضي.. بين الله والإنسان, بين الممكن والمستحيل.. بين المُباح والحماقة.. فكان أن عاقبته مصر بأنها ابتلعت وإلى الأبد كلَّ آثاره.. وفي اعتقادي فقد كان أغنى من ابنه, بدليل أن ابنه وجد عرشًا جبَّارًا حين جلس عليه, وبدأ فورًا بالبناء.. وكلّ ما أنجزه, أنّه أنفق في الهرم والبناء مال أبيه الأرعن المتهورّ…

(سنفرو) البائس المسكين والد (خوفو) العظيم, الذي أضاع كلَّ شيء.. كلّ شيء لأنه أراد كلّ شيء.. كلّ شيء..

ولي معه قصة عجيبة, يشيب لهولها شعر الوليد…
ليس مع(خوفو) الابن, بل مع أبيه, (سنفرو) الجبَّار, الذي تعرفت إليه مجبرًا, بمبيت الطلبة لطلبة معهد الفجيك FGIK للسينما بشارع جالوشكينا, سنة 1990.

ولكن لن أسبق الأحداث.. لن تتحملوا, خاصة أنني أقسمت ألا أكتب كلمة واحدة لم أعشها في الحقيقة, ولم تترك أثرًا فيَّ, يصل حدّ الندبة الغائرة أحيانًا.

ستقولون طبعًا, ومن أين لك هذا عن هذا الفرعون (سنفرو)؟ وكتب التاريخ كلّها مجتمعة, لم تذكره سوى في سطر أو سطرين بلا تحديد…

سأجيبكم لاحقًا, لأنّ هذا له علاقة برسالتي.. وله علاقة برؤيا, رأيتها, ورأيته فيها مثلما أرى نفسي في المرايا….

جاءني في المنام, ليلة مرّة في ليلة رأس السنة الميلادية 1990 وكنت يومها فعلاً, وعلى غير عادتي أثقلت في الشربّ. قلتُ كانت أوّل مرّة ولم أقل الأخيرة.

خفت منه في البداية, فقد كان أزرق, ملطخ الوجه ومعفّر الشعر.

ولكنني وأنا المعتاد على الغيلان, بما تدرّبت عليه من كظم الغيظ, تجلّدتُ وحدّقت كالديك الروّميّ المُستوفز في عينيه بشدّة من تجمّع.

كان منكسرًا، وكان ذليلاً، وطلب منيّ أن أتوسط له لدي أحفاده من الشعب المصري: قالي لي بالحرف الواحد: قل لهم أنني أعتذر. وأنني أركع لآخر غلام رضيع من شعبي.. شعب مصر. هبة الله.

قلتُ له:
ــ وما دليلي؟ كيف أقنعهم وهم لا يعرفونك أصلاً, إلاّ بالكاد؟ ولا يوجد عليك ذنب يغفرونه… فماذا فعلت بحقّ الله؟ إنيّ أعوذ بربّ السماوات والأرض منكَ إن كُنت أبليسًا شقيًّا, وجئت تشوّش عليَّ رسالتي التي تعبتُ عليها, والتي سأتمّها غصبًا عنكم, يا شياطين الأرض والسماء.. ليلة رأس السنة وتحديدًا يوم 31 ديسمبر 2013.. إلا عشر ثوان, بعد ثلاثة وعشرين سنة بالضبط عدّا من اليوم.

قال لي:
ــ دليلك قويّ, وقد كان أبسط من أن ينتبه إليه أحد.. هذا هوّ السبب.

قلتُ:
ــ هاته…

قال: أولا دليلك أنني لستُ إبليسًا, ولا شيطانًا, ولا ماردًا ولا جان, أنني أحببت منكَ ما قُلتَ, وما فعلتَ, حين استعذت بالله من الشياطين الآن أمامي, ولعلّك رأيت الدمعة في عيني وليس الذعر أو الخوف أو النفور.

قلت:
ــ نعم.. هذا لاحظته.
حتى إنني أشفقت على نفسي وعليك مما رأيته من حزن وبؤس وندم في عينيك.

قال:
ــ هوّ ذلك. دع عنك هذا. وسترى.. وسيغفر لي شعبي

قُلت:
ــ ما جنايتك؟

قال: قبل السؤال عن جنايتي… دليلك وطريقك إليهم لتحفيزهم على بدأ السؤال عنيّ وتذكيرهم بي من جديد, بسيط جدًّا.. إسأل شعبي: هل يُدفن الآباء في مصر وهم أحياء؟

أجبته:
ــ بدأت من جديد في كلام الأحاجي؟

أجابني:
ــ إسمع يا ولدي.. ثمان وعشرون قرنًا وأنا هائم في السماء, وإن لم يغفر لي أبناء خوفو ابني البديع.. فلن تطمئن روحي وستضيع للأبد.. ولن أجد كتابي.

قلتُ:
ــ عن أيّ كتاب تتحدّث؟ يا إلهي.. أنتَ تخربط في الزمن، تخربط, بمقدار أربعة وعشرين قرنًا وأكثر.. الكتاب الذي تعنيه, ورد في القرآن وفي بعض الكتب السماوية و بعدك بأربعة وعشرين قرن كاااملة يا اخي..!

وحتى في كلِّ أوراق البردى والنقوش والأحافير والأناشيد التي وصلتنا من أحفادك, الفراعين عبر كلّ العصور, لم تذكر أنكم كنتم تعتقدون في كتاب, بلّ هوّ حساب مباشر وتمساح ووحش أو خير وانطلاق وعودة للمجد العظيم.

قال:
ــ إسمع.. سأفسر لكَ.. لكن بعد حين. الآن قارب الفجر، وتصريحي لزيارتك انتهى تقريبًا.

أدخلني في رسالتك الأرضية لأستاذك الأرضي المنصف الوهايبي, وخصص لي فصلاً واحدًا, يكون دليلهم وربّما الغفران والرّاحة الأبديّة لي.. أريد أن أرى ابني وزوجتي.. بربّك خذ بيدي.

قلتُ مرتبكًا:
ــ ماذا تريد؟ وأين الدليل.

أجاب:
ــ إبدأ أنتَ بالبحث وسيلتحقون بكَ ولو بعد حين.. الزمن عنيد سيان.. وألف من زمن أرضكم هوّ مثل يوم أو بعض حين.

قلتُ:
ــ ما الدليل؟
قال:
ــ ابحث عنه.. سأغيب الآن، ولكنني أوصيك أن تبدأ من حيث ينبغي دائمًا أن يبدأ العبقري…

اسأل نفسك أنتَ أولاً: لماذا دُفنت وأنا حيّ؟ أي لم تنشئ لي مقبرة، ولم يُعلن موتي أبدًا…؟؟ لماذا, إسال نفسك, لا قبر ولا أثر لي…
إبحث يا ولدي…. كلّ الدّنيا تعرف, أنّه حتى العامّة البسطاء والفلاحين من المصريين لا يدفنون آباءهم أحياء.. فلماذا دفنني إبني حيّا.. وحرمني من قبر كدليل ساطع وتصريح بالموت؟

قلتُ:
ــ والله شوّشتني.. سؤال وجيه. هل ظلمك ابنك خوفو العظيم؟

أجابني منكسرًا: – يييييا ليت.. يا ليت.

ــ وماذا حصل إذن؟ قلتُ.
قال:
ــ أردتُ أن أكون الله.. فوق الله.. وخالفت العهود والمواثيق بين الأرض والسماء.. وبيني وبين الأنبياء والرسل الثلاثين الذين لم تسمع بهم, والذين أرسلهم الله لي, وضاع ذكرهم, لأن ابني ومَن بعده طمسهم.. ولكن قرآنكم, ذكر ذلك من بعيد.. وأشار أنكم لن تعرفوا سوى النزر اليسير من القصص ومن الأنبياء.
وأنا يا ولدي, كنت ملعونًا.. من ابني ومن أجدادي ومن الله, الذي يسوق منذ الأزل كلّ شيء…
وهو الذي يحدد وحده, الحدّ الفاصل بينه وبين البشر…
وأنا يا بنيّ بشر…
إسمع.. إنتهت حصتي.. سأرتفع الآن مسحوبًا…
لا تنس….
إسأل لماذا لم يبق مني أثر؟ رغم أنني كنت قد أحببتُ ابني وربيته كأفضل ما يكون، وتركت له ما تنوء به الجبال من الذهب والفضة, حتى إن قبره بناه في ثلاثين سنة، وكان يمكن أن يملك الأرض كلّها, لكنه كان ملكًا وفرعونًا صالحًا، ولم يطمع فيما لا يحتاجه، ولا ما لا يحتاجه شعب مصر…

قلتُ:
ــ دقيقة…..
قال:
ــ لم يعد في الإذن الذي منحني الربّ دقيقة
قلت جزعًا:
ــ ومن أين أبدأ؟
قال:
ــ إبدأ منذ البداية.
قلتُ:
ــ وما هي؟؟؟؟؟
قال:
ــ مصر هِبةُ مَن؟؟؟
قلتُ:
ــ مصر هبة النيل…!
قال:
ــ هذا ما أهلكني وضيّعني …
مصر هبة الله يا بُني.. مصر هبه الله…
وابدأ بحثك من هنا….
إبدأ منذ الخّط الفاصل ما بين الممكن المستحيل في محبّة النيل….
إبدأ من هنا: من لسان النيل الأبيض، ولسانه الأزرق.
وقمتُ من النوم مذعورًا.

حدث ذلك بمبيت دار الطلبة شارع جالوشكينا ليلة رأس السنة الميلادية 31- ديسمبر 1990, وفي صباح تلك الليلة القاسية, ولقائي بوالد خوفو، وفي فجر اليوم الأولّ من شهر يناير 1991, وعلى الساعة الخامسة صباحًا, كنتُ أتحايل لأجد الطريق وأجر كلّ مرّة ساقي التي تغطس مع كلّ خطوة في كساء الثلج الذي غطى كلّ شيء, حتى عادت الدّنيا بياض مقيت, وأنا في الطريق إلى أقرب محطّة لمترو الأنفاق, ليوصلني للمطار الدولي, مذعورًا, ومحمومًا, وبي يقين, أنني جُننتُ. وأنه لا بدّ وأن أهرب من هذه الأرض التي تبدو محايدة, وهي مرتع للفراعنة الهائمين المنبوذين, وكنت على يقين أكثر. أن ما رأيته, ومن قابلتهُ لم يكن شيطانًا, ولا ماردًا عابثًا. بل كان هوّ.. هوّ بعينه. الفرعون (سنفرو).. (سنفرو), الملعون إلى أبد الآبدين.. ولم أكن قبلها مهيئ, ولم أكن قد قابلت يومًا وزيرًا أو رئيسًا.. فما بالك بأحد غيلان وأسياد الفراعين.

كنتُ أيامها ما زلتُ طريًّا.. وكنتُ كما تعرفون, مثلكم, من طين.

غادرت موسكو على عجل, ودون أن أودّع أحدًا من أحبتي ولا أصدقائي.. ولم آخذ إلا جواز سفري ونصف الدولارات التي كانت بحوزتي كون النصف الآخر, كنت قد تركته خبيئة عند مديرة المبيت التي كانت صديقتي وكاتمة أسراري: السيدة باريسا ألكسندروفنا, التي مازالت إلى اليوم تراسلني وهي عجوز في التسعين, لتُخبرني بأن وديعتي في الخزانة.. وأنها حزينة أنني لم أعد كما وعدتُ.. وأنها خائفة أن تموت هذه السنة.. وأن بنتها الوحيدة انتحرت برميها نفسها من الطابق التاسع حيث غرفتها.. وأنها….

ثمّ في الختام, وكما تفعل دائمًا تكتب لي:
- أعرف أنّك لا تُحبّ كتابة الرسائل.. لأنّكَ منشغلٌ بكتابة رسالة مستعجلة, ولن تتممها إلا بعد ثلاثين سنة.. أعرف يا حبيبي ويا أحبّ الناس إليَّ.. أعرف يا بني الصغير.. فلا تُكلّف نفسك فوق طاقة البشر.. وعد متى شئتَ. فسأصبر ولن أفتح الباب للموت لو طرق قبلك. سأصبر يا حبيبي ويا أروع ابن وحيد في الدنيا وهبته الحياة القاسية لي في آخر العمر.. سأصبر يا كااامااال.. وهذا وعد.
وإذا احتجت شيئًا.. نقودًا أرضية خضراء مثلاً، فعندي ما لا أدري ماذا أفعل به.. وأنا على يقين أنك عنيد.. وقد تموت جوعًا دون أن تُكاتبني لإسترجاع حتى حقّك الذي تركته عندي. لكن.. فقط.. قلتُ أذكركَ.. فمَن يدري….!

(كمال العيادي – مكتب القاهرة – بالجيزة)

الفصل الثالث

(3- من31)

مدخل إلى العظيم علي مصباح:

تحرّكت نحلة بطني الطنّانة الرفيقة, عند الساعة الخامسة صباحًا بالدقيقة والثانية. كعادتها.

قرصة خفيفة لا توجع, تعوّدت عليها منذ فجر الليلة الأولى من سنة 1984.

بدأت منذ مطلع أوّل أيام تلك السنة, أي منذ قررت أن أبدأ في كتابة هذه الرسالة التي بين أيديكم الآن, والتي دامت فترة كتابتها قُرابة الثلاثين سنة, أقول قُرابة, على غير عادتي, لأنه مازال ينقصها أربعة أشهر وسبعة أيام كاملة. بالضبط (119 يوم) حتى يحل اليوم المُبارك الموعود.. والساعة المعلومة, ساعة الخلاص.. والدقيقة المنتظرة, وتحديدًا عند الثانية الخمسين من آخر دقيقة من يوم الثلاثاء 31 ديسمبر 2013, حيث إنه كان محدّدًا, وبقرار صارم, لا رجع فيه, قبل ثلاثين سنة, بأنني سأخط آخر عبارة, هههههه.. وكنت أتصورني يومها وأنا في الخامسة عشر من عمري, بأنني سأكتب حرف الياء, من عبارة سيدي بجملة: (إنتهت الرسالة سيدي)..

ولكن يبدو وأنها ستكون بشكل ضغطة زرّ من هاتف محمول, أو آخر حرف بتغريدة مهسهسة, أو قد تكون آخر حروف رسالة (آس. آم. آس sms) ومن يدري بأيّ أنواع الحروف ستكون: عربيّة أم لاتينية.

ونظرًا إلى أن محمولي الألماني الألثغ, لا يكتب ولا يقرأ الحروف العربية, فالأغلب أنها ستكون حروفًا لاتينيّة, يعني أن الحرف الأخير سيكون حرف الراء باللاتينية (R), بما أنه سيكون مخلصي وآخر سهم, من الجملة باللغة الفرنسيةالمعلومة ( La Lettre est terminé, Monsieu-R), اللغة الوحيدة الأجنبية التي أخمّن أنه لم يتعلّم سواها خلال هذه السنوات الستة والعشرين التي تركته يرتع فيها في القيروان وحيدًا, بدون مراقبة. منذ حصولي على شهادة الخلاص من براثن قيروانه في منتصف سنة 1987. ومنذ الدورة الأولى التي لم ينحج فيها من معهد المنصورة سوى قلّة تعدّ على أصابع اليد الواحدة من ضمن 146 متقدم للمناظرة الملعونة التافهة.. والتي تسببت عامها في إنتحار فتاة, من حومة أولاد زايد, ومحاولة انتحار فاشلة, بسم الفئران في حي حفوز الشمالي وتشرد عشرات, وحسرة عائلات تجاوزت العشرين فوق المائة.

والحقيقة أنني تعرضت في اليوم الأول للمناظرة (مناظرة الحصول على شهادة الباكالوريا آداب لسنة 1987) إلى خطر لا يمكن وصفه فقط بأنه قاتل. بل يمكنك أن تقول ببساطة وبدون مبالغة, أنه خطر بشع. لأنه تدخل فوق أرضيّ سافر, من غيلان, لم تكن تُساندني أنا أيامها…

حادثة, أحسّ بالرّعب وتعتريني رعدة, وأجفل من مجرد تذكرها.. وفي أيّ إمتحان؟ إمتحان اللغة العربيّة بالذات.. تصوروا! إمتحان اللّغة العربية.. وفي أوّل أيام الإمتحان.. هل تفهمون ماذا كان ذلك يعني بالنسبة لي؟ لولا إرادة إلهية جبّارة هبطت غاضبة وشدّت يدي وربطت على قلبي.

كنتُ أفضل تلميذ في مادة اللغة العربية في المعهد المنحوس. وكان أستاذي الذي يُدرّسني تلك السّنة, (السابعة آداب, آخر سنة ممكنة يطيقها معهد ثانوي حكومي عام في تونس) هوّ المبدع الروائي والناقد الدكتور صلاح الدين بوجاه, طبعًا لم يكن دكتورًا, كما سبق وشرحنا أيامها. كان أستاذًا ألمعيًا شابًا في الثلاثين من عمره. تخلص من برنس أستاذه الدكتور الشاعر, المنصف الوهايبي, والذي لم يكن أيضًا دكتورًا أيامها, ولكن حفظ الألقاب والإحترام واجب, حتى وإن كنتم ستغفرون لي هذا السهو عن الألقاب, وأنتم تتابعون معي الرّحلة العجيبة في الزمن الثلاثي الأبعاد. هذا الزمن نفسه الذي لم يغيّر في القيروان الروح شيء. وغير بعض ملامحها السياحية وواجهاتها فقط. أبدًا القيروان أشد على الزمن من أن تفكّ وثاقها الحادثة الغريبة التي كادت تعصف بحياتي وتلغي مشروع هذه الرسالة كلّها بالتأكيد. حدثت كما قلت في أول أيام المناظرة, وخلال حصة العربية نفسها. الرهان المضمون عندي.
بل كُنتُ موضوع رهان مدير المعهد والسيد حمادي الجوادي, صديقي أيامها أيضًا, ورهان كلّ التلامذة الـ 146. بدون إستثناء. كُنتُ فعلاً أشهر من نار على علم كما يُقال, في معهد المنصورة. فأنا أوَّل من أسس فيها محطة لراديو داخلي بدون أثر ولكن بتعليق ميكروفونات في كلّ ممرّ وساحة من ساحات المعهد. وكان المدير حين يراني, كيفما كانت حالته, يفتح ذراعيه ويُعانقني وأعطاني نصف مكتب القيّم العام, لأذيع منه بياناتي:

ــ هنا القيروان. صوت المعهد الثانوي بالمنصورة. نشرة تلامذة أقسام الباكالوريا آداب -B-C-D-E و خاصة السابعة آداب A ….كمال العيادي شخصيا يُحييكم, ويشدّ على أياديكم (ضحكة مجلجلة مشهورة هههههه).. صباحكم سكرّ.. اليوم هو يومكم يا أحفا ابن رشيق وابن خلدون.. مَن يحسّ بالخوف والجُبن, فليس منّا.. مَن تقاعس عن واجبه, فليس منا.. مَن لم يبتسم الآن بعد هذه النُكتة فليس منّا.. (ما الفرق بين أحمق يرمي بنفسه منتحرًا من الطابق العشرين بأعلى عمارة في القيروان, وآخر أكثر حمقًا, يرمي بنفسه من الطابق الثاني بنفس العمارة؟…هاااااه…. مَن يعرف الحلّ؟ الحل يا أولاد, أنّ الغبي الذي يرمي بنفسه من الطابق العشرين, لمجرّد أنه لم يوفقّ في النجاح آخر السنة, يقول وهو في طريقه إلى الارض: آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه, ثمّ تسمع منه بووووم، بينما الأحمق الذي يلقى بنفسه من الطابق الثاني من نفس العمارة, لأنه أيضًا لم يوفّق بدوره في إمتحان آخر السنة, تسمع من ناحيته أولاً: بووم.. ثم تسمع منه آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه.. ههههه).. حلوة يا أولاد, أليس كذلك؟؟؟ لا.. لا.. ليست حلوة.. لأن الحلّ منقوص..

الحلّ أنهما كلاهما غبي وأحمق وتافه, لأنّهما حاولا الإنتحار, لمجرد أنهما لم ينجحا في إمتحان تافه, آخر سنه… وكان لا بدّ أن تسمع من ناحيتهما معًا.. من ناحية الطابق العشرين.. ومن ناحية الطالق الثاني عبارة واحدة مُكرّرة ثلاث مرّات وبأعلى صوت, هيّ: جبااااااااااء.. جبناااااااااااء.. حُبناء.

هل سمعتم يا أولاد ماذا حصل منذ سنة.. بعد الإعلان عن نتيجة إمتحان الباكلوريا الفارط, خلال الدورة الأولى, دورة جوان 1986 التي لم ينجح فيها من معهدنا سوى ثلاثة, ومن كافة معاهد القيروان تسعة.. ومن كافة أنحاء الجمهورية التونسية كلّها 248 تلميذ فقط.. وكانت نسبة النجاج في كل المعاهد أقل من خمسة بالمائة.. تعرفون ماذا حصل.. أكيد قرأتم عن إنتحار 10 تلاميذ من تلامذة الباكالوريا.. و26 محاولة إنتحار فاشلة. تمّ إنقاذهم بإعجوبة, ومنهم من سيعيش بعاهات في دماغه أو في جسده إلى الممات. وسيجرّ عائلته إلى الخصاصة والحزن الأبدي.

عشرة أمهات مزّقن خدّودهنّ ندبًا, ومثلهن, أباء إنكسروا للأبد.. وإخوة ربمّا نصفهم تغيّرت حياته وكلّ مسار مستقبله الذي كان قبل الحادثة ممكنًا. وقيسوا كم من صديق ومن قريب ومن حبيب للشباب العشرة. أليسوا – رحمهم الله طبعًا – حمقى وأليس هم قبل ذلك من الظلمة؟؟؟

بمثل هذه الحكم, وبهذه الطريقة التي تشحذ العزيمة, كنت أبدأ حصتي الإذاعية الأسبوعية . دائمًا يوم الإربعاء, لأن القيم العام المريض بالفشل الكلويّ, يغير دمه أيام الإربعاء ويترك لي نصف مكتبه لمدّة الساعة المتفق عليها, بأجر قدره عشرة دنانير, يقدمها لي المدير, السيد حمادي الجوادي من الميزانية المخصصة لنادي المسرح. الذي يُشرف عليه السيد مُختار بوخريض, أستاذ اللغة الفرنسية, تطوّعًا, والذي كنتُ أعتبر, بدون داع للمبالغة, أهّم ممثليه, والوحيد الذي تحصل عبره للمعهد على جائزة أفضل ممثل مسرحي في الجمهورية التونسية لدورتين متتاليتين. 1985-1986.

وهذا فضلاً عن عشرات الأنشطة الأخرى التي أنظمها وحدي من الألف إلى الياء.. بداية من تنظيم المسابقات الشهرية بين المعاهد, والتي كنتُ أعد أسئلتها وأجوبتها وبرنامجها وتوقيتها ومكانها وفقراتها بالدقيقة والثانية.. وكان كلّ مدير من مُدراء المعاهد, يمنحني عشرين دينار من جيبه الخاص, ومثلها من ميزانية إحدى نوادي معهده ولو حسبتوها, فستجدون, أنني أتقاضى من كلّ مدير أربعين دينار شهريًّا.. بمعنى ثمانين دينار مضمونة, كلّ شهر, وإذا كانت المسابقة بين أكثر من معهدين, يتضاعف هذا المبلغ المُتفق عليه بصمت.. وبإيعاز طبعًا من السيد حمادي الجوادي, المدير الوحيد الذي يعبد ويعشق المسرح والنشاط الثقافي والإبداعي.. ولو قابلته اليوم لبُستُ رأسه ولأجهشت في حضنه بالبُكاء.

كنتُ شعلة جبارة موقدة من النشاط..

سُقتُ لكم كلّ هذه التفاصيل, لأنها مهمة جدًّا، وأنتم على كلِّ حال في ضيافتي.. وهذه رحلتي أنا بالأساس.. وصحيح أنكم ترافقونني في قجاج طفولتي وأسطح شبابي الأوَّل, ولكن من حقي يا رسول الله أن أنطّ أحيانًا هنا أو هناك, وأترككم للحظة تتفرجون من بعيد…

لا تتخلوا عنيّ الآن.. قدّورا الظرف.. وأنني منذ أكثر من ربع قرن محروم من القيروان. حبيبتي. وأنني منذ خرجت منها كالهارب بشهادة الباكالوريا, تذكرتي المفتوحة الثمينة لمواصلة الرّحلة, وإنهاء أعظم مشروع في حياتي وأخطره, وهو طبعًا كما تعرفون الآن: كتابة رسالة لأستاذي الشاعر المنصف الوهايبي وأن تستغرق ثلاثين سنة, لا تنقص ولا تزيد (أيامها في البداية, لم أفكّر في انقاص العشرة ثوان الاخيرة, وهذا حدث فقط حين قدمت القاهرة. وأيقنت أنني لا ينبغي أن اتجاوز الفرعون العظيم خوفو, الذي بنى مشروعه (الهرم الأكبر), مثلي في ثلاثين سنة. فأنقصت منها خجلاً وإعترافًا, عشر ثوان. لا تزيد ولا تنقص ثانية.)

وأنا طلبت منكم أن تثقوا بي . ووعدتكم أن أخرجكم من هذه الرّحلة معي, سالمين غانمين. راضيين.

وأقسم بالله العلي العظيم أنّكم لن تندموا أبدًا.. ولن يضيع ما تستحقون من أجر بين الأرض والسماء.. أبدًا.. والله أبدًا.

وأقلّ غنيمة لكم, أنّكم أولاً ربحتم أجرًا من الله, الذي لن يبخل عليكم بالتأكيد بالعطاء والثواب, وهو الكريم الجوّاد الذي يعطي بدون سبب ولا سؤال. فلماذا تتصورون وتحركون رؤوسكم بهذه الطريقة التي لا تطمئنني؟ هل تظنون أن الله سيبخل عليكم بالأجر والزيادة فيه, وأنتم تتحمّلون الاذى ومشقة الطريق الزمني الموجع وحفر القيروان وأزقتها وكلّ مغاورها الألف.. و تجبرون بخاطر عبد من عباده العباقرة, عبد مسكين خرج منها كالهارب, وحرم بدون وجه حق من حضن أمّه التي أهلكت الدموع مآقيها بعد خروجه الغريب.
وقد كان نوّارة حياتها.. وقد كان وردة صباحها وياسمينة ليلها ونزر عينها، وماتت وهي تبكي بين يديه, حين عاد على عجل, ليراها خمس دقائق فقط وهي في حالة بين الصحو والغياب.. تخربط بين دموع الفرحة برؤيته بين ذراعيها, ودموع من أشرق بغصّة الموت وآخر فتيل الحياة.. قبل أن تُسلم الروح لباريها, وهي تُردد مغمغمة (لاااا.. كمال.. كمال وليدي.. وليدي نايا.. كمولة.. حبوب قلبي.. ضو عينيّ.. لااااااا.. باراس محمدّ.. بجاه محمدّ.. يااااا ربي حنانا.. وررررررريييي.. آآآحليلي.. آآآآحليلي.. ياااا ربّ الحمدووووووالله.. يااااربي بارك الله فيك.. يعيّشك يا ربيّ.. الله يحميك وينجيك ياااا ربي.. حليلي كماااال.. كمال ولدي.. يااااااا رب.. ورررررررييي)

هل تتصورون فعلاً, أنّ الله لن يُجازيكم على مؤازرتكم! وعلى كلّ ضحكة من القلب شاركتم بها جذلي أو طيفًا من الذكريات سحبته لكم طازجًا وكأنه حدث البارحة! ومن قال لكم أنّه ليس بينكم من سيبكي حين يعود إلى بيته وحياته بعد هذه الرّحلة وبيده كتاب ورقي. سيفاخر به أمام أبنائه, وقد يقول لهم متأثرًا بصدق:
- يا أولادي.. الكتب ليست ورق، والحكايات ليس قصص، الكتاب حياة ودموع وضحك ومرّ وسكّر….

وربّما وقعتم في الفخ عن إختيار وانحزتم إلى صفي ضدّ أستاذي, رغم أنني لم أطلب منكم أكثر من أن تكونوا شهودًا فقط.. وربّما اعترفتم أخيرًا, وحتى قبل أن أكمل فصول السبعة والعشرين الباقية, وربمّا خرجت بدون تردّد من فمكم، ونطقتم بها.. صريحة.. مدويّة.. جبّارة في جمال وروعة صدقها..
ربمّا قلتم لأبنائكم: (الكتاب حياة. والحياة كتاب وإلا فبئس الحياة وبئس الكتب.).

آه يا ربيّ.. كيف سأتحامل وأنا كدت أسمعها منكم جميعًا.. في صوت واحد.. جملي التي ضيّعت بسببها حياتي وتشرّدت، وحرمت، وجعت، وبكيت، ونحتُ وحيدًا تحت جسور الارض حين تمّر القطارات, حتى لا يسمعني, ولا يشمت فيَّ أحدٌ.. آه.. قلبي.. آه.. قلبي.. آه قلبي:

هل تتصورون أن الله جل جلاله, الله الأرق من نسمة.. الله الذي هوّ المحبة.
الله الذي يقدم لكم البراهين تلو البراهين, أنه لا يحتاج معادن الكون الثمينة ولا شرها ليعاقبكم بها ولا خيرها يُجازيكم؟ وأنه من أرضكم أنتم.. بل أنه مازال منذ آدم جدّكم الأولّ يغرف لكم منكم أنتم أنفسكم.. من آباركم الممكنة, ما قد يكفيكم ويكفي نسلكم, من أوّل أوّل أجدادكم وحتى آخر آخر أحفادكم, وأنه يغرقكم في محيطات خيركم وفي بحار شركم إن شئتم…

هل تتصورونه سيبخل عليكم ببرميلين أو جبلين من الحسنات, كنتم ستتقاتلون كالديكة من أجل الحصول عليها وقد تذبحون في طابور توزيعها بعضكم بعضًا.. وقد لا يتردد أغلبكم لحظة في طعن أخيه في ظهره بخنجر معقوف لو ضمنها كلّها مؤكدة له من نصيبه.

هل تتصورون أن الله فعلاً في مثل تعجلكم ومزاجيتكم, حتى لا يُجازيكم وأنتم تقفون مع بطلي هذا وهو يلتقي ثانية معكم في رحلتكم معه, بأمه الطيّبة الفاضلة الصبورة الأميّة, التي قضت آخر عشرين سنة من حياتها على الفراش, تتنفس بنصف رئة, وقارورة أكسوجين خاصة, تغيّرها كلّ ثلاثة أيام وهي أغلى من ثلاثة أرطال من اللّحم.. وثمن توصيلها فارغة للمستودع الطبي, بشاحنة أجرها أكثر من رطلين من البرتقال ورطلين من السكرّ ورطلين من التمر ورطلين من الفحم للشاي, ولترين من الحليب الطازج؟؟!!!

سألتُ أمي مرة عن ديونها حين عدت على عجل, كالمتخفى عن أصدقائي وعن البوس والأحضان والبكاء فرحة بي.. وعن القيروان.. سألتها:
ــ الك ديون كثيرة يا أمي؟

وكنتُ قد تأخرتُ عليها للمرة الأولى ولم أرسل لها الحوالة الشهرية من ميونيخ.. لأنني كنت أجمع ثمن تذكرة الطائرة والهدايا التي لا بد وأن توزعها بنفسها بعد عودتي المستعجلة, مع تبرير مناسب, مثلاً أنني بصدد التحضر لإمتحان خطير في بلاد الألمان القساة, وأنه كان عليَّ أن أعود على عجل, وأنني جئت وهم لا يعرفون لرؤيتها.. وانهم لو كانوا عرفوا لما كانوا تركوني.. ويا ما كذبتْ أمي على الجيران والخالات والعمات.. ويا ما كذبت أمي مرّات ومرات ومرّات في اليوم الواحد على الجارات اللواتي يقمن تقريبًا تحت فراشها الحديدي الصلب. ينفخون على كانون الشاي الذي لا يبرد أبدًا….).

سألتها يومها, وأنا في جيبي عشرة آلاف يورو ملفوفة, وثلاثة آلاف دينار, دينار يحك دينار, صرفتها ولم أتاكد من صحة المقايضة حين غير لي موظف البنك الذي يطل بجشع ومكر من كشكه الخشبي بالمطار…

رزمة من الأوراق الملونة البهيجة كلّها من فئة كبيرة.. كانت قد جاءتني بدون أن أدري ولا أن أحسب لها حسابًا.. لعبة قدر غريب.. يذبحني عمرًا بلا سبب ليفرحني لحظة بأسباب واهية.. كنتُ قد جمعت بصعوبة ثمن التذكرة لتونس والمواصلات من تونس للقيروان عامها.. ولم يبق على موعد الطائرة الوحيدة التي تقلع من ميونيخ أيام الجمعة فقط.. لم يبق إلا ثلاثة أيام…

وفجر ثلاثاء قارس البرد. جلست وحدي أكتب قصيدة من الشعر: كان مطلعها:

إسقني.. صوتًا آخر.
خمر المدينة
لا يُسكر الأطفال.
هذا الخريف العابرُ
إمتصّ ورقة التوت
وافتض دهشتي
فاسقني..
من خجل الرّمان
ومن..

ولم أكمل شطب هذه الـ (مِن) لأنها لم تُعجبني ولم تتكوّر كالكمثري المرّة في فمي.. وأنا أزن الشعر بفمي ولساني بالمناسبة.. وأذوق قبل تبييضه في الورق نسبة السكر أو المرّ فيه) وما كدت أشطب حرف الجر الأخير, وأهم بتمزيق الورق, حتى طرق الباب.

ــ مَنْ؟
صحتُ جزعًا، ولم أكن قد دفعت فاتورة الكهرباء لشهرين, يومها. نسيتُ أنهم في ألمانيا لا يرسلون جُباة لتحصيل الفواتير المُتأخرة مثلنا…

ــ أنتم السيد كمال العيادي؟؟
أجبني الصوت من وراء الباب.
ــ نعم. من فضلكم من أنتم (في ألمانيا نكلّم الغرباء بصيغة الجمع حتى نتعارف).
ــ لو تفضلتم وفتحتم الباب فمعي وثيقة رسمية مستعجلة. تخصكم. (إسمي السيد: بيتر هوفمان)
ــ دقيقة ألبس لو سمحتم.

وفتحتُ. وأخبرني أن لي حساب تأمين على الحياة باسمي, فتحته منذ أول سنة وصلت فيها إلى ألمانيا فقد كنت أمضيتُ عقدًا مع الحكومة البافارية, بجنوب ألمانيا, وكان ضمن بنود العقد هذا التأمين غير الإجباري.. ولكنني أيامها لم أكن أدقق في وسخ الدنيا ولا يعنيني ما يفيض عن حاجتي من الأموال, فوافقت بدون مراجعة على كل بنود العقد الحكومي, والحق أنهم كانوا يخصمون لسداده من مرتبي مبلغ تافه كل سنة, مقسمة على المرتبات الثلاثة عشر (في ألمانيا يتحصل كل موظف على 12 مرتب، ومرتب هدية آخر السنة في شهر ديسمبر, وأحيانًا يعجلون به قبل ذلك).. المهم.. افهمني أن بنود العقد تغطى آليًا حياتي وحياة قرينتي وحياة الإبن أو البنت البكر.. في صورة موت أحد من الثلاثة. تعود حصيلة التأمين إلى القائم بشؤون الطفل المشترك.. غواصة من البنود.. فرغت منه ومنها بكاس ماء معدني فرح به كثيرًا.. وودعني وهو يضع فوق الطاولة إلى جوار قصيدتي شيكًا بمبلغ ثلاثة عشر ألف يورو ومائة وثمانية يورو وأربعة وسبعين سنتًا فوقها.. مع بطاقة تعزية في زوجتي المرحومة المتوفاة منذ سنتين ونصف السنة, مكتوب عليها بخط اليد ومكرر نفس العبارة طباعة: (أسرة مجمع التأمين اليانس.. تتقدم لكم بخالص العزاء. وتذكركم أنها في خدمتكم 24 ساعة في اليوم وحتى أيام العطل الرسمية.. وما عليكم للأنضمام إلى أسرتنا الموسعة, سوى أن ترفعوا سماعة الهاتف, وتتصلوا على الرقم المخصص لكم: ثم قرأت الرقم واجمًا.. ساهمًا.. ناظرًا إلى قصيدتي.. وجلست بهدوء وأعدت حرف الجرّ إلى مكانه في آخرالسطر الأخير حيث وصلت قبل أن يُطرق السيد (بيتر هوفمان) ساعي البريد الأشقر باب بيتي الصغير بمنطقة زولن. بشرقي ميونيخ….

كان في جيبي يومها حين عدتُ إلى أمي ممتلأ مرحًا، مع ثلاثة حقائب من الهدايا القيمة والشوكلاتة الفاخرة.. كان في جيبي اليسار: مبلغ عشرة آلاف يورو خارجة للتو ملفوفة من المطبعة. وفي اليمين ثلاثة آلاف دينار لا تنقص ورقة.
سألتُ أمي يومها.. وأنا أفرد جناحي وصدري:
ــ يا أمي, قبل كل شيء. هل عليك ديون؟ (وكنت أعرف أمي تخجل من الديون).
فأجابتني يومها وهي تطرق برأسها خجلاً:
ــ الحمدلله يا كمال. الحمد لله يا وليدي.
قلت بعناد, أعذبها, لأفرحها بعد ذلك وأرمي اللفتين اللتين تجرحان فخذي اليمين واليسار:
ــ يا أمي.. هل عليك ديون؟
أجابتني:
ــ قارورة الأكسوجين الأخيرة, دفعها عمك حسين، وثلاثة أرطال من اللّحم, لأن الطبيب قال لي لا بد من شوربة اللحم مرة في الأسبوع على الأقل.. وعشرة دنانير لجارنا عثمان, لأنه جلب لي قارورة الأكسوجين ثمانية مرات وحلف أنه لن يأخذ مليمًا غير ثمن البنزين وحين تأتي الحوالة المتأخرة من ألمانيا.. ورطلين من البرتقال من عند عمك سالم الخضار.. لم ندفع ثمنها هذا الشهر.. ورطلين من السكرّ ورطلين من الفحم وربع رطل من الشاي, ديون من عند عمك السيّد العسكري العطار.. فقط يا بني ووالله, ولولا أنني لاأقدر على النهوض, لرهنت كتاب الله الذهبي ولنزعته من صدري.. ماذا أفعل بكتاب الله الذهبي في نصف رئتي التي يلزمها أكسوجين العباد وليس اكسوجين ربي. وبكت بحرقة.

يومها أغمى عليَّ.. وكانت المرّة الثانية التي يُغمى عليَّ منذ خرجت من القيروان, فجر يوم الخميس الموافق للسابع والعشرين من أغسطس لسنة 1987. متجهًا إلى العاصمة. حيث أوّل سلّم الرحلة, بعيدًا عن مخالب القيروان. ولم يكن في جيبي يومها, غير بطاقة تعريف قومية وكتاب حدث أبو هريرة قال للمسعدي والغربال لمخائيل نعيمة وأجنحة متكسرة لجبران خليل جبران. ومبلغ ثمانية وعشرين دينار في قرطاس لأن عشرين منها قطع فضية ونحاسية من فئة الدينار والخمسمائة مليم والمائة مليم الصفراء.. وطبعًا المجموعة الشعرية الوحيدة الزرقاء لأستاذي المنصف الوهايبي, وكان عنوانها: “ألواح”

ولنتصور ان الله لن يجازيكم بسبب جشعكم وتلهفكم على الحصول على مقابل, لقاء تعبكم معي وجركم في هذه الرحلة في الزمان والمكان، ألا يكفيكم بحق الله, فضلاً عن كلّ شيء أنكم تجوبون القيروان في زمن آخر.. وبدون مقابل؟؟
وأن هذا الذي تتزودون به معي الآن، قد يغنيكم, لأنه صادق عن ثلاثة او أربعة رفوف من المكتبة؟؟؟

عليَّ أن أكف عن النزيف الآن.. الحاسوب تلطخ بشريط الدم الذي ينزل منذ ساعة من فتحة انفي اليسار ولم أنتبه إليه….

ولكن.. ودين ربي أنا سعيد.. ثمة علامة
أحس وجومكم وأترجمه خير ترجمة… يااا الله.
أكاد أسمعها منكم منذ الآن.. ومنذ بداية بداية أوَّل أوَّل الرحلة:

أسمعها.. وبكاد قلبي يطير إليها ومعها.. أكاد أسمعكم تقولونها معًا. وتُشهرونها شوكة في وجه غريمي..
أتسمع يا دكتور منصف الوهايبي.. أتسمعها معي: مِن مَن يصيحون ويهمهمون بغضب.. وليس أنا.. هم من يقولون ما تسمع، يا منصف… هذه جملتهم هم الآن:

(((ليس ثمّة كُتُبٌ.. ثمّة الكتاب.. وبالألف واللام: الكتاب))).

(للأسف الشديد, لم أتمكن اليوم من بدأ فصل: علي مصباح. وسيكون بدايتي غدًا, حال اتمام حكاية الحادثة الغريبة والخطيرة التي حدثت لي في اليوم الأول من امتحان مناظرة الباكالوريا, مادة اللغة العربية التي تحسب مضروبة في أربع بالنسبة لتلامذة السابعة ثانوي آداب.. بمعني أنك لو تحصلت على ثلاث أعداد فوق العشرة المُعدل, فإنك ناجح لا محالة, ولو خانتك الإنجليزية والكيمياء والتاريخ والجغرافيا معًا.. وأنك لو تحصلت على ثلاثة أعداد تحت العَشرة الضرورية للنجاح أو ما نسميها في تونس بعشرة الحاكم، إذا لم تتمكن من ذلك, فأمك هاوية..
ولكن أمي ليست هاوية..
ونجوت بأعجوبة ومعجزة لا تصدق..)

الفصل الرّابع

(4- من31 )

الفصل السابع من رواية (حكاية السنوات الثلاثين) بديل الفصول: (4 -5 – 6)

من أين سأبدأ, يا علي يا مصباح…!!؟؟
وكيف لي بربّك الآن أن أمسك بالخيط من جديد وهذي البكرة بألوانها الثلاثة قد تلخبطت وتداخلت فيها الخيوط, وإختلطت البدايات الثلاث الأصل التي كُنت منذ وعيتُ على الدّنيا, ومنذ خرجتُ كالهارب من براثن القيروان صيف 1987 أمسكها, وأفرزها, ولا أترك لبشر أن يُلهيني عن رؤوسها الثلاثة المُدببة. وأين تبدأ وأين تنتهي.

وأنت السبب يا علي يا مصباح….
أنت الذي كاد يُهلكني للأبد, حين كِدتَ تُجندلني البارحة برسالتك القاتلة ورجائك المدمّر. وتسرعك الذي ليس من خصالك. وظنّك بي السوء لأنني كتبت عبارة (علي مصباح العظيم) كعنوان لمدخل الفصل الرابع الذي لن ينشر في حياتي ولا بعد مماتي أبدًا. أبدًا.

لأنك لم تتسبب في أنني أحرقت مخطوط الفصل الرابع الخاص بكَ. وبتونس من الأموات من عظمائها كابن خلدون وبيرم التونسي والإمام سخنون والحصري والطاهر حداد وعشرات غيرهم, فقط. بل المصيبة, أنني في لحظة غيظ. وغضبة لكبريائي ووجع من وردتك التي مددتها لي مقلوبة, وإنغز كلّ شوكها في قلبي ولساني وعيني وروحي.. ويا كم أوجعتني يا بن بلدي… يااااااا كم أوجعتني!

ولولا لطف من الله, ورفيقة درب عظيمة, طيّبت خاطري, في وقت شدّة رغم ما أصابها من رشّ ودبابيس انفجاري الذي لم يدم غير نصف ساعة أو أقل, على كلّ حال.. ولولا أنني وجدت فيها المؤمن الذي يشّد لحظات اليأس الشديد ويثبت القلب, لكنتُ أحرقتُ الرواية كلّها وضربت مثلك في الأرض هائمًا.

أوجعتني يابن بلدي, يا عليّ يا مصباح.. وتسببت في أن أمزق الفصل الرابع كلّه, ثمّ ألحق به الفصل الخامس والسادس المتعلّق بكلّ كُتاب العرب القدامى والجدد.. الأموت والأحياء منهم.. وكُتاب بلادي وكُتاب مصر. وكُتاب العراق وسوريا والمغرب والجزائر والأردن والبحرين وعُمان والسعودية وليبيا ولبنان.. لأنه لم يعد من معنى عندي, والخيط مرتبط, أن أخرجك أنتَ. وأكتب عنهم…

كنت يا عليّ مدخلاً رفيعًا ولكنّه أصيل وعامود صلب إلى اليسار العربي بخيره وشره وركيزة لا لعب فيها بعبارة مقصودة جدًّا, وكنت يا على مدخلي إلى كلّ المدارس والتجارب, من المعري والجاحظ, والإصفهاني الذي سلخ من عمره أربعين سنة يجمّع ريش كتاب واحد, خالد, وحتى آخر زميل صحفي يرسل لي نصوصه الخمسين ملحًا أن أنشرها له كلها في رابط واحد, بدروب في نفس اللحظة….

وكنتُ أخبئ الفصول الثلاثة التي ضاعت للأبد, لسنوات في صندوق خاص لي بكوليس التحرير بموقع دروب منذ أنهيتها بدون مراجعة لغوية ومنذ سنة 2005. وتركتها بخيرها وشرّها. كما هيّ وكانت والله متينة. حتي أنني كنتُ أفتحها كلّ رأس سنة, وأسلّم عليها, وأعيد قراءتها, وأصلح همزة من هنا, وأفتح تاء ربطت خطأ بدقّة زر مستعجلة.. وكنتُ يا علي يا مُصباح, أظنّ أنها العامود الفقري لروايتي.. وهي من ستقدّمني للناس وهي برهانهم ودليلهم إليّ.

وعلم الله, أنني لم أشتم فيها أحدًا, كنت مدخلي إليهم.. ولم يكن مِن الممكن إلا أن أبدأ بعبارة عظيم التي أوجعتك, لأنك رأيت فيها تهليلاً أخرق, وهي كانت بوابتي إليهم أجمعين.. ورغم ذلك.. فأنا أعتذر لك علنًا, ولكلّ من تبقى من اليسار التونسي والعربي والعالمي في هذه الأرض الضيقة, وهذا الزمن الإلكتروني الهش المغشوش المرشوش الهيستيري الخفيف القشور البثور البشع الردئ. وكم فيه من سم زعاف للكاتب الحقيقي مثلك, وكم فيه من خير وعلامة, وسرّ لو عرف مبدع كيف يركبه, كالبُراق المستحيل. على أن يكون قبل ذلك, قد ارتقى كلّ الطرق السبع. وأثبت أنه العلامة وأنه في نصّه نبيّ.

هل تفتح موقع الكتاب يا عليّ؟…

أقصد كبار الحومة, بداية من الولد الشقي المتعالي كذبًا وبُهتانًا, أورهان باموق مرورًا بالعجوز الشاب المتجدد المعاق توماس ترانسترومر, الذي يملي رفيقته ما يريد قوله كل يوم أربعاء, وصولاً إلى السوري المعزول, أدونيس العجوز الكئيب الحزين؟….
وسترى انهم لايركبون حمارة إلكترونية جرباء معطوبة..
بل هم فهموا أن العصر تغير وللأبد.. ولم ينهزموا.. حتى مع الحسرة على الورق والزمن الجميل و شيبة القلب وحسكته المُلهمة.

افتح, بطن الجوجل الوحش يا علي.. ولفلف مصارينه المتينة بين أصابعك.. وستجد ما تريد.. وستغفر لهذا العصر الجديد وهذا الجيل الجديد الغريب عنا, كلامًا وفعلاً, هذا الجيل الذي يستيقظ مُتأخرًا بعد سهرة للفجر يلعب ويحاصر وحشًا يجري في لعبة تافهة غبية.. وينتصر عليها.. أو تسبقه بقرة برأس تمساح, وتخرج له من خلف يمين كمين لم يحسب حسابه, وتأكله وتأكل وحشه المُجنّح بثلاثة أجنحة في رأسه وجناحًا تحت خصيتيه وجناح آخر للإحتياط فوق ظهره المقوّس، وتخرج من تحت ذيلها دُخانًا وعبارة إنتهت اللّعبة يا غبي (Game Over) وعبارة غبيّ طبعًا مترجمة في شكل قهقهة وخوار وطقطقة وقوس قزح, على شكل صوت مغيظ, يوتر ويتكرر بلانهاية: (أهااااها… آهاهاااها… آهاهاااها… ) فيسحقها بضربة واحدة حاسمة على زرّ معلوم يعرفه, ويعدّل مخدة الريش الطريّ… وهو يبتسم, ويمني النفس أنه سيعيد الكرّة, وسيتغلب على البقرة الحقيرة إذا جاء الصباح, فهو أصبح يعرف من أين تخرج له.. وهو ينام الآن مطمئنًا, وقد وضع في جيبه مفتاح كسرها للأبد بعد ساعات نوم هنيئ.. دون حقد أو دماء.

هذا الجيل هوّ من كنس نظام زين العابدين بن عليّ الذي لم تقدر أنتَ عليه مع جبابرة اليسار النقيّ فيهم مثلك, أو الإنتهازي الذي يغير اللون حسب الطقس والحاجة.. وهذا الجيل يا علي يا مصباح, هو الذي أمسك برقبة حسني مُبارك, الفرعون الشقي, ورماه في غياهب السجون, ليتأمل ما جنت يداه, واي مصير كان سيقود إليه بلد الاجداد وعزبة الاحفاد اللاحقين.. وجعله يعجب بهم من سجنه ويصفق لهم, وهو يتركون البقرة الملونة برأس التمساح, ويتركون اللعبة الموالية مفتوحة, في ملف آخر, ويهبطون إلى ميدان التحرير في ثلاثين مليون لاعب ماهر, وغير ماهر ومبتدئ, ويفرشون للخفاش البشع شبكة لا يقدر سبكها داوود نفسه.. بأسلاك أربعة حروف فقط مرددينها ملايين المرات بنفس الإصرار والحماسة والعزم وهم يسمسمون بين الصيحة والصيحة أو مطلقين تغريدة من جهاز صغير عجيب أزراره سحر لا يقوى عليه سحرة فرعون ولا عزائمهم وتمائمهم ولا حتى بيان عسكري أو شيوعي:

……….(إرحل)………
……….(إرحل)………
……….(إرحل)………

هل يُزعجكَ أنني أنحاز في هذا الفصل لهذا العالم الإلكتروني المشبوه يا علي يا مصباح الورقي؟؟

هل يحزنك, أنني وأنتَ الذي يعرف قدراتي في تطويع طين العبارة, كيف أنني أخون الورق, وأجرى لاهثًا وراء (تلييكة) أو (مشاركة) أو(تعليقة) كالتعليق, من شاب تافه, يكتب عظيمًا بضاد لا تشال وليست ولا عصا مغروسة كالنخلة في ظهرها.. ويكتب عبارة (دافئ) بوضع همزتها على الفاء أو تجري وحدها بعيدًا عن حروفها الثلاثة الباقية؟؟!!!

هل يُحزنك فعلاً مصيري يا علي يا مصباح؟ يا أحد آخر ورد اليسار والنضال والحقّ والنور والنفور من المزيف والعرضي والماقت للآفلين؟؟!!

صبرك عليَّ يا عليّ يا مصباح, لا تتعجّل ثانية, ولا تدخل هكذا خجلاً وكأنك حانقًا, وتترجاني أن أعفيك أن تلعب دورًا في روايتي التي أخطها وأشطبها ملايين المرات.. لأحفظ الخير فيها وأخنق كلَّ عبارة غير محسوبة بميزان الماس الشبه (ما فوق البشري)….

بالمناسبة يا علي.. كيف تترجمُ عبارة (الفوق بشري) النيتشويه من اللغة الألمانية التي لا يتقنها عربيّ فوق الأرض أكثر منك..هه؟ كيف تترجم عبارة نيتشه يا علي: (فوق بشري: Übermensch) التي دوختك أيام, كما بلغني؟ وأنكَ خرجتَ حزينًا هائمًا حائرًا مقتولاً, تعبّ البيرة وراء البيرة على غير عادتك, لأن نيتشه ووراءه شعب عبقري وخطر كلّ الخطورة.. شعب ما زال في جعبة كلامه بذور الموت وتحدي الربّ وهزّ الكرة الأرضية وركلها في زاوية مُستحيلة, شعب يقوده نيتشه الذي أسكت بطريقة شبه همجية متسلطة, الحكيم فولفجاج جوته.. ولوح بعصاه في وجه الأحفاد من هانريش بول Heinrich Theodor Böll وحتى المشاكس العنيد, جونتر جراس Günter Grass الذي تسعى عصابة آل صهيون مع المؤسسة الرسمية الخلفية, للمشروع الألماني الحارس العظيم, لإسكاته, ولولا أنه نقيّ وحقيقي مثلك ومثلي لسكت منذ ثلاثين سنة..

لكنه مازال وهو العجوز الذي سيبدأ عامه السابع والثماني بعد خمسين يوم منذ اليوم يا علي يا مِصباح.. وبالتحديد يوم 19 أكتوبر من هذه السنة البسيطة.

هه, كيف تترجم عبارة (الفوق بشري Übermensch) النيتشويه من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية يا علي يا مصباح؟ يا بن بلدي.. وأنت ودين ربي أعظم مَن أعطته اللغة الألمانية أسرارها، قل لي بربّك.. كيف تترجمها وأريد إجابة حاسمة, وسأترك لضميرك أن يرضى عنها أو لا يرضى.. وسأقبل بحكمك.

أتترجمها, كما فعلت مُتسرّعًا كعادتك, بعد يأس ومرّ ثلاثة أيام بلياليها؟ أتترجمها كما ترجمتها وأسكنتها كتابك الفذ؟ ورضيت لها من الأسماء عبارة (الإنسان الأعلى) قياسًا على عبارة (الأنا الأعلى) التي سبقك مناضل آخر واهتدى إليها قبلك وهو يترجم كتاب (الحب و الحرب و الحضارة الموت), لذلك الثعلب اليهودي النمساوي الذي أثر فيكَ وتحداكَ بالتأكيد, وأقصد طبعًا السيد سيجموند شلومو فرويد, أحد رابع أربعة هم غرمائي يا علي يا مصباح, وأبدًا.. أبدًا لن يتلوث قلمي ولا لساني بأن أسبق عربة أسمائهم الرنانة, بعبارة (عظيم) التي أوجعتك مني.. هؤلاء العباقرة الأربعة الذين أذلوا الكبرياء البشرية ولطخوها بالوحل للأبد.. وهم: الماكر كوبرنيك, حين أنزل الكائن البشري الإنسان من عرشه الذي أنزله إليه وأعطاه إياه ربّ حكيم رحيم. يفهم. ولا يتسرّع, ويقدّر….

وثاني الأربعة القتلة هو: سيجموندك هذا البشع الذي أرجع كلّ الخير والشر وما يترتب عنها من نبل أو جرائم, إلى ثدي أمّ يقطر حليبًا كريهًا عطنًا ملوثًا بالشهوة والرغبة في جسد الأم نفسه. عبر نظرية اللاوعي المنقعة في السمّ القاتل….

أم تُراكَ عثرت عليها, وأنتَ تورق ملفات ذلك المحتال المتسرع الآخر تشارلز روبرت داروين Charles Robert Darwin الذي لوّح بكلّ ما قرأ وما وصله من خبر الله, وبداية الخلق المعلومة, فأذل البشرية بأنه كاد يشتمهم بأصولهم الشانبانزية ويا ليته اكتفى بذلك, بل أكد شبه جازم, وبئس ما أكد وما جزم, أن الكائن البشري أصله يرقة في حوض ماء خارج رحم الأم, تعفن. فتحلل. فتكاثر. فتجانس. فتقسم. فتجمع. فتكوّر. فتفتت. ونبتت له زعانف تطور نصفها البريّ إلى قوائم وأرجل وضرب في الأرض يسعى, حتى وصل رحم جداتنا. فكان الإنسان. بخيره وشره.

أتعرف مَن أكثرهم بشاعة وأرحمهم في آن يا علي يا مصباح؟؟؟؟…

أتعرف مَن العبقري؟؟؟؟!!!!

هوّ الذي تعلّم كيف يلقفها ساخنة من الجدّ اليهودي القاتل: إسحاق نيوتن.. سبب كل البلاء والكهرباء والمغناطيس والعالم الفطيس.. ذاك المذل المتجبر الذي تساقطت على دماغه المنحوس تفاحة شهية, فبدلاً من أن يأكلها ويحمد ربي.. راح يتساءل عن أمر إلهي وقال بمكر: (لماذا تسقط هذه التفاحة ولا تطير) والجواب واضح.. وسريع.. هذا العالم الذي ترى كلّه..
وهذه الحروب والدمار والجشع..
وموت أحد أهم منابع الشعر الكوني للأبد تقريبًا.
حينما أطفأوا جذوة القمر في صدر اللغة المعلول الرهيف.
وعادوا لنا إلى الأرض بصور له تؤكد أنه كوكب بشع قفر.
ميت من الحجارة والغازات السامة والغبار, ولم يكتفوا بأن أرسلوا إله الكلبة – لايكه – الروسية تتجسس وتجس نبضه من قريب, حتى قام الكوبوي الدموي – أمريكا- بإرسال المجند بالفوج الثاني للبحرية المارينز – أمسترونج – لكى يضع قدمه اليسرى الوسخة على سطح القمر في تمام الساعة 2.56 بالتوقيت العالمي في يوم 21 يوليو عام 1969

ولكن نيوتن ليس العبقري, سؤاله هو العبقري للأسف، العبقري من تلقفها منه سُخنة…

هو بيل جيتس الخائن.. ولكن أكثرهم رحمة.. أي والله.. الحق حق ولو على رقبتي.

أتعرف بماذا جازوه يا علي على خيانته وعبقريته؟

لا.. لا.. سأكون رحيمًا بك اليوم.. اليوم فقط, ولن أعذبك بالحساب والأرقام.

سادرج لكَ نكتة واحدة يا صديقي.. أكيد تعرفها.. لكنني أعيدها على مسامعك:

(خلال أحد الحورات مع هذا البيل جيتس, سنة 2011.. سألته الصحفية الفاتنة: – هناك إشاعات وتكهنات كثيرة يا سيد بيل.. أريد أن أسمعها صراحة منكَ أنتَ. بصراحة. بكم تقدر ثروتك اليوم؟

أتعرف يا علي بماذا أجابها ابن الكلب؟؟؟

ردّ عليها سائلاً: – تقصدين قبل أن تلقي علي هذا السؤال أم بعده؟؟!!!

يعني أن ثروته تزيد يا علي يا مصباح كلّ ثانية.. 250 دولار، يعني 20 مليون دولار في اليوم، يعني حوالي ثمانية مليار دولار في السنة. ولو خسر أو صرف ألف دولار فلن يؤثر فيه، لأنه سيعوضه خلال أربع ثواني. ولو بيل جيتس سدد ديون الأمم المتحدة بنفسه.. سيسددها في أقل من عشر سنوات، مع العلم بأن ديونها تبلغ خمسة ونص تريليون دولار.. ولو أعطى كل واحد على الكرة الأرضية 15 دولار يا علي يا مصباح.. سيتبقى معه 5 مليون دولار..
أي والله, هذا ليس من عندي.. تصالح مرة مع أمعاء النت، وستجد هذه الإحصائيات المذهلة…

إسمع يا علي يا مصباح، يا صديقي أنا.

أقسم بالله أنني لا أحس الآن بالحزن, بعد أن هدأت سورة غضبتي.. ولا يعنيني أنني مزقتُ, ثمانية وخمسين صفحة مرقونة بالخطّ الرفيع, هي بترجمة صفحات الوورد على الخط 12, تعادل 176 صفحة كاملة, بدون حساب للفراغ بين العناوين وسمكها, كوني كتبتها كلّها على نظام (وودبريس) للتحرير, وهو ليس فيه قبل النشر أنواع خطّ ولا تكبير ولا تضغير…بل حروف مثل النمل مُتساوية في الحجم والتوزيع والتجمع والتقشّف وهي مثل التدوين والملاحظات الممكنة بشباك الآوتبوكس (Outboox) من نظام الآوت لووك إكسبريس (Outlook Express) الذي من المؤكد أنكَ تعرفه, وهو الموجود في خانة الفتح بأي كمبيوتر بدائي منذ أطلقوا وأعلنوا عن نظام النوافذ في شهر الخراء ديسمبر 1987، وملأت الدنيا زغاريد التهليل للوليد الجديد ولأبيه العبقري بيل جيتس والذي سمى دين والديه الكلب, ويندوز 2.1 المرسّم ببيان إلكتروني تحت شامتين هما بداية العلامة السوداء, وبداية أوَّل صرخة تشويش على صوت الله الممكن, ولم يكفهم ذلك.. فأشاعوه في خبرين وتحت إصدارين للمزيد من التنكيل والإذلال للكبرياء البشرية الغافلة أيامها عن خطورة هذا الإختراع الفيروس المسلّح بشوكتين وتررددين كلّ يحمي الثاني عبر الأثير.. وتكسير مركزية الواحد الأبيض المفتوح, والصفر الأسود المغلق, في لغة الرياضيات المُبسّطة.. وبدأ أوَّل يوم مشؤوم تحت وصايتين وخطين لا يمكن التدخل للخبطتهما أو فكّهما..
وأعني المختلفين نظام الشبابيك (ويندوس) 386 مع تثبيته على وضع 8086 الإفتراضي للمهام المتعددة وكل المصائب التي فرّخت ملايين الإقتراحات لتطوير برامج الدوس والذاكرة المقسمة إلى صفحات في هذا النظام الإستعماري البشع.. والذي كافؤوا نبيّه ومخترعه الخائن للمبادئ الجوهريه الثلاثة عشر للكائن البشري, المواطن الأمريكي المُسمىي وليام جيتس الثالث والمشهور باسم (بيل جيتس)، الذي بدأ مع صاحبه المُغرر به, الشاب الخجول منذ سنة 1975.

لن أتعبك يا علي، ولن أكون قاسيًا عليك. فجأة. وأنتَ لم تتعوّد مني غير كلمة راقية وعميقة. مبللة بدمعة ضحكة مرح أو حزن.. لن أتعبكَ, وأنا في بداية بداية البداية..

في الفصل السابع فقط من روايتي.. روايتي التي جمّعت حواشيها ومراجعها في إثنى عشر ألف وثيقة ومسودة وهامش ونصوص وشهادات وملاحظات ومستنسخات لصور وجرائد وجذاذات أوراق وقصاقص جمّعتها وأوَّلها كتبته كملاحظة وبداية رسالة في فجر اليوم الأول من شهر يناير 1984، على ورق من خلاصة وبقايا الشحم السميك المتخثر , المعدّ للفّ السكّر والصابون بحوانيت العطارة في الأحياء الشعبية، وآخرها ترجمتك الكاملة لكتاب (هذا هوّ الإنسان) في أربعة نسخ, الروسية والفرنسية والألمانية وطبعًا ترجمتك الفذة التي أتممتها للناس والعابرين سنة 2002, وضف إليها النسخة الألمانية الأصلية للفيلسوف المارق, (بيتر سلوتردايك) التي ضيعتك وشرّدتك للأبد, ومنذ فجر بداية هذا القرن العشرين يا عليّ, يا مصباح, وقس معها ملاحظات من أكثر من ثلاثة آلاف كتاب, رأيت أنها زبدة الزبدة. في كل مجالات العلوم والطبيعة والأدب والفنون والرياضيات والفيزياء وعلوم الشرق والغرب من أرسطو وحتى آخر مقال لعفيفي الأخضر الذي مات مرّتين وثبت موته منتحرًا بغرفة داكنة كلّ الوقت بنافدة أقرب ما تكون لكوّة زنزانة السجن يا عليّ يا مصباح, فجر السابع والعشرين من يوينو هذه السنة, وكان مقاله المسجل بين هوامشي التي بلغت أمتار طويلة, مرقم كمراجع تحت الرقم 4176 للشهر الثامن من أغسطس لهذه السنة البسيطة الملعونة, وطبعًا ستكون أنتَ آخر من يستغرب, لطريقته في نشر آخر مقال وبنفسه, بعد 42 يوم من موته الرسمي..

أنتَ تعرف مثلي أنه كان يعرف أنه سيموت.. فعجلّ بموته وترك لنا 4577 شهادة باللغة العربية وحدها, وأنه برمج آخر مقالاته لتظهر آليا بعد انتحاره… إيمانًا منه بأنه لن يضيف شيئًا لما قال في أربعة عشر ألف شهادة منها 4577 باللغة العربية فقط..
وحتى قبل إنكبابه على ترجمته المُخيفة للبيان الشيوعي والذي أحتفظ به في بيتي وموارى في صندوقي السري المليئ بالكنوز في كواليس دروب الخلفية.. وأنا متأكد أنكَ لو مددتَ يدكَ الآن لأقرب رفّ في مكتبتك فستمدّه.. معفرًا بالغبار, لأنكّ لم تتصفحه, منذ ما قبل سقوط جدار برلين بسنوات طويلة.. وطبعًا يا علي يا مصباح, أنتَ وما يخصكَ كلّه بما فيها حقائبك المليئة بالمراجع السبعة عشر الأصل التي تحرص دائمًا أن يُرافقك نصفها في أسفارك الضرورية لمنابع الشرق البكر.. للعجوز, قارّة آسيا المحنّكة, الصفراء من الإكتناز والتجلّد والصبر. ووالله أنكم كلّكم تؤجرون عندي بلا مطالبة مني في الدفع, مساحة لا تتعدى عُشر الجيجابات وبالضبط (93800 ميجابات فاصل ثمانية GB) من ضمن (93,8 GB)، وثمة يا علي طبعًا أشريطة تسجيل من خمسة لغات مختلفة, وفيديوهات وأفلام كاملة أو مقتطعة (مثل فيلم صمت الحملان, الذي قام العظيم السير أنتوني هوبكنز بلعب دور “هانيبال ليكتير” السفاح فيه، وجرجر الأوسكار من رأسه المسطح, وبالإجماع, أشهر قبل الإعلان عن موعد تسليم الجائزة، وكانت سنة سوداء على الإعلام النافخ في جمر وكانون التشويق, كون الجميع كان على يقين تام, ومنذ ظهور الفيلم وعرضه الأول للنقاد ثم للجمهور، بأن الأوسكار لا تشويق فيها هذه السنة الكلبة 1991، وهي يقينًا في بيت العظيم, أنتوني هوبكنز, أنتوني.

وصولاً إلى فيلم (Contact) لحبيبتي ومعبودتي, الفنانة الممثلة المسكونة الغيلان صاحبة أصدق وأحق أوسكار لسنة 1988, حبيبتي جودي فوستر العظيمة, التي قرأت رواية الكاتب الفلكي الأمريكي كارل ساجان, وهي أصل وعُصاب سيناريو الفيلم الأسطورة, قرأتها 30 مرّة. في تسعين يوم فقط، معزولة عن الدنيا الأرض، قبل الموافقة على عقد الفيلم وقبض 17 مليون دولار بعد حذف الضرائب، وطبعًا, لم أنس حبيبك وحبيبي سيرجي أيزنشتاين, فأنا يساري حقيقي ومؤمن مثلك يا علي، وأعرف أن هوامشًا أو مكتبة تخلو من “المدمرة بوتمكين” ــ واسمها بالروسية, بالمناسبة Броненосец Потёмкин)) لسيرجي أيزنشتاين العظيم القصير القامة, الكبير الهامة حبيبي وأستاذ الجميع ــ هى مكتبة لا يعول عليها يا علي.

آلاف من الشواهد يا علي, جمّعتها كالدرر عبر ثلاثين سنة, وحفظتها في خزائني وحقائبي أينما تنقلت.. وكنت مثلكَ تمامًا يا علي.. لا أحمل ولا أطيق أكثر من حقيبة صغيرة وأقل من نصف الوزن المسموح به في المطار, وكانت وثائقي الثقيلة بين القيروان وتونس وبيوت خالتي وأعمامي مجدولة بخرائط دقيقة.. بالعنوان والموضع وأين ولماذا وكيف، مدونة في دفتر مدرسي أعيد رقنه أو خطه كلّ سنيتن، ولا أرمي القديم أبدًا.. ثم بكيت حين أعلنوا عن بداية عصر الوندوز، فسارعت إلى حاسوب نوع -باكارد بال- اشتريته سنة 1993 من مبنى زجاجي بمدينة ميونيخ بمبلغ خمسة آلاف مارك، مع مطبعة وسماعتين، وسعره الآن لا يتجاوز الثلاثمائة يورو يا علي.. يا مصباح.. وحين بدأت في تولى مهمة رئيس تحرير بموقع إلكتروني عربي.. بكيت بشهقة..
لأنني اكتشفت مزايا هذا الإختراع سريعًا، وأنه سيكون صندوقي أخبئ فيه كنزي الذي تعرف, في رابط مسودة واحدة بلعت وغصت ب 37 جيجابايت. بصندوق أسود يفتح بكلمة سريّة هي إسم الله المائة.. وقد غيّرتها اليوم صباحًا, لأنني كشفت الاسم الذي وعدت القراء بالكشف عنه في الفصل الثامن والعشرين من هذه الرواية وبالدليل القاطع والبرهان….

هل أعرف يا عليّ من أين سأبدأ؟ وأنت تتدخلّ بكلّ جبروت دلالك عليّ, وتتكئ على قلبي بأظافرك، وتمنعني صراحة من الحديث عنكَ. ظنًّا منكَ أنني سأمدحكَ حتى أقسم ظهركَ, وأنني بمدحي لكَ, بعبارات أولها (العظيم) ستؤدي لا محالة إلى ضياع سكينتك وصفائك وطمأنينتك إلى الأبد, حين أفضح لثلاثة أرباع الغافلين من أبناء بلدك طينتكَ، وأقشرّ ضحكتكَ ودمعتكَ, وأربك صمتكَ الذي تشهره في وجه الدّنيا حين تضيق, أو تتّسع. وكلاهما شرّ أنت وأنا نعرفه. فليس أشدّ هلاكًا على الكاتب المنذور أكثر من الضوء.. ولَلْجوعِ والسجن والعراء والحاجة, أرحم وأقرب إلى علامة رضاء الله من كساء الضوء وأساور النعمة وزينة القصور والبهرج.

بلى.. ووالله أدري.. وهذا لا يبيح لك إهانتي.. فأنا تونسي من بلدك.. لكنني مثلك غيلان طيب. وغيلان مؤمن بعبقرية الورد أكثر من وحشيّة الشوك. وأنا يا علي يا مصباح, يا بن بلدي الذي يلفّه البحر المتوسط المدجّن المُستأنس, ما ضربتُ في الدنيا مثلك, إلا لأتعلّم. ووالله يا أخي في الله وفي الحرف المسكون، أنني أبغض الشتائم وفحش القول أكثر مما تبغض. ولكن قل لي: ماذا أفعل بجيوش من الإنس والجن والأشباه والعميان والتبّع, هبّت من البحر الأجاج وخرجت لي من فج النتّ وسديم الإلكترون. وفُساء الفيسبوك, وكلّها تنادي بجملة واحدة: أن اسكت.

(أسكت… أسكت… أسكت)….

أنتَ توجع قلبي الآن يا علي مصباح. ويعلم الله, أنني لم أحترم فوق الأرض من الإنس إنس, ولا من الغيلان, غيلان, كما احترمتكَ, وكما أحترمكَ, وكما سأحترمكَ, ووالله, لو قطّعوني إربًا, إربًا، وجاؤوا بكَ, أو بشبيه لكَ, وأنا مدقوق بالمسامير في لوح مرفوع, وقالوا لي قل ما يشين ويسيء لعلي مصباح, ابن بلدك المهاجر في برلين والضارب منها في فجاج الأرض.. لقلتُ لهم: زيدوا دق المسامير في عيني ولساني وثبتوني إلى أرضكم الفانية أكثر.. يا أولاد الكلب هل يكفر مؤمن؟؟

ياااه يا علي.. لم أنتبه للوقت.. ارقن كالمجنون منذ الفجر، أحس أنه يكاد يغمى عليَّ من الجوع والعطش، والسجائر انتهت منذ أربع ساعات…

هل تسمح لي ياعلي يا صديقي، أن أكتفي اليوم.

وأخصص لكَ الفصل الثامن أيضًا صباح الغد.

ولن أكون مثلك متسرعًا في الحكم.. سأناقشكَ من منجزكَ ومما تركت بين أيدينا.. وسأناقشك في اختياراتك.. وفي مواقفك وفي آرائك وفي موقف قدمكَ الآن، وفي نيتشه، وفي كلّ كلّ شيء.

نعم….!

سأفعل. وهذا حقي …

كونكَ يا علي يا مصباح, توقفت أن تكون شخصًا عاديًا يريد الهدوء والسكينة, ويخشى الأضواء. كما تقول.. وأعرف أنك صادق.. بل وأقسم بالله مع باتريك زيوسكيند صاحب العطر أصدقهم. جميعًا.

ولكنك يا سي علي مصباح، توقفت, شئتَ هذا أم أبيتَ. منذ أمضيت عقد الترجمة الأوَّل، والكتاب الأوَّل المذهل عن الرحلات والتأملات. توقفت وإلى الأبد عن أن تكون مجرد علي مصباح ابن بلدتك وأمكَ وأبيكَ، أنتَ الآن يا علي يا مصباح، بإرادتكَ, أو مِن غير إرادتكَ شخصية عامة يا علي.

نقطة.. وسأرجع للسطر غدًا في فصل آخر مستقل هو الفصل الثامن يا علي يا مصباح.
وحتى لا أنسى.. أنا لا أعدّ عادة ولا أحسب ما أردد من قلبي: هل تعرف كم عبارة (عظيم) رقنتها اليوم في هذا الفصل السابع المتعجل البديل…

وهل وجدتني ألصقها إلا بمَن يستحق يا عليّ؟؟؟؟ ولا يعنيني في ذلك أن كان عبقريًّا أم لا، ما أصعب هذا اللقب في فمي يا علي, ولكنني سخيّ به علىَ من يستحقّه.. وعيب أن لا أصبغه عليه.
عيب أخجل منه, وأتحمّل أمام الله, وأمام الأجيال القادمة التي لم تشهد.. عيب وثقيل عليَّ يا علي.

ومعذرة عن أخطاء الرقن أو التداخل في الفقرات.. لا تخشى شيئًا.. سأصلحها إذا كان الغد.

(كمال العيادي – مكتب القاهرة)

الفصل الثامن

(الفصل 8 من 31 فصل)

صباح الفلّ أيها الأحبّة…!
أوّلاً, وحتى أريحكم نهائيًّا, منذ البدء.. فأقسم لكم بعزّة وجلال الله, خالق الأكوان والسماوات والأرض والنور والسلام. وبشرف الأرضيّة مثلي, المُنتقاة, مثلي: أعزّ الناس لديَّ, ابنتي ياسمين بنت كمال العيادي, فخري وعِزّتي, أنني أكثر عباد الأرض بغضًا وكُرهًا, ونفورًا من جميع أنواع الشراب القوي, ما عدى البيرة الخفيفة, وبمقدار معلوم لا يضر, و أنني أنفر من جميع أنواع المُخدرات الكيميائية منها في شكل حبوب أو سوائل أو غازات أو مسحوق أو معجون أو مركّب أو طبيعي.. وأوّلها الحشيش, والماريجوانا والبانجو والقات والسعوق وغيره حسب كلّ الدرجات.
وأنني لا أطيق حتى رائحته. وأنني أشفق على من يتعاطاه،
لكنني أحبّ أغلبهم وليس كلّهم بالطّبع. فأغلبهم عادة من الطيبين الذين لا يضرون أحدًا, على عكس عشاق الكحول وتابعيه…
وأغلب من يدخن البانجو, أو الحشيش, هم هنا في مصر ــ حيث أكتبُ هذا الجزء الثامن من روايتي (حكاية السنوات الثلاثين) التي ستفاجئكم نهايتها أيّما مُفاجأة ــ أو في تونس أو في بلدان الشرق خاصة, التي زرتها حتى اليوم, (وأنا بين جذوة الشباب وبداية شرارات الكهولة الجميلة, التي إطمأننتُ علي علامتها منذ أسابيع, وأنا أتطلّع لأوَّل حبّات سكّر الشيب في شعري الأسود الفاحم.. وأنا في السادسة والأربعين من العمر، قُلتُ أن المحششين الذين عرفتهم في البلدان التي زرتها حتى اليوم, مثل اليمن والعراق والمغرب وسوريا, هم من البسطاء المساكين الذين أرهقتهم الحياة وضياع الفرص والعمر, وعدم فهم عدالة الله التي لا تتجلى إلا للعارفين، والمُختارين، وأنا لذلك لا أشتمهم, أبدًا, ولا أحسدهم أبدًا.. ولا أقسو عليهم، وأحبّ أكثرهم، ومَن كان منهم بطبعه أصيلاً ونبيلاً. فهو بتدخين لُفافة أو لُفافتين من الحشيش الطبيعي غير المغشوش طبعًا, سيزداد طيبة ورضا وقبولاً وتسليمًا وسلامًا…
وقد يبكي فقط, لأنه يرى ويتذكر علامات مُبهمة, لكنها مثل ضوء طري وجميل وفاتن ومريح. وهو أشبه عند عبدة الدنيا, بإعتذار خاصّ وحميمي مسجّل ومودّع منذ الولادة, في ركن قصيّ من دماغه, كوديعة ضخمة, مرعبة, تعادل كلّ الأصفار اليمين في رقم ما, وتعادل عقدًا مسجّل لملكية الأرض وكنوزها وتفيض…
وهو يذهب في رحلة, تدوم عادة ملايين السنين ليصل إلى شخمة،
(وليست شحمة) دماغه, التي يقرّها العالم الحديث بحجم يتصورون أنه في سمك بويضة الرجل المنوية التي لا تُرى إلا بالمجهر، والباقي تمويه, ورحمة حتى لا تعرف للباحثين عن إذلال البشر بإكتشاف مواهبه, وسرّ خلقه.. قال لنا, أنه حين يدخّن وتتوفّر عدّة معطيات, منها نقاء ونبل أصيل, وغفران, وطهارة خاصة, فهو بركوب براق الّدخان لهذه العشبة السحرية, يصل إلى هذا الرّكن القصيّ منه (فصّ الشّخمة), حيث أودع الله له ميراثه ووديعته, منذ الأزل, وقبل أن يولد أجداده أصلاً, (وسيقول أكثركم, وحتى أقلّكم كفرًا وفجورًا وتشكك وريبة كيف؟؟ وسيقول صارخًا أو مُخوّصًا عينيه:ــ هذا هراء وفذلكة لغوية لطيفة…!
الأمر ليس كذلك على الإطلاق…
…هؤلاء همّ ملايين الأجداد المسحوقين منا يا غافلة, مُنحوا السر وهو لا يستطيعون رؤيته ولا التعبير عنه بلسان قويم.. هم أجدادنا, لأننا نحن كلّنا أول الأجداد, وآخر الأحفاد نحن…
وحتى لا تحسبون أنني اجدف كعادتي في فلك اللّغة.. يلعن اللغة.. فلن أعوّل مثيرًا هذه المرّة فقط على ذكائكم الأرضي وفطنتكم، وسأسلخ من عمري القصير وفرصتي للطمأنينة قبل أن ينتبهوا لي ويبعثوا بجلاديهم وأموالهم وهداياهم المنقوعة كلّها في السم, مثل برنس إمرئ القيس ذي القروح، قبل ذلك سأشرح لكم سريعًا وبإيجاز شديد، طرف الخيط، وحافظوا معي على أوَّله…
وأوَّله, للتبسيط ولكي تفهموا بلسان عربي مبين, وفقه منحني الله إياه, وبيان وأدلة لا تردّ ولا تحاجج إلا ممَن أعماه الله وإلى الأبد….
فتعالوا معي أدلكم على أوَّل الخيط.
أوَّل الخيط يا أحبتي المؤمنين منذ الآن، ويا قتلتي بعد حين, هوّ عند هذا الحشاش المصري أو التونسي أو العراقي أو المغربي أو السوري أو اللبناني, (وكلهم متشابهون) الذي دلّني في لحظة قدّرها الله بحسبان أن ادخل إليهم فيهم وأن أراهم وأنا لا أحشش معهم بل أتقاسم معهم الضحكات والنكات فقط، والحشاش عادة لا يحتمل, ولا يطيق من ينظر إليه ولا يشفط معه نفسًا أو نفسين على الأقل.. وهذه حكمة غريبة ولكنها دائمًا تتكرر معي.. وأغلبهم يتضايق جدًّا, أنني افتح بيرة إلى جانبه وأمد له واحدة للتعذيب, وهو أشعل للتوّ لفافة حشيش, تعب عليها وعلى لفها والحصول عليها أصلاً.. لكن الله, شاء أن أكون كائنًا مائيًا, وأنني لا أطيق أكثر من أربع قوارير بيرة خفيفة, لا تتجازو اللتيرن.. وبعدها أضيع.. وأنتبه من غفلتي سريعًا.. لكن شرب الحشيش, شيء آخر، وأنا أعرف جيدًا أن الله حماني منه لسر.. أنه كان يريدني أن أرى.. وأن أسجل، وأن أكمل رسالتي السامية التي تضوع خيرًا إن تابعتم ورأيتم وبدأتم معي ….
لقد بدأت ملاحظاتي لأوَّل مرّة سنة 1990, بموسكو, بغرفة جميلة مرّتبة كانت معدّة ومخصصة للضيوف من طلبة القارة الأوروبية من الذين يجيؤون في زيارة لموسكو للتصوير.. أو لمؤتمر له علاقة بمهرجان السيمنا بموسكو.. وكنت أنا في السنة الثانية من أفضل طلبة المعهد العالي للسينما الشهير.. معهد الفجيغ (FGIK) وبدات الحكاية العبقرية, وأنا أراجع فرحًا نسخة من جريدة الصباح التونسية, كانت نشرت لي منذ يومين نصًا, هوّ أوَّل نصوصي التي شهدت وكانت سبب تحولي من الشعر الذي كنت ألعب فيه جيدًا, ولكنني لم أكن أحس أنني شاعر عبقري.. عبقري بمعني عبقري فعلاً.. مثل درويش في أغلب تخريجاته, ومثل أدونيس في بعض نصوصه الفصوص ومثل الشابي في عشرة أبيات مذهلة, ونزار قباني في ثمانية قصائد وأمل دنقل في قصيدة, وأحمد شوقي في ثلاث قصائد. والجواهري في ثلاثة مثلها, والسياب في قصيدة, وأيليا أبو ماضي في قصيدتين, وجبران في قصيدتين ونصف, وجرير في ثلاثين قصيدة والمعري في بيتين, والمتنبي في عشرة أبيات و إمرئ القيس في بيتين والأخطل في بيت وقيس بن الملوح في أربعة ابيات والخنساء في بيت وهوميروس في بيت واحد, وشنغاي في بيت واحد وليرمانتوف في بيت واحد, وبوشكين في بيت واحد, ومثل منور صمادح, في ثلاثة أبيات, ومثل رامبو أو حتى شكسبير…
البقية كانوا عندي شعراء فطاحل وكبار..
لكنهم عندي إلى اليوم.. فقط فطاحل وكبار، لكن ليسوا عباقرة.
فالعبقري لا بد وأن يسكن بيته، وإلى الأبد، وعن جدارة
ولا بدّ أن يكون أنانيا وشريرًا في نصه (فقط) وطيب وجميل ونبيل في حياته.. حياته… ومن وجدته خارج هذا المقياس المسطرة.. فهو ليس عبقريًا …العبقري طيّب جدًّا… وخجول جدًّا جدًّا, في الحياة… بل هوّ يبدو سطحيًا وساذجًا وغير مفهوم أحيانًا… وأكثرهم ماتوا لسوء فهم وقلة صبر أو عداء غبي ساذج من ذوي القربى والأهل والأصدقاء أنفسهم.. وهذا يحدث معنا كلّ عشرة سنوات تقريبًا من عمرنا, وبزمننا الأرضي.. هوّ فعلاً غير مفهوم، وقد يتعمّد الإساءة للذين قربه, حتى يُنجيهم بخدوش سطحية بسيطة, من إمكانية انفجاره يومًا في غضبة, تقتلهم للأبد لا محالة، ولو معنويًا, وتخصيهم إلى الأبد إبداعيًا، ولا سبيل لإنقاذهم من الجرح الخطير القاتل لو حدث وأنهم تطاولوا، وكان لسانه أو قلمه في تلك اللحظة في غير ركب وحماية الله.. ياااااااااااااااااااه.. العبقري علامته أنه لا يخون.. أبدًا لا يخون.. وهو خجول.
ولكنه في نصه (يااااااللهول.. يااااااا للهول.. يياااااااا للهول.. حين يعجنها ويخرجها للناس آية مفحمة، وردة أو شوكة لا سبيل للفكاك من مصلها ما بقت البشرية تسعى وتتكاثر وتتزاحم(.
كنت أيامها سنة 1990, شاعرًا جيدًا, بل أكثر من ذلك, بشهادة كلّ من اقترب مني.. كنت قد بدأت أعرف في القيروان العجوز بقصيدة تحفظ من طرف كل من سمعها ولو مرة واحدة.. وكنت قد خلفت ورائي وخلال سنتين فقط في العاصمة صيتًا وشهرة ما زلتُ أتجرع زيوتها الكريهة أو زلال ماء وردها حتى اليوم.. وتعرفت في ذلك الوقت من بعيد أو من قريب إلى المنصف المزغني وأولاد أحمد وآدم فتحي و عبد الله مالك القاسمي, والعظيم منور صمادح الذي كان يحبني جدًّا, وهو أحد غيلان تونس رحمه الله مع الشابي, وتعرفتُ إلى أبي زيان السعدي شيخ النقاد, أطال الله في عمره, وهو أوَّل من سماني (النحيل البوشكيني) وإلى اليوم يبكي بالدموع حين يسمع أنني رجعت تونس ولم أزره.. وووو
كنت فعلاً قد نجحت أيامها وفي وقت قياسي بالنسبة لشاعر قيرواني شاب يهبط العاصمة ويعربد في شارع الحبيب بورقيبة.. معقل الوحوش والحمام.. شارع الشعراء والمبدعين…
كنت فعلاً قد بدأت بداية قوية أيامها.. وتنشر لي أكبر الصحف التونسية والمجلات, بل أن دكتورًا, نشر في مجلة صغيرة بحثًا وتدقيقًا في نص نُشر لي بالملحق الأسبوعي الأدبي لجريدة الصباح الشهيرة, والذي كان يُشرف عليه آنذاك ابن عمتي القصاص المرموق والصحفي المشهور أيامها: أبو بكر العيادي.. والذي لم يكن يعرفني ولا حتى تكلم معي غير مرة واحدة لمدة دقيقة أو أقل.. قلت له فيها: لدي نص متين.. هل تنشره لي؟ فقل لي نشرت لكَ منذ أسبوع.. فقلت له: هذا نص آخر قوي. فقال: هاته. ونشره.
فقط.. لم تكن علاقتي حميمية با بن عمتي المترجم والقصاص المعروف الآن والذي يعيش في باريس، وهو طيب وأصيل ونقي، لكن ايامها لم اكن أعرفه. إلا كعلم مشهور يشرف على أهم ملحق ثقافي بأهم جريدة تونسية غير مشبوهة في ذلك الوقت. وقد كانت بدايتي من هناك. وقبلها كنت أهم نجوم ملحق الصدى الإبداعي الذي يشرف عليه أيامها في منتصف الثمانينات الصحفي والناقد الجميل: محمد بن رجب. وكان ينتظر قصائدي القصيرة بفارغ الصبر وينشرها فورًا في نفس الأسبوع, حيث لم يكن من عش ابداعي غيرها.. ولم يكن يعرف أيامها ــ في سنوات منتصف الثمانينات ــ أن هذا العبقري الصغير بتعبيره ومقياسه، كان تلميذًا في السنة الثالثة ثانوي, ومازال عليه أن يكمل أربعة سنوات كاملة وشاقة, حتى يصل إلى السنة السابعة آداب، ويتحصل على شهادة الباكالوريا آداب لسنة 87. لم يكن ليتصور أو يصدق أبدًا, أن ذلك الذي كان يرسل إليه القصيدة في عشرة أبيات, ومعها رسالة توجه الصفحة وتقترح وتحتج وتغضب وتشتم.. لم يكن له, وما كان له أن يتصور أيامها قبل أن يراني فعلاً.. أنه كان لي من العمر (15 سنة فقط(
وحين قابلته للمرة الأولى بعدها بسنوات, وهو ينشر لي كلّ أسبوع تقريبًا، وكان ذلك سنة 1987 سنة الباكالوريا, وكان قد دعاني مع مائة من كتاب الصفحة إلى مهرجان الأدباء الشبان بمنطقة حي الزهور الثالث.. يومها نظر إلى جسدي النحيل جدا، ووجهي الذي يشبه السياب بشكل عجيب، وقال لي جملة, أشبه بصرخة مدوية حين قدمّت له نفسي.. صيحة في قالب جملة لن أنساها: حين صاح, وهو يلوّح بالجرائد في يديه, ويقف مثبتًا في مكانه:
ــ يستحيل…!!!…..أنت كمال العيادي القيرواني.. أنتَ؟؟؟!!
كنت أيامها فعلاً أريد أن أكون شاعرًا عبقريًا…
ولكنني كنت ألمعيًا وأحسب بشكل سريع., بل فوق أرضي. وحين تأكد لي بعد جهد, وبكاء وحزن ومعاناة مع نفسي بأنني لن أكون الشاعر العبقري ولو بعد مليون سنة.. أبدًا.. أبدًا…
وأن البيت الذي أنشد يسكنه منور صمادح, وأبو القاسم الشابي بعقد ملكية سيزداد مع الوقت حجّة ويقينًا…
حينها.. في تلك السنة.. قررت أن أصنع قصرًا بدلاً من البيت…
قصر من صنعي أنا وحدي..
لا يشبه غيري… أبدًا… لا من بعيد ولا من قريب..
ولا ينافسني فيه بشر…لا من الأموات ولا من الأحياء… منذ بدأت الخليقة وحتى ترفع…
وكنت غاضبًا… لكنني حين أصرّ وأقرّر أفعل.
ولو كلفني تغيير عبارة مثلاً, عشر سنوات من التدقيق…
أنا هكذا… عنيد… وعنادي فوق أرضي…
ولذلك غضبت جدًّا حين ترجم الصديق الذي أحبه, علي مصباح, عبارة ( ) النيتشوية.. القاتلة.. إلى عبارة (الفوق إنساني)… وسأعود إليه في الفصل العاشر… ولن أتركه هكذا كما يريد.. لكنني سأكمل الآن.. وأختصر هذا الفصل، وألمّه.. لا بدّ من لمّه كي لا يفيض في ألف صفحة وحده.. ودين ربي أنا قادر عليها وأعصابي من حديد.
لكن رحمة بالقراء والناشر والمترجمين الذين يتتعوش أيامهم… ألم الحكاية وأختصر في جملة واحدة….:
قررت أن ابدأ من زاوية مستحيلة… لا هي شعر… ولا هي رواية… ولا هي نثر… ولا هي سرد… ولا هي علوم… ولا هي تاريخ… ولا هي سيرة ذاتية… ولا هي نقد… ولا هي جغرافيا… ولا هي فلسفة… ولالا هي ملحمة… ولا هي قصة… ولا هي شر… ولا هي خير… ولا هي بدأ ولا هي إنهاء… ولا هي قبض… ولا هي بسط:
قرّرت يومها… في الغرفة 216 (الرقم الأول يشير للطابق والرقمين المتبقيين لرقم الجناح)
قرّرت يومها: أنا… كمال العيادي القيرواني البوشكيني السيابي النحيل… أن اسمي اختراعي الإبداعي بكلمة نستعملها كلّ يوم ولا أحد يسكنها, لغفلة او لضيق رؤية ورؤيا.. قررت أن اسمي اختراعي العظيم.. اختراعي المذهل:
((الكتاب))
نعم.. الكتاب, بالألف واللام تركيزًا وليس نكرة أو مضاف أو مضاف إليه… أو جار في عنوان أو مجرور في قاطرة جملة…لااااا… أن يكون اسمه بالألف واللام (الكتاب) ويكون ذكرًا, مرفوعًا وفحلاً, يلين كالماء و يتكوّر العجين, وييبسّ كالجلمود.. وكان الله من هداني لهذه التسمية.. حين سمى ببساطة كلّ ما كتبه, بعبارة (الكتاب) في إشارة أن كّل عبد من عبيده, يعود إليه يوم القيامة، وفي يده كتابه.أي (الكتاب).
ولم أكن أخجل أن أعترف للعالمين أنني أغرف وأنتحل من سرّ ربي، إن الله سبقني إلى هذا الاسم صورة ورسمًا ومعنى ومبنى…
وكان عليَّ فقط, بعد أن عثرت على الأرض الطيّبة التي هي التسمية أصلا, كان عليَّ أن أخصص ما تبقى من عمري لجمع مواده.. بجسدي وروحي وقراءاتي وعلاقاتي وشري وخيري وتجربتي وشهائدي ومناقشاتي وكلّ كلّ ما سيعترضني.. سأحوّله كما النّحلة و وبقدرة قادر, وبتأييد من الله, إلى عسل مصفى…
وكنت أبكي وحدي في الغرفة 216, بشارع جالوشكينا، وأنا أقلب المقال المقتطع من جريدة الصباح, والذي ارسله لي ابن خالتي بالفاكس، وكان المقال عبارة, عن أوّل خيوط المعجزة، وأوَّل الخيط: أن يكون ذلك, أوَّل أثاث في الكتاب, عبارة عن هذه المرأة التي تقف أمامي الآن تدق الباب بعنف شديد، وللحظة, ولأنني كنت مستغرقًا كالمسطول بنشوة النص وأنا أقرأ جملته الأخيرة التي لم تحدث أيامها أبدًا…أبدًا… وكانت من صنع خيالي وتوتري فقط… كان من صنع خيال شاب عبقري مظلوم.. وصل إلى درجة من العبقرية أنه أغرى مديرة مبيت دار الطلبة.. ونام معها وهي في الأربعين, وهو في العشرين تزيد قليلاً, لا لأنه يحبها, ولكن لأنه لا يكرهها فقط… وزد على ذلك… أنها أعطته جناحًا كاملاً مع غرفتين ومطبخ وحمام وتواليت مجانًا، ومؤثث بالكامل، لتنام معه مرة واحدة في الشهر, كونها لا تطيق أكثر لعيب في رحمها، ولأنها كانت كالمسحورة، تأتيه مرتين في اليوم، ليحدثها عن الشرق, بلهجة عبقرية تقارب لهجة الروس، ولكنها عبقرية، قال لها: أنها لكنة قيروانية…
بدأت المعجزة والفكرة والمديرة الجديدة الشقراء القاسية الملامح المنتصبة كعود زيتون تقف الآن على باب جناحه الذي أعطته له المديرة السابقة بدون عقد ولا وجه حقّ، لأنه مكانه الطبيعي كأعزب وطالب سنة ثانية فقط, وليس الدكتوراه أن يسكن في إحدى الغرف الكريهة الرائحة, بأحد الطوابق بين الطابق الرابع والطابق السادس والعشرين….
وجاءتني الفكرة العبقرية، وانا أقلب مقالاً, كتبت فيه حلمًا لم يحدث عن مديرة هي الآن مطرودة، ولن تراسلني ولن تحميني :
كانت الفكرة في جملة واحدة: (لماذا لا أحول هذا النص إلى كائن حي، وأن أجعل هذه التي تقف الآن تطرق الباب لتطردني لأنها لا تطيق أن يسكن عشيق سابقتها غرفة ليست من حقه)
قلت: لماذا لا أغير عنوان المقال: من ليودميلا فيودروفنا كما هوّ مدوّن ومرقون أمامي في أعلى المقال بجريدة الصباح المستنسخة عبر ورق فاكس روسي ردي إلى حياة.. حياة تنبض …
وقد كان، وحتى تفهموا جيدًا، ولأن ذلك في منتهى منتهي الأهمية في حكايتي وروايتي كونه النص الأساس البدء، فهذا هو النص حرفيًا. كما نُشر, وكما كان في ورق فاكس ردئ يومها, بين يدي في الغرفة 216 من مبيت طلبة معهد السينما الفجيغ (FGIG)
بدون تعديل، وبأخطائه وكما هو: هاهو بين أيديكم, اقرؤوه أولاً لأكمل ما هو أشد خطورة مما قد يتصوره بشر سويّ وقرأه في كتاب :
ليودميلا فيودروفنا و الغرفة 216
كان إحساسًا غريبًا, ذلك الذي اعتراني, وأنا أعبر الممر الفاصل بين الطائرة و مطار موسكو الدولي. أذكر أن الساعة كانت تقارب الخامسة صباحًا, وكان مذيع الطائرة قد أعلن لأكثر من مرة بأن درجة الحرارة شارفت الثلاثين تحت الصفر, وبالرغم من عدم تعودي على سماع مثل هذا الرقم, فقد كنت مهتمًا فقط بجدران الممر الحديدية …!
لم يكن ممرًا عاديًا, ولكنه كان حلقومًا طويلاً مثل الثعبان, وضعوه خصيصًا لكي لا نتجمد من البرد, ونحن نعبر المسافة الفاصلة بين الطائرة, وذلك البلد الغامض. كنت مشدودًا ومتوجسًا من شيء ما, وكانت بي رغبة في العدو, باتجاه المطار أو العودة حيث الطائرة… كان المهم عندي عبور الممر بأسرع ما يمكن.
حدثت بعد ذلك حوادث شتى, وفرغت من نفسي بذلك البلد, حتى اكتفيت أو كدت, وألفت المكان حتى كاد يألفني, وقدمت له أجمل سنوات شبابي قربانا.. وكنت راضيًا وأكثر.
عرفت الكثير بذاك البلد, وجبته جنوبًا وشمالاً, وتعلمت مجاهل لغته, ومغاليق أسراره, وكنت صديقًا وفيًا للبجع الأبيض الحزين عند شواطئ الفولجا, وقرأت أجمل القصائد مع سجائر الكوسموس عند قدمي تمثال بوشكين, وكنت لا أفوت فرصة للالتحام بالعجائز أو بالصبايا .وفي موسكو فقط تتكامل العجائز بالصبايا, ولا سبيل للوفاق مع مزاجية الثلج, ولا مع غنج طيور الدوننباي إلا إذا تحللت حكم العجائز و همسات الصبايا ــ في ذاكرتك ووجدانك – وامتزجتا بما توفرت عليه قبل ذلك كله …!
جئت موسكو طالبًا للعلم ــ أو لبعضه ــ ومطالبًا بشهادة ثقيلة على النفس, تبدو لي غامضة ومثيرة… ورغم عشقي الفطري للكلمة, وشغفي الشديد بالشعر, فقد مرت سنتان قبل أن أتعرف إلى باريسا ألكسندروفنا …
كانت باريسا ألكسندروفنا إمرأة في الأربعين من عمرها, وكانت ابتسامتها تخفي فعل الزمن على وجهها بشكل مدهش، التقيت بها صدفة. كانت مسؤولة عن مبيت الطلبة – حيث أسكن – بشارع “جالوشكنا”, وكنت طالبًا مشاكسًا أستحوذ على الغرفة رقم 216 وهي غرفة بالطّابق الثّاني, خاصّة بضيوف المعهد من طلبة القارة
الأوروبية.. جاءت غرفتي تشتعل غضبًا وأمرتني بمغادرتها في الحال. بعد جمع أغراضيّ. دعوتها لشرب فنجان من القهوة اللبنانية ــ كانت أهدتها لي إحدى العابرات – وما كان لمثل باريسا ألكسندروفنا أن تقاوم رائحة البن المحنك, وهي التي تستسلم كل صباح لطعم القهوة الروسية ــ الكريه ــ عند الرشفة الثالثة, بات واضحًا أنها نسيت تمامًا ما جاءت من أجله, وكانت آخر آثار الغضب تتراجع في زرقة عينيها, وهي تتفرس بدهشة في جدران الغرفة حيث اصطفت عشرات الصور المختلفة الأحجام والألوان والأشكال والمواضيع .
كانت لوحات غريبة فعلاً تجمع بين رسم لوجه الفرعون توت غنج آمون, وآخر لبيكاسو, وسلفادور دالي, وبوب مارلي, وألآن بارك, والحبيب بورقيبة, و كلاوس كينسكي, وأوجين يونسكو, وليرمانتوف , ووالدي رحمه الله, وغيرها…
وعند الجانب الآخر, كانت ترقد مجموعة ضخمة من الكتب باللغة الروسية والعربية والفرنسية, وكومة أخرى من الصحف و المجلات العربية, ورسائل مبعثرة, وأوراق متناثرة هنا وهناك .
سألتني عن كل صورة, وحين كنت أجيبها باقتضاب, كانت تعيد نفس السؤال بإصرار غريب .
ربما كان للبن دور. وربما لأنني كنت منهارًا لتأخر ماشا -صديقتي- وربما كانت باريسا ألكسندروفنا قد تعرت تمامًا من أقنعة الوظيفة …
المهم أنني وجدت نفسي أتحدث معها بطلاقة غريبة عني… حدثتها عن لعنة الفراعنة وعن كلب كافكا وعن شذوذ بيكاسو .
حدثتها عن والدي ــ رحمه الله ــ وقلت لها بأنه مات استجابة لنداء سمعه من عمق البحر .
حدثتها بشكل لم أعهده في إطلاقًا… وكنت أختلق أغلب الحكايات, والغريب أنني كنت أشعر بأنني أقول الحقيقة تمامًا… وحتى هذه اللحظة, يخيل إليَّ بأن والدي مات استجابة لنداء سمعه من عمق البحر, وبأن كلب كافكا اسمه ــ يوشا ــ وهو أسود اللون, ويقف على قائمتيه الأماميتين ــ كما يفعل الشطار ــ…‍ّ‍
خرجت باريسا ألكسندروفنا من غرفتي, وقد نفذ إليها ذلك العالم الأزرق… وتعودت ألا أقلق لتأخر ماشا ــ صديقتي ــ
كانت باريسا ألكسندروفنا رقيقة النفس, وكانت الكلمة مفتاحًا إلى عالمها وقلبها, وقد فتحت لي كل المغاليق وأكثر .
بعد مدة بدأت أنتبه إلى حكاياتها, وكنت قبل ذلك أتظاهر بمتابعتها.. كانت تحدثني عن ألكسندر بوشكين وهي تمسك نفسها عن البكاء بصعوبة. وحين كانت تقرأ لي من الذاكرة بعض المقاطع من روايته الشعرية “يفجين أونيجن” – كان وجهها يحتقن من الانفعال, وكان تنفسها يتسارع, وكان كل ذلك شاذًا وغريبًا عن عاشق الشعر الذي كنته حتى ذلك الوقت .
كنت قد درست عن بوشكين حتى مللت منه, وعرفت عنه ما يكفي لأسود بياض عشر صفحات عند الامتحان المنتظر آخر السنة الدراسي، .وكنت أعرف كما يعرف كل طلبة صفي بأن ألسكندر سرجاييفيتش بوشكين ولد في موسكو, وبأنه تربى على عشق الحرية, وذلك ما جعله يهتم بالتنظيمات السرية وينخرط في الجمعيات المعارضة للنظام القيصري الرجعي, وأنه بدأ بكتابة الشعر وقرضه في سن مبكرة جدًّا, وتعرض للنفي والاصطدام بالقيصر, وأنه كتب :”روسلان و لودميلا” و “نافورة باجشي سراي”و “الأسير القوقازي” وكتب عن القوقاز كتابًا آخر يصف فيه الإبداعات التي أحبى بها الله هذه المنطقة من العالم, وأنه كتب “يفجين أونيجن” وصور من خلالها طبيعة المجتمع الإقطاعي ولذلك يعتبر مؤسس الواقعية النقدية في الأدب الروسي
و إضافة إلى ذلك فقد كنت أحفظ عن ظهر قلب ــ كما يقال ــ ستة مقاطع من شعره رغم أننا كنا مطالبين بحفظ مقطعين فقط, لعرضهما يوم الامتحان الشفوي في مادة الأدب القديم والوسيط, وأدب رواد الثورة الفكرية في روسيا .
كنت أعرف كل ذلك وأكثر عن ألكسندر بوشكين الذي مات على إثر مبارزة دبرت له مع ضابط فرنسي. كنت أعرف كل ذلك وأكثر عن بوشكين. فلماذا يحتقن وجه باريسا ألكسندروفنا بذلك الشكل وهي تقرأ مقاطع من شعره؟؟ وانتبهت مرة إلى دمعة تنحدر من مآقي باريسا ألكسندروفنا وهي تقرأ مقطع من قصيد “روسيا” الذي كنت أحفظه جيدًا, وكان المقطع يقول: (إني أحب سماع أصوات البعوض… وصوت أفراح الصبيان فوق المرتفعات
حيث يثيرون الصخب… كي تأتي الصبايا …(
كنت كمَن يستفيق من غفوة طويلة… طويلة .
وأحسست بأنني عدت ثانية داخل نفس ذلك الحلقوم الطويل الذي كان يربط بين الطائرة و مطار موسكو الدولي. وكانت دمعة باريسا ألكسندروفنا ــ خيطًا ــ يشدني باتجاه الجانب الآخرــ عكس اتجاه الطائرة. وكانت المرة الأولى التي أشعر فيها بأنني بموسكو ــ بعد أكثر من سنتين فيها .
كنت كالطير الوليد أحسني طليقًا بهذا البلد الذي لم آلفه قبل ذلك أبدًا. مر وقت طويل على ذلك, غادرت موسكو فيه, وعدت إلى أرض الوطن… ولكنني لم أحتمل دعابات الأصدقاء القدامى… وصياح ديكة الصباح! لم أحتمل حنان والدتي, وتصفح جرائد المساء, فغادرت الوطن ثانية ولم آخذ معي إلى بلاد براشت وهيجل ونيتشه وجوته, سوى ديوان “أغاني الحياة” لآبي القاسم الشابي، وديوان “ألواح” للمنصف الوهايبي، ومسرحية “بيارق الله” للبشير القهواجي و “حدث أبو هريرة قال…” للمسعدي، ونسخة معربة من الكتاب المقدس, ومصحف للقرآن الكريم عليه إمضاء والدي, رحمه الله. مرّ وقت طويل بعد ذلك, وأرهقني اللهاث وراء تحصيل ثمن كراء الغرفة المعزولة التي ارتضيتها سكنًا. ولكنني كنت كلما انفردت بنفسي, أتذكر مقولة باريسا ألكسندروفنا, وهي تودعني بمطار موسكو الدولي قائلة: (إذا عصفت بكَ الأحزان, فلذ ببوشكين..
وحين تقرأ له, تذكر جيدًا, أنه كان يخاطب الورد بأسمائه, وأنه كان يعتذر للماء عن تأخر البجع الوحشي .
اللّـــه… باريسا ألكسندروفنا, تلك المرأة العظيمة, التي مازالت رغم كل الأحداث التي عصفت بموسكو – تراسلني, لتخبرني بأنّ موسكو أصبحت أجمل مما كانت عليه قبل رحيلي عنها, وأن كلّ ما يقلقها بعض الشّيء, هو تأخر مجيء البجع الوحشيّ هذا العام.
@@@@@@@@@@
هذا هو نص النص كما نشر بحذافيره, وبدون تعديل…
@@@@@@@@
المهم. حدث ما هندست وخططت في عشر ثانية وهي تطرق الباب.. وفتحت لها.. وهي اسمها في روايتي هذه وإلى الأبد (باريسا ألكسندروفنا).. المديرة الوحيدة التي أعرفها وعرفتها وسأعرفها.. وتساءلت: من هذه الـ (ليوديملا فيودروفنا) المشحمة الكريهة الرائحة التي تستغلني ولا تتركني أكتب، وتغارمِن كل مَن تدق بابي من البنات.. من هذه؟؟؟
أنا لا أعرفها.. ولم أعرفها.. وما كان في مسار حياتي أن أعرفها, ولا أن أنام معها وأنا أتماسك حتى لا أتقيء, ثلاث مرات كاملة…. لاااااااااااا…… مرتين ونصف… في المرة الثالثة لم أنزل ولم أرش بويضات المني فيها…. مرتان ونصف في خمسة أشهر.. إذن أنا لا أعرفها.. وهي ليست روسية أصيلة.. وهي كابوس.. وهي طردت.. وأنا لا أحبّ الآفلين.. أبدًا.. لا أحبّ مَن يخون.. ولا مَن يحسد.. ولا مَن لا يعترف…ولا مَن يطرد….ولا مَن لا يثبت. وهي مجرد وهم.. ونصي هو الأصل.. نصي الذي تجملت به, وكذبت على أصدقائي في تونس لكي لا يضحكوا عليَّ هو الأصل
هذا أول عامود في كتابي.. وكتابي لا يضم الآفلين.. أبدًا.
@@@@@@
و… صارت باريسا صديقتي وأمي وحبيبتي… وحوّلت الجناح 216 بالطابق الثاني إلى وكر جميل استدعي له كل الحشاشين من المبدعين والطلبة الهاربين من عيون المديرة نفسها… صديقتي الجديدة… باريسا ألكساندروفنا…..
وبدأت أشتري الحشيش, بكميات صغيرة… ولا أدخن أبدًا…
كنت فقط أرقبهم كيف يرتفعون ويبدوؤون في الرحلة… وما كان لأحد منهم أبدًا ان يمنحني هذه الفرصة, دون أن يجبرني على التدخين معه, لكنهم مع الوقت, قبلوا ما قلت لهم, بأنني مريض وأنني أشرب الحبوب (وهو اختلاق) وكنت أبتلع أمامهم حبات بيضاء هي أسبيرين (هههههههه)…. وصدقوا… وظنوني أحلق معهم في عربة قريبة بمخدرات أخرى… وفتحوا لي الأبواب المغقلة… وراقبتهم عن كثب وبتدقيق عجيب… وأنا أمثل أنني سرحت في ملكوت الله… وأشرب بين الحين والحين رشفة من البيرة فوقهم, للمزيد من التضليل…. ومن يومها… لا أسافر بلدًا إلا وأسأل أوَّل ما أسأل عن حشاشيه وغرزه… ويظنون أنني حشاش مثلهم… وما أسرع ما تجد بين أصدقائك المبدعين والكتاب والسينمائيين ممَن يحشش، ولكن ودين ربي… أنا لا أحشش… إلا ربما نفسًا لا أبتلعه وأخرجه من فمي سريعًا أو أحبسه تضليلاً كي لا أغيب..
مشروعي العظيم.. لم يكن يتحمّل أن أغيب معهم.. فمَن يكتب عنهم إذن, ليس بصدق فقط, فهذا ما يفعله الجميع فعلاً.. ممَن يجالسهم… ولكن الأخطر الأخطر من ذلك بكثير… بعمق
(من سيكتب عنهم بعمق؟)
وكان هذا سؤالي العبقري الثاني :
الحشاشون… طريقي إلى الأبالسة وطريقي إلى الله…..
@@@@@@
هباء من جزء من الثانية, يعبّر عنها الحشاش الكريم النفس المرضيّ عنه من الله عادة, بتلك التخويصة الخاصّة للعين, والتي تبدو للغافل, او العابر مجرّد طريقة لدرء الدّخان المُتصاعد من عمليّة احتراق الورق الملفوف به, واشتعال العشبة الإلهية المأمورة.
الذين يحششون, يوميًا, سيظنون طبعًا أنني محنّك في لغة الحشيش كوني أستعمل هذه العبارة للتحية, وهي في مصر تعني تقريبًا (أنني أراك) وتعني بلغة الصمت وحركة النفس في الصدر: (خذ نفسًا من هذا الصاروخ واكمل الحكاية, أنا راض عنك)، وتقال عادة بتخويصة العين اليسرى, وإمالة الصدغ الأيسر مصحوبًا بالأذن, إذا كانت سليمة طبعًا, فقط عرفتُ مَن سمعهم ثقيل من جهة الأذن اليُسرى, قلنا, إمالة الصدغ الأيسر صوب النديم (معذرة النديم مصطلح مائي, وهي تُقال في جليس قعدات الشرب أكثر), وأظنها مشتقة من لاوعي جبار في الإشتقاقات اللّغوية الأولى, وتفيد بأنّ المُنادَمَ, وهو صاحب القصر أو مُدبّر الجلسة, وأتصور أن عبارة النديم, خرجت أوَّل مرةّ من فم ملكٍ أو وزير شاعر عبقري.. وتبطنها العامة, لأنها عبارة مسكونة.. والمسكونة عندي, تعني الحُبلى. وربّما في تصوى طبعًا, كانت عبارة النديم, أوَّل إشتقاق مختصر لجملة مفادها تقريبًا (ندمت على قعدة ليلة البارحة)
هذا للإختصاروعدم تتويهكم في متاهات الإشتقاقات الكبرى الجوهرية في كلّ مدارات الحياة والفلسفة والكتابة. إذن أعوّل على فطنتكم وسرعة بديهتكم, لفهم ما أشير إليه وتخطيه, حتى لا أطيل في الشرح. نقطة وللسطر. هكذا سأقول كلّ مرّة حين يكون الأمر يستدعي منكم بعض الجهد فقط, لفهم ما أعني.. فسأكتب لكم بعد شرح قصير, عبارة (نقطة: إلى السطر)… وأنتم واصلوا معي الرحلة, وحين يكون الأمر هامًا جدًّا جدًّا بالنسبة لكم.. فهذه الرواية ــ الرسالة, ستطبع في نسخة ورقية مراجعة لُغويًا من أعظم فطاحلة اللّغة العربية في العالم العربي …وأنا أعني ما أقول…
كونسلتو جبّار من سبعة علماء لغويين, لا يشق لهم غبار. ولا تفلتُ فاصلة من يد عبارة مارقة فيها… وأسماؤهم مع ألقابهم, ستجدونها في الصفحة الثالثة من النسخة الورقية فقط.. بعد الصفحة الثانية المعدّة لرقم الإيداع وعدد النسخ واسم دار النشر وخلافه من البيانات المرجعية.
وستجدونها مرّة أخرى, لو احتجتم إليها فعلاً, جدًّا جدًّا, في القرص المصاحب, والذي ستجدونه في جيب الجهة الداخلية اليسرى من الغلاف .
وهو القرص الذي سيضم النسخة الإلكترونية, غير المصححة على الإطلاق, والتي لن يسمح لبشر أن يتدخل في إصلاح خطأ واحد فيها، وستجدون فيه الرواية, كما رقنت أوّل مرّة… ويا ما ستتعبون لو قرأتم الرواية منه. فكيف لكم أن تفهموا مثلا جملة, مثل:
(في الرواية كش فوت حق يق فيظ واهروب واطن الأم ورما
بانم نها ومااس تتر عن حس ن ني ة او عنم كرو تخط يطول ؤم(
في حين لم أكن أقصد والله العظيم وأنا أرقن بسرعة من كيبوت ليس فيه حروف عربية ملصقة أو مدموغة عليه, كوني, غير جملة واضحة, هيّ:
(في الرواية كشف وتحقيق في ظواهر وبواطن الأمور, ما بان منها وما استتر عن حسن نية أو عن مكر وتخطيط ولؤم)
وهذه مشاكل لم تكن واردة بقوة قبل عالم الرقن الإلكتروني المباشر والتسرع في الضغط على زر يخون.. ويا ما تخون الأرزار ويا ما ستكون حاسمة في تشكيل المصير البشري اللاحق.. بل منذ اليوم.
@@@@@@@@@@@@
هل تساءلتم, وأنتم تبطحون نساءكم مثل بقرة, وترشون فيها كلّ ما تستطيعون من أثمن ما في الوجود… ملايين البشر والحيوات الممكنة.. هل تساءلتم… من هيّ… في الأصل وما حكايتها؟؟
وهل هرشتم مرّة شوشة رأسكم, المليئ بمشاكل أرضية عابرة وتافهة, وتحل بمكالمة أو ضحكة او إعتذار وعناق وقبلة.. هل تخلصتم مرّة من مصائبكم التافهة وتساءلتم مرّة واحدة بجدّية, وقلتم بصوت عال أو خافت: ــ لماذا تخرج منيّ ملايين الحيوانات الحياة الممكنة, لتموت كلّها, وتعدم هدرًا, بعد قليل متيبسة في بقايا لطخة على قماش أو يُسارع بمسحها في منديل أو إلقائها في غسالة مانية لا تترك أثرا؟؟؟
ــ لماذا يا عباد الله… لماذا…؟؟
وواحدة فقط منها سليمة, تساوي عند جيرانكم في أوروبا التي تراقب بعين ماكرة لهوكم, على بعد ساعتين فقط بالطائرة؟؟؟ لماذا سعرها الآن عشرات الآلاف من الدولارات؟؟ وهل حسبتم غناكم المفروض ولو للتسلية… وما عندكم من رصيد؟؟
@@@@@@@@@@
تساءلوا لماذا تتدافع كلّ يوم, ملايين البويضات المنوية وتتسابق, آخر كلّ ممارسة جنسية في الآجل الثلاثي المعروف للمرأة بعد الحيض والعلامة…. لماذا تتسابق ملايين البويضات, للوصول إلى حوض الحياة في رحم المرأة ؟؟؟ والله الذي يمسك يخيوط كلّ شيء, ألم يكن قادرًا على توفير هذه البويضات التي تباع الواحدة السليمة منها الآن في أوروبا ببضع آلاف من الدولارات, لتوضع في أنبوب, أو زجاج, او آلة, وتعوّض رحم إمرأة معطوب ومرّ وغير صالح؟؟؟
ألم يصلكم خبر من جريدة تافهة أو جادّة, عن مليونير, أهدى لحبيبته وزوجته ولدًا أو بنتًا وهي التي لا تُنجب أبدًا؟ بل من النساء من تنزع الرّحم لأسباب معينه مرضية أغلبها أو إرهاق في ولادة مستعصية, ولكنها, يمكن عبر وضع بويضتها الحوض, مع بويضة حبيبها أو زوجها, أن تُخصب… وأن ينفخ فيها الله, لأمر الحياة؟؟ ألم تتساءلوا… إذا كان الأمر كذلك, فلماذا يسرف الله في ضخّ بيضه المقدّس المليئ ببذرة الحياة المُعقّدة, في أعطن مكان نجس. عندنا أيضًا, وتخرج من أعطن مكان نجس عندنا أيضًا, وأعني القضيب الذكوري, ومهبل المرأة وطريقه, صوب الرّحم؟؟ لماذا لم يتساءل أحدكم وحده, في يوم من الأيام عن هذا السرّ الذي يبدو تافهًا؟ لكنّه أولّ الخيط.. وهو بداية المسألة. هوّ بدايةُ, بداية, ما جعلني أقرّر أن افضح فلسفاتهم, وآدابهم, وأسرارهم, ومؤامراتهم الخطيرة. لتعطيل الشرق. وإلهاء الشرق. وإسكات الشرق..مرّة بالحلوى. ومرّة بالإغتيال المعنوي أو المادي. ومرّة بخلق فتنة تسلخ حمسين سنة من عمرنا, ومرّة بتزوير نصوص من الأحاديث, والأخبار, وحكايات الصالحين والطالحين, من الطبري لأبن كثير (أخطر قنطرتين مررنا بهما ونحن نحمل حزم تراثنا في شكل مدوّنات مكتوبة وتطبع من جديد إلى اليوم وإلى يوم يبعثون)…. وصولاً إلى دسّ ملوك أو وزراء, أو قادة, في شكل غضبة مفتعلة لا راس ولا أساس لها, مثلما فعلوا مع ابن رشد, حين أحرقوا نصف مؤلفاته, وأجبروه على إحراق ما تبقى بنفسه, بأن رماها إلى النار الموقدة بنفسه, لأنها مجرّد شروح لمتن تعب في جمعه وإثباته كلّ عمره… فألقى الكتب الثلاثة الأخيرة بنفسه في النار, وهو يقهقه… لأنه عرف أنه ليس أوانه… وأن للربّ حكمة, في أن تحترق مخطوطاته وكتبه في ذلك الزمن المبكر بعد من الحساب. وما ثمّة شيء… وما ثمّة أمر. إلا وحقّ الله, له سبب وجيه. لكننا قصّر وأطفال تلهو بأصابع أقدامها, فلا نرى, أو نصمّ آذاننا ونحسب أن ما نسمع لغو. وتضليل، وما هوّ ودين ربيّ بتضليل.
أنتم تبصقون على وجه سعودي أو كويتي أوخليجي يرش مليون دولار على رأس راقصة, لأنه لا يعرف ماذا يفعل بأموال لا تنتهي خرجت من عطن الأرض في شكل نفط وزيت وغاز كريه …
وتنشر كل الصحف اليسارية المعارضة والصحفيين الباحثين عن الخبر المثير صورته وهو سكران يرشّ رأس الراقصة الفاتنة بريش الأرواق النقدية الخضراء المليون.. وأتحدى أيًّا منكم, لم تعتره رغبة في نسيان وقاره, والبصق على صورة الشيخ الشاب السكران اللاهي في قصاصة الورق.
ولكن بحساب بسيط… لنترك آبار نفطهم جانبًا, وسنعود إليها… ولا تنسوا أن الغرب أنفسهم هم الذين قالوا لهم: هذا الماء الأسود العطن الكريه اسمه زيت ونفط. واحفر ما استطعت في أرضك.، ودع الخضرة والبقول وحرث الأرض ورعاية الدابة والخلق، وهات لنا تعويضًا لكَ على ذكائك العبقري في الإكتشاف الذي (لا تقل لأولادك ولا تذكرهم أنه اكتشافنا نحن.. ليكن سكوت عن الأصل)
اتركوني الآن من متاهة حكاية النفط وأصولها… وأول خيوط التضليل في منطقة أوسط الشرق وكتف افريقيا ورقبة آسيا…ا تركوني بربّكم الآن من النفط العطن…. ولنعد لما هوّ أسمى.
هل حسبتم قيمة ما يخرج من ثقب في حجم رأس عود ثقاب بقضبانهم المُستوفزة على الدوام…. ثقب صغير هو مدخل ومخرج حلقوم عبقري يخترق اللحم والعصاب ويمهد الطريق لعبور موكبة ملكية كلّ يوم… تخرج منكم بدعكة صغيرة, تثيركم, وتفتح منكم بئرًا تفيض بثروات لا تقدرّ بحساب البشر… ولونها أبيض أو أصفر بدلاً أن تكون عند أهل النفط أسود؟؟؟
طيّب سأريحكم… أنا حسبتها منذ عشرين سنة أو تزيد, وقلت أريحكم من البحث والجهد:
أنتم (يا رجال, يا فحولة) تبصقون في رحم المرأة مع كلّ نهاية عملية اتصال بها من اي فتحة سويّة (الفم – الشرج- المهبل), أنتم تبصقون مساحة قدرها بين متوسط ستّة إلى سبعة مليمتر, من السائل النووي المنوي المليئ بالحياة.. ولونه أصفر, ودائمًا أتكلّم عن العادي المتوسط الطبيعي منكم… وفيكم من يبصق أقل أو أكثر.
والآن, سعر البويضة في البورصة غير المعلن عنها إلا في ملفات أمر الأطباء العباقرة في أروربا… وخاصة في ألمانيا, مركز تحديد بورصة كلّ شيء في الدنيا يحتاجه البشر أو قد يحتاجه لاحقا… سعر البويضة في السعودية مثلاً, يقدر بـ (18000 درهم(4930$))، وهذا معلن عنه, وهو ثمن بخس لشراء ابن سويّ في السعودية من نسل فحل خانته لأسباب ما فحولته أو ركب وسيقان حيوانته النتوية, فراح للطبيب يُركبها تاكسيًّا بلوّريًا مريحًا اسمه العلمي (أنبوب)
وفي اليابان التي بدأت تُخصىى وفي روسيا, وصل بعض المليارديرات إلى دفع أربعين مليونًا في بويضة واحدة…. وااااحدة..
لنترك الروس واليابان وهذه المليارديرات التي ستدوخنا…
ولنعد للمواطن البسيط الفلاح أو العامل الذي يقوم في الصباح وهو يكشر في وجه الله, ويسبه لأنه لم يقبض روحه في المنام, ويسب أولاده ويرمي بالحذاء زوجته دون أن يقوم أو يقوى على القيام من مكانه ولأنه أثقل في شرب خمرة رديئة أو ملأ بالبطيخ والعجين والمحشي والدهون والكوكاولا والتبغ بطنه وصدره.
لنأخذ الآن هذا العبد المحروق الذي تتطاير منه كريات الشرّ… ويتوعد الله بالويل والثبور وإحراق قرآنه, والبول على أجداده الذين تسببوا في مجيئه إلى الدنيا الكلبة… لنعد إليه معًا:
نحن الآن ندخل بيته, والصبح قد لعلعل والنهار قد أبلق وشعشع كما يقول الرئيس المصري المخدوع التافه السابق, محمد مرسى العياط, وهوّ يعيّط في خطبه المهزلة البائسة…. لنعد لهذا المواطن الغلبان الكفران الشقيان الغضبان النعسان، الحانق على الله والكون بسبب فقره. وأن رصيده في البنك أو تحت الحصير لا يكفي ثلاثة ليال أخرى !..
وهاهو يصرخ في زوجته, شاهرًا عضلات لسانة المنذر, صائحًا:
ــ هل ذهب الأولاد كلّهم إلى لمدرسة يا امرأة؟؟
ــ فتجيبه بنعم.
ــ فيأمرها أن تترك ما بين يديها وتلتحق به في الفراش فورًا.
ــ وتلبي البهيمة الأمر.
وهاهوّ بعد خوار ثور ووحش كسير منهك. يبصق في رحمها سر الله… سبعة مليمتر كاملة من بيض الربّ وسرّ الحياة وأثمن ما فيها… وهي في نظره قليلة, ولا تكبر عن حجم بصقة من فمة مثلاً… لكن. لتدعه يتجمّع ويتفاخر بأنه الفحل العبقري.
ولنحسب معًا… نحن الأذكياء يا أخوتي,. لنحسب بالمتوسط ماذا رش في مهبل بهيمته التي يمارس معها الجنس وكأنه يغتصبها إغتصابا… بلا رحمة, ولا قبلة, ولا كلمة, ولا مُداعبة, ولا لمسة حنان ولا نظرة إمتنان ولا إعتذار ولا عناق ولا دمعة تأثر.
لنحسب له لأنه جاهل بما بذّر وأنفق اليوم, فقط في ثلاثة دقائق من هذا الصباح :
سبعة مليميتر(07):(هي حجم ما ينزل منه (
ضارب عشرين مليونا (20 مليون)
هي متوسط عدد البويضات في الميليمتر لديه
ضارب سعرها اليوم في السعودية: حسب بورصة مرعبة هوّ
(18000) درهم (4930$)
لدينا بالدرهم السعودي (مبلغ صرفه في ثلاثة دقائق, وقدره:
ستة مليار, وتسعمائة ألف ومائتين من الدولارات, وهي بالدرهم السعودي: بصراحة لا أعرف قراءته رغم أنني من أفضل الطلبة الذين درسوا الإقتصاد في ألمانيا.. وبشهادة البروفيسور زاموش, أسطورة صابل أكاديمي بميونيخ نفسه.. ولكن هذه قصة أخرى… الرقم أمامكم…واقرؤوه أنتم بطريقة ما / 690200 USD = 2535104.6000 AED ) وأعتقد أنه ثلاثة وعشرين تريليار وثلاثمائة وواحد وخمسين مليارًا وأربعمائة فاصل ستة وثلاثة أصفار من الدولارات الخضراء
وإذا عرفنا أن أغلب الفلاحين والعملة والبسطاء, يجهدون أنفسهم لبصقة أخرى, حتى ولو عن جهد جهيد, ليثبتوا لبهيمتهم بأن فحولتهم لا تقهر, رغم ضيق الحاجة… وأنهم يعوضونها ما تلقاه من شر وإزدراء واحتقار, بهذه البصقة الثانية….
بصراحة, تعبتُ من العدّ… وأنا ربيب الإقتصاد الذي أمضى حياته في إحصاء عدد حبات القمح في الدنيا…. تعبتُ وسأخرج من هذا الموضوع الذي يحتاج مني ألف سنة أخرى… وليس لدي الوقت للمزيد من الشرح… حقيقة أعوّل كثيرًا كثيرًا على فطنتكم, قبل أن يفطنوا إليَّ، ووعزّة الربّ لن يرحمونني ولن يتركونني ولو دقيقة واحدة زيادة… لأنني أراهم… أراهم في أبشع صورهم وهم يتربصون… ولا أقصد طبعًا كلّهم… فتسعة وتسعين منهم لا علاقة لهم بالأمر… بل هم أطيب خلق الربّ وقد ينتحر الواحد منهم لرؤية بقرة أو كلب يضرب بوحشية عندنا… لأنها بهيمة الربّ ولأنها حياة.. وسرّ ومن ممالك وامم غيرنا… وأغلبهم يفعل ذلك دون وعي وإنما بغريزة السلام والمحبة الجبارة في البويضة التي كوّنتهم والتي وصلت من الأجداد إلى رحم أمّهاتهم…. نعم من الأجداد الطيبين، وأوّل الأجداد, إلى رحّم أمهاتهم…. وأنا أعني ما أقول، تساءلوا الآن السؤال المنطقي: لماذا لا يشتري منا العرب بويضات ولو بصقة واحدة, تغني الواحد من المهاجرين لحد أحفاد أحفاده… لماذا؟؟؟
الجواب بسيط: لأنهم لا يشترون إلا ما يثقون أنه روح أجدادهم, المكورة كالجنين بقدر من جديد في فصّ لا يُري من بويضة لا تكاد تُرى إلا بالمجهر…
ودعكم من هذه الأسئلة التي وراءها جشع أرضي ولو من بعيد بربط السؤال الفلسفي بعدد الدولارت التي سالت لها لعاب أغلبكم بالتأكيد…
ابدؤوا منذ البدايات… واسألوا الآن: مَن هؤلاء؟؟؟
ــ من هؤلاء الذين يركبون عربات ملكية لا يقدر على صنعها إلا الله, في شكل بويضات مستديرة بذيل كالرادار يوجهها في السباق المعلوم إلى اليمين أو اليسار وتضرب به مخاط جدار الرحم, حتى يصل الأقوى, والأجدر (شرًّا كان أو خيرًا.. قابيلاً كان أو هابيلاً)
نعم.. بدأتم تفهمون.. وهذا الذي أشرحه لكم منذ ساعة.. لم يسبق أن دوّن في ورق ولا إلكترون ولا ينبغي أن يتحدث به بشرٌ جهرًا, أبدًا.. أبدًا.. وإلا فهي تعديل كفّة الميزان.. وبداية سقوط عرش الغرب.. عرش الغرب الذي يحفظه دائمًا أربعة أو خمسة فلاسفة من طينة العباقرة العباقرة، ويتوارثون السرّ بدون تدوين ولا رقن ولا كلام.. هيّ الآلة العبقرية التي تسيّر نفسها بنفسها.. آلة مخيفة مرعبة جبَّارة.. الشياطين والأبالسة أمام جبروتها مجرّد فراخ وعصافير تزقزق أو تنقر.. وأكثر.
وهؤلاء رضعوا من فلسفة، فلسفة شريرة، ماكرة لا تظهر للعيان, فهي مكسوة بملاين الطبقات من ألمنيوم العبارة, المضللة…
وياااا ويح.. يااااا ويح من فطن إلى أوَّل الخيط، وسمى اسم الله المائة الذي اكتشفوه قبلنا بآلاف السنين…
اسم الله المائة الذي هو أسهل شيء.. وأبسط شيء وهو أمامنا كلّ كلّ الوقت.. يردده الصبي والغلام والشاب والكهل والشيخ عشرات المرات يوميًّا وفي كلّ مكان.. وفي كلّ زمان.. لكن لا أحد انتبه أن الترديد لا يكفي.. وأن اسم الله المائة مفتاح خطييييييير مرعب جبَّار.. وأنه ينبغي أولاً الإيمان به. ثم حفظه ثم نسيانه, ثم الشروع في استعماله بعد تدريب واستحضار روح الله ما لا يقل عن نصف عمر بشري.. ولم نعرف من خروج السر من أيديهم إلا إستثناء في مرات قليلة وعادت بسرعة وطمس آثار من فطنوا بكل الطرق.. لم نجد استثاء واحدًا في كلّ ما بحثنا ودقّقنا وراجعنا, إلا في (قلّة قليلة لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة)
@@@@@@@@@@@
عليَّ أن أنهي اليوم.. تعبت من الرقن, وقد يغمى عليَّ.. وعليَّ أن أركز من أجلكم أنتم وليس من أجلي.. غدًا نعود إلى الموضوع الأهم.. وما سبب هروب الصديق علي مصباح, الذي لم يكتفِ بأنه اتكأ علي قلبي بأظافره, وأجبرني مكرهًا على حذف ثلاثة فصول من روايتي هذه التي تتعلق بالتعرض لنقد وتقييم كل الشعراء والمبدعين العرب المعروفين تقريبًا.. بل زاد في رعبه مما سأقول وسأصرح، وأقفل صفحته دوني ببلوك, لأنني ناقشته في أنه من الممكن أن يكون قد أخطأ في ترجمة عبارة واحدة من كتاب نيشته وهو أوَّل مَن ترجمه ترجمة جادة حدًّا.. لكنها خطرة.
والآن لن أكتفي بمناقشته في عبارة واحدة، كما كنت سأفعل وأسكت وأمر إلى غيره.. لكن هروبه مريب.. لذلك أجبرني ان أنقب كل الوقت عن مكان وسبب خوفه.. ويا لرعبي أنا! يا لرعبي!
وأنا أنتبه إلى أنه أخطأ وتسرع في ترجمة عبارتين أخريتين…
في ترجمته الفلسفية الفذة التي لا يأتيها الباطل ولا الشيطان من جهة, كما يظن…
يا ليت كانت المصيبة فقط ذلك…
وجدته يستعمل عبارة ألمانية، هي ألمانية مسجلة وللألمان فقط.. لا غير، وهي سر سر سرهم الخطير، وهذه العبارة هي عبارة ( ) ( والتي وجدت في كلّ كلّ لهجات الأرض التي أعرفها, عبارة واحدة فقط, ويا للغرابة مسجلة باسم تونس.. تونس فقط.. وهذه العبار ة استعملها في أحد نصوصه الإبدعية, وترجمها إلى (ثقب الطيز) في حين أن ترجمتها العبقرية هي عند التوانسة فقط.. وهى عبارة (صُرْمْ) ووراء هذه العبارة حضارة كاملة، ووراءها وجدت سر الألمان ولبّ لبّهم وكنزهم المدفون بحرص الشياطين والأبالسة والجبابرة…
فعبارة (Arschloch) ..تسمعها في ألمانيا في اليوم على الأقل مائة مرّة في الأحياء الراقية.. وفي الأحياء الأقل رقيّ وفي البارات الصغيرة, هي تقريبًا ثلاثة أرباع اللّغة الألمانية.. نعم (الصُرْمُ ) أو كما ترجمها هوّ سي علي مصباح في أحد نصوصه الإبداعية وليست الترجمات، حين ترجمها بعبارتي (ثقب الطيز) وكم كان مخاتلاً ومراوغًا وهو يخفي عنا السرّ! ولماذا ترجمها هكذا بالتحديد؟ هذا موضوع فصل الغد.. أحد أخطر الفصول.. وأقساها.. وأعمقها.. فصل (الصُرم) أو (ثقب الطيز) (Arschloch)
فصل علي مصباح أخطر مترجم تونسي, تعطيه اللغة أسرارها.. وهو يعرف.
(كمال العيادي – مكتب القاهرة (

الفصلالتاسع
(9 من 31 فصل)

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.. (سورة الحج الآية:73)

كنتُ قد كتبتُ في الفصل السابع من هذه (الرواية – الرسالة – الكتاب), أنه لم يحدث في حياتي, وأن أحترمت كاتبًا تونسيًا أو عربيًا, مثلما احترمتُ, ومازلتُ أحترم المترجم والمبدع التونسي علّي مصباح, المسجلّ ببلدية الفحص, بمدينة زغوان, أنّه فعلاً ولد فيها سنة 1953 (وقد تأكدت بنفسي من ذلك – شخصيًا)… وهو يقيم الآن ببرلين ومنذ 1989 (أي هو جاء ألمانيا قبلي بسنتين كاملتين, حيث إنني جئت ميونيخ سنة 1990 فقط كما تعرفون)…
ولو حاولتَ أن تبحث عنه في أمعاء محرّكات البحث بالّلغة العربية, جميعها, وصولاً إلى العم جوجل الذي يبتلع كلّ شيء, ويبصق كلّ شيء…. لو فعلت الآن, لوجدت عنه ثلاثة أو أربعة روابط بكلّ خجل, وهي متوارية, أغلبها, خلف اسم شخص آخر اسمه أيضًا.. اسمه والله: (علي مصباح(…!
وهو (علي مصباح) الحاد الذكاء الذي أتم دراسة علم الاجتماع بباريس (وتحصل على الإجازة فقط) من جامعة رينيه ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهيري الذي قبضه الله سنة 1650 عن عمر يناهز (الخامسة والخمسين سنة فقط المسكين) وسميت جامعة سي علي باسمه, وهي بباريس واسمها باللاتيني: Universite Rene Descartes – Paris 5.
كما درس الفلسفة والعلوم الاجتماعية بجامعة برلين الحرة.
وقام بالتدريس بالمدارس الثانوية ومارس العمل الصحفي كهاو ومحترف متعاون في تونس من سنة 1980 إلى 1989وكتب القصة والرواية والرحلات و نشر كتابه الشهير الراااااائع “مدن ووجوه”: رحلات في تركيا والمغرب والبرتغال. الذي صدر عن دار السويدي للنشر، بأبى ظبي سنة 2004والذي (واللهم لا حسد), حصل على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة لسنة 2004.
وترجم مبكرًا أخطر الكتب لأوَّل مرّة للغة العربية بترجمة جادة بل فذّة, مثل: – بيتر سلوتردايك، “الإنجيل الخامس لنيتشه”، الذي صدرعن منشورات الجمل/ كولونيا سنة 2002
وفريدرش نيتشه، “هذا والإنسان”- عن منشورات الجمل سنة 2003.

وله كتاب خطييييير جدًّا, سبق أن ترجمه ترجمة تافهة, ومتسرعة, وأعني أحد أخطر ما كتبه كائن بشري, وهو ما زال يشتغل عليه منذ ثمانية سنوات كاملة وطبعًا فهمتم أنني أعني كتاب: نيتشه “هكذا تكلم زرادشت” – الذي وقع عقد عليه مع العراقي خالد المعالي, صاحب منشورات دار الجمل/ بكولونيا.. والذي نشرت له العديد من القصص والدراسات النقدية في عدة مجلات عربية منها: المدى(سوريا)، الموقف الأدبي (سوريا) نزوى (عمان، الحياة الثقافية (تونس)، الكرمل (فلسطين) مشارف (فلسطين) مدارات ثقافية (منشورات جامعة ابن زهر بأكادير-المغرب) وبعضها ترجم إلى الفرنسية (Qantara وRevue d’Etudes Palestiniennes) والإنكليزية (Banipal).
ووووووووو…. وهذا قطر ضئيل من مُنجز سي علي مصباح ابن بلدي الذي يحيلك الجوجل أولاً لاسم مسرحي متوفي مُشابه له, حين تسأل عنه. وتكتب باللغة العربية : بجاه ربي , أريد ملف (علي مصباح ) يا عمي جوجل.. وطبعًا لا تكتبوا رجاء بجاه ربي, قبل اسم علي مصباح, لأن الجوجل أيضًا تافه, وغبي.. وسيجلب لكَ كلّ كلمة فيها اسم ربي.. ولن تجد (علي مصباح) في المليون صفحة الأولى للإحالات والروابط.. تعاملوا مع العم جوجل كمعاق ذهنيًا أو كمتوحد مثلاً.. بالله عليكم, حين تريدون البحث عن سي (علي مصباح).. لا تكتبوا حتى سي هذه.. اكتبوا (علي مصباح). فقط.
وهو يا سيدي يا بن سيدي علي مصباح نفسه الخجول المتواضع الذي لا تجد أخبارًا كثيرة عنه في جوجل لأنه ورقيّ الهوى, ويتحفّظ ويتوجّس من النت أصلاً.. ولا ينشر أو يسمح بالنشر أو الحوار معه إلا للضرورة القصوى.. ومع الألمان الجادين الواضحين خاصة.
وهو سيدي خويا, (علي مصباح) نفسه الرصين الحكيم الذي يعيش رسميًا في برلين, عاصمة الأرض التي تحرّك كلّ شيء, بتقدير جبّار, وبشكل خفيّ, وتقرر مصير الكائن البشري وتطوره أو تأخره, منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى.. وهذا فيّ كلّ شيء. في الإقتصاد والسياسة والأدب والفنون والفلسفة طبعًا, ضف عليها أشياء أقلّ خطورة في تحديد اليومي والمصيري لكلّ كائن بشري فوق هذه الأرض.. من قطبها الشمالي, وحتى قطبها الجنوبي… وسنوضّح ذلك بالتفصيل.
ولكنّ القويّ الجبار, لا يقول أنا قويّ جبار.. فهو ليس في حاجة إلى الضرب على صدره مثل القردة, ولفت الإنتباه إليه. هذا أصلاً ضدّ طبيعة الجنس الآري, الذي يخطّط لكلّ شيء, وهم حين سيحتاجون بالضرورة للخروج للعلن, فما أسهل أن ينتجوا للعالم, سفّاحًا, ديكتاتورًا, شوفينيًا, قاتلاً لا يرحم, ولا يُثنيه شيء.. وقد يُسمونه (أدولف هتلر) مثلاً, وقد يسمونه, أو يكون في صورة حزب نازيّ من النازيين الجدد حليقي الرأس, وسيصدرونه في شهرين, لأمريكا أولاً, (الفتوّة, الكاوبوي) التافهة التي تظن هي نفسها بأنها تقرّر مصير العالم, لغباء وجهل وتكبّر وغرور وضيق رؤية ورؤيا. وقد تصدره في شكل عقاب صارم قاسم, يقسم ظهر البورصة, مع نجاتها هي طبعًا, بل تحويل الخسارة إلى ربح عبقري. وأظنني لستُ في حاجة, إلى أدلّة, فعودوا, لكلّ الأحداث التي هزّت الأرض ورجّتها, وكادت تنهيها لولا لطف من الله, ورحمة بعباد خيريين يحملون في صلبهم بذرة الأحفاد اللاحقين من الخيريين, الذين لن يقطع الله لهم نسلاً. وهذا بوعد منه منذ الأزل.
لا أريد أن أحوّل (روايتي – كتابي) إلى كراس وعظ, ولا أن أحشر نفسي في درس ديني أو عقائدي غبي.. فهذا ليس شأني, ولستُ بصراحة مؤهل لأن ألعب دور داعية أحمق. ولا أن ألبس لُبسَ رسول أو مصطفى أو مختار من الله أو نبي. معاذ الله, فأنا مجرّد قارئ نهم. لا يقرض مثل الفئران كلّ الكتب وينساها بعد حين, ولكن أنا قارئ.. ولكن بحقّ السماء لا تتعجّلوا…!
ولا تيأسوا من ثرثرتي.. فكلّ عبارة عندي ماسة ستجدون مكانها لو صبرتم.. وأنا لا أثرثر للثرثرة.. فتريثوا…!
ونقّبوا جيدًا, فهذا (العلي مصباح) الثاني الذي ستجدونه الأوَّل والأكثر حضورًا, في جوجل ويخفي عنا (عليّ مصباح) الذي أعني.. أوضّح وأؤكد بربّكم, وخاصة لأصدقائنا المشرقيين والعرب الذين لا يفرقون بين (العليين والمصباحين).. أنه سهل عليهم التمييز بين هذا (العليّ الأوَّل) البارز الحضور في الجوجل, والذي لا يعنيني أمره بصراحة كثيرًا, وبين (علي مصباح) الثاني موضوع هذا الفصل من روايتى.
ووالله الأمر سهل جدًّا.. ولكن اصبروا فقط….
فـ “علي مصباح” الأشهر في تونس. تغمّده الله برحمته. وانتهى أمره. فقد توفي فجأة يوم 17 أكتوبر 2005 الموافق لـ13 رمضان 1426هـ ودفن بمسقط رأسه بمدينة مساكن, بتونس بحضور حشد كبير من أهل الفن والثقافة جاؤوا خصوصًا من العاصمة, ورافقوه إلى القبر.. وتأكدوا أنّه مات فعلاً, وأن التراب واراه. بل انتظروا.. تريدون دليلاً أقوى أنه مات؟؟؟
طيّب. يا أولاد الحلال, أنا, العبد الفقير كمال العيادي القيرواني البوشكيني النحيل. يقسم بأقدس المُقدّسات, أنه كان حاضرًا بنفسه ظُهر الثامن عشر من شهر أكتوبر, سنة 2005, ولم يُغارد المقبرة مع المُغادرين, وبقي حتى بعد ذهاب الأهل, واقترب من القبر… (قبر “علي مصباح” الذي هوّ ليس عليّ مصباحي أنا ومن أقصده) وأنه قرأ ثلاث سور طوال جدًّا من القرآن الكريم, من مصحف كان قد اشتراه من مكتبة ملاصقة للمقبرة بخمسة دنانير تونسية. وأنني بعد أن تعبت من قراءة سورة البقرة كاملة. وهي يا دين السماء من (286 آية كاملة), بصرحة أخلع قبّعتي لمن يحفظ سورة البقرة… أطول من تاريخ أمريكيا كلّه.. هههه..
قلتُ أنني قرأتُ على سي “علي مصباح”, سورة البقرة في أكثر من نصف ساعة كاملة, وبالضبط في (37 دقيقة), بالتمام والكمال, لأنني كنت كلّ الوقت أنظر بين فترات الخشوع الضرورية للقراءة, أنظر إلى ساعتي اليابانية… وقد سجلتُ يومها هذا الرقم الذي استغرقته قراءتي لسورة البقرة… وبعدها دخّنت سيجارة مارلبورو.. وشربتُ نصف زجاجة مياه معدنية اشتريتها مع المصحف أبو خمسة دنانير.. ولأنني, وأنتم الآن تعرفونني قليلاً من خلال صحبتكم لي في الرحلة, التي بدأتموها معي منذ الفصل الأول من هذه الرواية, أي منذ أيام القيروان, وحتى اليوم, فأكيد أنكم (بارك الله فيكم) تعرفونني قليلاً, وتعرفون أنني عنيد.. لا يفلّني صلب ولا حديد.. وأنني ريّاب, مُتشكك, ولا يُقنعه اليقين اليقين….
لذلك, فقد أكملتُ البقرة, ونظرت إلى القبر, الذي فيه سي “علي مصباح”, الذي هوّ كما تعرفون الآن, ليس سي “علي مصباح” البرلين فهو المسكين, المغفور له (يا رب) مجرّد مسرحي تونسي, توفي فجأة.. هكذا… ودفِن في بلاده… طبعًا. كما ينبغي.. فهو منحدر من أصل وفصل وعائلة من الأشراف, بل والله عائلته من آل البيت ويتصل نسبهم بالحسين بن علي بن أبي طالب وينحدرون بالتحديد من المؤمن بربّه, الشيخ إدريس بن موسى بن إسماعيل بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب, ابن عمّ رسول الله محمّد بن عبد الله الهاشمي.. أي والله.. فعائلة مصباح, عائلتان وعرقان في تونس.. عرق ضرب في مدينة القيروان. وأصولهم من الحسينيين الذين قدموا, من المشرق إلى بلاد المغرب منذ القرن الثالث للهجرة وسكنوا بين رحبة الغنم القديمة ومقام أبي زمعة البلوي الآن.. بمدينتي.. مدينة القيروان.. ثم اتجهوا في أعقاب القرن الثالث للهجرة إلى المغرب الأوسط وكونوا إمارة.. وبعدها تفرقوا من جديد إثر خلاف كبير كاد يصدِّع العائلة. وكما كان الأمر في البدء مع قابيل وهابيل, فقد تخاصم شقيقان خصامًا كاد أن يكون قاتلاً, وهذه المرّة ليس على أخت توأم مشتركة, كما في حدوتة قابيل وهابيل.. لا والله, فتونس, رغم أنها دولة فيها العجب العُجاب, إلا أنّها بصراحة, وهذا صدّقوني فيه.. في تونس لا يتزوّج الرجل أخته. أبدًا.. والله كانوا يذبحون أمه… هي لعبة… الشريعة واضحة… حين كان لا يوجد فوق الأرض غير قابيل وهابيل واحد, وبنتان إحداهما شمطاء والآخرى مثل البدر يوم 14.. فمفهوم ربمّا, أن نتقبّل حكاية خلاف الشقيقين على البنت (المُزّه) الجميلة, أما بعد آلاف بل ملايين السنين وبعد هدّ الجاهلية, وانتشار الإسلام وفي مدينة فاضلة مثل القيروان الذي أسسها الصحابي عقبة بن نافع سنة 56 للهجرة والرسول ما زال طريًا في الصدور وعمر الفارق ماسك المقابلة كحكم بيد من حديد.. هل تتصورون أن سبب الخلاف بين الشقيقين المِصباحين, كان على (ديفوووشكا) – ههه نسيتُ أن أغلبكم لا يُتقن اللغة الروسية…. يا سيدي عدّوها لي… الديفوشكا تعني حسناء وبالتوسي ( قطعة تحفونة تهبّل العقل)……؟؟؟!!!
لا يا سيدي.. تخاصما على بقرة.. وعجل…!!!
هذا قال بقرتي.. وعجلي.. وهذا قال: حرام عليكَ. أهدتنيها أبي وهي عجلة.. وأنا الذي رعيتها. وكبّرتها.. وأخذتها هذا العام لثور عمّك الطاهر رأس البغل.. وتركت ثوره يفترعها مرتين.. وأنا وعمك الطاهر كناّ نمسكها من قرنيها ومن وركيها, لينيكها الثور على راحته.. وأنا بنفسي من كان يرفع ذيلها كامل الوقت.. حتى يحشيه فيها ولا يتزلط في دُبرها أو يضيع المني الثمين.. فحرام عليك يا بن مصباح.. يا بن أبي …!
فصاح فيه “مصباح” الذي هوّ جدّ علي مصباح الذي يعنيني, أي الذي يعيش الآن ويقرأ تاريج أجداده في هذه اللحظة لأوَّل مرة في برلين, وهو غير مصدّق أنه مَن ينحدر فعلاً مباشرة من عليّ بن طالب:
ــ لا يهم.. تعبك راحة يا علي..
قال “مصباح” واحد.. لشقيقه “مصباح” الثاني مجيبًا:
ــ أنت تعرف والله أنكَ تكذب. وأنّكَ ظالم. وأنا بريئ منكَ. سأترك لكَ البقرة الخرا، والعجل، والأرض، والزيتونات، وسأهجّ لبرّ الغرب.. (لا تتسرعوا.. هذا تاريخ, نحن نعني الغرب الأوسط التونسي, وليس أوروبا.. أووووووف كم أنتم مستعجلون…!)
وضرب في الصحراء شمالاً, حتى وصل لأرض زغوان. والماء الفوّار وعيون الأنهار… فنصب خيمته, وربط كلبه وأطلق سراح بهيمته ودجاجتيه وديكه المنتوف الريش من آثار احتكاك جناحيه ببردعة الحمارة الشهباء, كامل الرّحلة… وقال سأعيش هنا.
هنا في مدينة زغوان… وهو جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ جدّ (الى 122) سي علي مصباح هذا الذي يعنيني أنا.. والذي يعيش في برلين.. في حين أن المصباح الثاني. شعر أيضًا بالحزن بعد فوات الأوان. وأكلت أمّه وجهه, وصار الجيران في القيروان يُلقبونة بالعجل.. لأنه طمع في بقرة لأنها عجلّت بعجل.. وقرر هوّ أيضًا الخروج للأبد من القيروان (والله صدقوني وأعرف أنكم لا تصدقون.. خرجا معًا بسبب تعويذة دعاء عقبة بن نافع الذي قال:
(اللهم املأها علمًا وفقهًا، وأعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزًا لدينك وذلاً لمَن كفر بكَ، وأعز بها الإسلام.)
المهم, خرج “علي مصباح” العجل, وهو الجدّ الأول لـ “علي مصباح” الذي قرأتُ على قبره سورة البقرة, ودخّنت سيجارة مارلبورو يوم 18 أكتوبر 2005, بمقبرة مدينة مساكن المقابلة للقصر القديم وراء الجانب الشرقي من جامع (الوسطاني). رضي الله عنه.
ولأنه ظالم وكذاب, واحتال على عجل أخيه وأمه البقرة.. ولأنّ الله يبارك عادة في نسل الشرّ لحكمة لا يعرفها إلا الرّب, وهو يغريهم أكثر بالدّنيا الفانية التافهة وبالتكاثر حتى يزوروا المقابر..
فقد امتد نسل هذا المصباح العجل, إلى يومنا هذا… وأصبحت تلك البقعة الخلاء من أطراف الوسط الشرقي للبلاد التونسية, أصبحت يا سيدي يا بن سيدي الآن معتمدية تابعة لولاية سوسة. وهي والله في خير ونعمة, والبحر في سوسة لا يَبتعدُ عن مدينة سوسة, جوهرة تونس والساحل الشرقي كله, سوى أحدى عشر كيلومتر ونصف من الناحية الجنوبية. يعني يسافرون لها بدراجة الهواء القديمة.. ويصلون في نصف ساعة.. أو يذهبون إلى البحر على البهائم, ويصلون في ساعة أو أقل.. حسب حالة الحمارة.. وتحمّل الجحش الذي وراءها.
لا…!
وليس هذا فقط فهي أصبحت سهول وروابي منحفضة الإرتفاع, فإذن ربٌّ حكيم, وعادت بسبب فيضانات جرّفت ما جرّفت, وخروج البحر من حوضه لثاني مرّة بعد طوفان نوح, وحرث الأرض وهيأتها من جديد بعد قلب قشرتها الخائنة، ودفن فيها ملايين ملايين الأسماك كجثث أصبحت تربة خصبة بعد مئات السنين.. وبارك ربي في أرض مصباح العجل.. لأنّ لا علاقة للأحفاد الصالحين بأوزار أجدادهم المُحتالين.. ولأن الله الذي خلقنا جميعًا.. (كلّنا بدون استثناء) من صلب فاجر قاتل, هوّ جدّنا (الله يغفر له) قابيل أو هابيل (ولا تسألونني الآن من فضلكم, دام عزّكم لماذا أقول بمكر قابيل أو هابيل, ولم أحدد القاتل من المقتول, أقول: سأشرح لكم في هامش وملحق في آخر هذا الفصل, فلا تشوشوا عَلَيَّ وَلَا عَلَى أصْلِ وَفَصْلِ “عَلِي مصباح” البرليني وأجداده من جده الآخر المحتال المُلقبّ بعلي العجل.)
قلنا بارك الله في قرية علي العجل, هذا الجدّ من ناحية الجد العمّ لعلي مصباح الذي في برلين الآن, والجدّ من ناحية الجد الأب لعلي مصباح المسرحي الذي قرأت علي قبره صورة البقرة يوم 18 أكتوبر 2005.. كما تعرفون, ودخّنا سيجارة مارلبورو وشربنا نصف لتر من مياه معدنية نوع (صافية) اشتريناها بنصف دينار. ساخنة.. وطعمها كالبول.. يا ربّ أرجو ألا تكون قديمة أو مفتوحة, رغم أننا اليوم في سنة 2013. ومرت على الحكاية ثمانية سنوات.. وأكيد حتى لو فيها شيء مريب, أكيد خرج مع البولة الأولى أو الثانية.. فمثانتي تهضم الزلط (كما يقول إخوتنا المصريين.)
لنكمل سريعًا هذا الفصل المهم في ارجاع الأشياء إلى أصولها…
قلنا, بارك الله في أرض علي العجل.. وأصبحت اليوم غابات زيتون. وبقر هولاندي, وبقر أحمر وملوّن.. وبهائم، وماعز، وأرانب، ودجاج, وديكة رومية، وقطاطس وكلاب، ولم يحرمها حتى من البغال المخصية والخرفان ذات الإلية, وحتى الحلّوف رأوه يجري في الليل أكثر من مرّة….! أي والله… وسألت. وتأكدّتُ.
وليس بالغريب، يحدث ذلك في هذه القرية الخلاء… فبعد فيضان البحر الشهير… وبعد ارضاع الأرض بالسمك الميت وأعشاب اليمّ المليئة بالعجائب والأسرار… كسماد لاحق في هذه الأرض البور،
زاد ربيّ خيره, فحدثت زلازل وتحركات أرضية هزّت حتى جبل الشعانبي وجبال عين جلولة والوسلاتية القريبة, وهي بينهم وبين القيروان من جهة الساحل… ساحل سوسة في الإتجاه الغربي…
وهوووووووب…. تغيرت بسبب ذلك معادلة تكثّف وتمركز كتل البخار البحري المُشبّع الذي ينفخ بحر الساحل شرقًا صوب هذه البقعة الخلاء… فتغيرت الخارطة الجيولوجية بالكامل… ويا ليت هذا فقط… لااااا…. تغيرت الخارطة المناخية وكيمياء الطبقة الهوائة الثابتة والعازلة والمتحركّة معًا…. وتلخبطت الحكاية… فهذه كتلة باردة. تصطدم بتلك الكتلة الساخنة الدافئة, وهذه الثالثة القادمة وهي تلوك و تمضغ (لُبانة) من غيوم الجزائر أو حتى السودان, وتلك الغيمة ضائعة في الطريق ما عندها رفيق, تسأل عن عنوان, وتتجمّع كلّها مع غيوم فاجرة وعربيدة. نَسِيَتْ من أين جاءت أصلاً…, وتتجمع لتكون جرحًا في سماء مساكن, تهطل من الأمطار سبعة أشهر في السنة:
((الله أكبر……!))
وكلّه والله بأمر الله, حين يقدّر… وحين يترك للأبالسة أن تعتقد أنها هي التي تُنفذ…. ههههه….تنفذ مِمَن؟؟؟…. من ربيّ الذي سطر كلّ شيء؟؟؟…. يا كم أشفق على الشياطين والأبالسة أحيانًا… والله أبسط (عبيط) صعيدي هنا في مصر أو فلاح (دُغفة) ساذج عندنا في تونس أو أهطل في سوريا أو العراق المُراق إلى حين لهوّ أكثر ذكاء من كلّ الشياطين السوداوية… ومن كلّ نسل إبليس…لا, أكثر ودين الله ونوره الحقّ, إنّ أغبى حمارة (جربانة كحيانة) بليدة تمضغ لسانها مع حديد لجام العربة المشدودة إليها وهيّ تجرّ جبلاً من اللفت أو البرسيم…. لهي عندي مليون مرّة أذكى من أيّ شيطان عبقري أو إبليس أو عبقري من الإنس. يظن أنه ــ وهو الخراءُ الذي لا بدّ وأن يمسح مؤخرته بيديه مرتين أو ثلاث مرات في اليوم ــ لأنه رُشحّ لجائزة نوبل أو أخذها, بأنّ ما يحدث من خير أو مِن شرّ ليس بعلم الله… ولطفه. وأن للخير منافع. وللشرّ أضعاف أضعاف أضغاف من الخير… وأقلّها ألا نُحشر يوم القيامة مع نسل إبليس من الجنّ… وهذا ليس عدلاً… والله العادل, سيغريهم, ويغرقهم بالمال والولد والبنون والنساء والقصور والفجور… حتى يؤذن بلال… وهووووووب… تلتف الساق بالسّاق… وإلى ربّك المساق.
وهات ارني يا ابن آدم يا خرّاي.. أين مالك؟؟ واين ولدك؟؟ وأين قصورك؟؟.. وأين قُبورك؟؟…. وماذا بقى منك غير (الكتاب)؟
ماذا بقى منكَ يا قملة.. يابقّة…يا أقلّ من ذبابة؟ ماذا بقى منكَ بعد تطاولكَ على الله, وتحايلكَ عليه؟ ماذا بقى لكَ غير هذا الذي تتأبطه في يمينكَ, أو في يساركَ والعياذ بالله؟ وتقول مرتجفًا: (يا ربّ هذا كتابي…)… .ولكلّ شيء (كتاب معلوم.)
دور الشياطين والأبالسة, لا يتعدى دور المُستشار الحقود, المتآمر الجاحد الذي يُبيّتُ لكم منذ الأزل أمرًا…. ولن ينسى لكم يا أحبابي أنكم من نسل آدم… آدم الفاضل الذي عاقب كلّ نسل إبليس ومن تبعه من الشاطين, حين أخرجهم من الجنّة… وللأبد.. بلا أمل في عودة, أبدًا…. ولم يبق لهم غير الإنتقام بأن يوسوسوا لكم…. ويهيجونكم…. وينفخون في جمرة الشر فيكم كلّما بردت… ويبدؤون بوضع السؤال الأبدي في فمكم وعلى لسانكم وهو:
ــ (ولكن…) (إنّما….) (أظنّ …)
الإيمان لا يحتمل خبث: (ولكن…!) (إنّما…!) (أظن…!)
والآن, هل اقتنعتم, وفهمتم أنني لا أعني سي “علي مصباح” الثاني الذي ستجدونه يملأ أمعاء الجوجل, لو بحثتم وكتبتم (علي مصباح) لا.. لا.. لا
هذا مسكين مات والله يرحمه. ولم نجد له من زلّة أضرت بشرًا… فقد كان بسيطًا, سطحيًا, مع قليل من العمق الضروري للمهنة..وكان ذواقًا, ومحبًا للعائلة والأهل. بشوشًا ودودًا… ولا يُحب الكفر.
أما صديقي أنا, سي “علي مصباح” الثاني, أو الأهم, فهو الذي أعرفه من (العَلِيين المِصباحين).. فالأول الذي حكيت لكم عنه ببعض التفصيل, لا أعرفه.. ومصادفة وربّ السماء كنتُ في مدينة سوسة يوم الثلاثاء صبيحة 18 أكتوبر 2005, بعيد بضعة كيلومترات تُمشى على القدم.. وقرأت في جريدة الصباح التونسية, عن خبر دفن الفنان والمواطن الصالح, (علي مصباح – المساكني) بمقبرة مدينة مساكن, بعد صلاة الظهر, وشدني الاسم. فقلتُ لمَ لا؟ قد أحتاجه يومًا في فقرة أو فقرتين. وأنا أخط مقارنة بينه وبين (علي مصباح) الذي أحببته بشدة واحترمته أكثر, وإلى اليوم, منذ سنة 1991 والذي أتعبني وشتت فكري منذ قرأت ترجمته الظالمة لعبارة ( Uebermensch ) الألمانية الصنع, والتي ترجمها بلا أدنى شعور بالحرج أو الوزر والإهانة لأصله وفصله ومنابعه, حين أصرّ للمرّة الثانية رغم إدراكه, ترجمها: يا للعار… ويا للخزي إلى العربية بعبارة (الإنسان الأسمى) مريحًا نفسه من عناء البحث, ثم تجبّر حين عاود نفسه في ترجمة أخرى, فحاول إصلاح خطئه القاتل, فترجمها إلى عبارة (الإنسان الأعلى) ليرتاح منها, ومن شوكها, وقياسًا على كلمة (الأنا الأعلى) ظنًا أننا لن نفطن إلى هذه العبارة من بين كلّ الكتب التي ترجمها لنيتشه, ترجماته التي أقرّها بصراحة… ترجمات فذّة… وأنها أفضل وأروع وأصدق وأقرب وأمتن ما تُرجم من اللّغة الألمانية للّغة العربية….
ولكن هيهات!! أن تقود سيارتك ثلاثين سنة بدون حادثة واحدة… دون أن تتسبب في جرح أحد, وحتى بلا أدنى مخالفة صغيرة تافهة.. لا يعني أنكَ لا تستحقّ العقاب والزّجر, يا علي يا مصباح, وأنتَ تغفل لثانية واحدة في الطريق, فتصدم أمًّا ورضيعها وترديهم قتلى.. أبدًا.. أبدًا يا عليّ يا مصباح, أيّها المتجبّر في صناديق اللّغة الألمانية والعربيّة والفرنسية.. أبدًا.. لا غفران ولا تسامح مع الإهمال القاتل.. وفي القانون التونسي.. حين تقتل بشرًا, مترجّلاً بخطأ أنتَ تسببت فيه لغفلة منك أثناء القيادة.. فأنتَ تُعاقب حسب القانون.. بلا رحمة، والقانون في هذه المسألة الرمزية بالمقارنة مع جرمك وتهورك يقول: حسب البنود (مواد مجلة الطرقات و فصل حوادث السير منه, أن الحوادث الخطرة التي تنتج عنها العقوبات السالبة للحرية (السجن) بأنها أي العقوبات: تمثل محورًا في غاية الأهمية الهدف منه ردع السائقين المتهورين الذين يخالفون بشكل مقصود قواعد السير ويرتكبون حوادث خطيرة جدًّا. وتنص مدونة السير على مجموعة من الأحكام التي تخص الجنح التي يرتكبها السائق والمتعلقة بالقتل والجرح بسبب عدم احترام قواعد السلامة والسير الطرقي, وأنه يا علي يا مصباح, وحسب قانوننا التونسي, وأنتَ مازلت تحمل الجنسية التونسية و كما بلغني (أو هل لكَ جنسيتين ولا أعرف؟؟), يقول قانوننا يا ابن بلدي اليساري الصالح الذي لم يُخطئ في حياته في بشر ولو بكلمة, أنه أيضًا وباستثناء الغرامات التصالحية والجزافية التي يتم تحديدها بناء على خطورة المخالفات، تظل العقوبات السالبة للحرية المتضمنة في مدونة السير مطابقة لمستوى العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي المعمول به حاليًا في بلدك في تونس يا علي يا مصباح.
كما تتضمن مدونة السير ضمانات للسائقين في حالة وقوع حادثة سير تخلف قتيلاً أو جريحًا عبر التنصيص الواضح على “ثبوت المسؤولية”. وقد نصت على مساطر واضحة في هذا الشأن. وهي كما قلت لك سابقًا, كلّها وحتى لا تتعب, ولا توجع رأسك الجميل المنشغل دائمًا بالفلسفة والطبيعة البكر والفراشات الزاهية في قرى بالي والهند والسند وآسيا الفاتنة.. كلّها يا عليّ يا مصباح متجمّعة بوضوح، وبصرامة. وفي مكان واحد. وهي البنود الثلاثة ” (للمواد 167 و169 و172) من مجلة الطرقات.. وأبسط محامي سيؤكد لكَ ذلك في قعدة شرب أو بثلاثين دينار تونسيًا. من فئة الورقة الواحدة.. اتفقنا يا سي علي؟؟
أنا كمال ولد مصطفى بن رابح القيرواني البوشكيني.. من حقي قانونيًا, وأدبيًا وأخلاقيًا, وموضوعيًا, ومنطقيًا, أن أناقشك وأسالك لماذا من فضلك ترجمت عبارة (Übermensch) الألمانية إلى عبارتي (الإنسان الأسمى)؟؟!!
وأنا سبق وأن أكدت لكَ في الفصل السابع, بأنهم لو قطعوني إربًا إربًا, ولو دقوا مساميرًا صدئة في عيوني وجاؤوا بكَ أو بشبيه لكَ, وقالوا لي مثلما قالوا (لعمار بن ياسر), صاحب الرسول, والموعود بالجنة مع والديه, لو قالوا لي ذلك, ما حييتُ, أن اشتمك أو أهينك, كشخص وصديق أعتز وأتشرف به, اليوم وغدًا, لو فعلوا ذلك, لأجبتهم وطلبت ُمنهم واثقًا وأنا أجاهد أن أتبين قبس الضوء, بأن يدقوا المسامير في عيني ولساني وقلبي وكبدي وطحالي أكثر.. لأنني لن أخون صداقتنا أبدًا.. ولستُ النذل الذي يفعل ذلك, ولا الحقير الذي يشهّر بك.. لكنني لا أتعامل ولا أتكلم عنكَ كعلي مصباح الصديق الطيب الذي يشهد القاصي والداني أنه من بين أروع خلق الله, خُلقًا وأخلاقًا, ومنادمة, وذكاء وفطنة وعمقًا, وإتزانًا, ودراية ونقاء سريرة.. ووالله أنا أوَّل مَن يشهد لكَ بهذه الصفات كمواطن تونسي يساري مثقف ومتمكن…
وأنا نفسي مثلكَ يساري حتي النخاع, ولا يمكنني أن أتصور كاتبًا شريفًا وصادقًا مع نفسه فوق الأرض إلا أن يكون بالضرورة يساريًا.. قلبًا وقالبًا.. ولا أعني يساريًا كمنتمي خطيًا لحزب أو محسوبًا على جهة.. ولكن أقصد المبادئ السامية وتعاليم الخالق الأولى التي اقتبسها كلّ منظري اليسار وشوهوها, بداية من كارل ماركس الألماني ورفيق دربه أنجلز, وصولاً إلى المثأثئ الحالم فلادمير لينين الذي سرق النار من ميونيخ من جامعات ألمانيا وحطها هكذا في قلب صقيع روسيا.. ولم يحسب أن النار لاتتحول نورًا, حتى ولو وضع على حراسته بعده, كلب حراسة شرس ودموي يسيل لعابه بشراهة للحم الأدمي, واسمه جوزيف فيساريونوفيتش ستالين (بالجورجية يكتب هكذا يا عزيزي იოსებ ბესარიონის ძე სტალინი بالروسية والله العظيم يرقن هكذا: Иосиф Виссарионович Сталин) وكنية دين والديه الكلب: الأصلية: جوجاشفيلي.
ألم يتبادر إلى ذهنك يا رفيق, أن نيتشه, صديقك المريض بنفسه والتلميذ الوفي (يا للغرابة) لابن بلده “جوهن جوتلب فيخته” والذي اتفق معه ولم يهاجمه رغم طبيعته الشرسة وطبيعة فيخته الماكرة الخبيثة العبقرية في الهدوء.. ونيتشه, لم يقابل فيخته طبعًا, لأن أستاذه فيخته الأحدب الألثغ, مات قبل ولادة نيتشه بثلاثين سنة بالضبط.. بالتمام والكمال (لاحظت أن رقم الثلاثين يتكرر معي كثيرًا – ولأريحكَ, هذا سر كل اكتشافاتي يا سيدي..! لأنني أهتم بسحرية هذا الرقم الذي يغلق الشهر, وهذا سر إلهي لن تفهمه على كل حال)… (وياكم أسف نيتشاك لذلك!) ويا كم تذمر أن أستاذه مات قبله وقبل مولده أصلا بثلاثين سنة! كما قلتُ.. وأنتَ تعرف لماذا تأسف طبعًا.. ولماذا كان كالمخبول, ووالله هو مخبول وتافه.. السبب طبعًا الذي يعرفه كل الناس, أن فيخته, كان واحدًا من أبرز مؤسسي الحركة الفلسفية المعروفة بالمثالية الألمانية، تلك الحركة المتحركة والتي تطورت من الكتابات النظرية والأخلاقية لـ “إمانويل كانت”. حتى إن الكثيرين من أساتذتك بجامعة – ديكارت – بباريس, لا يخجلون من فردة صدورهم الخاوية المليئة بالشعر الأبيض, شيبًا, والخالية من الشِعر (بكسر الشين, يرحمك الله), قلتُ لا يخجلون من تقديم فيخته على أنه الشخص الذي كانت نماذج فلسفته جسرًا بين أفكار “كانت” والمثالي الألماني “هيجل”. ويدرسونكم أنه كل الفلاسفة, وبالإجماع, وكل الدارسين حديثًا اتفقوا على أن فيخته فيلسوف مهم في حد ذاته لأجل رؤاه المختلفة في طبيعة الوعي الذاتي والإدراك الذاتي. مثل “ديكارت” و”كانت” وقبله كانت مشكلة الذاتية والوعي دافعًا لتأمله الفلسفي.
(ثم عبارة رديئة باللهجة المصرية.. يقولونها بكثرة هنا. وهي تكتب عند شباب الفيسبوك, على شكل (A7A) وكبار الحومة من المحنكين يطلقونها مع شخرة تسحب من الحلق حسب درجة التعجب.. ويقولونها صوتيًا: (آحاااااااا).
وأنا لن أقولها لأساتذتك يا علي, تقديرًا لكَ فقط.. ولأنهم درسوك.. ولكن وبصراحة, لو كانت أمي ولدتني قبل عشرين سنة من تاريخ ميلادي, أو حتى خمسة عشر سنة فقط, لكنت أخذت الطائرة, وجئتك في جامعة – ديكارت – الباريسية.. ووقفت خلفك في آخر المدرّج, ولكنتُ سحبتُ نفسًا عميقًا, أعمق من كلّ نفس قيرواني عرفته البشرية.. ولكنت صحتُ في الأستاذ الذي يحاضر لكَ بنفس العبارة (آحاااااااا).
كم دفعوا لهم, لكي يطمسوا الحقيقة الجوهرية.. الأصل: بأنّ فيخته كان مشغولاً بالأساس بالفلسفة السياسية وأنه ينظر إليه في ألمانيا بعين الإمتنان.. بل سيعشقون حتى حدبته ورقبته المكتنزة ولثغته.. لأنه بالنسبة لهم هو البداية.. بداية مأساة العصر الحديث.. لأن البويضة خرجت من صلب كُتبه وأفكاره السوداء العرقية القاتلة.. وأنه يا علي يا مصباح, الأب الشرعي للقومية الألمانية. التي فرّخت نيتشه.. وصنعت آلة دمار شاملة اسمها: (أدولف هتلر).. فرّخها في عش الحضارة الإنسانية الطيبة, في شكل كتاب (كفاحي) الذي خطه في السجن.. قبل أن يبدأ فور خروجه في إحراق أمّنا الأرض…و…..
يااااااه…. يا علي ….
يااااااه يا علي يا مصباح!
قلبي ملآن ودين ربيّ…
ووحقّ الله لا يكفيكَ الفصل السابع وجزء من الثامن, وهذا الفصل التاسع… لا… وحق الله لا يكفيكَ أيها المترجم الفذ
لاناقشكَ في عبارة واحدة.. واحدة فقط…
لذلك سأناقشكَ غدًا في عبارتين قاتلتين وجدتهما لكَ.. واحدة في نصوصك الأدبية.. والأخرى في أحد ترجماتك الفذة…
ولذلك.. قررنا نحن كمال العيادي القيرواني البوشكيني النحيل.. أن نخصص لكَ الفصل العاشر غدًا أيضًا..
الله…
حبًا وكرامة يا ولد بلادي.. وبكل أدب.. أكثر من هذا الأدب..؟؟؟….

هل شتمتك يومًا أو سمعت مني كلمة عيب؟؟؟…

يُقطع لساني ويخبو بياني لو سمعت مني اليوم أو غدًا, كلمة شتيمة في شخصكَ الذي أقدره جدًّا, لكل أساتذتكَ الذين علّموكَ الفلسفة والأدب, هم غرمائي.. ودين ربي لأمرمغهم واحدًا واحدًا في الوحل.. هل تعرف يا سي علي أنني أعرف حتى اسم من درسك في السنة الأولى إبتدائي؟؟ أي والله.. أنا صحيح لا أحترم الألمان جدًّا, في الكثير من تصوراتهم البالية الصارمة التي هي طبيعة الإنسان أصلاً ..ولكن صدقني.. أنا حقيقة تعلمتُ منهم.. وشطتهم بعد ذلك كالكرة بقدمي اليُسرى.. ليس عبادهم.. فهم أهلي وحتى ابنتي تعيش وربما ستموت بينهم.. أنا أقصد فلسفتم.. ما بعد قتلهم للعظيم “فولفجانج جوته”, عاشق الشرق, معنويًا
معذرة يا علي مصباح, نسيت أنكَ لا تُحب عبارة عظيم.. التي هي سبب غيظكَ واغلاقكَ صفحة الفيسبوك في وجهي.. طيب.. لكن ودين ربي لن أسحبها.. فأنا فعلاً أرى أن “جوته” عظييييييييييم.. وينتمي للحضارة الإنسانية الأنقى…وهو ليس بضاعة ألمانية.. بل هو من بعض الله.. من بعض نور الله يا علي يا مصباح.. يا عاشق نيتشه وفيخته….
طيب سأعود لك غدًا إذن.. لأنني تعبت من الرقن اليوم.
صباحك فل….!
وهذه عبارة يقولها الحشاشون هنا في مصر.. وحتى في تونس بلدك…
لكنني – وربما قرأت في الفصل السابق – وشرف أمي فضيلة بنت صالح العيادي.. وشرف ابنتي ياسمين بنت كمال العيادي.. وأقدس المقدسات.. أنني أبغض وأنفر وأكره الحشيش.. وكل كل أنواع المخدرات بجميع أنواعها.. حتى إنني أكره أقراصًا عادية مثل (الأسبيرين) ولا أحب الدواء ولا الأقراص ولا الكحول القوي.. هي ثلاثة أو أربعة بيرة خفيفة فقط في الأسبوع يا سي علي.. وأنتَ يساري وتتفهم.. وربنا يغفر.. فقلبي وجوهري والله نقي.. رغم أنني أحيانًا ماكر وشقي.. لكنها شقاوة قيروانية, خفيفة, لطيفة, عفيفة, نظيفة, شريفة, ولا غبار أسود عليها…
طيّب يا سي علي.. سنعود لكَ غدًا.. ونخصص لكَ فصلاً عاشرًا.. من قلبي والله.. والخير من عند ربي وبتأييده…
ألم تحرمني بتسرعكَ ومزاجيتكَ التونسية القديمة, من ثلاث فصول كاملة من روايتي وهي الفصول التي تعبتُ عليها عشر سنوات وأكثر. وذهبت إلى الأبد في علم ربي محترقة, ككبدي..
طيب هاهو ربي عوضني بكَ خيرًا.. وخصصت لكَ الفصل السابع والثامن, وهذا التاسع.. وبحول الله سأكمل عنك العاشر.. وكلّها في الصميم الصميم يا بن بلدي.. وعسى أن تُكرِهوا على شيء أو تكرهوه.. وهو فيه الخير العميم….
صباحكَ ودين ربيّ فلّ.. الفلّ من عندي…..!!!
(كمال العيادي – مكتب القاهرة)
هوامش لا شر فيها بإذن الله:
ــ آخر محاورة علنية منشورة بصفحتي منذ خمسة أيام إلى الآن.. قبل أن يُغلق علي مصباح فجأة وبدون سبب صفحته في وجهي :
الساعة 09:00 صباحًا•أعجبني
AyadiKamal04:54 صباحاً
AyadiKamal

مرحبا علي.. صباح الفل..
الفصل الثامن كله معطل من أجل ترجمة عبارة واحدة
ولن يساعدني في ترجمتها سواك أنتَ.. فأنتَ مَن استعملها مرّة في نص.
05:00 صباحاً
Ayadi Kamal

العبارة التي لم أجد مرادفًا مُستساغًا, موسيقيًا وأخلاقيًا وذائقيًا, هي عبارة ألمانية تستعمل بأكثر من معنى.. وموسيقى واحدة.. فهي أكثر كلمة متداولة بين الأصدقاء الأصدقاء.. وأيضا هي شتيمة .. إنها عبارة \ك : Arschlochترجمة ثقب الطيز, لم تُعجبني …
في تونس وجدنا حلاً قبل الألمان أنفسهم.. بوضوح.. وحسم هي /صرم، ولم أجدها في أي لهجة أخرى…
أحتاجك فعلاً لأكمل الفصل…لأنه يعتمد على مناقشتك في 4 عبارات.. أنتَ استعملتها في ترجماتك البكر…
28 أغسطس، الساعة 05:09 صباحاً

(تجاهلني سي علي مصباح, وهو الذي كان يجيب منذ عشرين سنة فورًا على أي رسالة مني – ونشر بعد مدة صورة زهرة متفتحة جميلة على صفحته, والشيطان وحده يعلم ماذا يعني وماذا يريد ولمَن أن يقول): فكتبت له تعليقًا على زهرته التافهة التي بلا معنى ولا موجب وقتها.. وليست إجابة مقنعة كتبتُ: ________________________

Ayadi Kamal ههه… للنحلة فقط أن تحطّ على فحمة بؤبؤ عيون الورد المُنطفئة, لتشعلها بأمر الربّ يا علي, وهي تكنس غبارها, لتحوله بأمر منذور, إلى رحيق عسل مصفى وفيه السر وشفاء للناس فوق البيعة.. أما الذبابة, فلا تحمل همّها يا علي, فهي بطبعها لا تطيق الورد أصلاً.. فلا تخف على عيون الزهر يا علي, خَفْ فقط على بذور الزهر في قرونها التي لا تطمع النحل فيها, ولم تؤمر بإيذائها.. لا تستهن بسر معجزات الشرق.. بجاه دين ربيّ..

منذ 12 ساعة • تم تعديل • إلغاء إعجابي • 1
Ali Mosbah أأسف شديد الأسف للتعليقات التي تحذف نفسها وتحرم القراء من متعة قراءتها. خسارة والله!

منذ 5 دقائق • إلغاء إعجابي • 1
Ayadi Kamal هههه.. لم تكن تعني أحدًا غيركَ أنتَ ونيتشه يا علي.. وستجدها بحذافيرها في الفصل التاسع..لا تتسرع.. محبة يا كبير.. وأقسم بالله أنكَ ستفهم, أنني لا أعني إبداعيًا علي مصباح الأبيض النور.. أعني علي مصباح الذي ربمّا بترجمة خاطئة لعبارة واحدة أحمله مسؤولية أجيال فاسدة…

منذ 2 دقائق • تم تعديل • أعجبني
Ayadi Kamal
أنا أتكلم عن ثلاث ترجمات هي الأخطر في تراثنا العربي اللاحق يا علي.. لست تافهًا كما قد يبدو لبعض الغافلين (إنه بوكر) وقاسي لحدّ الوجع.. وهل تعرف كم مليون انتحروا في البوكر؟
قبل بضع ثوانٍ • أعجبني
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

الفَصْلُ العاشر
( 10 من31 فَصْلٍ)
من رِوَايَةُ (نَادِي العَبَاقِرَةُ الأخيار)

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12) وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) – (سورةالإسراء:الآيات 12-13 و14)
مفاجأة إذن يا سي علي مصباح, أليس كذلك؟
أنتَ تتساءل الآن بالتأكيد (… ماذا يريد مني هذا الخرا متاع زبيّ؟؟)، (ولماذا دين أمه غير عنوان الرواية فجأة.. وزاد فصلاً في عدد الفصول؟؟)
أعرف كيف تفكر وعمومًا.. هذا يا سيدي عنوان رسالتي منذ قررت أن تكون رواية (رِوَايَةُ (نَادِي العَبَاقِرَةُ الأخيار).. ومنذ بالضبط 10 أغسطس 1996.
مااالك يا علي يا خويا.. مالك وجهك تقلبّ.. هل تريد أن تتقيئ؟؟؟َ
هوّن عليك, ولا تتشقلب في السطح بعينيك.. أعرف أنها مفاجآت كثيرة, ووالله, أنتَ معذور حين تلحس الآن ريقك المرّ, وتلحق ما تيبّس منذ البارحة من رغوة البيرة (الإلهية الألمانية الأسمى والأنقى) من يسار حنكك غير المحلوق منذ يومين, وها أنّكَ من جديد تزوّغ بعينيك وتلوذ بالسّقف.. يا رجل, أنتَ إنسان تعبنا عليه, وليس عندنا منه الكثير.. ولن أترككَ حتى تعلنها صراحة.. وفكّر قبل ذلك.. مع مَن تريد أن تلعب.. معنا أم معهم؟؟ تصور الآن, وأنا أعرف أنك تحبّ التصوّر والصور البديعة.. لكن هذه ليست صورة بديعة.. كلّها رائحة عرق إبط 22 لاعب و3 حكاّم سود.. لكن تصوّر: أنتَ الآن تستيقظ مسطولاً بسكرة ليلة أمس.. رأسك مليئ بالخراء.. تفتح التلفزيون قبل أن تتجه للمرحاض, تبول. تضغط زرّ.. وأزرارك في البيت قليلة. أعرف. لكنّه زرّ والله.. شفاطة التواليت الألمانية الصنع التي في بيتك, (ما نوع التواليت في بيتك الصغير الكئيب يا علي, هل هوّ نوع ويليامس 84 Williams؟؟؟(
لا يهم نوع التواليت الذي لم تغيره منذ جئتَ ألمانيا يا سي علي مصباح.. دين أم السيراميك, والتواليتات, وجميع البوالات والزفت.. تفوووه, أكيد تقول الآن في نفسكَ وأنتَ تعود لمسح بقعة خضراء في السقف.. لا يا سي علي مصباح, عند الكثير من الكتاب الكبار الذين تقول أنهم أولاد قحبه, وظُلموا لأنهم لم يتحصلوا على جائزة نوبل, مثل حبيبك الروماني أوجن يونسكو”Eugène Ionesco” هل تعرف ماذا فعل هذا المهاجر الكئيب با بن بلدتك وفخر اليسار التونسي والعربي يا علي يا مصباح…؟؟ لا والله, لا أتصور أنكَ تعرف.. طيب, سي يونسكو هذا الذي قلت مرّة لصديقتك الألمانية الجاهلة, بأنه كتب عمل عظيم أهم من مسرحية الكراسي.. ولما سألتكَ: بربي آشنوه اسمها يا سي آآآلي.. أجبتها أنتَ وأنتَ تخوص عينك اليُسرى متجليًا: (المطربة الصلعاء!)
يا عيب الشوم, يا سي علي مصباح, تضحك على الألمان؟؟ لماذا؟ لمَ قلت لها (المطربة الصلعاء؟؟!!) وأنتَ تعرف أن يونسكو, يقصد (المغنيّة الصلعاء) هل نسيت الفرنسية يا سي علي مصباح, أو لم يكن عندك يومها مهمًا الفرق بين (المغنية) و(المطربة).. طيب.. الله يزيدهم غباء على غباء.. الألمان ليسوا قضيتي ولا أريد أن أنفعهم بعلمك.. لكن لو قلت هذا باللغة العربية لطالب طري في تونس.. فودين ربي لن أرحمك..
حتى وأنتَ أروع مَن تبقى لي من الأصدقاء من تونس. بلدي. أبب أبب….نلعبوا بالأجيال القادمة والبذور الخضراء… (آحاااا.)
سبق وأن فسّرت لك أن عبارة (آحاااا) التي يقولها المصريون كل دقيقتين, مع إطلاق صوت (كالشخرة) ليست شتيمة.. ولا هي بذيئة.. حتى إنه يمكن أن يستعملها الزوج التعبان مع زوجته..
ويمكن أن تقولها الزوجة اليسارية لزوجها. بدون شخرة طبعًا. لأنّ الزوجات اليساريات في مصر, أكثر تهذيبًا من النساء اليساريات في بقية بلدان ربي.. ثمّ أن المرأة لا تُحسن الشخير أصلاً.. ولا يليق مع رقبتها الغزال الرقيقة.. تقدر تقول: تجرحها وليس منها فائدة كبيرة تُرجى. فهي حين تقول لزوجها اليساري (آحاااااا) بدون (شخرة).. يتقبلها ولا يعافها تلك الليلة على الأقل.
أنا عرفت بنات تونسيات يساريات, يعملن بالعكس. يشخرن. ولا يقلن (آحاااا). عجب ربيّ سبحانه. (وربي قال وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا.. ولم يقل لتتشاخروا.. أي والله..)
المهم يا سي علي. هذا الروميني يوجين يونسكو الذي باع أصله وفصله, وتخلى عن جنسيته, واحتفل بذلك في قاعة أكاديمية اللغة الفرنسية نفسها, (نعم.. نعم.. أنا أعرف أنّك تعرفها, جيدًا فهي تقع وراء الكوليج الفرنسي الذي يا ما شربت قدامه بيرة وسيجارتين.. لكنني يا سي علي معي ضيوف وأنا أقودهم منذ الفصل الأول من هذه الرواية الزُبالة, ولا بد أن أشرح لهم.. دقيقة من فضلك …
ــ يا أولاد الحلال ما زلتم موجودين؟؟؟
أنا نسيتُ كم كان عددكم حين بدأنا الرحلة في الفصل الأول مع ذلك الشاب الكاظم للغيظ, المتسرع, والكتوم, البوشكيني في قيروانه, مربض البهائم.. التي يعشقها رغم ذلك حدّ الهوس والجنون. قُلنا نسيت والله عددكم كم كان في بداية الرحلة.. وعلى كلّ حال أنا لم أعد الجميع بأنني سأعود بهم سالمين.. أنا وعدتُ فقط, مَن سيتبعني.. رحلة كلّها وحوش ومطبات وغابات سوداء وغيلان.. وما خفي في الفصول القادمة بشع..
فكيف يتركون الركب ويذهبون إلى وسط مدينة تافهة, لأخذ صور مثل اليابانيين, ليثبتوا للعالم والجيران أنهم فعلاً كانوا هناك.. الله لا يرحم عضم مَن أكله وحش وهو منشغل بالتصوير والتقوحيب. ثم مَن قال لكم أن تأخذوا كاميرات ألمانية أو يابانية معكم؟ هيييه؟؟ من عنده كاميرا في حقيبته, فليرم بدين ربّها فورًا.. فورًا.. وإلا فليخرج من الرحلة.. لا نريد صورًا.. نريد عِبرًا، ونقش وليس مسح ومسخ وبوليتيك وخفة يابانيين مرعوبين من الوقت المستعجل.
قلنا يا أخوتي ورفاق رحلتي.. ماذا قُلنا؟؟
آه.. أردت أن أعطيكم لمحة عن أكاديمية اللغة الفرنسية هذه. ووالله لن أصفها بصفة خبيثة ولا لئيمة, فالفرنسيس أيضًا بصراحة, من حقهم أن يفكروا في مستقبلهم.. فهذه ألمانيا فوقهم تلعب منذ ثمانين سنة دور الربّ.. وهذه بريطانيا لا يفصلها من جهة الصدغ اليمين سوى القنال الصغير فوق رقبة شربيرج.. وهي خصم عنيد ومحنك.. ويا ما سبب لها من مصائب, وأزمات, بداية من تهريب كلمات, في صناديق الويسكي مثل عبارة (أوكيok ) وعبارة (شوينجوم (schwingoom وعبارة (لووف يو (Love you ومئات غيرها.. تتراكم في ذاكرة باريسية أنيقة..
ولم تعد بصراحة أنيقة جدًّا بسبب هذا التهريب الإنجليزي الخطير واختلاطه بالشوكلاته والشامبانيا.. حتى إنكَ والله قد تجد الآن شاعرًا شابًا يكتب في مجلة فرنسية خالصة الضرائب قصيدة من ثمانية أسطر ولا تخلو من عبارة إنجليزية مشبوهة.. ثمّ كلّ شيء.. وهم فاهمين من أين يؤكل الكتف ومن أين يُعض كتفهم أيضًا؟
ويا ريت كان الخطر فقط من الشمال والوسط الغربي من جهة خليج بيسكي ومنطقة لاروشيل وبوردو وبايون.. ياااا ليت.. لكن الأخطر هذه الإيطاليا التي تخربط كل الوقت ولا تعرف لها ريح.. الخطر من الجهة الشرقية وليست الغربية.. فعمتك ألمانيا ماسكة التاريخ والجغرافيا بيد من بلاتين وصلب لا يلين.. وتحتها خالتك سويسرا لابسة قناع (نوتر) أبيض جامد الملامح, لا تعرف وجهها يضحك تحته, أم يبكي.. لا تعرف هل هى حزينة أم مبتهجة.. بلاستيك ميت. صنع ياباني لا تخترقه العين ولو بميكرسكوب….
ليس هنا الخطر.. ففرنسا أيضًا (لعّيبة) وقحبة محنّكة قديمة.. فهي تعرف أن ألمانيا عدوّ واضح, ويمكن إذا فهمناه أن نلعب معه. وقد نسجل أهدافًا أيضًا.. لأن فرنسا تعرف طريقة لعب الألمان, في الفلسفة وفي الأدب خاصة (مركز قوتها المعروف) ففرنسا منذ زمن تعرف التعبير بالفرنسية عن مشاعرها.. حتى أن أعظم شعراء الأرض مثل بوشكين, ودافيدوف, وليرمانتوف, كانوا يكلمون الشعب بالروسية مثلاً, ويناقشون السياسة والفن والأدب في سهراتهم اليومية بالفرنسية.. والله وزمان بكري, حين يقول الشاعر في روسيا وغيرها (أنا شاعر) ويبدأ يتفحّل ويزقزق.. أوَّل شيء يلزمه, يكون عنده تخرّج من (لييسييه.. يعني كولاج.. يعني مثل هذه الأكاديمية على صغير). لأن اللغّة بضاعة هااامة جدًّا..
بل هي أهم من أية بضاعة تُصدر.. وبها يُمكن استعمار شعب كامل وجعله يحلب نفسه كالبقرة يوميًّا ويأتي لها بسطل الحليب وهو يتمنى رضاها أكثر…

يا دين الربّ.. تلعبوا مع اللّغة؟! هيا ابدؤوا اسألوا الآن ماذا تفعل مؤسسات (جوته) عندك في بلدانكم؟؟ لا.. اعطوني بلدًا فقيرًا أو غنيًّا في العلم ليس فيه (معهد جوته للغات).. يستحيل.. الألمان ينتحرون لو رفضت أن تأخذ منهم مبلغ عشرة آلاف دولار, لجائزة باسم عمّك (جوته).. ودور هذه المعاهد بالتأكيد ليس كفكفة دموع اليتامى والثكالى وكتابة بيانات مثل السفارات.. لا.. هذه المعاهد لا تكتب تقارير بوليسية.. هذه المعاهد.. تعلم اللغة, وتترجم.. وتهدي.. وتشتري أنصارًا بطرق غير مباشرة.. وأهم شيء أنها ترسل لمؤسسات أخرى في عمق البلاد هناك في صقيع برلين أو بون, شفرات من غير لغة مرقونة, تُمسك عليهم كدليل حين يهاجم متهورون مقر المعهد, ويعبثون بالملفات ويسرقون أجهزة الكومبيوتر, ويبولون في مكتب المديرة..لا والله.. الألمان آلة جبارة وليست كما ترونها بلدًا باردًا وحدودًا، وفرق كرة متقدمة وسيارات مرسيدس.. أبدًا.. لا يمكن بيع سيارات مرسيدس موديل 2050, في أواخر سنة 2049, إلا إذا ضمنا أن طحال معهد جوته يعمل بشكل سليم, ويعطينا عينات من بول الأدباء والمفكرين والعباقرة والسياسين والصحفيين والفانين واليساريين واليمنيين.. وووو.. وكلها تذهب لمخابرمختصة جدًّا جدًّا.. تتعامل مع كلّ عبارة بمشرط جراح للعيون.. أي والله.. هذا على المدى البعيد.. أما عن المدى المتوسط, فلديهم دائمًا الوقت لتغيير الإستراتيحية وطرق التطعيم ومواقيتها وقوّة مفعولها و(دوزتها).
ولأنّ الألمان, أوَّل مَن أعلن وأنذر (مُبشّرًا) بولادة (الإنسان الأسمى) أو (الإنسان الأعلى), فهم منذ اجتماع محاضرة فيختة الشهيرة, وخاصة منذ دخول اللاعب الماهر العبقري (نيتشه) فهم يتعاملون مع هذه العبارة فعلاً بمنتهى الجدية.. فهم يظنون أنهم – ربيّ – وليس من حقهم أن يقولوا لكَ لماذا وكيف وعلام ولأي سبب.. بل هم لا وقت لهم إطلاقًا لمناقشتكَ.. أسكت.. وابتلع لسانك وكملّ دورك المسطر لك بدقّة من سيناريو مكتوب سنة 1934.. معتمد على سيناريو مذهل.. مخيف سلّمه المواطن الإعتباري الصالح المدعوّ – فريديريك نيتشه – قبل موته بأيام مع وصيته سنة تسعة عشر وصفران بالضبط (سنة 1900(
يا إخوتي حرام عليكم واالله.. لماذا تنظرون لي هكذا شذرًا؟؟؟ لماذا؟….
أنا؟؟؟ أنا كفرتُ؟؟؟ وكيف؟؟؟
لا.. لا.. لا..
ووجلالة ربي هذا ظلم.. لستُ أنا مَن قال لكم بلغتكم عبارة (الإنسان الأسمى).. ولا أنا مَن قال لكم بلهجاتكم الموّحدة في لسان العرب الخرا… الذي لم يتطور منذ طبع مجلداته في طبعته الأولى (تصوروا أين؟).. نعم.. بدار المعارف في تونس وبعدها صدر في 20 مجلدًا في مصر تحديدًا في مطبعة بمنطقة بولاق التي أحب دائمًا أن أشتري منها قوارير وأنابيب لا بنتي ياسمين بنت كمال العيادي في ميونيخ.. وأتعذب أنه ليس فيها موقف للسيارات.. صعب.. وكان ذلك, أي الطبعة المصرية المُستنسخة الثانية سنة 1299 هجري، وطبع مرّة أخرى بوسط البلد بالقاهرة, جنب محلّ أبو طارق بياع الكشري, عند مدخل شارع معروف الضيق المتفرع عن شارع رمسيس حيث تلك الخرابة التي سجلتها إلى الأبد في ذاكرتي لأنحرف بسيارتي الشيفروليه حين يجبرك سواقي الميكروباصات المسعورين على الإنحراف للنصف الشمالي من الطريق المقسوم إلى نصفين (رايح – جاي) ويخبطونك بالضرورة بالرصيف (يُلبسونك الرصيف – عبقرية اللهجة المصرية وووواووو) فتلبس الرصيف الأيسر وأنتَ تريد دين ربّ اليمين على درجة ضلع مستقيم جاد, يوازي بلغة الجيش الساعة الثالثة.. يعني هوووب, نهبط من الطريق السريع جدًّا, فوق كوبري مراد الثاني, وحال بداية اقتران السيارات القادمة ككريات الشر المجنونة من تحت الكوبري مع الكريات الشريرة التي هي أصلاً نازلة تتخطاك من اليمين والشمال ومن كلّ فجّ عميق.. كلّ ذلك, ورخصة سياقتك ليست معكَ تمامًا.. والسيارة تخون أحيانًا في المطبات والحفر.. كلّ ذلك يا أحباب الله, وأنا القيرواني الذي لا علاقة لدين أمي بقيادة السيارات أصلاً.. وأسوق للضرورة القصوى.. كل ذلك, وأنا أريد أن اكسر يمينًا حادّا, وكأنك في النقطة الصفر من ساعة مستديرة.. وتريد أن تطلع بإتجاه الرقم 12 المستقيم أخر عقرب الساعة.. وفجأة, ولأنك مضطر, وتعرف جيدًا جيدًا جيدًا ماذا تريد بالضبط.. فتنحرف فجأة صوب الرقم 03 من الساعة المستديرة للحياة، وهوووب تضربك شاحنة وتنيك ترجع للقيروان في صندوق خشبي رديئ الصنع وعلى إصبع قدمك اليمنى الباردة. عبارة (مات في حادث طريق) وعلى الجانب اليمين من الصندوق الخشبي يلصقون ورقة لا تتبلل بالماء, كتب عليها ثلاث جمل مبتورة وبخطأ نحوي: صُدم بمصر.. في يومه وساعته وتاريخه وغسّل بمشرحة زينهم, وبحضور موظف من السفارة التونسية.)
لا يا أحباب ربيّ.. وماذا سأقول لأستاذي المنصف الوهايبي الذي يتابع من بعيد وبصمت قاتل رحلتي؟؟ وكيف سأبرر له أنني غير مسؤول عن موتة تافهة حقيرة في شارع رمسيس وأنا أريد الإنحراف يمينا للدخول إلى شارع معروف الضيق, وأركن جنب عمّك أبو طارق أشهر بياع كُشري فيكِ يا جمهورية مصر العربية.. كيف؟ وهل سيصدقني إذا قلتُ له أنني أردت فقط لدقتي القيروانية الألمانية الشديدة أن أتأكد فعلاً من مكان وأرض المقرّ القديم الذي هدّم منذ خمسين سنة, وأكثر, والذي أصدر لسان العرب الخراء هذا في عشرين مجلدًا بالتمام والكمال (مجلّد ينطح مجلّدًا) وأن ذلك حدث في شهر ديسمبرالزُبالة من السنة الكبيسة 1330 للهجرة….؟؟
هل كان أستاذي الصارم المُتجهّم الجبار والقارئ المخيف وصاحب الذاكرة الأسطورة, هل كان سيصدق ما حصل.. وسبب موتي؟؟؟ والأهم من ذلك, هل كان سيتفهم؟ وانني بذلت جهدي وأكثر من جهدي.. وهل ستتطاوعني كبريائي القيروانية الخرا.. وعزة نفسي أن أبكي على كتفه, وأقول له: تعبت.. تعبت يا أستاذ فبربّك قلها.. وأرحني؟؟؟!!!
لا والله.. ليس أستاذي الشاعر المنصف الوهايبي مَن يعترف.
وليس كمال العيادي القيرواني البوشكيني مَن ينهزم ويستسلم
هذا صراع تلميذ قيرواني عبقري عنيد، مع أستاذ قيرواني عبقري محنّك، والقيروان صبيّة عذراء بكر منذ عهد الصحابة الأولين.. ومنذ سنة 50 للهجرى تحديدًا….
والمسألة واضحة.. ((إمّا – هوّ- وإما – أنا…)).
عقبة بن نافع (بارك الله فيه)عرف المكان المناسب بتأييد ورؤية
وقاد الجند. ووقف. ونظف الأرض من العقارب والزواحف والدابة.. ودعى ربه وربه استجاب.
والمسألة واضحة.. ماكان ينبغي أن يبدأ المقابلة المنتظرة قبل الدقيقة الأولى من فجر اليوم الأوَّل من شهر يناير (يونيه سنة 1984). بلا تقديم ولا تأخير، والحكم سيصفّر بصرامة.. عند نهاية الدقيقة التاسعة والخمسين بالثانية.. من ليلة 31 ديسمبر 2013.
وأنا لا خطّة لي غير ورقة واحدة ألعب عليها.. ويمكن أن أراوغ بها الأستاذ المحنك وأمرّ صوب الهدف المستحيل…
وهذه الخطّة يا أحبابي (وبربكم لا تفضحوني ولا تتكلموا بها جهرًا أو تعجبون بها بصوت عال).
هذه الخطة.. هي إنهاء المقابلة.. بتسجيل هدف أعجوبة غير متوقع.. عند الثانية الخمسين بالضبط من الدقيقة التاسعة والخمسين من ليلة 31 ديسمبر 2103.. يعني قبل نهاية المقابلة بعشر ثواني.. وبعبارة أوضح: أنا أعد منذ ثلاثين سنة لخطة واحدة ممكنة: (أن ألعب على عشر ثواني هي كلّ المقابلة..)
وأن أوهمه أنني متوتر وأوهمه أكثر أنني بهيم وحماروتافه وغبي ومتهور ليطمئن، وهووب.. أخرج له لساني و(تبزيطة) قيروانية تخرج من بين لثتي وشفتي العليا كالزغردة.. وأمرق منه.. وأسجل الهدف.. وسيقول الجهمور في السماء جميعها.. صف الملائكي منه وصف الشياطين:
(حشاها له.. ناكو.. لعِيييب ولد قحبة صرف.)
ياااااااااااااااه.. ثلاثين سنة وأنا أموّه وأتقوحب.. وعامل نفسي أراوغ وحدي، وأنا أراجع مع كلّ نفس خطتي العظيمة…
خطّة الهدف المستحيل في الثانية التاسعة والخمسين من الدقيقة التاسعة والخمسين من يوم 31 ديسمبر 2013.
لعب جبابرة.. وخصيّ من نحاس قيرواني متين…
وها نحن ذا ….
ندّان عنيدان لا يستهان بهما.. وكلّ يعرف ويقدّر قيمة الخصم المقابل وأهمية الرهان.
هذا محنّك منذ الأزل وفي صندوق أجداده بالوراثة الغبية، و(بمقدرة أيضًا- أعترف), مفتاح القيروان الوحيد,..إممممممممممممممم…مفتاحها العاجي الماسي..الأبنوسيّ الخلاب …
وهو يعرف.. وأنا أعرف.
وهو هناك.. وأنا هنا.
متقابلان كهرمين.. مستوفزان كقطارين من صنع روسي.
وملعب أرينة (Arina) السماء المليئة بجمهور الملائكة والشياطين والجن والأرواح العائمة, تنتظر بصمت حبيسة الأنفاس منذ ثلاثين سنة (هي عندهم ثلاثين ثانية) وهذا اللاعب المفاجأة, يتقدم بالكرة صوب المرمى.. في حين يقف له هذا الأستاذ الشاعر المدافع المحنّك مثل جبل الطوباد.. هازئًا من ارتعاشه وتخريجاته اللطيفة بكرة اللّغة الجلدية المنفوخة.. وهو على شبه يقين قاتل بأن الشاب المتهور, سيصل بعد جهد بالكرة إلى حدّ خط الجزاء.. وسيخر صريعًا لوحده بسبب ما بذله من جهد, وهو يراوغ وحده كالمعتوه, ليكسب الجمهور.. وفي أقصى الأحوال.. سيمد بكل هدوء بقدمه اليسرى (كونه أعسر, لكن يلعب باليمنى أيضًا.. والجمهور لا يدري).. قلنا أن هذا الأستاذ المحنّك سيكتفي بمدّ نصف قدم منحرفة بين كعب تلميذه المرتعش, وهو يتقصد عرقًا.. وسيسحب الكرة ويركلها لتخرج.. وقواعد اللّعبة البشعة.. تقول أن خروج الكرة من الميدان
وهو لا يرضى.. ولا أنا أرضى أن يتنازل أحدنا ولو قيد أنملة.
لذلك.. ولا تقوحيب.. لن أنهزم.
ولن أموت ميتة تافهة غبية وأنا ألملم من أرضية قطار الحياة الوسخ أدلتي وبراهيني. أبدًا.
مَن سيدخل بها ليلة الدّخلة؟ وباسم من ستُسجّل في الكتاب المسطور؟ باسم من؟ هذا هوّ السؤال..
مالك يا علي يا مصباح وجهك أصفر!مااالك.
مغتاظ أنني لم أكمل حكاية يونيسكو.. وهذا ولد بلادك الذي أهانه في ساحة الأكاديمية الفرنسية بباريس, ولماذا لا يستحق جائزة نوبل وماذا قال..؟؟…
وتريد أن تعرف الخطر الذي يتههد الفرنسيس حقًّا ويقرؤون له ألف حساب؟؟
لا تغضب يا ولد بلادي.
أنتَ ترى أن الحديث أخذنا اليوم, فضعتَ أنتَ في الحكاية.
والله العلي العظيم لن أنساكَ غدًا…
وسابدأ معك مباشرة بالحديث…
وساشرح لك موقفي مع عبارة (الصرم) التي ترجمتها أنت بتسرع إلى عبارة ثقب الطيز…
لا تتسرع مثل جدّك الثاني والخمسين الذي إحتال على جدك الثاني والخمسين أيضًا (نسيت مَن الثالث والخمسين قبلك ومن هو الرابع والخمسين.. المفروض هذا واجبكَ أنتَ.. وليس واجبي أنا معرفة ترتيب أجدادكَ.. ولكن لنقل جدّكَ مصباح العجل..).
ومع فجر الغد, أعود لك.. ونخصص لسيدي خويا الفصل الحادي عشر.
الله…..
حبًّا وكرامة يا ولد بلادي.
وهل تظنني مستعجل ومتوتر مثلكَ كما فعلتَ وأغلقتَ في وجهي صفحتك الملونة المليئة بالزهور في الفيسبوك…
أااااااااابدًا.. أنا قيرواني يا ولد بلادي.
قيرواني وبيضاتي من نحاس مدقوق..
صباحكَ فل.. والفل اليوم أيضًا من عندي …
وذكرني غدًا فقط.. أن أبدأ الفصل بنيك صديقك الروماني يوجين يونسكو.. وتذكر أنه لم يمت كما كتبوا.. لم يمت في روايتي هذه سنة 1994.
أبدًا..عندي معه حساب ثأر قديم.. وهو الآن.. تذكر في قاعة الأكاديمية الفرنسية.. وثمة تونسي يتقدم منه بتردد
سأنيكه يا عليّ قدامك.. ثم أسلّمه لك لتدفنه أينما تشاء…
قربكَ في أحد المقابرالألمانية النظيفة حدّ القرف
أو اتركه يموت موتته العامة.. كما فعل فعلاً سنة 1994
صباحكَ سكّر سيدي خويا
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
(كمال العيادي – مكتب القاهرة)

الفصل الحادي عشر

( 11 من 31 فصل)

(في لفّ خيط علي مصباح البِرْليني, بِبَكرةِ المُنصف الوهايبي القيرواني):

أ- حاشية عرضية:

الباب الصفر: (في بلادة الطرائف والإشاعات المُغرضة التي يؤلّفها آل العيّادي الماكرين عن آل الوهائبي الطيّبين, ولم نعرف لها سندًا صحيحًا, وقيل أخبار ضعيفة وهي غير متينة العنعنة, فرُكنت ولم تنتشر في العالمين, وبقيت بين آل عياد فقط, يفذلكون بها ويقصّرون بها الليالي الطوال وهي أكثر ما كانت تضحكهم, حتّى إنّه قيل أنّه كان يُخشى على الصبيان من عدم العودة من خابور تختخة الضحك والقهقهة حين يشطون ويلبسُهم شيطان الضحك..!)

ب- طُعمٌ وفخّ, للتعاطف مع الراوي ليس إلاّ:

طبعًا لاحظتم, دام عِزّكُمُ, أنّ للألقاب في القيروان, معان مُرسلة, فمثلاً لقب العيّادي, هوّ لقب البشير الذي يُبشّر بالعيد, فيخرجُ في الناس آخر ليلة من رمضان, بعد التأكد أنّها كذلك, وقد بان الهلال في كبد سمائها جليًّا, صائحًا بصوت مرح, فرح, حلو, بشير: (يا ناس… يا ناس…
إسمعوا, وإن شاء الله لاااا باس….
غدًا أوَّل العيد من القيروان إلى مِكناس…
فتباركوا, وتزاوروا… وفكّوا عنكم من قيد الوسواس الخنّاس
فقد حُسب في لوح كتابكم اليمين, بإذنه الواحد القهار الأمين…
غدًا أوَّل ايّام عيد الفِطر يا أخوتي المُؤمنين… ويا سامعين
والحاضر يُبلّغ الغائب, فيُرفعُ في ميزانه يوم اليقين اليقين..!)

ولذلك سُمّي بالبشير, العيادي. وهي مُهمّة كان يتولاها أكثر شيوخ العيايدية جاهًا, ومُلكًا, وسُلطانًا وعِزّوة وولدًا وعِلمًا, ومحبّة في قلوب الناس, ومناعة, و خاصة من وسوسة الخنّاس, الذي يُوسوسُ في صدور الناّس, من المُفرد الجمع, والجمع المفرد من المُرَدِ المُلط الزّرق, ومن كلّ الجِنّة ومن كلّ الناس. وهو ممَن سبق ذكرهم من الأجداد الأوّلين الذين قدموا القيروان في جيش عقبة بن نافع, مؤازرين ومجاهدين في سبيل الله, سنة 49 للهجرة, واستقروا بها كما قلنا بعد بناء سور القيروان الأول سنة 50 للهجرة. وقد سبق يا أحبّتي أن أدرجتُ لكم أسماءهم وشجرتهم النقيّة إلى حدّ أب البرية, سيّدنا آدم الطين الذي لا قبله طين. صلى الله عليه وسلّم في العلّيين… فقد أخطأ المسكين وتدارك… وتعفّر ثم إستغفر… والله يحبّ عبد التواّب… إذا ثاب, وتذكر العذاب, ولوّح برأسه المرتاب, وقال ربيّ أنكّ العزيز المُهاب… نجّني ربيّ من شرّ نفسي القيروانية الأمّارة بالسّوء, ونجّني من شرّ العذاب.

وأمّا عائلة الوهائبي, فلم نجد لهم من أصل أوجذر جليّ في ما تقدّم وما نُشر في كُتب الأخبار والأمصار والألقاب والتدوين… ولم تسغفنا المراجع الآلاف التي نقّبنا فيها بالتمحيص والفليّ المُجمّل ولا حتى في (الجوجل) المٌقمِّلْ… إلا ما يبدأ بربط هذا اللّقب اليسار بجذر عائلة الوهائبي (محمد بن عبد الوهاب), وهو حديث عهد بالأصول الضاربة في رحم الالقاب المعروفة من شجرة الأجداد والأولين… وأول مَن تأكدنا منه, ووثقنا به من أجدادهم, هوّ محمّد بن عبد الوهاب هذا وقد ولد في سنة (ألفا ومائة وخمسة عشر 1115, للهجرة), وتوفي, سنة (ألف ومئتان وستة للهجرة 1206هـ) وبالتاريخ الميلادي ولد سنة (1703ميلادي) وتوفي سنة 1794 م), يعني أنهم ماكانوا ليفدوا القيروان في كلّ الحالات. إلا قبل ما لا يقلّ ثلاثمائة سنة فقط.

وزد على ذلك, وزيادة المعلومة خيرين, أنه عاش واحدا وتسعين سنة بالتمام والكمال, -91 سنة -) وهذا سنّ لا يصله أجدادنا العيايدة مثلاً, فالعياديّة والحمد للربّ في عليائه, يموتون في تمام الصحة والشباب والحبور… ويدعون الله دائمًا, أن لا يريهم بَركة رُكب التسعين وعمشة عطفة المائة, ولا سِنّ الخَرَفِ وسَوءة الفيض) وجدهم المُعمّر الأول هذا, وأقصد سي محمد بن عبد الوهاب, هوّ والله العظيم نفسه صاحب فتوة (الاجتهاد في التخريج بالتوكلّ).

ومنها فرّخت فكرة الوهابية والسلفية الجهادية, والسلفية الجاميّة, والسلفية السروريّة, وغيرها…. وكان من أجداهم مَن تعرفون ممّن بالغوا في الشطّ واللّغو وجاؤوا بعجائب الفتاوي مثل: ابن تيمية و ابن قيم الجوزية, ومحمد بن عبد الوهاب الثاني, وعبد الرحمن السعدي ومحمد ناصر الدين الألباني, وعبد العزيز ابن باز ومحمد بن صالح العثيمين وعبد العزيز آل الشيخ صالح الفوزان وبكر أبو زيد وابن جبرين ومحمد امان الجامي وعبد الرزاق عفيفي… وغيرهم كثير ممَن سوّدوا الحياة و غبّروا الوجوه ومرّروا الأيام وثكلوا الحرائر وهتكوا السرائر وذبحوا الجنود على الحدود..

ومذهبهم الغريب العجيب الذي لم نعرف في الإسلام له قريب إلا أيام السفاّح (الحسن بن الصباح) الذي اتخذ من ايران وبلاد الفرس بقلعة (الموت) مركزًا لنشر دعوته؛ وترسيخ أركان دولته, وابتدع الحشيش الموجّه لسلب العقل, وغسل الدماغ… لا رفع له الله دماغًا يوم يشهد عليه دِماغه.

ومذهبهم هؤلاء السلفيين الوهابيين هو الأخذ بظواهر النصوص مالم يدل شيء على خلافه من نسخ أو تخصيص أو تقييد أو إجماع. وكلّ إلتزام الإلتصاق اليومي بكلّ الوقت بالجماعة, لأنّ فيها المناعة, وهي تردع نفسك الطمّاعة, وكلّ نفس مشدودة بشماّعه, وتغريها المعادن اللّماعة….

ومثال ذلك, أنهّ من غير المجدي التمعّن في الكلام, ومتاهة تطوّر العبارة… وتحذلق المفسرين. بل علينا الأخذ مباشرة من البئر والعين والأصل, أي تتبعّ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم, وما وصلنا من صحاح النوويّ, والأخبار, عن سلوكه, وحركته, وماذا كان يفعل وما كان يتجنب…. مثل القرفصة عند التبوّل, تجنبًا للرش والطشّ ونجاسة الماء المجمجوج. ومثل النهي عن الأكل باليد اليسار, والتوكأ على عصا الممشوق هو اسم عصا النبي صلي الله عليه وسلم, (واسمها بالمُناسبة؛ الممشوقة, ويكذب والله من يقول أنها موجودة ببلاد الفرنجة, أو بالإستطنبول فهي توجد مع الدابة التي ستخرج آخر الزمان.. كعلامة من علامات الساعة الكبرى.. وذلك استنادا, عما وصلنا من حديث الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه, الذي قال:
قال رسول الله صلى الله علية وسلم
(تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان بن داوود وعصا موسى بن عمران.. فتجلوا وجه المؤمن بالعصا وتختم أنف الكافر بالخاتم.. حتى إن أهل الخوان ليجتمعوا فتقول:
هذا يا مؤمن, وتقول هذا يا كافر). واتباع أخبار العصا أهم من قشور الكلام… ويا ريت ويا عزّة المُنى وبلوغ المُهجة, لو كانت من شجر الشوحط الجبلي أو ما يُسمى الآن أيضًا بشجر النبع أو الشريان. ولكن لا بأس أن تكون أيضًا من جريد النخل. وأن يحملها (الأخ) بنفسه أو يحملها له أحد أصحابه من المصطفين المرضيّ عنهم, ويمشي بها أمامه.
استنادًا إلى صحيح الخبر, أنّ سيدّنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, وطيّب ذكراه في الأرض والسماء, كان يُسمى, بــ (صاحب عصا النبي) صلي الله عليه وسلم لأنه كان يحملها له ويمشي بها أمامه.

وغيرها مما تعرفون من الفتاوى التي يسمونها اتباع الموثوق في أخبار المعشوق… حبيبنا النبيّ محمد الهاشمي صلى الله عليه وسلّم. وصلّت عليه الملائكة أجمعين.

وما تشير إليه المراجع الوهابية هو أنه نشأ وترعرع في عائلة (حَنبلِية) وكان والده من بين كبار فقهاء الحنابلة في منطقة نجد موطن العائلة الأصلي واصل جذرهم.. غير أن ابن عبد الوهاب شذّ عن العائلة وهاجر إلى البصرة في طلب العلم إلا أنه طُرد منها فاتجه إلى الشام ولم يوفق فيها فعاد إلى موطنه نجد بخفي حنين وعكف على دراسة كتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية. وما لبث أن وجد ضالته في هذه الكتب وفاجأ الجميع بفكرة الاستواء والتجسيم والمكانية التي تتعلق بصفات الله تعالى… وفكرة مقاومة الأضرحة والمقامات، ومثال ذلك, أنهّ من غير المجدي التمعّن في الكلام, ومتاهة تطوّر العبارة… وتحذلق المفسرين. بل علينا الأخذ مباشرة من البئر والعين والأصل, أي تتبعّ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم, وما وصلنا من صحاح النوويّ, والأخبار, عن سلوكه, وحركته, وماذا كان يفعل وما كان يتجنب…. مثل القرفصة عند التبوّل, تجنبا للرش والطشّ ونجاسة الماء المجمجوج. ومثل النهي عن الأكل باليد اليسار, والتوكأ على عصا (الممشوق) هو اسم عصا النبي صلي الله عليه وسلم, (واسمها بالمُناسبة؛ الممشوقة, وليس الممشوق. ويكذب والله من يقول أنها موجودة ببلاد الفرنجة, أو بالإستطنبول فهي توجد مع الدابة التي ستخرج آخر الزمان.. كعلامة من علامات الساعة الكبرى.. وذلك استنادًا, عمّا وصلنا من حديث الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه, الذي قال,
قال رسول الله صلى الله عليوسلمدا:
(تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان بن داوود وعصا موسى بن عمران.. فتجلوا وجه المؤمن بهذه العصا وتختم أنف الكافر بالخاتم.. حتى إن أهل الخوان ليجتمعوا فتقوم فيهم وتقول:
هذا يا مؤمن, وتقول هذا يا كافر).

واتباع أخبار العصا أهم من قشور الكلام… ويا ريت ويا عزّة المُنى وبلوغ المُهجة, لو كانت من شجر الشوحط الجبلي أو ما يُسمى الآن أيضًا بشجر النبع أو الشريان. ولكن لا بأس أن تكون أيضًا من جريد النخل. وأن يحملها (الأخ) بنفسه أو يحملها له أحد أصحابه من المصطفين المرضيّ عنهم, ويمشي بها أمامه.

استنادًا إلى صحيح الخبر, أنّ سيدّنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, وطيّب ذكراه في الأرض والسماء, كان يُسمى, بـ (صاحب عصا النبي) صلي الله عليه وسلم لأنه كان يحملها له ويمشي بها أمامه.
وغيرها مما تعرفون من الفتاوى التي يسمونها اتباع الموثوق في أخبار المعشوق… حبيبنا النبيّ محمد الهاشمي صلى الله عليه وسلّم. وصلّت عليه الملائكة أجمعين.

وما تشير إليه المراجع الوهابية هو أنه نشأ وترعرع في عائلة (حَنبلِية) وكان والده من بين كبار فقهاء الحنابلة في منطقة نجد موطن العائلة الأصلي وأصل جذرهم.. غير أن ابن عبد الوهاب شذّ عن العائلة وهاجر إلى البصرة في طلب العلم إلا أنه طُرد منها فاتجه إلى الشام ولم يوفق فيها فعاد إلى موطنه نجد بخفي حنين وعكف على دراسة كتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية. وما لبث أن وجد ضالته في هذه الكتب وفاجأ الجميع بفكرة الاستواء والتجسيم والمكانية التي تتعلق بصفات الله تعالى… وفكرة مقاومة الأضرحة والمقامات ورفض التوسل بالأولياء واعتبار ذلك صورة من صور الشرك والضلال…
وزاد عليها ما ذكرنا من ضرورة اتباع سيرة النبي صلى الله عليه وسلّم, وإحياء ذكر أخبار تصرفاته بدقّة. وتقليدها. واعتبار التفكير ضلالة والإجتهاد تجديف وإعمال العقل والعياذ بالله أول الطريق لجهنّم والكفر وبئس المصير.

ولكن والحق, يقال, لم نسمع ولم يبلغنا عن الأجداد الخمسة الآخرين لأستاذنا الدكتور المنصف الوهائبي ما يُشين. ولا ما يدّل على أنهم يروجون لبضاعة الجدّ الأوّل محمد بن عبد الوهاب هذا… حتى إنّ والد أستاذنا (وهذا أعرفه يقينًا) كان يعمل في البوليس في عهد بورقيبة. غفر الله لهما معًا.

وهي جماعات تعتمد على مذاكرة ما وصل من أخبار الرسول بالتدقيق, وتطبيقها وإحيائها بإعتمادها المرجع والأصل الفاروق الفريق…. وشّرع لأوَّل فتوى غريبة, تعتمد نظرية (ما وصل أوصل… وما وصل صحيح العنوان, وصحيح العنوان بيان ورسالة وإشارة ونداء. ومن سكت أو لم النّداء. كان من أهل النار. ويجوز ذبحه حتى بشقف زجاجة بيرة أو لقشة من قارورة مُرناق 2010 سعرها…. خمسة دنانير تونسية.). (هل تعرف يا سيدي الدكتور المنصف الوهايبي أنّ شيخًا من شيوخ العرب الأنذال, وعمره لم يتجازو الخامسة والعشرين أمرني يومًا, وكان عائدًا سكران طينة, من ديسكو ( P1 ) الشهير في ميونيخ, إلى مُركّب فندق شارلز حيث, كنتُ أعمل قبل تقديم استقالتي مباشرة, وأنه نظر لي متكأ على كتف قحبة روسية, وأمرني أن أكلّم (الروم داينييغ Room Deinning) – قسم المشروبات بخدمات الغرف, وأن أجلب له زجاجتي خمر من نوع: (شاتو لافيت 1787 Chateau Lafite) )… وأنني خفتُ حين سمعتُ الاسم… هل تعرف كم سعر قارورة الخمر الواحدة من هذا النوع يا سيدي … لا تتعجبّ وامسك نفسك, سعرها والله بالدولار (مائة وستون ألف دولار, وهذا السعر الذي نشتريه نحن به, ونضيف عليه عمولة وخدمات قيمتها ثلاثة وثلاثين بالمائة, يعني أنّ القارورة الواحدة تُباع عندنا, بـ 152 الف أورو للقارورة الواحدة, التي سِعتُها لِترًا واحدًا….. هل تفهم ماذا كان ذلك يعني؟ ذلك يعني لي يا سيدي, أنني أنزل وأنا المسؤول الوحيد في الساعة الرابعة فجرًا, لأطلب من عامل باكستاني عجوزو تسليمي قارورتين من الخمر نوع (شاتو لافيت 1787 Chateau Lafite), وأمضي له على صكّ مفتوح للجناح رقم 610 الذي هو أكبر مرتين من بيتك يا سيدي… هل تعرف أن قيمة الصك الذي سيُصبح على مسؤوليتي حتى موعد رحيله بعد نصف شهر؟ هل تعرف كم؟؟ كم سعر القارورتين اللتين, كنت أمسكهما برعب, خوفًا من أن أترك بصمة واحدة تزيل الغبار الثمين عليها؟؟ هل تعرف؟ نعم أنت قوي في الحساب, وأنا أعرف. سعرهما معًا أكثر من ثلاثمائة ألف يورو….300 ألف يورو يا سيدي…
يعني ما يعادل مرّتبك أنت الآن, ثلاثمائة مرّة, يعني مرتّبك أنت كلّه الذي تعيش به وتشرب وتأكل وتدفع مصاريف أولادك, وطلبات البيت والمكتبة…. ثلاثمائة مرّة يعني لمدة 25 سنة يا سيدي … خمسة وعشرين سنة كاملة, وهي تقارب المدّة التي قضيتها أنا في الغربة بسببك أنت…. هل تفهم؟؟ وهل تفهم أنه من الممكن أن يدلقها على بطن قحبته, ويلحسها؟ يلحس 25 سنة من حياتك يا سيدي وأستاذي المنصف الوهايبي… هل تفهم الآن, لماذا تصدّعتُ وقدمتُ استقالتي بعد يومين. وحال تأكدي من أنه دفع الحساب مسبقًا, كلّه مع بقشيش يكفيك سنتين لكلّ العملة…. يومها قلت للسيد شفارتسكوف, المدير العام للمرّكب الفندق. بأنه إن لم يقبل فورًا إستقالتي, فإنني سأشكوه لمنظمة حقوق الإنسان… وأنه نظر في عينيّ برعب وارتباك, وسألني إن كنتُ مريضًا, فأجبته: أنقذ نفسك ومُرّكبك مني فورًا… وامضي لي الإستقالة واسكت… فأنا لستُ مريضًا فقط… أنا قنبلة موقوتة…!

ولم أكن مريضًا يا سيدي, ولكن كيّف يمكنني أن أفسّر لكَ الأمر… عدتُ للبيت في المترو. لأن ركبي كانت من يومها مائعة….
عدت في المترو…
وانفجرتُ بالبكاء بصوت عال في أوَّل غبش الصباح… حين تذكرت أنه في بلدي, من يجمع الخبز من القمامة, لتيقاسمه مع معزة واحدة في البيت. وينقعه في الماء والسكّر للأطفال….

يومها. كانت المرّة الأولى والأخيرة التي رأيتُ نفسي فيها بشِعًا… وأنني تافه,,, وأنني لاشيء… لاشيء….
مجرّد خادم حقير في بلد قاسية لا ترحم المشاعر…
بلد تعرض كلّ شيء للبيع… بدون حتى هزّة حاجب…

ويومها يا سيدي, إنتبهت أنني لستُ وحدي في العربة, وأنّ امرأة عجوز بعيون خضراء منطفأة كانت تميل على أذن ابنتها العجوز الأقل زرقة وانطفاء…. سمعتها بأذني هذه التي سيأكلها دود القيروان بإذن ربيّ.. سمعتها تقول لابنتها: – أكيد ضرب زوجته…!

2 – عبارتا (الصرم) و (ثقب الطيز):

أ- ما علاقة سي علي مصباح, بسي منصف الوهايبي:

إعلم هداك الله أنّ الإبل تمشى على خطو كبارها, واليسار التونسي هنا, تمامًا مثلما الحال عند اليمين… ثمة رأس.. وثمة شيوخ لغة لا ينبغي أبدًا تخطيهم. ولا بدّ من مراجعتهم حين تتضارب المراجع, ويختلط الحقّ بالباطل. ويدقّ ناقوس الخطر. محذّرًا من عرق عبارة (حيّ) قد يتسرب إلى غابة لغة اليسار, فتضرب فيى رحمها كالبويضة, وتتعفّن دون أن يشعر بها أحد, وتتحللّ وتختلط بأصول وجذور القاموس المُتفق عليه بصرامة عُرفيّة… ثم قد تقتات وتمُصّ دم الرّجم ومائه, وتقتل عبارات ملاصقة قريبة, وتتشعبط على أكتافها, لتكبر وتخرج للعالمين بلسان وشهادة ميلاد مدموغة من اليسار نفسه. وتنيك أمّ الدنيا وتُلخبط العجينة. وهات لي بعد ذلك من سيُفتي ومن سيتبيّن خطّ الحقّ من الباطل, والحال كما تعرفون, بعد سقوط جدار برلين, وبيع الإتحاد السوفياتي للماتش كلّه, مقابل ضمانات تافهة لعصابة لا تتعدى السبعين… لتبدأ في نهش أمّة وتلوث للأبد حضارة وتراث إنساني كان أحد أهمّ الينابيع والروافد في الرواية والرقص والموسيقى والشعر والنقد والعبقرية الخيّرة التي بدأت بصنع أعظم مفاعل ننوي لتوفير الطاقة والتدفئة (في البداية) أوصلتهم إلى إرسال الكلبة – لايكه – الخُلاسانية إلى القمر, لتدور حوله وتتشممه فقط, ثم تبول عليه مجازًا, وتعود مُكتئبة…. هل تعرف يا سيدي أنني سكنت بمبيت الطلبة الفيجيك ( FGIk ) بمنطقة الفي دي إن خ ( DNX V) . وهي تبعد مقدار ربع كيلومتر, عن المتحف المفتوح المجاني الذي تقف في وسطه هذه الكلبة – القحبة لايكه – في صندوق زجاجي مثل لينين, أنني غافلت الحارس مرتين وبصقت عليها واندسست بين الجمهور سريعًا… وظننت أن بُصاقي, سيتسبب في إطلاق جرس إنذار مخيف.

وكنت على استعداد لتحمل مسؤوليتي الجنائية الكاملة وكأوّل تونسي يبصق على كلبة صعدت الفضاء… ولكن لم يحدث شيء… لا شيء على الإطلاق يا سيدي, حتى إنني أعتقد أحيانا, أنهم لم يمسحوا آثار بصقتي المتيبسة هناك منذ سنة 1990، تصور يا سيدي! تصور! هذا تلميذك الذي قلت له متعاليًا, ذات مرّة سنة 1983, وأنت تمخور فتحة أنفك اليسار, وتمسح أرنبته… أتذكر حين قلت لي بالحرف الواحد: (- يا ولدي الكتابة لازمها تمرّس باللّغة)

كيف بربّك تسمح لنفسك أن تهين تلميذًا عبقريًّا في الخامسة عشر من عمره, جاءك لائذًا وفي يده كرّاس أحمر صغير، وطلب منك أن تقرأ؟ كيف تسمح لدين ربّك يا أنتَ… أن تقول له: (- يا ولدي الكتابة لازمها تمرّس باللّغة). ولماذا لم تقرأ أنتَ أولا؟ لماذا ؟؟؟ لماذا لم تفتح دين ربّ الغلاف؟ وتقرأ أولاً… ألأنّك ظننت من الصورة الملصقة بالدبّاسة, على ظاهر الغلاف, وتمثل صورة “فولفجانج جوته” وتحتها كتبتُ بخط يدي الأجمل من خطّكَ حتى يومها, عبارته الشهيرة التي أحبّها: (طوبى لمَن ينسى…!)

والآن… هل تفهم لماذا علي مصباح أصبح منذ سنة 2003 غريمي وحتى قبلها… لأنه شارك قتلة…
شارك ابن شرموطة اسمه – نيتشه – بترجمة كُتبه للعربية… وأنه كان يعرف أن – نيتشاه – هذا قاتل محترف… وأنّ أول ضحاياه هو – جوته – نفسه… هل تفهم؟ هل تفهم قلتُ لك…؟؟؟ أجب فورًا… هل تفهم؟؟…. ثلاثون سنة ضيّعها وحُرمت فيها من قيرواني… ومن سماع أغاني أمي وعمتي والجيران… ثلاثون سنة أضرب في أرض جدباء من آبار الدموع… أرض لا تضحك ولا تبكي… أرض عاقر. ليست أرضي… وأنني انغرستُ ألف مرّة في بلاعات بصحاري الثلوج… وخرجتُ بلطف من الله ومعجزة…. فقط… لأنني أردت أن أثبت لكَ… لكَ أنت وحدك… أنه لا ينبغي عليكَ إهانة تلميذ عبقري بأن تقول له وأنت تُمخور فتحة أنفك اليُسرى: (- يا ولدي الكتابة لازمها تمرّس باللّغة.)

أبول على حكمتك يا سيدي… أنا والشاعر العظيم “فولفجانج جوته” نبول بكلّ ثقة على حكمتك يا سيدي الشاعر الدكتور المنصف الوهايبي…

وأنت لا تنظر لي هكذا يا سي علي متاع زبي…

نسيتك اليوم, لانه كان لا بدّ وأن أبدأ وأن أحكي…

وسأعود لكَ فجر الغد…. ولعبارتك الصرم…. ولأجيبكَ عن هذا السؤال الخرا الذي يحيّرك الآن وأنت بدأت تفهم, قليلاً… هذا السؤال الذي سيصيبك الليلة بالصداع, ولن تخفف من حدته ثلاث بيرات فوق الدوزة…. هذا السؤال الخرا الزبالة (ما علاقتي أنا بمنصف الوهايبي؟) .. طيبّ… غدًا أجيبك…. نقطة وإلى السطر…

ولااااااا كلمة أخرى.

( كمال العيادي – مكتب القاهرة )

الفصل الثاني عشر
من رواية (نادي العباقرة الأخيار)

وهي في 31 فصل وبيان مطول و12.500 هامش

أريد اليوم فعلاً أن أنهي معك يا سي علي مصباح بتاع برلين…!
وأرجوكَ أنتَ بالذات, يا أستاذي الدكتور المنصف الوهايبي (في الحقيقة أنت دكتور دولة وليس مجرد دكتور فقط, والله, أعرف.. أعرف وأنا قرأتُ بتمعن طبعًا حتى رسالة دكتوراكَ, التي وصلتني كنسخة (وورد) مهرّبة من الجامعة من صديق ليس دكتور دولة, ويتابع من بعيد, ويحبني ولا أعرف لماذا…
قرأت عن مقاربتك بين أدونيس وأبي تمام..
وعندي طبعًا 742 ملاحظة سجلتها, وأظنها مهمة..
ولكن هذه قضية أخرى وغير مستعجلة…
قلتُ, قرأت لك مرّة تصويبًا عابرًا لصَحفيّة نحيلة مثل أفعى البومشلانج السافانية الهوى (Boomslang) (وهي مذيعة قديمة برتبة صحفية متربصة) وكانت مُلّونة جدًّا, إلى درجة أن الأحمر كان يقطر من وجهها مباشرة على حجر فسناتها البنفسجي الفاتح بشريط أحمر..
ويظهر أنها ماركة (باكالوريا بلوس إثنين(Bac+2
ولا تفرقّ حتى بين درجة الدّكتور ودكتور الدّولة.. يا لجهل المذيعات المُرَسمات! حين يكنّ في الأصل مُجرّد صحفيّات مُتربصات, وخطيبات لرجال أعمال ممولين فوق لذك..
أووووه.. أووووه يا المنصف يا خويا.. كم أتقزز من دين ربّهن!!
انتبهت يومها, وقد تجشأ التلفزيون.. في الحقيقة ليس كلّ التلفزيون كجهاز, إنّما هي مُجرّد قناة تافهة, يُعرض فيها إشهار مِنيّك. .قُلُتُ, تجشأت هذه القناة التي هيّ في التليفزيون, صورتك. وكان إنتباهي لذلك مصادفة والله.
رأيتك في كسوة تُشبه كسوة العيد التي كنت تجيئنا بها دائمًا سنة 1983, والتي قلتَ أنها من ليبيا. وربما هي. وربّما تشبهها.. أكيد تشبهها, لأنكَ تحب نفس الألوان.. وكنتَ يومها مغروسًا في قميص بطاطي, وكرافت في لون أوراق الزيزفون المنقع في زيت الزيتون..
وأنا يومها كنت قلقًا, قلقًا جدًّا, تصوّر.. ركّز دام عزّك على عبارة جدًّا هذه, وليس فقط عبارة جدًّا, ولكن أربطها من فضلك, بعبارة بقلق.
وأنا حين أكون قلقًا, أكون شريرًا. ليس شريرًا بمعنى أنه يمكن أن تتوقع أن أذبح, فأنا لا أحتمل حتى رؤية دجاجة وهي تذبح.. لا لا.. اقصد شريرًا بمعنى أنه يمكن أن أهاتف صديقًا لي مثلاً, ثم أضع سماعة التليفون, وأبقى أبحلق في السقف, وأنا أنتظر مكالمة من زوجته أو أحد أصدقائنا المُشتركين, يخبرني بأسف أنّ صديقنا هذا الذي كلمته منذ دقائق قد انتحر. ودون ترك وصيّة وبلا سبب. أي والله, لا أدري لماذا يحدث معي هذا دائمًا. وبصراحة, ليس دائمًا, ولكن حين أكون قلقًا.. وقلقًا تعني أيضًا متوترًا.
يحدث معي هذا حين أكون قلقًا يا أستاذي, فما بالك بي, يومها, وأنا لم أكن قلقًا فقط, ولكن كنتُ يومها يا منصف قلقًا جدًّا.. هل تفهم. (يا ساتر يا ربّ السماء)… و كنتُ يا سيدي يا بن سيدي أقلب في الألف والثلاثمائة قناة التي ثبتها لي صديق منذ أسبوع, بعد أن اشترى لي بمعرفته (ريسيفر نوميريك بالشفرة, وأخذ مني ثلاثمائة يورو فقط). قُلتُ كنتُ أقلّب وأفتّش عن فيلم وثائقي, ينفعني, وأبحث تحديدًا عن قناة (ناشيونال جيوجرافي الألمانية)
وحين تجشات لي القناة التافهة التي هي في التليفزيون غير التافه, صورتك في كرافت الزيزفون, قلتُ في نفسي يومها.. (أتذكر, كأنها منذ دقيقة), قلت في نفسي بمكر حين ملأت الشاشة رأسك وربع صدرك:
ــ ودين ربي هذا لقاء تُحفة, ساقه لي ربّي, وهو بالتأكيد أفضل من أي شريط وثائقي عن القردة ذوات الطيز الأحمر, أو الدببة أو حتى الأسود الإفريقية الخراء, التي تموت في الأدغال المحروقة كسيرة ومهجورة بعد تجبّر وحياة حافلة.. إسمع.. إسمع.. يا ربيّ, شفتُ لك مرّة.. لا.. لا ليس الآن, لو حكيت لكَ حكاية هذا الأسد البائس وكيف أكلته الضباع وكانت تنهشه من خلف وهو يتذمر, لضاع عني خيط الحكاية.. أنا لا يضيع عني شيء..لكن أنا أترفق بموهبتكَ غير المتمرنة في التوهان.. لذلك وبصراحة, ساعدني أن أركّز.. وركّز من فضلكَ معي.. ولننس دين ربّ الأسود القحبة ولنعد لكَ, وأنتَ في الزيزفون.. يا والديا.. أقصد في ربطة العنق الزيزفونية. أنتَ تفهم بدون إفاضة في الشرح.
قلتُ في نفسي يومها:
ــ يا كمولة, دين ربّك.. توقّف.. توقّف
ارمي من ربّ يديك الريموت.. فورًا
أنا قُلت لنفسي: يا كمولة, ارمي من يديك الريموت.. فورًا
هذا المنصف بتاع القيروان وأكبر مثقف فيك يا دين ربّ برّ تونس الخضراء، وضواحيها
وهو مسجّل عندي في مِلفاتي (خطر) خطر للسماء….
والله يستأهل تتفرج فيه وعليه…! وتسجّل ملاحظات لرسالتكَ التي تكتبها منذ عقدين من زمنه.
وترجيت نفسي بإلحاح, حتى إنني بُستُ يدي اليُمنى وأنا أترجاها أن تترك الريموت ولو لربع ساعة…
ولا تغيّر القناة التافهة. وكدت أبكي أمامها مستجديًا.
وفعلاً.. سكتت يدي اليُمنى وهي ممتعضة،
ويدي اليُمنى على كلّ حال دئمًا ممتعضة،
طول عمرها دين والديها الكلب, ممتعضة.
يدي يا دكتور الدولة, مَهما فعلتُ مع دين أمّها, فهي أبدًا ممتعضة…تُثرثر.. تقول لي دائمًا, مليون مرّة: أترك الخراء.. الله لا يجعلهم يتثقفون، لماذا تحرث في أرض بور؟
أتركهم لا بارك الله فيهم ولا في نسلهم إلي يوم الدّين..
أتركهم يا ولد الناس, واكتب مقالة لمجلة الدوحة, صاحبك عزّت القمحاوي طالب منك حجز الصفحة الأخيرة, ومقال من 400 كلمة, بطريقتك المجنونة.. وإلا ابعث لواحد من ربّ أصحابك في مجلة عربية معطرة بالنفط الحلال، ونيك 250 دولار (دولار يحك دولار) في ربع ساعة, من 400 لحدِّ 600 كلمة…
وأنا أقول لها: – روح كان تنيّك يا مدموازيل إيد زبي اليمين…
هو آنا بتاع دولارات ونفط؟
تقول لي هي : – يا ولدي دين أمّك, غيرك بنى عمارات, رغم أنه مضروب وقلمه كي زبّي, وأنت عبقري حقيقي, وقاعد لي تكتب في حاجات خرا, ما تقدرش تشتري بها حتى قفازات جلد مُستعملة, نص لباس, نعدّي بيها شتاء ألمانيا القارس.. علاش.. هكه حَبّ ربيّ.. علاش؟ هذا ولم أقل دين أمّ خاتم فضة ولا ساعة بستين دولار كيف إيدين عباد ربيّ.. والله حرام عليك.
أقول لها الآن إغلقي دين أمّ فمك, وإلا فأنتِ تعرفينني..
ووالله العلي العظيم أضعك يا قحبة في كانون موقد الغاز الكبير.. ونقدح…
وبعدها ندوّخ دين أمّك في بيت الثلج العلوى بتاع الدجاج المثلج والآيس كريم.. اسكتي يا معفّنة.. تحاولين أن تفسديني؟؟؟
وعادة كنت أكتفي فقط بضربها بيدي الأخرى اليسار, لأني بصراحة جرّبت مرّة أن أحرقها, فتأذيت أنا.. والله.. وبقيت أسبوعًا أنفخ عليها معتذرًا, كلّما رأيتها..
أذلّت زبي أسبوع …!يعني تنِكت فيها آنا.. وهي هاك تشوف بنفسك.. تتقوحب وكأنها شاهية حرقة وتفرشيكه في بيت الثلج.
مالك..؟؟ مالك يا سي المنصف يا دكتور الدولة.. هل تظن أنني مجنون؟؟ لماذا؟؟ لماذا إشرح لي من فضلك الآن فورًا…
فورًا.
ألم تدرّسنا أنتَ في حصة التنمية اللغوية التافهة, في السنة الثالثة ثانوي بمعهد المنصورة سنة 1983 أنه علينا لتنمية لغتنا أن نغرف من منابع القرآن؟؟ ما هذا التنافض الذي أنتَ فيه إذن من فضلك؟؟!!! هَاااااهِهْ؟؟!!
ألم تقرأ لنا أنتَ بنفسك يومها الآية العجيبة الفاتنة من سورة النوّر
واعني الآية (24) طبعًا …أولم تغمض عينيك يومها بخدر العذارى, وأنتَ تتلوها عن ظهر قلب (وأنت حافظ للقرآن يومها.. أعرف.. وأنا مثلك حافظ للقرآن وختمته في الملّة في جامع البامري سنة 1978, وعمري عشرة سنوات ونصف، ألا تذكر؟؟ ولكنكَ نسيت نصفه، وأنا أيضًا، غير أن ما لا تعرفه, أنني أعدت ختمه منذ سنتين, بعد الثورة.. الثورة التي هزّت قلاع الجبابرة جميعًا ولوّحت بها, وهزّتني معها من أعماق الأعماق, ولوّحت بي.. ولكن لطف من الله, مدّ لي يد الرّحمة فسقطت على سورة في القرآن, عطفت عليَّ وانتشلتني من الغرق مع الجبابرة.. فشكرًا لأخي الشهيد محمد البوعزيزي, وشكرًا لكلّ شهيد أبكاني موته ورجني وشكرًا لبلدي التي احترقت لتبعثني.. وشكرًا لكلّ فاسد أو تافه تكشف لي.. وكلّما أراد أن يكون خرية أكبر, ويركب الثورة وهو ميت وجثة منذ ربع قرن, كلّما عِفتُ الأدب وجميع الكتاب المُنافقين التافهين الأكذوبة.. كم أنتم أكذوبة يا كُتاب العالم.. والله أكذوبة.. ليس كلّكم ولكن 95 بالمائة منكم أكذوبة.. وأي أكذوبة!)
ما علينا.. ألم تنزل بخشوع يومها إصبعك من ثقب أنفك الأيمن.. وألم تملأ الفصل نورًا ودهشة وسطوة وأنت تقرأها وكأنكَ تتمعشقها…؟؟ ألا تتذكر صورة النور (الآية 24) يا منصف…؟؟ لماذا؟؟ …. نسيتها؟؟؟؟ !!!!طيب…. أذكّرك بها لنواصل فقط…
ألم تقرأها أنتَ يومها هكذا: (وهي لم تتغير بالمناسبة مثلك)
(((يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.))) ﴿٢٤﴾
لا والله يا أستاذي, لابد وأن تعترف أنكَ علّمتنا فعلاً ذلك, في المّرات القليلة جدًّا التي كنت تهتم بنا أصلاً.. بل إنكَ لم تسكت يومها ككلّ أساتذة اللغة العربية, بل أعجبكَ أننا سكتنا جميعًا معجبين بك.. فأسبلت جفنيك ثانية وقرأتَ لنا الآية الخامسة والستين من سورة ياسين.. أتذكر.. قرأتها من قلبكَ.. وأنا كنتُ أخفظها طبعًا.. لكنني والله يا سيدي. كنت وكأنني أسمعها للمرة الأولى.. ياااه هل تذكر؟؟؟ أقسم بالله العلي العظيم أنت تقرأها أفضل مليون مرّة من عمكّ الشعبوني المؤدب.. ياااه يا منصف, يا دكتور ياااه.. وكأنني الآن أراكَ وأنت تسحبها من بئر عميق في قلبي:
(((الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.))) “سورة يس الآية 65″
وماذا فعلت أنا بحق السماء؟؟؟؟ تحسدني أنني صديق يدي الخراء هذه, وأنني أكلمها منذ الآن, لأنني آمنت بربي منذ طفولتي وأنه فتح بصيرتي وبصري مبكرًا وانقذتي ولم يتخلِ عني وانا كهل؟ وأنني لا آراكم بغرور وصلف كما تحسب, وكما يظنون.. ولكنني أحبكم حبًّا جمًّا وأشفق عليكم؟؟؟
طيب دعنا من التقوحيب الآن.. أنتَ خصوصًا.. أنتَ خصوصًا.. أنتَ خصوصًا.. لن أغفر لكَ فورًا. حلمت مرّة أنني غفرت لكَ في الفصل (31) من روايتي الرسالة, وحتى قبل ذلك ونسيتكَ أصلاً… وعمومًا, مَن يدري…؟؟!!
قلت لك يومها, حين تجشأ التلفزيون صورتكَ بكرافت الزيزفون بالزيتون المنقع في زيت الزيتون. يومها شعرت بجذل وفرحة لا توصف.. كأن جارة أتت لي بصحن كسكسي بالحوت.. (امممممم يا المنصف يا خويا.. ربع قرن وأكثر لم أذق زبور أمه.. حييلي كسكسي بالحوت المناني.. يااا رب.. قبل ما أموت أسمح لي من فضلك ان أغطس في قصعة كسكسي بالحوت المناني وحدي ونحرثها بفمي الذي لم أستعمله في ألمانيا وقبلها في روسيا الزُبالة, ومنذ ربع قرن إلا للأكلات الخراء التي لا أحبها أصلاً.. دجاج مصموط.. وسميتانة بالسكر.. ولفائف كرونب منقعة في زيت البصل.. ولحمة هبرة من غير عضم.. وخبز أحسنه شامي من عند الاتراك. ومتوفر مرة في الأسبوع.. وكالباسا على شكل قضيب بغل.. نطهره يوميًّا ونلوك دين أمه مع خبز أسود.. وفي أفضل الحالات معكرونة مصموطه في الماء, والصلصة عبارة عن خرية حمراء مدردرة، أبلعها وكأنني أمضغ دواء للعذر من فمي.. أووووف.. أوووووف.. يا منصف.. وكلّ هذا بسبب دين ربّك.. أي نعم…كنت تلميذ عبقريًّا.. وبدأت في القيروان أضرب بعروقي الندية، وكانت مُعلمات الفرنسية العازبات أبدًا, يبوسونني من لساني وعمري عشرة سنوات، ويقلن لي: أنت طيب.. أنت طيب جدًّا وفيكَ راحة رجال ورمان وسفرجل، وكنتُ أنا أعمل نفسي لا أفهم, وأنا الصق فخذي اليمين بفخذي اليسار, لأنّ الدودة الصغيرة بين فخذيّ بدأت تهتم وتستفيق متلذذة بهذا العطر الباريسي وصوت فحيح النداء الأوَّل في فجّ الكائن البشري, وتحاول, متلهفة, فتح ولو رزّا واحدًا لتتفرّج.. ومَن يدري..!)
ماذا فعلت بي يلعن دين ربّك يا أستاذي الفاضل…
ماذا فعلت ولماذا تقول لي أنا.. أنا كمال العيادي سليل العيايدية …
ــ (يا ولدي الكتابة تمرّس باللّغة..)!
أيّ لغة هذه بتاع زبي يا سي زبي, التي أبيع من أجلها حياتي؟
وأترك أمي تيبَسُ مثل عود نعناع لم يسقه أحد.. وتموت قبل موتها بعقد من السنين عاجزة مرّة وهي لا تكف عن التنهيد الذي قصم صلب ظهرها وأحلامها…؟؟
أيّ لغة هذه الخرا؟ التي أحرم نفسي بسببها من معكرونة خالتي دليلة التي ستبول على نفسك من النشوة بالـتأكيد وأنت تتلمظ نصف الملعقة الأولى.. من صحن كبير أمامك وحدك..لا شريك لك فيه،
ومدرّع بلحمتين من رقبة خروف جبلي ابن عام ونصف مذبوحًا خصيصًا يوم جمعة بيد زوجها الحاج حوسين الخليفي المبارك.. الذي لا يشتري الدلاع إلا من أغلى (نصبة) ويحملها وهو يكاد يسقط من ثقلها رغم بنيانه الأسطوري في العائلة.. ولا يشتري اللّحم من جزار, بل يسافر لبلده بوعرادة كلّ أسبوعين ويذبح بنفسه من خيره من الغنم في أرضه المُباركة….
أي لغة هذه التي ابيع من أجلها حياة تعجّ بالحبّ والخير والجمال والحنان والرجولة المبكرة والشِعر والمتعة بكّل معانيها الروحية والحسيّة؟ وأنا أتلمظ مسحورًا طريقي الأوَّل صوب الدّهشة البكر، وأنا أبدأ حياتي بقصيد لم تقرأه أنتَ أبدًا.. أبدًا…
لأنكَ مغرور, ولم تكلّف نفسك حتى مجرد محاولة فتح كراستي الصغيرة.. دفتر ضفائر أشعاري الأولى.. حبيبتبي..
لمجرّد أنكَ خمنتَ أنه بالـتأكيد ينقصني العمق لأنني, فقط.. ثبّت على غلافها صورة الشاعر الكبير.. حبيبي “فولفجانج جوته”
وعبارته التي أحبها حدّ العبادة لحدّ اليوم (طوبى, لمَن ينسى(.
وأنا لا طوبى لي الآن يا دين ربكَ. بل طوبة.. وأنا لا يُمكنني ببساطة أن أنسى.
لا طوبى لي يا منصف, يا وهايبي, يا سليل محمد بن عبد الوهاب.. لا طوبى لي, ولكن هي طوبة نِكتني بها أنتَ على رأسي الطرِيّ يومها.. وأنا لم أكمل الخامسة عشر من العمر..
ويا لها من طوبة.. يااااااااااا لها من طوبة تقتل جملاً فحلاً.. وكادت فعلاً تقتلني لولا لطف من الله، وربع قرن من الهيام والتوهان في أرض ربيّ …
وعزيمة شاب عبقري, يكتب إليكَ الآن وهو كهل.. كهل شاب في السادسة والأربعين.
هل تعرف أنّك لو كنت فتحت كرّاستي, لقرأتَ أوّل قصيد كتبته في حياتي, هو غير موزون بالمناسبة،
لو فعلت لقرأت أولّ قصيد لي كتبته وعمري أحدى عشر سنة ونصف.. وكان من بضعة أسطر فقط.. لو كنت فتحت كراستي يومها, يا أستاذي.. أيها المسؤول الأوَّل عن مستقبلي يومها….لقرأت:
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

)العنوان): العّرافة
خطّ.. خطّان..
ثلاث.
وبقايا حبر قديم وندبة لا أذكر قصّتها.
هذا كلّ ما أرى.
فلمَ.
لمَ بكت تلك العجوز الغجرية الخرقاء
ولماذا ارتجفت هكذا
كريشة صدر بوم في يدي
وهي تقرأ في كفي أنا …
كفي هذا الذي أعرفه
لماذا… وقد سلّمتها بيدي مائة مليم,
كما طلبت, مسبقًا؟؟؟

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

لا علينا الآن.. أعرف أنها لم تكن قصيدة في مستوى ما تكتب أنتَ يومها, وأنها كانت نثرية, يعني بالنسبة لكَ ليست بالشعر أصلاً، لكن لا تنسى يا سي المنصف الدكتور.. أنني كنتُ أيامها في الحادية عشر والنصف حين كتبتها, وأنها أوَّل قصيدة في حياتي بتوزيع بصري قريب من الشعر، وأنها أوَّل قصيدة في الكراس أيضًا، وفي الكراس قصائد أخرى بعدها، وموزنة على بحر الكامل, الذي تحبه أنتَ.. ثم فضلاً عن ذلك.. يوم كتبتُ هذه القصيدة, (العرافة) سنة 1979, لم تكن لا أنتَ ولا غيرك قد درسنا العروض.. فلا تبحث عن مبررات الآن..
لننس الأمر. وللأبد.. من فضلكَ.. أكرر: من فضلكَ.
المهم.. كانت مصادفة أنكَ خرجت لي في عقر بيتي بميونيخ ومن تليفزيوني الذي دفعت ثمنه من جيبي …
جريت يومها كالمجنون إلى مكتبتي حيث البار, لأجلب كأس ويسكي بلاك (رغم أنني قسمًا بالله العلي العظيم, أكره الويسكي ولكنني أحتفظ بمكتبتي دائمًا بثلاثة أو أربعة قوارير للضيوف وللإحتياط وكلها هدايا تجيؤني يوم رأس السنة من العمل, فأنا فندقي أيضًا لا تنس. وكلّها من نوع (شيفاز ريجال 18 سنوات/ 18 yrs)وخذ بالك أنت لا تشرب إلا (مرقّد 12سنة). وهذا سعره عشر المرقّد (18 سنة).. أكيد تعرف.. لا علينا ..
كنت أعرف جيدًا أنكَ تعشق الويسكي, طبعًا الرديئ منه, وهذا ليس على كلّ حال ذنبك, ففي تونس يغشون الويسكي كثيرًا. وقد عودوكم عليه.
قلت أنني هرعتُ إلى مكتبتي لأجلب كأس ويسكي (شيفاز ريجال), وعدتُ وأنتَ مازلت في شاشة التليفزيون تدوّح برأسكَ بوقار, مستمعًا إلى المذيعة المُلوّنة, وهي تفرش لكَ سؤال من 20 متر.. من النوع الذي يبدأ بعبارات مثل: نحن بحثنا كثيرًا وذُهلنا ونحن نجسّ نبضك من خلال مسالكك، و(آثارك).. من خلال مسيرتك الفذة… إلخ… إخخخخ… إعترف, هيّا.. إعترف يا صعلوك
إعترف, أنكَ حينها كدت تَتَبَسّمُ،
لأن فكرة مجنونة, جالت لثانية برأسك العبقري في كل متاع الدنيا.
رأسكَ الذي لا يعدم المرح والدّعابة.
وفهمت ودين ربي يومها, أنكَ كدت تتبسّم، لأنني شعرت بكَ تتحسس في خيالك (الفونتازية) العجيبة, وأنكَ بقدرتك الفذة,في تحويل المخيل إلى المُخيلة, بدأتَ تدخل لها دون أن يشعر كائن أرضي, ولا حتى المخرج, ولا الكاميرامان نفسه, وأنك بدأت تنزلق لها متسللاً ككوبرا قيروانية من النوع التي طردها عقبة بن نافع من غابات القيروان بدعائه الشهير سنة 50 للهجرة. وها أنني أراكَ, وأنتَ تمد بلسانك الأرقط المشقوق, وتدخله لها بين لثغتها الباريسية و لسانها القرمزي ولثّتها العليا الداكنة بفعل الجينات وليس السواك, فلا أتصور بصراحة, أنها تستعمل السواك حين تقف أمام الكاميرا, في حصتها الأسبوعية.. وها أنكَ تلحس رضاب العبارة الممكنة فيها بفعل المتخيل فيك
ولأنني أعرفكَ جيدًا جيدًا، فلابدّ أنكَ كنتَ قد تساءلت وهي تقول عبارة (مسالكك..) وقبل أن تكمل: تساءلتَ أنتَ لهباءة من ثانية: ماذا لو أنها أخطات الآن بمشيئة وأنها قالت مسالكك بولية؟! بدلاً أن تقول: (مسالكك…وآثارك.)
أعرف أن قاموسها هش كالقش وأنه لا يصح بل من غير المُستحبّ أن نقول: (مساللك وآثارك…) ولكن. ماذا نفعل مع مذيعة خطيبها رجل أعمال يمول بشكل ما أكثر من عشرة بالمائة من ميزانية القناة التافهة,عبر إعلانات أتفه منه ومنها ومن القناة نفسها؟؟؟!!!
لكنّكَ.. إعترف يا ماكر.. هههههه.. إعترف. أكيد تساءلت: ماذا لو!… عندها سيصبح سؤوالها مضحكًا، وخطأ بمليون فرنك، فهو سيتحوّل من توضيح: (…ونحن نجسّ نبضك.. ومسالكك البولية…
هههههههههههههههههههه
هههههه
وانتبهتُ إلى حرجكَ, بعد هذا التصور الذي لم يدم سوى هباءة من ثانية، لكن أنتَ فكرتَ.. وأنا إلتقطتُ ورأيت.. وهذا يكفي..
ثم أكملت تفلية وجهكَ وملامحكَ في الشاشة الألمانية الكبيرة.. ولاحظتُ أنه لم يكن في إمكانكَ وأنتَ تصوّب لها الفرق, بين دكتور وبين دكتور دولة, في عِبارتين, خفيفتين, نظيفتين, شعرتُ بحرجكَ حقًا, وأنه لم يكن من الممكن أن تضع سبابتك في ثقب أنفك الأيسر يا سيدي، كما كنت تفعل دائمًا وأنتَ تصوب لنا ما نريد أن نقول, حتى قبل أن نقولَ شيئًا..
هل كنتَ تريد منا حقًا أن نكون يومًا شيئًا ما ذا قيمة يا سيدي، وأنتَ كنتَ تصوب لنا كلَّ شيء, قبل أن نقول شيء؟ وكيف بربكَ؟..

أنتَ كنتَ تحشو رؤوسنا الهشة الفارغة, وتبصم على ألسنتنا, وذاكرتنا بفستق عباراتكَ المُقشرة.. ووالله, لولا لطف من الله, ولولا فضل من الله وضرب في الأرض ربع قرن كاملة, لأصبتُ أنا أيضا بتشوهات وعاهات مرعبة في التعبير.. ولخصيتني, كما خصيت كلّ تلامذتك خلال ثلاثين عامًا من التعليم، بين معطف أستاذ ثانوي متسلط, وجبّة دكتور دولة فحل.. يتحدث بطلاقة وهو يقزقز المفعول الثالث والمفعول المطلق المنحاز للعطفة المرجئة.
أطلب منكَ أنا الآن يا سي المنصف الوهايبي الشاعر الفحل أن تسكت…
نعم.. أنا تلميذك منذ ثلاثين سنة بالتمام والكمال. بالفصل الثالث ثانوي بمعهد المنصورة الجبَّار الذي تركت لهم أن يخصوه.. أمامك.. لأنكَ أتممتَ دراستك فيه, ولم تعد ترى أنه قادر على تبني عبقري بعدك.. أنتَ يا دكتور.. يا دكتور دولة.. يا منصف الوهايبي…آمرك أنا الكهل البوشكيني نفسه. وبنفس ملامحه. ونفس حساسيته. ونفس رجولته. ونفس كبريائه. أنا كمال العيادي القيرواني آمرك الآن في هذه اللحظة.. وانتَ في قيروان ميتة منذ ثلاثين سنة. قيروان يُباع فيها الخمر المغشوش بعلمك.. وتسير فيها العربيات الألمانية واليابانية للمهاجرين في وسط البلد العربي الممنوع عليهم. وبعلمك.. القيروان التي أصبحت تشبه قحبة ملطخة بالاصباغ. وبعلمكَ.. وتحت بصركَ.. القيروان التي تركتها لكَ عروسًا بكر. وها إنها عجوز تجتر ذكريات مغتصبة. القيروان الخرا.. التي لن تعود إلا بمعجزة.. وأنا هوّ المعجزة..
أنا دين ربّك يا أستاذي: المُعجزة.
أنا كمال العيادي آمرك من القاهرة.. من محل للنت قرب الهرم الأكبر.. هرم خوفو الأعظم.. لأنني لا أستطيع أن أرقن إلا وأنا أراه.. ومطمئن عليه. وأحميه.
أنا كمال العيادي القيرواني، آمرك أن تجلس كالتلميذ في حضرتي.. وأنا أكبر منك سنًا بكثير عن ذلك اليوم, حين كنت أستاذي بمعهد المنصورة الجبَّار الذي لم يعد جبارًا…
أنا آمرك.. بل أترجاك إن شئتَ أن تجلس بهدوء، وأن تسمع حجّتي إلى الآخر…
وأنا أسلخ هذا البرليني: على مصباح.. لأنه أخطر وأكبر مترجم من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية عرفته البشرية.. وهو تونسي كما تعرف. وهو أيضًا صديقكَ. كما هوّ صديقي منذ أكثر من عشرين سنة، ولكنه أخطأ في ترجمة عبارتين في ترجمته لنص فلسفي.. وأنه استعمل عبارة ألمانية واحدة في غير مكانها ولا معناها العميق في أحد نصوصه الإبداعية التي نشرها عندي.. عندي أنا في موقع دروب الذي أتولى رئاسة تحرير قسمه الأدبي والإبداعي.. وأنه بصراحة عيب.. عيب أن يحاول أن يستبله رئيس تحرير غير مضروب.. ويدقق في كلّ نص.. ولا يرحم الكبار خاصة, رغم أنه يتعاطف ويتساهل مع الصغار والمبتدئين (وليس مثلك يا دكتور المنصف.. إطلاقا ليس مثلك.)
تسكت اليوم نهائيًّا يا أستاذي الكبير.. تجلس وتسمع فقط.. هاك.. خذ كرسي وضع (صرمك), أو كما يقول سي علي مصباح, (ثقب طيزك) بوقار على سطح خشبة الكرسي.. ألم تكن تفعل ذلك, ونحن تلامذة عندك في الفصل الثالث ثانوي بمعهد المنصورة؟؟ ألم تكن تركن سيارتك التي خرجت بها من سنوات الجمر في ليبيا, وألم تكن تمرق من بوابة المعهد الجبَّار (معهد المنصورة العظيم, يا أسفى ويا حسرتي عليه!)
ولكن ها أنّ الوقت أخذنا.. وتجاوزت الحدّ الأقصى لمساحة فصل من ثلاثين صفحة.. لذلك.. سأضع بين يديك النص موضوع الخلاف.. وسبب غيظي منه.. وهي عبارة أصلها بالألمانية, ولها جذور خطيرة كما سأوضح لكَ.. وهي عبارة (Arschloch)
التي لم يخجل.. وبكل دم بارد أخذها من رحمها الألماني الآري الصارم الدلالة، وترجمها إلى عبارة (ثقب الطيز.)
ووالله.. ووالله ثلاثًا.. لدينا في تونس وفي مصر, ترجمتها الحرفية وهي (صُرْمْ), ولو كنت عشت في بلد عربي آخر غير تونس ومصر.. لربما وجدتها أيضًا.. فعبارة صرم.. ليست أية عبارة مستوردة…
ولأن الوقت أخذنا.. ولأن النص غير مهم كلّه في هذه المحاكمة.. فهاك النص الذي وردت فيه العبارة.. وستلاحظ أنه يبدأه أصلاً بهذه العبارة اللبنانية التافهة (ثقب الطيز) والتي لا موسيقى فيها ولا إحساس ولا عمق…
وهاك أولاً بداية نص سي علي المنشور عندي بموقعي بدروب.. وكان قد ارسله لي بنفسه لأنشره له.. وسأضع لك تحته رابط النص كله.. وسأعود له غدًا بالمكريسكوب.. وستعرف ما خطورة الحكاية.. فلا تتعجل..
أما أنتَ يا سي علي مصباح.. فبصراحة لا أعرف ماذا أفعل معكَ.. أنتَ ترى أنكَ أخذتَ من روايتي خمسة فصول كاملة.. من أجل عبارتين فقط.. واحدة من ترجمتكَ.. وهي (الإنسان الأسمى / الأعلى) والثانية هي عبارة (الصرم) التي نكت والديَّ حين ترجمتها بكلّ وقاحة إلى عبارة (ثقب الطيز (….
فخذ نفسًا، واكرع البيرة الألمانية اليوم للفجر، وسأعود لكَ في محاكمة الغد.. مع الساعة الثالثة على موقعي بالفيس بوك الذي أغلقت صفحتك دونها بدون سبب، ولكنني ولأنني رئيس تحرير دروب يا ذكي.. أعرف أنكَ تقرأ بالميكروسكوب.
وأنكَ أول وآخر مَن يخرج من الموقع…
وانكَ تقرأ ما أكتب من دروب, كونك تسرعت ولا تستطيع أن تقرا من صفحتكَ المغلقة….
ولذلك فقط.. أنشر لكَ أنتَ بالذات في موقع دروب قبل نشر أي فصل بصفحتي …
لأنني رجل. ولأنني لا أهاجم في الظهر.. ولأنني رغم ما تعتقده من شري ومن شراستي.. اقسم بالله العلي العظيم.. أرق عباد ربي.. وأنه لو قالت لي فتاة:
– ما أروعك! لتفصدت بلتر من العرق من الإرتباك والخجل, ولقطعت معها الاتصال فورًا وهربتُ إلى جهاز التليفزيون.
ولكنّها اللّغة يا سيّدي.. جبروت اللّغة, ووالله لقد رأيت أغلب عباقرة الأرض ممَن يمنحونه نوبل يكتبون هكذا.. بكلام فاحش لايمكنني حتى قراءته.. حين طردتني من قيروانك وأنا صغير…
تصور فقط ماذا يكتب نوباكوف في روايته (لوليتا) التي كلها نيك.. ونيك قاصرة.. وهم يقولون أنه من أعظم آداب الأرض.
وآلاف منهم يا سيدي الدكتور.
وأنتَ قلتَ لي بصريح العبارة: (– يا ولدي الكتابة تمرّس باللّغة.)
وأنا قرأت وفلّيت كلّ آدابهم وعلومهم وإعجازهم، وفقتهم.. ووالله فقتهم يا سيدي.. وسترى…
فلا تغضب من شتائم لا تضر.
سافسر لكَ, كيف صنع الألمان مجدهم كلّه بعبارة (الصرم).. ثقب الطيز كما يقول أخونا علي مصباح الفذ عن جهل أو تسرع.. وكلاهما لا يُسكت عنه، وهو من هوّ.. أنتَ تعرف.. أحد أساطين اللّغة.. وأحد أساطين أساطين أساطين الترجمة.. فتريث.. وصبرك عليَّ حتى الغد، ووالله لن تندم، ولا تفعل مثله وتغلق صفحتك في وجهي، فسيذكرك نصف الأرض بالاسم واللقب والرتبة.. بعد خمس سنوات فقط.. تذكر….
أرجوك فقط.. تذكر.. لا أطلب منكَ أكثر
(كمال العيادي – مكتب القاهرة)
@@@@@@@@@@@@@@@@@@
مدخل نص للكاتب التونسي علي مصباح: تجدونه كاملاً في الرابط الأزرق المصاحب أسفله تحت المقطع كما نُشر بدروب و بطلب خطي من صاحبه عبر بريده الرسمي :
@@@@@@@@@@@@@@@@@

حانة “الديك الذهبي”
“إبْك! إبْك يا ثقب الطيز!” تقول مدام بيرو وهي تضع كأس البراندي أمام الرجل- أظنه أنطون- الذي خرجت صديقته مع الشاب الذي كان يقرأ أشعارًا منذ ساعتين، ولم تعد.
“أما أنتَ، تقول شاهرة في وجهي زجاجة شنابس (korn)، “إما كورن أو أوربان!”، وهي تحثني للمرة العاشرة على مشاركتها كأسًا من الشنابس الحاد، الشراب الروحي المسمى “كورن” المستخلص من تقطير الحبوب. لا خيار بالنسبة لمدام بيرو؛ إما أن تشرب كما ينبغي أو عليك بسرير في مستشفى “أوربان كرنْكنْهاوسْ.”
مدام بيرو لا تني تؤكد لي كما لكل حرفاء حانتها الدائمين بأنها قُدّتْ من فخار صلب أعدّ في محرق أبيها الذي ينتصب مثل فارس من فرسان الخيّالة الملَكيّة إلى جانب حصان أحمر مسرّج في الصورة المعلقة على الجدار المحاذي لرأسي. هو الذي فتح هذه الحانة هنا في ساحة “هاينرشْ بْلاتص” في عمق حيّ كروينزبارج، وهو الذي أعطاها اسم “الديك الذهبي”…..،(هذا فقط بداية النص)

@@@@@@@@@@@@@@@
رابط النص الكامل الذي ورد فيه هذا المقتطف في النصف الثاني منه: بقلم علي مصباح؛ كونه يكتب بالقلم:

http://www.doroob.com/?p=18779

@@@@@@@@@@@@@@@@

الفصل الثالث عشر

من رواية(نادي العباقرة الأخيار)
(الفصل 13- من31 فصل(

أنظر يا أستاذي الفاضل, يا دكتور منصف الوهائبي:
سأكون واضحًا معكَ كلّ الوضوح اليوم, ولنتكلّم بجدّ في مُناقشة هذا الموضوع الخطير. موضوع أهميّة العبارة وخطورة الكلمة, وأنا على يقين, بأنّكَ من أكثر عباد ربيّ معرفة بأهمية وخطورة وجبروت ونفاذ وسحرالكلمة, كونها فعلاً, (وهذا أتفق معكَ فيه حتى من قبل أن أكون قد رأيتكَ أو حتى سمعت باسمكَ أصلاً), يعني قبل أن ترجع أنتَ من ليبيا لتقرر التدريس بمعهد المنصورة الجبّار.. أي منذ أواخر السبعينات تقريبًا, منذ ذلك الزمن البعيد الذي لم أكن قد تجاوزت فيه الثانية عشر من العمر بعد.
لا أعرف كيف أفسّر لكَ, ولكنني كنتُ فعلا أتمتع منذ وعيتُ على هذه الدّنيا القحبة بنضج مبكّر وخطير.. (حدّثني شقيقكَ الأصغر العبقري المظلوم – معز الوهايبي – أنكَ أنتَ أيضًا, كنتَ عبقريًّا منذ سنوات طفولتك المبكّرة.. وأنّكَ كنتَ تتمتّع بذاكرة عجيبة, رهيبة, تتباهى بها أمام العائلة, وتجنى بسببها فوائد عديدة, ليس أقلّها انّ والداكَ لم يضرباكَ أبدًا, لأنّهما كانا يريانكَ مؤيدًا من الله, بدليل أنّ ذاكرتكَ, كانت عجيبة فعلاً…
وكنتَ, كما بلغني (لأنني اهتممتُ جدًّا سنة 1984 خصوصًا, ثم سنوات ما بعد التسعين حين أنهيت فترة موسكو, اهتممتُ بك وبتتبع بداياتكَ بشكل أكثر جديّة, وبدون غيظ أو مرارة, مثلما بدأت بعد ما حدث بيننا سنة 1983, وتلك الجملة التي ضيعتني, وأنقذتني (ربّما) حين قلت لي, مُجيبًا عن سؤالي:
)ــ ما رأيك فيما أكتب يا أستاذنا الجليل….؟؟)
وأعترف لكَ الآن, وأنا أرقن هذا الفصل الثالث عشر (13) (لا أحبّ أبدًا هذا الرقم 13, ولا أرتاح إليه بتاتًا.
ربّما بسبب أنني كنت أعرف منذ كنت عمري 15 سنة, بأنه آخر رقمين في السنة التي سأكمل فيها رسالتي. هذه السنة 2013، يوم رأس السنة وآخر ليلة فيها،
لأنني قرّرت سنة 1983, كما تعلم, أن أكتب لكَ الرسالة في ثلاثين سنة, بالتمام والكمال، وربما بسبب ذلك يعتريني نوع من الشعور الغامض بخسارة ما.. خسارتك ربّما.. وخسارة أغلب مَن كان إلى اليوم يُحبني, نصفهم عاداني وقاطعني وأغلق في وجهي صفحته في الفيسبوك بدون مقدمات إطلاقًا, بسبب الغيرة, كوني كنت أعرف أيضًا أنها ستكون الرسالة الحدث. وكنت أتوقع أن أُهاجم, وبدون سبب وبشراسة.. ويا كيف كان لي ألا أتوقع ذلك, وأنا الذي خطط لكّل شيء, بصبر يحسدني عليه أيوب, ثم وهذه الرسالة التي سلخت ثلاثين سنة من عمري؟؟…
كنت أتوجس وكنت أشعر إزاءه (هذا الرقم) بنوع من الضعف البشري المزعج .بل إنني.. هل أرقنها؟؟ سأرقنها…
بل إنني كنتُ أشعر كلّما تقاطعتُ مع الرقم (13) هذا, برغبة في البكاء والنشيج. إحساس غريب تافه, مؤذ, ولا أدري له سببًا قويًا يُفسّره …لماذا البكاء؟ …وأنا أصلاً لا أبكي يا سيدي. لم يحدث في حياتي وأنني بكيتُ إلا ثلاث مرّات …مرّة في موسكو.. سنة 1990ومرّة في ميونيخ بألمانيا.. سنة 1996
ومرّة بمصر, بالقاهرة, بالجيزة تحديدًا.. وكان ذلك خلال هذه السنة 2013، ومنذ مدة قريبة.
ولم تكن في كلّ مرّة من المرّات الثلاث, (وفي الثلاث مرّات الوحيدة نفس الشيء), لم تكن أكثر من دمعة, شبه متيبّسة, حارقة،
وكانت تنزل بعسر وبطء شديد في كلّ مرة..
ما معنى تنزل هذه..؟؟؟؟؟؟!!!!!!! عبارة تافهة وفي غير محلّها, هذه (تنزل(..!!! أنت تعرف دّقتي المرضيّة مع العبارة.. العبارة المناسبة في المكان المناسب من الجملة.. وخاصة في وصف حالة ما, فما بالكَ بوصف دمعتي أنا! ودمعتي أنا ….أنا كمال العيادي القيرواني الذي لا يبكي أبدًا …أبدًا، إلا في تلك المرّات الثلاث.
لا أبدًا علينا ألا نمرّرها هكذا ببساطة، ولأنكَ تريد سماع الباقي.. من فضلكَ، من فضلكَ …هي ما كانت في المرّات الثلاث التي بكيتُ فيها في حياتي كلّها, ما كانت تنزل.
لاااا. ولا هي كانت تفيض. لا… لا .ولا هي كانت تنسكب. لا… لا .ولا هي كانت تنهال.لا… لا .ولا هي كانت تسيل. لا…. لا.. ولا هي كانت تنهمر. لا… لا، ولا هي كانت تنزلق. لا… لا.. ولا هي كانت تتزحلق. لا…لا.. ولا هي كانت تسيح. لا… لا.. ولا هي كانت تتجمّع. لا….لا.. ولا هيّ كانت تفور. لا ..لا.. ولا هي كانت تمور. لا…لا.. ولا هيّ كانت تكتسح. لا…لا.
ولا هيّ كانت تنفجر.. لا.. لا.
لا هي كانت تزحف. نعم تزحف. هذه هي العبار المُناسبة. وبدون إستعارة.
فصوص دمعاتي الثلاث في كلّ مرّة من هذه المرّات التي بكيتُ فيها, إذا سمح لكَ تصورّك وخيالك الخصب أن تُسمّيها بكاء, كانت تزحف.
دمعتي كانت سلحفاة, صغيرة من الشمع المُذاب, فيها روح, وفي الروح خارطة جسد كامل سائل ومائع. شيء مثل الجسد في قلب الروح, عكس المعقول والمنطق.. شيء يشبه الجسد. بل هوّ الجسد الحمم المنصهر ووالله, لقد كانت دمعتي في المرّات الثلاث, تمامًا كما وصفتها الآن لكَ.. جسد تحسّه في نون الروح, بطُحاله, وكبده, وقلبه, ورئته, وذاكرته, وهامته وأطرافه, وعضوه التناسلي وعُصابه وعروقه وهيكله العظمي ولسانه وأذنيه ورقبته وصدره وحبل سرّته المختون وركبتيه.. جسد كما كلّ الأجساد.. لكنه مُذاب ومنصهر, وفوق ذلك فهو ليس وعاء لروح, بل هوّ كامن في عشّ الروح, وراكن فيها.. هكذا كانت دمعتي في المرّات الثلاث التي بكيت فيها يا سيّدي. نعم. كانت تمامًا هكذا. هكذا بكلّ دقّة وبدون مبالغة أو حميمية أو إستعارة نزقة.. لا.. لا مكان ولا مجال للإستعارة هنا. كان الأمر بالنسبة لي على الأقل. بالضبط هكذا. بلا زيادة. ولا بخس. ولا مُبالغة.. ودين ربّي, كان الأمر هكذا. وصدّقني هذه المرّة على الأقل. أبوس يدك صدّقني. فالأمر مهمّ جدًّا جدًّا بالنسبة لي أن تُصدّقني أنت بالذات.. ومَن يدري فقد تفهمني أيضًا. حقيقة من يدري؟؟ وهل ثمةّ فوق الأرض غيرك من المفروض أن يفهمني؟؟!!!…مَن؟؟؟!!!
ودائمًا كانت عيني اليسار.. حتى إنّ المرّة الأخيرة وكانت بمصر, بمنطقة المريوطية. حيث تقاطع شارع فيصل وشارع الهرم. هرم الجيزة. وكنت ليلتها قد تلقيّت عشرات الرسائل من أصدقاء بصفحتي ومن مجهولين وأنصاف وأرباع.. كلّها شتائم مقذعة, عبر بريد الفيسبوك, أقلّها من فصيلة (يا بن الشرموطة, أنت شو دخلك في مصر وفي الثورة.. روح لبلادك يا بن القحبة.. واغلق فمّك قبل ما تتناك أمّك…), وأنا طبعًا آخر بشر فوق الكرة الأرضيّة تؤثر فيَّ الشتائم.. فقد تعلّمت من خلال رئاستي لتحرير موقع دروب منذ سنة 2005, الذي كان أوّل موقع يراهن على التواصل والتعليقات المفتوحة المباشرة، وكان أوَّل موقع عربي تاريخيًّا يقبل على تلك المهمّة المستحيلة سنة 2005, يعني قبل عهد الفيسبوك, وقبل تغريدات التويتر البشعة وقبل أي اختراع آخر لتوصيل الشتائم ساخنة.. في ذلك الوقتُ الذي اتصل بي شاب عبقري في الهندسة الإلكترونية وعاشق للطقاطق النادرة من الموسيقى. اسمه (فاضل التركي) وأخبرني بصوت هادئ ورصين جدًّا,(كم شدّني صوته المليء الهادئ).. أخبرني أنّه بنى موقعًا يعتبر رائدًا في مجاله, وأنه نتاج جهد شبه أسطوري لمدة أكثر من سنة من بناء الهيكل العظمي والعمل اليومي لساعات تصل إلى الخمسة عشر ساعة في اليوم الواحد بدون إنقطاع, من ثلاث مهندسين شبان وعاشقين للإلكترونيات والبرمجة, وهم صديق روحه ورفيق حياته, وأقرب الناس إليه, المُهندس الشاب العبقري (أسعد الوصاعيبي – رحمه الله) وأخبرني أن الطرف الثاني كانت رفيقة دربه وأمّ ابنه البكر (محمد) وابنته الرضيعة (جوري), المهندسة العبقرية زينب حسين حرم التركي, وهو نفسه: فاضل التركي, صاحب الفكرة وربّان المركب المتواضع, النقي, العزيز, الكريم, المتمكن, النبيل, الرقيق, الحساس، المُحبّ, المؤمن, المُثابر, المُجتهد, عزيز النفس, أبيُّ الروح, المقدام, الرجوليّ, الصبور, الشكور, المُطمئنّ, البارّ, الوفيّ, النديّ, الفنان, العاشق للصوفية في أسمى معانيها, الباحث, الناقد, المُنقّب, الدّال, الغوّاص في فيض نور المعنى, القارئ النّهم, المترجم المقتدر, الزوّج الحنون, الأب العطوف, الصديق الذي لا يخون.. فاضل التركي, السعوديّ المولد, اليساري الأعمق الذي قابلته وتقاطعت رؤيتي ورؤاي معه خلال الستة والأربعين سنة التي سُجّلت عليَّ رسميًا بوثائق لا سبيل لإنكارها على أنها فعلاً عمري. أنا كمال العيادي القيرواني الذي خرج في يوم لا يُنسى من القيروان كالهارب, وضرب في أرض الله بلا راحة, لأنّ أستاذه الصارم, قال له دون أن يقترب منه أصلاً:
– يا ولدي, الكتابة تستوجب التمرّس باللغة …
قلتُ أنّ الشتائم ما كانت لتهزّني وأنا الذي يتعامل يوميًّا ومنذ عشر سنوات, مع آلاف من أشرس كتاب الجزائر وتونس والمغرب وليبيا ومصر والعراق ولبنان واليمن وموريتانيا والبحرين وعُمان, والإمارات, والسعودية, ولبنان وسوريا وفلسطين والأردن وأشرس متطرفي الأمازيغيين والمسيحيين والمسلمين والملحدين واليساريين واليمينيين والقوادين والشرفاء والمناضلين والسياسيين والطلبة المبدئين والمحنكين والتروتسكيين والماركسين واللينينين ومقاتلي الوطد واليبيراليين والقوميين والمؤيدين للنظم وجماعة الجوقة المأجورين والمتفردين المنبوذين كالبعير الأجرب, والمرضى النفسانيين والفرنكفونيين والمترجمين والعباقرة والأغبياء والحقيقيين والمغشوشين والحساسيين لحدّ الإيذاء والبلداء حدّ الخنق والإختناق, والحمقى والأذكياء والمهذبين والغلاظ المشعثين المغبرين والممتلئين والفارغين والشعراء المتقدمين وكتاب الققجوجيين (وهو إختصار لكتاب القصّة القصيرة جدًّا يا أستاذي.. أي والله) والمعلمين والأساتذة والدكاترة, والبروفسورات والنقابات والجمعيات والحاقدين والمعارضين في بلدانهم ولأنفسهم نفسها أحيانا والمقبلين والمدبرين والعاشقين وتلامذة الثانوي المراهقين والذين ماكادوا يشمون صنان إبطهم حتى همّوا بالقلم يجاهدون مع المُجاهدين, والذين يرون أنفسهم جديرين بالنشر في الموقع الحدث, وهم يثأثؤون ويضرطون ويفسون نصوصًا عطنة كريهة, مليئة بالمرّ والرغبة في الإيذاء: نصوص يكتبها مراهقون لم يكملوا سنتهم العشرين بعد, وتبدأ بجملة مثل:
(يا شعراء العالم كلّكم.. أنا أبصق عليكم…).
ومع كلّ هؤلاء, كلّ هؤلاء الوحوش والسباع والحشرات السامة والعقارب والسباع, تركني فاضل التركي ذات مساء من شهر مايو 2005, بعد أن شرح لي أن أهمية وخطورة الموقع وعاموده, هوّ مجال التعليقات المفتوحة, والحرّة والتي لا يتدخّل فيها أحد بالرقابة والتصفية والقمع, ذلك أننا (نحن العرب). يقصد, في أشد الحاجة إلى حرّية التعبير وعدم كبت الطاقات التعبيرية للكتاب العرب الشبان والمبتدئين منهم أو الكبار من المبدعين المعروفين, والمعارضين السياسيين واللاجئين بأوروبا وغيرهم…
وكنتُ أريد أن أقول له: يا فاضل.. يا حبيب الله وحبيب القلب.. يا أنقى وأعدل مَن عرفتُ.. يا فاضل التركي.. ومقابل كلّ ذلك: ما هوّ سلاحي أنا، وكيف سأتصرف إذا سال الماء على البطيخ؟
يومها ضحك عزيزي فاضل الذي يحبّ نكتي، ويرتاح كثيرًا لصراحتي المفرطة ووضوحي, وأجابني كالحالم.
قال لي عبر الهاتف، وأنا في ميونخ, وهو في السعودية ويعدّ للسفر مع زوجته زينب. بعد فترة لنيل شهادة الماجيستير وشهادات غريبة أخرى, نسيت عناوينها, في مجال التنقيب الإلكتروني الجديد وآخر تطورات عالم الإلكترون العجيب :
ــ يا أبو الكوامل.. إذا لم ينجح كمال العيادي بقلمه البتار, في زجر طيور الدّخان الأسود السام, عن هذا المنبر الوليد النقي النبيل. فمَن؟ مَن سيفعل يا كمال العيادي يا أخى أنا؟ أنتَ الآن رئيس تحرير القسم الأدبي والإبداعي الأشد شراسة لموقع دروب الرائد، وبحول الله ستنجح ولكن لا تنس.. التعليقات مهمّة جدًّا.. وهناك منبر أخر اسمه الحوار المُتمدن, وهو قبلنا, ولكن ليس به إمكانيات التعليقات.. التعليقات يا كمال هي روح الموقع.. فالنصوص في الكراريس والورق، ولكن حرارة حشيشة التعليقات النابضة الصادقة, تحايا كانت أو نقد صريح قاس هي السبيل وهي المُنقذ من حالة الجماد والبرودة واللامبلاة والموت التي تشهدها الساحة الثقافية العربية.
ولم يكن لدينا وقتها برنامجًا لمنع بعض الحشرات من كتابة ما يريدون في خانة التعليقات، وبعد ذلك بسنوات طويلة, اقتنع عزيزي فاضل التركي بأن الأمر أصبح مستحيلاً, وبشرني بأنه سيشتري برنامجًا جديدًا. وفعل ذلك بعد سنوات (وهاهو اسم البرنامج يا أستاذي..هاهو وقد أرسل لي اليوم هذا الإعلام.. سيُفسّر لكَ ماذا يفعل يوميًّا بالضبط.. هذا البرنامج الذي كدت أبكي من الفرحة حين أخبرني أنه اشتراه وركّبه سنة 2009، هاهو الإشعار الذي وصلني اليوم للمرة الثالثة من البرنامج المراقب الآلي والمطعّم بأسماء الحشرات البشرية والمنظمات الصهيونية والحقودين من الهاكرس الذين يحاولون في كلّ دقيقة إختراق الموقع وتدميره, أو إفساد أرشيفه وتشويشه.. لإقرأ هذا الإشعار الذي وصلني اليوم.. كما يصلني كلّ كلّ يوم منذ تركيبه سنة 2009، وستفهم, كيف كان حالي قبله: إقرأ
(القالب Tw-enty Twe-lve/twen-tytwe-lve-child مستخدماً 942 مربعات جانبية – تحرير دروب
- النسخة المستخدمة: ووردبريس 3.6. خاص بدروب. مُسجل دوليا تحت رقم (س.ع.GFrCwM-PR-28499567 )
- تنبيه رقم 1756 – عدد 2 – يوم الإربعاء 04-09-2013 – أكيسميت حمت موقعك من 811,094 تعليق مزعج. تنبيه مشترك رقم 1756 مكرر – أكسيميست حمت موقعك من 31.945.254 محاولة اختراق وادراج اعلان برابط غير مسموح. تحت بيانات مثبتته- علامة مشفرة – doroob.com لسنة 2009- مبرمج- مغلق.
ــ هناك 128.954 تعليقًا فقط في قائمة انتظار التعليقات المزعجة).
وتصورّ أنني في اليوم الثالث من تولي مهمة الإشراف (تطوعًا وبدون مقابل ولو سنت واحد) تلقيت هذا التعليق الذي سجلته عندي. وغيّر مجرى حياتي وجعلني أتولى مهمتي بجديّة كاملة, وأجند نفسي لهذه المهمّة التي تنوء بها الجبال الرواسي.. أدرج في اليوم فجر اليوم الثالث هذا التعليق الذي لن أحذف منه سوى اسم المعنية به، وتحصلت على رقمي من صديق لتهاتفني من المغرب في الساعة العاشرة صباحًا, وكنت في إجازة أقضيها مع ياسمين ابنتي في قرية قرب بحيرة شتانباغ, عبارة عن مستنجع هادئ للسباحة ونظيف وقليل الرواد, حتى إنني كنت تقريبًا أسبح مع ياسمين وثلاثة عجائز فقط. حيث لا نت ولا إمكانية لدخول الموقع….
وهبطت المصيبة الأولى دخانًا سامًا.. وياااه.. يا ما غيرت حياتي وقلبتها رأسًا على عقب…!كانت أوَّل إشارة مرعبة بشعة تُنبهني مبكرًا إلى خطوة هذا الإختراع (النت والتعليقات الفورية..)
لا تتعجّل. دعني آخذ نفسًا فقط. لا أريد حتى تذكر ذلك اليوم وتلك المكالمة المرعبة…
جاءتني المكالمة المصيبة من المغرب.. من كاتبة أعرفها، تبكي بلوعة وذعر.. ذعر لا يكفي للتعبير عن الإبر التي أحسستها منغرزة في كبدها.. كانت تصيح بصوت مبهم.. هو كتلة من الأصوات والبكاء والصراخ المبحوح المجروح وكأنها مختنقة بورم.. جاءني صوتها في التليفون. وهي تحاول أن تقول لي:
ــ بجاااه ربي.. بجاااه ربي الحقني يا كمال.. إلحقني.. زوجي سيذبحني, بجااااه ربي والرسول.. يا كمال خويا.. يا كمال براااس أمّك.. الحقني واحذفني من دروب مدى الحياة.. احذفني من كل النت.. احذفني يييييييييييااااااا كممااااااااال.. أرجوك.. أبوس رجلك.. الحقني يا كمال الحقني.. تذبحت يا كمال يا خوويا.. تذبحت. ما عاد قدامي كان إلا الإنتحار يا كمال.. دمي في رقبتك يا كمال.. دمي في رقبتك.
وذعرت يا سيدي.. كنت حديث عهد بالنت وخطورته. بل قل شبه أمي في ذلك الوقت منذ عشرة سنوات.. وهدأتها بمعجزة لأفهم ماذا حصل.
فهمت منها أن أحدهم من الأمازيغ ممَن لهم خصومة معها. أدرج تعليقًا بشعًا منذ الفجر في دروب على نصها، وعادت للعويل…
خطفتُ يومها ابنتي ياسمين من الماء خطفًا. حتى إن العجائز الثلاث ذعروا أكثر من ابنتي، ورميتها ابنتي وكبدي وهي خائفة مذعورة في السيارة خلفي وضغطت على دوّاس البنزين، ولم أرفع رجلي اليمنى إلا قرب البيت.. كنت بعيدًا 75 كلم عن منطقة زولن حيث أسكن في أحد أرقى أحياء ميونيخ.. ووصلت، وتركت ابنتي في السيارة. ورميت لها المفاتيح لتغلقها وتتصرف وتلتحق بي.
وصعدت الطابق الثاني حيث أسكن…
وكدت أكسر الجهاز مرات وأن أضغط على زره الكلب الأخضر
ورقنتُ:
www.doroob.com
وفتحتُ الصفحة بشفرة حلاقة عيني الحمراء من الذعر, والماء غير المنشف، ووجدت اسم وصورة من اتصلت بي من المغرب, وكان نصها عنوانه: (خذني إلى مملكة قلبك)
ونزلت أسفل.. حيث التعليقات.
وكان هناك تعليق وحيد, وهذا بالحرف نصّه:
______________
kgzhpqv
41.151.31.12
تمّ الإرسال يوم 2009/5/28 الساعة 5:14 صباحا
XnAB7q noazsdjz[/urrl], [liank=hjhcyggg.com/
المرسل/ ْْْْXXXXXXX–XXXXXX
النص & (خذني إلى مملكة قلبك)رقم 142
تعليق/ مفتوح/ مدرج من بريدXXXXXXXXXXXXاسم المرسل غير مسجل XXXXXXXXXXXXXX
نص التعليق/
يا طبون قلعة البول يا العافنة.
وراكي تعرفي وآش را تنديرلك؟
باش أنيك أمك.
وراني باش نكتب وين كنتي يومة لخميس ومع شكون كنتى يا قحبة تنيكي.
وآش قلتي لراجلك؟؟
قلتي ليه ديالك راك كان بايته عند امك؟
________________
من يومها اختفى خبرها نهائيًا من الساحة، وبحثت عنها سنوات في النت، وكان جوجل يخبرني دائمًا
أن آخر مشاركة لها كانت بتاريخ 2009/5/28 الساعة 5:14 صباحًا تحت نص بعنوان (خذني إلى مملكة قلبك). ثم يحيلني إلى رابط موقع دروب: واسمي كرئيس تحرير للقسم الأدبي والإبداعي.
انسى ذلك الآن يا منصف.. انسى يا دكتور…انسى.
يكفي أن تعرف أنني من يومها قررت أن أشتغل فقط ليلاً.. لأراقب وحدي كامل الليل التعليقات كل ثانية.. وفي الصباح, الحمد لله, هناك فاضل التركي وزينب حسين زوجته. والمرحوم أسعد الوصيعبي وفيهم ألف ألف بركة وسيتصرفون لو حصلت حادثة مشابهة.. وقد حصلت آلاف المرات طبعًا. ودائمًا ليلاً… من مخمورين وحشاشين ينسون كل القيم والأخلاق.. لتصفية حسابات في خانة تعليقات مفتوحة. وحرّة، ولم أهرب يا أستاذي.. أبدا لم أهرب. لأنني لا أخون الأمانة ولا أهرب…
وبصراحة, انسي اليوم أيضًا سي علي مصباح.. انساه اليوم فقد تعبت.. تعبت يا أستاذي تعبت وأريد أن أبكي.. أريد أن أبكي بالشهقة من شوك هذا العالم الإلكتروني البشع وماذا فعل بي.
انسي علي مصباح.
واقرأ هذه الكلمة التي كتبتها بمناسبة مرور ثلاث سنوات على تأسيس دروب.. نشرتها سنة 2008 يوم 28 مايو بدروب. أحكي فيها عن بعض تاريخ دروب وتجربتي مع وخلف كواليس هذا الموقع الجبَّار الذي غير حياتي للأبد.. سنعود غدًا لعلي مصباح وعبارة (الصرم) وساناقش معكَ ومعه, لماذا اختار أن يترجم عبارة (Arscloch) بعبارتي (ثقب الطيز) وليس بعبارة (صرم) التي هي الأصح, وما سبب ذلك؟ ولكن.. اقرأ هذا الترحيب الذي كتبته ونشرته في ذكرى عيد الميلاد الثالث لدروب يوم 28. ماي 2008.
وستفهم.. ستفهم الكثيييييير
أقسم لكَ أنكَ لو ربطت ما حكيت لكَ عما جرى بيني وبين فاضل التركي سنة 2005، وهذه الحادثة مع الكاتبة المغربية التي اختفت منذ مايي 2005 ستفهم، وستغفر لي أنه عيب أن أتكلم اليوم أكثر على سي علي مصباح، واختلافي معه حول عبارة ترجمها خطأ…
وأنه من حقي: أنا تلميذك العبقري المظلوم. كمال العيادي القيرواني من حقي عليكَ أن تقرأ أيضًا.. كيف وماذا فعلت بدروب.
هذا الموقع المذهل الذي أصبح أهم موقع عربي جاد.. إقرأ هذا ما كتبت سنة 2008:
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

كمال العيادي
وهاهي دروب تكمل سنتها الثالثة …
إمدادات هذا الكاتب كمال العيادي 28 مايو 2008
الأحبّة الأعزاء:
هنيئًا لقراء ومبدعي دروب
هنيئًا يا فاضل التركي
هنيئًا يا زينب حسين
هنيئًا يا أسعد الوصيبعي
هنيئًا لكمال العيادي
هنيئًا لكل كتاب وقراء ومبدعي دروب للمرة الألف
الدروب قلب والنبض شامل للكل
1مناسبة البوح..
شكا لي أحد الأحبة في دروب، وممَن أعتز بمسلكه في الكتابة واقتناص وميض الحكي، أن فضاء الاهتمام بما يخطه الدروبيون و الدروبيات تحكمه علاقات خاصة لا شان لها بقيمة العمل، بما يحول التعاليق إلى سلسلة مجاملات لا تزيد الإبداع أو البحث إلا الدوران في حلقة من الثناء بعيدًا عن التقويم العلمي والرصد الجمالي.
2-توضيح لا بد منه:
لا يدخلن في قلب أحد، أن كثرة التعاليق على نص ما عنوان لجودته، وأن قلتها أمارة لرداءته، وإلا فإننا نصادف من الدرر داخل أزقة دروب في الفلسفة وفي فقه العلم ما لا ينتبه إليه أحد وبيان ذلك أن الدروبيين يعتنون بالإبداع الأدبي أكثر من غيره وقد يلقون بعض اهتمام للنقد، وهو أمر لا عيب فيه، فلا يجب أن نحمل الناس حملاً إلى قراءة ما نريد، وما نعتقده نحن في قرارة أنفسنا أولوية الأوليات.
كلا إن الأذواق تختلف وعلينا أن نحترم الإختيارات حتى وإن خالفتنا خصوصًا وإن النفس تميل ميلاً إلى النصوص الإمتاعية وكثيرًا ما تنفر من النصوص الإقناعية لصرامة لغتها، وأسلوبها الجاف المباشر، وإتعابها للفكر المنهك أصلاً من أعباء الحياة.
كما أن اهتمام الإخوة والأخوات بإنتاجات من تربطهم بهم صلات نفسية وعاطفية شيء إيجابي، وليس لنا أن نرى ذلك على أساس أنه تكتل موجه ضد تكتل غيره، ما دام ذلك يشجع بعضنا على الكتابة أكثر لأنه يجد من يحفل به و بإنتاجه، حتى وإن توجه إلى قراء مخصوصين بالاسم والرسم ما داموا يتفاعلون معه، فهم الحافز الموقظ لشيطان الشعر والسرد معًا.
3-التعليق حر
نعم التعليق حر لكني أتحرق إلى التعليق الباني وأن اختلف معي صاحبه منهجًا ورؤية..
نعم التعليق حر لكني أتوق إلى من يكتشف الجمال الذي قد يغفل عنه كاتب النص نفسه..
نعم التعليق حر لكني أهفو إلى مَن يتجاوز المجاملة دون أن يسقط في سوء الأدب مع المخالف..
نعم التعليق حر لكن دون السقوط في اتهام الغير دون بينة..
نعم التعليق حر وعلى صفحته الأولى أقول دروب محضن القلوب العاشقة تنبض كلها بالعلم والجمال فقط علينا ان نحسن الظن مهما كان ……
نعم التعليق حر وعلى صفحته الأولى أشد بحرارة علي أيدي المحاربين الأوائل فيها.
حول دروب وبداياتها: ردّ على دروبي أصيل:
من بين وصفة الخلطة السحرية لدروب, أنّه مذكّر لا يذمّ بتأنيثه, وكم كنت أحير في البداية بين أن أقول هذا الدروب, وأقصد الموقع, مع شعور بثقل في اللّسان, أو أن أكتب هذه الدّروب, ليتأخّر ختم الموقع وتحضر العلامة, أنّها جملة ومجموع الدّروب, والحقّ الحقّ, أنا أفضل أن أشير إليه مؤنثًا, وأكتب عادة: هذه الدرّوب.. وعلى عوج ضلع العبارة إصطلاحيًّا, فهي تعبيرة أكثر صدقًا وحميميّة…
بالتأكيد, وربّما أنت تؤمن معي, رغم صعوبة ذلكَ, عمليًا, بأنّه فعلا ليس في طلسم هذه الدّروب تميمة, ولا سحرًا مردومًا في قمقم مجبّس وغائر بين حجرين في البحر المنسيّ.. كما يدّعون, فالقائمون عليه (الآن مذكرّ) فقراء إلا ممّا في صدورهم من كنوز, وما يقيّد أيديهم وأرجلهم وربع لسانهم, من ضمير, وصدق مع النفس, وترفّع, وإيمان بجدوى ما يفعلون.. ولا توجد مؤسسة تشهر عريها وزينتها وفجورها أو تقواها في مرآته لتدفع إيجاره السنويّ حتّى يوسّع صدره لكلّ الطيور الأصيلة, أو وزارة توجّه زواياه, ولا حكومة مزكومة تتسلطن عليه, ولا جبّار عنيد يعتليه…
إنّما جماعة من أيتام الله في أرضه الشمطاء, آمنت بأنّه لا بدّ أيضًا من درب جامع, وليكن دروب جامعة, لكلّ هذا الفيض من حبّ الحقّ والبيان والنقاء, أن يوجد لها ملاذًا يحميها من التشوّه والفطس, وأن تدقّ لها أوتاد منارة لا هيّ شرقية ولا هيّ غربية ولا هي يسارية ولا يمينيّة ولا هيّ متجهّمة عابس قمطرير ولا هيّ غنج ضاحكة أو غاطسة في أصباغ اللّون وبهرج الأصباغ التي تعوم فيها أغلب المواقع والمنتديات, وكان الرّهان تقنيًا أوَّلاً, وبفضل بعض خيرة ما لدينا من شباب طموح وعارف و يعرف ماذا يفعل, تمّ تشكيل الهيكل العظمي لهذه الدّروب, ثمّ كسيت بطين طيّب كريم, فسوّيت التفاصيل بالمحطات, والملامح بالعلامة الزرقاء والبساطة في الإخراج مع إمكانيات مذهلة, ثمّ أعلن فجر يوم 28 مايو 2005 أنّ الموعد حان للآذان والخروج إلى الشارع العربي والعالم…
وكان أن ركب كلّ واحد حصانًا خببًا, وضرب في جهة من الأرض, يدعو خيرة أقلامها للدروبيّة والمذهب الدروبي.. ولو أنكَ كنت فتحت رقعة الدّعوة أيامها, لوجدتها صيغت كالتالي تقريبًا :
ــ ندعوك لدرب متين.. فإن أبيتَ, فعليك إثم غفلتكَ عنه إلى حين…
وبدأت جحافل المؤمنين بهذا الفج (ر) الجديد تأتي وتربط جمالها وبغالها وحميرها وكلابها وتدقّ أوتاد خيامها وتنحر قربانها ثمّ تشعل قراها, وتدقّ طبولها وتنفخ في زمّارها وتشدّ زناّرها وتضوّع بخورها وتنسج حبالها, وتشدّ أقواسها وتملأ قربها تجهر عيون آبارها وتتحايا وتتصابح وتتماسى وتكحّ وتسعل وتتكاتف وتتلاكش وتتخاصم وتتصايح وتتصالح وتتسامر وتتنادم وتتت.. تت.. ت.
وكان ذلك يحدث إمّا بفتح مقصورة لردّ مباشر على ركح نصّ مستقلّ, أو عبر عبوة كوّة حيّز التعليقات المفتوحة على كلّ الإحتمالات.. وبرزت في هذه المرحلة المبكرّة عدّة ديوك ناقرة مشاكسة تبدو شريّرة, ومنها العبد لله كمال العيادي وحسن سليمان ونعيم عبد المهلهل ومحمد الأصفر وفاطمة ناعوت وجمانة حدّأد وكمال الرياحي ود. فاروق مواسى ووليد الزريبي والفاضلين والأسعدين والزينبتين والوجيهتين و بني أوزجار وبني عقيل وغيرهم, حتى إنّه كان من غير الممكن تقريبًا دخول الدرّوب بدون خوذة تحمي الرأس ممّا سيتطاير من حدف جميل ملهم مشروع ومؤسس.. يبعث في القلب الدفء ويملأ الصدر انشراحًا وأملاً..
ثمّ جاءت قوافل المغرب العربيّ الأكبر, ليبيا وموريتانيا وتونس والمغرب والجزائر والسودان , فعمّرت الأسواق وكثر السعي وعلا الصياح وانتشر الخبر يسري ويسعى في الأرض اليباب.. وكثرت الأسواق وتأججت الأشواق وظهرت بضاعة جديدة, وكتّان مزركش يفوح منه طيب البهار الإفريقي والدلال الأندلسي وأينعت الدروبّ, وعمرت, حتى إنّ القصيدة العصماء التي كانت تباع بثلاث ضياع دمشقية, عادت تقايض بثلاثة قصائد نثرية تعوم في ملح البحار ولا تعرف البحور.. وتسبك حكمتها بلا رقيب في الأربع والخمس حركات, دون أن تصاب بمغص أو عكش ودون أن تؤذي غير من خير الهروب إلى ملاجئ آمنة طاهرة من الحداثة ووقاحة النصوص الجريئة التي تتجرأ على الخليل والفراهيدي والعياذ بالله…
في هذه الفترة, برزت أسماء وعلامات مميّزة, فكان سعال وحيد نور الدين وصوته الأجشّ, ونباح كلابه, خمسة باب تدلّ عليه, وكان مكر د. الحبيب الدايم ربي ونفاذه المرعب لعمق عمق الجوهر, فتنة, وكانت زغردة أخت النورس آسية السخيري وترجماتها المرعبة مساء, وهجماتها الصباحية يأسر القلب وتحييه, ونصوص آمال نوار غواية وكانت دقّات صاحب الخاتم التجريبي أنيس الرافعي تترك في الكتف وبين الأصابع ريح الرّمان, وكانت نصوص أحمد الكبيري تحرّك الطمأ من الأعماق, وتدخّلات نور الدين محقّق تأجج اللهب الفاتن وكانت بيانات المرحومة مليكة مستظرف تنشط القلب المكلوم وتحفز على القيام توّا للبندقية ومطاردة اللصوص.. وعمرت الدرّوب وصار من يجد له في أرضها مكانًا ليدقّ خيمته, يذبح بقرتين وتيسًا ودجاجة, وأزهر اللّوز وجرى الدمع أنهارًا, وسمعت الضحكة في آخر مضارب بني الوعواش, فهبط أوباش قبل أن يرحلوا بأسرع ممّا هبطوا.. وعرفت الدروب أنواعًا من الثمر والبقل والثوم والأفاح والتفاّح والحشائش النادرة, ما أسكر الصاحي وألهم الغافل ونفخ في الطين العليل وحرّك العود, فإذا هوّ حيّة تسعى.. وطبعًا وكما هوّ الشأن في كلّ الحضارات الفتيّة, إدّعى بعضهم النبوّة, ثم رحل أغلبهم, يائسًا من صلاح حال هذه الأمةّ التي لا تؤمن بالأنبياء والأولياء العابرين, وفي كلّ هذه الفترة, كانت نصوص أسعد الوصيعبي وفاضل التركي والعبد لله و وأمّ الفواطم الناعوتية ود. غلبون وزينب حسين و وعبده حقي و د. حسن المودن ود. جاهين المذهل والرائع مهدي التمامي والمسكون صلاح عجينة والمناصفة كلهم بقيادة المزغني والوهايبي والشليح وملح وسمر الناهشة وسمية البوغافرية وشريفة العلوي وبنت موريتانيا وبنت بحر وثابت الكبير و د. مواسى ونقاط أديب كمال الدين وجمال الغيطاني وفواز القادري وكوثر التابعي وفواز قادري والجاكيشونة النينجا المسكونة وفاء الحمري وبريهان قمق الشركسية الأحقّ بالصولجان ود. فاتحة مرشيد وعبد الحميد شوقي و محمد رمصيص ومحمد الأحمد والأخت شهد والمشاكس الجميل الجارح عبد الغني بن كروم والهشامين وحسن الشيخ ود. اسطنبولي وحياة الرايس, وصخر المهيف وصبحي حديدي وعبد النور إدريس والعمراوي و عبد الرحيم الخصار ومنى بن حدو ولطيفة البصير ود. وحيد نادر وعبد الوهاب الملوح والكبير آدم فتحي ود. قصيبات وزهرة الزهور زهرة والغالي الهادي ثابت و صالح سويسي وطبعًا عبد السلام زيان الرائع وعيد الناصر ود. عصام عبد الله وصبحي حديدي وسعاد إبراهيم و صالح السويسي والمزغني ود. عادل قرشولي ود. منصف الوهايبي و محمد اليوسفي ومنال الشيخ وسمر دياب المخيفة وحسن المددي ومحمد الأحمد وخالد المهيري وهويدا صالح ومحمد ود. فيصل القاسم وفرج بريقدار وطارق الشيباني ومحمد المزديوي وعبد الهادي الروضي وعزت الطيري وعبد السلام الدايم وهويدا صالح ونوح الروعة وسيد الوكيل وعزت القمحاوي الكبير رسمًا واسمًا وورشة الزيتون بتوابلها وسيدها وحياة الرايس سيدة عشتار وجمانة حارسة جريدة النهار وأبو بكر الصغير وسوف عبيد ومحمد لطفي الكبير ومحمد الهادي الجزيري وظافر ناجي وآدم الغواية وجمال غلاب والغزالي اسماعيل وشاهر خضرة قلبه وسمير الأمير وعبد السلام والريحاني ود. فاروق وخالد الساحلي وعبد اللطيف التجكاني الرائع ود. قصيبات الحكيم المتمكن وفاطمة بوزيان وعشرات وعشرات وعشرات من المبدعين غير المغشوشين, الأصيلين الذين أخجل وحقّ السماء أنني قد أنسى ذكر اسم أحدهم وهو في قلبي وذاكرتي الباقية…
أقلام, تبشّر بملامح منبر ثقافي إبداعي لم يعرف مثله في البلاد من عهد ثمود وعاد.. ثم أطلّت أنوار سرحان خجلة أوّل الأمر قبل أن تنطلق في الشدو والغناء مع وفود قوافل أخرى فيها المهرّج والراقص وصاحب القرد والطبّاخ الماهر والحلاّق الماكر والطيّاب وأرباب الصنعة والنصوص القصيرة جدًّا جدًّا جدًّا جدًّا, والصيادلة وباعة الفول والحمص والبابوش عند أبواب المقاهى والبارات, كما ظهر الحكماء والأطبّاء والفلاحين وصنّاع الأنسجة السردية في يومين أو ساعتين وطلبة العلم من اللحد إلى المهد والعكس وضاربي الدفوف وباعة الملفوف والمخطوف وفطائر منوّر وهي تفوّر أيضًا, جنبًا إلى جنب مع علماء ونقّاد يمشون في الأرض بوقار ويهشوّن على هذا ويبشوّن للأخر ويبدون آرائهم بكلّ موضوعية ولباقة, فكثر النقد والتلاقح وعمرت الدروب أكثر, حتى عاد النصّ المراكشي أو الدمشقي الذي يباع بعدد حروفه ذهبًا, لا ينزعج من مزاحمة التعليقات الباك باك يو.. وانزل يا جميل في الساحة.. وأنا حزين..عشان أنا وحدي.. وربّنا يكون معاك يا ست, والنفير بالماسنجر لجمع تبرعات لدم النص الفقير.. وازيّكم…
وح. رجع بعد شويّتين.. وألهاكم التكاثر حتي قريبًا تزوروا المراقب الذي لابدّ منه في هذه الحالة.. وهلمّ جر….
قبل أن أستمر ثلاثة أيام أخرى بدون انقطاع في المرور على ما لابدّ منه من تعرّض للتطور الطبيعي للموقع ومستوى التعليقات, أريد أن ألملم الموضوع في كلمتين, رحمة بعين ووقت القراء…
دروب من صنع أقلام قرائه وكتابه أولاً وأخيرًا, وفيهم الطارق والمطروق والجار والمجرور والحارق والشارق والبارق والمارق والبذيئ والنبيل والعادل والمعدّل والشاطر والمشطور والفطن والمفطوم والجابل والمجبول والحابل والمحمول والمزّرر والمزرور والمحلّق والمحلوق والبشوش والمبثوث وحامل النار وجامع العار ومقيم الدار والملتحف بستار والوفي والمستوفى حقّه مسبقًا والناهض والبارك والجاري والزاحف والمتهور والخائف والمرعوش والملطوش والمهوس والعارف والغارف والمتين والبيّن والمستبين والمقّنع والمنقّع والمتقدّم والمتأخر والمجاري للبخاري والمشكك في الأشطار والإمام والزنديق والشبعان والذي يهب على الريق والطيب والشرير والحائر والغائر والربعة والكامل والذكي والغبي والمسكون والمرهون والفاتن والقبيح والسائل والمجيب والسالك والمتسالك والمتكبّر والمتواضع والعنيد والخجول والمثقف والمذعور والمبتل واليابس …
دروب يا عزيزي.. كلّ كلّ هذا.. وأكثر
هنيئًا لنا جميعًا.. نخبكم هذا العصير
محبة قد السما
كمال العيادي
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
قلت لك يا سيدي المنصف, أنني وأنا أرقن لك هذا الفصل من الرواية التي كنتُ قد قررّت في بدايتها أن يكون عنوانها (حكاية السنوات الثلاثين), كونها في الأصل عبارة عن رسالة طويلة موجّهة لكَ أنتَ, وتخبركَ عمّا فعلتُ في سنواتي الثلاثين الاخيرة.. (كانني بسنواتي الستة والأربعين الآن عشت أكثر من ثلاثين سنة..! يا لفجوري وغروري وبلادتي أحيانًا…)
أعترف وانا أرقن الآن من محلّ للنتّ, اسمه (لاس فيجاس) ويعجّ بفراخ مذعورة من شبان لا أكاد افهم سبب صراخهم.. وبين الحين والحين أنتبه مذعورًا على صرخة مرعبة مدوّية تخرج من حنجرة فتيّة على يميني أو يساري واسمع عبارة مثل (دمّرتها).. أو (قتلتها بنت الوِسخة) أو (ليييه؟؟ ليه تركتها تفلت منك يا خول؟؟…)
وأحيانًا عبارات أكثر وحشية وبذاءة بكثير…
أو يفاجؤني أحدهم بالزعيق في وجهي تقريبًا, صائحًا: (يعني حَتفلِت مني فين يا بن المِتناكه؟؟؟!)
وهذه العبارات, والله العظيم, يا أستاذي تُعتبر مهذبة جدًّا, أمام عبارات أخرى لا يمكن لكَ حتى أن تتصور بشاعتها.. وكلّها تصبّ ساخنة كزيت التعذيب في أذني.
ثم أتذكر أنني في محلّ للنتّ بأقصى الجيزة, قرب هرم خوفو.. خوفو العظيم, وأنّ هذا المحلّ بالذات الذي رقنت فيه كل هذه الفصول الثلاثة عشر حتى الآن، لا ينقطع فيه النتُ, ويا ما أكثر ما ينقطع النتّ هنا في القاهرة يا استاذي, أعترف وأنا بمصر ومن الجيزة, وقرب الهرم الأكبر.. هرم خوفو (العظيم) أعترف, الآن, ولأوَّل مرّة في حياتي, ربمّا.. بل أكيد أنها أوَّل مرة أعترف بها لنفسي قبل ان أعترف لكَ, وأقرّ, بأنّ لهجتي, ليست لهجتي, ولكن تحديدًا نبرة صوتي يومها في تلك الظهيرة القيروانية الزرقاء, وأنا أسألك:ــ ما رأيك فيما أكتب يا أستاذنا الجليل؟؟ أعترف أنّ نبرتي لم تكن تخلو من صلف ومن بعض الغرور، وأنني لطيشي وعدم نضجي وحداثة سنّي, وهل 15 سنة عمر يا سيدي؟؟
غدًا سأعود في الفصل 14 لمناقشة المترجم الفذ علي مصباح
غدًا.. فجرًا.. من نفس هذا المحل المشرف على الهرم الأكبر.. هرم خوفو الأعظم.. حيث محل للنت.. لا ينقطع عنه النت.

الفصل (14)
من رواية (نادي العباقرة الأخيار)

أستاذي الفاضل: د. منصف الوهايبي
ستلاحظُ, منذ الآن, أنّ لهجتي ستتغيّر تمامًا, في كلّ ما تبقى من أجزاء هذه (الرسالة – الرواية – الكتاب(.
وأريد أن أحييك بقوّة أولاً, على أنّك صبرت فعلاً, على صلافتي المُتعمدّة, (لاخظ أنني أصر على كلمة المتعمدة) وكأنني أضمر شيئًا… لاحظ فقط, وأنا أشعر بالامتنان أنك لم تيأس من صلاح حالي, وتابعتني حتى هذا الفصل الرابع عشر(14) من رسالتي إليكَ. رسالتي التي يمكن إعتبارها أيضًا, رواية, أو قل هي كتاب. نعم يا أستاذي الفاضل, أنا أحبُّ، بل أنا أصرّ على تسميتها بالكتاب.
وحتى لا نختلف دونما موجب, كوني أعرفك دقيقًا جدًّا, ولا تقبل تمرير عبارة, والعِبَارَة عبّارة, والعبّارة, يمكن أن تحمل العطب والفناء لأمّة, وأعرفك, أنك, (وفي هذا أنا مثلك, ويُشرّفني ذلك), أنك لا تستهين بالعبارة, ولا تستخف بها, ولا تدعها تمرق ببساطة, دون فَلْيَهَا وارهاقها, تفتيشًا وتقليبًا… وودين ربي أنا أغفر لك ما قد يتأخر من ذنبك, وما قد يتقدم, بل إنني أطلب من ربيّ متطوعًا, وأنا في كامل مداركي العقلية, أن يأخذ ثلاثة أرباع حسناتي ويصبها فورًا في حوض حساب حسناتك, فقط لمجرّد أنك علّمتنا ذلك.
لاحظت يا أستاذي طبعًا, أنني استعمل عبارة (طبعًا) مرتبطة بعبارة (هذا)… هل لاحظت ذلك؟؟
قلت أنني أتصور, بل أنني على يقين لا يرقى إليه شكّ, ولا حتى ذرّة هباءة, من هباءة من جُزَيْأَةٌ, أنّك تتابع, (يا إلهي, وقعتُ كالفأر, هل تُكتب الهمزة قبل تاء عبارة (جُزَيْأَةٌ), هكذا أم أنني خَربطتُ كعادتي في رسمها بنت الكلب…؟؟…
يا كم أكره دين أمّ الهمزات يا أستاذي الفاضل. وربّ نصف ما ركّزت وحفظته منك بعذاب شديد, من خلال حصصك الصباحية لنا بمعهد المنصورة بالقيروان, سنة 1983 حول رسم الهمزة, طوّح به هؤلاء الشرقيون بركلة وحشية وبدون رحمة, منذ الشهر الأول لي بهذه البلاد.
– ألا تصدّق؟؟!!!!
أنظر مثلا: ألم تؤكد لنا أنت (بالحجج والبراهين الدّامغة, التي نسيتها الآن كلّها والله), بأنّ عبارة – (المسؤولية) – تُكتب, بإركاب الهمزة الوحيدة في العبارة, على رقبة واوها؟؟… (نسيت ؟؟…أقسم بالله العلي العظيم أنت قلت لنا ذلك بالحرف الواحد, (تركب رقبة الواو)… هذه تعابيرك يا أستاذي.. هل تتذكر, رجاء؟…
طيب, أبعث لك بتذكرة ذهاب وإياب للقاهرة, الآن وفورًا… (وتعالى ثلاثة أيام فقط (آكل، شارب, نائم, ساكر, ولو أردت, جلبتُ لك صابونة حشيش بربع كيلو, الخير كثير, ورخيص وأنا لا أدخن, وأظنك أنت أيضًا لا تحبّه وتنفر منه مثلي، وتعالى من فضلك, وناقش لي الدكتور الصديق محمد جاهين بدوي, أو حتى الخال عبد المعطي حجازي, وقل له, أنه عيب أن يكتبوها في كلّ مجموعاتهم الشعرية الموزونة بالماس والخردل, يكتبونها هكذا (المسئولية).
هم يا أستاذي يضعون لها كرسيًا خاصًا, أنت تعرف, حتى لا ترهق هذه الهمزة بنت الذين, رقبة حرف الواو الذي هوّ أصلا مرهق…
ووالله لن تفلح… أقولها لك مسبقًا .لن تفلح في إقناعهم, برفع الكرسي ووضع رأس هذه الهمزة الزبالة على رأس الواو كما علّمتنا. لأنهم سيستمعون لك بإنتباه شديد ثلاث ساعات, ثم سيقولون لك, وهم يهمّون بالمرحاض بعد حبس طويل،
أو لجلب جمرة للشيشة المُنطفئة (هاهي القحبة ثانية في عبارة –منطفئة – تقرفص على كرسي وليس على رأس الواو), سيجيبونك، بأن ما قلته أنت لهم, مقبول شكلاً, ولكنه اتفاق مغاربي غير أصيل المرجعية…
طيب, لماذا لم توفر أنت مثلاً علينا ذلك؟ لماذا لم تتركنا نضع دين أمّها في أي مكان حتى ننضج أكثر, أو تتفقون على حلّ.. بصراحة. في السنة الثالثة ثانوي, وأعمارنا لم تتجاوز الخامسة عشر, وأحلامنا في اتساع السماء نفسها (شوف: في عبارة – السماء- الهمزة وقد حطّت كعصفورة مطمئنة على السطر, بدون وجع رأس, و ارهاق المخيخ في من سيحمل زبور أمها, حتى نتحصل على عدد أفضل في الإمتحان).إسمع يا أستاذي, أعتقد وأنا في هذه السن, وأنا أشرف قريبًا على السابعة والأربعين من عمري, أنه يجب النطّ على قضية هذه الهمزة المارقة في السنوات الأولى للتعليم الثانوي… فكر في الأمر.
أنت تنظر لي بريبة كعادتك .وأنا وعدتك بأنني ساكون مهذبًا معكَ منذ اليوم… ماذا أفعل بحق السماء لتفهم أنني فعلاً أتكلم بجدية …
طيب. إسمع أنا مستعد فعلاً أن أرسل إليكَ التذكرة, وتوابعها, وأترك القيروان الخرا, التي لا يتناقش فيها إلا أساتذة التاريخ والجغرافيا, وجماعة التنقيبات والنقابات, والمشاكل التافهة, وتعالى بسرعة من فضلك, لتُناقش لي. أيّ صديق من أصدقائي من الشعراء الكبار هنا. فأنت تعرفني لا أصادق إلا من هوّ أكبر مني قدرًا وتمكنًا.
– أفعلا لا تصدّق أنهم بهذا العناد وقوّة الحجّة والموهبة؟؟!!!!
وماذا أفعل يا دين ربّي أنا إذن؟؟؟؟
ماذا أفعل وأنا أحارب أساطين وأعيش مع غيلان…ههه؟؟
ماذا أفعل يا ربي, والتوانسة أبناء بلدي يحاربونني بشراسة, أقصد بضراوة, لأنني أكتب بجنون, وبسرعة،
وحتى المصريين أغلبهم أو أربعة أخماسهم فقط, من أصدقائي الكبار, لا يكلمونني إطلاقًا, ويُناصبونني عداء صامتًا،
لأنني أكتب مثل محراث لا يقف؟؟؟
وهل تظّن مثلهم أنني أكتب يا منصف؟؟
هييه؟؟؟
أبدًا ….قسمًا بالله العلي العظيم أنا لا أكتب, ولا أُبْدع …إبداع خراء.. سأحكي لك طرفة, ليست طرفة, إنما هي حادثة حصلت لي وكل من حكيتها له اعتبرها طرفة. لذلك سأعتبرها أنا بدوري طرفة .رغم أنها حدثت لي.
خلال نصف رمضان هذه السنة, اتصلت بي صحفية تونسية. وسألتني أسئلة بالعربية لتنشرها كحوار في مجلة فرنسية.
كان سؤالها لي ونحن نفطر ونتعشى على مشاهد الذبح وحرق القاهرةسألتني:
– (الكُتَّاب عادة, يشعرون بالملل في غربتهم, هل تشعر أنت أيضًا بالملل؟ نعم. أنا رقنتها جيدًا. هي قالتها… الملل. هكذا قالت. ولم تخطئ وأما أنا فقد رقنت فقط ما قالت.
أجبتها تقريبًا: بمعنى, أنه لدي ثلاثين قناة تلفزيونية, تعرض مسلسلات مشوقة, فضلاً عن شباك غرفتي التي هي في الطابق الخامس.. وهي تعرض أكثر المسلسلات جرأة وقربًا للواقع.
يومها حتى هذه الصحفية التونسية التي تكتب بالفرنسية وتسألني بالعربية لتكتب ملفها بالفرنسية .يومها ضحكت: إذن هي طرفة.
أنا فعلا أفتح شباك غرفتي في الطابق الخامس حيث أسكن يا سيدي… بدل فتح التلفزيون… وأقف. وأسجلّ… فقط
أمشي في الشارع. وأسجّل. فقط
أنظر إلى قطّة مكسورة الجناح تجفل مني… وأسجلّ. فقط
أقول لبائعة النعناع, أمّك أم رقية, صباح الخير يا أمّ رقية.
وأسجّل ابتسامتها. فقط
أسأل سواق المكروباص إذا كان من الممكن أن أدفع له خمسين قرشا حتى آخر شارع الهرم,
وأسجل تدويحة رأسه وجوابه بالرضا الصامت …وأسجّل. فقط
ياااا دين ربيّ… أنا هكذا..خرا.
أسجل في القيروان. الزبالة تصبح ذهبًا آخذ عليه 250 دولار عن ال400 كلمة.
أسجلّ ما أراه عن كلبة قحبة بموسكو إسمها – لايكه – ومحنطة وتافهة ولا تنبح ولا تبول, منذ بداية الستينات.
وأرسل الصور التي سجلتها عبارات, وأرسلها لـ “سيف الرحبي” بمجلة نزوى, فيرسل لي رسالة انبهار, و450 دولار, وأنا في بداية حياتي سنة 1990, في ثاني عدد لمجلة (نزوى) أصلاً… فلا أجيبه. وأقاطعه. ولا أرسل له من يومها أبدًا ابدًا.. أي مقال.
لأن ابن بلدي الصحفي المحترف الذي جاء قبلي بكثير لميونيخ, ويكبرني بخمسة عشر سنة, وصديق سيف الرحبي, قال لي أيامها, في أغسطس 1990, وأنا أقطر خشبًا مبتلاً من غابات روسيا, بأن أرسل لـ “سيف الرحبي” مقالاً من ألف كلمة, وسيرسل لي ستّين دولار…
وحسبتها أنا بالمارك الألماني, فوجدتني سأسكر بها عشرين مرّة.. طبعًا مع دفع كؤوس (البينوكولو) الثلاثة التي لايشربها ابن بلدي, الصحفي المحترف المعتمر على الدوام قبّعة من الجوخ الأسود.
طيّب… ستين دولار عن مقال أكتبه في عشرين دقيقية بخطي الجميل, طبعًا أنت تفهم أن ذلك كان قبل معرفة الكمبيوتر أصلاً
في بيوتنا لا في القيروان, ولا في تونس ولا في موسكو ولا في ميونيخ..
أنا أحكي لكَ من فضلك عن سنة 1990… العدد الثاني من مجلة نزوى الفصلية… التي تصدر مرّة كلّ ستة أشهر…
والتي وصلت الآن بالتاكيد للعدد العشرة مليار بالتأكيد. هل هي أسبوعية الآن؟؟… والله لا أعرف…
رغم أن سيف الرحبي عاتبني بشدة منذ أشهر حين إلتقينا هنا بوسط البلد بالقاهرة, بمقهى ريش, حيث نظمت له
العزيزية “ميسون صقر”, حفل توقيع.. لمجموعته الآخيرة.
احتضنني بقوة وقال لي: عيب يا كمال. عيب.
لماذا لا ترسل لي نصوصك وأنت تعرف أنني أحبها جدًّا. يومها, أي منذ أشهر, أجبته بتبسيمة أنني سأفعل. وربما أفعل.
لكن سنة 1990 لم أكن لأفعل.
في ذلك الوقت, الذي كان “سيف الرحبي” يدفع, لابن بلدي الصحفي المحترف وأول تونسي يقتات من قلمه مائة دولار وأنا الذي عمري 22 سنة ونصف 450 دولار. لم أكن لأفعل. أبدًا.
ليس بسبب أنني ذكي وفطن, وأعرف أن ابن بلدي الصحفي المحترف سوف يحرقني للأبد على صغري, وهو من هوّ: أحد شياطين الحقد البشري كما أنزل… وأيامها مَن أنا؟؟؟ وردة يحملها نهر صوب مصب معلوم… يااااه…ياااه كم عانيت منه وكم ذبحني بعد ذلك! وخلال 17 سنة في مونيخ. هذا البدوي الأحرش الجلف البشع الشرس…. يييااااااااااه…… كم عانيت! وكمّ قطع طريقي وكم حطّ فيه من شوك! وكم كذب ولفّق حكيات قذرة أعطن منه عني! ويااااه… يااااه…لم يشوه أحد سمعتي ولم يعضني ككلب مسعور لمدة 17 سنة كاملة أكثر منه… بل غيره…. يااااه
وكان كلّ الألمان القساة, ومكاتب محامين من اليهود الجاهزين لذبحي بمادّة واحدة… قذف وإساءة لكاتب يقتات على سمعته…. ياااه…
مرّة واحدة تحدثت فيها علنًا, عن مستشرقة عجوز…عروقها زرقاء تكذب وتزور معه, ولا تعرف أكثر من جملتين باللغة العربية،،،،
قلت فقط, ولم أكت، قلت: حرام… لماذا تنشر باسمها دراسات وهي لا تستطيع أن تقول كيف حالك هذا الصباح مثلاً
ولا تعرف منها إلا (كيييف خااالك انت .., مثلاً للتوضيح)،.وأنا في جواره وليس لي غيره وعظمي طري فقط. لا
المهم… في نفس المساء وصلتني رسالة مع ساعي خاص مع أحد أخطر وأشرس مكاتب المحامين الذين يقودهم يهودي معروف بأنه يرفع قضايا ضد من يتفوه بعبارة واحد عن السامية…
كانت أخباره وحدها تجعل المواطن البريئ في ألمانيا يتغوط، ولأنه صديق بشكل ما هذه العجوز المستشرقة الغنية… لم ينتظر للصباح, وبعث لي برسالة…. يا أمي الحنينية أوله يبدأ هكذا بعد ثلاث مواد وبنود:
وأنت أكيد تعلم أنّه سيترتّب عن ذلك, تدميرًا كاملاً لسمعة دكتورة مستشرقة خدمت الشرق خدمات جليلة. وسمعة وقوت ومداخيل صحفي فاضل مخلص لنا ولنفسه
وهو من حقه طبعًا لإجراء مستعجل أن يطالب أولاً بجبر الأضرار المادية التي ستترتب عمَّا قلت وما شوّهت به سمعته خلال هذه السنوات السبع التي تقيم فيها بالتراب الألماني…. وسيترتب عن ذلك بالطبع كل سُند القضايا الأخرى التي سنرفعها, باسم موكلتي وموكلي ابن بلدك الصحفي الكبير…..
يااالهوي: أنا الذي لا أخاف… شعرت برعب،
كان يمكن أن يكلفني ذلك نصف مليون مارك مثلاً…, ابقى مدى الحياة أدفع فوائد عجزها فقط… فقط
هذا جبروت الألمان….لا يحبسون إلا في قضايا قتل أو سرقة
ولكنهم قد يجعلونك تتشبث بهم وترجوهم مخربطًا في مُخاطك ودموعك, أن يشنقوك ويحروقك بدل من برودهم في إرسال عشرات الرسائل الزرقاء المخيفة
والتي تبدأ بعبارة:
بالرّغم من تبيهنا الأخير. فإنك لم تبدي ما يوحي لنا بأنك ستبادر إلى دفع الخطية رقم ءءءءءءءءء المتخلدة بذمتك وقدرها خمسة آلاف يورو بسبب تعمدك إخراج إصبعك في يومءءءءءءء من شباك سيارتك رقمءءءءءءءءءءء وإهانة موكلتنا السيدة:ءءءءءءءءء
ونحن على استعداد لإرجائك مدة 14 يوم أخرى,,,, على أن تبدأ فورًا بدفع القسط الأول من أتعابنا, مكتب المحاماة ءءءءءء المسجل تحت رقم ءءءءءءءء نحن.ووو
وووووووووووووووه
الألمان!! يا ويله من بدأ في مواجهتهم ولم يشتد عوده.
أنا اليوم في إمكاني وأنا صديق 72 منظمة قانونية كبرى في ألمانيا فقط, أن أنيك أمه وأم محاميه جميعًا وأنا أقشر سفرجلة… وليذبح المحامون بعضهم بعضهم لأكتب وأتفرج…. أما في ذلك الوقت… فعليك ليس فقط أن تدفع… وتسكت…لا…الأخطر من ذلك..عليك أن ترّد يوميًّا بلغة محترمة ورسمية على عشرة أو عشرين جهة… رغم أن الشتيمة واحدة… وأنها كانت في مكان واحد… وأنك قلت فقط (والله عيب, هي لا تعرف العربية… وهذا تزوير,) وكنت يومها سكران. والله. يااااه,, ابن بلدي وأول من لذت به… ياااه …قلت في ذلك الوقت, وساءلت نفسي بصوت عال سمعته أنا نفسي. سنة 1990, أقصد.
قلتُ: لماذا يُدفع له عن الألف كلمة, مبلغ, مائة دولار…. ولماذا يدفع لزبّي آنا أربعمائة وخمسين دولارا ؟؟؟؟!!!؟؟؟
مؤاااامرة يعني…
تنكت يعني..
سأبدأ حياتي بالجري وراء الفلوس الخرا يعني..
سأنسى مشروعي العظيم, والذي بسببه أصلاً أنا في ميونيخ, وقبلها في موسكو, وهو كتابة الرسالة لك…؟؟!!!
هل تفهم. كان يمكن أن أصبح بياع… وأبيع مشروعي العظيم وحياتي بـ450 دولار …يا بلاش…لا… يستحيل… والذين ماتوا..؟؟؟…وسنوات الصقيع والوحدة…ماذا أفعل بها
ماذا أفعل بـ سبع سنوات كاملة من حياتي ضاعت
تساءلت يومها ووشرف أمي لم أرسل له غير تلك المرة الوحيدة. فقط، ويبلغني طبعًا أنه يحبني ويسأل دائمًا عني.. محمد المزديوي وحسونة المصباحي وجمال الغيطاني والعديد من الأصدقاء. لكن لا…لا…لا.
ماذا أفعل أنا يا أستاذي الكبير؟؟؟؟
أنا لا أكتب والله.
أنا أسجل مثل كاميرا يابانية متطورة الإمكانيات ولكن باللغة
وبالعبارة الخرا.. أسجل.
ماذا أفعل إذا كنت لا بد وأن أنتبه, مثلاً إلى أن البوّاب عندنا الذي يحرس العمارة الأمي الجاهل, يسعل سعالاً موقّعًا …
وعلى بحر المتقارب,, أي والله.. أبو هاني البوّاب الأميّ الذي يحرس العمارة حيث أسكن هنا قرب تقاطع فيصل والهرم, دين ربّه, تقول له جئني بعلبة
سجائر مرلبورو, وكيلو سكر, ورطل معكرونة, ونص كيلو لحمة كندوز, (عجل يعني) وربطتين بقدونس وربطة نعناع
فيقاطعك، ويقول لك: ــ أديلك رنّة وأنا في السوق يا “باشا”.
تقول له: يا ولدي لماذا؟؟.. تعالي اصعد, وأكتب لك ورقة, فلن تنسي …يقول لي: ــ يا باشا, أصل أنا مابقراش. ماعرفشي أقرا وااااصل.
تسكت لقوةّ حجته, وأنا حديث عهد بمصر وبالقاهرة, وبالبوابين الذين, من ضمن مهمّتهم جلب الطلبيات لسكان العمارة أيضًا (تصوّر..!) ولا أعرف مكر البوابين, وأحبهم وأصدقهم….
و هوّ طيب والله,,, وحتى بعد مرور أربع سنوات ليّ هنا أؤكد لك أنّه طيّب ولا يكذب أبدًا… وجربّته مئات المرّات… بكّل عبقريتي في محاصرته لإمساك كذبة واحدة عليه.. وأبدًا…أبدًا…لااااا يكذب..
لكن قل لي دين والدين أمه… كيف أفسّر ما يحدث منه ومعه:
ـــ كلّ صباح, حين أنزل الفجر لأتجول جولتي اليومية قرب الهرم, أمر على غرفته الجاراج في الأصل في الطابق الأول،
عند الباب الرئيس في الأسفل… وأسمع دين أمه ..كل يوم…
كلّ يوم.. كلّ يوم منذ أربع سنوات يسعل هكذا وهو يبصق البلغم:
)أُحُوحُنْ… أُحُوحُنْ… أُحُوحُنْ… أُحُونْ…)
والله العظيم ثلاث…هكذا دائمًا لا يغير النغمة…. كييييف؟؟؟
ألم تقل لنا أنتَ نفسك, بأنّ بحر المتقارب, حبيب الشعراء…
وأن دربكته ونغمته لا تتغير وهي (فَعُوْلُنْ فَعُوْلُنْ فَعُوْلُنْ فَعُوْلُ؟؟(
وكنت لا تتعب من ترديد مثالك المحبب من الجوزية وبيتك المفضّل, الذي تستشهد به :
عَنِ الْمُتَقَارَبِ قاَلَ الْخَلِيْلُ ** فَعُوْلُنْ فَعُوْلُنْ فَعُوْلُنْ فَعُوْلُ@هل تذكره, ذلك الذي نصفه إخبار ونصفه دربكة. أقصد
طيب بماذا يسعل هذا البواب الخرا؟؟
أليس سعاله هذا الذي نقلته لك حرفيًا على نغمة بحر المتقارب؟؟؟؟؟؟!!!!!
وحتى لو افترضنا أنه مصادفة صوتية,,,, تقاطعت فيها موسيقى الشعر السامية مع صوت بُلغم أبو هاني البواب الأميّ مصادفة… طيب… لكن فسّر لي لماذا لا يتنخّم أربعة مرات (أُحُوحُنْ… أُحُوحُنْ… أُحُوحُنْ… أُحُوحُنْ (
فيكون كلامك والله معقولاً… ونقول مصادفة ونغلق ربّ فمنا الزبالة الملحاح …لكن كيف تفسّر أنه يبلع الحاء – الحرف – المتحرك, قبل الأخير ليتحصل على نغمة المتقارب بتطيير المتحرك قبل الأخير مع المحافظة على ايقاع الصامت الخاتم…كييييف؟؟؟
كنت سأجنّ في السنة الأولى …وكنت أتلصص عليه وأبقى أحيانًا ساعتين واقفًا, عامل نفسي أنتظر أحدًا…لا والله …في المائة مليون ربّ مرّة التي سمعته فيها لم يخطئ خطأ واحدًا…إطلاقًا… دائمًا هكذا: (أُحُوحُنْ… أُحُوحُنْ… أُحُوحُنْ… أُحُونْ……)
وأنا لا يهمني من هذا الخرا كلّه سوى الحاء قبل الأخيرة في إيقاع وصلة (أُحُوحُنْ…) لماذا أصبحت بقدرة قادر (أُحُونْ)؟ وأين طارت هذه الحاء الأخيرة من فضلك؟ ولماذا لا يخطئ أبدًا…؟؟
وإذا صحّ أنه يبصق ويتمخّم بالسليقة،
فلماذا توجعون ربّ رأسنا وتحشونه بهذه القواعد الخرا… التي لا علاقة لها بالشعر …بل هي لعبة وصناديق اخترعها أناس أولاد مأبونة قحبة، لأنهم لم يجدوا شيئًا آخر يلعبون به غير خصييّهم المتورّمة, فقالوا: هات نلعبو لعبة الدربكة….
ومع الوقت أصبحت الدربكة أهم من المعني …
يا أمي الحنينة كم تعذبت هنا في القاهرة, في البداية….
بعد ذلك بستة أشهر, عرفوا أن بليتيَّ (يعني خصيتيّ, باللّهجة البافارية القديمة) نُحاس
فلم يعودوا يخيفونني.
بالعكس.
أربعة أخماسهم لا يكلمونني الآن إطلاقًا بدون سبب. فأنا مهذب جدًّا جدًّا في النقاش معهم, وفي الحياة أصلاً. وأدفع كل الطاولة كما تعرفني. وراقي في كلامي خارج النص,,, ولكن ماذا تفعل؟ لا يريدون أن يكلمونني مثل زمان. بل ضحوا بالطاولات التي كنت أدفع ثمنها, وبالكتب التي كنت أهديها مجانًا. وبالنكت التي كانت لا تنقطع عن لساني. نكت جميلة وعميقة. لكنها مهذبة. ولم أرفع عيني في وجه شاعرة وأنا أخاطبها. ولم أزنى. ولم ألوّث نيلهم, ولم أنافسهم في جريدة أو مقال أو نشر أو ضيقت عليهم في رزق. بالعكس…لا أنشر تقريبًا إلا مرتين في السنة. ومجانًا في أخبار الأدب, التي كان جمال الفيطاني يدفع لي أكثر من أي كاتب عربي كبير جدًّا حين كنت في ميونيخ بألمانيا. بل إنه بملف واحد أنجزته له من عشر صفحات عن اللغة بين ضفتين. اشترى لي اشتراك مدى الحياة للجريدة التي تصلني حتى هذا اليوم لميونيخ. ومن مالي الخاص. أقصد من مبلغ فقط أتممته له في ثلاثة أيام.
ولم أترك شاعرًا ألمانيًّا عظيمًا على قيد الحياة ويتقاطع مع الشرق لم أذكره فيه.
هكذا أنا…. خرا…. والآن أتلفن للصديق الثوري محمد شُعير, الذي يتولى هذه الأيام ومنذ شهر, مسؤولية رئيس تحرير الجريدة،
مستأذنًا منه أن أكتب مقالاً, يخصص له صفحة لأصالح بين أشرس خندقة عرفتها كواليس القاهرة, وأعني الكراهية بين شاعرالعامية/ العصامي الفذ السعدني السلاموني, وعمّو (نسيت اسمه؟؟…)…. آه…. عمك عبد الرحمان الأبنودي, (الخال)، فيجيبني سي محمد شعير, متحرجًا والعرق ينزف بغزارة منه من الحهة الأخرى للمكالمة, ويقطر على خدي في الهاتف الجوال.
يقول لي بالحرف الواحد: (يا أستاذ كمال, والنبي تخرّجني من الكارثة دي… يا لهوي) …..وأنا أعرف أن سي عبد الرحمان الأبنودي ممكن يعزل وزير الثقافة نفسه، وينصب مكانه أبو هاني بواب عمارتنا الذي يسعل على بحر المُتقارب…. أنا أعرف…
لكن هذا لا يبيح له ألا ينشر نص (في الشكوى من عشق القاهرة) الذي أرسلته إليه منذ شهر ونصف… وقال لي حين هاتفته وسألته عنه:
ـــ يا أستاذ كمال, الوضع الذي أنا فيه عرفي.. وصعب… ورئيس التحرير الذي عين في عهد الإخوان في أجازة. والثورة…. ومصر…. وأظن نصوص… وبعدين… ثم…. كمال فين ترجمة علي مصباح التي وعدتني بها… وأنا أريد أن أقول له: أن سي علي مصباح وعدني فعلاً… ولكن ها هو بدين ربه وبدون سبب أغلق صفحته في وجهي… لأنني أردت مناقشته في عبارة لنيتشه… يعني حتى لو كان نيتشه نفسه حصل لي معه سوء فهم،
وأردت أن أناقشه في عبارة فقط, لكان أغلق دين ربّ فمه واستمع لي … ولم يكن ليغلق صفحته في الفيسبوك في وجهي .. أبدًا…
لكن سي علي كاثوليكي أكثر من البابا نفسه… ويدافع عن سي نيتشه متع زبي بشكل يظنه وفاء ونبل, وأنا أراه طحين وقحب.
ولكن هات لي كيف أفسر لهم… امممم…. طيب يا سي منصف. أنييك نفسي انا؟؟…. نرمي روحي من الطابق الأول باش تتكسّر رجلي مرّة أخرى أو أجرح؟؟… ماذا أفعل..؟؟… قل لي ..قل لي ماذا أفعل معهم لكي يفهموا؟ و لو شئت لنكت دين ربّ أمهم وفوّرتهم في ثلاث فقرات… لكنني راجل. وقيرواني. وأراعي العشرة… وطيب بالسليقة …ماذا أفعل بحق دين السما… ولو اعتكفت عن الناس كلّهم في ألمانيا, ولم أزد على التسجيل فقط, لركعوا لي جميعًا سجدًا… ولماذا لا أترجم ربع نص واحد بالألمانية,,, وأنشره في السودوتش تسبايتونغ أو في مجلة شبيجل… لآكل عسل بدين رب مقال واحد من 500 كلمة في الشهر؟؟؟… لمممماذا أنا هكذا عنيد وخرا… لماااذا؟؟؟…. وسيب الآن زبي…لا تنظر إلي هكذا…. اغضض ببصرك…
أنا لا أبكي…هذه دمعة لا تحسبها عليَّ… فأنا قيرواني… ودمعي ماس نادر.
وصدقني ربما أنا أغالي … ربما يكون هناك سبب آخر…
أتظن أنها ربما رائحة إبطي مثلا؟؟؟ ..
لا والله, ليس لي رائحة لا في رجلي ولا في فمي ولا في إبطي…
والجميع يقولون أنه ينبعث مني شيء كالطيب والبخور الإلهي …
وعشيقاتي الروسيات حين كنت في العشرين كان يغمى عليهن من الوجد بمجرد أن أقلع قميصي فقط
ويتهاوين كفراشات مؤمنة بين ذراعي وهن يرددن (أوووتشن بركراسنيا.. شتو إيتا.. شتو إيتا.. بوجا مايا؟؟)
(وتعني هذا شيء فاتن.. بديع.. ماهذا..؟ ماهذا يا إلهي؟)، وكان لي في الأسبوع الواحد أكثر من عشر عشيقات, ولأنني أعاف فلا أفتح لواحدة مرّتين أبدًا,,, أبدًا….
إلا مديرة المبيت… ولم يكن غايتها مني النيك… لقد شرحت لكَ سابقًا… باريسا ألكسندروفنا…. وقسمًا بجاه ربي لم أنك عربية لا في روسيا ولا في ميونيخ إلا زوجتي وأم ياسمين ابنتي بعقد شرعي ومسجل ببلدية المرسى والقنصلية وعند محكمة ألمانية…
ولن, ولم أقترب من امرأة عربية إلا في الحلال… والحلال الكااامل حسب مجلة أحوال شخصية وقوانين بلدان راقية وليس عن طريق زنا بورقة من محامي عرفي.
وفي هذا ربي شاهد علي،
ونصف الكاتبات العرب, كنّ يغازلنني ولم أكمل الثلاثين… ولكنني كنت أتلعثم… وأهرب منهن فيهن بنصّ عنهن ولهن,,, فيسكتن، وأكثرهن وقاحة وجرأة وقحبًا كنّ تظنني مأبونًا ولا أستطيع ربّما,,, خاصة من التقي بهن في المهرجانات في تونس وغيرها… وأنا فحل.. ورجل… بل بعشرة رجال مجتمعين من خيرة الفحول الفحوووول… لكنني خجول… ولا أخون…
ونساء العرب وراءهن كسر وعقد وعطانة حكايات وحبّ قاتل يكتفك للأبد ولا تخرج منه إلا بعاهات, وأنانية وانكسار رجل أو أخ أو قريب لها، …وودين ربي اقطع قضيبي بشفرة حلاقة ولا أغمسه في عربية إلا بالحلال…
وما أقل زهدي في الزواج… أنا الذي تزوج مرتين فقط رسميًا وعرف مئات ومئات لم أعاود مع واحدة قط…
أموت لو عاودت, حتى لا تعلق بزبي وتتعبني. أنا الذي تزوج مرتين فقط… واحدة ماتت, وهي أم ياسمين نور عيني ولم يستمر زواجنا سوى أربع سنوات
قبل ان يناديها الله… والثانية أحد أجمل زهور هذا البلد, وكلهم يعرفون وهي حقيقية… مخلصة حدّ العبادة للعمل ولبيتها وزوجها وابنها… وهي قمّة من قمم الإبداع الإنساني والعمق الكافي غير المؤذ, لا في الخير ولا في الشرّ… وهي التي يتمناها الملوك والفراعين…… ويعلم ربيّ أنني لم أقبلها حتى ولم ألمس يديها إلا بعد الزاواج الشرعي والرسمي والمسجل ببصمة عاشرة من كلّ زوج. بعد زواج حضره أخوها وابنها وابنتي ياسمين التي جلبتها خصوصًا من ميونيخ… وكان ذلك سنة 2010… رغم أنها رفيقتي وصديقتي وعزيزة على قلبي منذ عام 1988…
وكنا أفضل زهرتين في موسكو كلّها, في التخاطر الإبداعي وغزارة القراءات والعمق….
وهي جوهرة هذا البلد الذي لم يعد أمينًا…, وهي النقية السريرة رغم قسوة عملها الذي يحتم عليها أن ترى وجوههم الكالحة المنافقة الشريرة التافهة الحقيرة الوضيعة, وأعني نصف كتاب هذا البلد الذي لم يعد أمينًا…. وهي لؤلؤة… حقيقية, لكنها بين قوم لا يستحقون، والأصح إلا قلّة قلّة مثلما هو الحال عندنا أيضًا مع نصف كتاب بلدي.
ولم يحدث خلال الـ 22 سنة من المعرفة, وقبل زواجي بها منذ أربعة سنوات فقط, وقبل الثورة بأشهر قليلة, لم يحدث أن قبلتها في غير جبينها مثل ياسمين ابنتي… أبدًا.. أبدًا…. رغم أن النقاش كان يأخذنا للصباح في بيتي. بموسكو… بيتي غير الطاهر والحق يقال… ولكن كانت لدي غرفتان اليمين للعابرات اليوميات, والغرفة اليسار لأحبتي وللغيلان. وللشعر… ولم أكن ابن قحبة لأخلط هذا بذاك… أبدًا… أنا القيرواني النقيّ صاحب المبادئ التي ممكن أن تقتله, ولكن لا يغير هباءة منها… أنا ابن اروع ملاك طاهر. ابن أمي أيضا. فضيلة العيادي زوجة مصطفى العيادي القيرواني… أحد كنوز الدنيا التي اختار ربي ان تُدفن ولم يكمل الثلاثين بعد… أبي الذي تركني وأنا في الخامسة من العمر, ولبى نداء الله, عبر شاحنة تافهة حقيرة, أخرجت مصارينه أمامي ورأيت عبر جسده الممزق أمامي وللمرة الأولى, شكل القلب البشري. وكان ينبض بشكل غريب كأنه ينفخ, رغم الحديدة المدببة من القصدير التي رأيت نصها الملطخ بالدّم والمغروزة في شطره الأسفل.
لماذا إذن..؟؟؟
ربما ….
والله لا أعرف… لا أعرف… عبقريتي في التحليل تخونني…لا أعرف. وهم إطلاقًا لا يحييون في صفحتي ولا يعلقون منذ بدأت نشر نصوصي… قبلها أنشر لهم خرا في السنة الأولى فيتجمعون بالمئات… لمجرد أنني كتبتُ مثلاً:
ارق… ولا أدري من استدعي لمُنادمتي في المنام…
يعني أي شيء… خرا… صورة… فيديو فيه تمساح يبول…أي شيء.. هل رأيت في حياتك تمساح يتبول..؟
آه… مهم…. لكن ليس لدرجة أنهم يُليكونه سبعمائة مرة…. وأكثر والله. نصف الألف تشيير ومُشاركة. أصبح عندي عادي… خاصة في نصوص التقوحيب والترشح للرئاسة والبيانات الساخرة الأولى… أقلّها 450 تعليق وتشير وتلييك ومثلها على بريدي الخاص، وحين بدأت أنشر ملاحظاتي وشويّة أدب وبعدتُ قليلاً عن قلة الأدب…
عادوني كلهم تقريبًا… وأصبح حدث أن تجد عندي ثلاثة تعليقات… أي والله .وأنا أكتب لهم ما لم تره أعينهم ولا خطر على بالهم, لإفادتهم هم… هذا كلّ ذنبي
وحين شن أنصار الإخوان حملة شرسة على صفحتي
وصاروا يقولون لي يا بن المتناكة بِتكتب ليه على مصر؟ …إييه دخلك أنتَ يا خول؟
واضطررت أن أكتب بيان النسب..
هل سمعت ببيان النسب الذي نكت فيه دين أم أولاد القحبة الذين كانوا يراسلونني يوميًّا أيامها بالعشرات من مؤيدي الإخوان،
أيام أحداث رابعة؟؟
لم تقرأه؟؟؟ كيف؟…. هذا أهم وأخطر بيان كتبته في حياتي.
طبعًا لم يكتب لي ولا واحد …
ولا أي أي أي واحد من أصدقائي في مصر كلمة وااااحدة مساندة بعد نشره، ولكن وصلتني عديييييييييييييد الرسائل من فرنسا أغلبها من تونسيين فرنكفونيين، وكلها بلهجة واحدة
ـ يا خائن. كم نحتقركَ!
هل بهذه البساطة تيبع نفسك لمصر؟؟؟
وطبعًا بعد كل رسالة بصقة. وإلغاء صداقة….
أو بلووك.
يعني بقيت مثل بيوم التونسي .الله يرحمه، مِتناك من تونس.و مُناك في مصر.
مصيرنا والله متقارب حتى إنه ثمّة من قال أن سخريتنا المرّة, تغرف من نبع متقارب، هو برجه الشعر. وأنا برجي السرد. ثرثار لا أسكت.
وكم نحفت من النقاش معهم هنا يا أستاذي… ووووووه
وحوش بتوع نحو .وبتوع عروض أيضًا .مرّة استدعيت واحدًا عاااااااااااااديًا جدًّا منهم.عنده ثلاثة دواوين (نثرية) تافهة…
وقلت له مازحًا, وهو يأكل معى, وفمه محشو بالمحشي.
قلت له, محاولاً شعرنة الجملة, بمرح والله ولا أقصد شيئًا… أمزح…. ككل عباد ربي… وانا أصلاً لغتي شبه موقعة هكذا بدون دربكة. قلت له:
(وَإِذَا أَكَلْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عَنْ مضغ…).
فتوقف فورًا عن الأكل, وقال لي :
الأفضل أن تختمها بعبارة (شذًى) وليس (مضغ!!!)
وحين نظرت إليه مستغربًا, لأنني لم أفهم, إزدرد نصف الكوسة المحشوّة بالأرّز ومسح يديه في (غطاء) الطاولة وبدأ يدربكها لزبيّ على الطاولة…
تك-.تك-.تك—.بوووم—.تك-.تك-.بووم
سألته بذعر:
ــ (فيييه إييه يا عمّ الحاج؟)
فردّ عليَّ بدهشة لا تقلّ عن دهشتي قائلاً:
ــ لأن عبارة (مضغ) التي قلتها في آخر الجملة الحلوة التي نطقت بها الآن, تسيء للإيقاع، لكون صدر هذ الضرب من بحر الكامل, كما تعرف, عَرُوْضه الأولى تامة صَحِيحَة
وعقب متأسفا:- (رغم أنه بصراحة, يجوز فيها الإِضْمار والوقص والخزل) في أضربه الثلاثة كلّها،
بل يجوز فيه ما يجوز في عروضه يا كمولة, فهي مُتَفَاْعِلُنْ— مُتَفَاْعِلُنْ— مُتَفَاْعِلُنْ، والأولى سالمة, أي المتفاعلن الأولى, والثانية سالمة, وأما الثالثة فهي صحيحة, وتُقبل، لأنك قلتَ: (وإذا أكلتُ) وأنت بدأت جملتك باستحضار واو العطف على كلام لم أسمع سابقه, بصراحة، ولكن لا علينا، فأنت بدأته بحرف الواو الدال على ربط بمسبق كلام, ثم قلت أكلتُ, وهي في الحقيقية (أكلْ) فقط بضرورة تسكين اللام،
أما الـ (تُ) الأخيرة المبتورة للضرورة, فتلصق مع مُتَفَاْعِلُنْ الثاني, لنكون (تُ.. فما أقصْ).
وبالتالي المُتَفَاْعِلُنْ الثالثة الضرورية لتكون جملتك موقعة, تتطلب يا كموّلة (تك. تك.تك. بووم. ثم تليها تك. تك. بوم فقط)
وحين تقول كما سمعت منك (مضع) تتلخبط, وتكون ضعيفة،
لذلك من الأحسن أن تجد لها عبارة تستقيم مع الدقات الثلاث والبوووم والدقتين ثم البوووم الأخيرة.
مثل عبارة ( شذًى), وليس عبارة(مضع), وبذلك, يا دار ما دخلك شر …وتعطي للكامل حقه, وأنا أفهمك.
وأن لم تكن العبارة دقيقة, فأنا طبعًا سأعذرك, لأنك كنتَ محصورًا بضرورة شعرية مُلّحة, ولم ترض أن تفسدها بزحاف أو علة..
وهذا هوّ المهمّ.. وخاصة مع الجمل التي تخرج على دبكة بحر الكامل يا أبو الكوامل.. وهو من اسمك أنتَ نفسك.. فعيب أن يكون اسمك كمال العيادي, وتقول (مضغ)
بدل الدقات الثلاث والبوووم والدقتين ثم البوووم….
لأنّ الكامل سمّي بالكامل, لكماله في الحركات؛ ولا يجوز إذلاله بعبارة خلاسانية لقيطة لا أصل لها في موجه،
فهو أكثر البحور حركات, ومفتوح, وسهل وجود آلاف العبارات, إذ يشتمل على ثلاثين حركة، كاملة
ولأنه كمُل عن الوافِر الذي هو الأصل في الدائرة، يعني أبوه تقريبًا, أو جدّه, إذا أردت, ولكن أَضْرُبَهُ أكثر من أضرب غيره
من البحور الباقية الأقل نبلاً, وليست من الدم الأزرق للشعر،
ووالله يا كمال العيادي, وصدقني أقولها لك بصراحة, رغم أنني مختلف في هذا مع صديقي المتمكن أيضًا (عبد المعطي حجازي)
والله يا كمولة الغالي, لا يوجد بين بحور عمّك الخليل بن أحمد, أي أيّ أيّ وأكررها, أيّ بحر له تسعة أضرب سوى الكامِل.
بل ثمة من يوشوش بأنّ أدونيس وجد ضربًا عاشرًا ولم يذكره في كتابه الثابت والتحولّ حتى يتباهي به على محمود درويس الله يرحمه، حين يتقابلا مع الدكتور عادل القرشولي في لايبزيج أو في معرض فرنكفورت للكتاب .ولما مات. إدعى أن الحكاية إشاعة. وسكت سكون الطبل حين يرمى في قبو مليئ بالصوف. وضاع علينا ضرب عاشر ممكن في بحر الكامل.
ولذلك يا كموّلة يا غالي… البحر الكامل جميل وفتنة وهي والله بحر من صلب بحر …وبحر فحل فعلاً, وهو كما يقول الشاعر الفُطَحْلَلُولْ:
كَمَلَ الْجَمَالَ مِنَ الْبُحُوْرِ الكامِلُ ** مُتَفَاْعِلُنْ مُتَفَاْعِلُنْ مُتَفَاْعِلُ
يومها يا منصف…. قسمًا بالله العظيم, لو لم يكن في بيتي. وهو ضيفي, ولو لم تكن معه زوجته, لقمت له وتفحشت فيه واغتصبته وهو يمضغ الكوسة.
أقسم بالله. حتى ولو كلفني ذلك ثلاث سنوات ونصف سجنًا،
كما تنص عقوبة إغتصاب شاعر نثري سنه فوق الثلاثين في هذا البلد الذي أحبه بصدق. لكنني أحيانًا لا أفهمه.
وقد حاولت. والله شاهدي.
أربع سنوات وأنا أحاول هذا عني أنا, أنا كمال العيادي العبقري. تلميذك يا سيدي. فما بالك با بن قحبة مستوى ماجيستير أو دبلوم صناعي من تونس أو فنان موسمي ويقول لك أو تقول لك: أنا فهمت المصريين أوووييي.. أويييي..(آحاااا) (وعبارة أحاا هذه صوتية بذيئة يستعملها المصريون مع شخرة للتدليل على منتهى استخفافهم بما تقول. وأنهم منتبهون لدين أمك. ليس دين أمك أنت. ولا أي دين. وإنما هكذا. معرض حديث. فأنا وعدتك اليوم
أن أكون مهذبًا… مهذبًا جدًّا… رغم أنه صعب… صعب جدًّا في مصر بصراحة.
أكتب لك الآن وتصلني رسالة من الصديق د: شاكر عبد الحميد, يكتب لي فيها أنه يتابع بشغف ما أكتب… يومًا بيوم… يااااه… أحبتي الكبار المخلصين. السعدني السلاموني الشاعر الشرس البوهيمي ونجار السواقي الذي تعلم القراءة وعمره فوق العشرين… والشاعر الإنسان أشرف عامر أنبل ما فيك يا جمهورية مصر العربية. وحمدي الجزار الرقيق النقي العفيف, ود. شاكر عبد الحميد.. أروع من عرفت من مثقفين كبار كبار. مِن درجة الغيلان، وهو دائمًا يؤازرني ويشجعني عكس كل كتاب بلدي. و يموت عليَّ ويحبني جدًّا جدًّا،
ياااه الدكتور شاكر عبد الحميد, العلاّمة الفذ الذي كان وزيرًا للثقافة لا تعرفه؟؟؟؟ كييييييف؟؟؟ يا راجل, لا تقل لي مرة أخرى أنّك لا تذكره بدقه, هوّ يعرفك جيدًّا جدًّا, ويعتبرك علامة من علامات تونس الكبرى. والله العظيم.
….دكتور شاكر يا رااااااااجل, د. شاكر عبد الحميد سليمان, من أقرباء أجدادي العيايدة, وأصيل وراجل
وطيب أكثر من اللازم مثلي أنا ومثل كلّ الصعايدة الرجال الحقيقيين النبلاء, الكرماء, المتواضعين, غير المفهومين، وهو مولود وبرج الجواز مثلي تصوّر, لكن سنه 1952, يعني أكبر مني في الحقيقة, بخمسة عشر سنة كاملة،
لكنه أقرب اصدقائي الذين أحبهم جدًّا جدًّا هنا في مصر.. لأنه لا يتخوبث, إطلاقًا, صريح مثلي وعميق, وطيب.. دين ربّ هذه الطيّبة…
يا راجل أكيد سمعت به رغم أن الأخبار المحلية في تونس, بعد عَملة البوعزيزي وفرار ذلك الجرذ البوليس السكير زين العابدين الخرا… قد شوش إمكانية المتابعة, يا سيدي, هّو أيضًا, أعني الدكتور شاكر, كان علامة كبيرة في النقد, ولكنه
لم يكن يظهر إطلاقًا في التليفزيون, فلما جاء عمّك كمال الجنزوري, (نادر اسم كمال في مصر, لكن حين تجده فثق أنه مهم)
قلن لما جاء عمّك كمال الجنزوري رئيس الوزراء بعد الثورة, وكان اشتغل نفس المنصب قبلها
(شوف المعدن الأصيل كيف أنه مطلوب في كلّ الأزمنة والظروف), لمّا جاؤوا به محمولاً على أعناق شباب الثوار العباقرة، من الذين يعرفون من هو الرجل والمتمكّن, ومن هّو الكلب ولد القحبة, قال لهم: جيبولي دكتور شاكر عبد الحميد فورًا… فورًا.. قال لهم: لأن مصر كانت في أشد الحاجة لمصريين حقيقيين لا يتقوحبون, ولا يبيعون مصر… وفعلاً والله, جابولوا سي شاكر عبد الحميد, وكان المسكين عايش بهدوء ووقار العلماء ويحلف طلبة أكاديمية الفنون باسمه, لأنه كان يدرّسهم مادة سمها – علم نفس الإبداع.. أي والله، اسمها هكذا, وبدون الألف واللام اللازمة للنفس. وقبلها عمل أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للثقافة ثم تولى منصب وزير الثقافة بوزارة كمال الجنزوري في ديسمبر 2011،
وهو كان أستاذًا لعلم نفس الإبداع – أكاديمية الفنون المصرية كما قلت لك. وكان الرجل, صاروخ, قبل توليه الوزارة
ولكن بعيدًا عن الأضواء… ناك جوائز خطيرة ومهمة مثل جائزة شومان للعلماء العرب الشبان في العلوم الإنسانية
التي تقدمها مؤسسة عبد الحميد شومان بالمملكة الأردنية الهاشمية عام 1990.أو 1991 والله نسيت.. وناك جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية – مصر – 2003. وجائزة الشيخ زايد للكتاب في مجال الفنون -2012 عن كتاب الفن والغرابة… والجميع يحترم قلمه حد الخشوع.
انتظر… هاهي كتبه في جوجل… حتى مسجل لا يقدر على حفظها كلها… كأنه عايش من عهد طه حسين. لا أدري متى كتبها كلها. هذا العبقري الذي لم تكتشفه المكتبة العربية ولم تستفد منه جامعاتها كما ينبغي بعد…. انظر… وجدت لك القائمة….هذه قائمة قديمة… زاد عليها أكيد عشرة أو عشرين كتاب… أعرفه…جن. أنظر يا سيدي يا بن سيدي: هذه كتبه:
• العملية الإبداعية في التصوير ـ الكويت ـ سلسلة عالم المعرفة ـ العدد 1987، 109.
• السهم والشهاب (دراسات في القصة والرواية العربية) ـ القاهرة وطنطا ـ مصر ـ مطبوعات الرافعى، 1987
• الطفولة والإبداع (سلسلة في خمسة أجزاء) صدر عن الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية ـ الكويت 1989.
• في علم النفس العام (بالاشتراك مع آخرين) ـ القاهرة ـ مكتبة غريب 1989.
• دراسات نفسية في التذوق الفنى (كتاب يشمل على ستة أبحاث حول تذوق الأدب وتذوق الفنون التشكيلية، إضافة إلى مقدمة نظرية)ـ القاهرة ـ مكتبة غريب 1989.
• الأسس النفسية للإبداع الأدبى في القصة القصيرة خاصة ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1993.
• الآثار السيئة للمخدرات من الناحية العلمية ـ مكتب التنمية العربى لدول الخليج ـ الرياض 1993.
• الأدب والجنون ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ القاهرة 1993.
• علم نفس الإبداع ـ القاهرة ـ مكتبة غريب 1995.
• المفردات التشكيلية ـ رموز ودلالات ـ القاهرة ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ مصر 1997.
• الاكتشاف وتنمية المواهب. 1995، القاهرة : الهيئة العامة لقصور الثقافة.
• الحلم والرمز والأسطورة. القاهرة ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998.
• دراسات في حب الاستطلاع والخيال والإبداع بالاشتراك مع أد. عبد اللطيف خليفةـ القاهرة. دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع 2000.
• التفضيل الجمالى ـ دراسة في سيكولوجية التذوق الفنى ـ الكويت سلسلة عالم المعرفة ـ 2000.
• الفكاهة والضحك ـ سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت ـ يناير 2003.
• عصر الصورة، الإيجابيات والسلبيات. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- سلسلة عالم المعرفة، يناير 2005.
• الفكاهة وآليات النقد الاجتماعى (بالاشتراك). القاهرة. مركز الدراسات الاجتماعية بجامعة القاهرة 2004.
• آليات الإبداع ومعوقاته في العلوم الاجتماعية. القاهرة أكاديمية البحث العلمى. (2007).
• الفنون البصرية وعبقرية الإدراك. القاهرة: العين للنشر، 2007 وطبعة خاصة من مكتبة الأسرة.
• الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي. الكويت: سلسلة عالم المعرفة 2009.
• الفن والغرابة. القاهرة: ميريت للنشر والتوزيع 2010 وطبعة ثانية من مكتبة الأسرة 2010.
• الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب ـ سلسلة عالم المعرفة ـ العدد 384، يناير 2012.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
يا دين ربي… نسيت علي مصباح وهاك الكلب المأبون نيتشه.. سامحني يا أستاذي الجليل…
أخذني الكلام .وبصراحة من هو هذا نيتشه الخرا, أمام واحد حقيقي أفاد المكتبة العربية مثل الدكتور شاكر عبد الحكميد..
صديقي الجليل المتعبد في محراب البحث والخير والجوهر والتنقيب عن المعنى والأسباب والعلل واستخلاص شهد النتائج لنا… نحن العرب متاع زبي. تفففوه.
من هو أمامه هذا الخرا – نيتشه – الذي لم نعرف منه إلا عبارة (الإنسان الأعلى) وعبارة (موت الله)…. وكلاهما وجاه ربي ترجمات خاطئة وتافهة…
وغدًا أبدأ بدين زبور أمه مباشرة..
اليوم تعبت…
أواصل فجر الغد
سأكتب لك غدًا الفصل الخامس عشر والأخير (مما سأنشره في صفحتي) وأكمل الـ (16) ورقًا, وبألمانيا، وببيت صديقي باتريك زوسكيند…. وأصدقائي الكباااااار الكبااااااار من المستشرقين والألمان والروس الذين يعيشون بكبرياء في أروروبا، لأنها ستقوم الدنيا ولا تقعدها أبدًا… أما الآن فأنا أكتب من محل النت هذا بمنطقة الهرم…
بعد ذلك… سأكتب لك من بحيرة (شتاببارغ زييه Stambeger see بمونيخ…ومن زوولن ( Solln) زولن الهادئة
…يااااه. تعبت… وأنفي بدأ ينزف
ينزف بقوة هذه المرّة.
(كمال العيادي – مكتب القاهرة).

الفصل الخامس عشر
نادى العباقرة الأخيار
( 15 من 31 فصل)

ملاحظة: (هذا هوّ آخر فصل ينشر إلكترونيًّا… بقية الفصول الستة عشر تقرؤونها كاملة 31 فصل في الرواية الورقية بداية من يوم 28 فبراير 2014 بكل المكتبات العربية الكبرى في نسختها العربية الأولى).
مدخل لا بدّ منه للنور:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الأَبْصَارِ (44) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ,,,,,,,,, (الآيات: (43) – (44) – (45) من سورة النور)

@@@@@@@@@@@@@

هذا الفصل تحيّة لأروع قارئة: الغالية جيهان أحمد التي سأعود لها مع نائلة الجليل في الفصل 27 الورقي, وإلى مجنونة الجليل, نائلة الخطيب, صديقي السوري بصلو فرج, النبيل الجميل العذب النقي, وإلى صديقي الأردني باسل سيد آل شُبيل الأردني…. وإلى أروع وأصدق وأنبل روح شفافة تتابعني بحنان وإشفاق من بعيد: أختي وبنت أميّ الكاتبة الحقيقية التي تذبحُ منذ ثلاث سنوات من طرف عصابة الأشرار غير الموهوبين في الأراضي المحتلة, إلى شقيقة روحي وبنت الله النقية الجوهرة: أنوار أيوب سرحان, صاحبة مجموعة الأفعى والتفاح التي منحتني شرف تقديمها منذ أربع سنوات…. شكرًا لكم. شكرًا يا أحبّة….. ياااااااه…. شكرًا .
أين وصلنا يا رفاق في رحلتي العجيبة….؟؟
لن تتوهوا أبدًا, طالما أنّكم رميتم فعلاً بآلات التصوير اليابانية التافهة, كما طلبت منكم…
كونوا أنفسكم ما استطعتم, و كونوا عدسات أعينكم, وتلصصوا ما شئتم, فكل ما سترون بعد ذلك بديع.
وسنعود معًا للقيروان طبعًا، وسنعود للقاهرة بالتأكيد، وسنعود لموسكو, بلا شكّ، وحتى لأدغال ميونيخ وبرلين وباريس سنعود، هذا أمر مفروغ منه. وأعدكم به منذ الآن…
ولو شئتم أن تأخذوا عليَّ المواثيق لفعلتُ بدون تردد, ولأمضيتُ لكم على بياض ولبصمت لكم في اللازوغلي وعند كّل عدول التنفيذ أنني سأفعل، بل هاكم أكثر…. أقسم لكم بالله العلي العظيم, أنني سأفعل لو شاء هوّ ومنحني العمر والصحّة والإلهام حتى أكمل معكم هذه الرّحلة القحبة.
لكن اسمحوا لي الآن, قبل الوعود والخراء…. أن أكمل مع هذا العلي مصباح البرليني وعبارة الصرم وثقب الطيز, فهذا ضروري جدًّا بالنسبة لي وخاصة وأنه مرتبط ببقية الرحلة وسيتواصل بالطبع, كما من المؤكد أنّكم خمّنتم حتى الفصل التاسع والعشرين من روايتي ورسالتي ورحلتي… التي أردتها في 31 فصل فقط…
وانتَ يا أستاذي الشاعر الدكتور المنصف الوهائبي… لقد وعدتك أن أنتقى لك عباراتي, حين أتوجه لك بالخطاب, وأن أكون مهذبًا ما استطعت إلى ذلك (سبيلاً, وسلسبيلا), طبعًا, في كلّ ما تبقى من أجزاء الرسالة, وسأوفي بوعدي, وأنتَ تعرف أنني مخلص لنفسي ولا أعد جزافًا, وفضلاً عن ذلك, فغيظي خمد, ومرارتي وإن لم تصبح سكّر محلّل, وإن لم تتبخر كلّيًا في السديم, فهي لم تعد مؤذية و عادت بطعم حموضة ومحببة, أتلذذ تعذيب لساني وحلقي بقرصاتها الآن بل هي عادت مثل ثمرة مشمش لم تستو كليًّا, ولكنها والله يا أستاذي طيّعة ولينة بعض الشيء في حفر لساني اللامرئية…
هذا كلّ ما تبقى من غضبتي يا أستاذي الدكتور دولة الشاعر المنصف الوهائيبي, هوّ هذا الطعم المُركّب الذي تراني أو تستشعر وتحسّ وأنتَ الحساس الفذ, بأنني الآن في هذه اللحظة بالذات ومنذ فصل ونصف من الرسالة الرواية, ألوكه الآن على مهل وأستعين على بعض حموضته بتقليبه بين الشطر اليمين تارة و الشطر اليسار من فمي تارة أخرى, مجاهدًا أن لا أخرج لساني وأنا أنقل الطعم المُركّب بين الشطرين من مغارة فمي. فإخراج اللّسان قد يُحسب عليَّ كسوء أدب ووقاحة. من يدري كيف يفكر هؤلاء العامّة.
حكاية عبارة (الصرم) (في اللهجة التونسية والمصرية غير المتداولة خارج الحدود أو للغرباء العابرين) هذه, أو عبارة (ثقب الطيز), (اللبنانية الصنع هذه, والسورية المضغ و الإستعمال في الملفوظ الشعبي الحميمي), وهي عبارة (Arschloch) الألماني الأصل, أو كما يفضلّ, أو قل, كما يتعمّد سي علي
مصباح البرليني ترجمتها, بإعتماد الشطر اللبناني الأكثر إحتشامًا, ولنفهم خطورة هذه الترجمة المضللة, علينا أن نعرف من هو (علي مصباح) هذ أولاً…
ولنقل منذ البداية أنه (العليّ المِصباح), بالألف واللام, فقد سبق وأن وضحنا أن محرك البحث الزُبالة الجاهل, الحمار الذي يحمل أسفارًا, هذا الجوجل سيتقيأ لكَ العديد من العليين المصابيح, لو حدث وهمزت جنبه بحثًا عن عليُّنا المصباح هذا, فعائلة المصباح هذه لا تخلو من عليين, وهي عائلة غريبة كثيرة الهجرة ومترامية الأطراف وضاربة في شوكة ووردة أمّنا الأرض الشمطاء الكالحة الحيزبون (وإبحث لي يا مترجم على عبارة الحيزبون بالألمانية والفرنسية والإنجليزية, وإبدأ منذ الآن رجاء… وتعال حاسبني لو وجدت مرادفًا لزبّور أمّها القحبة…)
فمن نعني إذن, ولنكن واضحين في هذا كلّ الوضوح: هوّ سي عليّ مصباح التونسي البرليني … وكلّ من هوّ قريب من الكواليس, وخاصة في مجال النشر والفلسفة والأدب الألماني وعلاقته باللّغة العربية, يعرف ويحترم علي مصباح جدًّا.. جدًّا….يا دين ربيّ, طبعًا يعرفه. ويحترمه إلى حدٍّ لا يصدق.
بل أحيانًا إلى حدٍّ مُبالغ فيه. فهو عليّ مصباح بالفمّ الملآن, المترجم الفذ, الذي, (وهذا أؤكده لكم للمرّة المليون), لم تعرف ألمانيا مترجمًا أخطر وأهم وأكثر بعثًا على الإعجاب والدهشة مثله. ولن تعرف. وهذا محسوم بالنسبة لي على الأقلّ. وأقسم على ذلك وأبصم بالعشرة.
فعلي مصباح توفّرت له وفيه ظروف لا يمكن أن تتكرر إلا كلّ ألف سنة ممّا تعدوّن, أقلّها تركيبته النفسية الغريبة وطبيعته نفسها.
طبيعته التي تشبه طبيعة المُختارين والأنبياء والمسكونين والمنذورين منذ الولادة لأمر ما عظيم….
فهو في سلوكه اليومي يبدو لك يا دين السماء عاديًّا جدًّا, فهو مثل أي تونسي مثقف يعيش في المهجر.
والتافه الغافل ممن يعرفه, يحسبه عاطل منذ ولادته عن العمل ولا يشتغل, أي لا يمارس مهنة حرفية أو وظيفة ما واضحة, لمجرد أنه يجلس يوميًّا عشر ساعات يعبّ البيرة حين يكون في برلين ويعود من رحلاته الغربية في آسيا الصفراء…. إلا أنّه, وأعني علي مصباح طبعًا, (من فضلكم ركزوا قليلاً معي… رجاء…. قلتُ… ماذا قلتُ؟ ها أنني دين ربّكم نسيت بسبب عدم تركيزكم يا سي زبي ….
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن عدم تركيزكم معي يا رفاق رحلتي العجيبة (بصراحة أغفر لكم فهي رحلة خرا…)
قلت أن من يراه من بعيد أو حتى من قريب يظنه عاطل من كلّ (العواطلية) الذين يجلسون مثله عشر ساعات يوميًّا في نفس البار منذ ربع قرن سنة وتزيد.. يا أولاد الحلال بهدوووووء….. تريثوا….. هل تظنونه فعلاً هكذا…. ولماذا أهتم بدين ربّه لو كان فعلاً كما ظننتم…. يستحييييل….. أبدًا….. أي غباء هذا؟؟………يا (لهوي) كما نقول بالمصري, وأكررها ثلاث: يا (لهوي)….. يا (لهوي)….. يا (لهوي). ووالله لم أجد عبارة أفضل وأكثر دقة ونفاذ.
يا (لهوي): هوّ منشغل بما يكفي أمّة كاملة من البشر الخرّاء البوّال…..
فأنت تحسبه يسمعك حين تتحدث, أو تظنه سمع ضرطتك التي أخرجت صوتًا أو ريحًا من فعل السّكر وخميرة البيرة البيضاء, وأنت تحدّثه عن سبب
خسارة الفريق الفرنسي لكرة القدم أمام الفريق الأرجنتيني بثلاثة مقابل واحد, في حين أنك لو كنت تعرفه مثلي, مثلي أنا… أنا كمال العيادي القيرواني البوشكيني النحيل الذي يُشبه سي علي في ثمانين بالمائة من الطبيعة…. لو كنت تعرفه مثلي أيها المتعجل المثتسرع في الحكم, لكنت تركت لصُرمك،
أو ثقب طيزك أن يتنفسّ ما شاء بحريّة لو حدث وأن جالسته في باره ببرلين،…
فعلي مصباح الذي تظنّة ربمّا سمع رعدك أو نسيم فُسائك العطن وأنت تتخفف أو وأنت تتجشأ من فوق أو من تحت, في الحقيقة لا يجلس معك أصلاً ولا يزعجه فُساءك ولا حتى تغوّطك على الكرسيّ الخشبي المتحرّك والملاصق بالبار نصف المستدير.
أبدًا, علي مصباح نوع آخر من البشر. وهذا طبعًا لا يعني أنّه هوّ أيضًا لا يتنفّس من صرمه, أو بالأحرى من ثقب طيزه, فهو يفعل ذلك أحيانًا بتحريك جزء من طيزه إلى الأعلى ليطلق ضرطة تونسية ضغرونة جدًّا… بل لطيفة, شفيفة, نظيفة, عفيفة, خفيفة كقطنة…. وهذا بالله عليكم, شيء عادي جدًّا وبشري جدًّا،
بل قلّ هو ميزة برلينيّة أصيلة, فالبرلينيون ليس لديهم معدة محنّكة وقديمة مثل البافاريين مثلاً, فراعنة نبتة (الهوبفن)
( الهوبفن : (Hopfen (Humulus) eine Pflanzengattung aus der Familie der Hanfgewächse (Cannabaceae)
التي يعصرون من عسلوجها البيرة بأنواعها الخمسمائة وعشرين, (مثلما نعصرها نحن من سحق الشعير وتعويمه وتبخيره…)
أبدًا, جماعة برلين, ليسوا بالأصيلين في هذه الناحية, فهم لا يشربون عادة البيرة البيضاء إلا نادرًا, البيرة البيضاء عصارة الشعير, بتاع ربيّ, هم لا يفعلون
ذلك مثل كلّ البافاريين وفلاحي ميونيخ, فهم, أي البرلينيين, في الحقيقة, لقطاء وخلسانيين وأغلبهم أجانب حدفتهم الأرض في شطريها, أقصد
برلين الروسية الشرقية وبرلين القحبة بنت طنط أمريكا, أو ما تُسمونها أنتم ببرلين الغربية, وروّاد باراتها الدائمون هم خليط عجيب من حفنة كبيرة من
الطلبة اليسارين الذين جاؤوا من كلّ فجّ عميق في الستينيات والسبعينيات والثمانينات واستقروا هنا بضواحي برلين أو بسرّتها… وهم… أعني أغلبهم رضعوا من قضيب كارل ماركس وأنجلز, يُضاف إليهم رغوة متخثرة من الطبقة المسحوقة من الفلاسفة غير الموهوبين أو قل غير الملتزمين بمواعيد التدريس في الجامعات الصارمة والكتاب الأرباع والأنصاف وعدد لا بأس به من القحاب الرومانيات والروسيات والألمانيات
والباحثات عن الباحثين عن شيء ما يلوح منذرًا بالشرّ في الأفق, واللواتي يأكلهنّ صرومهنّ أو فروجهنّ من الألمانيات أو الخلسانيات, ومن الشطار واللصوص وباعة الحشيش والعاطلين الأبديين عن العمل. في هذا المكان يعيش ويتنفس ويترجم سي علي مِصباح منذ ربع قرن, سلخها من حياته بعيدًا عن الأهل والعشيرة…. والأهم في صفات سي علي مصباح المترجم الفذ العجيب, والأخطر, أنه لا يمكن شراء ضميره،
ولا إغرائه بأي شكل من الأشكال…
أبدًا… فهو منيع من هذه الناحية وصلب… وتقشفه وزهده في التكاثر بكلّ أنواعه يحميه من أن يخطئ ويبيع نفسه للشيطان على حدّ تعبير العجوز الطيّب فولفجانج جوته, فهو لا يحب الشهرة ولا البهرج ولا الجاه ولا المال ولا الثبات على شيء, فلا بيت ثابت له, بمفهوم البيت الدافئ, ولا ولد متشعبط
بقدمه يثقله يطلب حلوى ورؤية الفيل بحديقة حيوان تافهة, ولا حبيبة وفية أو قحبة عاشقة, تذرف الدمع عند رحيله ولا عند عودته إلى الميناء مثل بحارة القرون الوسطى. ولا هوّ مدمن أكل, فهو رقيق كعود خروب. ولا هوّ مدمن خمر أو سجائر, فهو قادر على البقاء سنة كاملة في الجبال بدون قطرة خمر واحدة.
ولا هوّ مدمن شرق, فيبلله رضاب الشرّ كلّما تكلّم, ولا هوّ مدمن غرب, فيفوته عوج صلبه وقتامة حُلمه. ولا هوّ شرير, فيحميه شرّه من ميوعة حبهم أو حسدهم, ولا هوّ ملاك خيِّر, فيرفعه خيره قرب وسادة الله والخيّيرين. ولا هوّ تفاحة وسيمة فيُقضم, ويتكاثر على غصنه الدّود. ويعلم الله, أنه لو لم
أكن مصادفة كالقدر قريبًا منه في تركيبتي الشخصية, لما انتبهت له بهذا الشكل والعمق. ولكن خطأ أو أخطاء وتشويهات أخلاقية في نفسيتي أيضًا، وعدم قدرة على الإدمان على شيء, هوّ الذي جعلني أفهم تركيبته التي أشترك معه فيها بنسبة لا تقلّ عن ثمانين بالمائة, فأنا أيضًا لا تهمني الأوراق النقدية, أسرف ببذخ لمدة ثلاثة أيام, وأبقى بعدها شهرًا آكل خبزًا جافًا وأشرب ماء وقليل من الشاي فقط. ولا يمكن أن أفهم كيف يتكالب البشر على
وسخ في شكل أوراق نقدية مُلوّنة, ولا هذا اللهاث على السيارات والقصور والنساء والعطور ودين ربّ أمهم… أبدًا. لا أفهم….
ومنذ كنت طفلاً, كنت أمضغ اللحمة وأرميها خلسة عن أمي للقطة, حتى انتبه إخوتي لهذا الكنز, فأصبحوا يقايضونني قطعة اللحم الثمينة بالنسبة لهم، بقطع طغيرة تافهة من الحلوى أو بقلوب المشمش التي نلعب بها في أيامنا وطفولتنا, ونضع خمسة منها فوق بعض لنرشقها بسادسة في أيادينا الصغيرة…. أبدًا لم أفهم العالم الجشع, ولن أفهمه, حتى وأنا أشدّ الرحال بقوّة صوب الخميسين الأولى الأجمل من العمر, ولم يعد يفصلني عنها سوى أربعة سنوات, أو ثلاث سنوات ونصف فقط… فأنا كما قلت لكم من مواليد برج الجوزاء في الحادي عشر من يونيو لسنة 1967.
ولهذا أفهم علي مصباح أكثر من العالم كلّه.
قُلت أنه لا يمكن أن أفسر لكم وأشرح بوضوح, اهتمامي بترجمة علي مصباح, إلا حين أقدم لكم هذا العلي مصباح, من وجهة نظري على الأقل, كون المسألة أولاً وأخيرًا وجهة نظر… قد توافقونني عليها, وقد تسخرون مني… ولستم أوّل من سخر مني, ولستُ أول ولا آخر من سُخر منه في الأرض. وأنا راض بحكمكم ومستسلم كبهيمة مطيعة لقضاء ربي. وما شاء ربيّ بي ولي فعل. وفي هذا فإيماني أشدّ صلابة من حجر الماس, لا يخدشه حرّاء ولا ابن زنا ولا حكيم جليل.
وحقيقة الأمر, أنّ كلّ مؤاخذتي على علي مصباح, (كشخص أنا أحترمه جدًّا, بل قطعت شرايين يدي لو قلتُ فيه ما يُشين…
ولكن أعني علي مصباح المترجم والكاتب, هي فقط ثلاث كلمات لا غير.. وهي أولاً, ترجمته لعبارة (موت الله) (Gott-ist-tot) وهو عنوان كتاب لنيتشه, والأصح فصل مستقلّ من مشروع نيتشه الفلسفيّ: والتي تتأسس
على تركيبة هندسية للعبارة, ذلك أنّ المعتقد أنّ الله أو الطاقة الخيّرة, يرمز لها برقم (1) وهو في الديانات السماوية الثلاثة (الله, أو الربّ…) في حين أنّ الروح السلبية والشريرة يُرمز لها رياضيًّا وهندسيًّا بالرقم (0)…وعبارة (TOT) أي موت, هي هندسيًّا ورياضيًّا محاصرة الرّوح الشريرة
أو السيئة, بين صليبين, وهما حرفي الـ (T) وهو أقرب الحروف اللاتينية قربًا من شكل الصليب… فتصبح الترجمة الأصح لعبارة (موت الله) التي عنون
بها نيتشة عامودًا صلبًا في فلسفته البائسة, أنّما تصبح (تنحّى الله) أو الافضل (عزل الله) أو (رفع الله) أو (التخلص من الله) أو (قتل الله) أو
(تسكين الله) أو (تجاوز الله) أو (تجميد الله)….. وهناك مئات بل آلاف من الإمكانيات, وهي فعلاً ترجمة صعبة, لكنها ليست مهمتي أنا الآن …فأنا لست باحثًا فى الألسنية, ولست مترجمًا لنيتشة, وكلّ ما عليَّ هو التنبيه للخطأ القاتل في الترجمة الوحيدة للّغة العربية التي سيتلقّفها طلبتنا وتلامذنتا بالتأكيد خلال المائة سنة القادمة, لتكون الأصل… وكانّ نيتشه غبي لهذه الدرجة التي يقول فيها بأنّ الله مات وهو يعرف أنّ الروح كطاقة أصلاً
لا تموت ولا تفنى, ولكن تعزل مثل زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومرسي العياط, ويمكن التخلص منها في مجتمع علماني يفصل الدين عن الدولة, ولكن أبدًا لا يعلن موته, لأنه ليس بيده أصلاً… وهذه أمور ميثيولوجية في فلسفة المصطلح واللّغة الألمانية أشدّ لغات الأرض غنى ودقّة …وإلا لما كانت لغة الفلسفة المفضلة والأجدر.
وعبارة (الإنسان الأعلى) وهي ترجمة ركيكة وضعيفة لعبارة نيتشه بالألمانية وهي ( Der Übermensch) :وباللاتينة: lat. homo superior والتي
أرى أنّه تسرّع تسرّعًا خطيرًا بترجمتها إلى عبارة (الإنسان الأعلى) لأنّ وراء ذلك مثيولوجيا كاملة, وفهم ديني مسيحي كامل. والترجمة الأصدق والأقرب
لما يعنيه نيتشه هوّ (الإنسان الأرقى) وهي العبارة التي اتكأ عليها أدولف هتلر في كتابه العنصري (كفاحي) ليؤسس لإعلان الجنس الآري الأرقى…. والأنقى… والنقاء هوّ المعني هنا, بعدم إختلاط الدّم بدماء أخرى, وليس السموّ… فالسمّو صفة إلهية وليست أرضية مثل النقاء. لذلك فالترجمة ضعيفة, بل يا ليتها فقط ترجمة ضعيفة, هي ترجمة مغالطة وخطيرة… لأنّ عنوان إله المسيحين أرضي هوّ نفس عنوان إلهنا الذي نسميه معًا بالسلام والنور….
وأعتقد أنّه لو لم أتصدى وحدي لعلي مصباح المُترجم, وأعيد له هاتين العبارتين بسخط وتذمّر خلال سبعة فصول من روايتي حتى الآن, لو لم أفعل ذلك لانتبه له غيري بعد عشر أو مائة سنة, وسيردّ عليه فيلسوف أو كاتب ألمعي ويسكته وقد يعتذر بدلاً عنه فيلسوف مستشرق يفهم ماذا يدور وخطورة هذا التزييف.
ولم يكن قلقي من هذه الناحية كبيرًا في الحقيقة.
لكن خوفي ورعبي وقلقي وتوجسي الكبير, من أنّه استعمل في نصّ إبداعي ممضى باسمه عبارة (Arschloch) بعبارتي (ثقب الطيز) المُركّبة, بدلاً عن عبارة (الصُرم), المفردة القويّة المباشرة, والتي هي الأصل… ولأشرح خطورة ذلك سأعطيكم مثال:
ــ علي مصباح يعيش منذ ربع قرن تقريبًا في حانة واحدة… ويسمع مثلي يوميًا هذه العبارة (Arschloch), على الأقلّ ألف مرّة, ذلك ومثلما بينت فهي العبارة الوحيدة التي تمثّل تسعين بالمائة من لغة رواد الحانة المسحوقين من الشعب الألماني أو المقيمين الدائمين بألمانيا…. واسمحوا لي أن أكرّر على أسماعكم الكريمة هذا الحوار اليومي الذي يتكرّر ملاين المرّات يوميًّا في بارات ألمانيا وفي الشوارع الشعبية كلّها:
ـ صباح الخير أنت يا (آرْشلُوخْ – صُرْمُ)
ـ صباح الخير (آرْشلُوخْ – صُرْم)
ـ هل ربحت البارحة في ماكنة القمار يا (آرْشلُوخْ – صُرْم)
ــ (آرْشلُوخْ – صُرْم)
- لا والله فرحت لك يا (آرْشلُوخْ – صُرْم)
- أنت كذاب يا (آرْشلُوخْ – صُرْم)
- لماذا (آرْشلُوخْ – صُرْم)
- لأنّك حقود يا (آرْشلُوخْ – صُرْم)
ــ سامحك الله يا (آرْشلُوخْ – صُرْم(
ـ طيّب دعني في حالي (آرْشلُوخْ – صُرْم(
- يعني خسرت بعد ان ربحت يا (آرْشلُوخْ – صُرْم(
- أنت تعرف إعراء الماكنة يا (آرْشلُوخْ – صُرْم(
ــ إمممممممم…. فهمت يا (آرْشلُوخْ – صُرْم)
ــ انتهينا. أسكت….. (آرْشلُوخْ – صُرْم)
طبعًا هم لا يقولون عبارة (صُرْمْ) فهي باللغة العربية, ولكنهّم يقولون فقط ترجمتها الألمانية (آرْشلُوخْ). وأنا فقط أردت أن أترجم لكم. لا غير.
طيّب, أنا مثلا كنتُ خلال السنوات, بين (1992) و (1999), أريد أن أكتب مجموعة قصص عن الألمان والمهاجرين المدمنين والسكارى الدائمين…وطبعًا كان لابدّ لي من بار لأسجّل سلوكهم وكلامهم… فقررت أن أوزع نفسي يوميًّا على ثلاث بارات متقاربة, في ثلاث شوارع وأحياء مختلفة…. وما حدث رجّني بقوّة… إذ أنني انتبهتُ للمرة الأولى وأنا الذي جاء ليتعلّم لغتهم السوقية, بأنّهم تقريبًا لا يتكلّمون… إطلاقا, بل يتبادلون بمودّة وآلاف آلاف المرّات في اليوم عبارة (آرشلوخ) الصرم هذه…. ولم تكن مصادفة, فانا صبري من حديد, وبقيت لمدّة سبع سنوات أذهب يوميًّا بعد العمل, لأتأكّد أنها ليست مصادفة….
وتساءلت بحيرة ورعب: يا أولاد القحبة يا ألمان… ماذا تريدون أن توصلوا بهذه العبارة…. أي رسالة تُخفي للبشرية وأي معنى مُشفّر حشوتموه فيها, وأنتم عباقرة الدقّة والمعاني النافذة التي لا مجال لخدشها…. تساءلت أيامها سنوات كاملة. أين الدبّوس؟؟…. أين السرّ في هذه العبارة القذرة, أو التي تبدو قذرة, ولكنّ البنت تقولها في ألمانيا لأبيها فيضحك, وتقولها العشيقة لعشيقها فيُعيدها لها وهي يقهقه…. يا دين ربيّ …. ما السرّ؟؟؟
بعد ذلك, تعرّفت إلى فيلسوف بوهيمي كبير… عجوز يهودي ألماني في التسعين منطفئ العين. وعاث في الحياة فسادًا, ونجى من هتلر وكان صديقًا شخصيًّا لأغلب عباقرة الأرض في فرنسا وألمانيا خاصة….
لم يكن يثق بي طبعًا في السنة الأولى, ولكن لأنني أجلس قربه, بل إلى جواره يوميًّا ولا أتكلم مطلقًا… ولا أزعجه, وأحيانًا في أيام الثلج القاسي أكون أنا وهوّ فقط في البار سبع ساعات وأكثر… نشرب خلالها ثلاثة بيرة فقط…. ولا نتكلّم, حتى أن صاحب الحانة الذي يعرفنا, كان ينام واقفًا مقابلاً لنا من الملل والقنوط.
شربتُ ذات مرّة في شتاء قارس, والدنيا بيضااااااااء… بيضااااء من الثلوج التي لم تكف عن التهاطل منذ خمسة أيام بدون إنقطاع, حتى أنني قررت أنه من العبث أن أعود للبيت, فلا تاكسي يتحرّك ولا بشر… والمشي في الطريق وأنت سكران يعني ممكن تسقط وتموت مدفونًا في الثلج ولا يراك أحد إلا بعد أيام… كان الثلج سنة 1998, قد وصل إلى مستوى المتر والربع فوق الأرض… وهذا ما لم أره حتى في كييف وموسكو ولا في مينيسك ولا حتى في حدود روسيا الشمالية عند بداية سيبيريا.. أبدًا لم أر ثلوجًا في حياتي مثل ذلك الأسبوع….أبدًا.. ويعلم الله كيف وصلت في المساء المبكر للبار, (الحانة) ولكن الثلج يومها تهاطل بعد دخولي مع الساعة الرابعة بعد العمل بجنون لا يُصدق, وارتفع من سبعين سنتيمتر إلى حدود أكثر من متر وعشرين عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل…. وكنت أنا ويواخين وصاحب الحانة الشركسي, فقط…لا غير….. وقال لنا صاحب الحانة أنه يمكننا البقاء للفجر, حتى تأتي آلات رفع الثلوج وفسح طريق على عجل للمارين في الصباح الباكر….
الحقيقة فرحت… فهي فرصة لأطلب الإدارة في الصباح وأخبرهم بالحالة وأنني سأتغيّب للمرة الأولى في حياتي عن العمل, وأطلب إجازة بيوم….. وفرحت أكثر لأنني لاحظت للمرة الأولى أنّ يواخين أثقل في الشرب مُبّكرًا على غير عادته, وأنه ينظر لي ولصاحب الحانة المُتثائب على الدوام, بقلق وذعر… ربّما لأنّه قدّر أنه لن يتحصّل على تاكسي يوصله للبيت كعادته, وقدّر أيضًا أن المشي وهو سكران طينة, ربمّا سيجعله يسقط ولا يستطيع القيام بمُفرده ويدفن حيًّا ويموت من الصقيع خلال دقائق…. وحسبها في دماغه… ولكنه لم يتعوّد أبدًا البقاء خارج بيته.. فشعرت بحيرته. وفرحت.
ولكنّه طبعًا لم يُكلّمني …. فتركته يشرب ثلاثة بيرة أخرى, حتى أنّ انفه الضّخم أصبح في حجم (البيتنجان التركي الضخم)… وعاد شديد الحمرة والزرقة.
وأحسست بأن الله سيُكرمُني وسيتكلّم هذه الليلة معي… ولو جملة واحدة, وأنا لست طمّاعًا… جملة واحدة يا ربيّ تكون مدخلي لأفهم الألمان….
وفعلا حدثت المُعجزة الربّانية …. وكانت من طرف صاحب الحانة الشركسي المُتثائب أبدًا, والقاتم…. جاءنا, ونحن نجلس في الجهة اليسرى من حاشة البار (بالمُناسبة كلّ البارات الصغيرة – الكنيبات – متشابهة هندسيًّا في كلّ ألمانيا في الأحياء الشعبية, وهي على الأقل عشرة في كلّ شارع صغير, فهناك بار نصف
مستدير من الخشب الرخيص المطلي باللّون الداكن عادة, البنيّ أو الأسود, وهناك ثمانية أو عشرة كراسي تسمى – طابورية – طويلة السيقان ومقعدها مسطح ودائري بما يكفي بالكاد قاعدة مؤخرة زبونة ألمانية ممتلئة, وهو بالنسبة لي مثلاً أو لشخص مثل علي مصباح يزيد عن الحاجة أضعاف…. وفي أقصى الأركان الأربعة طاولة بكرسيين فقط. وفي الوسط عادة طاولتين أو ثلاثة لأربع أشخاص, رغم أنني وخلال عشرين سنة في ألمانيا لم أر أربع أشخاص مع بعض على نفس الطاولة..أبدًا.
قلتُ, جاء صاحب الحانة, مبتسمًا للمرة الأولى بعد أن ربح مبلغ سبعمائة مارك من آلة القمار المثبته على الحائط… وقال لنا: شربكم الليلة على حسابي … أنت يا يوخين وأنت يا كيمممال تونسيا…. واسمحا لي أن أفتح لكما زجاجة – ساكت – نوع نابليون, تروكن, على حساب المحل يا وجهي الخير… يا حبيبيّ… وكان سكران, بل سكران طينة ولم أنتبه له وهو يعبّ من قبل أن آتي من زجاجات نبيذ يبدو لونه كالماء .
قال يواخين وهو يتماسك كي لا يسقط: – هلّلويا
وقلت وأنا في أشد فرحتي وتماسكي, وأن كنت أمثّل أنني سكران مثله: – هلّلوووووويا ….هلّللويا
وقرعنا الكأس الأول…. والثاني … والثالث….
كنت أسقى محبس شجرة تحت رجلي وأغطي الكأس الرهيف براحة يدي… ولا أشرب إلا قطرتين…. وحين يفرغ أصّب الهواء في جوفي .
وكان يواخين يقلدني ويصبّ السائل القويّ (مع البيرة يعتبر مثل عشرة أضعاف) في جوفه
وكان صاحب الحانة الشركسي, يعود لنا من آلة القمار التي بدأت تبتلع أول مائة مارك, وهو متجهمّ ويعبّ الكأس في جوفه, ويصبّ لنا.
وفتح زجاجة أخرى, دون كلام… ودون إعتراض منَّا….عييب.. ولماذا نعترض وهو بدأ يخسر؟؟!!!
عند الساعة الرابعة. كان يواخين مفتوحًا مثل زجاجة الساكت الأخيرة…. ويتحامل كي لا يتقيأ في وجهي…
ملت إليه وسألته باللهجة البافارية التي يعبدها,,, وسألته:
ـ يواخين… أنا غبي….تونسي غبي خرا…. هل تصدق؟؟
أجابني: – بدون تعليق كييييمال.. أنت أجنبي حقير. وسكران. لكن غبي وجميل. ولا تنزعج.
قلتُ له: – يواخين يا فيلسوف… ما معنى أن كلّ زبائن البارات يقولون فقط (آرشلوخ – صرم) في كلّ كلامهم ويرددونها آلاف المرات يوميًّا؟؟
ظننت أنه لوهلة استفاق … وخفت, فأسبلتُ عينيَّ كأنني لا أسمع ولا أنتظر إجابة…
ما قاله لي بعد ذلك, في مونولوج لم أقاطعه ولم أردّ عليه إلى اليوم…غيّر كلّ حياتي….
أجابني وهو يتلمّظ كلّ حرف, بلهجة با فارية خالصة… لهجة فلاحين بافاريين… وسأنقل ما قال بتقطّع كما وصلني, قال على مهل شديد:
مرّة ثمة مسابقة في الرّسم… مُسابقة كبيرة في الرسم… نجح ثلاثة من ضمن ألف متسابق… كان ما رسم عبارة عن شجرة بديعة وأرض مجروحة بحفير وهيكل عظمي لكلب وبقرة… وكان عنوان المسابقة عن الجوع, والموت.
قرّر كل أعضاء اللجنة منح الجائزة لهذه اللوحة البديعة بإطار مذهب وألوان داكنة …
وفجأة جاء رسام بثياب مهلهلة يجري ويصيح: – انتظروا.. انتظروا… رسمت اللوحة
قالوا: – اين اللّوحة؟
قال هاهي في قطعة قماش بدون إطار لأنني نسيت شراء إطار…. ولا أراه مهمًا
حين فتحوا القماشة, أجمعوا جميعًا, وفورًا, أن الجائزة له هوّ وليست لللوحة الأولى…
هل تعرف يا كيييمال تونسيا ماذا رسم؟؟؟
أجبته وانا أتعمّد السكر: – قحبة سوداء؟؟؟
أجابني: – أنت تافه وحقير يا كيييمال تونسيا…. القحبة في دماغك لأنك تافه. لا يا تونسيا…. رسم شاب إفريقي أسود عظم على لحم. ويعرض مؤخرته وفي الصورة مؤخرته لا نرى منها ثقبها لأنّ هناك عنكبوت كثير معشش فيها…. يعني أنه لم يأكل منذ سنوات يا كيييمال تونسيييسا الأحمق الغبي الطيب..
لذلك, فكلّ مَن يقول (آرشلوخ) (الصرم) (ثقب الطيز) في الحانات, هم يقولون:
ــ أنا أرى أنكَ منّا…. وأن الآلة اليابانية والأمريكية لم تطحنك… وأنك مازلت بشرًا يتغوّط من صرمه…. لأن الصرم عضو مثل الفم…
وهم بذلك يحوطون أتفسهم ضدّ فيروس البورصة والبنوك والمدنية المرعبة والنقود والتطور البشع وكلّ كلّ كلّ سموم الحضارة.
هم يقولون: يا صرم…. إني أراك….,احبك لأنك مازلت معنا من البشر ولم تطحنك الآلة…. آلة التطور الإلكتروني والإقتصادي البشع…. مرحبًا بك يا صرم
وسألني مازحًا للمرة الأولى: – هل تسمح لي منذ اليوم بأن أناديك بيا صديقي (الآرشلوخ)… يا كيييمال تونسيسيا؟؟؟
أجبته وقد أفقت للأبد من الصحو والسكر معًا: – بالتأكيد يا يواخين العظيم الصرم يا أعظم (آرشلوخ) …. شكرًا للتوضيح
انتهت حكاية يواخين.
وانتهت حكاية علي مصباح…..
أنا كلّ غيظي أن ترجمته لعبارة ( ) إلى (ثقب الطيز) لم تكن دقيقة… بل كانت مركّبة وركيكة…
فقط يا منصف الوهايبي …. يا أستاذي الشاعر الجليل
فقط يا أصدقاء ورفاق رحلتي العجيبة.
انتهيت من علي مصباح هذا…. قولوا له أن يفتح الآن صفحته بالفيسبوك… فوالله لن أتحدّث عنه إلا بالخير
في الورقات القادمة يا أستاذي الكبير, سأبدأ الجزء الحقيقي والخطير من رسالتي …عن والد خوفو… وعن السر ّالمرعب… وعن الاسم الواحد بعد المائة لله, وعن أصل الرياضيات والفيزياء, وعن أصل الأدب, وعن حضارات مرعبة, وعن جوائز نوبل وكواليسها المخيفة. وعن سرّ الصندوق المخيف, وعن الله, وعن الأديان والقرآن والكتب المخفية وعن سياسات الأرض الثابتة والمتحركة, وعن الملائكة والشياطين والعالم السفلي… وعم انتحار كاواباتا وميشيما الحقير وعن يورهان باموق العميل وعن وعن وعن وعن وعن وعن وعن وعن وعن وعنى وعن ……
أما الآن… فأريد بيرة واحدة…. تعبتُ من الرقن على هذا المحمول المتطور الذي ليس فيه حروف أبجدية وأكتب منه بالتخمين…. يااااااه…. تعبت.

كمال العيادي القيرواني (مكتب مونيخ – بحيرة شتانبارغ زيييه) (Stambergersee)

حول كمال العيادي

- الإسم = كــــــــــــــمــــال - اللّقب = الـعـــيـــــــــــادي - تاريخ الولادة = 11-06-1967 - الجنسيّة = تــــونـــــســـــيــّة - بلد الإقامة = ميونيخ – ألمانيا - كاتب وصحفي مراسل. ينشر إنتاجه منذ سنة 1983 في أهمّ الجرائد والمجلاّت والمواقع العربيّة مثل القدس العربي, أخبار الأدب, نزوى, العرب, قصص, الحياة الثّقافيّة, الشّعب, الصباح, الحريّة, الصّحافة, كيكا, جهات, الملاحظ, الزمن, وغيرها… - انتهى من ترجمة ثلاثيّة حول الشعر الرّوسيّ, صدر منها الجزء الأوّل عن الدّار التونسيّة للنّشر وتنمية فنون الرّسم – اصدارات بيت الشعر بتونس سنة 2004 وصدرت الطّبعة الثّانية بالمغرب عن دار – بلعكّاف للنّشر سنة 2005 - أنهى دراسته الإبتدائيّة والثّانويّة حتى الحصول على باكلوريا الآداب بالقيروان . - درس بالمعهد العالي للفنون الدّراميّة بتونس, وأسّس نادي البحوث والدّراسات المسرحيّة بتونس. - درس اللّغة الروسيّة بسفارة روسيا بتونس وتحصّل على منحة جامعيّة للدّراسة بموسكو. - درس بمعهد اللّغات بمدينة مينسك عاصمة روسيا البيضاء سنة تحضيريّة. - درس بالمعهد الدّولي للفنون الدّراميّة والسينمائيّة بموسكو ونشر هناك قصائده مترجمة للّغة الرّوسيّة. - متحصّل على الدّبلوم الدّولي في الإقتصاد والتّصرّف الإداري من أكادميّة العلوم الإقتصاديّة والإداريّة وعلوم الإتّصال والتّجارة الدّوليّة – صــابل - بمدينة ميونيخ. لكنّه لم يسع أطلاقا للعمل بهذا الميدان بعد ذلك. - المراسل الرّسمي من مدينة ميونيخ لجريدة أخبار الأدب بمصر وجريدة العرب بلندن و جريدة الشعب بتونس. - تولّي تدريس اللّغة العربيّة بعقد مع وزارة التعليم البافاريّة بجنوب ألمانيا. - قام بتدريس اللّغة لأبناء الجاليّة العربيّة بميونيخ لأكثر من عشر سنوات. - أسّس عدّة نوادي ثقافيّة بتونس وميونيخ وأشرف عليها لسنوات طويلة. - مؤسس ورئيس النّادي الثّقافي أبو القاسم الشّابي بميونيخ منذ سنة 2003 - دعي للعديد من الندوات والمهرجانات العربيّة كما أقام العشرات من الأمسيّات الشعريّة و القصصيّة. - نظّم الكثير من الأمسيّات الأدبيّة واستضاف العديد من المبدعين بمدينة ميونيخ, مثل الرّوائي والكاتب الكبير الطيّب صالح والبروفيسور حسين فنطر و د. عدنان الظّاهر والشاعر فوّاز القادري و الشّاعر عبّاس خضر الروائي حسّونة المصباحي و الكاتبة كوثر التّابعي …وغيرهم. - له في انتظار النّشر : - مجموعة قصصيّة بعنوان : وجوه وأقـنعة ( نشرت نصوص منها بموقع كيكا, موقع جهات, والعرب ) - مجموعة شعريّة بعنوان : مـدن, للموت من جديد ( نشرت العشرات منها بعديد المجلاّت والصحف ) - رواية بعنوان : الـقــلب الحائـض ( نشرت بعض الفصول منها بمجلّة الحياة الثّقافيّة والشّعب) - كتاب نثري بعنوان : نصوص مــتــيـنة لشبابــيـك الغربة ( نشرت أغلب نصوصه بالحرّية والشّعب) - كتاب رحلات بعنوان : الخـلاّن والغـــيلان ( نشرت أغلب نصوصه بالملاحظ والشّعب والعرب ونزوى) - كتاب نقدي بعنوان : المباح في الإستـنـباح ( نشرت أغلب نصوصه بجريدة أخبار الأدب المصريّة ) كمال العيادي - ميونخ النائب الاول لرئيس اتحاد كتاب الإنترنيت العرب Te. 0049-17636125909 ayadikamal@googlemail.com www.kamal-ayadi.com

رأيان حول “الجزء الأول من رواية: نادي العباقرة الأخيار (1-15)

  1. أسلوب بالغ السلاسة و التشويق , قادر على الطيران السحرى بالقارىء الى مواقع الحكى كلمح بالبصر , تمكن مكين من تحريك الخيوط و تقديم الاحداث لا يتوافر الا لمبدع حقيقى
    أحمد الزلوعى

  2. ألقيت حجرا في بركة راكدة…لم يطفح ما في جوف الماء على سطحه …ولكن كدرت سكونه …وأثقلت حمله بعبء جديد..

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>