جلال الدين الرومي: ولكن ما الصورة إذا جاء المعنى ؟



عبدالواحد كفيح

نساء من زمن ولى

إمدادات هذا الكاتب  عبدالواحد كفيح31 يناير 2008

عبد الواحد كفيح

في سنوات بعيدة جد متقدمة من عمري, حيث سنوات الحر والقيظ والجفاف وحيث لا أثر آنذاك لمبردات ولا مكيفات وفي عز القيلولة كانت أمي كسائر نساء حارتنا تبرد قنتها بخليط حناء ما تفتأ في بعض الأحيان, طلبا للبرودة, والانتعاش أن تمرغ جسدها بالكامل وفي أحايين كثيرة كانت تطلب مني أن أحمل ما زاد عليها من خلطة الحناء في إناء وأرش بها جدران وباب ضريح (مواليات حفير) القريب منا. ضريح طاعن في القدم قيل لسبع نساء أخوات صالحات عابدات قضين دفعة واحدة ودفن هناك. متوحدات في قبر واحد حيث أضحى مزارا نسويا بامتياز.ضريح من غرفة واحدة، ذات سقف قصبي منخفض آيل للسقوط، مفروشة بحصر رقيقة بالية، تنبعث منها رائحة العفن و الرطوبة أشبه برائحة البول، تتسرب، لحسن الحظ، من كوة أعلى الحائط الأمامي وطاقة سفلية في الجهة المقابلة. بابها موارب على مدار الساعة، لا يدخله طويل قامة إلا منحنيا مؤديا الولاء لأميرات المكان، يتوسطها قبر طويل هو في الحقيقة عبارة عن نتوء طويل يشبه إلى حد كبير جثة رجل عملاق ملفوف برقاقات كتان حائل اخضر مغبر، فقد لونه وزركشته، وعند مقدمته حفرة تزدحم فيها سبع حجارات ملساء، قيل يزداد عددها مع مطلع كل صباح. تشد له الرحال زرافات ووحدانا من نساء أرامل وثكالى وعوانس ومتزوجات تتقدمهن فطومة الكسحاء وفاطنة العمياء وكل مسنات الحارة في الظهائر القائظة ،من وقت القيلولة إلى صلاة المغرب. يتحلقن حول اللحد كحلقات الذكر فتشمر كل واحدة منهن على زند الحكي فيبدأن بالتراشق بالأحاديث البيزنطية التي عادة ما كانت تشد انتباهي وتثير رغبتي في استراق السمع والإصغاء لثرثرة العجائز، إما ملتصقا بالكوة السفلى أو مقرفصا أمام العتبة، فتنبري العمياء متحدثة بإسهاب عن الولادات العسيرة وعن فحولة الرجال وعن العادة الشهرية، عن الغدر والخيانة، عن كل المواضيع الساخنة والرطبة الندية، ذات النفحات الشيطانية، التي تنضح بعبق الأساطير المحكية عن النساء والرجال والإنس والجن والأبخرة والدهون والجنس والفحشاء والمنكر والدعارة واختلاس المال والبنين والبخور من ند وصندل وكافور ومسك وعنبر وفتنة الحناء والوشم على الذقون والسيقان البضة المكتنزة ،وشرف البكارة والعذرية ورضا ورضوان الأولياء والصالحين. فتنتثر الحكايا منفرطة، كانسياب حبات السبحة،فتحدثن عن ليلة الدخلة وطقوسها والاعتزاز بقوة تحمل بظور النساء وانتصاب أيور الرجال في عز اللذة والانتشاء، تتلقفها الكسحاء البدينة “فطومة” ، زوجة حفار القبور ، فتتحدث- والسبحة تدور بين السبابة والإبهام- بمنتهى البذاءة في موضوع العهر والتهتك والمجون والعبارات الفاحشة العارية، ونمو أثداء الصبايا الناضجة. والسواك في الثغور وأحمر الشفاه ومرود الكحل، والعرعار والورد والقرنفل ورائحته الفاتنة على القنن. وحيث أن للعجائز من أسرار النساء الكثير الكثير فيغيب في حديثهن كل ما يمت بصلة للحشمة والوقار والحياء والعفة وتسود لغة الفجور وحوادث السرير والبغاء. يتحدثن عن العرائس والجن والأدعية والصلاة وكيف تصلي النساء – بنية استحضار الجن والعفاريت- جنبا، و عن تمائم العطار في جلود الجرذان، وسطوة الليل وحلم الفراش. عن الرغبات الدفينة نهارا والتي تتدفق ليلا سيولا من العواطف الجياشة الممردة باللذة والاشتهاء. عن غدر الجارات اللواتي يفضن أنوثة ويطفحن غنجا ودلالا وعذوبة تسيل لعاب الرجال. يتحدثن عن كلام الليل الذي يمحوه النهار. يتحدثن عن بخور الفراش فيما قبل المغرب وبعد صلاة العشاء. عن النجوم التي رقدتها العجائز سبعة أيام في سطل ماء من حديد، وكيف يشكل خلطة سحرية مع ماء الذكور والإناث. يتحدثن عن الحجارة الملساء في جوف الضريح التي تتناسل ليلا لتزداد مع بزوغ الفجر عددا، عن الخرافات الخارقة والتعاويذ والأدعية والتمائم وخرق الحيض وبركة النساء القابلات، وعن مولدة تهفو إلى تحطيم رقم قياسي في التوليد. ويتوالى الحديث، عن بائعات الهوى والنائحات المدمنات، اللواتي احترفن التباكي على أيامهن الخوالي, عن بركة السادات والأولياء، وبركة البوابين وقصصهم الليلية الماجنة مع المرضى. عن صناديق الجدات الساحرة، وعطر العلب الخشبية والنحاسية، والصرر الطافحة برائحة رأس الحانوت. يأسرني حديثهن عن الهدهد وعلاقة دمه بأجساد النساء البارعات في بخار الحمام والسوالف الطوال والأرداف الممتلئة والأثداء الضخمة الفارعة، وماذا بوسع عجوز شمطاء أن تفعل بقلفة طرية لطفل صغير بعد الختان. يتحدثن عن التهتك والفجور حتى التخمة، ولا يتحدثن عن الحب، بل يتفنن بخبث، في النميمة وقذف المحصنات وتلبيسهن بأخس وأقذر الأوصاف والحفر والنهش عميقا في أعراض الناس. أتذكر كيف كن يسهبن في الحديث عن دم العذارى ودم الحيض والنفاس ودم الدخلة وخلطته العجيبة مع دم المغدور وأضحية العيد ودم العتاريس المذبوحة على النصب وعتبات الأولياء، عن عين الحسود التي لا تسود والشيطان المتلبس بقارئات الفنجان وضاربات النرود وقارئات الكفوف والأكتاف وقارئات لعبة الورق، وقدرة الساحرات الخارقة على تجميد الماء في الإناء، وزعزعة الأجنة في الأحشاء وانحباس حليب الأمهات في الأثداء، والرغبة في النيل ممن تزوجته الجنيات وأغدقت عليه من المال ما عز عن عد ولا إحصاء.سمعت إحداهن مرة تقول، إن عشرين فحلا، ما هم، أن يأتوها دفعة واحدة أو بالتناوب، لن يصلوا بها إلى مراقي اللذة والاشتهاء، وان شهريار الذي يمكن أن يحلق بها إلى سدة الرعشة الكبرى، مازال لم يولد بعد .يتحدثن عن صراع الكنات والنساء الحاجبات خلف الأبواب، وكيف بالمكر والدسائس والدهاء ، يغدو الرجل الجلف الصنديد خرقة طيعة في يد زوجته ،تلوي لسانه بخلطة لسان الضبع والماء المطير ومخ الحمير و وكيف لا وكل ما يتلف العقول مباع عند العطار. وكيف أنه أصبح ملاذ فتيات جامعيات، يحملن أعلى الشهادات، و تراهن عند العطار واقفات ،وبالشعوذة والكذب مؤمنات. ويتحدثن عن كيف تصبح عنده- بقدرة قادر- جل الأدوية من الأحذية والكثرة الكثيرة من الأمور المنسية، والعجوز التي تريد ان تكون شبيبة وقد انكمش الوجه واحدودب الظهر، تهدي إلى العطار ميراث أهلها وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟.. يتحدثن عن النساء الولودات والعاقرات اللواتي ،لا محالة، سينكتب لهن مقعدا في الجنة بإذن الله .عن كل الأمراض الجنسية والعقلية والتعفنية والنفسية والتنفسية .يتحدثن عن سحر فقيه الحارة الذي لم يدع شاردة ولا واردة إلا أرداها صريعة راكعة ساجدة منبطحة مهيضة الجناح في بحبوحته متضرعة، تطلب الأمان والتسليم والخضوع والاستسلام، وعن بركته وكراماته الربانية التي تداوي أدهى الأمراض. وإذا كان هدف بعض النساء ،كأمي مثلا، في إيداعي بالمسيد عند الفقيه، أن أصبح من حملة القرآن، لأحملها غدا يوم القيامة على ظهري- هي وإحدى جاراتها إن أمكن- وأمر بها من على الصراط المستقيم ، كعصفور من عصافير الجنة، فإن غالبية النسوة كن يتعللن بإيفاد أبنائهن للفقيه رغبة في بركته وتمائمه ورقياه ،خاصة وأنه، كحامل للقرآن, هو المبشر الأول بدخول الجنة فوق العادة، دون ما سواه، إلا أنا الذي كنت على يقين أنه سيلج جهنم من أوسع أبوابها لما كان يقترفه في حقنا، نحن الصبايا، عندما يتناول أمامنا صباح مساء زليفات السميد بالحليب الساخن، فتجحظ العيون وتفغر الأفواه ويندلق اللعاب خيوطا ،كالكلاب البوليسية المدربة ،حتى إذا ما أوشكت مآقينا على القفز من محاجرها أرسل- دون سابق إنذار-، شآبيب عصاه المسمومة صبا صبا حتى ننز بولا دافئا غالبا ما نكتشفه حتى يبرد و تتورم جلودنا فنئن ونعوي خاسئين، كجراء مسعورة، ثم نغض الطرف، في ألم، نحو الألواح من جديد. يجري الحديث عن كيد النساء وأساطير بنات حواء، جدتنا التي دون أن يرف لها جفن أخرجت أبينا آدم من الجنة خاوي الوفاض. يتحدثن عن الضربة القاضية في السحر ليلة عاشوراء، حيث أغرب تعويذة في السنة، ليلة خرافية بامتياز ،حيث فيها يتحدثن،بعد الوضوء بالبول، عن خلطة الكسكس بكف الميت و عن كل مدهش ومرعب وعجائبي وغريب. فيؤذن المؤذن لصلاة العصر فتهرع أغلبهن لخلع سراويلهن في هيجان مثير يوحي لك بداية أن الأمر يتعلق بالاستعداد” لوليمة نكاح جماعي” أو إسهال مباغث، فيرفعن نصف أثوابهن الخلفية على رؤوسهن، قبل أن ينخرطن، بلا حياء ولا حشمة،في صلاة استعراضية بلا وضوء ولا تيمم دون مراعاة اتجاه القبلة حتى، فتمتطي عجوز شمطاء صهوة مكنستها السحرية وتحلق عاليا، بعد أن تتجشأ وتتمطى كالمركوبة، فتفرغ ما في جوفها في أحاديث الجن السليماني الذي يسكن المقابر والمغاور والبالوعات والمراحيض والكهوف والآبار الجافة وهي تهش بطرفي لثامها على الذباب، الشرس الطنان، كمراوح يدوية، كاشفة عن صدغين اشتعلا شيبا احمر ذهبيا. وأخرى ممددة هناك في زاوية الضريح، يسمع لها شخير وغطيط ما يلبث أن يتحول إلى ضرط متواصل، فتلكزها جارتها بقبضة يدها باشمئزاز، منبهة إياها بأنها كسرت الوضوء ،فتجيبها متثائبة بفم أدرد مهترئ “لا نعاسي خفيف غير سهيت أودازت بيﹶ عيني”. لم ينته عهد الصبايا بزيارة الضريح إلا عندما تسلل مرة، شياطين الحارة وسرقوا سراويل المصليات وطقما ذا أسنان مذهبة ورموا بها على سطح الضريح فكانت هذه الحادثة آخر عهدي بهذا المزار العتيق.




التعليقات 11 على “نساء من زمن ولى”

  1. فاطمة الزهراء المرابط علق:

    سبق و استمعت الى القائك الجميل لهذه القصة، خلال ملتقى اصيلة الاول للقصة القصيرة و ها انا اقراها من جديد هنا على صفحات دروب، و اعترف انها المرة التي اقرا لك بهذا المنبر،لكن في قراءة هذه القصة متعة كبيرة

    تحياتي ، دمت عاشقا للكلمة الصادقة

  2. وحيد نورالدين علق:

    العزيز عبدالواحد كفيح
    …حرام عليك يا أخي
    ……تريد ان تستعدي العجائز عليك ؟…
    ……………..فوحدك اذن .
    …………………….دمك حلال عليهن .

  3. صخر المهيف علق:

    العزيز عبد الواحد كفيح
    أسعدتني القراءة لك من جديد يا بهي، نص لا يقرأ مرة واحدة …لي عودة
    مع محبتي الخالصة

  4. حسن اعبيدو علق:

    يا ابا كفيح
    هل تريدنا ان نرفع اتجاهك رماح الحرب هاهاهاهاهاهاه
    لا عليك فانت تعلم اني امزح واعلم ان ساردك ما عمل الا على ان فضح المستور الثاوي في دهاليز التخلف والكبت
    انها قصة تلج علم النفس الاجتماعي بكل ما فيه من مفارقات حيث لا غرابة في ان يجتمع المقدس والمدنس ، والدين والخرافة ، والاستهتار وانوف الاطفال المحشورة في كل شيء ، انه خزان السارد الذي لا يمحى لاقول يا ويل الام التي تلد قاصا مثلك يا كفيح او مجنونا كوحيد أو سلكوطا كعبد الغني
    مصيبتي اني احبكم جميعا يا مساخيط

  5. عبد الواحد كفيح علق:

    العزيزة فاطمة الزهراء
    تحياتي البيضاء
    شكرا لك فاطمة على تفاعلك الايجابي مع نص خارج من دهاليز العجائز
    واصيلا ستبقى ذكرى جميلة عالقة بالذاكرة
    مودتي لكم جميعا هناك
    كفيح

  6. عبد الواحد كفيح علق:

    عزيزي سلطان السرد الجميل
    وها انت يا اخي ترى كيف يريد هذا السارد الاحول ان يجرنا الى
    سخط العجائز.انا اقول له ها الطريق وهو يقول ها المسرب الله اهديك علي انت واياه
    محبتي الفارهة

  7. عبد الواحد كفيح علق:

    صديقي الاعزصخر
    ثق بي انك نقشت اصيلا في القلب والذاكرة
    سعدت بمرورك واسعد بعودتك
    مودتي الباذخة

  8. عبد الواحد كفيح علق:

    العزيز حسن
    كم كان عبورك دافئا مثل حضن الجدات
    هكذا ،كما تفضلت، احب ان يكتشف المتلقي هذا النص
    المقدس والمدنس
    الخرافة والدين وووو
    لابد ياحسن من استغوار هذا العالم الصامت الموصد على اسراره.
    واستكناه تلك الفضاءات المتجعدة. من اجل كل هذا كان لزاما علي ان امتطي صهوة السرد الابلق ملاطيا او مسرجا واتسلح بمهماز من حكي ناذر وعصا من حرير او زيتون لست ادري اهوي بها ،لست ادري اعلى مؤخرة ساردي ام مؤخرة الابلق ليسارع براق السرد وينهمر سيل الحكي متدفقا يغرف من عالم ساحر مدهش لازال ثاويا معتقا في ذاكرتي
    لك مني تحية شاسعة شساعة قلبك المترع حبا
    مودتي يا حسن

  9. مصطفى ملح علق:

    الصديق المبدع عبد الواحد كفيح

    تحية خاصة أزفها إليك قاطعة أشواك المسافة بيت برشيد والفقيه بت صالح ..
    قرأت نصا جميلا ..
    يحييك القاص جبران أبو مروان ..
    دمت مبدعا ..
    مودتي

  10. عبد الواحد كفيح علق:

    صديقي العزيز مصطفى
    يسعدني مرورك البهي ايها الشاعر الانيق
    سلمت لوزتا عزيزي جبران
    دام لكما عشق الحرف وسحر الكلمة

  11. عبدالله المتقي علق:

    الأعز عبدالواحد

    دوما تفتح شهيتي
    ووتركني اتلمظ

    مزيدا من الماء
    القصصي الساحر
    والممتع

    مودة صادقة

أضف تعليقاً


متابعة التعليقات دون ترك تعليق


Rss Feed Tweeter button Facebook button Technorati button Reddit button Myspace button Linkedin button Webonews button Delicious button Digg button Flickr button Stumbleupon button Newsvine button Youtube button

Switch to our mobile site