نيتشه: الأخطاء هي التي ربت الإنسان.



أشعار الباشا

لكم هوّ مرّ رحيلك يا هديل الحضيف

إمدادات هذا الكاتب  أشعار الباشا16 مايو 2008

إن كنتَ تبحث عن طريقة بارعة الفشل لبداية نصٍّ ما فابدأ بعبارة : ” لا أعرف كيفَ أبدأ ” ! ..

إنه الفشل المبرر لمن يكتب الفجيعة و الحزن في لحظة اصطدامه الأولى و القوية بالنفس الضعيفة , و القلب الهشّ . هذا هو ما انتهيتُ إليه مِن تبرير عجزي عن بداية كتابة نصي إلى صديقتي عَن بُعد , و صديقة الجميع _ هديل الحضيف _ التي قبضها الله فجر اليوم إلى رحمته و عُلاه .

أتساءل هل يوجد من يحتاج إلى تعريف عن هديل ابنة الدكتور الأديب محمد الحضيف ؟ , أقصد هل يوجد من يحتاج إلى هذا و نحن في عصر الإنترنت الذي يكتب فيه الجميع .. و كانت هديل إحدى الكاتبات الناشطات في المواقع الأدبية في الإنترنت ؟ لو طلبَ مني أن أدفع كامل يومي لكتابة تعريف مطوّل عن هديل لدفعتُ الدقائق و الثوانيَ دمعاً لله ثمّ لها عسى أن يهدأ قلبي و قلوب كل الذين سكنَت هديل نبضاً بين جوانحهم .

لكن لأنّ للأماكن قوانينها و للمساحات حدودها , و لدروب ظروفها و أنظمتها سأكتفي بالتعريف الذي يجعل القارئ يشفع لي موضوعي هذا عن هديل و جرّاء وفاة هديل و مالذي سخطت عليهِ بعد وفاتها حين تذكرته ..

هديل قاصة سعودية , من جيلنا كاتبات العشرينات و لها مجموعة قصصية صدرت قبل أعوام بعنوان ” ظلالهم لا تتبعهم ” عن دار وهج الحياة للإعلام و النشر . هي أيضاً كاتبة مهتمة بالشأن الاجتماعي الإنساني و مدونتها عتبات الجنة تشرح كل شيء ..

http://www.hdeel.ws/blog/

إضافة إلى أنها كاتبة نشطة في عدد من المنتديات الأدبية و تُعتبر بشهادة كل من وقف و شهد لها نموذجاً للكاتبة السعودية المثالية .. اجتمع بشخصها الخلُق الحميد و العلم و الثقافة الحقّة .. و العقل الرصين فكانَت الملاك الذي يحلق في مدونتها و كنت قد بعثت لها أخبرها يوماً : أكثر شيء أتقنتِه هذه الفترة يا هديل هو اختيار اسم مدونتِك .

هديل كانت قد دخلت في غيبوبة بشكل مفاجئ قبل ثلاث أسابيع بتاريخ 21-4 .. تناقلت المواقع أخبارها عن طريق والدها الدكتور الأديب و صاحب الرواية المشهورة ” نقطة تفتيش ” محمد الحضيف . هبّ معظم مجتمع الإنترنت للدعاء لها و ساهم كل بما يأمل في الله أن ينفع و يعين هديل على تجاوز مصابها .. جميعنا كان يأتي علينا الصباح كل يوم بأمل جديد و تفاؤل متصاعد ..

لكن هذا اليوم , صباح الجمعة كان أقوى مِن كل إرادةٍ بشرية . لقد رحلَت هديل .

رحلَت هديل و هي مدججة بالبياض مِن قبل أن ترحل , رحلَت و تركَت مئات القلوب معقودة الألسن مشدوهة العقل تطلب الله أن يلهمها قدرة الإدراك ولا تستطيع . رحلَت و تركتنا في خضم دعائنا لها أن يستجيب الله توسلاتنا و يعيدها إلينا ملاكاً كما حين غيّبها و هي في وضعية ملاك .

ليسَ قدر هديل في قلبي أن أكتب عنها مقالاً في مجلة . سأكتب لهديل كثيراً في دفاتري و مذكراتي الخاصة كما كنت ولا زلت أكتب يومياً لصديقة عمري و توأمة روحي ” ليلى ” التي خطفها الموت و هي في زهر الصبا و تركتني أصبو لوحدي في حياةٍ لم تعد كالحياة . تركني أحبابي في غابة الدنيا وحيدة أرهق الدعاء بالدعاء لهم و أستزيد من خلود أرواحهم في روحي كي أعين روحي على الحياة .

رحيل هديل جعلني أتذكر أشياءً أخرى , أشياء اعرف أنّ الجميع يعرفها لكنّ الإنسان طبعه الغفلة و النكران و الاستكبار .. بل طبعهُ العصيان .

منذ مدة و بعض المجتمعات الثقافية تعيش خصوبة حربيّة تحسد عليها ! . خصوبةً من النوع الذي يجعل العاقل و المجنون يتفقان أنّها لا يمكن أن تمتّ للمثقف و الكاتب النظيف بصلة . خصوبةً أو ” خصومة ” من النوع الذي بدأت شوارع العالم نفسها تترفع عنه و تحمي أقدامها من الزلل فيه .

خصومات و حروب بل تفريغات مستميتة من الأشخاص الذين ابتلاهم الشيطان بزخٍ مِن صفاته فاستَقبَلوا و هلّوا , كثيرات و كثيرون هم الذين نالهم مِن الأذى طعنات . كثيرات و كثيرون هم الذين أُكِلَت لحومهم و تم التخفيف عن ذنوبهم و بُشّروا بحسنات أولئك الغافلين النمامين المشوّهين . قد أكون إحدى هؤلاء المتضررات حدّ العُنُق مِما حصل أو قد لا أكون . ليسَت هنا الأهمية , بل ..

الموت الذي أتى فجأة و اختطف صديقتنا البيضاء و القوم من حولها يختصمون جعلني أسخط على الحياة مِن جحودها لنفسها , أسخط على الحياة من الحياة .. على أنّها أبقَت الأشرار و خطفَت الطيبين رغم إيماني الكبير أنّ الله يهدي مَن يشاء و الضالّون يستحقون العيش كالطيبين , يستحقون الحصول على فرص أخرى للتفكير قبل التكفير , لكن كم مِن الخاوية عقولهم على عروشها تهتز قلوبهم وجلاً مِن معنى الموت و ليسَ من الهويّة التي خطفها الموت منا ؟ كَم ؟

ليس هذا أيضاً معرض للكلام عن سنّة الحياة و اعترافها باللون الأسود كاعترافها بالأبيض ..

إنه معرض للقول :

أنّ الدنيا كائن بكل هذا الصغر و التفاهة حتى أنها أصغر منا نحن بنو الإنسان بكثير . أريد أن أقول لكل المتحاربون و المختصمون و الذين في قلوبهم مرض و زادهم الله مرضا لأنهم رفضوا أن يتفكروا فيه :

هل رأيتم كيف هي الحياة لا تستحق كل أحقادكم المكدسة ؟ هل رأيتم كم هي الحياة رخيصة بكل أضوائها و مفاتنها الحقيرة ؟

هل رأيتم كيف أنّ الحياة لا تستحق العنف و الحروب و التشويه و الاحتقار و الانشغال بالناس و الانصراف عن هفوات النفس و كل هذا لأجل ماذا ؟ لأجل منصب أو شهرة زائفة مغلفة باسم الثقافة و الأدب و الفن ؟! . لأجل مادة و غنى قد يكون أيّ غنى عدا غنى النفس ؟ . لأجل منتديات و أمجاد افتراضية و صدقات معنوية على هيئة تبجيلٍ و مديحٍ و تعاضد مِن أشباح و أيقونات أصيبوا بفتنة الضلال و عجزوا عن الالتفات مقدار زاويةٍ صغيرة إلى عهد النصاعة التي ترِبُوا عليها ما قبل الصبا ؟ , لأجل أضواء لا تسمِن ولا تغني عقلاً جائعاً أو قلباً مريض ؟ .

كلما أتخيل كيف كنتم تختصمون و تقذفوا خصوماتكم على المُرهقين مِن هموم حياتهم بعيداً عنكم كلما أتأمل الوقت الذي جئتم تتخاصمون فيه .

هديل التي صلينا أكثر من عشرين يوماً كي تضئ قلوبنا مِن جديد كان بعض الذين يشاركوننا الدعاء لها هم نفسهم الذين يمارسون العنف و التشويه للآخرين في عدة ضفاف أخرى على صفحة البحر .

كيف يجتمع الله و إبليس في قلبٍ واحد ؟ هذا السؤال سألهُ أحد المتفكرين المتعجبين من حال البشر في عهد الثورة و الفتنة لكل شيء و في كل شيء . و كانت إجابة من أبلغ الإجابات التي جاءته :

- يجب على الإنسان أن يقع في الزلل قد يجد مبرراً للتوبة و هذا يفسر بعضاً مِن سبب وجود جنةً و نار في السماء . لكن بعض الفسائل من الناس يتمكن إبليس من السكن فيهم بكلّ ثقله و هيبته ! .. و الله غير موجود في قلب إبليس و إلا كان من المخلدين في الأعلى .

ليس المطلوب من البشر أشياء كثيرة في موضوع الموت سوى إدراك معنى الموت . إدراك ما يعنيه هذا الكائن المتوحش و الذكي . هذا الكائن المباغت الذي قد يختطفك فجأة و أنتَ مزدحم بالتخطيط لعملية احتيالٍ أو تشويهٍ أو كذب أو خداع جديدة .

هذا الموضوع ليس وعظاً لأنني لستُ مِن أهل الوعظ و النصيحة . هذا الموضوع دعوة مُرهَقَة و عظيمة للتفكر فيما يعنيه الموت .. للتفكر فيما تعنيه ( النهاية ) .

و قبل نقطة آخر السطر :

اللهم ارحم هديل الحضيف و اغفر لها و تجاوز عنها ..

اللهم أبدلها داراً خيرا من دارها و أهلا خيرا من أهلها و أدخلها الجنة و أعذها من عذاب القبر ومن عذاب النار .
اللـهـم اجزها عن الإحسان إحسانا وعن الإساءة عفواً وغفراناً.
اللـهـم ادخلها الجنة من غير حساب ولاعذاب .
اللـهـم اّنسها في وحدتها وفي وحشتها وفي غربتها.
اللـهـم انزلها منزلاً مباركا و أنت خير المنزلين .
اللـهـم انزلها منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

اللـهـم املأ قبرها بالرضا والنور والفسحة والسرور.

اللـهـم انقلها من مواطن الدود وضيق اللحود إلي جنات الخلود .
اللـهـم احمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون “يوم لا ينفع مال ولا بنون إالا من أتي الله بقلب سليم”..

اللـهـم انزل على أهلها الصبر والسلوان و ارضهم بقضائك.

عزاؤنا لكَ يا دكتور محمد الحضيف و لأهل هديل و جميع ذويها و محبيها و نحن معكم .

اللهم لا نسألك رد القضاء و لكن نسألك اللطف فيه .. اللهم آمين.

أشعار الباشا

كاتبة قاصة سعودية




التعليقات 11 على “لكم هوّ مرّ رحيلك يا هديل الحضيف”

  1. نزهة علق:

    لا تقولوا انها رحلت ، ارجوكم لا تقولوا ذلك

    انا لا اعرفها شخصيا .. فقط اعرفها من مدونتها.. لكن ما حدث لها هزَّ وجداني بطريقة غريبة.. ما حدث لك هديل كان اختبارا قويا لانسانيتنا، هل ما زال بامكاننا التأثر و الحزن على اشخاص لا تربطنا بهم الا كلمة و حرف و فكرة..

    اسأل الله ان نلتقي جميعا على باب الجنة .. هديل ..

    رحمك الله هديل و رحمنا

  2. نحو علق:

    آآآه يا أشعار
    أبدعتي يا حبيبة والله , أسأل ربنا أن يرحم أمواتنا من فتنة القبر و يبلغنا
    الحشر معهم في الجنة

    و أسأله تعالى أن يرحمنا على الأرض مِن دبابيرها و أن يقوينا على طاعته
    لاحول ولا قوة إلا بالله
    لاحول ولا قوة إلا بالله
    أحسن الله عزاؤكم يا آل حضيف
    أحسن الله عزاؤكم يا آل حضيف

  3. صلاح علق:

    عندما نتشارك في الأحزان تخف وطأتها

    مشاعرك دائما عالية ونبيلة اشعار

    ورحم الله هديل

  4. محمد العتيبي علق:

    لولا خصوبة الشر كيف كانت جهنم ستستوي في ميزانها مع الجنة يا أشعار ؟
    إنها عدالة السماء أن نعيش نحن و الوجه الآخر من العملة على نفس الأرض .
    الموت أحد أقسى دروس الحياة , لكنه مثل الحُب تخيلي ؟
    نعم الحب
    لكثرة ما تتردد الكلمة على الأفواه و تتلاوكها مات حس الشعور بها
    الموت لكثرة ما يخطف من الأرواح ماتت هيبته في قلوب الناس
    الحزن الذي نراه عندما يموت شخص من الناس هو حزن على رحيله
    بعد أن تعود أقرباءه و أحباؤه عليه
    لكنهم بعد أيام سيبردوا و يعودوا لممارسة طقوسهم من غناء و رقص و
    أفعال سطحية تجاه الآخر و كل الحياة بشرها و خيرها ستمضي

    هو هنا الحل
    لو كانت الأقدار التي تقومنا لازالت تحتفظ بهيبها في أرواحنا لاستقمنا
    شكراً لأنك كتبتِ أشعار , أنت بالذات في نفس منزلة هديل رحمة الله
    عليها و أريدك أن لا تستسلمي للأذى و الشر من الحاقدين و المرضى حولك
    نريد أن يبقى أملنا كبيراً ببقية فتياتنا السعوديات المتوقدات خيراً و إبداعاً و عمل

    تحية

  5. أبو المهند » جنازة المدونات علق:

    [...] _______________________ بقلوبكم ——————————- لكم هو مر رحيلك يا هديل [...]

  6. دمووع الوجد علق:

    //

    هكذا فجأة .. اغماء .. فـ غيبوبة .. فـ وفاة

    زائر لابد من لقائه .. قادم لا ريب فيه .. الخوف لا يرده .. والجزع لا يثنيه
    خطب قد عظم حتى هان ، وخشن حتى لان ، بلية عمت ، والبلايا إذا عمت طابت
    {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ }

    أبا المنذر :
    (( وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون))

    //

  7. انسان من كل مكان علق:

    لم ترحل

    حروفها فرضت علينا أن لن ننساها

    رحمها الله رحمة واسعة

    http://from-all-place.blogspot.com/

  8. فيصل الرويس علق:

    نسأل الله ان يتغمدها برحمته ..

    بارك الله فيه يا أشعار

  9. عبدالله العتيبي علق:

    تصدقون بالله توني اليوم قبل الظهر سمعة بهديل من خلال تصفحي لليوتيوب………..

    وسويت بحث من خلال القوقل لاجد كم من المعلومات اجبرت من خلالها الا ان ادرف الدمعات على هده الفتاه عسى الله ان يخلفها في شبابه كل خير ويجبر عزاه اهلها ويجمعنا واياها واياكم في مستقر رحمته ونعيم جنته.

    هديل ليت بنتي في تصبح هديل المستقبل……..

    لقد اعجبت فيكي من قرات سويعات…… لقد ملاتي حياتكي القصيره وحيات الكثير الكثيره بالامل والتفأل والحب فعسى الله ان يتغمدكي بواسع فضله وعظيم مغفرته انه على كل شي قدير

    امين

  10. jeeeje علق:

    رحمك الله ياهديل لم اقرا كتاباتك ولم اعرفك الا بمحبة الناس ودعائهم لك
    اسال الله ان يرزقني ببنت كهديل

  11. سووون علق:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
    لقد سمعت لاول مرة عن هديل في برنامج الحياة تك على قناة المجد وكن اللقاء مع والد هديل ومن تلك الفترة وكلما تصفحت النت احاول ان اعرف من هي هديل.
    ولكن الان فقط عرفت من هي هديل ولكن بعد فوات الاوان, فلماذا لا نعلم عن المبدعين في شتى المجالت الا بعد رحيلهم.
    رحمها الله رحمة واسعة.
    وبالنسبة لك انت المبدعة اشعار الباشا كيف يمكنني التواصل معك.

أضف تعليقاً


متابعة التعليقات دون ترك تعليق


Rss Feed Tweeter button Facebook button Technorati button Reddit button Myspace button Linkedin button Webonews button Delicious button Digg button Flickr button Stumbleupon button Newsvine button Youtube button

Switch to our mobile site