توماس هيجنسون: الأصالة ببساطة زوج من العيون الطرية.



فاطمة بو زيان

ما كان مؤجلا وبقي

إمدادات هذا الكاتب  فاطمة بو زيان28 أكتوبر 2005

واقفة في مهب البياض، وهذا البياض لايدثر قلبي من عراء ذلك المساء، وفكرت ان أنام وأؤجل الكتابة اليه حتى الليلة القادمة.
***
وها الليل الذي راهنت عليه يشيع النهار المحتضر،وينشر عباءة الحداد على وجه المدينة وانا مازلت أتأمل خرس الحبر وأفكر..افكر لماذا اعقد ميثاقي دائما مع الليل واظن عتمته وحدها تستجلي غوامض قلبي : هل اخاف من وضوح النهارام اخجل منه؟..ولماذا أفتعل هذه الكتابة؟ هل ارغب في التنهد من رئة البياض ام تراني استعذب عذاباتي واستعيدها في الحبر كي اعيشها المرة تلو المرة؟ ام احاول التواطؤ مع الحروف علها تنسج لي حبل وصال يستعصي على رقابة اناي؟ام هي تمارين الحنين يجبرني القلب على انجازها في دفتر كل مساء؟؟؟ ام ،،،وغرقت في يم الاحتمالات وانفتحت شهية تفكيري على اسئلة سرية تأخذ طريقها دائما الى انفاقي الليلية، لكني خفت ان ينفلت الليل مني فاحتاج الى احتضارنهار آخر وولادة ليل آخر، وفكرت في قهوة مرة واضاءة ذابلة وموسيقى هادئة هذه طقوسي في الكتابة وقد تسوق الي المؤجل بكلمات تتقرى جغرافية الوجدان دون تورط لكن كتابة مرادفة للألم لاتحتاج الى طقوس، وفكرت ان أبدأ هكذا :
-ايها الساكن في الاعماق ..
ماهكذا يتعاتب الاحبة؟ ! ..
تجمعنا الصدفة في الشارع الرئيسي امام المكتبة حيث كنا نفتعل الصدف، هل تتذكر؟..كنت تفول ان للصدف منطقا عنيدا مع العشاق لايقهره الا الافتعال ..لماذا حين لملمتني الرؤية الى عينيك ادرت لي طهرك واقتحتمت الشارع الفرعي دون ان تهتم بخطوي اليتيم في الشارع الطويل العريض؟ ولابعيني المفتوحتين على دهشة الألم ؟ ..هل تعرف اني عبثا طفت بمدائن الماضي ولم اعثر في كل حدائقه ومقابره مايبرر صقيع ظهرك !.. قل لي هل يكفي هذا الصقيع لتتتصلب الاوردة؟ ثم هب انك غيرت الشارع هل يغير ذلك ما في قلبي وقلبك؟ ..لو انك وقفت قليلا كنت سألتك فقط ان كنت مازلت تكتب..تأكدت كثيرا ان هذا الحب من امراض الكتابة والا لماذا نجب بعضنا ونحن في خطين متوازيين لايلتقيان أبدا ..وكنت تأملت قليلا ابتسامتك الممزوجة بتعابير الحزن، وحكيت لك قليلا عن قسوة ان تضحك وأعماقك غارقة في الدموع ، وغرابة ان تعجز عن حصر الاسماء التي ارتبطت بها مباشرة ، عبر الهاتف الثابت والمحمول وعبر الانترنيت والكتابة ثم تطل على اعماقك فتجد نفسك وحيدا ، وفظاعة ان تكون في غرفة النوم ولاتعرف طعم النوم !! ..أنت مضيت والشارع، الشارع نفسه الذي كان يغمرنا في فيض النظرات تكلست أرصفته واستطالت قامته استطالت طويلا..حتى أطراف المدينة تكلست وجفت رغم انها على شفير الماء..سجل عندك لصفعتك الاولى صدمة القبلة الاولى : كلاهما أخذني الى الاقاصي ،أقاصي الالم واقاصي النشوة. !.هل تحب ان احكي لك أكثر عن المشهد الذي يطوف بي كل مساء ويصيرني قطع غيار لاتصلح لشيء وفي القلب قاعة انتظار فارغة، لا، لاأستطيع ان احكي لك أكثر فالكلمات كما تعرف لا تستوعب ألم الألم ، هي فقط تجعلنا نتخيله كاحساس قاس ، فقط نتخيله ولا نستشعره، هذا ما تفعله الكلمات ، ثم هذا الألم يلاعبني لعبة شهرزاد مع شهريار فيطوف بي من ليل الى ليل كي يحيا بدواخلي ، بدواخلي فقط ولكن..

تخيلته يفض الغلاف ويقرأ ألم كلماتي وهو يفتل شاربيه زهوا با نتصاره أليس هذا ما قصده؟ وقلت استعير من هذا الليل برودته وأبدأ هكذا :
-ايها اللاشيء…
وهل تعتقد انك عندما تخلي الشارع الرئيسي من ظلك الثقيل ! وتصعق رصيف الشارع الفرعي بخطوك المتنطع ستغير وجهي ووجه مسائي، فأحضن قلبي بيدين مرتعشتين وأبكي مثل طفلة ضاعت دميتها الوحيدة؟ ثم من قال انك لو وقفت كنت وقفت عندك ؟ ومن انت حتى اهتم بحضورك وغيابك ؟ لست سوى رجلا عابر في كلام عابر ..هل تعرف اني مدينة لك ببحر من الشكر لانك بتصرفك حررتني من الغباوة التي كنت اسميها في الماضي حبك ، لابل من قال اني احببتك؟ ومن قال ان الارض كانت تهتز لسقمي وتدور حول كوكب الحزن حين لااراك؟ انت تتوهم ان كنت صدقت ذلك وانت…
ولم استطع الاستمرار، وساورني الشك في ان يكون هذا الكلام لدواخلي ثم ما هكذا يتعاتب الاحبة !..وفكرت ان ابتعد عن خط التماس وأعلن جرحي فيما بين السطور هكذا :
-ايها الغائب الحاضر
رايتك ذات مساء تتفحص بعيون الشغف عناوين الكتب في مكتبة الشارع الرئيسي ثم لمحتك تتبع خطوك الشارد الى الشارع الفرعي ، يقينا كنت تستعيد في شرودك عنوان كتاب قرأناه معا، او تفاصيل تلك الصدف التي افتعلناها في ذلك المكان..هل تتذكر كنت تقول ان للصدف منطقا عنيدا مع العشاق لا يقهره الا الافتعال ..انا لم أتألم ولم انزعج حتى…صحيح بللت وجه الأ رصفة بدمعي لكني لم اكن ابكي ، انت تعرف برودة المساء تثير حساسيتي فيسيل من عيني ما يشبه الدمع
أنا مثلك احب الاحتماء بذكريات البدايات المتوهجة على مجا ملات النهايات الثلجية لهذا مضيت ..

استوقفني تفكير تفكيري وضحكت مني دواخلي افظع انواع الغباء، تصنع الغباء !..مشيت قليلا في الغرفة وحدقت طويلا في المرآة، كنت اريد ان ارى تلك المرأة التي تحتجب في دخان حرائقي في اعمق مكان بدواخلي ، كنت اريد ان اختصر المسافات الطويلة التي تفصلنا واخرجها في متن كتابة تقول ما اريد وتريده ،علنا ننعم بهواءات جديدة، ولكن كيف وهذا الليل يحزم حقائبه للرحيل وانا واقفة في مهب البياض، وهذا البياض لايدثر قلبي من عراء ذلك المساء؟ وفكرت ان انام واؤجل الكتابة اليه حتى الليلة القادمة
***
وها الليل الذي راهنت عليه يشيع النهار المحتضر، وينشر عباءة الحداد علىوجه المدينة وانا أتأمل خرس الحبر وأفكر.. أفكر…




التعليقات 8 على “ما كان مؤجلا وبقي”

  1. كمال العيادي علق:

    فاطمة.
    فاطمة العزيزة,

    كمثل من صعقه الكهرباء, دخلت النصّ, ولم يكن في مقدوري التخلّص
    من الشّعور بأنّني لن أنجح في أن أكون محايدا مع هذا النصّ القريب.
    ثمّة دبيب مثل دبيب النّمل يصّاعد مع دمي. ثمّة دغدغة. ثمّة دهشة ورعشة محبّبة. ثمّة ما ثمّة. ثمّة احزان جمّة. ثمّة زهرة وعيون.
    كتبت معك النصّ وجلست واقفا خلف كرسيّ طاولتك, أتابعك وأنت
    تهمّين وتتأخّرين. شتمت معك الأزرار التي لازالت تخون. فكّرت معك بحيرة ان أمحو هذا السّطر أو اتركه. ترشّفت ما بقى من فنجان المرّ.
    أغلقت السّتائر خوفا من تسلّل الضّوء لبيت الجيران. كتبت عوضا عنك : ارسل.
    ولكنّك تثاقلت. فكّرت في احتمالات ما فكّرت انت فيه. كنت هناك. من غرفتة مكتبي بأقصى غابات مونيخ. كنت معك.

    شكرا لهذا النصّ الذي يفيض حياة وجمالا صافيا خلاّبا.
    شكرا لكل هذا القلق المؤسّس الغالي.

    كمال العيادي – ميونيخ
    http://www.kamal-ayadi.com

  2. مليكة نجيب علق:

    غلالات حزن ورماد تطفو على ذكريات ثاوية بقلبك الكبير، كلماتك تقطر حنينا و شوقا وأسى من انقشاع ليل طويل لاستقبال هواء مفقود، لتملي بياض انمحى معه كل البياض أو ربما لتفقد احساس حب انقرض …..
    نص مشرع الصدر لعابري المساءات.

  3. حسين أكروح علق:

    العزيزة فاطمة
    أتصورك هاربة ولست خجولة من بياض النهار… أيتها المسكونة بهاجس الليل….أتذكر جملة وقعت بها دفتر الزوار لموقع شاعرصديق: الليل مهنة الشعراء… بدوري اقول لك ان الليل مدينتك…
    معذرة على عدم اتمام قراءة النص خلال النهار …لان كل نصوصك افضل أن أقرأها وأنا أدخن…( الوقت وقت رمضان ) .. لهذا سأحتفظ بالنص الى منتصف الليل.
    سأعيد الى هذا النص بالتأكيد
    مودتي

  4. فاطمة بو زيان علق:

    الاستاد العزيز كمال
    دائما يصبح تعليقك على نص ما ، ابداع يوازيه او يفوقه ابداعا
    ااشكرك على تفاعلك مع النصوص الابداعية في هذا الموقع واغبط بمحبة قدرتك على الاطلاع على الكثير مماينشر هنا والتعليق عليه بتفصيل يكشف انك قارىء نهم ،تماما مثلما انت مبدع جيد
    شكرااااااااااااااااااااا لك
    اختي مليكة لاشك سبق لك الاطلاع على النص في المجموعة
    تعرفين بعض الانانية الابداعية تجعلني احيانا اعيد نشر نصوص المجموعة من اجل القارىء العربي وابرر ذلك لنفسي قائلة ماجدوى هذا الانترنيت ان لم اعبر من خلاله الى حيث لايصل الورق اقصد المجموعة
    ولهذا كرم كبير منك قراءة هذا النص وكرم اكبر التعليق عليه

  5. فاطمة بو زيان علق:

    اخي حسين اكروح
    لاعليك ، انت تعرف ان الاحاجي تحكى في الليل من اجل ان لا يفقد الراوي شعره لاتقل ان جدتك الريفية لم تخبرك ؟
    لكن ليس شرطا ان تقرأ القصص ليلا
    ذات يوم اورطك في ترجمة كل قصصي الى الهولندية من اجل اولادك وابناء القبيلة هههههههههههههه

  6. نورالدين محقق علق:

    المبدعة الشفافة
    فاطمة
    ثلاث رؤى متشابكة ، كتشابك النمل و هو يسير في خط تصاعدي نحو الهدف.ثلاث رؤى من خلال عين تنظر نحو الداخل، لترى بها أعماق الجرح الكامن فيها.ذلك الجرح الذي يحول الالم الى لذة مستعصيةعلى الادراك.اي نص هذا الذي كتبت؟انه رسالة شوق و جوى و لظى و احتراق.تتراءى فيه الشخصية الغائبة مثل طيف ابي هاملت الذي يعود لتأكيد حضوره والذات مترددة في تصنيف هذا الحضور.نص يمتح من الذات و يعيد تشكيل العالم وفق نظرتها اليه.نص ذاتي بامتياز،وخصوصيته تكمن في هذه الذاتية.نص ينكتب كما تنكتب الرمال على شاطئ البحرمرة اولى ومرة ثانية ومرة ثالثة.ماذا أقول؟ لقد اعجبني النص.
    نورالدين محقق

  7. عبد النور إدريس علق:

    المبدعة فاطمة بوزيان
    كل الدروب قد توصل إليك..وأنت في مدار الحكي تقفين على عتبات الليل ..القمر لا يلتفت إلى دفء المارة..إلا وهم يحملون أغلفة الرسائل إلى النهار ..وقِفَفا مملوءة بالأعشاب والخضر الطازجة، يخبئون تحتها أجمل الكتب وقد يلفون بجرائد الأخبار أحزمة النعناع والبقدونس..
    وأنت تنظمين المرور..وتعلمين الأحرف طريقة الركوع في ليل الحكاية..
    لا تسمحين أن ينتقل إلى الضفة الأخرى سوى الحرف الأنيق والخيال الصولجاني..
    رقيقة أنت دائما

  8. زهور كرام علق:

    العزيزة فاطمة
    شكرا لدروب.
    كم أضاءت أسماءنا التي تلد في صمت.
    أرأيت ؟
    التقينا قليلا ولكن أثرا عميقا انغرس في الوجدان ..
    وكلما فتحت موقعا كلما برزت وجها يشرفنا إبداعا وأيضا حضورا في الموقف والنقاش.
    فرحتي بك اليوم مثل فرحة ماتزال وشما في داكرتي ..فرحة يوم وضعت القلم أول مرة في يدي وأنا بعد صغيرة . .فرحة كبرت معي وأراني أدركها كلما ازداد عشقي للكتابة.
    هل تدركين الآن فرحتي بك؟
    مزيدا من الحفر في اللغة والدات
    لك احترامي ومحبتي

أضف تعليقاً