![]() |
كن زنزانة لنفسك وفكر في الحرية !؟ |
سعيد الفراد | 05 يناير 2009 |
وكم كانت الزنزانة التي آوتنا مظلمة تنبعث منها إلى أنوفنا رائحة رطوبة نتنة، مدججة أيضا برائحة فئران تزكم الخياشيم ،يركن السجناء إلى حضن زاوية واحدة مشكلين كومة بشرية من الحطب التمشيطي .. على أمل أن نقوى على تسريب الدفء إلى نفوسنا المنكوبة كي نهزم البرد الذي أثخن داخلها، ونذهب عنا الغم ،لكن رغم هذا الالتحام المماثل لنبتة الخس، فان الأبصار لا زالت شاخصة ، والقلوب تشعر بالسباحة في وحشة فيحاء،بدوري اقبع في احد أركانها فينتابني انقباض جاثم لعدم وجود سيد أمل معنا ، وذلك بسبب انه صنف ضمن قسم المتورطين في ترويج واستهلاك المخدرات ، يتنهد أحد السجناء ،ويخرق الصمت مبذرا حمولة غضبه حولنا زاحلا:
-هاهي العبرة إذن ؟؟ افعل خيرا تلقى شرا ..القائد …ولد ..شح فؤاده عن رد الجميل لي على الخير العميم الذي أسديته له لما كنت اتاجرفي الحشيش … لكن سيعلم أي طينة من الرجال انا فيما بعد!.
وحينما افرغ من حديثه المكترب حول أواصره بقائد الد…الذي لم يقم له وزنا أثناء التحري معه ، توعد السجين بقصف القلعة الحصينة التي يتوارى وراء أسوارها، بالبوح علانية بأسراره الملثمة ، إن حاول أن يعلي كعبه أكثر من اللازم بإجباره غدا على قضاء ليلة اخرى في السجن بلا نكهة راحة تضفي الهدوء على النوم الخنوع ، الذي لن ينغمس الليلة أسيرا بين دفتيه ،إرتويت ثقة في نفسي بنزيف هذا الكلام الأنيس، الذي جعلني أقتفي أثر الوعي بسلامة موقفي هنا ما دام بائع الحشيش هو مسرور غاية السرور كيوم كان صبيا يرضع اطراف أصابعه ،فأحس أنني في مأمن داخل محيط هذا السجن لاني طليق الذهن
بالنسبة للتفكير في الأشياء فلا وجود هنا لوسائل الراحة غير وسائل القلق ، ولا لصور تملأ العين غير الكتابة الموجودة على الجدران والمشفرة بتقنية شعبية لها دلالتها … ولا مقاهي تعكس نحوي الملل في إشغال العقل بالتأمل… حيث أكون معنويا متحررا حتى النخاع ،حينما اعتقل شرارة الجوع بالرغيف الذي يمنحه لنا الحارس ومعتقلا مادياومعنويا لما تتحرر معدتي من التخمة مقابل تقييد أسيرين في حرية التضور…
مثول هذا الأمان في ذهني واقعيا، لم يكن ليترك فرصة للحسرة تجعل من الرضى العقلي الذي أنا فيه بقرة حلوب فضميري في غنى عن هذا كليا، إذ أخذ بمؤشرات العد العكسي وانشغل بالبحث عن الأبعاد الإجتماعوية للبطاقة الوطنية …أفتش في حقيبة السذاجة عن كتف في الحقيقة يحملها ،وزعانف الصحة لن تبحر في صاع الماء الذي تشربه افواه ما… وتلوكه السنة ما… للحملات التمشيطية: بطاقة وطنية.. بطاقة وطنية.. مثل جرو يلوك عظم استنزف لحمه ويرشق أسنان عوائه نخاع ..نخاع..هل الآن أبتاع تأشيرة المرور الى الإنتخابات؟ لأصوت لصالح رأيي الذي يرشح نفسه لـ” أن يكون مدلول البطاقة الوطنية أغتيلت في خضمها كل الحروف وكل حيثيات الهوية الاسم ،واللقب ،و المدشر، وعنواني انا المجهول وكل شيء جميل أحس به فريدا”، يخطر ببالي استنتاج مدر للمعرفة .يرتضي أن تدرك مزايا جعل البطاقة الوطنية في حجم كبير بعكس بطائق الدول الأوروبية أثناء الأزمات التي ينطرح فيها المواطن دائما على الأرجح… فعلى سبيل المثال إذا داهمك الليل في مكان قصي من نسيانها داخل الذاكرة، تتخذها للنوم عبارة عن حصير ، حينما تحظى
باستضافة من المخفر ،
وتظل تعدد كم النجوم المتلألئة في السماء عبر ضرب هزاء الأحلام ببرهات الليل الفاجر،
اطرح منه الهجع المخدر،
هاهي المعادلة تتراءى لك في طيف سيد الكوميسير :
ما اسم أمك وأبيك؟؟؟
- اسمهما محاكان بزربية تآكلت ،فتاتها جعلت منه الطيور الكاسرة وكرا لها فوق صومعة حسان
-أين ولدت ياهذا في المستشفى ام في المنزل ؟؟؟
- لا في المستشفى ولا في المنزل بل في المقابر
-حسنا ، وشقيقك ؟؟؟
- ولد على متن قارب مطاطي ، وجبل طارق شاهد عيان على بتر حبل سرته بواسطة غلاصم سمكة وهو الذي خلد اسمه في الحالة المدنية على السفوح
-طيب وشقيقتك ؟؟؟
- شقيقتي ولدت بين الأحراش في الأدغال على السواحل الإسبانية
كفاك هراء ياهذا فهاته الأسئلة المشينة التي تطرحها على نفسك قد أمتعت المهزلة ودفنت موءودة لغتي في حلقومك… وكم سيكون للألفاظ من نصيب في تمرير ضخامة الفكر من المسار الضيق لهاته الكلمات التي تركت وظائفها شاغرة في الحكايات والخرافة، كيف ؟؟ ؟
كيف كان سيكون الأمر كذلك ؟ وحال الخزعبلات هي هي واهية لا شفقة فيها، وهي التي أمرت السخط بان يكون رفيقي حيثما حللت وارتحلت ، فلا خجل من القول الآن أنه رغم هذا لم أستسلم لقوة التيار، فسرعان ما قمت بنحت قرون رخامية هرقت بهم أحشاء الصمت في مرات عديدة ، لأنه في شتى الحالات ليس من الصواب في شيء ان تبقى الذوات كابحة أشجانها كرئتي دلفين في جوف الماء بالمحيطات ،دون أن يقع على مسامعي صوت رنان يتوعد بنسف شرنقة الباطل عن الحق ، ليتبلور إلى الوجود ،وحتى اتدارك هذا الخصاص الشاسع أثني على نفسي بواسطة اجترار كلمة الحق مرات عديدة لئلا يحتفظ “الجهاز الحاكي” الذي أضعه أمامي أحسن إحتفاظ بصداها ، ويحين وقت إزالة الكآبة بها لما أهجع للنوم فأشعل ” الجهاز الحاكي” ويردد نواح ضارخ :
- الحق والحكمة ..ألحق والحكمة ..؟؟ لماذا ؟ لماذا؟ …لماذا كل هذا؟ وهل في صمتكم جرس رنان من شأنه أن ييقظ عظام اجدادنا الأفذاذ لأجل حمايتكم من جثو الباطل ؟؟
ولي في هذا باحة استراحة المحارب ، وجسر العبور نحو الاطمئنان النضالي الذي تحس فيه نفسي داخل ازدحام خانق ووسط لجة من المتظاهرين الذين ينتصب صخبهم في السماء كرعد خاطف…
سعيد الفراد






شارك معنا في استبيان حول الكتاب المسموع

