![]() |
حين أصبح العالم أعمى في فيلم” العماء ” لساراماغو |
جاكلين سلام | 08 مارس 2009 |
حين أصبح العالم أعمى، وأسطورة ساراماغو
جاكلين سلام-تورنتو
في إحدى صالات جامعة تورنتو أقيم حفل عشائ فاخر وعرض خاص لفيلم “العماء”، أسطورة جوزيه ساراماغو، روايته التي كانت جواز سفره إلى قمة نوبل. الفيلم من تمثيل جوليان مور، مارك رافيلو، غيل غارسيا برنال. إخراج البرازيلي فرناندو ميريليس. أما كتابة السيناريو للشاشة فقام بها الكندي دون ماكيلار. فيما اشتركت في الانتاج ثلاثة دول كبرى وهي كندا، اليابان، والبرازيل. الفيلم ناطق بالانكليزية، تتخلله مقاطع قصيرة باليابانية. تم تصويره الفيلم في عدة بلاد ومدن منها: تورنتو، أونتاريو كندا، سان باولو، والارجوي. مع المحافظة على إخفاء معالم المدينة أثناء التصوير لتبقى مجهولة كما أراد الكاتب. أنها مدينة ما، وكأنها كل المدن هذا العصر.
في مكان ما من العالم، مجهول الهوية، سيصاب شخص لا على التعيين بالعماء، وسيصبح الوباء معديأً. تنتقل العدوى كالانفلونزا من شخص إلى آخر، من خلال التواجد في نفس المكان. تصاب المدينة كلها بهذا المرض الغريب. تفقد الحكومة النظر أيضا. يعم الخراب العالم. العماء الحليبي الأبيض يصيب الجميع. فقدان البصر سيجرد الإنسان من إنسانيته إزاء صراع البقاء. أما الرحمة واللمسة الإنسانية ستأتي من كلب ضخم. كلب شارد، حين يرى المرأة تنوح حزينة وهي تشهد هذا الخراب، يأتي إليها ويلعق دمعتها بلسانه، فتبتسم. لم يصبح الكلب أعمى. لكأنها “ثيمة” يصر عليها ساراماغو وتتكرر في بعض أعماله الروائية. سيصبح الإنسان في هذا الفيلم هو الحيوان، بوقاحته، بعهره، بصراعه الحيواني من أجل لقمة طعام، من أجل نفسه وفرديته. ولكن يبقى في العالم الأعمى جانب إنساني يصارع الجانب الشرير. امرأة وحيدة( جوليان مور) في هذا الخراب تبقى قادرة على الرؤية، وتأخذ دور زوجة الطبيب (مارك رافيلو) الذي فقد البصر أيضاً حين حاول معالجة الشخص الأول الذي أصيب بهذا الداء الذي لا علاج له.
مدة الفيلم 120 دقيقة. باهر في تقنيات في الصوت والصورة والتمثيل. يحبس الأنفاس، يشّد الروح العالقة في مستنقع هذا الخراب السوداوي، العنيف، العاهر، العاري في بعض مشاهده. العميان لا يحتاجون للتستر ولا يرون عري بعضهم. وحدها زوجة الطبيب تعاين القرف وتحاول قيادة العميان إلى الخلاص. أنها تمثل عليهم دور العمياء كي تبقى إلى جوار زوجها، لا أحد يعرف حقيقتها سوى الزوج. ورغم تضحيتها وعنايتها به وبالمجموعة المحتجزة في المشفى، تراه يمارس الجنس مع إحدى النساء المصابات بالعمى. حين تعاتبه يصرخ في وجهها ويقول: لا يمكنني أن أمارس الحب مع امرأة تمسح لي مؤخرتي، أنت لي أكثر من أمّ الآن…”
يبدأ الفيلم بصورة مدينة ضخمة مزدحمة الطرقات، وعلى إشارة المرور الخضراء يتسمّر رجل بسيارته ويعجز عن التحرك. تبدأ الزمامير بالزعيق، يضيق صبر السائقين ويصيحون، لكنه يجد نفسه قد أصبح أعمى فجأة. يأتي أحدهم ليحدثه، فيعرف مشكلته، يقترح أن يوصله إلى زوجته في البيت، فيأخذه في سيارته، وتبقى سيارة المريض في الشارع. حين يعود الرجل كي يسرق السيارة، يجد نفسه قد أصيب بالعماء، وتنتقل العدوى إلى العاهرة التي التقاها الشخص، وتتوالى السلسلة.
الحكومة تتعامل مع الحالة بهمجية ودكتاتورية. تقرر وضع الجميع تحت الحجر الصحي، تراقبهم دون أن تقدم لهم الغذاء والعناية المطلوبة. الذين في الداخل يزداد عددهم كل يوم. ينقسم المكان إلى حلقتين. حلقة عميان متعاونة فيما بينها ويشرف عليها الطبيب الأعمى وزوجته المبصرة، وحلقة أخرى عبارة عن خارجين عن القانون لا يبالون بارتكاب جريمة، أو اغتصاب امرأة في هذه الظروف البشعة التي يعيشها الجميع. هذه الحلقة، تعين لها رئيساً قذراً يقرر ابتزاز الآخرين بالسبل الممكنة. بالقوة وبحفنة العصاة الملتفين حوله، يقرر الاحتفاظ بكامل الحصة الغذائية التي تصل إلى المرضى. وحين يطالب سكان القسم الآخر بحصتهم، يرفض ويفرض شروطاً. هو ورجال عصابته، يطلبون من قائد الحلقة الأخرى، أن يرسل لهم نساء، كي يضاجعوهن مقابل الطعام. الإنسان مخيّر بين الموت جوعاً، أو القبول بهذا الشرط الدنيء. توافق النساء على الذهاب لإنقاذ الأولاد والأزواج من الموت. تتعرض واحدة منهن للموت أثناء الاغتصاب. لاحقا تقوم زوجة الطبيب المبصرة بقتل الفاعل انتقاما. تتراكم الأحداث ولا تصلهم معلومات عما يحصل في الخارج. تنقطع الخدمات عنهم كلياً. تحاول جوليان مور، أن تجد طريقة ما للخروج من هذا المعتقل أو السجن الذي تحول إلى مزبلة لا تحتمل. حين تجد طريقاً إلى الخارج تواجه نقطة المراقبة التي كانت مخصصة لحراسة المكان ومنع أي شخص من الخروج. فتكتشف أن الجميع قد أصيب بالعماء. تحاول قيادة المجموعة للخروج إلى المدينة والبحث عن طعام وشراب فتصاب بالصدمة. المدينة تحولت إلى مجمع نفايات، خراب كامل أطاح بالأبنية، المستودعات والطرقات. الناس هائمون في الشوارع، عميان يبحثون عن مصدر تدفئة، طعام أو شراب أو ثياب دافئة. الشراسة والتعدي على الآخر، الطابع العام السائد. وحدها امرأة ترى كل ذلك بعينين مصدومتين وروح ثكلى. تبقى مع زوجها ومجموعة صغيرة من الرجال والنساء وتحاول أن تجد موادا غذائية في المستودعات التي ينهبها البشر الأحياء بحثاً عن شيء يؤكل. ولانها المبصرة تجد مدخلاً في إحدى مخازن الطعام لم يصل إليه أحد بعد. تحاول الخروج بأكبر كمية ممكنة من الأطعمة والثياب. وتصطدم مع العميان حين تخرج، تكاد تفقد حياتها. تلجس وتبكي، حينها يصل الكلب الشارد ويلعق دموعها.
العماء الأبيض لم يفرق بين غني وفقير، بين موظف وابن حكومة. الحكومة لم تعد هناك. لقد أصيبت بالعماء كما العامة. الخراب والقذارة سيدة المكان. عالم الأسى، خريطة الأسود والأبيض، العتمة والنور، الوحشية والجمال، الشر والخير، قطبي العالم منذ بدء الخليقة وحتى نهاية العالم. كأن الأمل الوحيد المتبقي هو عين هذه المرأة في هذه المدينة التي لا اسم لها، وسط هذه الكائنات البشرية التي لا اسم لها. لا حاجة للاسم حين يفقد الإنسان جوهره ومعنى وجوده.
وكما بدأ الفيلم بإصابة فرد بهذا المرض ودون مقدمات، هكذا ينتهي الفيلم- الرواية، باستعادة أحد أفراد المجموعة النظر. المجموعة الصغيرة بقيادة زوجة الطبيب، استطاعت الوصول مع إلى بيتها . وهناك تبدأ المجموعة كلها باستعادة النظر. تحل الألوان الحية والوجوه والبيوت مكان العماء الحليبي والعتمة.
لنقل إنها إسطورة سوداوية، لنقل إنها خرافة، لنقل إنها مبالغة في العدمية في رؤية المستقبل والواقع. ولكن لو نظرنا اليوم إلى أرض الواقع سنجد للعماء أشكالاً وصوراً وممارسات على أرض الواقع تشهد على عماء نفوس وحكومات لا تأبه لتدمير الفرد، الأرض والحضارات والبشر.
هذا العرض الخاص للفيلم أشرف عليه “قلم كندا” وبحضور شخصيات بارزة في عالم الميديا والكتابة والبزنس، وكان مناسبة للتعريف بمنظمة “القلم” ومساعيها من أجل تحرير الفرد والقلم من سجون الحكومات العمياء في العالم، وما أكثرها. الفيلم عرض للمرة الأولى في مهرجان “كان السينمائي” عام 2008. بعد العرض أجرت “ادريان كلاركسون” حاكمة كندا السابقة، حوارا حياً مع المنتج مع بعض المشتركين في سيناريو وانتاج الفيلم وتصويره.
جاكلين سلام، شاعرة وكاتبة سورية مقمية في كندا.
BREAD_ROSE2@YAHOO.COM
شرفات، عمان 11 فبراير 2009






شارك معنا في استبيان حول الكتاب المسموع


8 مارس 2009 في الساعة 9:50 ص
العزيزة جاكلين سلام :
سأشاهد الفيلم هذه الليلة وأرى ما إن كنت صادقة أم فعل فيك ” العشاء الفاخر” مفعوله. أعرف أن أصحاب نوبل والجوائز “عالميون” حتى أصبحوا يكتبون في” مكان ما” وفي ” زمان ما” من أجل جائزة ما هههههههههههه .
يقول سعد الياسري عن الفيلم هنا بدروب :
” الفيلم عبارة عن ترجمة حرفية للرواية ؛ إذ كان أمينًا و بدرجة عالية ، و لكنه من الناحية الفنية يتراوح بين المتوسط و العادي . ومازلت أشعر بأنّ شهرته جاءت من خلال أهمية الرواية و شهرتها لا أكثر ” !!!!!
أثق في سعد نسبيا وإن كنت أشعر في قرارة نفسي أنه مستلب يختار الأفضل ” مما خيروه فيه” فيُحسن الاختيار . لو سألته عن فيلم كازانيكرا مثلا لما عرفه. ههههههههههههههه
هنا رأي سعد الياسري في الفيلم :
http://www.doroob.com/?p=33934
وهنا رأيه في جوائز الأوسكار ( علامة استفهام كبيرة ):
http://www.doroob.com/?p=34737
لا يمكن العثور على فيلم Blindness في كل المواقع التي أعرف بسبب الحراسة المشددة عليه من طرف الشركة المنتجة ( حقوق المؤلف ) . لدى يبقى الحل الوحيد هو piratebay مثلا .
من هنا تحميل الفيلم :
http://thepiratebay.org/torrent/4708289/Blindness._2008_FRENCH_.DVDRiP_.XViD__by_chucky
مدة التحميل : من ثلاث إلى أربع ساعات بسرعة : 50kb/s
ملاحظة : إنني حاقد عليك بسبب تعاملك المُهمل لنصوصي بموقع جذور .
إلى سعد الياسري :
إذا عثرت عليك تنشر بجذور قطعت أصابعك. تضامن معي .
9 مارس 2009 في الساعة 9:20 ص
شكراً لك أديبتنا المحترمة على تعريفك لنا بالفيلم .. لقد شدّني عرضك و متى سنحت الفرصة فسوف أشاهده .. للأسف نحن , كما تعرفين ، محرومين من ” نعمة البصر ” بشكل عام في هذه المنطقة من الدنيا لذلك لن يتم جلب الفيلم للعرض إلا بعد وقت طويل … و كم مؤسف أنه لم تعد ليدنا دور سينما لائقة .. الله زمان أيام السبعينيات من القرن لافائت .. كنا نتابع أجمل اللأفلام العالمية في صالات الكندي و غيرها .. و في الوقت المناسب .
مرة أخرى أحييك
و شكراً للدكتور بنكروم الذي يدلنا دوماً على روابط مهمة بهذا الخصوص أو ذاك .
10 مارس 2009 في الساعة 1:30 م
تحياتي للقديرة جاكلين:
أشكرك على عرضك للفيلم..
لقد تابعت الفيلم وكنت قد قرأت الرواية سابقاً..
سيكون من الخطأ أن نقارن بينهما لأنّ لكلّ منهما خصوصيّة تفترضها شروط العمل، فالرواية أكثر إطلاقاً لخيال القارئ من الفيلم..
وهذا لا يعيب الفيلم.. بل هو فيلم نوعيّ ومتعوب عليه جدّاً…
أمّا بالنسبة للعنوان:
أظنّك تقصدين (العمى) خاصّة أنّ الرواية هي العمى وليس العماء لأنّ العماء بحسب تعريف ابن عربى «هو الغيم الرقيق الذي يحول بين الناظر وبين الشمس»، وهو نفسه المنادَى المناجَى في ديوان “طيش الياقوت” لسليم بركات، عندما يكرّر لازمته: أيّها الأب العماء. ويقصد به أيضاً بحسب الأساطير تلك المرحلة المائيّة البدئيّة ـ أم أنّه يقصد العمى، الذي هو (فقد البصر- الكَفاف)..
لك المودّة
هيثم حسين
سوريا
heysem1@gmail.com
10 مارس 2009 في الساعة 10:47 م
اجمل التحيات
عزيزي بنكروم، وصلت حياتك المشاغبة وننتظر ان تقرأ الفيلم وتكتب لنا وجهة نظر أخرى. ولا ضير بالتأكيد. أتمنى ان يكون ربيع مونتريال رحيما.
العزيز ابراهيم استبولي: شكرا لمرورك. اعتدت ذاكرتي الى هناك، و ” صالة الكندي في حلب الشهباء” …
واستمتع بما يقع تحت يدي من ترجماتك الجميلة -عن الروسية.
العزيز هيثم حسن. اهلا ومرحبا وبك . طبعا اعرف ان عنوان الرواية بالعربية هو ( العمى) ولكنني حين اخذ العنوان ” بلايندنس ” عن الانكليزية لا أجد سوى ” العماء” بغض النظر عن العماء الكلي أو العماء ” الحليبي” . واعتقد ان السوريين يستخدمون بقوة كلمة” العمى” وعلى سبيل ” العمى انا كيف فاتني هذا … او تلك …” . اشكركم جميعا من القلب ومن قلب الشتاء الطويل – ” العمى بعيونو”