الآليات السيميائية لتوليد الدلالة في الن…

الآليات السيميائية لتوليد الدلالة في النصوص والخطابات

د.جميل حمداوي
Jamilhamdaoui@yahoo.fr
توطئــــــة:

من المعروف أن التحليل السيميوطيقي يدرس جميع النصوص والخطابات والأنشطة الإنسانية والبشرية إن سطحا وإن عمقا، وذلك من خلال مقاربة شكل المضمون، أو دراسة دال الدلالة، أو معالجة مبنى المحتوى، حيث ينكب هذا التحليل من جهة على دراسة الأشكال السردية ضمن المكون السردي، ومن جهة أخرى يدرس الأشكال الخطابية ضمن المكون الخطابي. ومن ثم، يستلزم تحليل النص السيميوطيقي عادة أن يبدأ المحلل تحليله بمعالجة المكون السردي . أي:دراسة السردية، وتحديد الحالات والتحولات داخل السرد اتصالا وانفصالا ، وذلك في علاقتها بعواملها وفواعلها، ورصد البرنامج السردي(التحفيز- الكفاءة- الإنجاز- التقويم)، مع دراسة منطق الجهات، والذي يتمثل في: رغبة الفعل، وإرادة الفعل ، وواجب الفعل، والقدرة على الفعل. وبعد ذلك، ينتقل المحلل إلى دراسة المكونات الخطابية، وذلك عن طريق رصد بنية المعنى على الصعيد المعجمي والدلالي والسيميائي ، وتبيين العوامل والفواعل التيماتيكية. ويعني هذا أن البنيات السردية هي التي تنظم المحتويات والمضامين المعبر عنها لغة، بينما تصف لنا البنية الخطابية قانون وشكل هذه المحتويات.
هذا، ويتطلب تحليل الخطاب سيميائيا مقاربته عبر ثلاثة مستويات: مستوى الظاهر النصي، ويتجلى في دراسة النص في ماديته الملموسة (عتبات النص الموازي )، والإحاطة بسجلاته الأسلوبية (التقطيع الطيبوغرافي- الفضاء- الأساليب السردية)، والمستوى السطحي، والذي يعنى بدراسة البرامج السردية والمسارات التصويرية، والمستوى العميق الذي يهتم بدراسة التشاكل، واستقراء القيم الدلالية والسيميولوجية، ودراسة المربع السيميائي. إذاً، كيف يبنى المعنى في النصوص والخطابات؟ وكيف يشيد المعنى سيميائيا ودلاليا؟ وماهي الخطوات والمراحل التي يجتازها بناء المعنى من مستوى السطح (السرد) إلى مستوى العمق(المنطق)؟

1- بناء الدلالة والمعنى على مستوى السطح:

إذا كانت البنية السطحية تتكون من مستويين: المستوى السردي ( دراسة البرامج السردية، والصيغ الجهية، والتحولات والحالات)، والمستوى الخطابي (التحليل المعجمي والدلالي والموضوعاتي)، فإن البنية العميقة تهتم بالبنيات الصغرى للدلالة. ويعني هذا أن البنية العميقة تدرس السيمات الدلالية، والسيمات السيميولوجية ، ومختلف التشاكلات الدلالية والسيميولوجية، وكذلك المربع السيميائي. وإذا كانت البنية السطحية تعنى بما يطفو فوق النص، فإن البنية العميقة تهتم بما يقع تحت النص. علاوة على ذلك، يرتبط المكون الخطابي بالمكون السردي داخل البنية السطحية بدراسة الأدوار التيماتيكية والعاملية للفاعل. ويفسر هذا أن الأدوار التيماتيكية هي ملتقى الطرق، ومركز التقاطعات بين المكون السردي والمكون الخطابي.
ومن أهم الآليات السيميائية لتوليد الدلالة والمعنى في النصوص والخطابات على مستوى البنية السطحية، نذكر الآليات التالية:

الصورة المعجمية والسياقية:

يعتمد التشريح السيميوطيقي على مستوى البنية الخطابية على التحليل المعجمي أو المقاربة الموضوعاتية أو دراسة الحوافز والوظائف كما فعل فلاديمير بروب( Vladimir Bropp) في دراسته الشكلانية للحكاية الروسية العجيبة. وهذه الخطوة المنهجية ضرورية للإحاطة بالنص إحاطة موضوعية دقيقة. ويستلزم التحليل الموضوعاتي أو المعجمي دراسة الصور المعجمية، واستخلاص الليكسيمات (lexèmes)، وتحديد نواتها المعجمية الثابتة، مع رصد مختلف دلالاتها السياقية. و في هذا الصدد، يتم الحديث عن الحقل المعجمي والحقل الدلالي. وكل ذلك من أجل الوصول إلى صورة الخطاب أو صوره التيماتيكية البارزة. ومن هنا، تظهر صورة الخطاب في النصوص والخطابات جلية عبر شبكة من الصور الليكسيمية أو المعجمية أو القاموسية مترابطة فيما بينها. وكل هذا يسمى في التحليل السيميائي بالمسار التصويري (parcours figuratif).
هذا، وتستند البنية الخطابية أو البنية الدلالية المعجمية إلى دراسة الصور دراسة قاموسية معجمية و دلالية. ومن ثم، على المحلل السيميائي ، أولا وقبل كل شيء، أن يحدد مدلول الصورة أو الصور(Figures) ، والتي يقصد بها الوحدات الدلالية التي تساهم في التوصيف، وقد تعني أيضا الأدوار العاملية والوظائف المعجمية . وقد تدل الصورة على الليكسيم التي تتخذ بعدا قاموسيا ودلاليا. فالليكسيمات (lexèmes) هي بمثابة العناصر الدلالية البسيطة أو الكلمات القاموسية التي توجد في معجم لغة ما. ولكن هذه الكلمة يمكن أن تتخذ عدة معان سياقية مجازية وحقيقية داخل نص أو خطاب ما، وتسمى ، في هذا المجال ، بالمسارات التصويرية أو السيماتية (parcours sémémiques )، أو تسمى أيضا بالليكسيمات السياقية. ويعني هذا أن الصورة المعجمية تتكون من دلالة معجمية حرفية(الليكسيم القاموسي)، وكذلك من دلالات معجمية سياقية(الليكسيمات السياقية). ومن هنا، فالصورة لها وحدة نووية دلالية قارة وثابتة، وتتخذ كذلك صيغا معجمية وسياقية.
فإذا أخذنا كلمة أو لكسيم ” الضعف” فنلاحظ ما يلي:
– الصورة المعجمية: الضعف.
– النواة المعجمية الثابتة: الهزل ونقص القوة.
– المسارات التصويرية السياقية:
أ- ضعفت صحته كثيرا( الطابع الجسدي).
ب- ضعف عقله ورأيه، وذلك بعد اضطرابه النفسي(الطابع العقلي).
ج- موضوع التلميذ ضعيف جدا( الطابع المعنوي).
ومن هنا، تتكون الصورة المعجمية من دلالة قاموسية افتراضية ممكنة، ودلالة استعمالية سياقية.
وإذا أتينا بمثال آخر يتعلق بلكسيم أو صورة ” المخ”، فنورد الجمل الآتية:
أ- قال الطبيب لمساعده: علينا أن نحتاط جيدا لكي لا نصيب المخ بأي جرح أثناء العملية الجراحية.
ب- أيها النادل، أريد مخا ممزوجا بالبيض .
د- فعلا، لايملك هذا المراهق لا عقلا ولا مخا.
– الصورة المعجمية : المخ.
– النواة المعجمية الثابتة: جوهر العقل.
– المسارات التصويرية السياقية: أ- الطابع الفيزيولوجي، ب- الطابع المطبخي، ج- الطابع العقلي.
ومن ثم، فكلمة المخ هي صورة ليكسيمية، أما جوهر العقل فهو بمثابة نواة معجمية أو تعريف قاموسي لها، أما المعاني الأخرى لكلمة المخ، فتشكل السياقات الدلالية أو السيميمية (sémèmiques) للكلمة أو الصورة.
ويتبين لنا، من كل هذه التحديدات الاصطلاحية، أن الصورة تعتمد على المدونة القاموسية الافتراضية (الذاكرة المعجمية)، والاستعمال السياقي للكلمات والليكسيمات، وذلك من خلال أسلبتها داخل نطاقات سياقية للنصوص والخطابات. ومن ثم، فعلى المحلل السيميائي أن يتسلح بقواميس اللغة ومعاجمها المتنوعة، ويكون قادرا على تدبر وفهم عميق للدلالات السياقية للكلمة أو الصورة أو الليكسيم.
وعلى العموم، يستلزم تفكيك الصورة المعجمية من المحلل السيميائي الاستعانة بالتحليل المعجمي ( رصد الحقول المعجمية) ، وتمثل التحليل الدلالي( استخلاص الحقول الدلالية). وبعد ذلك، تربط العلاقات الدلالية بين هذين التحليلين معا، بغية تبيين مجمل التعالقات الموجودة بين الصور، مع تقويم الشبكات التصويرية. ويعني هذا أن التحليل المعجمي يهتم باستخلاص الليكسيمات، وتحديد تطور الدلالة عبر استعمالاتها السياقية داخل الملفوظات التركيبية للجمل .
 الحقل المعجمي والحقل الدلالي:

من الضروري بمكان أن يميز الباحث السيميائي، منهجيا، بين ما يسمى بالحقل المعجمي (champ lexical)، و ما يسمى أيضا بالحقل الدلالي (le champ sémantique). فقد بينت الدراسات اللسانية أن ثمة مجموعة من العلاقات التي تربط بين ألفاظ النص الواحد أو الخطابات المتعددة، كأن تقوم تلك الألفاظ على علاقة الهوية والمشاركة والتعارض والتقابل. ومن هنا، فالحقل المعجمي القاموسي يتضمن مجموعة من الكلمات الليكسيمية للغة ما، والتي تتجمع داخل القاموس أو المعجم لتعين مختلف العلامات والأسماء المتعلقة بالتقنية والأشياء والمصطلحات، وهذا الحقل له علاقة بالجانب الافتراضي أو الجانب القاموسي للدلالة. فإذا أخذنا كلمة ” الحرب” ، مثلا، فحقلها المعجمي يتمثل في الكلمات التالية: الرصاص، والموت، والدبابة، والطائرة، والدماء، والقتل، والتعذيب، والأسر، ويقنبل، ويدمر، والجندي…
أما الحقل الدلالي في المجال اللساني والسيميائي، فهو مجموعة من الكلمات التي تستعمل داخل نص معطى ما، وله علاقة بالدلالات السياقية للصورة المعجمية والاستعمالية للغة داخل نص ما. فلابد – إذاً- من تضافر للصور الدلالية السياقية لتحديد الدلالة الكلية للنص.

 صورة الخطاب والتمظهر الخطابي:

تكون شبكة الصور الليكسيمية في الحقيقة ما يسمى بصورة الخطاب(figure de discours). فهذه الصور الليكسيمية هي التي تنسج النص أو الخطاب، وتضفي عليه نوعا من الاتساق والانسجام والترابط اللغوي والدلالي. وهنا، نقرر أن هذه العملية التي تستند على استخلاص الحقول المعجمية والدلالية تشبه ما يسمى كذلك بالبحث الموضوعاتي أو المعالجة التيماتيكية التي تعنى بتحديد التيمات الدلالية، وذلك عبر شبكة من العلاقات المتماثلة والمختلفة. وقد تشبه هذه العملية التحليلية كذلك نظام الوظائف والحوافز (les motifs)، وذلك في مجال تحليل الحكاية الشعبية، ودراسة الخرافات والأساطير كما عند فلاديمير بروب(Vladimir Propp)، والذي ركز كثيرا في كتابه:”مورفولوجية الخرافة” على بنية الحوافز والوظائف.
وإذا أخذنا مجموعة من النصوص والخطابات، والتي تتضمن مجموعة من التشابهات والقواسم المشتركة بين مختلف المسارات التصويرية داخلها، فإن كل هذه المسارات التصويرية لهذه النصوص والخطابات تشكل ما يسمى بالتمظهر الخطابي (configuration discursive). ويعني هذا تحديد التيمة العامة للعمل أو لتلك النصوص والخطابات، وذلك من خلال تحديد التيمات الفرعية لكل نص. فنجد ، مثلا، أن التمظهر الخطابي في رواية” اللص والكلاب” لنجيب محفوظ يتمثل في الغدر والخيانة. في حين، تتمثل الدلالة الكلية لرواية بداية ونهاية في” التسلق الطبقي”. كما أن التمظهر الخطابي في رواية” اللجنة” لصنع الله إبراهيم يكمن في ثنائية الحصار والتحرر . ومن هنا، فالمظهر الخطابي هو مجموعة من الدلالات المعجمية الافتراضية والدلالات السياقية الاستعمالية التي ترد في النصوص والخطابات.
ويمكن الحديث داخل نطاق ثقافة محددة عن المعاجم القاموسية كمعجم “لسان العرب” لابن منظور، وقاموس روبير (Robert)، وقاموس لاروس (Larousse)، والمعاجم السياقية أو القواميس الخطابية التي تعنى بترصيف المعاني السياقية أو ما يسمى في الثقافة العربية بمعاجم الموضوعات ككتاب” فقه اللغة وسر العربية” للثعالبي النيسابوري . أي: إن هناك نوعين من المعاجم: معجم الجمل (لاروس وروبير ولسان العرب)، ومعجم الموضوعات والوظائف والحوافز(فقة اللغة العربية للثعالبي). ويعني هذا أن المعجم الموضوعاتي أكثر انفتاحا واتساعا من المعاجم الجملية؛ وذلك لعلاقتها الوطيدة بالذاكرة الثقافية لأمة من الأمم.
ويدل كل هذا أن هناك مستويين على صعيد المكون الخطابي: مستوى الكلمة المعجمية(الليكسيم). وهنا، يتم الحديث عن الصورة المعجمية المأخوذة من قاموس الجملة، وتحديد المسار التصويري الذي يتحقق بتوظيف الكلمات داخل سياقات جملية متنوعة، ومستوى التمظهر الخطابي المأخوذ من معجم المعاني، ويتم الحديث أيضا عن المسار الخطابي الذي يتحقق في النصوص والخطابات سياقيا. أي: إن هناك المظهر الخطابي القاموسي الافتراضي والمظهر السياقي الاستعمالي. ويؤكد كل هذا عملية الانتقال من المسارات التصويرية إلى التمظهرات الخطابية.

الأدوار التيمياتيكية والمعجمية:

ترتبط المسارات التصويرية ، في المجال السيميائي، بالأدوار العاملية والأدوار المعجمية أو التيماتيكية. فالدور، كما هو معلوم، قد يسند إلى شخصية قد تكون عاملا أو فاعلا دلاليا. وهنا، نتحدث عن الفاعل(acteur)، والذي يقوم بدور عاملي ودور دلالي. فالفاعل هي صورة ذلك الذي ينجز ، من جهة، دورا أو مجموعة من الأدوار العاملية داخل برنامج سردي معين،ومن جهة أخرى، يؤدي دورا أو أدوارا تيمياتيكية التي تنتمي إلى مسار أو مسارات تصويرية متعددة.
وهنا، يلتقي المستوى الخطابي مع المستوى السردي.أي: إن الفاعل هو الرابط بين المستويين. وبتعبير آخر، تترابط البنية السردية مع البنية الخطابية على صعيد أدوار الفاعل التيماتيكية والعاملية، كما يتشخص في هذا الجدول التمثيلي:

الشخصيات الأدوار التيماتيكية
حسن ” طفل معوق”
” طفل صغير ومعروف”
” مدلل”
” وحيد”
” غني”
” بخيل” ”
“عاشق”
” عامل”
” حزين ويائس”

الراوي ” كاتب”
” أمازيغي”
” حزين ويائس”
” أخلاقي”

وبعد ذلك، ترتبط الأدوار التيماتيكية بالأدوار العاملية ضمن برامج سردية معينة، كما في هذا المثال التوضيحي الذي يتحدث عن شخص ورث كنزا عن عائلته، ففرط فيه تبذيرا وإسرافا:

البرامج السردية المسارات التصويرية
البرنامج السردي الأول (المحافظة) ” العائلة”
” علاقة الوالدين بالأطفال”
” الألعاب الممنوعة”
” الحياة في وحدة”
” الاكتناز والادخار”

البرنامج السردي الثاني
(التبذير) ” الهبات”
” الإسراف ”
” السرقة”
” تقديم المال لمعشوقاته”
” القمار”
” اللهو واللعب”
ومن هنا، تقترن الأدوار التيماتيكية بالفاعل الخطابي والعاملي ارتباطا سببيا ووظيفيا، وقد تكون تلك الأدوار ذات طبيعة اجتماعية، أو نفسية، أو سيكواجتماعية، أو مهنية، أو ثقافية، أو أخلاقية .

 البنيـــة الدلالية المدمجة:

بعد الانتهاء من تحديد الحقول المعجمية والحقول الدلالية، ورصد التمظهر الخطابي، وتبيين الأدوار التيماتيكية والعاملية للفاعل، ينتقل المحلل السيميائي إلى إبراز الخطاب المدمج، أو استجلاء الفكرة العامة، أو تحديد البنية الدلالية الموضوعاتية الكلية (discours englobant) للنص أو الخطاب على المستوى السطحي، كدلالة الفرحة والحزن في مثالنا السابق.

2- بناء الدلالة والمعنى على مستوى العمق:

إذا كانت البنية السطحية تتكون من مستويين: المستوى السردي والمستوى الخطابي (التحليل المعجمي والدلالي والموضوعاتي)، فإن البنية العميقة تهتم بالبنيات الصغرى للدلالة، وذلك من خلال تفكيك الصور إلى مقوماتها المعنمية أو السيمية الصغرى، وتبيان منطق الدلالة. وإذا كانت البنية السطحية تعنى بالدلالات المعجمية الكبرى، فإن البنية العميقة تهتم بالمعاني السيميولوجية والدلالية النووية والسياقية.
ومن أهم الآليات لبناء الدلالة والمعنى على مستوى البنية العميقة، لابد من استحضار الآليات الشكلية والمنطقية التالية:

 التحليل بالمقومات أو السيمات السيميولوجية:

يستعين المحلل السيميائي، في مرحلة البنية العميقة، بالمقومات السيمية أو الدلالية. أي: يحلل كل صورة معجمية ليكسيمية على ضوء المقومات الدلالية ذات السمات الصغرى أو الوحدات الدلالية الصغرى للدلالة، أو ما يسمى كذلك بالسيمات(sèmes ). ويذكرنا تفريع الدال إلى مجموعة من المقومات والوحدات الدلالية الملائمة بما قامت به المدرسة اللسانية الوظيفية ” براغPrague ” في مجال الفونولوجيا الصوتية، وذلك مع تروبتسكوي ورومان جاكبسون، وذلك باعتماد منهجية القواسم المشتركة في تحديد القيم الخلافية بين الأصوات والفونيمات، وذلك من خلال إقامة مجموعة من التعارضات بينها تآلفا واختلافا، أوتأثرا بعلم الدلالة المصغر (micro sémantique)، كما عند فرانسوا راستيي (F.Rastier) ، أو استفادة بشكل من الأشكال من التحليل بالمقومات عند المدرسة الأمريكية (كاتز KatzوفودورFodor)، أو من التحليل المقوماتي (l’analyse sémique)عند المدرسة الأوربية (كريماصGreimas ) .
وهكذا، تتحدد الصور – إذاً- داخل النص أو الخطاب، وذلك عبر مجموعة من المقومات والسيمات والمعانم أو مدونة السيمات المشتركة والمختلفة.
فإذا أخذنا على سبيل المثال الليكسيمين أو الصورتين: التمني والخوف، فيمكن تفريعهما على الشكل التالي:
– الدلالة المعجمية والقاموسية: التمني هو شعور الإنسان بالفرح بما يستشرفه من إيجابيات في المستقبل.
– الدلالة المعجمية والقاموسية: الخوف هو إحساس بشيء مستقبلي مخيف وسلبي.
ويظهر لنا من هاتين الكلمتين أن هناك عناصر التشابه والتقارب بين هذين الليكسيمين: الإحساس واستشراف المستقبل. بيد أن هناك ما يجعلهما متقابلين: إيجابي وسلبي. وهكذا، فإذا كانت كلمة التمني تقترب من كلمة الخوف عبر وجود الشعور والمستقبل، فإنها تفترق عنها على مستوى طبيعة ذلك الشعور.
– التركيب السيمي للصورتين معا: يتبين التركيب السيمي للصورتين”التمني” و” الخوف” عن طريق استخلاص القيم الخلافية ، وإبراز المقومات المشتركة والمختلفة، أو تحديد الوظيفة الاختلافية والتمييزية على الشكل التالي:
– ” التمني”: /شعور/+/استشراف مستقبلي/+ /مفرح/
-” الخوف”: /شعور/+/استشراف مستقبلي/+/غير مفرح/
ومن جهة ، يمكن تفريع الصورة المعجمية أو الليكسيم إلى مجموعة من السيميمات أو السيمات السياقية (sémèmes)، أو السيمات النووية أو الفرعية (sèmes ).
ومن جهة أخرى، يمكن تحليل المظهر الخطابي إلى مجموعة من العناصر والسيمات النووية الأساسية، مثل: التبذير ، والذي يمكن تحليله سيميا إلى مايلي:
– ” التبذير”:/عملية نشيطة/+/مخطط له/+/إسراف/+/ إنفاق بزيادة/+ /خسارة/+ / سلوك غير مفيد/+/ الحزن/

 السيمات النووية أو السيمات التصنيفية المقولاتية:

يتحدد المظهر الخطابي بمجموعة من المسارات التصويرية والسيمات الصغرى. وفي هذا النطاق، يمكن التمييز بين نوعين من السيمات: السيمات النووية (les sèmes nucléaires) والسيمات التصنيفية (classèmes). فالمقصود بالسيمات النووية تجزيء الصور المعجمية أو مظاهر الخطاب إلى مجموعة من السيمات الملائمة. فكلمتا: التمني والخوف، قد تم توزيعهما إلى سيمات نووية التي تشكل نواة نووية ثابتة، والتي تسمى بالصورة النووية. ويسمى هذا النوع من التحليل بالمستوى السيميولوجي للدلالة. أي: تحليل الدلالة إلى عناصر صغرى من السيمات الملائمة والقيم الخلافية والمقومات البارزة . أما السيمات التصنيفية(classèmes)، فتعني تجاور الصور فيما بينها داخل سياق نصي منسجم، وتعالقها عن طريق مجموعة من السيمات المشتركة، وتسمى بالسيمات السياقية أو السيمات التصنيفية (sèmes contextuels). وتتحدد هذه السيمات بالسياق النصي الذي ترد فيه تلك الصور، ولا تتعلق بالسيمات والمسارات المعجمية الافتراضية الثابتة والقارة. فهذه السيمات تنتمي إلى مقولات وأصناف أكثر عمومية واتساعا أو تبحث عن تصنيفات عامة ضمن سياقات ثقافية ممكنة، مثل:
/حي/ vs(مقابل)/غير حي/
/متواصل vs//غير متواصل/
/إنساني/ vs/ حيواني/
أي: تصنف السيمات السياقية إلى أصناف ومقولات دلالية عامة، بعد أن تتشكل بدورها من السيمات النووية، وتحيل هذه السيمات السياقية على ما يسمى بالمستوى الدلالي للمعنى. ويعني هذا أن المستوى السيميولوجي يتكلف بدراسة السيمات النووية. في حين، يهتم المستوى الدلالي بدراسة السيمات السياقية أو ما يسمى كذلك بالسيمات التصنيفية.
وللتمثيل نأخذ كلمة “الرعد”:
– السيمات: ” الرعد”:/ العنف/+/ اضطراب/
ندخل الكلمة داخل سياقين مختلفين:
أ- يرتعد الناس : السيمة التصنيفية الجامعة بين الصور المنسجمة هي: /إنساني/
ب- رأيت رعدا شديدا فوق قمة الجبال : السيمة التصنيفية الجامعة بين الصور المنسجمة هي: /طبيعي/
وإذا أخذنا قصة ألفونس دوديه ( Alphonse .Daudet) ، والمعروفة بـ”أسطورة الرجل ذي الدماغ الذهبي”، فكلمة الرأس تحيل على سمة تصنيفية هي: /جسدي/، وكلمة الذهب تحيل على ماهو/ مادي/.

التشاكل الدلالي والتشاكل السيميائي:

من المعروف أن التشاكل (Isotopie) هو الذي يحقق وحدة الرسالة والخطاب، وهو المستوى المشترك الذي يحقق انسجام النص المعطى، وذلك بواسطة مجموعة من المقومات والسيمات الملائمة. ويعني هذا أن التشاكل من المبادئ الأساسية لتحقيق انسجام النص معنويا وقرائيا في الشكل والمضمون معا، وتحصيل اتساقه تركيبيا ولغويا. ومن هنا، فتكرار السيمات المشتركة داخل نص أو خطاب ما يسمى بالتردد (redondance).
هذا، ويمكن الحديث عن نوعين من التشاكل ، وذلك بناء على وجود السيمات النووية والسيمات السياقية ، وهما: التشاكل الدلالي( السيمات السياقية أو التصنيفية) ، والتشاكل السيميولوجي(السيمات النووية). ويعني هذا أن التشاكل الدلالي يتشكل بتردد المقولات الدلالية الكبرى، وتكرار السيمات التصنيفية، في حين نجد أن التشاكل السيميولوجي يتم عبر السيمات السياقية.
وعليه، فالتشاكلات الدلالية تهدف إلى:” استيضاح انسجام واتساق الخطاب. فالتشاكلات الدلالية في الخطاب تحقق الانسجام والاتساق، وتلغي كل إمكانيات الإبهام الدلالي. ويتحقق الانسجام نتيجة مختلف التشاكلات الدلالية التي تميز الخطاب ، والتي يتم تحقيقها بفعل التوارد المتكرر لمجموعة من المقومات السياقية.
ويمكن تحديد التشاكلات، من جهة أخرى، من إبراز نمو الخطاب ، وتوالده، ذلك أن الخطاب حينما يحدد إطارا متشاكلا، فإن مقاطعه الأخرى تنمو وتتمطط اعتمادا على هذا الإطار الأولي، حيث يتميز الخطاب بتراكم قسري لمجموعة من الوحدات المعجمية التي تتأطر ضمن نفس الإطار الأول، لكنها تنتظم داخل مسارات تصويرية هي التي تؤدي إلى تصوير البرامج السردية والمسارات السردية لعوامل السرد. وتعمل هذه الوحدات المعجمية في انتظامها داخل المسارات على توليد مقومات سياقية متشابهة، مما يحقق على مستوى الخطاب مجموعة من التشاكلات.”
وعليه، فالتشاكل من أهم الآليات السيميائية لبناء المعنى النصي والخطابي، ويعد كذلك من أهم الوسائل لتحقيق انسجام القراءة، وإزالة الإبهام والغموض عنها.

المربـــع السيميائي:

لا يتحقق الفهم الحقيقي للصور الدلالية والسيميولوجية للنص أو الخطاب بحال من الأحوال، إلا إذا اعتمدنا على المربع السيميائي. ويقوم هذا المربع المنطقي والعلائقي في جوهره على لعبة الاختلافات الدلالية لبناء المعنى وتنظيمه. فلا يمكن الحديث عن الغني إلا بالحديث عن الفقير، ولايمكن الحديث عن السعادة إلا بالحديث عن الشقاء، ولايمكن الحديث عن الفرح إلا بالحديث عن الحزن. ومن ثم، فالمربع السيميائي عبارة عن قاعدة منطقية دلالية يختزل كل التمظهرات السطحية للنص، ويتضمن كل الآليات المنطقية لتوليد السرد تركيبا ومعجما. ويعني هذا أن المربع السيميائي هو بمثابة المنطق، بينما البنية السطحية بمثابة السرد والحكي. كما أن المربع السيمائي بنية أساسية لتشكيل الدلالة والمعنى النصي والخطابي، بله عن كونه بنية تمييزية وتعارضية، حيث تتميز العلاقات والعمليات داخله تضادا وتناقضا وتضمنا، فتتحدد المعاني والدلالات الثاوية بواسطة التقابلات والقيم الخلافية.
ويمكن توضيح العلاقات المنطقية للمربع السيميائي على الشكل التالي:
1- علاقات التضاد: الأبيض والأسود؛
2- علاقات شبه التضاد: اللاأسود واللاأبيض ؛
3- علاقات التناقض: الأسود واللاأسود والأبيض واللاأبيض ؛
4- علاقات التضمن: الأبيض واللاأسود ، والأسود واللاأبيض.

الأبيض /اللون / الأسود
اللاأسود اللاأبيض

يلاحظ من خلال الجدول أن هناك تضادا بين السيمتين: الأبيض والأسود ضمن المحور الدلالي: اللون. ومن ثم، يمكن الحديث عن المحور الدلالي، وكذلك عن علاقة التراتبية ، وهي تلك العلاقة الارتباطية بين السيمات الدلالية، كما هو حال اللون في المثال السابق. وبالتالي، فالمربع السيميائي قائم على مجموعة من العلاقات المنطقية، منها: التضاد، وشبه التضاد، والتضمن، والتناقض. فالعلاقات القائمة على مستوى التضاد تشكل ما يسمى بمحور المركب ، بينما علاقة شبه التضاد تشكل ما يسمى بالمحور المحايد، في حين تسمى العلاقة بين المتناقضات بالخطاطة أو الترسيمة (schéma)،ونسمي الموجه(deixis) تلك العلاقة القائمة على شبه التضمن، كما تسمى العلاقات الدلالية القائمة بين دلالات التضمن أيضا بعلاقة الموافقة (conformes ) .
ومن يتأمل المربع السيميائي في أبعاده الهندسية والمنطقية والدلالية، فيلاحظ بدون أدنى شك أنه ثنائي العلاقات، بمعنى أنه يتمثل منطق العالم وفلسفة الأشياء؛ لأن العالم مبني على الثنائيات الزوجية والتصنيفات الثنائية. ويدل هذا أن الثنائية قاعدة أساسية لبناء وحدات النص والخطاب الدلالية . ويتبين لنا من كل هذا أن السرد يتكون من لعبة العلاقات(علاقات التضاد وعلاقات التضمن وعلاقات التناقض)، ولعبة العمليات ( عملية النفي بالنسبة للتضاد، وعملية الانتقاء بالنسبة لشبه التضمن). ومن ثم، فالمربع السيميائي نظام منطقي ودلالي تصنيفي يحدد قيم المعنى، وهو كذلك ، بشكل من الأشكال، نظام تركيبي .
هذا، وتساهم شبكة العمليات (opérations)في تحويل قيمة ما، ونقلها إلى أخرى. وهنا، يتأكد المظهر التركيبي والديناميكي للمربع، وذلك من خلال عمليتي: النفي (négation)و الانتقاء(sélection). ومن ثم، تحيل العمليات على الفعل، في حين تحيل العلاقات على الحالة أو الكينونة. ويعني كل هذا أن المربع السيميائي يتكون من العلاقات والعمليات المنطقية والدلالية. كما أنه نموذج لتمثيل كيفية توليد الدلالة؛ لكونه يبين طرائق هندسة المعنى في النص، ويوضح كذلك طرائق تشكل الدلالة سطحا وعمقا. وبالتالي، فالمربع السيميائي هو الذي يحقق الانسجام داخل النص والخطاب على حد سواء، ويساعد المحلل السيميائي على فهم العلاقات والعمليات، ويسعفه كذلك على استيعاب مختلف الانتقالات من قيمة إلى أخرى، وذلك عبر مختلف تعاريج النص أو الخطاب.

تركيب واستنتاج:

وبعد كل هذا، نصل إلى أن المستوى السطحي من النص أو الخطاب يتكون من مكونين متكاملين ومتضافرين، وهما: المكون السردي، والذي ينحصر في دراسة الحالات والتحولات والبرامج السردية والموجهات الكيفية، وذلك في إطار سردي تركيبي (النحو)، والمكون الخطابي الذي ينظم المسارات التصويرية والمعجمية التي تتحقق في النصوص والخطابات عبر التمظهرات الخطابية (الدلالة). وفي هذا السياق، يستعين الباحث السيميائي بالتحليل المعجمي والموضوعاتي في مقاربة الصور والدلالات النصية الكبرى، مع تحديد أدوار الفاعل سواء أكانت أدوارا تيماتيكية أو أدوارا عاملية.
وعلى المستوى العميق، يعتمد المحلل العلاماتي على التحليل السيميولوجي القائم على دراسة الصور المعجمية، وذلك عن طريق استخلاص سيماتها النووية، والاهتداء بالتحليل الدلالي في معالجة السيمات التصنيفية أو المقولاتية أو السيمات السياقية. ولايمكن فهم دلالات النص أو الخطاب بأي حال من الأحوال إلا إذا تم الحديث عن التشاكل السيميولوجي والتشاكل الدلالي، والانطلاق ، بعد ذلك ، من المربع السيميائي الذي يشمل العلاقات (التضاد، وشبه التضاد، والتضمن،والتناقض)، والعمليات(النفي والانتقاء).
ويتبين لنا من كل هذا أن علاقات التضاد والتناقض والتضمن التي توجد على المستوى العميق تستثمر على مستوى السطح عبر الشبكات التصويرية، كما أن العمليات المنصبة حول القيم في المستوى العميق، وذلك عبر عمليتي: النفي والاختيار، تشغل سطحا بواسطة البرامج السردية. ويعني هذا أن هناك مرورا من المنطق (البنية العميقة) إلى الحكي أو السرد(البنية السطحية).
وخلاصة القول: إن من أهم الآليات الشكلية لتوليد الدلالة والمعنى سطحا وعمقا في النصوص والخطابات، تنحصر، بشكل من الأشكال، في الصورة المعجمية والدلالية، والحقل المعجمي والحقل الدلالي، والصورة الخطابية والتمظهر الخطابي، والفاعل التيماتيكي، والسيمات النووية والسيمات التصنيفية، والدلالة المدمجة، والتشاكل السيميائي والدلالي، والمربع السيميائي.

الهوامش:
– Groupe D’Entrevernes : Analyse sémiotique des textes, les Editions Toubkal, Casablanca, Maroc, Première édition 1987, p : 89 ;
2 – Groupe D’Entrevernes : Analyse sémiotique des textes, p : 91 ;
3 – فلاديمير بروب: مورفولوجية الحكاية، ترجمة وتقديم: إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م؛
4- انظر: د: عبد المجيد نوسي: التحليل السيميائي للخطاب الروائي، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2002م؛ ص:147؛
5- الثعالبي: فقه اللغة وسر العربية،دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، بدون توثيق للطبعة؛
6 – Groupe D’Entrevernes : Analyse sémiotique des textes, p : 99 ;
7- Joseph Courtés : Introduction à la sémiotique narrative et discursive, Hachette, Paris, France, première édition, 1976, p : 96 ;
8 – Rastier, François : Sémantique interprétative, PUF, 1987, p : 17 ;
9 – Greimas (A.J), Courtes (Joseph) : Sémiotique, dictionnaire raisonné de la théorie du langage, Hachette, Paris, 1979, p : 346 ;
10-Groupe D’Entrevernes : Analyse sémiotique des textes, p 120-121 ;
11- د: عبد المجيد نوسي: التحليل السيميائي للخطاب الروائي، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2002م؛ ص:91-92؛

12 -Groupe D’Entrevernes : Analyse sémiotique des textes, p : 134 .

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>