برتراند راسل: مشكلة العالم أن الغبي متيقن بعماء و الذكي مليء بالشك.



جواد البشيتي

“أردي” جاءت تأكيداً لا نفياً لنظرية داروين!

إمدادات هذا الكاتب  جواد البشيتي06 أكتوبر 2009

“أردي” جاءت تأكيداً لا نفياً لنظرية داروين!

جواد البشيتي

“سقوط نظرية داروين”

“نهاية أُسطورة نظرية النشوء والارتقاء لداروين”

إنَّهما “العنوانان الكبيران” في صحافتنا اليومية العربية؛ أمَّا “الخبر”، أي “خبرهما”، فلا يمتُّ لأيٍّ من العنوانين بصلة، فالهوَّة بين “العنوان” و”الخبر” كالهوَّة بين “الإنسان” و”الشمبانزي”، عُمْقاً واتِّساعاً!

بوضعه هذا العنوان، أو ذاك، أظْهَر محرِّر الخبر سوء، أو قِلَّة، أو عدم، فهمٍ لمحتوى الخبر، وانحيازاً إيديولوجياً أعمى ضدَّ نظرية داروين، أو بدا منتظِراً بلهفة سماع نعيها.

“رويترز” وحدها وَضَعَت العنوان الذي يعكس المحتوى العلمي الحقيقي للخير؛ وكان عنوانها “كَشْف في أثيوبيا: جَدُّ الإنسان لا يشبه الشمبانزي”.

إنَّني لا أدعو إلى أنْ تكون مع، أو ضدَّ، نظرية داروين؛ ولكنَّني أدعو إلى “الموضوعية” في فهمها، وفي الموقف منها، على صعوبة أن يُلبِّي كثيرٌ من العامة من الناس، ومن المنتمين إلى “المجتمع العلمي” أيضاً، هذه الدعوة، فلو أنَّ بديهية هندسية تعارَضت مع مصالح البشر لألغوها، أو لسعوا في إلغائها.

ما هو “المحتوى الحقيقي” للخبر، الذي، على أهميته، لم يكن، لجهة تأويله الأيديولوجي، أكثر من زوبعةٍ في فنجان؟

في منطقة من أفريقيا، تُعْرَف الآن باسم “أثيوبيا”، عُثِر على “هيكل عظمي (غير مكتمل)”، يخصُّ حيواناً من الثَّدْيِيَّات؛ وتبيَّن أنَّ هذا الحيوان من الثَّديِّيات هو من أسلاف البشر؛ وتبيَّن، أيضاً، أنَّ هذا “الهيكل العظمي” يخصُّ امرأة، طولها 120 سنتيمتراً، ووزنها 50 كيلوغراماً تقريباً، وأنَّ هذه المرأة، التي أُطْلِق عليها، أو على هيكلها العظمي، اسم “أردي”، عاشت هناك قبل نحو 4.4 مليون سنة.

علماء أُصول الجنس البشري توفَّروا على دراسة وتحليل الهيكل العظمي لـ “أردي”، فتوصَّلوا إلى أنَّ “رأسها يشبه رأس القرد (ولكنَّها ليست بقرد)”، وأنَّها، كانت تسير منتصِبَة (غير منحنية كالشمبانزي والغوريلا) ) كالبشر. أمَّا تعليل سيرها منتصِبة فيكمن في يديها ومعصميها وتجويف الحوض لديها. ولكنَّها، وبسبب أصابع قدميها، كانت تتسلَّق الأشجار بسهولة.

ولكونها لا تملك ما يملكه الشمبانزي من أنياب حادة، اسْتَنْتَجوا أنَّ “أردي” كانت مسالِمة، قائلين “ربَّما كانت أكثر مسالَمَةً من الشمبانزي الذي نَعْرِف”.

“أردي” هي الآن، أو ربَّما تكون، أقدم أسلاف الإنسان المعروفين، فهي أقدم بمليون سنة من “لوسي”، التي كانت تُعَدُّ من أهم الأصول البشرية المعروفة، أو المُكْتَشَفَة.

إذا أردتم معرفة النقطة الأهم في هذا الاكتشاف، أو في الدراسات والأبحاث الخاصة بهيكل “أردي”، فإنَّها تكمن في قول الباحثين “إنَّ أردي لا تشبه قرد الشمبانزي (الذي نَعْرِف)”؛ فإذا كانت “أردي” هي أقدم أسلاف البشر (4.4 مليون سنة) فإنَّ الإنسان الذي نَعْرِف، أو إنسان القرن الحادي والعشرين، لا يعود في أصوله، أو في أصله الأقدم، إلى قرد الشمبانزي، أو إلى حيوان يشبه الشمبانزي. إنَّه يعود، على ما عرفنا الآن، أو على ما نعرف حتى الآن، إلى “أردي”، التي ليست بشمبانزي أو قرد، وإنْ كان لها رأس قرد، وإنْ كانت أيضاً، بسبب أصابع قدميها، تتسلَّق الأشجار بسهولة.

هذا القول، أي قول أصحاب التقرير أو البحث إنَّ “أردي” لا تشبه قرد الشمبانزي، هو ما جَعَل المعادين لنظرية “النشوء والارتقاء” لداروين يقولون إنَّ “دليلاً جديداً على أنَّ نظرية داروين كانت خطأ قد أتى الآن”.

إنَّه “دليلٌ جديد”؛ ولكن ليس على خطأ نظرية داروين، وإنَّما على سوء فهمهم لها، فإنَّ داروين لم يَقُل قط إنَّ قرد الشمبانزي هو الأصل الأقدم للإنسان، أو إنَّ الإنسان قد تطوَّر عن قرد الشمبانزي، أو عن أي قرد آخر. لم يَقُلْ قط إنَّ قرد الشمبانزي وُجِدَ أوَّلاً، أي قبل وجود الإنسان، فتحوَّل بعضٌ من قردة الشمبانزي (القدماء) إلى بشر، أو إلى أُصولٍ للإنسان الذي نعرف.

وإنِّي لأريد أن أسألهم “ما هي الحال التي ينبغي لهيكل أردي أن يكون عليها حتى يصبح ممكناً أن نقول إنَّ نظرية داروين كانت صائبة؟”.

هل كنتم تظنون أنَّ نظرية داروين يتأكَّد صوابها إذا ما تبيَّن لنا أنَّ “جَدَّتنا الأقدم”،أي “أردي”، في منزلة بين منزلتين، بعضها إلى نوع الشمبانزي ينتمي، وبعضها إلى النوع البشري ينتمي؟!

“أردي”، من حيث النوع، ومن حيث المبدأ والجوهر والأساس، إمَّا أن تكون بشراً، وإمَّا أن تكون قرداً، وليس من منزلة تتوسط هاتين المنزلتين، أو تدمجهما فيها.

المرأة، على ما تعلمون علم اليقين، إمَّا أن تكون حاملاً، وإمَّا أن تكون غير حامل، فلا وجود أبداً للمرأة نصف الحامل، أو التي في منزلة بين منزلتين.

وأنتم لو جئتم بمكعَّب جليد، وقمتم بتسخينه، فسوف ترونه يتحوَّل إلى ماء (سائل). الماء، في هذا المثال، إمَّا أن يكون صلباً (الجليد) وإمَّا أن يكون سائلاً، فهل رأيتموه في منزلة بين منزلتين؟ هل رأيتموه في حالٍ تشبه “العجينة” مثلاً؟!

لقد فاتكم أنَّ “الطفرة” هي جوهر نظرية “النشوء والارتقاء”؛ و”الطفرة” تعني، في مثال “أردي”، أنَّ هذا الحيوان من الثَّديِّيات إمَّا أن يكون بشراً، وإمَّا أن يكون قرداً.

الشمبانزي، وهو الحيوان الأقرب إلى البشر، ليس بأصل الإنسان، فلا هو يتحوَّل إلى إنسان؛ كما أنَّ الإنسان لا يتحوَّل إلى شمبانزي، إلاَّ في المعنى المجازي. كلاهما تفرَّع من أصل حيواني واحد (مشترَك). إنَّ لهما جَدَّاً مشترَكاً، هو ما سمَّاه داروين “الحلقة المفقودة”، فالشمبانزي (إنْ كانت تربطه بالإنسان صلة قرابة) إنَّما هو ابن عمِّ الإنسان.

على بُعْد 4.4 مليون سنة عَثَرْنا على ما يُفْتَرَض أن يكون الهيكل العظمي لـ “جَدَّتنا الأقدم” أردي؛ وقد نَعْثُر، مستقبلاً، في المكان نفسه، أو في مكان آخر، وعلى بُعْد 4.4 مليون سنة، أو أكثر قليلاً، أو أقل قليلاً، على الهيكل العظمي لابن عمِّها، أي “الجَدُّ الأقدم” لقرد الشمبانزي.

“أردي”، من حيث “النوع”، هي إنسان، وليست بشمبانزي، أو قرد؛ ولكنَّ هوَّة سحيقة تفصل بينها وبين إنسان القرن الحادي والعشرين؛ وهذا إنَّما يدلُّ على الحجم الهائل للتطوُّر الذي عرفه الجنس البشري منذ 4.4 مليون سنة.

وإنَّي لاستغرب تجاهل الذين سارعوا إلى نعي نظرية داروين نقطة أخرى مهمة وردت في “التقرير”، وهي قول الباحث تيم وايت (من جامعة كاليفورنيا بيركيلي) إنَّ “أردي” أكثر بدائية حتى من الشمبانزي الذي نعرف.

ولمزيدٍ من الوضوح أقول عن (أي نيابةً عن) وايت إنَّ الشمبانزي المعاصر أكثر تطوُّراً من جدَّتنا “أردي”!

إنَّهم لا يريدون أن يكون أصل الإنسان قرد؛ ولكنَّهم قَبِلوا الآن، أو يُفْتَرَض فيهم أن يقبلوا، أنَّ الشمبانزي المعاصر أكثر تطوُّراً من جَدَّتنا “أردي”!

إذا جئتَ بشمبانزي معاصر، وقارنته بالإنسان المعاصر، فسوف تقول “لا يمكن أن يكون هذا الإنسان قد تطوَّر عن هذا الشمبانزي”؛ ولكن عليكَ أن تتذكَّر من الآن وصاعداً أنَّ هذا الإنسان المعاصر قد تطوَّر عن “أردي”، التي هي أقل تطوُّراً من هذا الشمبانزي المعاصر!

العالم سي أوين لوفغوري (من جامعة كنت) فجَّر قنبلة إذ قال، بعد أبحاث ودراسات أجراها على الهيكل العظمي لـ “أردي”، “إنَّنا غالباً ما نظن أنَّ الإنسان قد تطوَّر عن قردة؛ لكنَّ هذا ليس صحيحاً، فالقردة هي التي تطوَّرت مِنَّا”!

لوفغوري أكَّد أنَّ البشر لا يمكن أن يتطوَّروا من الشمبانزي أو الغوريلا؛ ولكنَّ القردة يمكنها أن تتطوَّر من البشر. وتأسيساً على قوله ظهر في الصحافة العنوان الآتي “أصل القرد إنسان!”.

لقد أبوا أن يكون أصل الإنسان قرد، فَقَبِلوا، من خلال نظرية لوفغوري، أن يكون أصل القرد إنسان!

إذا صحَّ هذا الاكتشاف (أصل القرد إنسان) فإنَّني لا أقبل تسجيل براءة هذا الاكتشاف باسم لوفغوري، وإنَّما باسم أنور البشيتي، الذي هو والدي!

أذْكُرُ أنَّني عندما كنتُ صغير السن قرأتُ (أو تجرأتُ على قراءة) كتاب “أصل الأنواع” لداروين، فما كان من والدي المتديِّن كثيراً إلاَّ أن حاول منعي من المضي قُدُماً في قراءته، قائلاً لي، وكأنَّه، هذه المرَّة، يحاول إقناعي بالتي هي أحسن: إنَّ خطيئة داروين الكبرى تكمن في كونه قال إنَّ أصل الإنسان قرد، فالقردة إنَّما هم في الأصل يهود قد مُسِخوا.

واذْكُر، أيضاً، أنَّني قرأتُ “أصل الأنواع”، وغيره من “الكُتُب غير المسموح حكومياً بالإطِّلاع عليها”، في عهد “التحالف بين الأب والدولة” ضدَّ الأبناء من ذوي الرغبة في قراءة “الفكر المستورَد”، فالدولة كانت تحرص كل الحرص على بقاء “ميزانها التجاري الفكري” رابحاً، لا عجز فيه، فحظرت، بالتالي، كل فكر مستورد!

قُلْنا إنَّ وايت اعتبر “أردي” أكثر بدائية حتى من الشمبانزي، فهل ضرب صفحاً وهو يُصْدِر هذا الحُكم عن حقيقة أنَّ الشمبانزي المعاصر (أو الغوريلا المعاصرة) ما زال يسير منحنياً، وليس منتصِباً كما هي حال سير “أردي”؟

كلاَّ، لم يضرب صفحاً؛ ولكنَّه رفض اعتبار ذلك (أي سير الشمبانزي منحنياً) دليلاً على أنَّ الشمبانزي أقل تطوُّراً من البشر، فالتطوُّر يجب فهمه فهماً نسبياً. إنَّ انحناء الشمبانزي في سيره هو من الصفات التي طوَّرها هذا النوع من القردة حتى يستطيع الحياة في بيئته الطبيعية، وهي الغابات.

هل جاء “التقرير” بما يُثبِت بطلان فرضية “الحلقة المفقودة”؟

أوَّلاً، هناك من يفهم “الحلقة المفقودة” فهماً خاطئاً، فهو يتصوَّرها، أو هُمْ يتصوَّرونها، على أنَّها “الحالة الانتقالية من الشمبانزي إلى البشر”.

إنَّها ليست كذلك، فـ “الحلقة المفقودة”، في معناه الصحيح، وبحسب فهم وتعريف داروين نفسه لها، هي “الأصل المشترَك” بين الشمبانزي والإنسان، أي “جَدَّهما المشترَك”.

و”هذا الجَدُّ المشترَك” هو نوع حيواني من الثَّديِّيات يختلف (نوعياً) عن الشمبانزي والإنسان، المتفرِّعين منه.

ولقد جاء في “التقرير”: “إنَّ الحلقة المفقودة، هي الجَدُّ المشترَك بين الإنسان الحديث والقردة الحديثة؛ وهذا الجَدُّ المشترَك كان مختلفاً عن الاثنين؛ ولقد تطوَّرت القردة والبشر عن هذا الجَدُّ المشترَك بالقدر نفسه”.

وعلماء الوراثة ما زالوا يعتقدون أنَّ الإنسان وأقرب أقربائنا الأحياء، وهو قرد الشمبانزي، قد افترقا وتباينا قبل ستة أو سبعة ملايين سنة، مع أنَّ بعض الأبحاث تُرجِّح أن يكون ذلك الافتراق والتباين قد حدث قبل أربعة ملايين سنة فحسب.

الآن، عثرنا على أقدم أصل للبشر، وهو “أردي”؛ ولكن هل بلغنا نهاية السلسلة؟

كلاَّ، لم نبلغها، فمستقبلاً سنعرف من أين جاءت “أردي”، ومن أين جاء أسلاف “أردي”، فأنواع الحيوانات لا تتجاور فحسب، وإنَّما تتعاقب؛ ويكفي أن نرى أوجه تشابه كثيرة بين نوعين منها حتى نستنتج أنَّ لهذين النوعين “جَدَّاً مشترَكاً”، أي أصلاً حيوانياً تفرَّعا منه.

الفاتيكان يتصالح مع داروين.. وبوش يعاديه!

الفاتيكان، وبعد عداء استمر نحو قرن ونصف قرن من الزمان، قرر أنَّ نظرية النشوء والارتقاء التي أنشأها تشارلز داروين، وبسطها في مؤلَّفه الشهير “أصل الأنواع (أو الأجناس)”، تتفق مع “الكتاب المقدس”، أو “الإنجيل”.

وزير الثقافة في الفاتيكان الأسقف جيانفرانكو رافاسي هو الذي أعلن ذلك في مؤتمر في روما شارك فيه جمع من علماء ورجال دين وفلاسفة.

ومع ذلك، أكد رافاسي أنَّ الفاتيكان لا ينوي الاعتذار إلى داروين عمَّا أدلت به الكنيسة الكاثوليكية من “آراء سلبية” في شأن نظرياته، قائلاً إنَّ تلك الكنيسة لم تتعرَّض لنظريات داروين بالإدانة، كما لم تحظر قط كتابه؛ و”ينبغي لنا التخلي عن فكرة تقديم الاعتذارات وكأنَّ التاريخ محكمة منعقدة إلى الأبد”.

لقد ناصبت الكنائس المسيحية نظرية داروين العداء زمناً طويلاً، لتعارضها مع التفسير الإنجيلي (الحرفي) للخلق، وإنْ وصف البابا بيوس الثاني عشر سنة 1950 “الارتقاء” بأنه “نهج علمي صحيح بالنسبة إلى تطوُّر البشر”؛ وقد عاد البابا يوحنا بولس إلى تأكيد الرأي نفسه سنة 1996.

إنَّ لكل عصر حقائقه وأوهامه، فمصالح البشر (الواقعية) متناقضة، فبعض البشر له مصلحة في “الحقيقة” فينحاز إليها، وبعضه له مصلحة في “الوهم” فينحاز إليه..

داروين لم يَسْلَم حتى من الرئيس بوش، الذي كان يقود دولة لها، وللطبقة التي تمثلها هذه الدولة، من المصالح الواقعية ما يجعلها ضد العقل والعِلم الحقيقي، فهذا الرجل الذي اهتدى بعد طول ضلال قرر أن يطفئ النور في عقول التلامذة من أبناء وطنه، فوافق “السلفيين” و”التكفيريين” الجدد في المسيحية، التي عقدت قرانها مع أوهام “العهد القديم”، على شن حرب صليبية على نظرية “النشوء والارتقاء” لداروين في المدارس والمناهج التعليمية، مبتدعا بمعونة الجهابذة من “المحافظين الجدد”، نظرية جديدة مضادة، فضل تسميتها نظرية “التصميم الذكي”، التي قد تعقد قرانها، عمَّا قريب، مع أهم نظرية كوزمولوجية في القرنين العشرين والحادي والعشرين هي نظرية “الانفجار الكبير” Big Bang التي مسخ اللاهوت حقائقها العلمية حتى جعلها النسخة الفيزيائية من قصة الخلق التوارتية الشهيرة، فكلتا النظريتين، أي نظرية “الانفجار الكبير” ونظرية “التصميم الذكي” لا هدف لها، من الوجهة الإيديولوجية، سوى إحياء السلطان المعرفي والثقافي للكنيسة في وقت تسربلت المصالح والأهداف الإمبريالية للولايات المتحدة، في العالم العربي على وجه الخصوص، بقيم ومبادئ الديمقراطية والليبرالية والعلمانية، وفي وقت شنَّت القوة الإمبريالية العظمى في العالم والتاريخ الحرب على “الأصولية الإسلامية”، تارة بالحديد والنار، وطورا بالأفكار.

لقد جَمَعَ سيد البيت الأبيض السابق بين السلطتين الزمنية والدينية، وكأن “الرئيس”، الذي تستنسبه المصالح الإمبريالية والفئوية الضيقة التي يمثلها “المحافظون الجدد”، هو الذي يمكن ويجب أن يكون “بابويا” في أحد نصفيه.

و”نظرية التصميم الذكي” لـ “الخَلْق” مِنْ بشر وحيوان ونبات، والتي توفَّرت على تصميمها مصالح لأصحابها مصلحة في نَشْر الغباء، لا يشبه إدْخالها في المناهج التعليمية سوى إدخال نظرية أنَّ الأرض هي محور الكون، وأنَّ الشمس هي التي تدور حولها، فنظرية “النشوء والارتقاء” لداروين ليست بالنظرية التي يُقرُّ “العِلْم” بشرعية تطاوُل “البابا” بوش عليها، أو يسمح لحرَّاس الظلام والنعوش والقبور مِنَ “المحافظين الجدد” بطردها مِنَ المدارس والمناهج التعليمية، فإذا كان فيها مِنَ “الأخطاء” ما يَعْدِل خطأ “1+1= 3″، فإنَّ في نظرية “التصميم الذكي”، التي أبدعها الرئيس بوش وأساتذته، مِنَ الأخطاء ما يَعْدِل خطأ “1+1= قرد”!

ولو كان الرئيس بوش “غير انتقائي” في موقفه مِنْ نظرية داروين لـ “طَهَّرَ” فلسفته السياسية والاجتماعية والاقتصادية مِنَ “الداروينية”. أمَّا أنْ يسعى في “تطهير” العِلْم والمدارس والمناهج التعليمية مِن نظرية “النشوء والارتقاء” لِيُثَبِّتَ ويُرَسِّخَ “الداروينية” في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية فهذا إنَّما يعني “انتقائية إيديولوجية” تضرب جذورها عميقاً في “تناقُض المصالح” التي تُمثِّلها إدارته الزمنية ـ الدينية.

الرئيس بوش لم يُرِدْ لقانوني “صراع البقاء” و”البقاء للأقوى” أنْ يكون لهما سلطان وتأثير في عالمي الحيوان والنبات، ولكنَّه أراد لهما ذلك في “المجتمع” و”عالم السياسة”، متوهِّما أنَّ “البقاء للأقوى” يعني البقاء للمدجَّج بالسلاح، وللذي ألَّه السيف حتى استعبده السيف، ضارباً صفحاً عن نصيحة نابليون له ولأمثاله إذ قال وكأنَّه يخاطب الرئيس بوش: “إنَّكَ تستطيع فِعْلَ كل شيء بالحراب عدا الجلوس عليها!”.

الفاتيكان عوَّدنا على “فضيلة الاعتذار”، التي تحتاج هي، وقبل أي شيء آخر، إلى تفسير مُرْضٍ ومُقْنِع، فهو الآن مدعو إلى أن يوضِّح لجمهوره من المؤمنين، الذين شحنتهم الكنيسة الكاثوليكية، من قبل، وزمناً طويلاً، بالعداء لنظرية داروين، كيف، ولماذا، غدت تلك النظرية، التي أثارت جدلاً لم تعرفه نظرية أخرى، متَّفِقة مع “الإنجيل”، أو مع “التفسير الإنجيلي للخلق”، فلا يكفي أن يقول إنَّها متَّفِقة، متوقِّفاً بعد ذلك عن الكلام المباح، وكفى الله القائل شرَّ التعليل والتفسير.

وأذْكُرُ أنَّ أحد الباباوات حاضَرَ في نظرية “الانفجار الكبير”، فامتدحها قائلاً إنَّها تُفسِّر نشوء الكون، أو خلقه، بما يتَّفِق مع “الكتاب المقدس”، فلمَّا سأله أحد الحضور عن “الانفجار ذاته”، ولجهة ماهيته وسببه، أجابه على البديهة قائلاً: “لا تسأل هذا السؤال، فلحظة الانفجار هي ذاتها لحظة الخلق، والتي هي سِرٌّ مستغلَق فهمه على العقل البشري”.

داروين يمكن أن يكون قد أخطأ في تفسير كثير من ظواهر التطور في عالمي الحيوان والنبات، وتَرَكَ كثيراً من “الفراغ” في ثنايا نظريته؛ ولكن لا هذا ولا ذاك يمكن أن ينال من قوَّة “البنية التحتية” لنظريته.

ولعلَّ أهم ما جاء به واكتشفه هو “الانتخاب الطبيعي”، و”الفهم التاريخي” للأجناس والأنواع في عالمي الحيوان والنبات.

إنَّ كل حيوان يتكاثر؛ ولكن ليس كل فرد من نسله يبقى على قيد الحياة، فالفرد (من نسله) الذي يملك من الخواص والصفات ما يجعله قوياً، صالحاً، متفوِّقاً، في بيئته هو الذي يبقى، وهو الذي، بالتالي، يُورِّث نسله تلك الخواص والصفات الجيِّدة، نسبةً إلى بيئته، فيتراكم هذا الاختلاف في الخواص والصفات، جيلاً بعد جيل، حتى تَظْهَر أنواع، أو أجناس، جديدة.

و”الصفات الوراثية” ليست بالصفات السرمدية الخالدة التي لا يعتريها تغيير، فهي في تفاعل دائم ومستمر مع البيئة المحلية والأرضية والكونية، فتتغيَّر، بالتالي، في استمرار، ويُورَّث، أيضاً، هذا التغيير. حتى “البيئة الاجتماعية ـ التاريخية” تُراكِم أثرها في “الصفات الوراثية”.

أمَّا “الفهم التاريخي” فهو الذي بفضله تفهم الأنواع، أو الأجناس، على أنَّها “الحاضر”، الذي جاء من “الماضي”، والذي يصعد إلى “المستقبل”. وهذا إنْ عنى شيئاً فإنَّما يعني أنَّ الشيء في حاضره يجب أن يكون مختلفاً عمَّا كان في ماضيه، وعمَّا يصبح عليه في مستقبله، فانْظُر إلى هذه التفاحة التي على غصنها لتتأكَّد أنَّها لم تكن (في خواصها وحجمها ولونها وشكلها..) في ماضيها كذلك، ولن تكون في مستقبلها على ما هي عليه الآن، فكيف إذا ما نظرنا إلى ما كانت عليه الأشياء الحاضرة قبل آلاف، أو ملايين، السنين؟!

ألم ننتقد، مثلا، نظرية داروين، ونعترض عليها ونناصبها العداء، انطلاقا من نظرتنا “غير التاريخية” للكائن البشري.. انطلاقا من اعتقادنا بأن هذا الكائن كان، في صفاته وخواصه..، قبل مئات الآلاف من السنين مثلما هو الآن، في تشرين الأوَّل 2009 ؟!

بقي أن نقول، في مأساة داروين، إنَّ كثيراً من أولئك الذين تطرفوا في إظهار العداء لها لم يتورَّعوا عن أن يشتقوا منها قوانين ومبادئ ومفاهيم للتطور الاجتماعي والتاريخي، فأساءوا إليها أكثر من سواهم إذ جعلوها شريعة لهم في الاجتماع والتاريخ!

أصل الإنسان.. دينياً

في القِصَّة الدينية لخلق البشر، خُلِقَ الإنسان، أو “آدم” من مادة، هي “الصلصال”، الذي هو طين مُركَّب من سيليكات الألومينيوم، يتميَّز بشدَّة لزوجته عند البلل وتماسكه، فإذا شُويَ بالنار فهو الفخَّار.

من هذا “الطين”، في معناه الحقيقي وليس في أي معنى مجازي، صَنَعَ “الخالِق” آدم، أي الإنسان الأوَّل الذَكَر. وعندما أتمَّ صنعه، أي عندما أتمَّ صُنْعَ هذا “التمثال”، أو “الصنم”، نَفَخَ فيه من روحه، فصار حيَّاً. و”نَفْخُ” الشيء هو أن تُدْخِلَ فيه ريحاً تُخْرِجُها من فَمِكَ.

وأحسبُ أنَّ الفهم الحقيقي للنص الديني هو الذي يقوم على فهم كلماته وعباراته في معانيها الحقيقية، ففهمها في معانيها المجازية، أو التطرُّف في مثل هذا الفهم، يَجْعَل “النص” ضدَّ “منطق اللغة”، ويُدْخِله في متاهة “التدليس اللغوي”، الذي به تتحوَّل “لغة النص” إلى ما يشبه “عجيناً”، يتَّخِذُ الشكل الذي نشاء، فتتقوَّض، في اللغة، العلاقة بين “الدال” و”المدلول”.

ومع هذا التقويم للاعوجاج في تلك العلاقة، والذي لا بدَّ منه حتى يستقيم الفهم، نقول إنَّ خَلْقَ آدم، بحسب النص الديني، قد تضمَّن، في مرحلته الأخيرة، أي بعد إتمام صُنْعِه من الصلصال، إدْخال بعضٍ من “الروح الإلهية” فيه. وهذا يعني أنَّ آدم هو “الطين إذ تألَّهَ”، أي الطين إذ نفخ فيه الخالِقَ، أو الإله، من روحه. ومن ذلك جاء القول بموتٍ يفنى فيه جسد الإنسان، أو كيانه الطيني، وتخلدُ بَعْدَهُ الروح، أي روح الإنسان التي هي من الخالِق جاءت، وإليه تعود. ولولا هذا “النفخ الإلهي” لما دبَّت “الحياة” في “آدم الصلصالي”.

على أنَّ النص الديني لم يُجِبْ عن أسئلة من قبيل: هل الكائنات الحيَّة الأُخرى، من حيوانية ونباتية، قد خُلِقَت في الطريقة ذاتها، أي من صلصال نَفَخَ فيه الخالِق من روحه؟ وهل “الحياة” في غير الإنسان من الكائنات الحيَّة لا تقوم لها قائمة إلا إذا نَفَخَ الخالِق في تلك الكائنات من روحه؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف لهذه الروح التي جاءت من روح الخالِق ذاته أن تختلف درجة ومرتبة بين الكائنات الحيَّة؟ ليس من إجابات واضحة، في “النص الديني”، عن تلك الأسئلة وأمثالها.

حتى في “خَلْق الإنسان” اختلف، أو تضارَبَ النص ذاته، ففي “خَلْق آدم”، جاء “الخالِق” بذلك “الصلصال”، الذي أتمَّ صنعه، فنَفَخَ فيه من روحه. ثمَّ اختلف “خَلْق حواء”، أو “المرأة الأولى”. ثمَّ اختلف “خَلْق ذريَّة آدم”، فـ “الجنين البشري”، وبَعْدَ مُدَّة (نحو 40 يوماً) من تَكوُّنه، في رحم أُمِّه، أي بعد انتهاء “طور المضغة”، يَبْعَثُ “الخالِق” إليه مَلَكاً ليَنْفُخَ فيه “الروح”. وهذا يعني أنَّ الجنين، قَبْلَ ذلك، لا يُعدُّ “كائناً حيَّاً”. وأحسبُ أنَّ هذا لا يلقى تأييداً في العِلْم، الذي يَنْظُر إلى الجنين مُذْ نشأ وتكوَّن على أنَّه “كائن حي”.

لقد خُلِقَ “الإنسان الأوَّل الذَكَر”، أي “آدم”، من “تراب”. أمَّا نسله فلم يُخْلَق من “تراب” وإنَّما من “نطفة”.

و”النطفة” هي “المني”. و”المني”، أو “السائل المنوي”، هو سائل ثخين مُبْيَض، تفرزه الغدد التناسلية عند الذكر في نهاية الجماع، ويتألَّف من “حيوانات منوية” Sperms ومن مادة “بروستاغلاندين .Prostaglandin والخصية هي التي فيها تُنْتَج الحيوانات المنوية وهرمون الذكورة “تيستسترون” Testosterone.

من ذلك يتضح أنَّ الجنين قد خُلِقَ، بحسب قِصَّة خلقه الدينية، من ذلك السائل الذي تفرزه الغدد التناسلية عند الذكر. وهذا السائل هو “النطفة”، التي لا معنى لها سوى هذا المعنى. ويتضح، أيضاً، أنَّ “البويضة” لم تُذْكَر؛ لأنَّها ما كانت تُرى، فهي لا تُرى بالعين المجرَّدة. “المني” وحده هو الذي كان مرئياً ومعروفاً.

والآن، لا نحتاج إلى إثبات أنَّ الجنين يتكوَّن في الرحم عند “تلقيح البويضة”، أي عند اتِّحادها مع الحيوان المنوي. وليس من سبب الآن يدعونا إلى الاعتقاد بأنَّ “السائل المنوي” يَخْرُجُ من غير “الخصية”. ويعود إلى هارتسوكر، في القرن السابع عشر، الفضل في معرفة واكتشاف أنَّ الجنين البشري لا يتكوَّن من المني (أو النطفة) فحسب، وإنِّما من اتِّحاد واندماج الحيوان المنوي والبويضة.

الإنسان، بحسب الدين، خُلِق من “نطفة من مني”. ويقال، أيضاً، إنَّ خَلْق الإنسان كان من “نطفة أمشاج”. و”الأمشاج” مُفْردها “مَشِج”، أو “مشيج”، وهو “كل شيئين مختلطين”، أو “كل لونين امتزجا”. ولقد اختلف تفسير “نطفة أمشاج”، فهناك من قال إنَّها تعني “اختلاط ماء الرجل بماء المرأة”، فـ “ماء الرجل وماء المرأة يُمْشَج أحدهما بالآخر”، وهناك من قال إنَّها تعني “اختلاف ألوان النطفة”، وهناك من قال إنَّها تعني “العروق التي تَكُون في النطفة”. و”ماء المرأة”، في معناه الحقيقي، إنَّما هو ما يُفْرزه مهبلها من سائل عند الجماع؛ وليس من سبب يدعو إلى تفسير “ماء المرأة” على أنَّه بويضتها؛ فإذا كان ممكنا وصف ما يَخْرُج من خصية الرجل بـ “السائل” فليس ممكنا اتِّخاذ “السائل” وصفاً لـ “بويضة المرأة”. وفَهْم “النطفة” على أنها “المني” الذي هو “سائل كالماء” لا يُجيز القول بـ “نطفة أُنْثوية”، تتَّحِد مع “نطفة ذكرية”، فيتكوَّن الجنين البشري.

لقد فسَّروا “النطفة” على أنَّها “الماء”، الذي يَخْرُجُ متدفقاً من “بين صلب (أي ظَهْر) الرجل وعظام صدره”، فإذا كان هذا “الماء”، عند الرجل، هو “السائل المنوي”، فإنَّ هذا “الماء” لا يَخْرُجُ ” من بين ظَهْره وعظام صدره، لِيُراق من ثمَّ في رحم المرأة. “السائل المنوي” إنَّما يَخْرُج من مكان آخر لم يأتِ “النص الديني” على ذكره لا تصريحاً ولا تلميحاً. وهذا المكان، الذي فيه يُنْتَج “السائل المنوي، ومنه يَخْرُج، هو “الخصية”.

وبحسب الوصف الديني لـ “أطوار الخَلْق”، أي للأطوار التي يجتازها الجنين البشري في نموِّه في رحم أُمِّه، تتحوَّل “النطفة” إلى “علقة (حمراء)”، تتحوَّل إلى “مضغة (مخلَّقة وغير مخلَّقة)”، تتحوَّل إلى “عظام”، تُكسى، من ثمَّ، “لحماً”.

وبَعْدَ هذا الطور، الذي فيه تُكسى العظام لحماً، يَبعث “الخالِق إلى الجنين “المَلَك”، الذي يَنْفُخُ الروح فيه، فإذا نَفَخَها فيه تحرَّكَ الجنين وصار خَلْقاً آخر ذا سمع وبصر وإدراك..

“العلقة” هي قطعة من “العلق”، الذي هو الدم الغليظ الجامد. و”المضغة” هي “العلقة” إذا صارت “لحمة”، تشبه ما يُمْضَغ من اللحم. وهذه “المُضْغَة” قد تسقطها المرأة الحامل قَبْلَ “التشكيل والتخطيط”، وهذه هي “المُضْغَة غير المخلَّقة”، أو بَعْدَ “التشكيل والتخطيط”، وهذه هي “المُضْغَة المخلَّقة”. ومعنى “التشكيل والتخطيط” هو أن تَظْهَر “المُضْغَة” في “ملامح بشرية” مثل الرأس واليدان والصدر والبطن والفخذان والرجلان..

ثمَّ تتحوَّل “المُضْغَة” إلى “عظام”، ثمَّ تُكسى العظام “لحماً”. وهذا “التحوُّل” يكتنفه غموض وإبهام، فإذا كان لـ “المُضْغَة المخلَّقة” تلك “الملامح” فلا بدَّ لها من أن تنطوي على “عظام”، فكيف لها، إذا ما انطوت على عظام، أن تتحوَّل إلى “عظام”، تُكسى، من ثمَّ، لحماً؟!

كيف بدأت “قصَّة الخَلْق للبشر”؟

بدأت إذ اعتقد البشر القدماء أنَّ “الأنواع” في “عالم الحيوان” تتجاوَر ولا تتعاقب، فليس من “نوع حيواني” يمكن أن يتحوَّل إلى “نوع حيواني آخر”، كما ليس من “أنواع حيوانية” ذات “أصل حيواني مشتَرك”. فـ “القط” الذي نَعْرِف هو القط ذاته الذي عَرَفَهُ الماضي، والذي سيَعْرِفُهُ المستقبل، فـ “النوع الحيواني” لا يتغيَّر، أي لا يتحوَّل إلى نوع حيواني آخر، ولو عَبْرَ ملايين السنين من التطوَّر.

وقدماء البشر كانوا يعتقدون أنَّ عُمْر “الأرض” مع بشرها وحيوانها ونباتها، لا يزيد عن بضعة آلاف من السنين. “التطوُّر” في “عالم الحيوان” لم يكن في متناوَل عقولهم، فـ “النوع الإنساني”، في معتقدهم البدائي، لا يمكن أن يجيء إلا من ذاته، أي من النوع الإنساني ذاته.

وبدأت “القصَّة” إذ تأمَّلوا “التكاثُر البشري”، فـ “عدد البشر” يزداد، فلو كان الأحياء من البشر، الآن، 1000 إنسان، ولو ماتوا، جميعاً، بَعْدَ 100 عام، فإنَّ عدد البشر لن يظل 1000 إنسان، فهو سيزيد، وسيبلغ، مثلاً، 1200 إنسان. وهذا العدد يزداد سنة بَعْدَ سنة. وهذا يعني، أيضاً، أنَّ عدد البشر في الماضي كان أقل، فَقَبْلَ 100 عام كان، مثلاً، 700 إنسان، وقَبْلَ 200 عام كان، مثلاً، 300 إنسان، وقَبْلَ 500 عام كان، مثلاً، 50 إنسان. وهذا التأمُّل لـ “التكاثر البشري”، في ماضيه، قادهم إلى الاستنتاج الآتي: لقد بدأ الجنس البشري بـ “فردين”، هما رجل (آدم) وامرأة (حواء).

لا شكَّ في أنَّ عدد أفراد الجنس البشري، الذي ينتمي إليه “بَشَرُنا”، كان قَبْلَ آلاف (أو عشرات آلاف) السنين، أقل كثيراً من عدد أفراده اليوم. وكلَّما توغَّلْنا في ماضي الجنس أو النوع البشري رأيْنا مزيداً من الفروق والاختلافات في الصفات والسمات والملامح الطبيعية أو البيولوجية.
والجنس البشري، في أصله ونشأته وبدايته، لم يكن “فرداً”، أي آدم، ولا “فردين”، أي آدم وحواء، وإنَّما “مجموعة”، أو “جماعة”، أنْتَجها التطوُّر الحيواني الطبيعي، فمِنْ تطوُّر “نوع حيواني آخر”، أو مِنْ تطوُّر بعض من أفراد هذا “النوع الحيواني الآخر”، ظَهَر أسلاف الجنس البشري.

في العلاقة بين الكائن الحي وبيئته نرى، أوَّلا، أنَّ الكائن الحي، كل كائن حي، لا بدَّ له من أن يتكاثر ويتناسل، ثمَّ نرى أنَّ بعضا من نسله يبقى على قيد الحياة. الكائن الحي يلِد العشرات، أو المئات، أو الآلاف، من أمثاله، أي من أفراد نوعه. وكل مولود لديه من الصفات ما يجعله مختلفاً عن “أشقَّائه”. وفي هذا الاختلاف يكمن سرُّ التطور، فالمولود الذي يبقى على قيد الحياة، ويتكاثر ويتناسل، إنَّما هو الذي لديه من الصفات ما يمكِّنه من العيش في البيئة التي وُلِدَ فيها. أمَّا غيره من المواليد الأشقَّاء فلا مفرَّ له من الهلاك؛ ذلك لأنَّ البيئة التي وُلِدَ فيها، والتي هي تؤدِّي دور “الناخب” في المجتمعات الديمقراطية، لم تَجِد فيه (أي في هذا “المرشَّح” من بين عشرات ومئات وآلاف “المرشَّحين” من أشقَّائه) من الصفات ما يؤهِّله لأن يكون ابناً لها، فلم تُدْلِ بصوتها لمصلحته، أي لم تنتخبه وتصطفيه وتختاره. الذي لديه، في صفاته، أي في فطرته، ذلك “التفوُّق” هو الذي تنتخبه الطبيعة، أو البيئة، التي وُلِدَ فيها، وهو الذي، في تكاثره وتناسله، يُورِّث نسله صفاته “الجيِّدة”، فيستمر ويعظم التطور والارتقاء جيلا بعد جيل حتى يتحوَّل “النوع القديم” إلى نوع جديد أكثر تطوُّرا ورقيَّا. ولا شكَّ في أنَّ “التركيب الجيني” يَخْضَع هو أيضا للتطور، فالتفاعل بين الكائن الحي وبيئته (في مفهومها الواسع) يتمخَّض دائما عن تغيير في “تركيبه الجيني”.

لقد جانبوا “التاريخية”، أي فَهْم الشيء، الذي يرونه الآن، على أنَّه مختلف حتماً في خواصِّه وصفاته عمَّا كان في ماضيه وأُصوله، فقادهم تأمُّل “التكاثُر البشري” إلى القول بـ “فردين اثنين” نشأ عنهما “الجنس البشري”، هما “الرجل الأوَّل”، أي آدم، و”المرأة الأولى”، أي حواء.

وبعدما بلغوا هذه “الحلقة الأولى” من “السلسلة”، وأمسكوا بها، تساءلوا عن “أصل” هذه “الحلقة”، فَمِنْ أين، وكيف، جاء آدم وحواء؟!

تساؤلهم هذا تأثَّر بـ “واقعهم الاجتماعي ـ التاريخي”، أي بـ “السيادة الاجتماعية للرجل”، ففهموا “حواء” على أنَّها “مخلوق خَلَقَهُ الخالِق من الضلع اليسرى لآدم”، فآدم كان نائماً عندما قام الخالِق بخَلْق حواء من ضلعه اليسرى، فاستيقظ، فرآها، فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه، فضاجعها، فأنجبت له أولاداً، تناكحوا وتناسلوا، وانتشروا في الأرض. ولكنْ، من أين جاء آدم ذاته؟!

كان يكفي أن يجانب البشر القدماء “التاريخية” في النظر إلى النوع البشري حتى تسيطر “الميتافيزيقيا” على “جوابهم”، و”طريقتهم في التفكير”. وقد انتهى بهم التفكير إلى القول بـ “خَلْق آدم من طين (أو صلصال)”، فهُم رأوا، أوَّلاً، كيف أنَّ الميِّت من البشر يتحوَّل إلى “تراب”. ورأوا، من ثمَّ، أوجه التشابه والاختلاف بين الإنسان والتمثال الذي كانوا يصنعونه من الطين.

و”الفَرْق الجوهري” بين هذا التمثال والإنسان الحي، وهو “الحياة” بكل معانيها، حَمَلَهُم على القول بـ “الروح”، التي تَجْعَل “الحياة” تدب في “التمثال الطيني (آدم) الذي خَلَقَهُ الخالِق”.

ومن مقارنتهم بين “الحي” و”الميِّت”، أنشأوا وطوَّروا مفهوم “الروح”، التي رأوها شيئاً يشبه “الريح”، أو “الهواء”. في هذه المقارَنة رأوا أنَّ “الحي” يتنفس، فالهواء يَدْخُل إليه ويَخْرُج منه، عَبْرَ “الفم” و”الأنف”، بينما “الميِّت”، في صفته الأولى الظاهرة، يتوقَّف عن التنفُّس. وفهموا “الروح” على أنَّها شيء مُدْخَل إدخالاً في “البدن”، أو “الجسد”، ويمكنه العيش في خارجه، وفي استقلال تام عنه. وهذا الاعتقاد إنَّما وَلَّدَتْهُ في عقولهم ظاهرة “الحُلْم”، أو “المنام”، فالإنسان يرى في منامه إنساناً آخر، حيَّاً أو ميِّتاً. وهذا الإنسان الذي نراه في المنام إنَّما هو “الروح الزائرة”.

من كل ذلك خَلَقوا “قصَّة الخَلْق لآدم”، فالخالِق خَلَقَ “الرجل الأوَّل” من “الصلصال”، أو من “خلاصة الطين”، ثمَّ “نَفَخَ فيه من روحه”، فدبَّت فيه “الحياة”. وبـ “الموت” تَخْرُجُ منه “الروح”، فـ “البدن” يزول، أي يتحوَّل إلى “تراب”، بينما تَخْلُدُ “الروح”. هذا “الفصل الأوَّل” من “القصَّة”.

أمَّا “الفصل الثاني” فكان خَلْقُ الخالِق لـ “حواء” من “الضلع اليسرى” لـ “آدم”. وفي “الفصل الثالث (والأخير)”، كانت “نهاية القصَّة”. وهذا الفصل هو “فصل التناسل”، فـ “حواء” إذ ضاجعها “آدم” أنجبت له أولاداً، تناكحوا وتناسلوا وانتشروا في الأرض.

“المجهول الأعظم” في هذا الفصل كان “علاقة حواء (أو المرأة) بالإنجاب”، فـ “البويضة”، التي لا تُرى بالعين المجرَّدة، لم تُذْكَر، لا تصريحاً ولا تلميحاً، في “القصَّة الدينية للإنجاب”.

كل ما كانوا يعرفونه في أمر علاقة المرأة بالإنجاب لم يتعدَّ الآتي: المرأة لا تستطيع الحَمْل والولادة إلا في مرحلة واحدة من عمرها. ثمَّة علاقة بين “الحيض” و”الإنجاب”. “رَحْم المرأة” هو المكان الذي فيه يتكوَّن وينمو “الجنين”، الذي لا يُعْرَفُ جنسه (ذكر أو أُنثى) إلا بَعْدَ خروجه من رَحْم أُمِّه. ليس من “سائل” تُفْرزه المرأة يشبه “السائل المنوي” عند الرجل. المرأة عندها فحسب “الدم” الذي يَخْرُج من رَحْمِها كل شهر ما دامت قادرة على الإنجاب، و”الإفراز المهبلي”. وكلا “السائلين” لا يُماثِل “السائل المنوي” من حيث علاقته بـ “الإنجاب”.

وإذا كانت “البويضة” لا تُرى بالعين المجرَّدة فـ “السائل المنوي”، وليس “الحيوان المنوي”، يُرى. وبناءً على ذلك، فهموا “الجنين” على أنَّه “المني يُسْكَب في الرحم”، فـ “البويضة” كانت “المجهول الأكبر” في معرفتهم تلك. وهذا “المني”، الذي منه يأتي “الجنين”، هو “النطفة”.
ومع أنَّهم عرفوا معنى “الخصي”، أو “الخصاء”، فإنَّ “مَصْدَر السائل المنوي” ظلَّ غير واضح لديهم. ولجهلهم أنَّ “السائل المنوي” يُنْتَج في “الخصية” خُيِّل لهم أنَّ هذا “الماء” يَخْرُجُ مِنْ “بين ظَهْر الرجل وعِظام صدره”.

بَعْدَ ذلك، شرع البشر القدامى يتصوَّرون “أطوار الجنين”، أي المراحل التي يجتازها في نموُّه. وقد بنوا تصوُّرهم من مَشاهِد إجهاض المرأة الحامل لجنينها، فهُم رأوا “الجهيض” في غير شكل. ورأوا أشكاله تختلف باختلاف عُمْرِه. رأوه في شكل “قطعة من الدم الغليظ أو الجامد”، أي في شكل “علقة”. ثمَّ رأوه في شكل “قطعة من اللحم وقد مُضِغَت”، أي في شكل “مضغة”. وهذه “المضغة” كانوا يرونها “مخلَّقة” أو “غير مخلَّقة”، فـ “الجهيض”، في مرحلة من عُمْرِه، كانوا يرونه في شكل “مضغة بملامح بشرية”.

وبَعْدَ “طور المضغة”، يأتي “طور العظام”، فـ “طور كسو العظام لحماً”، فـ “طور نفخ الروح في الجنين”. وبحسب هذا التسلسل، تتحوَّل “المضغة” إلى “عظام”، ثمَّ يكسو الخالِق العظام لحماً.

لقد قالوا بـ “طور العظام” على الرغم من أنَّهم لم يروا، قط، جهيضاً في شكل “عظام”. وأحسب أنَّ هذا الطور، أي “طور العظام”، قد قالوا به إذ رأوا “اللحم” يكسو “العظام” في جسم الإنسان، وكيف يُنْزَع (في الحيوان) عن العظام.

وبوحي من هذه “الميكانيكية” في النظر إلى العلاقة بين “اللحم” و”العظام” قالوا بتحوُّل “المضغة” إلى “عظام”، وبكسو العظام لحماً. وفي هذا “الطور”، أي في طور “كسو العظام لحماً”، يَبْعَثُ الخالِق إلى الجنين ملاكاً فيَنْفُخُ فيه الروح، فيتحوَّل الجنين إلى “كائن حي”، وكأنَّه قَبْل ذلك لم يكن بالكائن الحي.




التعليقات 6 على ““أردي” جاءت تأكيداً لا نفياً لنظرية داروين!”

  1. محمد عبد الرحمن علق:

    شكرا على هذا الجهد لكنك أخطأت يا سيدي في شرحك لمعنى النفخ خطأ فادحا، أعيذك أن تقع بمثله…. النفخ لا يعني أن نفخ جعل المنفوخ فيه حيا، يقول الحق تبارك وتعالى للملائكة: (إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته، ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)… من أي جئت بمعنى أن النفخ هو الحياة، الحياة موجودة قبل النفخ، وهي حياة حيوانية أو نباتية، إلا أن النفخ المقصود هنا، هو ما تميز به البشر عن الحيوان، وهو العقل، وما يتبع ذلك من صفات أخرى…. وحين تنفخ الروح في الجنين بعد أربعين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو تكرار لقصة آدم، يعني أن نفخ الروح الإلهي، بداية اعتبار هذا الكائن إنسانا، وليس مجرد كائن حي…

  2. د. صالحة رحوتي علق:

    الكريم جواد البشيتي

    اقتباس:
    “…“المجهول الأعظم” في هذا الفصل كان “علاقة حواء (أو المرأة) بالإنجاب”، فـ “البويضة”، التي لا تُرى بالعين المجرَّدة، لم تُذْكَر، لا تصريحاً ولا تلميحاً، في “القصَّة الدينية للإنجاب”.

    كل ما كانوا يعرفونه في أمر علاقة المرأة بالإنجاب لم يتعدَّ الآتي: المرأة لا تستطيع الحَمْل والولادة إلا في مرحلة واحدة من عمرها. ثمَّة علاقة بين “الحيض” و”الإنجاب”. “رَحْم المرأة” هو المكان الذي فيه يتكوَّن وينمو “الجنين”، الذي لا يُعْرَفُ جنسه (ذكر أو أُنثى) إلا بَعْدَ خروجه من رَحْم أُمِّه. ليس من “سائل” تُفْرزه المرأة يشبه “السائل المنوي” عند الرجل. المرأة عندها فحسب “الدم” الذي يَخْرُج من رَحْمِها كل شهر ما دامت قادرة على الإنجاب، و”الإفراز المهبلي”. وكلا “السائلين” لا يُماثِل “السائل المنوي”

    أعتقد أنك جانبت الصواب بخصوص هذه النقطة سيدي ،إذ ما اطلعت على الحديث الشريف في صحيح البخاري:

    “حدثنا ‏ ‏محمد بن سلام ‏ ‏قال أخبرنا ‏ ‏أبو معاوية ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏هشام بن عروة ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏زينب ابنة أم سلمة ‏ ‏عن ‏ ‏أم سلمة ‏ ‏قالت ‏
    جاءت ‏ ‏أم سليم ‏ ‏إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم :‏ ‏إذا رأت الماء .فغطت ‏ ‏أم سلمة ‏ ‏تعني وجهها وقالت :يا رسول الله أوتحتلم المرأة ؟قال :نعم ‏ ‏ تربت ‏ يمينك فبم يشبهها ولدها ؟”
    صحيح البخاري ـ العلم ـ الحياء في العلم ـ الحديث رقم:127.

    ففي الحديث إشارة صريحة إلى وجود “إفرازات أنثوية ” و أيضا إخبار بوجود علاقة بين تلك الإفرازات و بين ما يحتوي على عناصر وراثية تجعل المولود يحمل صفات للأم….أي البويضة.
    لم يكن هنالك في تلك الفترة الزمنية مجهر يمكن التعويل عليه في إبراز حقيقة تلك البويضة فاكتفي بتبيان وجود ما يدل على مشاركة المرأة في تحديد الإنجاب وذلك تماشيا مع مستوى الاستيعاب و الفهم لدى المعاصرين للتنزيل.
    و قد أصبح من المعلوم الآن أن إفرازات يتزامن نزولها مع فترة الإباضة تشكل الوسط البيولوجي المناسب لاستمرار حياة البويضة في انتظار التخصيب،ولا بد أن هذا السائل مطبوع بالخصائص الوراثية لكل أنثى …

    و لك احترامي و تقديري

  3. أماني علي فهمي علق:

    الأستاذ الفاضل جواد البشيتي
    شكراً على هذا الخوض بكل هذا الجهد والموضوعية في موضوع شائك
    ورغم إحتمالية التباين في الآراء حول بعض النقاط الواردة ، إلا أن المقال جدير بكل التقدير والإحترام

  4. حسن علق:

    د. صالحة رحوتي،

    “ففي الحديث إشارة صريحة إلى وجود “إفرازات أنثوية ” و أيضا إخبار بوجود علاقة بين تلك الإفرازات و بين ما يحتوي على عناصر وراثية تجعل المولود يحمل صفات للأم….أي البويضة.”

    لابد وأنك تمزحين، أليس كذلك؟ أمن الإعجاز إنباء النبي عن وجود إفرازات أنثوية؟ ألم يعاشر إمرأة؟؟ أم أن النساء وقتها لم تنتج هذه الإفرازات وقت الإنتشاء الجنسي؟؟؟

    الإعجاز قد يكون في التنبؤ بإسهام هذه السوائل بأي دور في تشكيل الخصائص الوراثية للجنين. وهذا بالطبع بين الزيف لا توجد أدني علاقة بين كروموسومات البويضة وسوائل المهبل بالرغم من محاولتك لي عنق الحقائق العلمية لتتسق مع إعجازية الحديث.

  5. ماجد الخالدي علق:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    لا زلت أجد في فكر الأستاذ جواد البشيتي الكثير جدا مما يستحق أن يقرأ فعلا على الرغم-إن لم يجاوبني الصواب-المح في ثنايا كلماته عبر عدة مناسبات ما يمكن أتجرأ بوصفه “لا دينيته” ولعل فيما أورده آنفاص في ختام مقاربته لقصة الخلق م يشي صريحا بما زعمته أنا وهو حر في اختياراته التي أختلف معه في بعضها ومنها قصة الخلق كما قاربها ولا زلت أحترم الكثير مما يكتبه في عدد من المواقع الإلكترونية أرجو الله لنا وله الرشد والفلاح وله احترامي .. أما أولئك الحانقين وتشعر باهتزاز ورجفان أقلامهم-الآن الكير بورد-من خلال تلك اللغة التي لا يجدون أرقى منها لأنها باختصار تعكس ما يجدونه من غل في قلوبهم على الأنبياء وعلى الدين الذي للأسف لم يطمئنوا إليه واهمين أو سادرين في غفلتهم على وقع ذبذبات عقولهم التي أغلقوها وما هو أهم وأخطر قلوبهم التي في الصدور ولذا تراهم يضطربون كلما جاءت مناسبة لذكر النبي أو القرآن أو حديثا يتعرض لأمر أو حقيقة كما نشاهد هنا في رد أحدهم على من نعتها بالمزح فيما لا يكون فيه إلا الجد والمزح فيه في الشرع كفر وهو ما لا يريدون فقهه أو فهمه!؟ .. كان الله في عونهم ليجدوا مرفأ السكينة واليقين .. أللهم اشرح صدرونا للإسلام وقلوبنا بالعلم والإيمان!.

  6. د. صالحة رحوتي علق:

    الكريم السيد حسن

    اقتباس:
    “…لابد وأنك تمزحين، أليس كذلك؟ أمن الإعجاز إنباء النبي عن وجود إفرازات أنثوية؟ ألم يعاشر إمرأة؟؟ أم أن النساء وقتها لم تنتج هذه الإفرازات وقت الإنتشاء الجنسي؟؟؟…”.

    لم أقصد الإفرازات العادية التي تنزل عند الانتشاء الجنسي و التي تلعب دور الترطيب حين العلاقات الحميمية،لكنني عنيت ما يطلق عليه “مخاط عنق الرحم” أي glaire cervicale أو cervical mucus،أي ذلك السائل الذي تفرزه خلايا عنق الرحم و يكون الحامل البيولوجي الذي :
    ـ يمكن الحيوانات المنوية من التنقل و من الاستمرار في الحياة حد أن يستطيع أحدها التسلل إلى الداخل الرحم لتلقيح البويضة.
    ـ يمنع الحيوانات المنوية الضعيفة من اقتحام جدار البويضة و الوصول إلى مرحلة التلقيح.
    ـ يحول دون حصول التعفن و يمنع تكاثر الجراثيم.
    هذا السائل يحتوي على الماء و بروتينات و أنزيمات معينة و شبكة من الجليكوبروتينات ذات أبعاد صغيرة تمكن الحيوانات المنوية من توسلها حين التنقل ،و أيضا مجموعة من الخلايا :الكريات البيضاء و البلعميات الكبيرة.
    و يمكن فحص هذا السائل في إطار البحث عن أسباب عقم الزوجين عن طريق تحليل Test post-coïtal quantitatif أو تحليل Huhner الذي يمكن من معرفة مقدار التفاعل و التناغم بين الحيوانات المنوية للزوج و مخاط عنق الرحم للزوجة
    أنظر الروابط من أجل مزيد من الاطلاع:
    http://books.google.co.ma/books?id=DwFbBCO5pysC&pg=PA109&lpg=PA109&dq=composition+de+la+glaire+cervicale&source=bl&ots=wd8g8Orx4s&sig=k6CWVvgYdUiikkoX0WIRbId5YVU&hl=fr&ei=jo7LSpWiIYWQsAaIjeX9Ag&sa=X&oi=book_result&ct=result&resnum=7#v=onepage&q=composition%20de%20la%20glaire%20cervicale&f=false

    و هكذا يتم تحديد النتائج بناء على عدد الخلايا في المخاط:
    CELLULARITE (Estimation des leucocytes et autres cellules dans le mucus)
    0 = > 20 cellules/HPF
    1 = 11-20 cellules/HPF
    2 = 1-10 cellules/HPF
    3 = 0 cellules/HPF

    http://www.gfmer.ch/Livres/Lab_andrologie/test_postcoital_quantitatif.htm

    المهم أن وجود الخلايا في هذا المخاط يعني وجود مجموع المورثات المحمولة في الكروموزمات المتواجدة في نواة الخلية ،وهذا يعني خصوصية كل سائل مخاطي لعنق الرحم بالنسبة لكل امرأة لأنه يحتوى على مورثاتها الجينية.
    هذا من جهة و من جهة أخرى فإن العلم أثبت بأن هنالك ارتفاع في الرغبة الجنسية عند النساء في فترة الإباضة ،أي وسط الدورة الشهرية حوالي اليوم 14 حين انتظام الدورة الشهرية ،انظر المقال على الرابط:
    Résumé / Abstract
    Un large éventail de données prospectives a été examiné pour mettre en évidence la covariation entre le moment d’apparition du désir sexuel et un certain nombre de paramètres du cycle menstruel. Dans tout cycle menstruel donné, le désir sexuel est généralement apparu quelques jours avant le décalage de la température basale (TB), au moment de la date présumée de l’ovulation

    Titre du document / Document title
    Corrélation entre désir sexuel et caractéristiques du cycle menstruel = Correlation between sexual desire and menstrual cycle characteristics
    http://cat.inist.fr/?aModele=afficheN&cpsidt=6931327

    و في هذه الفترة التي تكون فيها نسبة هرمون التيستوستيرون مرتفعة بفعل الإباضة يمكن أن يكون هنالك احتلام من طرف بعض النساء حين لا تكون ممارسة جنسية و خاصة بالنسبة للواتي يعشن حياة ثنائية مع ذكر أي زوج، انظر الصفحة 37 من ملف PDF على الرابط:

    http://www.unites.uqam.ca/cnc/psy4042/PSY4042sexualite210307.pdf

    و لعل هذا الظرف ما عنته المرأة حين جاءت تسأل النبي صلى الله عليه و سلم عن ما ينبغي فعله عند الاحتلام،أي عند الإحساس و كأن هنالك ممارسة جنسية أثناء النوم، فحدد وجوب الرسول الكريم الغسل بوجود إفراز معين أي “الماء” المرتبط بالإباضة و المواكب لها و المتعلق بارتفاع الرغبة الجنسية حد الاحتلام،و قد حدد الفقهاء الفرق بين أنواع “الرطوبات” ـ كما يسمونها ـ التي تنزل من النساء و جعلوا تلك التي تأتي حين الانتشاء الجنسي دون احتلام ـ أي دون وصول إلى الذروة الجنسية ـ موجبة للوضوء فقط.

    اقتباس:
    “الإعجاز قد يكون في التنبؤ بإسهام هذه السوائل بأي دور في تشكيل الخصائص الوراثية للجنين. وهذا بالطبع بين الزيف لا توجد أدني علاقة بين كروموسومات البويضة وسوائل المهبل بالرغم من محاولتك لي عنق الحقائق العلمية لتتسق مع إعجازية الحديث…”.

    أنا لم أتحدث عن الإعجاز أبدا سيدي…بل فقط نبهت الكريم جواد البشتي إلى نص حديثي يدل على مشاركة المرأة في الإنجاب وفي توريث صفاتها لذريتها،إذ هو كتب:

    اقتباس من قوله:
    ” ليس من “سائل” تُفْرزه المرأة يشبه “السائل المنوي” عند الرجل. المرأة عندها فحسب “الدم” الذي يَخْرُج من رَحْمِها كل شهر ما دامت قادرة على الإنجاب، و”الإفراز المهبلي”. وكلا “السائلين” لا يُماثِل “السائل المنوي”.”.

    و أحببت بذلك أن أشير بأن تضمُن َالحديث لذكر “ماء” يملك خصائص مورثة ـ كما مني الرجل ــ لدى المرأة هو إحالة على البويضة المواكبة لخروج ذلك الماء أثناء الإباضة بفعل ارتفاع الرغبة الجنسية المؤدية إلى حدوث الاحتلام ،و كما أشرت مسبقا لم يكن من الممكن الإشارة إلى بويضة لا ترى إلا بآلات مخبرية كانت المنعدمة آنذاك.
    أما عن كرموزومات البويضة فهي نفسها كروموزومات خلايا سائل المهبل المعين أي مخاط عنق الرحم،الفرق هو أن عددها في البويضة هو نصف تلك الموجودة في خلايا المخاط،و تحتاج إلى النصف الآخر من العدد الكلي ـ أي 46 ـ من الحيوان المنوى للرجل الذي يصل إلى نواتها حين التخصيب.
    آمل أن أكون قد استطعت أن أبرز وجهة نظري
    و لك مني كل التقدير و الاحترام

أضف تعليقاً


متابعة التعليقات دون ترك تعليق


Rss Feed Tweeter button Facebook button Technorati button Reddit button Myspace button Linkedin button Webonews button Delicious button Digg button Flickr button Stumbleupon button Newsvine button Youtube button

Switch to our mobile site