رامبو: لنكن حديثين تماما.



عبد الجبار خمران

“طيور عابسة” لفؤاد زويريق أو اثنتا عشرة قصة مهاجرة

إمدادات هذا الكاتب  عبد الجبار خمران27 نوفمبر 2009

(القدس العرب)  قصص حيكت خيوطها على مهل وطهيت احداثها على نار سرد هادئة

 الدخول إلى متن المجموعة القصصية الأولى لفؤاد زويريق “طيور عابسة” – الصادرة مؤخرا عن دار وليلي للطباعة والنشر، والتي جاءت في 69 صفحة من القطع الوسط – يحتم ملامسة الموازي النصي أو العتبات التي تتصل مباشرة وتحيط بالنص الأصل/القصص. خاصة أن المؤلف من صمم غلاف الكتاب واختار صورته، كما أن المجموعة استهلت بمقدمة للناقد ذ.أيت لعميم. فالعتبات هذه ترتبط عضويا بالمتن القصصي.

الدلالة الأولى المرتبطة بالطائر هي الطيران ومنه (كحالة أو فعل) جاء اشتقاق الإسم. وكما هو معروف، العديد من الطيور ترحل وتسافر طلبا للغذاء أو هربا من حالات جوية غير ملائمة أو بحثا عن مكان للتكاثر…الخ الخصيصة الجامعة لأغلب الطيور هي الحركة و الديناميكية العالية. و تقطيب الوجه بما يوحي بالغضب والنفور وعدم الرضا، وصف ينطبق بالدرجة الأولى على بني البشر وهم في حالة نفسية خاصة. أما وصف الطيور بالعبوس فاستعارة دلالية وإسقاط مجازي على واقع سردي يحيل بدوره على أجواء ترشح بها نصوص المجموعة القصصية.. “أجواء ينعدم فيها الفرح ويهيمن عليها الوجوم. يغيب فيها التغريد ويخيم فيها الصمت الرهيب” كما يعبر الناقد محمد أيت العميم . و النص الذي يحمل عنوان “طيورعابسة” داخل المجموعة )الصفحة 49( نجد السارد يشبه فيه نفسه بالطائر : “أنا حر الآن… أصبحت طائرا يجوب الآفاق طليقا، إذا يجب أن أحتفل بحريتي، أن أهب هذا الجسد ما كان في حاجة إليه ذات زمن”
(الصفحة 51) وقبل ذلك، يتذكر السارد مسقط رأسه و الوجوه السمراء الأليفة، الدور الحمراء والجدة المنكبة فوق سجادتها المتعبة.. ثم يخبرنا أنه في أرض الغربة حيث وطأة الخوف من واقع لا دفء فيه… واقع خريفي، ظل ثلجي، ووجوه عابسة.. أما عقدة الحكاية فينسجها ذلك الرجل المغربي )طائر مهاجر آخر( عندما يلقي عليه السارد بالتحية وهو منه قريب على مقعد الحافلة “رماه الرجل بنظرة شزراء تنم عن حقد دفين (…) سمر الرجل عينيه في عينيه، وقف غاضبا، ألقى عليه نظرة أخيرة، كلها سخط وازدراء،وغادر مقعده في اتجاه الباب الأمامي”(الصفحة52) أما قفلة القصة : فتغيير السارد اتجاهه المعتاد تظلله وحدته المفجعة وقد أفصح له ما جرى عن حلم كاذب وسراب ذاهب…

صورة الغلاف عبارة عن سرب من الطيور يحلق باتجاه (الشمال؟) دون شك.. فمتن القصص التي يحويها الكتاب [ انتظار مزعج – في انتظار الأمل – أحلام محارب – ذاكرة مدينة – الصمت الرهيب – حلم افتراضي – بلاد مائلة – مفاجأة – طيور عابسة – الذبابة والإرهاب – إرهاب لغة – غادرة] تحكي عن شخصيات تتحرك على أرض “الشمال” أو تحزم الحقائب لتتوجه إليها.
وإذا ما أردنا ذكر أسماء الفضاءات والأماكن والساحات المشار إليها في القصص سنجد: ضفاف نهر الماس / مدينة روتردام / فرنسا / تلك البلاد البعيدة / مكان ما، داخل أوربا/ سماء هولندا / مكان هجرتي.. الخ إذن هي اثنتا عشرة قصة قصيرة تهاجر بنا إلى “هولندا” حيث يقيم المؤلف، بل أوربا، ولما لا أمريكا أيضا، إنه الشمال.
يكثف دلالة الهجرة – واستمرار موسمها- في الصورة : البحر و منظر الغروب في الخلفية.. الضوء الهارب و اللون الأحمر القاني الذي يجد له امتدادا (زمنيا) على صورة أخرى بحجم مستطيل يمتد أفقيا على ظهر الكتاب حيث نجد بأن الطيور قد اختفت.. والسماء صارت أكثر ظلمة، وقد تبث عليها بخط أبيض : “المؤلف في سطور”. في الجانب الأيسر نجد صورة المؤلف كتب أسفلها فقرة مقتطعة من مقدمة الكتاب التي خطها الناقد ذ.أيت العميم.. تقول الفقرة : ” استطاع الكاتب أن يقدم من خلال لغة قصصية، معتنى بها عناية أضفت عليها مسحة من الأناقة في التعامل مع اللغة، والابتعاد عن الحشو و الزوائد، صورة عن الذات، وعن نماذج بشرية متنوعة ومختلفة”.

- واقعية السرد وسخرية التناول :

حضور الذات لا تخطئها العين في قصص فؤاد زوريق – كما عبر أيت العميم – حيث “التذويت و التخييل الذاتي سمتان بارزتان في الكتابة القصصية لديه..” و متون القصص تعكس جانبا كبيرا مما تلتقطه عين السارد. و ما نضيفه على ملاحظة الناقد هو أن رؤية هذه العين يتبناها العديد من المهاجرين ويتقاسمون تفاصيل معاش المؤلف اليومي الواقع في أرض الغربة.. حيث أحداث هذا الواقع المشترك فاكهة ساقطة عند الأقدام تنتظر من يجمعها و يغمسها في ماء الحكي ليسلمها لنا في سلة قصصية.

- في قصة “الصمت الرهيب” يرصد السارد واقع الشاب المهاجر الذي يجد نفسه ضحية تجار المخدرات. فسعيد يدخل دوامة البحث عن الذات والغنى.. يزور أوراق الإقامة ويتاجر في المخدرات.. لتنتهي قصته وهو جثة هامدة عيناه مفتوحتان على الأعلى ترسمان وطنا جديدا على سماء مهجورة..

- أما قصة “أحلام محارب” فتروي عن واحد من قدماء المحاربين الذين ساهموا في استقلال فرنسا. إنه عمر و كان يلقب في شبابه بالثور الهائج، يصوره السارد كهلا “نال منه الزمن وهد ما تبقى من كيانه. وها هو الآن يسكن في “براكة” لا تكاد تتسع لأولاده التسعة وأمهم، ودجاجاته الستة، وخرفانه الثلاثة…” (صفحة 22) كرامة المحارب القديم – الذي يخوض حربا أخرى لنيل حقوقه الضائعة- تجعله يهمس لنفسه ولغيره “اللهم الانتحار ولا الاندحار”.
القصص تعلو فيها نغمة سرد واقعي ورصد لتفاصل اليومي الذي تتصارع داخله نظرتان : الأنا والآخر، كما أن تناول الأحداث لم يخل من حس تهكمي ساخر..

- في قصة “إرهاب لغة” يسافر بنا السارد رفقة الشخصية المحورية في رحلة سياحية إلى بلاد لم يسميها – وصفها بالبعيدة- لزيارة أحد الأصدقاء المغتربين.. نغادر معه المطار ونركب القطار “…شعر بسهام مصوبة نحوه، سهام اخترقت خياله، التفت في كل الاتجاهات،وجد نفسه الغريب الوحيد بين كل هذه الأجساد، أو هكذا خيل له، حواسه الخمسة تعطلت، استكانت ونامت، احترقت أعصابه، صارت رمادا متناثرا يصعب جمعه…” (صفحة 61) و في القطار : “أخرج ورقة وقلما، بدأ رسالته ب “بسم الله الرحمن الرحيم.. وبعد” عينا العجوز ما زالتا ترصدانه. دخل مراقب التذاكر، نهضت العجوز إليه مسرعة. همست في أذنه [...] فوجئ برجلين يشيران له لمرافقتهما، تعطلت حواسه ثانية، تبعثرت أفكاره، نظر إلى العجوز، ابتسمت… بعد سنة، وصلت الرسالة إلى أهله : (وصلت بسلام إلى غوانتانامو)

أما نحن فسنجد في حقيبة فؤاد زويريق الواعدة بالكثير، قصصا حيكت خيوطها على مهل وطهيت أحداثها على نار سرد هادئة.. رصدت زمن غربته و اغترابه، زمن انتظاره تحقيق حلم اندماجنا الحقيقي نحن القادمون من الجنوب، و حلم القبول بنا من دول الاستقبال في الشمال.




التعليقات 16 على ““طيور عابسة” لفؤاد زويريق أو اثنتا عشرة قصة مهاجرة”

  1. محمد البلبال بوغنيم علق:

    اخي عبد الجبار
    اشكرك على ابداعك وامتاعنا في المجال النقدي الادبي وفي هذا الجنس الجميل والمؤنس بالذات
    فهنيئا لفؤاد زويرق على منتوجه الرائع
    لك كل المعايدات اخي
    بكل ما تتمنى لك ولكل افراد الاسرة
    دم مبدعا متميزا

  2. سعيف علي علق:

    اخي عبد الجبار
    شكرا لاهتماماتك النقدية المميزة و المتعددة
    شكرا لمهنيتك الواضحة و الاسترسال المتين للطرح و التقديم
    دمت سعيدا في عيد سعيد
    سعيف علي

  3. حسن البقالي علق:

    العزيز عبد الجبار
    عرفتك ساردا جميلا..والآن ألمس قراءتك للسرود بعين الفاحص الفطن لقنوات المحكي وإحالاته..
    لقد ابتسمت “طيور عابسة” هنا..
    هنيئا للقاص فؤاد زويريق..
    وعيدك مبارك سعيد

  4. عبد الجبار خمران علق:

    العزيز محمد البلبال بوغنيم
    شكرا لمرورك البهي وكلماتك المحفزة
    مسرور -حتما- الصديق فؤاد
    بوصفك الرائع لمنتوجه السردي
    وعيد مبارك وكل عام وأنت
    على درب الإبداع الصعب الجميل..
    مودتي الخالصة

  5. عبد الجبار خمران علق:

    العزيز سعيف علي
    سررت بمرورك..
    وما سطرت من كلمات بمثابة شحنات دافعة
    وتشجيعات من شاعر أنيق أفخر بها و (به..)
    مودتي الخالصة

  6. عبد الجبار خمران علق:

    العزيز حسن البقالي
    مرورك قريب من الوريد دائما
    ابتسم الدرب بفراشاتك الحارسة
    وكلماتك المحفزة،
    دمت قاصا ماتعا..
    أشكرك على التهنئة
    نيابة عن الصديق فؤاد زويريق
    ننتظر دوما جديدك على أحر من القص
    و… عواشر مباركة
    محبتي

  7. عبدالإله صحافي علق:

    الأخ عبدالجبار

    تحية طيبة..

    قراءة جميلة تغري بنصب الكثير من الفخاخ الشعرية.. لاصطياد ’’طيور عابسة’’..
    كتاباتك..ترافقني..هنا..بشارع الملك..وأقرأ ما تيسر لي منها على الأصدقاء والصديقات..

    وقفت في كتابتك هذه على تعبير لا يخلو من شعرية مرعبة وإنه لعلى ألق بديع:

    ”….فاكهة ساقطة عند الأقدام تنتظر من يجمعها و يغمسها في ماء الحكي ليسلمها لنا في سلة قصصية..”…..

    أرى نطفة قصيدة تتشكل في الأفق..

    تحدث لي صديق شاعر عن حوار لك..نشر ..بالقدس العربي..
    ووعدني بالبحث عنه في صفوف الذاكرة..

    وإلى ذلك الحب ..
    لك يا إبن أمي أجمل المنى..

    عبدالإله صحافي

  8. عبد الجبار خمران علق:

    العزيز عبدالإله صحافي
    لك يا إبن أمي أجمل التحيات
    شكرا على القراءة والقراءة
    الأولى عبور والثانية نفاذ واقتناص
    ونصب فخاخ للجمال..
    والحوار الذي أشرت إليه (والذي نشر مؤخرا)
    كنت قد أجريته مع القاص الألمعي حسن البقالي..
    تجده هنا : “نمارس “حرفة” لا حاجة للمجتمع بها.. !”
    http://www.doroob.com/?p=40085
    مودتي الصادقة

  9. عمران عزالدين علق:

    الأجمل عبدالجبار خمران

    كلّ عام وأنت بحب وخير وورد.

    استمتعتُ بهذه القراءة الاستغوارية.. الجميلة والعميقة في الآن ذاته.

    تعرفتُ ـ والفضل لك ـ في هذه الورقة على عوالم الرائع فؤاد زويريق القصصية. الذي أتمنى أن أقرأه عن قربٍ يوماً ما في كتاب له يقع بين يدي.

    محبة من عمران إلى خمران المكتوي بنار الحرف والإبداع.

  10. عبد الجبار خمران علق:

    المبدع الجميل عمران عزالدين
    كل عام وانت على درب الإبداع
    الصعب الجميل..
    سررت بمرورك البهي.. ومحبتك الوارفة
    انتظر رسالة مني على الإميل..
    المحبة راسخة

  11. عبداللطيف الحسيني علق:

    عبد الجبار خمران:
    أقرأُكَ , حين أقرأُ متابعاتك النقدية المتنوعة : المسرحية – القصصية , من الأهمية بمكان ألا ندعَ المدروس يمرُّ دون نقده , أقصدُ ( مواكبته) .
    طبعا يا خمران : العتبة هي الطريق الممهدة للدخول إلى المتن , و النقدُ كانَ دقيقا حينَ أسمى العنوان ( نصا موازيا )
    شكرا لك لأنك تأخذني إلى الطرف الآخر من العالم , إلى الطرف الذي فيه من المبدعين ما يغري بقراءتهم ,
    كان يجب أنْ أكونَ هنا قبل أيام , لكن , كانَ عندي نقاشُ لم نحرق الأخضر و اليابس , لم نحرق شيئا .
    جميلٌ أنْ أكون أنا الخاسر , كما قلتُ لسعيد بودبوز .
    تحية

  12. بان حسني علق:

    أستاذ عبد الجبار،
    تعريف جميل بالمجموعة ، يطأ الكتاب من عتبته إلى نهايته دون أن يشي بكل تفاصيله.
    شكرا على الإضاءة و المتعة.
    أمنياتي الجميلة

  13. عبد الجبار خمران علق:

    الصديق عبداللطيف الحسيني
    شكرا لوقوفك على ضفاف هذه العتبات
    لك.. ولكلماتك الموازية هنا تحية باذخة..
    أيها النبيل
    مودتي

  14. عبد الجبار خمران علق:

    الكريمة د.بان حسني
    لك مني أزكى التحيات..
    سررت بكلماتك المشجعة،
    مرورك البهي أضاء الدرب..
    دمت متألقة
    ودام التواصل
    مودتي

  15. ركاطة حميد علق:

    العزيز عبد الجبار
    عيد مبارك سعيد
    لقد أحتفلت أنا الآخر بهذه المجموعة وقد أسعدني ان أجدك سباقا لتناولها ، فهي بحق متميزة لكونها كتبت في المجهر ورصدت حالات خاصة وقضايا إنسانية خاصة بالمهاجرين ومشاكل ترصد بقوة وحرقة مآل الجيل الثالث أو الرابع ، لتذكرنا أن الآخر مهما حاولت الإندماج في بيئته تبقى غريبا .
    إن طيور عابسة بقدر ما عرت عن جراح المهاجرين دقت ناقوس الخطر في نفس الوقت إبرزت قوة الإرتباط بالوطن وحبه بعدما نهجره حانقين لكن ” العلقم الذي نشربه هناك “يحول جنوننا إلى تعقل لكن بعد فوات الآوان /كما أن المهاجر بقدر ما يعتقد أن أبوابا فتحت في وجهه سيدرك أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة في اللحظة التي تخطف من روحه عنوة
    طيور مهاجرة قمت بجس نبضها وتشكيلها من خلال قراءتك الممتعة والرصينة
    ننتظر دوما جديدك أخي عبد الجبار فالنقد مجالك الآخر الذي تبدع فيه بامتياز نصوصا موازية
    محبتي لك لن تشيخ

  16. عبد الجبار خمران علق:

    العزيز حميد ركاطة
    عواشر مباركة،
    وكل عام وأنت على درب الإبداع..
    بالفعل تُلقي مجموعة طيور عابسة الضوء على بعض من الجوانب التي يعيشها المهاجر.. الغربة محك آخر يجعلنا نولد من جديد (أو من قديم، كما تشاء) .. “الواقع المشترك للمهاجرين فاكهة ساقطة عند الأقدام تنتظر من يجمعها و يغمسها في ماء الحكي ليسلمها لنا في سلة قصصية” وكذلك فعل فؤاد..
    أنتظر جديدك ايضا،
    ومحبتي التي تعرفها لن تشيخ هي الأخرى..

أضف تعليقاً


متابعة التعليقات دون ترك تعليق


Rss Feed Tweeter button Facebook button Technorati button Reddit button Myspace button Linkedin button Webonews button Delicious button Digg button Flickr button Stumbleupon button Newsvine button Youtube button

Switch to our mobile site