برتراند راسل: الإنسان حيوان سريع التصديق، و يحتاج أن يؤمن بشيء. و في غياب القواعد السليمة للإيمان، سيرضى بما هو سيء.



سعيد الجريري

الكتابةُ بماءٍ آسِن!!

إمدادات هذا الكاتب  سعيد الجريري07 فبراير 2010

بدايةً أعتذر للخيال الحساس الذي سيصدم صاحبه وهو يقرأ إيحاء هذا العنوان وخلفيته الدلالية، لكنني أسارع إلى الدخول إلى الموضوع من زاوية مغايرة تخفيفاً لقوة الإيحاء المفترض والخلفية الدلالية الصادمة للخيال الحساس وصاحبه. الكتابة فعل إنساني، مفتوحة خياراته أمام فاعله، على اتجاهات شتى، متآلفة أو متخالفة، لكنها إذا ما حادت عن إنسانية الفعل، غدت شيئاً آخر، يجتهد المختصون في توصيفه، لكنه لا يمكن أن يموضَع في زاوية إنسانية، إلا على خلفية وضع البيض في سلة واحدة، اتكاءً على أن الخير والشر ومرادفاتهما في المعجمين اللغوي والسلوكي، من أفعال الإنسان، دون اعتبار الفرق ما بين التركيب الإضافي ( فعل الإنسان) والتركيب الوصفي (الفعل الإنساني)، أو تحري الافتراق الدلالي بينهما. ولأن محدودية الحيز وطبيعة الإضاءة هنا تقتضيان الإيجاز والتقاط زاوية معينة محددة، فإنني أقارب الموضوع من خلال إشارات سريعة لكنها ليست عابرة على أية حال. لعل القول بإنسانية الكتابة ليس المقصود به الرؤية من منظور أخلاقي بالمعنى المتداول، وإنما يُقصَد به محاولة الاقتراب، ومن ثم التماس مع الإنساني في جوهره، وليس اتخاذه قناعاً ( غير فني ) لرغبة تؤنسَن شكلاً، فيما هي إلى الحيوانية أقرب جوهراً. فالكتابة – يقول جمال الغيطاني- هي الجهد الإنساني الوحيد الذي يبذل لمقاومة العدم. لكنها ليست عملاً روتينياً يؤدى كما تؤدى الوظيفة الإدارية. فإذا كنت تؤدي عملك بالأسلوب نفسه والطريقة نفسها التي بدأت منها منذ عشر سنوات، فاعلم – يقول مارك توين- أنك لم تعد تصلح لهذا العمل، وابحث لنفسك عن غيره. فالكتابة ضرورة بمعنى من المعاني، إذ نصل إلى الاقتناع بضرورة اللجوء إلى الكتابة عندما نتبين أننا لا نستطيع أن نغير العالم، كما يقول جان جونيه. غير أن الكتابة ليست عملاً هيناً أو سهلاً. إنها فعل خلاق بحسب عبارة الجاحظ الذهبية:( المعاني مطروحة في الطريق…إلخ ) التي ذهبت في آفاق استجلاء ظاهرة الكتابة كل مذهب، وأكدتها النظريات النقدية الحديثة. وتتجلى أهمية الكتابة بما هي فعل إنساني قيمي في ضبط وتنسيق الإبداع الفكري ليكون مرتكزاً مهماً في الأداء الثقافي بقصد التوعية، ورفع مستوى التذوق الجمالي، والإحساس بالمسؤولية، وتحريك الإمكانات الفردية والاجتماعية وغيرها من أجل النهوض ومواجهة التحديات، لا سيما وقد أصبحت الكتابة اليوم نوعاً من (الصناعة) بالقياس إلى وسائل إنتاجها وإيصالها. فالكتابة تلبية لنداء داخلي. يقول أورهان باموق: أنا أكتب لأن عندي احتياجاً داخلياً للكتابة، أكتب لأني أخشى أن يطويني النسيان. وهو المعنى الذي يلح عليه جمال الغيطاني بقوله: الزمن يدفع بنا إلى النسيان والكتابة فعل إنساني ضد النسيان. الحياة تمضي ولا يبقى منها إلا الحكي ولذلك أحاول أن أرويها. إلا أن دخول الأيديولوجيا إلى عالم الكتابة جعل الكتابة تتحول إلى أداة للدعاية وتزييف الحقائق وقلب الرؤية، بحجج واهية يختلقها المرء؛ لكي يكتب المرء ما يريد عن قصد؛ وذلك لأن نشاط القراءة فعل تأملي، بينما الكلام فعل منخرط في الانفعال المرتبط بالمثيرات التي تحيط بنا في أثناء الفعل. وتلك حقيقة واقعة فظروف الكتابة – تؤكد زهور ونيسي- لا يمكن فصلها عن وضع الثقافة في الوطن- أي وطن- بل عن الوضع العام فيه، إذ يتأثر كل شيء بغيره من الموضوعات أو المجالات المختلفة. لكن أدنى درجات التأثر السلبي تكمن في نموذج من الكتابة بماء آسن، هو على النقيض تماماً من الكتابة بماء الورد، أو بالندى، أو بزخات المطر الذي يغسل أدران الزمان والمكان والإنسان. وتلك الكتابة – قصيدةً كانت أم رواية أم قصة أم مسرحية أم مقالة- في أمرها تفصيل كما يقال، ولا يتسع له المجال هنا والمقال.




أضف تعليقاً


متابعة التعليقات دون ترك تعليق


Rss Feed Tweeter button Facebook button Technorati button Reddit button Myspace button Linkedin button Webonews button Delicious button Digg button Flickr button Stumbleupon button Newsvine button Youtube button

Switch to our mobile site