![]() |
مسلمو الغرب في زمن التصابي السياسي! |
التجاني بولعوالي | 25 ديسمبر 2005 |
على ضوء منع ارتداء النقاب الإسلامي
بقلم: التجاني بولعوالي
شاعر وكاتب مغربي مقيم بهولندا
www.tijaniboulaouali.nl
المذيع وصاحب البزار والنقاب وأشياء أخرى
نادرا ما أستمع إلى المذياع، لأن الصورة لم تدع فسحة لذلك، إلى درجة أننا نقضي أغلب أوقات فراغنا، وراء شاشة التلفاز أو الكومبيوتر، لكنني أحيانا أحاول استثمار تلك الهنيهة التي أركب فيها السيارة، من المنزل إلى العمل، أو من العمل إلى المنزل، فأدير زر المذياع مفتشا عن أي موجة ينبع منها الكلام، خبرا كان، أو حديثا، أو حوارا أو غير ذلك، غير أن الموجات على كثرتها وتنوعها لا تسعفني، لأنها غالبا ما تبث الموسيقى الصاخبة التي تشبه الضجيج الذي يحدث صداع الرأس! أو تقطع أحاديث المذيعين وضيوفهم بالوصلات الإشهارية المتكررة الرتيبة، التي تجعلك تتذمر ولا تستسيغ السماع إلى المذياع، مما يدفعك إلى إطفائه، والتخلص من ضوضائه العنيف، وموسيقاه المبتذلة، وإشهاره التافه، والاكتفاء بالصمت الذي يكتنفك وأنت وحدك داخل السيارة، لكن خلف الزجاج تعج شوارع المدينة وزقاقاتها بالحركة والضجيج والزعيق والإشارات وغير ذلك.
لكن هذا المساء دعاني شئ ما إلى أن أفتح زر المذياع، فلبيت ذلك النداء الداخلي، فإذا بي أصادف مقدم الأخبار الهولندية، في إحدى الإذاعات التي لا أعرف اسمها، وهي موجودة على الموجة رقم 98.9، وهو يتحدث عن آخر اجتماع للجنة الأوروبية ببروكسيل، الذي تعرض إلى قضية ارتداء النقاب لدى المسلمات في أوروبا، وأشار إلى احتمال المصادقة على منعهن من وضع غطاء الوجه، لأنه يسبب العديد من المشاكل التي تتصدرها مشكلة عرقلة اندماج المسلمين في الغرب، فما استرعى انتباهي ليس هو هذا الخبر، وإنما اجتهاد مقدم الأخبار في أن يطعم هذا الحدث بشهادة واقعية، عندما انتقلت الإذاعة بميكرفونها إلى إحدى البزارات الإسلامية بمدينة أمستردام، فحاورت صاحبه الذي يبدو من خلال لكنة لسانه أنه من أصل مغربي، فطرح عليه مذيعها مجموعة من الاستفسارات المتعلقة بقضية النقاب الإسلامي، التي بدأها بماهية الكمية التي يبيعها البزار من الأنقبة، فكان الجواب أنها جد قليلة، لأن صندوقا عاديا من الأنقبة يستغرق بيعه أكثر من سنة، وأحيانا بضع سنوات! فاعتقدت أن صاحب البزار تعمد إخفاء الحقيقة، لأنه إذا قال بأنه يبيع النقاب بكثرة، فهذا يعني أن الإقبال عليه كبير، مما سوف يزيد من مخاوف المجتمع والسلطة الهولنديين، إلا أن هذا الاعتقاد سرعان ما تداعى، عندما أضاف بأن ثمن النقاب في البزار هو خمسة يورو، وهذا بالنسبة للمتنقبات ثمن مرتفع، بالمقارنة مع تكاليف النقاب المصنوع في المنزل، التي لا تتجاز إثنان يورو! مما يجعل أكثرهن يقمن بشراء قطعة قماش بيورو واحد، وخياطته على شكل نقاب.
ثم بعد ذلك، انتقل المذيع إلى سؤال آخر يرتبط برأي صاحب البزار في ارتداء النقاب الإسلامي، فأجابه بأنها مسألة شخصية، لكن المذيع قاطعه متسائلا، ألا يشكل غطاء الوجه عرقلة لاندماج المسلمين في الغرب، فكان جواب صاحب البزار مفحما، عندما قال بأن هذا ليس ممكنا، لأن أغلب المتنقبات هولنديات الأصل، وهذا استنادا إلى عدد وطبيعة الزوار الذين يرتادون على البزار، وهذه ملاحظة قيمة، من شأنها أن تبعثر أوراق السلطات الأوروبية، التي ظلت تزعم أن التطرف الإسلامي يصدر إليها من الخارج، فعمدت إلى تشديد المراقبة على حركة المرور من وإلى خارج أوروبا، لكنها صعقت عندما بدأت تكتشف أن الكثرة الكثيرة من المتشددين ينتمون إلى الأجيال الأخيرة التي ولدت وتربت في الغرب، ولم تتسن لها فرصة السفر إلى السعودية أو أفغانستان، والآن يثبت واقع الأمر أن أكثر النسوة إقبالا على ارتداء النقاب الإسلامي، إنما هن أوروبيات الأصل، دخلن الإسلام إما عن طريق الزواج بالمسلمين ذوي الأصول الأفريقية أو العربية أو الأسيوية، أو عن طريق الدراسة العلمية للدين الإسلامي.
وبعد هذا التجاذب الجميل لأطراف الحديث بين المذيع وصاحب البزار، الذي يجعلك تنسى أنك تصغي إلى نشرة إخبارية عادية، عاد الأخير ليؤكد، وهو يختم حديثه، أن النقاب مسألة شخصية، فكما أن المرأة في أوروبا لها حق في أن تتعرى أمام الملأ، في الشوارع والأماكن العمومية، فإن لها الحق في أن تتستر.
الفلاح والتلفاز والبقرة وأشياء أخرى
هذا ما التقطته أذناي، وأنا أمتطي سيارتي متوجها إلى المنزل، بعد يوم طويل من العمل المتعب والمسئم، الذي يجبرك على أن تنخرط في عالم بعيد عن اهتمامك الفكري، يغتال فيك أي رغبة في القراءة أو الكتابة أو البحث، مما استثار في دواخلي شهية تحويل تلك المادة الخام التي تلقيتها من مذياع سيارتي، إلى مقالة تكشف جانبا من هذه القضية الجديدة التي راحت تشد أنظار السياسيين والإعلاميين الغربيين، هذا المذياع الذي كان لا يعدو، في نظري، أن يكون إلا ديكورا بسيطا، يملأ فجوة ما من جسد السيارة الداخلي، لكن بمجرد ما زودني بهذا الخبر، أدركت حجم قيمته المعرفية، التي لا تقل عن قيمة التلفاز والإنترنت والجريدة والكتاب، حقا أنه ظل طوال عقود طويلة، المورد المعرفي الأساس للإنسان، فكان كل بيت يخلو من المذياع بمثابة خربة ليس غير، حيث قبل أقل من عقد زمني، كانت تتحلق أغلب الأسر حول المذياع الذي يوضع في ركن مناسب من البيت، على طاولة جميلة، وقد أحيط بمختلف أشكال الزينة، من لوحات وأزهار بلاستيكية وغير ذلك، ليتلقى منه الناس نشرات الأخبار والحفلاتات الغنائية والتمثيليات المباشرة والبرامج التوجيهية، وربما لاتزال مثل هذه العادة قائمة لدى بعض المجتمعات الريفية، بيد أنه بمجرد ما اكتسحت العالم الصورة، واخترعت الشاشة وعممت، بدأ المذياع يفقد مكانته في المجتمع وداخل البيوت، ولا يحضر إلا في بعض المجالات الضيقة والمناسبات المعدودة.
عندما أخذت في تدوين هذه الأفكار التي راودتني، وأنا أقود السيارة، فكرت في أن أطلع على الموقع الرقمي للجنة الأوروبية، حتى أستمد الخبر من ينبوعه الحقيقي، فوجدته، أي الموقع، من الأهمية بمكان، لذلك أنصح أصدقائي وإخواني المثقفين والباحثين بزيارته، والاستفادة من مواده المعرفية والإخبارية الجد مهمة، فهو مكتوب بأكثر من عشر لغات، مما يمنح الجميع الفرصة في أن يتصفحوه، ويستمدوا منه مختلف المعلومات، من أخبار وتقارير وإحصاءات، ومع ذلك فقد اعتراني ما يشبه خيبة الأمل، لأنني لم أعثر على ضالتي، التي هي اجتماع اللجنة الأوروبية حول قضية النقاب الإسلامي، فأدركت، من جهة أخرى، مدى نجاعة هذا الصندوق العجيب، الذي لولاه لما تيسر لي تحبير هذا المقال، ومن جهة ثانية مدى تهاون الإنترنت وتثاقله، رغم الإمكانات الخارقة التي في حوزته، وفي التو حضرتني نكتة كنا نرددها ونحن صبية، فنضحك ملء أشداقنا، هذه النكتة يحكى فيها أن فلاحا اشترى جهاز تلفاز، وعند قدوم المساء انشغل ببرامجه الشيقة، وصوره العجيبة، وأخباره المتنوعة التي تقدم له مختلف الأحداث التي يشهدها العالم، وهو يتنقل بين تلك القنوات التي يلتقطها الجهاز، فأوى إلى الفراش متأخرا، وفي الصباح بينما وهو يدخل إسطبل بهائمه، إذا به يجد أن بقرته قد ماتت، فشاظ غضبه، فاتجه فورا إلى جهاز التلفاز، فراغ عليه ضربا باليمين، وهو يردد: تبا لك من غبي! كيف استطعت أن تنقل لي جميع أخبار الكرة الأرضية، ولم تستطع أن تخبرني بأن بقرتي المسكينة التي لا يفصلني عنها إلا هذا الجدار تحتضر!
غير أني لم أعامل جهاز الحاسوب بنفس أسلوب الفلاح المسكين، ربما لأنني لم أخسر بقرة، أو أي شئ آخر! وإنما قلت في نفسي ربما سوف يظهر خبر هذا الحدث على الإنترنت، بعد سويعات معدودة على رؤوس الأصابع، فكان ظني ليس كاذبا وليس صادقا! لأنه وقع ما يشبه ذلك الحدث، فلاح خبره في سماء الإعلام الهولندي، في الوقت الذي تلاشى فيه الخبر الأول، الذي كان مادة الحوار الذي تم في المذياع بين المذيع وصاحب البزار، وفحوى هذا الخبر الذي ظهر في الإعلام الهولندي، هو مصادقة الغرفة الثانية في البرلمان الهولندي بالأغلبية، على قانون حظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة، وهو قانون تقدم به النائب المستقل ويلدرز، الذي يسعى منذ زمن إلى تأسيس حزب سياسي معاد للمسلمين والأجانب، وعلى هامش هذا القانون الجديد تحدثت وزيرة الاندماج ريتا فردونك عما إذا كان هذا المنع ممكنا من الناحية القانونية، فهو يصعب أن يكون عاما وشاملا، لذلك فهي لا تميل إلى هذا الحظر المطلق، بقدرما ترى أنه يفضل أن يكون مقتصرا على بعض المجالات العامة، مثل المدرسة.
مسلمو الغرب في زمن التصابي السياسي!
إن أهم ما يمكن أن نستخلصه سواء من محاولة اللجنة الأوروبية الساعية إلى صياغة قانون يمنع مسلمات أوروبا من وضع غطاء الوجه، أم من مسارعة البرلمان الهولندي إلى المصادقة بالأغلبية على هذا القانون، يمكن أن نجمله في نقاط ثلاث هي:
أولا: إن مبدأ الحرية الشخصية التي تعتبر من أهم دعائم الديموقراطية الغربية، أضحى مجرد شعار أجوف، لا أساس له من الصحة والواقعية، مادام أنه لا وجود له يذكر في واقع الحياة اليومية، أو أنه حكر على فئات اجتماعية دون أخرى، وإلا فلماذا تمنع، كما أشار صاحب البزار، المرأة المسلمة من تغطية وجهها، في حين يسمح لغيرها بأن يتعرى، ويستعرض أعضاءه التناسلية، كما يفعل اللواطيون كل صيف في شوارع وقنوات مدينة أمستردام، وكما تصنع بائعات الهوى خلف الأبواب الزجاجية في أغلب المدن الهولندية المعروفة، هكذا فإن تغييب أو إساءة توظيف مبدأ الحرية في الديمقراطية الغربية، يجعلها مختلة، فتصبح ذات بطن كبيرة وسيقان نحيفة! ثم إن التدخل السافر في حريات الأفراد، كما هو الحال مع المسلمات المتنقبات، يوقع الأنظمة الغربية في مآزق جديدة، كانت بوسعها تجنب السقوط فيها، ومأزق قضية منع النقاب الإسلامي، يتحدد في اكتشاف الغرب أن أغلب النسوة اللائي يرتدين النقاب ذوات أصول غربية، مما يبعثر أوراق السياسيين، الذين يلفون أنفسهم أمام عقبة شاهقة كأداء لا يملكون القدرة على اقتحامها بنجاح!
ثانيا: إن مناقشة اللجنة الأوروبية لقضية النقاب الإسلامي وإمكانية منع استعماله، ما هي إلا حلقة بسيطة في سلسلة النقاشات الكثيرة التي بدأت تسلط أضواءها الكاشفة على مجموعة من قضايا الجالية الإسلامية بالغرب، كالاندماج والتعليم والتجنيس والحجاب والإرهاب والمساجد وغير ذلك، وقد تكثف هذا الاهتمام الكبير لدى شتى الحكومات والمنظمات والهيآت الأوروبية، عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، وأهم ما يمكن أن يستجلى في هذا الصدد، أن الاتحاد الأوروبي يحاول في الآونة الأخيرة أن ينال ما يشبه الإجماع والتوافق من سائر أعضائه، فيما يخص هذه القضايا المتعلقة بالخطر الأخضر، فالأمور التي كانت تطرأ في دولة أوروبية معينة، ولا تدرس وتقنن إلا داخل حدودها، بدأت تناقش على صعيد أوسع، وتوضع لها قوانين تشمل سائر الأقطار الأوروبية، وهذا إن دل على شئ، فإنه يدل على أن أوروبا سائرة نحو إصدار قانون موحد، ينظم قضايا الجالية المسلمة، بما يضمن مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية، مما سوف يشد لا محالة الخناق على مسلمي أوروبا، الذين سوف يجدون أنفسهم أمام أمرين أحلاهما مر؛ إما ولاء الغرب أو براؤه.
ثالثا: إذا عدنا إلى الحالة الهولندية، وجدنا أنها ليست إلا تقليدا للحالة الفرنسية، مع وجود قليل من الفرق، فإذا كان الرئيس الفرنسي قبل زمن ليس بالطويل قام بإصدار قانون يمنع حمل الرموز الدينية داخل المدارس، فإن وزيرة الاندماج الهولندية السيدة فردونك تقلده بشكل ينم عن السذاجة، عندما ترى أنه يفضل أن يمنع النقاب داخل المدرسة، مما يثبت أن خطاب الجيل الأخير من السياسيين الأوروبيين والغربيين، يكاد يخلو من المحتوى الرزين المعقول، الذي يأخذ بعين الاعتبار مختلف حيثيات السياق الذي يصاغ له هذا الخطاب أو ذاك، فالديمقراطية التي يتبجح الغرب بأنها أهم ما يمكن لحضارته أن يفخر به، صارت ألعوبة في أيدي السياسيين الجدد، يستخدمونها وفق أهوائهم الأيديولوجية، ورغباتهم الشخصية، فكانت النتيجة أن ضحو بجملة من المبادئ الديموقراطية السامية، مثل الحرية والمساواة والإنسانية وغير ذلك، ثم إن التعدد الثقافي الذي هو من مقومات المجتمعات الغربية المعاصرة، أصبح على مرمى حجر، مادامت العديد من الحكومات الغربية في الآونة الأخيرة، لا تأخذ بعين الاعتبار مشاعر مختلف الشرائح الاجتماعية التي يتشكل منها المجتمع الغربي، مما يزرع بين أوساطها سلوكات الشحناء والعداء والانعزال وغير ذلك، أما فيما يقترن بالمصالح الكبيرة للدولة، التي هي بمثابة تركة تشترك فيها شتى مكونات المجتمع، فأضحت عرضة للتهديد والتضييع، بحكم انتهاج سياسة التقشف والترشيد على حساب مصالح فقراء الشعب المعدمين وعماله الكادحين.
إن خير ما يمكن أن نستعيره لهذه الحالة التي توجد عليها السياسات الغربية، هي قولة معبرة، قالها لي مهاجر مغربي يقطن بهولندا، كتب عليه أن يعيش أميا، لكن لسانه يلهج بالحكمة؛ قال لي، وهو يصف وضعيتنا الحالية بهولندا، أن هولندا لم يبق فيها إلا صبيان السياسة المتطفلون، الذين يحكمون مواطنين سذجا، يمكن تشبيههم بالبقر!
نافلة القول، إن المقصد من تحبير هذا المقال، ليس أن نستنكر ما يحدث في كواليس اجتماعات اللجنة الأوروبية، أو غيرها من المنظمات والهيآت المحلية والإقليمية والعالمية، وإنما محاولة فهم ما يجري، لأن ذلك يهمنا أكثر مما يهم غيرنا، أما أن تمنع المرأة المسلمة من ارتداء غطاء الوجه أو لا تمنع، فهذا لا يشكل إلا ذرة في يم التحديات الكبيرة التي تتربص بالمسلمين، سواء في الغرب أم في سائر أنحاء العالم، ثم إن هذا الغطاء لا يحظر لذاته، وإنما لأنه ينم بصلة إلى الإسلام، إن القضية ينبغي أن تؤخذ بحذافيرها، وتتناول في كليتها، فالنقاشات الجديدة التي تنصب على قضايا مسلمي الغرب، التي غالبا ما تستتبع بقوانين صارمة تخنق حرياتهم الشخصية والدينية والثقافية، ما هي إلا إرهاصات لخطاب سياسي أيديولوجي، ظاهره تعميم القانون، وحماية المصالح، وتوجيه المواطنين، وباطنه التضييق على الأجانب، ومواجهة الزحف الأخضر، وإجبار المسلمين وغيرهم على الاندماج اللامشروط.






شارك معنا في استبيان حول الكتاب المسموع

