![]() |
الشاعر مصطفى الشليح لـ ” دروب ” – قصيدة النثر عاملُ اخصابٍ للشعـر المغربي |
مصطفى الشليح | 05 مارس 2006 |
حاوره : عبد الهادي روضي
رغم إصراره على امتهان أبجدية الصمت، متخلفا عن مجابهة الأضواء الكاشفـة، يواظب الشاعر والناقد والأكاديمي المغربي مصطفى الشليح على تصيد لحظات الانسلال إلى جغرافيات القصيدة ، ممتنعا عن مخالفة مواعيد تجليه في حضرة القصيدة ، تأسيسا لوفاء وأبديـة مطلقيين. جئنا ،خلسة ، بهاجس اكتشاف ما يعتمل ذاكرة ووجدان هذا الإنسان، الآتي إلينا مــن ســلالات الطيبين، وقد كانت الثمرة هذا اللقاء، الـذي نـدعوكم للإبحار معنا في سراديبه ومنعطفاته.
س: اللجوء إلى القصيدة قد يكون استجابة للحظة ما قد تكــــون شعورية أحيانا، ولا شعورية أحايين أخرى. نريد أن نعرف اللحظات التي إلى ساقتكم إلى الاحتماء بدفء القصيدة؟
ج: لست أدري إذا كان من الممكن الحديث عن دواع، أو عن مهيئات ذاهبة بالمرء إلى الكتابة، وكل ما في الأمر أن المرء ، ونتيجة لشيء غير معلوم وغير مرئي، يجد نفسه فجأة أمام مغامرة انكتابية معينة ،أو مغامرة إبداعية بشكل عام ، قد تكون كتابة، وقد تكون غير ذلك.
أعتقد أن الذهاب إلى القصيدة هو احتراف مختلف عن مهنة الوجود والتواجد، هو سياحة مغايرة للمعتاد، في تلافيف زمن ومكان آخرين غير معلومين، و مثلما لكل شاعر زمانه ومكانه، له أيضا الدروب والمنعطفات التي سلكها ، هل كان متحكما في هذه الدروب أم أن المصادفة قادته إلى ذلك ، أم أن ثمة أشياء أخرى علوية لا يمكن أن نحددها ، هي التي قادته إلى القصيدة.
بالنسبة إلي أعتقد أن الأمر بنوع من القصدية، من حيث إن هاجسا أو حلما أو شيئا آخر، كـان يدفع ذلك الفتى الذي كنته زمانا ما، ذلك الفتى الذي يريد أن يأخذ شكلا آخر من أشكال الوجود .. الذي يريد أن يصبح شيئا معلوما .. الذي يريد أن يرتاد أماكن أخرى .. الذي يريد أن ينكتب ليكتب ويكون.
الفتى الذي كنته زمانا ما كان يهيب بي عن وعي وعن دونه، إلى أن أنكتب بخطاطات أو بخربشات أولية على جدران حياتي، فكانت الكتابة موزعة بين الشعر والنثر والنقد.
من هنـا التصقت بالكتابة الشعرية إلى حد أنني أعتبرها شرطا من شروط كينونتي ، ووجودي، وتواجدي، كما يقول المتصوفة.
هذه إذن هي الإشارات الأولية لميلاد القصيدة داخلي ، ولو لم تكن القصيدة لكان شيئا آخر.
س. في ” عابر المرايا ” ثمة مؤشرات على تأكيد حتمية العبور الذاتي في القصيدة، وفي المكان، هل يمكن الحديث عن حدود هذا العبور؟
ج: قبل الحديث عن العبـور، أعتقد أن الشعر يكون شعرا حين يتمرأى ذاتا، فالذات هي القصيدة والقصيـدة هي الذات، لا أفصل بين هذه المستويات. لعلي جئت في زمن بدأت فيه الكتابة و الشعراء يبحثون عن ذواتهم، خارج إطار القضايا الكبرى التي غلفت الممارسة الشعرية، لدى جيل الخمسينيات والستينيات، وحجبت الذات وغيبتها.
أعتقد أن القصيدة ليست بيانا سياسيا ولا اجتماعيا، إلا أن شعراءنا في عهد الحماية كانوا يتوخونها هكذا، لأنها متصلة بالمشروع النهضوي، حيث عدت أداة للتربية والتوعة وما إلى ذلك ، ولكن في مشهدنا الشعري الذي أنتمي إليه، أصبحت هناك عودة إلى الذات ولكنها عودة إبداعية، لأن الذات تكاد تكون مساوية للسلاسة وللبساطة، وللسهولة ولليونة، وللبراءة الأولى؛ هذه البراءة لها علاقة بالطفولة، وكتابة الشعر، أساسا، هي عودة إلى تلك الطفولة البدائية الأولى، بشكل مختلف وبلغة مختلفة، وبنفس إبداعي، فنحن حين نكتب شعرا نستقطر لحظة من لحظات زماننا، نستقطرها من حيث إن ماضويتها تكون شعلة للمحتمل الآتي، لما نأمل أن نكون، ولما نتوسمه في المحتمل القادم.
من هنا ف” عابر المراي ا” جاء راصدا لمحطة من حياتي، التي قد يتأولها القـوم فيعتبرونها تجربة شعرية، وماهي بذلك ولا ما يقترب منه ، هي محطة وممارسة كتابية معينة. هل ارتقت لتصبح تجربة شعرية لست أدري، لكن على كل حال، هي تعبر عن الذات التي هي أنا ، وتفصح عما تحسه هذه الذات في تفاعلها مع الوجود، ومع ما يحيط بها.
هي ذات لها همومها الثقافية والمعيشية والإبداعية، هي ذات لها مشاكلها، وتتـوخى أن تجد لها حلا فـي الكتابة، باعتبار أن الكتابة، كما يقول إليـوت، هــي هـروب من الانفعال وابتعاد عنه، وليست ذهابا إليه وبيانا له .
إن ديوان”عابر المراي ا” جاء ليغطي فترة زمنية معينة، مثلما جـاء ليغطي أيضا، موضوعتين مركزيتين في الديوان بكامله، ليس معنى هذا أن ” عابر المراي ا” لم يتجسدن في ما تبقى من كتابات، فلا ريب ، أن هناك تناصا داخليا بين ما يكتبه الشاعر الآن ، وبين ما كتبه من قبل وما سيكتبه فيما بعد.
عابر المرايا هو عبور من لحظـة زمنية معينة محفوفة بالدهشـة، ملفـوفة بارتقاب العالـم وترقبه، إلى لحظة أخرى لعلها تكون أكثر تركيزا، وأكثر تأملا، وأكثـر إنصافا لنبـض الإنسان وهـو يتحــدث إلى ذاتــه ، ف ” عابر المرايا ” هو عبور يتجاوز الجامد المتكلس، إلى مـا يكون ممتلئا ماء ونذاوة وطلاوة ، كما يقول العرب الأقدمون.
س: تأخرت مقارنة بمجايليك في إصدار ديوانك الشعري الأول، هل ثمـة أشياء تبرر هذا التأخر؟
ج: ربما لم أكن مواظبا على النشر، لأنني لم أكن أعير هذه المسألة حقها من العناية، إلا أنني لم أتأخر، بالمقابل، في إصدار الديوان، علما أنني لم أفكر في إصداره، وإنما هي لحظة وردت في وقت ما، ففكرت في صنع هذا الديوان وجمع نصوصه، والقيام بعملية الإصدار.
أعتقد أن غير قليل مـن الشعراء المغاربة لا يمتلك إلا ديوانا واحدا، قد أشير إلى المجاطي، مثلما قد أشير إلى محمد الخمار الكنوني وإلى آخرين، دون أن أنسى أنني أنتمي إلى هؤلاء الشعراء المغاربة، الذين كانوا يفعلون كل شيء إلا أن يصدروا أعمالهم.
لقد كان من المفيد أن أتأخر قليلا وأصدره فيما بعد، لكنه الآن قد صدر بما له وما عليه، إلا أنه كان لابد من إصداره حتى أتمكن من تجاوز تلك المحطة الشعرية.
س: تعد من الشعراء المغاربة النوعيين على مستوى الحضور الإبداعـي في المنتديـــات والمهرجانات الشعرية. ما دواعي هذا الحضور النوعي ؟
ج: المبدع أو الشاعر، فيما أتصور، ينبغي أن يتوارى قليلا ليخلد إلى ذاته، ويدمن الإنصات لهذه الذات ، ليتمكن من الكتابـة، أنـا لا أكتب للصخب ولا أكتب فـي كل وقت وحين، فللكتابة طقوسها وشروطها، من جهة أخرى، لسـت معنيا بأن أنشر فـي مختلف الملاحق والمجلات، ثـم من جهة ثالثة، لايعني عدم حضوري انقطاعا عن الكتابة أو توقفا عن الانكتاب، فالكتابة هـي قائمة على الدوام، ولعلي أتحدث هنا عن ديوان آت مـن مائتي وأربعين صفحة، دون أن أغفل الإشارة إلى أنني منذ سنتين أو ثلاث، وأنا عاكف على كتابة سيرة ثقافية شعرية يتجاوز كمها أربعمائة صفحة. إدن هناك حضور دائـم على مستوى الكتابة، ولكنه ليس حضورا أسبوعيا أو شبه أسبوعي في الملاحق الثقافية، ثم لعل اهتمامات أخـر تكون مانعا من النشر المتواصل ، كما أنني أشير إلى أن المهرجانات الشعرية حيـث يتكاثر الشعراء ويكتظون لا تعنيني في شيء.
س: هل يمكن أن نتحدث عن مفهوم التأثر في شعر مصطفى الشليح، أو بعبارة أخرى، ماهي الأسماء التي أضاءت مخيالك الشعري؟
ج: لا أدري هل بإمكان أي كان أن يتحدث عمن تأثر به، لقد تسكعت في أروقة الثقافة العربية عقدين أو ثلاثة عقود من الزمان، مثلما واظبت على قراءة عيون التراث العربي وغير عيونه، أكان شعرا أم فلسفة أم تصوفا أم تاريخا، علاوة على مواكبتي للرائج من الكتابات المعاصرة، فهذا السعي للتوفيق بين القراءتين القديمة والمعاصرة ربما خلق في هـذا الكائن الذي يكتب ما يسمى شعرا. لعلي أقترب ، إن صح لي القول، من الشعر الأندلسي أكثر من اقترابي من الشعر المغربي، أو من الشعر المشرقي، مع تحديد استثناءات، وتتمثل في أبي الطيب المتنبي، وفي أبي تمام، وفي ما كتبه المتصوفة، ثـم لعل اهتمامي بالترسل وبالمقامات على مستوى البحث جعل مني ذلك الكائن الذي يكتب مرة شعرا عموديا، ومرة أخرى شعرا معاصرا تفعيليا، وقد يغامر فيكتب قصيدة النثر، وما إلى هذا.
س: بعدما تأتى لك العبور في مرايا الشعر/ القصيدة، هل يمكن أن تقدم نفسك لمن لم يتأت له الإنصات إلى تجربتك الإبداعية ؟
ج: أنا لم أعبر المرايا بعد، فمازلت أبحث عن العبور وعن القصيدة، مثلما أبحث عن الذات بيـن العبور والمرايا. مازلت أبحث، كما قـال المجاطي مرة، عن القصيدة الأولى، مازلت أبحث عن شكل ما للكتابة. مازالت الذات حائرة بين العبور والمرايا. مازالت اللغة تمارس ما تمارسه علي. مازلت أبحث عن صيغة لغوية أخـرى لهذه الذات.
من ثمة، أعتقد أن ” عابر المرايا ” ستكون له أصداء أخرى، وبمسميات أخرى، ولكنها دائما هناك حديث عن العبور، وحديث عن المرايا.
س: توظــف مصطلح الانكتاب بدل الكتابة، هل معنى ذلك أنك تؤمن بالكتابة كانفعال أم ماذا؟ نريد توضيحات لهذا التوظيف ؟
ج: للانكتاب علاقة بالذات، وله علاقة بفعل الكتابة أساسا. يتحدث النقاد عن فعل الكتابة l’acte de l’ècriture، ولكنهم لا يتحدثون عن المهيئات أو ما قبل الكتابة، وهنا يطرح السؤال التالي:
- من يكتب من؟ على اعتبار أنني أعطيت للنص صفة العاقل.
- هل النص يكتب صاحبه، أم أن الشاعر هو الذي يكتب النص؟
أعتقد أن هناك علاقة غير مرئية، أو جدلية ودينامية بين الشاعر والنص.
لهذا فأنا أقول حينما نريد أن نكتب نصا فنحن لا نذهب إليه، وما يأتينا في شكل خاطر أو وارد قد يكون حافزا أو شعلة لنكتب ذلك النص، حين نكون بصدد الكتابة فـإن الشاعر يشتغل وسيطا بين عالمه غير المرئي وغير المعلوم، وبين عالم آخر يتواصل باللغة.
س: القصيدة المغربيـة حققت عبر حقبهـا تراكمات نصية تختلف كما وكيفا، ماهي قراءتكم النقدية لهذه التراكمات ؟
ج: إن القصيدة المغربية لاقت عنتا منهجيا مــن قبل المشتغلين والباحثين، ونتيجة ذلك لم تفهم القصيدة المغربية القديمة كمـا هيئ لها، أو كما ينبغي أن تفهم. القصديدة المغربية في القديم كانت تقرأ عبر الدراسات الأكاديمية خارج نسقها الثقافي، وكان البعض يقــرؤها بانعدام ألفة، وبانعدام استحضر الشروط الثقافية والحضارية التي أوجدتها . ومـن ثمة، فمعظم المقاربات النقديـة لها كانت تقع خارج التاريخ، أما بخصوص القصيـدة المغربية المعاصرة الآن، فباستثناء بعـض المجهودات النقدية لبعض من النقاد، فإنها منذ عقدين على الأقل لـم تتجاوز النقد، وتدعو النقـد والنقـاد إلـى اللحاق بها، وهما عاجزان عـن فعل اللحاق بها، الأمر لا يتصل بالمغرب فقط، بل ينسحب على مختلف البلدان العربية.
القصيدة المغربية في الستينيات كانت مشغولة بهـاجس الوطن، وبهاجس الالتزام، ولكنها في غمرة هــذا الانشغال كانـت تنسى أنها تكتب شعرا، أو أنها ينبغي أن تكتب شعرا، لهذا نجد الأسمـاء قليلة فـي العقـد السيتيني مقارنة بالعقد السبعيني ، ولذلك ارتباط بظهور الجامعة، فخـريجو الجامعـة في العقد السبعينيي هم الذين انتشروا في الساحة الثقافية شعراء، وابتدأوا يكتبـون ويتفاعلون؛ ولكن المشكلة كانت بالنسبة للعقدين معا(الستيني والسبعيني)، تتمثل في تلك القطيعة المقصودة بين الشاعر المغربي وتراثه الشعري، بدعوى أن ذلك التراث الشعري أقرب إلى الفقه منه إلى الشعر، وهي دعوة باطلة على كل حال. لكن ما نلمسه هو العلاقة التـي كانت بين الشعراء المغاربة والشعراء المشارقة، إلى درجة أن السبعينيين حينما يتحدثون عـن آباء في الشعر، يقولون إنهم ولدوا يتامى، وبالتالي، فالآباء الروحيون المؤسسون لا نجد لهم أثرا، والمثير أن هذه القضـية لم تبق محصورة في العقدين الستيني والسبعيني، بل امتدت إلى العقدين المواليين ـ أقصد الثمانينـي والتسعينـي ـ وهو ما يعني أن القصيدة المغربية لـم تؤسس مرجعية شعرية رغم التراكمات التي حققتها، فالشاعر المغربي مازال يشتغل بمفرده، ويخلق سربه الخاص به، ولا يفد إلى ذلك السـرب. مازلنا فـي المغرب نتعامل مع الشعر فرديا، ولا نتعامل معه بمنطق الآتجـاه أو التيار أو المدرسة، وبموجب هذا المعطى، فإن الذي يجـد نفسه يتيما شعريا، يدأ فــي البحث عـن أب يتبنــاه خارج الوطن، وفي الغالب كان السابقون يجدون آباءهم في المشرق، فكثر عندنا الأدونيسيون والبياتيون والسيابيون، وقـد امتد هذا البحث من خلال شعراء قصيدة النثر، الذين هم الآخرون وجدوا آباءهم الآن في التراث الغربي.
س: تدافع في كتابك النقدي” في بلاغة القصيدة المغربية ” عن بلاغة وشعرية القصيدة المغربية المتحققة عبر أزمنتها المنصرفة، في وقت يرى فيه آخرون أن هذه القصيدة تفتقـر إلى التجانس الذي يمنحها التوهج الشعري، ومن ثمة، فهي لا تبارح حدود النظم والاحتذاء .هل مازلت مؤمنا بنفس الأطروحة ؟
ج: بالتأكيد أنا مازلت مؤمنا بنفس الأطروحة، بل لعلي أصبحت أكثر إيمانا بها من أي وقت مضى، بعد مرور عقد من الزمن أو أكثر ، رغم ما قوبلت به من استهجان، وعدم ثقة، وإيماني مبني على سؤال مركزي كان يلح علي في تعاملي مع القصيدة المغربية، التي كانت تقرأ في ضوء الأحكام النقدية
التي كنا نقرؤها في المصادر والمراجع النقدية، وهذا السؤال هـو أين النص من كل تلك الأحكام ؟
- ماهي النصوص التي اعتمد عليها في استخلاص الحكم؟
- هل هناك قراءة جادة للشعر المغربي القديم أولا ؟ والحال أنها ليست موجودة على اعتبار أن معظم الدواوين حققت في عقـدين، وهو ما يفيد أن النقاد كانوا ينطلقون من أحكام جاهزة، وكانوا ينطلقون من الإستثناء النصي للحكم به على القاعدة النصية العامة.
أزعم أن النقد المغربي للشعر، وهو يصدر هذا الحكم، لم يكن قد قرأ بعـد الأعمال الشعرية.
أما بالنسبة للشعر المغربي الحديث، فهو الآخر عانى نفس الضائقة، فعدم الانتظام في قراءة النص أو عدم قراءته بالمرة، أو القراءة الجزئية له، هي التي قادت إلى إفراز نفس الأحكام الجاهزة غير المستندة إلى قراءة تمثلية مستوعبة للنص الشعري المعاصر. فلكي أعطي رأيا حول شاعر ما يتعين أن أطلع على ما كتبه الشاعر، لأنه لا يتيسر أن أحكم عليه انطلاقا من نص شعري وحيد، وهو ما كان يحدث أثناء التعامل مع الشاعر علال الفاسي مثلا ، علما أن هذا الأخير لم يصدر ديوانه كاملا إلا في أواخر الثمانينات، ثم كان هناك استنساخ للتجربة المشرقية، ومحاولة تطبيقها على الشعر المغربي، ولذلك تم الحديث عن المدرسة الكلاسيكية والرومانسيـة والرمزية وما إلى ذلك، وفي كتابي قلـت إن المغاربة لم يعرفوا هذا النوع من المدارس، ومازلت أقول بذلك.
إن الشخصية الثقافية المغربية حاضرة بقوة في القصيدة المغربية التقليدية، ولكن الإشكال الذي كان مطروحا هو كيف نقرأ هذه القصيدة. إن القصيدة هي منتوج ينتمي إلـى مؤسسة، والمؤسسة الثقافية في المغرب معلومة ومحددة المعالم، فلفهم هذه القصيدة وضبط آلياتها يتعين على الدارس أن يكون ملما بهذه المؤسسة ومـا بدواخلها، إلا أن المؤسف لـه أن المنشغلين بنقد الشعر المغربي لم يلتفتوا إلى هذا الأمر، و ما اعتبروا قيمته، والذي كان يروج هو أن هناك قطائع بين التجارب الشعرية، وأن الشعـر المغربي ،مثلا، في عهد الموحدين لا يماثل الشعر المغربي في عهد المرينيين، لكنني في تلك الدراسة ذهبت خلافا لهـذا الزعم، حين أشرت إلى أن ثمة تواصلا بين الشعراء المغاربة لعل المعارضة عتبة دنيا له، وأن الشعراء المغاربة كانوا ينسجون على منوال هذه المعارضة، سواء مع الشعراء المجايلين، أو الذين يأتون بعدهم، إذن، كان هذا الاسترسال الشعري في القصيدة المغربية، بعد إنجاز هذه الدراسة تبين بنصوص وافرة أن هـذا التناص ـ بلغة المحدثين ـ كان قويا، وأنه ارتقى وبلـغ مبلغ المراسلات الشعرية بين الشعراء والأدباء، و أن الحديث عن الشعر المغربي عموما، ينبغي أن يكون حديثا موحـدا ابتداء مـن العصر المرابطي وما قبله إلى الآن.
س: منذ الثمانينات إلى الآن برزت حساسيات شعرية جديدة، نحت بالشعر المغربي مناحي متعددة، كان التجريب ميسمها الغالب، كيف تنظرون نقديا لهذا المنحى، وهل هو عامل إخصاب للقصيدة المغربية ؟
ج: الشعـر العربي برمته هو شعر تحولات، وجغرافية للتحولات الشعرية، والأصل الكلاسيكي هـو الذي يلح على كون هذه التحولات لم تكن عرضية، وبالتالي، فإن ما يشهده الشعر المغربي هـو جزء مما يشهده المشهد الشعري العربي ، والمشهد العالمي. ومن ثمة، فأنا لا يمكنني إلا أن أكون مع الحساسيات الجديدة، ومــع التجارب الجديدة، ومع الحق في الكتابة و الانكتاب.
الأكيد أن الحساسيات الجديدة، بما فيها قصيدة النثـر، لا يمكنها إلا أن تكون عامل إخصاب للقصيدة المغربية، لأن أي جديد مهما تكون درجة إيجابيته أو سلبيته، لا يمكنه إلا أن يكون إضافة، لذلك لا يمكن للمرء إلا أن يطمئن، وأن يحس بحق أي كان في ممارسة وجوده بالشكل الذي يراه، لكن إذا ما تأملنا المسألة من زاوية أكاديمية، نجـد أن قلة قليلة من هذه الحساسية هي التي يتوافر لديها الحد الأدنى من الشروط الإبداعية، إلا أن هذا لا يعطينا المبرر لنقول بألا يكتب الآخر.
س: من إفرازات البعد التجريبي في الفضاء الشعري المغربي، شيوع ظاهرة قصيدة النثر كنص إبداعي خلافي و/ أو سجالي، كيف ترى هذا النص الإبداعي ؟
ج: قصيدة النثـر في العالم العربي هي انزياح عن القصيدة التفعيلية، وإرباك لها في نفس الآن، وإدخال لها في برج السهو، كما أنها سعي لتجاوزها بتقديم نصوص أخرى ذات بلاغة خلافية، للإبانة عن التباعد القائم بين ثقافتين. الأمر ينبغي أن ينظر إليه في هـذا الإطار، أن الشعر العربي المعاصر، والتفعيلي منه على وجه الخصوص، يمتلك أصحابه ثقافة معينة، مثلما كان أصحاب القصيدة العمودية يمتلكون هم الآخرون ثقافة معينة، الآن نحن أمـام ثقافة ثالثة، فحينما نتحدث عن نصوص جديدة يجب ألا ننسى أن نتحدث عن الشروط المعرفية، التي حققت هذا الوجود النصي، الآن الثقافة مختلفـة وهي تتفاعل مع ما سبق، لكنها تنحو إلـى المستقبل بقوة، ضاربة عرض الحائـط بما كان يعتبر مقدسا، وفي ظل هذه المعطيات تستمد قصيدة النثر كنص خلافي سلطتها وانتمائها إلى الوجود.
س: الكل منشغل بالتحولات التي يعيشها العالم (الحرب على العراق/ خارطة الطريق/ بن لادن/ .. إلخ)، ما الذي يحظى بانشغالك راهنا؟
ج: ما يشغلني في الوقت الراهن هو التحديق في النص الشعـري.
س: المبدع مسكون، باستمرار، برزنامة أشيائه الخاصة (السفر/الزواج..إلخ)، ماذا يسكنك في هذه اللحظة ؟
ج: يسكنني مشروع قصيدة.
س: ماذا تعني لك الأسماء التالية:
■ سـلا: الرقراق.
■ عابر المرايا: ذلك الفتى …
■ صراع الحضارات: صراخ الحضارات.
■ الكتاب: اقرأ
■ المتنبي: الشاعر.
■ الوطن: الحبيبة والحقيبة.
■ الحب: لماذا نحن هنا ؟
■ الموت: القصيدة التي لم تكتب بعد.









5 مارس 2006 في الساعة 9:50 م
تعرفت أكثر على تجربتكم من خلال هذا الحوار
نلتقي في الكثير من الأفكار المتبطة بالشعر ونختلف في أخرى وهذا شيء طبيعي
من المهم أن يومن كل الشعراء من مختلف الحساسيات و قبل غيرهم بالحق في الاختلاف، والنظر إليه كعنصر إخصاب وكإضافة كثلما ذهبت حول قصيدة النثر
محبتي
5 مارس 2006 في الساعة 10:55 م
الصديق الغالي مصطفى الشليح
حوار عميق ومترفع مثل روحك الطاعنة في زهد الاضواء
دمت كبيرا كعادتك
محبتي
5 مارس 2006 في الساعة 11:37 م
العزيز مصطفى
أهنئك على هذا الحوار الهادئ الرزين ، فبه من الفائدة والمعرفة العلمية الأثر الكبير. ولا غرابة في ذلك ، ما دامت نباهتك وحضورك الثقافي والإبداعي ، في آن ، خير شاهد.
قلت ، ثمة فائدة جمة تجنى من هذا الحوار الأدبي ، الذي أداره الأخ والصديق الروضي بامتياز، حيث الحديث عن القصيدة المغربية ، في تجلياتها وانتماءاتها وانفتاحاتها الكبرى ..وفي علاقة ذلك بالقراءة والمتابعة النقدية..
ثمة حديث عن بدايات الفتى الأولى ، دهشة واندهاشا . ثمة تلميح إلى لعبة الكتابة والانكتاب . ثمة تصريح بالتواري المقصود والخلود إلى الذات من أجل البحث عن القصيدة. ثمة تذكير بأن للكتابة طقوسها وشروطها. ثمة إقرار بشعرية القصيدة المغربية ، قراءة واستشهادا. ثمة أشياء وأشياء أخر..
وفي هذا الحوار ، يظهر شاعر ناقد نافذ إلى أعماق النص ، منفتح على التجارب ، مؤمن بالاختلاف دون التفريط في شعرية هذا النص أو ذاك.
أجدد اعتزازي بشخصك، أستاذا وأخا صديقا ..
دامت لك عزة الشعر والإبداع ، في كل مكان وزمان..
أخوك أحمد زنيبر
6 مارس 2006 في الساعة 2:25 ص
الأستاذ الشاعر محمد بلمو.
شكرا لك على التعليق الرائق.
الاختلاف نسق كوني ذاهب بالمتناثرات إلى الإئتلاف.
إن الشعر العربي سلاسل من الانزياحات الكتابية عن المعيار والنموذج.
قصيدة النثر علامة إبداعية فارقة في المشهد الشعري المغربي.
لكن معظم ما يكتب عنها ثرثرة بيانية.
آمل أن يبحث النقد الشعري عن برنامجها وعن قوانينها بالإصغاء إليها عن كثب، وأن ينسى قليلا ما كتبت سوزان برنار منذ أربعين عاما ونيف عن قصيدة النثر الفرنسية، فبلاغتا الكتابتين الشعريتين متنائيتان متباعدتان.
آمل نقدا تطبيقيا لقصيدة النثر.
احترامي وتقديري
مصطفى
6 مارس 2006 في الساعة 2:32 ص
العزيز العلي أنيس
.. لعله حوارٌ يأخذ السيد ريباخا بعرنينه إلى حيث ما تكرمتَ بالإشارة إليه من عمق.
إن الأحق بالشكر هو الشاعر عبد الهادي روضي الذي وصل خيوط الحوار واستنسل أسئلته وشطوطه.
دم عليا مبدعا.
واسلم لأخيك الذي يعتز بك.
مع محبتي
مصطفى
6 مارس 2006 في الساعة 3:01 ص
العزيز
الأحمديّ
هو ذا الشعرُ ..
هو ذا البحث في القصيدة المغربية.
اعتقدتُ، مرة، أنني سأنأى عن النقد قليلا لألتقيني فإذا بي أفرُّ مني إليّ، وإذا بي أتقيني كلما سألتُ بعادا وما اتخذتُ الشعر والنقد معا بيتـًا ثقافيـًا ومهادًا.
والتفتُّ، مرة، إليّ لأخلد إلى ما يعنّ لي من كتابةٍ تذويتيةٍ أدنو بها إليّ، فإذا بالمشهد الثقافي رمته يتأوب منها ليمتزج الجواني والبراني، وليكون ما يكون، ولأظن خيرا فلا أسأل عن الخبر.
ما سألنا عن خَبرٍ ولا خبْرٍ، ولكن سألنا عن أثرٍ وعن شعرٍ.
البقية أنت تعرفها.
قبلها كانت المرايا عبورا إلى ما نحن نسكنه لغة ونسكبه لغة بكل اللغات التي عبرت إلينا مرايا من المرايا.
محبتي واعتزازي
أيها الأحمديّ
مصطفى
6 مارس 2006 في الساعة 2:33 م
أتفق معك تماما، فقصيدة النثر التي تهمنا في هذا المقام هي تلك التي كتبت وتكتب بدماء مغربية، بحبر مغربي وبروح مغربية، أي تلك التي يكتبها الشعراء المغاربة والتي لا يمكن التعسف في قراءتها ونقدها من خلال ما أنتجه الآخرون منذ عدة عقود
محبتي |أيها المبدع
6 مارس 2006 في الساعة 2:39 م
الأستاد الشاعر المتميز مصطفى الشليح:
حوار ممتع ومفيد يزيد من قناعتي بأنك مبدع بتميز خاص…
أيها العزيز دمت كبيرا كعادتك..
أخوك زين العابدين اليساري
6 مارس 2006 في الساعة 4:12 م
الأحبة في دروب: باصغاء ممعن في سراديب الردود ،التي أتت عقب نشر حواري مع الشاعر والأكاديمي المغربي مصطفى الشليح، أود أن أؤكد على أن ثمة مبدعون حقيقيون لايفضلون عادة مواجهة الأضواء الكاشفة، ومصطفى واحد من هؤلاء، من من هدا المنطلق كنت معنيا بضرورة الاقتراب منه والاصغاء لصمته. علينا أن نعي جيدا أن كثيرا من مبدعي أوطاننا العربية لايدركون عمق الكتابة كفعل وانكتاب، على حد تعبير الشليح، والخلاصة أنه يتحتم علينا أن ننخرط جميعا في استدراج كل الشعراء المنفعلون والمتفاعلون مع دواتنا ودواتهم، ارساءا لرسالة الأدب.محبتي لكل المتفاعلين مع الحوار.