البناء المعماري للقصيدة المعاصرة

 


إن اختيارالنصوص دعوة تحملها هذه النصوص للناقد،بما تتضمه من غنى أدبي وعمق فكري،كما أنها هي التي تقدم نفسها لما فيها من مقدمات فنية وفكرية تخدم التيمة التي يشتغل عليها الناقد،وما نريد الاشتغال عليه من خلال بعض النصوص الشعرية المعاصرة هي تيمة البناء المعماري للقصيدة العربية المعاصرة.

والمقصود بالبناء المعماري هندسة النص الداخلية،شعوريا وفكريا،وهو مرتبط بمفهوم الوحدة العضوية،بمعنى ترابط الأحاسيس و الأفكار و انتظامها فيما يسمى بالتحام أجزاء التنظيم،والبناء المعماري في قصيدة التفعيلة يختلف عنه في القصيدة العمودية،التي كان البناء المعماري فيها يلتزم بسيمترية القصيدة التقليدية في اعتمادها على نظام الشطرين الصدر و العجز،واحترام الوزن و القافية دون احترام للوحدة العضوية التي تطورت فيما بعد وسميت بالبناء المعماري للقصيدة،وهو الجانب الذي  اهتم به شعر التفعيلة أو ما يسمى اصطلاحا بالشعر الحر.

فالبناء المعماري ينهض على حركية المقاطع الشعرية في فضاء القصيدة،التي ينهض فيها الشعور و التفكير في حركة واحدة ينجزها الشاعر منذ بداية القصيدة إلى نهايتها،مع مراعاة الانصات إلى الواقع المحسوس.

(أفتح دولاب أيامي

ألمح أحلامي

مبعثرة

على الرفوف

أحلاما مغتالة

وأخرى مؤجلة)من قصيدة دولاب للشاعر أحمد بهيشاوي

فالشاعر هنا يحمل رؤيا إلى العالم تتقاطع مع رؤى عامة الناس، لكنه ينقلها إلى القارئ بطريقة شاعرية،فيها عمق الاحساس وصدق التجربة في الحياة،فالدولاب رمز للحياة،قد نحمل جميعا هذه الأفكار لكننا لا نعرف كيفية صياغتها شعرا،والشاعر هنا استطاع توصيل هذه الأفكار بطريقته الخاصة في النظم و البناء المعماري الذي حافظ على الوحدة العضوية للقصيدة.

نفس البناء المعماري نجده في شعر الطاهر لكنيزي في قصيدة نكوص عندما قال:

(في ربوة الأحلام

ينضر عشب أوهامي

ويخضل كلما مرجت

شويهات الشرود بربعها واستروحت

وأنا كراع يحتفي ببزوغ شمس

 لن تمرعلى ضواريه

أحوك ستائر النسيان

من عهن التجمل

أو أخوض غمار أحزاني

بمجاديف من سنط التأمل)كيمياء السؤال ص64

فالشاعر يبدأ المعنى وينهيه قبل أن ينتقل إلى معنى آخر،فلا يسوقه الكلام إلى اللجوء إلى الحشو قبل إنهاء المعنى المراد تأديته،فكل فكرة تؤدي إلى الفكرة التي تليها في إطار منظومة واحدة،تجمع بين بعد الفكرة وعمق الاحساس.

فالقصائد الشعرية في المشهد الشعري المغربي المعاصر في مجملها تشبه الجسد الانساني،إنه واحد لكنه يتضمن عدة أعضاءتؤدي وظيفتها بإتقان لباقي الجسد ،حيث نرى الشعراء ينوعون في المواضيع لكن هذا التنويع يكون في إطار بناء حسي وفكري موحدين،وهذه الترابطات”تكون سلكا جامعا لما تشتت منها”عيار الشعر ابن طباطبا ص5

ومن خلال هذين النموذجين نلاحظ تقاطع الفكر مع الاحساس،ويكون للفكر دور أساسي في ترتيب المشاعر وتنسيقها ووضعها في قنواتها الطبيعية التي تؤدي إلى المصب النهائي،وفي هذا المصب يمكن اكتشاف الفكرة الكامنة وراء هذا التنوع في المشاعر و الأحاسيس التي تبدو وكأنها مشتتة لا يربطها رابط،فيتدخل الفكر لكي يعطيها هذا البناء المعماري,

ونلاحظ بأن الشعراء المعاصرون في تجاربهم الشعرية لا يعبرون فقط عن أنفسهم وإنما يعبرون عن حالات مختلفة،وفي مواقف متباينة داخل القصيدة الواحدة:

(أنا و الغربة نصفان.

نحتمي خلف بقايا من جدار

نشتكي

و الوقت مكسور الجناح

فمتى تغتالنا فوضى الدمار

أنزوي صوما

وصمتا

 تتهاوى صرختي

أسئلتي

تسقط في ليل بلا صبح

 بلا فجر انتظار

تتلظى في مهاوي الذات

أغصان الجراح)أسرار الظل الأخير للشاعرة مليكة العربي ص56

تعتبر الشاعرة مليكة العربي في هذه القصيدة بمتابة الصوت الصداح الذي يعبر عن أصوات شخصيات مختلفة الأحاسيس و الأفكاروالهموم والآمال والآلام…

وهنا تطرح علينا مسألة الأنواع الشعرية التي تتناغم مع البناء المعماري لشعر التفعيلة ونقول بأن أبرز  أنواع الشعر التي تؤدي وظيفة البناء المعماري بشكله المطلوب هو الشعر الدرامي الذي تتعدد فيه الأصوات وتتصارع فيه الشخصيات في فضاء القصيدة الشعرية،في إطار وحدة عضوية تجمع بين عالم الأشياء وعالم الأشخاص،وعالم الحلم وعالم الواقع،ويعمل على تكثيف الأزمنة من الماضي و الحاضر و المستقبل.

وتظهر قوة  البناء المعماري ورصانته في القصيدة المعاصرة من خلال التوازي الحاصل بين مختلف مكونات اللغة و الدلالة والايقاع الداخلي  و الخارجي من جهة،وخاصية التكثيف الشعوري من جهة أخرى،هذه العناصرة كلها تجتمع وتعطي بناءا معماريا يوحد بين مكونات القصيدة المعاصرة التي تسير بدورها بشكل منسجم يعمل على توحيد بداية النص الشعري وبؤرته وخاتمته.

فعند التمعن جيدا في بناء القصيدة المعاصرة تجدها متقطعة الأوصال وكل مقطع ينتهي بوحدة مستقلة لغويا ومطبعيا،لكنها في النهاية تنتهي بنهاية تعالقية على مستوى الوحدة الدلالية و الشعورية:

(الحزن ضفائر من قطران

حجبت عين النظر

الدموع مواجع حرى

تشكو الضجر

فاب قاسمنا فلا الوجه هل

ولا الأنس حضر

لم حقائبه ما أنبأ خلا

و لا انتظر….

غاب خميسه ما عاد يوما في دفاترنا

ولا الشمس أضحت دفئا في دواخلنا

ولا الأريج فاح

ولا الصحو لاح

ولا الشهد اختمر) أنا من شيأ الأشياء للشاعر محمد الرويسي ص52

فالقصيدة هنا تبدو وكأنها مفرقة إلى مقاطع شعرية مختلفة المواضيعن لكنها تندرج ضمن بناء معماري واحد يجمع بين منطق الفكر وشعر وشاعرية الشعر.إن درجة الانسجام تظهر من خلال تناسق وتناسب الموضوعات داخل القصيدة وتمهيد بعضها لبعض لكي لا يحدث انقطاع في الصورة وفي البناء.

محمد يوب

13/04/11

ثبت المراجع

1 – البلاغة العربية——–د:محمد العمري

2 – هسيس الدهشة———أحمد بهيشاوي

3 – كيمياء السؤال——–الطاهر لكنيزي

4 – تقاسيم الصرير——-المصطفى فرحات

5 – أنا من شيأ الأشياء—-محمد الرويسي

6-أسرار الظل الأخير ——- مليكة العربي

7-جدلية الخفاء و التجلي—-كمال أبو ديب

8-ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب—–محمد بنيس

5 رأي حول “البناء المعماري للقصيدة المعاصرة

  1. الصديق محمد يوب
    قراءتك الجميلة والعميقة في بنية القصيدة المعمارية (نماذج) ، تحيلني إلى إلى ما ذكرته الناقدة سوزان برنار( التجربة تخلق شكلها كما يحفر النهر مجراه). المفروض في النص الشعري أن يتوزع تبعا لتموجات وتكوينات دلالية ، وليس إلى ضوابط وزنية محددة ، كما يقول كمال أبو ديب. وهذا ما لا يتقيد به أغلب الشعراء ، فنجد بعض القصائد عبارة عن كتل كلامية ، لا هي خاضعة للوزن ولا لدلالات واضحة ومحددة.
    قراءتك وازنة كما عهدي بك دائما. دمت ناقدا متميزا ، ومزيدا من العطاء أخي محمد

  2. أستاذنا العظيم
    إن أقدس مكان تظطجع فيه الروح البشرية الطاهرة هو القلب الإنساني المفطور على الصدق والمحبة… ومحبة الخالصة للإبداع النبيل تجعل من قلبك هذا القلب الذي يتسع لكل ماهو نبيل.
    دمت طاهرا في قلوبنا
    محبتي

  3. أستاذنا العظيم
    إن أقدس مكان تظطجع فيه الروح البشرية الطاهرة هو القلب الإنساني المفطور على الصدق والمحبة… ومحبتك الخالصة للإبداع النبيل تجعل من قلبك هذا القلب الذي يتسع لكل ماهو نبيل.
    دمت طاهرا في قلوبنا
    محبتي

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>