القصة القصيرة جدا عند أحمد جاسم الحسين تنظيرا ونقدا

القصة القصيرة جدا عند أحمد جاسم الحسين تنظيرا ونقدا

د. جميل حمداوي
jamilhamdaoui@yahoo.fr

توطئـــــة:

يعتبر كتاب:” القصة القصيرة جدا” للناقد العراقي أحمد جاسم الحسين أول كتاب يتناول القصة القصيرة جدا في العالم العربي بالتعريف، والتحليل، والتقعيد، والتنظير، والتقويم، والتوجيه. ويحوي الكتاب مائة وأربع وأربعين (144) صفحة من الحجم الكبير(A4). وتعد هذه الدراسة المحاولة الأولى من نوعها في العالم العربي التي تعنى بالقصة القصيرة جدا تاريخا، ونظرية، ونقدا. وقد ظهرت هذه الدراسة لأول مرة بسورية عام 1997م. وقد وضع أحمد جاسم الحسين تحت عنوان الكتاب عبارة” مقاربة بكر”، باعتبار أن هذه الدراسة منجز أدبي ونقدي جديد في العالم العربي، وذلك في فترة مبكرة من القرن الماضي:” هذه مقاربة بكر، باكرة لذلك المولود الأدبي الجميل الجديد الذي كان، ولا يزال ابنا شرعيا لزمانه، موضوعا وتقنية وأركانا ورؤى…وتأكيدنا على البكورية محاولة توضيح خصوصية المغامرة بكل ما للمولود الجديد، والمقاربة البكر من عبق، وعذاب، إذ لم تسبق هذه الدراسة بأي كتاب- في حدود علمنا-، وكل ما كتب حول هذا الجنس الأدبي لايتجاوز مقالات صحفية ذاتية انطباعية، وقد حاولت تلك المقاربة أن تغوص في أعماق الظاهرة؛ كاشفة الكثير من مكونات نسيجها، وهي تدرك تماما أن كشف مكونات أخرى يحتاج لجولات أخر قد تتيحها قادمات الأيام…”
إذاً، ماهو مفهوم القصة القصيرة جدا عند أحمد جاسم الحسين؟ وماهو تاريخها العربي؟ وماهي خصائصها الدلالية والفنية والجمالية؟ وماهي ملامحها النقدية تنظيرا وتطبيقا؟

1- في نظرية القصة القصيرة جدا:

تطرح دراسة أحمد جاسم الحسين:” القصة القصيرة جدا” مجموعة من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بجنس أدبي جديد، يتعلق بالقصة القصيرة جدا، وذلك من حيث ماهيتها، وشروطها، وأركانها، وخصائصها الدلالية والفنية والجمالية. ويضم الكتاب ثلاثة أقسام كبرى، فقد خصص الكاتب القسم الأول بنظرية القصة القصيرة جدا، وخصص القسم الثاني بالمضمون الذي يخلقه الشكل، وخصص القسم الأخير بتاريخ القصة القصيرة جدا.
بادئ بدء أو بداءة ذي بدء، يعرف أحمد جاسم الحسين القصة القصيرة جدا في ضوء معيارين: معيار التجنيس (قصة)، ومعيار الكم (قصيرة جدا). بمعنى:” أنها تنتمي للقص حدثا وحكاية وتشويقا ونموا وروحا، وتنتمي للتكثيف فكرا واقتصادا ولغة وتقنيات وخصائص…”
ومن ثم، تستلزم القصة القصيرة جدا متلقيا واعيا ملما بتقنيات السرديات، عارفا بالعوالم الواقعية والممكنة التي يخلقها المبدع عبر قصصه القصيرة جدا، قادرا على تشريح هذه النصوص المختزلة الحبلى بالرموز والإحالات التناصية، والزاخرة بالإشارات والعلامات السيميائية التي تتطلب متلقيا له معرفة خلفية واسعة ، يستعملها من أجل تفكيك هذه القصص وتركيبها، مادامت تلك القصص تقوم على الاقتصاد والتكثيف والإضمار. وفي هذا الصدد، يقول أحمد جاسم الحسين:” إن نص القصة القصيرة جدا نص نثري، غني، خصب، مما يجعل لتلقيه سمات خاصة تتعلق بالمتلقي، حيث تفرض عليه كثيرا من الاجتهاد، ونبذ الكسل المعرفي، فالقصة القصيرة جدا نص إبداعي يترك أثرا ليس فيما يخصه فقط، بل يتحول ليصير نصا معرفيا دافعا لمزيد من القراءة والبحث، فهو محرض ثقافي يسهم في تشكيل ثقافة المتلقي عبر تناصاته ورموزه وقراءاته للواقع، وعبر متطلباته التي يفرضها ، حيث تحث المتلقي على البحث والقراءة…
فهذا النص الجديد يريد ثقافة معاصرة تمكن متلقيه من استكناه مداليله، والتعرف إلى مكنوناته في ضوء التطور الكبير لوسائل العلم والمعرفة، وإننا لمعنيون تماما بإعادة النظر في كثير من الأمور المألوفة… ولعل الثقة بالمتلقي والإشارة إلى الذائقة وتطورها، يعطي هذه الأشياء دورا كبيرا بحيث يمكن أن يصير عنصرا قصصيا، ومؤدى رئيسيا من مؤديات التكثيف، إذ تقود تلك المعرفة إلى مزيد من الثقة بالمتلقي، وثقافته مما يجعل الكاتب ينأى بنصه عن كثير من الشروح والإضافات، والهوامش التوضيحية، شرط ألا يبالغ في هذا الأمر، فيصير الإغماض وعدم المقدرة على ضبط التجربة حجة تلك الثقة، إذ عندها تختلط الأمور، ويضيع المبدع بين المدعي، بحجة الثقة بالمتلقي…”
هذا، ويلاحظ الكاتب أنه آن الأوان للاهتمام بالقصة القصيرة جدا إبداعا وتنظيرا ونقدا، بيد أن هناك من المحافظين من يرفض هذا الفن الجديد باسم الدفاع على الثابت الفني والجمالي، والمحافظة على الأصول الموروثة، والخوف من التجديد والابتداع والتحول. وفي هذا السياق، يقول أحمد جاسم الحسين:” إن الذائقة السائدة شعبيا وثقافيا هي ذائقة إلى حد كبير ترفض القصة القصيرة جدا لأسباب فكرية، واجتماعية…والناتج: إن ذائقة متلقينا اليوم خلقتها ظروف سابقة ونصوص سابقة أيضا، وصار الكتاب الذين خلقت نصوصهم مع ظروفها تلك الذائقة حريصين على المحافظة على تلك الذائقة، بغض النظر عن حسناتها وسوءاتها، بل وصل الأمر إلى منتهاه حين بدؤوا يختلقون الحجج، ويرمون الآخر بكثير من التهم، لأن المحافظة على تلك الذائقة جزء من المحافظة على هيبة ذلك الجيل، وبزوالها تزول الهالة، وتأخذ الأجيال اللاحقة حقها الذي هضم كثيرا في النقد والدور والمكانة، ومن القول المكرر تأكيدنا على أننا لايمكن أن نتلقى نصا جديدا كتب بروح جديدة وتقنيات جديدة بذائقة قديمة عفا عليها الزمان، إذ إن التلقي يصير حينذاك ماسخا للنص، ومميتا له ولكل جمالياته…”
زد على ذلك، فقد استعملت في حقلنا الثقافي العربي مصطلحات كثيرة للدلالة على القصة القصيرة جدا، منها: القصة القصيرة جدا، والقصة الومضة، والقصة اللقطة، والقصة القصيرة للغاية، والقصة المكثفة، والقصة الكبسولة، والقصة البرقية، واللوحة القصصية، والصورة القصصية، والنكتة القصصية، والخبر القصصي، والقصة الشعر، والخاطرة القصصية، والقصة الجديدة، والقصة الحديثة، والحالة القصصية، والمغامرة القصصية.
وتستند هذه المصطلحات كلها إما إلى معيار الكم (القصر)، كالقصة القصيرة جدا، والقصة الكبسولة، والقصة الومضة…، وإما إلى المعيار الفني (نسبتها إلى فنون أخرى)، كالشعر القصصي، والخاطرة القصصية، والنكتة القصصية، والخبر القصصي، واللوحة القصصية…، وإما إلى المعيار التقويمي(تشي تلك المصطلحات بشيء من حكم القيمة المسبق)، كالقصة الحديثة، والقصة الجديدة، والحالة القصصية، والمغامرة القصصية…
هذا، ويلاحظ تعدد في المصطلحات والمفاهيم، وتنوع في المشارب الفكرية والأدبية، ورغبة في التفرد عن الآخر عبر استعمال مصطلحات خاصة، وربط هذا الفن الجديد بالفنون والأجناس الأدبية الأخرى (الشعر-التشكيل- السينما- الخبر-الخاطرة- النكت-…). بيد أن أحمد جاسم الحسين يدافع على فرادة هذا الجنس واستقلاليته بناء ودلالة وتشكيلا ومقصدية:” إن القصة القصيرة جدا فن أدبي له أركانه وشروطه وجمالياته، ولا يقل أهمية عن أي فن آخر، إن لم يتفوق على كثير منها، طبعا ربما يبدو أن تلك المشاكل مرتبطة بالنشأة والرغبة في التأصيل، وذلك عبر نسبتها إلى فنون لها بعد تاريخي،إضافة إلى كونها معروفة، وقد تحمل لنا قادمات الأيام محاولات من كتابها، ودارسيها في البحث عن جمالياتها، وأركانها النابعة من بنيتها، وكينونتها هي؛ إضافة لهذه الدراسة؛ لاعبر نسبتها إلى فنون وأجناس أخرى.”
وعلى العموم، فقد حدد الكاتب أربعة مواقف تجاه القصة القصيرة جدا: موقف يقوم على الانتقاص من القصة القصيرة جدا، وموقف يرفع من شأنها، وموقف ينبني على مجافاة التجديد، وموقف يحرص على التفرد .
وقد استعملت القصة القصيرة جدا لتدل على المستوى الكمي على قصة في ثلاثة أحجام:
• الأول لايتجاوز الثلاثين كلمة (نحو ثلاثة أسطر).
• الثاني لايتجاوز المائتي كلمة (نحو صفحة واحدة).
• الثالث لايتجاوز الثمانمائة كلمة (نحو أربع أو خمس صفحات).
ويرى أحمد جاسم الحسين أن الحجم أو المعيار الكمي مقياسا ثانويا في الحكم على نص ما بكونه قصة قصيرة جدا؛ لأن المهم عنده هو التجربة القصصية المكثفة،والمقارنة بالأجناس الأدبية الأخرى كالقصة القصيرة:” لا يمكننا- يقول أحمد جاسم الحسين- أن نعطي إجابة حازمة في هذا الميدان؛ فقد يكون القصر الشديد أحيانا عاملا في تشويه القصة القصيرة جدا، مثلما قد يفعل الطول ذلك، ولعله من الواضح أن التأكيد على قصرها حجما وبنية، يزداد وضوحا يوما بعد يوم.
طبعا المطلوب في القصر الشديد، والطول أيضا أن تبقى قصة قصيرة جدا، ففي الطول ألا تتحول إلى قصة، وفي القصر ألا تتحول إلى خارج القصة القصيرة جدا.
يمكن لنا أيضا في هذا الوضع أن نتوقف عند تطور المفهوم من حيث الحجم، إذ في البدايات لم يكن يعول كثيرا على القصة الشديدة القصر، بل إن المصطلح كما قلنا استعمل ليدل على مفهوم يمتد لصفحات؛ وكانت مغامرة خطيرة ما تجرأ على نشره القاص نبيل جديد، (مغامرة ؛ لأنه كسر المألوف ليس في البنية فقط، بل أيضا في الحجم)
لدينا طريق آخر يمكن من خلاله التعرف إلى القصة القصيرة جدا ألا وهو طريق المقارنة؛ هذه المقارنة مع جنس آخر هو (القصة القصيرة). هناك قصص قصيرة تكتب في صفحة أو صفحتين، وهناك أيضا قصص قصيرة جدا تكتب في صفحة أو صفحتين، الحجم يأتي تاليا للبنية، والطبيعة، وطريقة استعمال التقنيات، والأركان المؤسسة.”
بيد أن الحجم – في رأيي الشخصي- يعتبر من الأركان الأساسية والثابتة، لا يمكن الاستغناء عنه إبان الحديث عن القصة القصيرة جدا، وإلا لماذا نسميها قصة قصيرة جدا؟! فالمعيار الكمي حاضر في هذا المصطلح حضورا لافتا للانتباه. والآتي، أن الحجم ليس ثانويا كما يقول أحمد جاسم الحسين، بل هو معيار جوهري يميز القصة القصيرة جدا عن باقي الفنون والأجناس الأدبية الأخرى. ولايمكن كذلك تحديد القصة القصيرة جدا بصفحتين أو أكثر، وإلا سنتحدث – هنا- عن القصة القصيرة أو فن الأقصوصة؟ لذا، أفضل أن يكون حجم القصة القصيرة جدا يتراوح بين جملة ونصف صفحة أو صفحة كاملة ، بالإضافة إلى نية التجنيس والمقصدية.
هذا، ويتسم نص القصة القصيرة جدا بكونه نصا مفتوحا، تتداخل فيه الأجناس الأدبية من شعر، وقصة، وتشكيل، وسينما، ومقالة، وخبر، وحديث…؛ مما يجعل النقاد والدارسين والمبدعين يواجهون صعوبات كثيرة في تعريف هذا الجنس الأدبي الجديد، وتفريده عن باقي الكتابات التجنيسية الأخرى. والسبب الحقيقي في ذلك أن كثيرا من الكتاب يخلطون القصة القصيرة جدا بالنكتة، والخاطرة، والأقصوصة، واللوحة، واللقطة، والخبر… ويعني هذا :” أن عددا من الكتاب يحرص أن ينشر كل ما جاد به قلمه، وربما أن القصة القصيرة جدا جنس أدبي جديد غير معروف الملامح، فإن حشر هذه الكتابات في كتاب كتب عليه (قصص قصيرة جدا) لن يضر كثيرا جنسا لم يقعد بعد…”
و ليس كل من يكتب نصا قصيرا جدا، فيعني هذا أنه يكتب قصة قصيرة جدا.فثمة فوارق دقيقة بين هذا الفن وأدب الخاطرة، والنكتة، والمقالة، والشعر، والتأمل، والخبر، والحديث، والرواية…وبتعبير آخر، إن القصة القصيرة جدا فن صعب المراس ، يحتاج إلى خبرة تقنية دقيقة، وكفاءة معرفية واسعة، وتمييز حاذق بين الأجناس الأدبية جميعها.
وينتقل أحمد جاسم الحسين إلى تحديد أركان القصة القصيرة جدا، فهذه الأركان هي معايير أساسية لايمكن للقصة القصيرة جدا أن تثبت في غيابها. أما الشروط والتقنيات، فهي عناصر عرضية وثانوية، قد تحضر وقد تغيب. بمعنى أن الأركان هي العناصر المميزة للقصة القصيرة جدا، وهي التي تفردها عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى.أما الشروط والتقنيات، فهي أعراض قد تحضر أو تغيب. ومن ثم، تستند القصة القصيرة جدا إلى أربعة أركان رئيسة: القصصية، والجرأة، ووحدة الفكر والموضوع، والتكثيف. وتعني القصصية أن تتوفر القصة على مقومات الحبكة السردية ، ولكن بلا تطويل أو تفصيل أو إسهاب، بل ينبغي التركيز على لحظات التوهج والتنامي إيحاء وتلميحا وانزياحا. أما المقصود بالجرأة، هو أن تقول القصة القصيرة جدا:” أشياء لم يستطع أن يقولها سواها.أي: إن الجرأة تعني قض مضاجع أشياء لم يعتد الاقتراب منها، فهي تحمل تجديدا وخروجا عن مألوف، وهي أيضا كسر بطريقة ما لحلزنة، وانزياح من السلب إلى الإيجاب، وعلامة تحول مضيئة.
تحمل الجرأة في ثناياها غوصا في أعماق الواقع، أمن لها معرفة كثير من الكوامن، ولم تبق عائمة على السطح.”
ولا أتفق- شخصيا- مع أحمد جاسم الحسين حينما اعتبر الجرأة ركنا من أركان القصة القصيرة جدا؛ لأن الجرأة موجودة في جميع الأجناس الأدبية الأخرى التي كسرت الطابو أو الثالوث المحرم (الجنس-الدين- السياسة).فمن يقرأ روايات كل من محمد شكري ، وحيدر حيدر، والطيب صالح، وصنع الله إبراهيم، ورجاء عالم، وجمال الغيطاني، وغيرهم، فإنهم سيجدون الجرأة حاضرة بشكل لافت للانتباه، بل هناك من منعت كتبه من التداول، كما هو حال محمد شكري صاحب رواية:” الخبز الحافي”، والطيب صالح صاحب رواية:” موسم الهجرة إلى الشمال”…لذا، أرى أن من أهم أركان القصة القصيرة جدا على المستوى الدلالي العمق اللافت، والتوهج الوامض، والاشتباك، والإدهاش، والمفاجأة الصادمة، والإرباك. وهي خصائص رئيسة تميز إلى حد ما فن القصة القصيرة جدا عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى.
أما وحدة الفكر والموضوع في القصة القصيرة جدا، فيقصد بها:” أن تتوحد الأفكار لتأدية المعنى المراد، وقد يؤدي هذا بالضرورة إلى وحدة موضوعاتية، حادثاتية، بحيث تتواشج مجموعة الأفكار مع مجموعة الحوادث لتعميق المراد… وتلك الوحدة تبدو ملائمة جدا للقصة القصيرة جدا، ومنسجمة مع روحها غير الميالة للأشياء الفضفاضة، ووعي الكاتب بضرورة تلك الوحدة يجعله يحذف كل الاستطالات التي لاتخدم، بل قد يقدم فكرة على أخرى، ويحذف هذه أو تلك؛ لأن ثمة فكرة أخرى تخدم المعنى المراد أكثر…ولعل هذا ينسجم مع طبيعة التفكير البشري بثوبه الصحيح حيث تتوحد الأفكار، وتتواشج لتأدية المراد متخلصة من أي تناقض قد يطرأ…من هنا، فالوحدة علامة وعي بأهمية الفكرة والحادثة، وهي وحدة عضوية للقصة ، وتتميز هذه عن تلك مما يقود إلى كثير من التكثيف؛ إذ يولد هذا الوعي حالة نقدية تتلبس الكاتب دائما، وتجعله أقدر على صون قصته من المزالق التي قد تحدث في حالة من التسامح الوفير مع ما يجود به فكره…وهذا أيضا يقود إلى قرب أكثر من روح القاص التواقة للتوحد، وتقديم المراد بأقصر الطرائق عبر عجنه مع المتعة، وذلك بالطرائق الفنية المعروفة…”
بيد أن معيار وحدة الفكر والموضوع ليس في الحقيقة ركنا يعتمد عليه في تشكيل فن القصة القصيرة جدا، فهذا المعيار ميسم ثانوي ليس إلا. إذ يتوفر في جميع الأجناس الأدبية، فليس هناك رواية أو مقالة أو قصة قصيرة أو مسرحية لا تتوفر على وحدة الفكر والموضوع، أو خاصيتي: الاتساق والانسجام. والآتي، أن وحدة الموضوع والفكر لا تعد في منظوري الشخصي ركنا جوهريا، بل هو شرط من شروط بناء القصة القصيرة جدا ليس فقط.
هذا، ويعرف الكاتب التكثيف بأنه:” علامة مضيئة في بنية القصة القصيرة جدا، فهي قصيرة جدا في كل شيء، وهذا القصر الشديد فرض معه رقابة على العناصر كي لاتستطيل، وتطلب تكثيفا يحمل في اسمه دلالات هامة يمكننا أن ندلف من خلالها إلى طبيعة القصة القصيرة جدا، خاصة أن المصطلح جاء في الأساس من علم النفس إلى ميدان النقد، إذ قد يرادفه التبئير…والقصة القصيرة جدا هي وسيلة لإذابة العناصر والمكونات المتناقضة والمتباينة والمتشابهة، وجعلها في بؤرة واحدة تلمع كالبرق الخاطف…
إن التكثيف يفترض بحضوره عددا من العناصر والتقنيات على مستوى اللغة في التركيب والمفردة والجملة، أيضا على مستوى الموضوع القصصي، وطريقة التناول، واختيار الفكرة والمحافظة على حرارة الموضوع، والقبض على نبض الحدث، وهو في حالة توهج وانبثاق، إضافة إلى مايتطلبه من رفض للشرح والسببية والتعليل، ودعوة إلى عدم تشتيت الحدث؛ دون أن يعني ذلك إغماضا أو نحوا مما نحاه الشعر في بعض تجلياته، فالمحافظة على قصصية الجملة هي من أهم مهام التكثيف…
أيضا المحافظة على متانة البناء دون تضييع المقولة…مع مايفرضه من حذف للروابط، والاستفادة من الضمائر، والاقتصاد في الوصف، وهذا كله يتطلب تعاملا خاصا مع اللغة، وبعثا للمحفزات، واستثمارا لكل شيء حتى منتهاه…
الموضوع يدخل ضمن مهام التكثيف، والفكر الذي يقوله النص أيضا، والشكل الذي تتبلور من خلاله تلك الأمور…إذ لابد للقاص من الاستفادة من كل الإمكانيات.”
فعلا، يعتبر التكثيف من الأركان الأساسية التي ينبني عليها فن القصة القصيرة جدا، وبه يتفرد هذا القص عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى، كما يرتبط هذا الركن بالاقتصاد اللغوي، والحذف، والإضمار، والاختزال، والتبئير في الأحداث، وذلك بغية خلق نص متوهج ، وصادم، ومدهش، ومربك للمتلقي. أما العناصر السابقة التي أدرجها الكاتب ضمن الأركان، فهي من التقنيات الثانوية أو الشروط التي تشترك فيها مع باقي الأجناس الأدبية الأخرى.
وبعد الانتهاء من تحديد الأركان الضرورية التي تقوم عليها القصة القصيرة جدا، ينتقل أحمد جاسم الحسين إلى تعداد التقنيات أو الشروط الثانوية التي تحضر أو تغيب في نص ما، وبها تشترك القصة القصيرة جدا مع الأجناس الأدبية الأخرى.
يرى أحمد جاسم الحسين بأن مصطلح التقنية:” يحمل في أثنائه إشارة إلى التكنيك، مع تكامل الغاية والوسيلة، إضافة إلى أن المصطلح يعني وعيا من القاص بالمادة ومميزاتها، وتحولها من مادة خام إلى تقنية اكتسبت الكثير من الخصوصية بحضورها، وصارت تحمل فنا ووعيا ودلالة خاصة بها، وهي ليست وصفة سحرية يكتسب النص من خلالها أدبيته؛ بل هي عنصر مكون في الركن وعامل مانح له مثلما هي عنصر قائم بذاته يساهم كثيرا في بناء النص…
وهي أيضا تحتمل كثيرا من المرونة بحيث يمكن لها أن تمتد، أو تتقلص بحسب السياق الذي ترد فيه، ويمكن أن تتحول بعض التقنيات إلى أركان…وهي قبل كل ماسبق أو بعده محفز للدال والمدلول، وباعث للحياة في أرجاء النص المختلفة.إضافة إلى أنها تسهم إسهاما منقطع النظير في تشكيل خصائص النص، ومنحه المزيد من العمق والجدة والابتكار والإدهاش…وكل ماسبق يجعل لها أهمية خاصة، ويدعو لضرورة التعرف إليها في بنيتها وتشكلها خشية أن تصير عبئا حين تكون متكلفة ناشزا عن روح النص وإيقاعه.”
وتتمثل هذه التقنيات التي ترتكن إليها القصة القصيرة جدا حسب أحمد جاسم الحسين في: خصوصية اللغة، و الاقتصاد اللغوي، والانزياح اللغوي والفكري والموضوعاتي، والمفارقة، والتناص،والترميز، والأنسنة، واستعمال الحيوان، والسخرية، وخصوصية البداية والقفلة.
وتنماز القصة القصيرة جدا كذلك بمجموعة من الملامح والخصائص، مثل: الطرافة والجدة والابتكار، والإدهاش، والبناء المحكم، وعمق الأثر، وخصب الدلالة، والسرد المراوغ، والإيقاع القصصي، والاستفادة من بعض الفنون.
بيد أن ثمة مجموعة من العوائق التي تعاني منها القصة القصيرة جدا، كالتعويل على الجرأة، وسطحية التجربة، والسقوط في المباشرة حين مواكبة تطورات الواقع، والتكثيف والإغماض. أما عن الهموم التي تطرحها القصة القصيرة جدا، فيمكن حصرها في: الاستسهال، والأسطرة، وعدم الوعي بالتجربة.

2- قراءة فنية في مجموعة :” أحلام المطبعة” لمروان المصري:

ينتقل الكاتب بعد فرشه النظري للقصة القصة القصيرة جدا إلى قراءة نقدية تحليلية في مجموعة :” أحلام عامل المطبعة” للقاص السوري مروان المصري، وذلك من أجل سبر المضمون الذي يخلق شكله، أو من أجل إبراز علاقة الشكل بالمضمون في ضوء هذه المجموعة القصصية القصيرة جدا. بيد أن ما يلاحظ على الناقد أنه لم يتحدث عن منهجية أو تقنية خاصة بالقصة القصيرة جدا، بل كان يستعين في تحليله بالمقاربات النقدية المعروفة في حقلنا الثقافي العربي سواء أكانت فنية أم مرجعية، دون الحديث عن خصوصية هذا الجنس الأدبي الجديد، وما يستلزمه في ذلك من خصوصية منهجية نقدية خاصة بهذا الفن الوافد. وبتعبير آخر، فلا يعقل أن نتحدث عن فن جديد. وفي الوقت نفسه، نقاربه في ضوء منهجيات مستوردة من فنون وأجناس أدبية أخرى. فكان من باب أولى البحث عن مقاربة جديدة صالحة لهذا الفن الوافد، وهذا ماقمت به شخصيا حينما طرحت تقنية منهجية جديدة، سميتها :” المقاربة الميكروسردية”.
وبناء على ما سبق، يقول أحمد جاسم الحسين عن قراءته:” أما التحليل والتأويل والقراءة، فمن الضروري التوقف عندها، لأن أي مقاربة للنصوص تريد أن تؤمن لذاتها شيئا من الموضوعية والصحة (على ما لمفهوم الصحة من إشكالات في قراءة الأدب)، عليها أن تتسلح بمجموعة من الأدوات المعرفية، قد يكون تبيانها أحيانا ضروريا؛ في القراءة سعينا لقراءة النصوص قراءة متحركة، وهذا تطلب مجموعة قراءات للقصص، وعددا من الخطوات استدعتها مرحلة كشف النسيج الداخلي للقص، وقد حاولنا أن نقرأ في ضوء بعضها بعض… وحاولنا حين وصلنا للتأويل المسبوق بالشرح، والتحليل، والتركيب، والتفسير الاستفادة من القراءة المكانية، والتاريخية والاجتماعية للوصول إلى القراءة الفنية، لا لتكون القراءات السابقة عوامل ممسطرة لنا، ومؤدلجة لرؤيتنا، بل استفدنا منها بقدر يمكن أن تخدم القراءة الفنية للوصول إلى تأويل النص؛ وقد حاولنا أن ننأى بما كتبناه عن الشرح إذ تركنا الشرح، وما يسبقه، وما يقترب منه لمسوداتنا، أما ماهو متجسد على الورق فيترجح بين التفسير، والتأويل، مع التركيز في كل ذلك على الفني حيث كان السؤال الذي يقض مضجعنا بارتياح دائما هو فنية النص، وأدبيته. محاولين قدر ما استطعنا الابتعاد عن أحكام القيمة، وإظهار ذاتية الباحث، وإن كان ذلك طريق لاتسلم منه أي دراسة للنص الأدبي…”
ومن هنا، يعتمد الباحث على قراءة تكاملية مركبة قوامها: القراءة الشعرية، والقراءة المرجعية، والقراءة الفنية. ويعني هذا أن الناقد أو الدارس يتكئ على منهجيات الفنون والأجناس الأدبية الأخرى؛ مما يفوت الفرصة أمام المتلقي في إدراك خصوصيات جنس القصة القصيرة جدا.
وانطلاقا من مجموعة القاص السوري مروان المصري، يرى أحمد جاسم الحسين بأن مجموعة:” أحلام عامل المطبعة”:” تحتوي أربعا وستين قصة يتراوح طول كلماتها بين السطر والثلاث صفحات، وتتناول المجموعة همومها بكثير من النقد والسخرية، أما الهم الذي يغلب عليها؛ فهو هم الفقراء والمظلومين والمستغلين، وما يتطلبه ذلك من حديث عن القمع والتسلط والاستغلال، إذ فرض هذا كله غوصا أكثر في أعماق الواقع للقبض على نسيجه، وهمومه، وتجلياتها، وجديد هذا الواقع؛ تنبيها وتحريضا وإشارة لثنائية القول والفعل…
ويظهر في المجموعة تمكن القاص من أدواته الفنية، وشغله لكثير من القصص بجهد مشكور. ويتضح إدراك الرجل لعالمه القصصي، ولتقنياته من المقدمة، ومن ثمة القصص، أما توقفنا عند بعض العناصر فربما لأنها كانت الأوضح والأفصح، وإنا لنثق أن ثمة عناصر كثيرة أخرى كان يمكن أن نتحدث عنها أيضا، وكان معقولا أن نقدم دراسة أسلوبية أوسع تتخذ من الإحصاء مدخلا لها، وقد تسمح لنا قادمات الأيام بمثل تلك القراءة المتوخاة…”
وتمتاز قصص المجموعة السالفة الذكر بمجموعة من الخصائص والملامح الفنية كالتكثيف، والقصصية، والجرأة، ووجود وحدة موضوعاتية وفكرية. كما استعمل المبدع مجموعة من التقنيات التعبيرية، كالطرافة، وخصب الدلالة، وعمق الأثر. أما عن أسباب اختيار المجموعة، فهي متعددة، و” ترجع إلى أمور مختلفة كالجودة، والمحافظة على أركان القصة القصيرة جدا، وغير ذلك كثير…”
وقد استخلص الكاتب في ضوء قراءته للمجموعة القصصية القصيرة جدا لمروان المصري مجموعة من الاستنتاجات، وتكمن في الملاحظات التالية: الجرأة في مواجهة القمع والفساد، وذلك من خلال التركيز على أهمية الأمل والحلم بمستقبل مشرق على الرغم من كل هذا الظلام، والتشديد على أهمية المقاومة التي تبدأ دائما بخط، وضرورة التعرف على الأمور، والبحث خلف المظاهر، والتأكيد على تقويض دعائم المستغل بشيء من الصبر والمقاومة. أما فنيا وجماليا، فقد اهتم كثيرا بقصصية القصيرة جدا على مستوى الحكاية والأحداث، فقد استند إلى التكثيف، والتناص(المعارضة- التشابه- التوليد- التكثيف)، والترميز، والاستباق، والقطع، والمفاجأة، والحوار المتوتر، والتضاد، والمفارقة، والإدهاش، وتنامي العناصر والأحداث، واستحضار الحيوانات ترميزا وأنسنة وتلميحا وإيحاء، وحضور الثنائيات القائمة على التضاد والمفارقة، والاهتمام بالنص الموازي إدهاشا وإرباكا وتحفيزا وتشويقا للمتلقي، وذلك على مستوى العناوين، والإهداءات، والمقدمات، والمقتبسات، والهوامش، وكلمات الغلاف الداخلي والخارجي، وعلامات الترقيم، والرسوم ، والخطوط، والأغلفة…
وعلى الرغم من سهام النقد التي صوبها الدارس إلى هذه المجموعة، فإن الباحث قد ارتضى – في الأخير- أن تكون المقاربة الفنية إطارا منهجيا لتفكيك هذا العمل وتركيبه، حيث يقول:” إن هذه المقاربة للمجموعة، محاولة للولوج في خضم نصوصها، وقد كانت تحاول دوما أن تتعرف إلى خصائص المجموعة، وأركانها، وتقنياتها، وأن تكتشف عوامل أدبيتها متسلحة بجملة من الأدوات المعرفية التي أدت إلى تقديم قراءات مختلفة تواشجت لإبراز القراءة الفنية.”
أما من حيث تاريخ القصة القصيرة جدا، فقد ذكر الدارس أن ثمة مجموعة من الظروف والعوامل التي كانت وراء ظهور هذا الفن الأدبي الجديد، وتتمثل في الظروف التاريخية، والظروف الثقافية، والظروف التقنية، والظروف الاجتماعية، والظروف السياسية، والظروف الاقتصادية. كما حدد الدارس بعض العوامل المؤثرة الأخرى في نشأة القصة القصيرة جدا، كعامل سرعة العصر، وإهمال محزن للكتاب، وانتشار الصحافة، والشعور بالغربة والاغتراب، والقمع والمنع .
بيد أن الدارس نسي أهم عامل في نشأة القصة القصيرة جدا في عالمنا العربي هو عامل المثاقفة مع الغرب، والتأثر بالقصص القصيرة جدا التي كان يكتبها كبار أدباء أمريكا اللاتينية، دون نسيان تأثرهم أيضا بالكتابة النثرية العربية القديمة.

3- تاريخ القصة القصيرة جدا:

يبحث أحمد جاسم الحسين عن تاريخ القصة القصيرة جدا في بعده العربي، فيشير إلى وجود فريقين:” أحدهما يريد أن ينسبه للثقافة العربية في ظل حالة أمتنا التي تندب أمجادا ضائعة، وتبكي على واقع مأزوم… والفريق الآخر يلمح إلى أننا لم نأت بجديد وما نحن إلا مقلدون للغرب…!”
بيد أن أحمد جاسم الحسين يرى أن القصة القصيرة جدا فن عربي الطابع والبنية والقالب، وقد تولد بسبب الظروف الذاتية والموضوعية التي عاش في ظلها المبدع العربي، وذلك على الرغم من بعض الملامح الغربية لهذا الفن الجديد. وفي هذا النطاق، يقول الدارس:” بالتأكيد، هناك كتابات عالمية متنوعة لكتاب كثر يمكن أن تنضوي تحت إطار القصة القصيرة جدا، منها كتابات لــ(كافكا، وآلان روب غرييه، وفرجينيا وولف، و أو هنري…)، ولعل كتاب ناتالي ساروت(انفعالات) هو الصورة الأولى المترجمة إلى العربية، لكن حين نقرأ المقدمة نفاجأ قليلا، إذ كتب على أساس أنه رواية جديدة، وليس قصصا قصيرة جدا…مع أن المترجم وضع على صفحته الأولى (قصص قصيرة جدا).
ولعل وجود هذه النصوص لهذا الكاتب أو ذاك لا يجعلنا ننسب هذا الجنس للآخر، لأن الجنس المعني (القصة القصيرة جدا)، قد اكتسب شكلا وتقنية وبنية ودلالات عربية الطابع، وهي منتوج مجتمع عربي أوضحنا فيما سبق كثيرا من الظروف التي أسهمت في نشوئه وانتشاره، طبعا قد يكون بعض كتابها الأوائل استفادوا من تجارب أخرى، لكنهم لم يتابعوا الطريق، والذين تابعوه، وحققوا حضورا كتبوها بتأثير عربي خالص…ولم تكتب القصة القصيرة جدا كغيرها من الأجناس تحت وطأة التأثر بالغرب، أو تقليده بل انطلاقا من هم عربي، ورؤية عربية.”
ومن هنا، فقد انطلقت القصة القصيرة جدا عربيا في سوريا والعراق في بداية السبعينيات من القرن العشرين، وإن سبقت بإرهاصات حائرة…” وأول محاولة تنظير لها، وتحديد لبعض ملامحها، هي تلك المحاولة التي نشرت في ملف خاص بها تضمن رؤى نقدية ونصوصا (الموقف الأدبي/عدد آب/1974م) .
وتلت ذلك جهود عربية أخرى حديثة (محمد المخزنجي/مصر، ووليد الرجيب/الكويت…ومحمود شقير/فلسطين)، إضافة إلى جهود أخرى في بلاد عربية متعددة منها ما أتيح لنا أن نطلع عليه، ومنها ما ستتيحه لنا قابلات الأيام….”
وإذا انتقلنا – مثلا – إلى سورية، فقد تطورت القصة القصيرة جدا إلى مرحلتين: تمتد المرحلة الأولى من بداية السبعينيات حتى نهاية الثمانينيات، بينما تبدأ المرحلة الثانية مع التسعينيات من القرن الماضي. ” وتتكامل ظروف المرحلتين(فكريا وسياسيا واجتماعيا وتقنيا واقتصاديا)، وإن تبدت بعض الاختلافات إلا أنها اختلافات ضمن الصورة الكلية…
من حيث الإصدارات، فقد صدرت في المرحلتين مجاميع قصصية، وقصص ملحقة ببعض المجاميع، وقصص متفرقة راحت تظهر في كثير من الدوريات التي صارت تحرص على أن تحمل في أثناء كل عدد الكثير من القصص القصيرة جدا، خاصة خلال السنوات الأخيرة، وهذا تلازم مع شيوعها بحيث لم يعد بالإمكان تجاهلها، خاصة أنه صار لها كتاب كثر، وقراء يتابعونها أينما نشرت!
المرحلة الأولى: صدر فيها عدد من المجموعات القصصية عبر مراحل زمنية متباعدة، إضافة إلى عدد من القصص الملحقة بالمجموعات القصصية…أما القصص البكر التي حققت مفهوم القصة القصيرة جدا بمعناه النقدي فهي لوليد إخلاصي في مجموعته:” الدهشة في العيون القاسية” (1972م).أما المجموعة البكر في سورية فهي بلاشك مجموعة نبيل جديد :” الرقص فوق الأسطحة” (1976م).وتبع ذلك جهود لاحقة كتبها كل من زكريا تامر، ووليد معماري، وجميل حتمل، ونضال الصالح، وآخرين…”
ومن الذين كتبوا أيضا القصة القصيرة جدا في المرحلة الأولى نستدعي: محمود السعيد الذي أقحم الخاطرة والشعر والخبر الصحفي في كتاباته القصصية القصيرة جدا، كما أقحمها بسيل من الإنشائية والوصف المسهب. وهناك أيضا الكاتب طلعت سقيرق الذي ألف مجموعتين:” الخيمة” و” السكين”، إلا أنه – حسب الدارس- كان يكتب القصة القصيرة جدا في ضوء تقنيات القصة القصيرة، ولم يستطع التخلص منها فنيا وجماليا،على الرغم من إكثاره من الرموز والتكثيف والاقتصاد اللغوي.
ومن ثم، فقد تجاوزت القصة القصيرة جدا بسورية:” في نهاية هذه المرحلة التي دامت عقدين من الزمن؛ مرحلة الرضاعة والطفولة والمراهقة إلى مرحلة الشباب…أي: المرحلة الثانية حيث صارت أكثر استقرارا، أكثر شيوعا، أكثر نشرا، ونما قراؤها ومتابعوها وكتابها، وبالتأكيد مجموعاتها، وهاهي إنجازاتها تتوالى يوما بعد يوم؛ نشرا، وأمسيات، وانتشارا، ومحبة…!”
أما المرحلة الثانية من مراحل تطور القصة القصيرة جدا بسورية، فيبلغ عمرها:” سبع سنوات ، وقد عرفت هذه المرحلة بظروفها الخاصة سياسيا وتقنيا وفكريا واجتماعيا واقتصاديا، هذه الظروف التي تتكامل مع ظروف المرحلة السابقة، وقد نشر خلال تلك الفترة عشرات القصص القصيرة جدا في الدوريات المختلفة، وشكلت القصة القصيرة جدا سنة 1997م حضورا صحفيا خاصا…
أما المجموعات فهي : (” دفقة أخيرة” و ” قمر على بابل” لمحمد إبراهيم الحاج صالح ، و” أحلام عامل المطبعة” لمروان المصري، و” إيحاءات” لضياء قصبجي، و” همهمات ذاكرة” لأحمد جاسم الحسين ، و”ميت لا يموت” لنجيب كيالي)
إذاً،ست مجموعات صدرت في مرحلة قصيرة قياسا للمرحلة السابقة، وتلوح في الأفق عدة مجاميع قصصية قد تصدر هذا العام أو في العام المقبل، وأعتقد أن انتشارا أوسع سيكون في الأعوام القادمة…”
وبهذا، يكون أحمد جاسم الحسين قد سطر تاريخا عربيا لتطور القصة القصيرة جدا، إلا أن بداية القصة القصيرة جدا قد تكون عربية من حيث الأصول والجذور، فكثير من إرهاصات القصة القصيرة جدا موجودة في تراثنا العربي، كما في الخبر، والحديث، والنكتة، والطرفة، والنادرة…لكن تطورها الحديث مرتبط بشكل من الأشكال بتطور القصة القصيرة جدا في أمريكا اللاتينية في مرحلة مبكرة. ولكن لدينا رأي آخر هو أن جبران خليل جبران كتب القصة القصيرة جدا في وقت مبكر مابين 1914و1920م كما في :” المجنون” و” التائه” ، بل يمكن القول: إنه أب القصة القصيرة جدا بلا منازع.

خلاصة تركيبية:

وهكذا، نصل إلى أن كتاب أحمد جاسم الحسين :” القصة القصيرة جدا” هو أول كتاب في العالم العربي يعرف قراء العربية بفن أدبي جديد، ألا وهو فن القصة القصيرة جدا. ومازال القراء العرب يقفون منه مواقف متناقضة، فهناك من يدافع عنه جملة وتفصيلا، وهناك من يرفضه باسم المحافظة على الذوق الشعبي السائد، وهناك من ظل مترددا لا يعرف أن يضع قدميه، منتظرا الفرصة السانحة ليبدي رأيه بكل صراحة واقتناع.
علاوة على ذلك، فقد قدم أحمد جاسم الحسين تنظيرا للقصة القصيرة جدا، وذلك بالاعتماد على استقراء أركانها التي حصرها في أربعة مقومات أساسية: الجرأة، ووحدة الفكر والموضوع، والتكثيف، والقصصية. كما حدد لها مجموعة من التقنيات والعناصر والشروط التي قد تحضر في هذا الفن أو تغيب، كالرمزية، والتناص، والانزياح، والأسطورة،والمفاجأة، والإدهاش، والطرافة، وتشغيل الحيوان، والأنسنة، والمفارقة…
هذا، وقد قدم الدارس قراءات نقدية فنية ومرجعية وتاريخية وشعرية لمجموعة من النصوص التي تندرج ضمن جنس القصة القصيرة جدا، دون أن يبحث عن منهجية تقنية خاصة بهذا الجنس الأدبي الجديد، تحترم خصوصياته التعبيرية والدلالية والمقصدية. هذا، وقد ربط الدارس القصة القصيرة جدا بالتربة العربية توليدا ونشأة وبنية وقالبا وموضوعا، لكنه نسي أن للقصة القصيرة جدا بأمريكا اللاتينية تأثيرا كبيرا على كتاب القصة القصيرة جدا في عالمنا العربي. وقد أثبتنا أن القصة القصيرة جدا –عربيا- قد خرجت من معطف جبران خليل جبران، كما خرجت القصة القصيرة –غربيا- من معطف الكاتب الروسي غوغول Gogol.

الهوامش:

1-أحمد جاسم الحسين: القصة القصيرة جدا، دمشق،سورية، الطبعة الأولى سنة 1997م.
2 – أحمد جاسم الحسين: القصة القصيرة جدا، ص:11.
3- أحمد جاسم الحسين: نفس المرجع، ص:11.
4 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:18.
5 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:18-19.
6 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:22-23.
7 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:22-23.
8 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:27.
9 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:19.
10 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:25.
11 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:27.
12 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:39.
13 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:41.
14 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:42-48.
15 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:49-52.
16 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:55-56.
17 – د.جميل حمداوي: (من أجل مقاربة جديدة لنقد القصة القصيرة جدا(المقاربة الميكروسردية))، موقع دروبDoroob، موقع رقمي،
www.Doroob.com/p=36535.16/08/09.11.35
18 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:60-61.
19 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:61.
20 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:61.
21- أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:62-94.
22 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:98.
23 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:102-106.
24- أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:108.
25- أحمد جاسم الحسين: نفسه،ص:108-109.
26 – انظر: الموقف الأدبي، اتحاد كتاب العرب، دمشق، سورية. العدد:6-7-8، 1974م.
27 – أحمد جاسم الحسين: نفسه،ص:109.
28 – أحمد جاسم الحسين: نفسه،ص:110.
29 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:122.
30 – أحمد جاسم الحسين: نفسه، ص:122.
31 – جبران خليل جبران: المجنون، دار إحياء العلوم، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى بدون تاريخ.
32 – جبران خليل جبران: التائه، دار إحياء العلوم، الدار البيضاء، الطبعة الأولى بدون تاريخ للطبعة.

رأي واحد حول “القصة القصيرة جدا عند أحمد جاسم الحسين تنظيرا ونقدا

  1. العزيز جميل حمداوي
    بداية هنيئا لنا بتتويجك وهو تتويج سنظل نفتخر به ونعتز كثيرا
    اشتغالك أخي يعبد الطريق نحو مزيد من البحت والعمل الجاد ، فأنا مسرور جدا لهذه الحركة النشيطة سواء نقديا أو إعلاميا أو متابعات وقراءات نقدية بمختلف أنواعها وهي تواكب المنجز العربي والمغربي ، فالمغرب محضوض بهذه الحركية المباركة التي تبوؤه مرتبة مهمة في مجال كتابة القصة
    محبة لا تشيخ

اترك رد