أركان القصة القصيرة جدا ومكوناتها الداخلية

أركان القصة القصيرة جدا ومكوناتها الداخلية

د.جميل حمداوي

توطئــــة:

تستند المقاربة النقدية لفن القصة القصيرة جدا إلى عدة معايير ومقاييس نقدية، تنصب على الجوانب الدلالية والشكلية والبصرية. ومن هنا، تميز هذه المقاربة بين الأركان والشروط، أو بين المكونات الداخلية والتقنيات الخارجية، أو بين العناصر البنيوية التي تميز فن القصة القصيرة جدا، وتفرده عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى ، وبين المقاييس المشتركة التي تجمع هذا الفن الجديد والمستحدث مع باقي الفنون والآداب والمعارف العلمية.
وبناء على ماسبق، فقد حدد الدكتور أحمد جاسم الحسين مقومات القصة القصيرة جدا في كتابه: ” القصة القصيرة جدا”، وذلك في أربعة أركان أساسية، وهي:القصصية، والجرأة، والوحدة، والتكثيف .
أما الباحث السوري الأستاذ نبيل المجلي، فقد جمع خصائص القصة القصيرة جدا في أرجوزة على غرار منظومات النحو والفقه والحديث ، فحصر أهم مميزاتها في خمسة عناصر أساسية ألا وهي: الحكائية، والتكثيف، والوحدة، والمفارقة، وفعلية الجملة، فقال:

ســـرد قصير متناه في القصر
كالسهم، بل كالشهب تطلق الشرر
كتبـــــها الأوائل الكبـــــــــــار
وليس يدرى من هو المغــــــــوار
قد ميزتـــها خمسة الأركــــان
حكاية غنيــة المعــــــــــــــــــــاني
وبعدهــــا يلزمها التكثــــــيف
ووحـــــدة يحفظــــــــــــها حصيف
واشترط النـــاس لها المفارقه
وأن تكـــون للحدود فارقـــــــــــــه
وجملة فعليـــــــة بها كمـــــــل
بنـــــاؤها وحقه أن يكتمـــــــــــــــل

وإذا انتقلنا إلى المبدع السوري سليم عباسي، فقد حصر ملامح القصة القصيرة جدا في الحكائية، والمفارقة ، والسخرية، والتكثيف، واللجوء إلى الأنسنة، واستخدام الرمز والإيماء والتلميح والإيهام، والاعتماد على الخاتمة المتوهجة الواخزة المحيرة، وطرافة اللقطة، واختيار العنوان الذي يحفظ للخاتمة صدمتها ، وقد ذكر هذه الملامح في الغلاف الخارجي الخلفي من مجموعته القصصية :” البيت بيتك”.
ويتبين لنا من كل هذا أن سليم عباسي يخلط بين الأركان والشروط، أو بين الثوابت الجوهرية والتقنيات الخارجية التي تشترك فيها القصة القصيرة جدا مع القصة القصيرة والرواية والفنون السردية الأخرى.
أما الناقدة الدكتورة لبانة الموشح ، فتحصر عناصر القصة القصيرة جدا في: الحكاية، والتكثيف، والإدهاش.
ويرى لويس بريرا ليناريس أن للقصة القصيرة جدا مجموعة من المؤشرات، وهي:
• حضور عنصر الدهشة.
• العلاقة بين العنوان والحبكة والنهاية.
• تركيب الجمل داخل النص.
• اجتناب الشرح أو التوسع.
• تنوع النهاية.
• القاعدة السردية.
• النص القصير جدا ليس نكتة.
أما الناقد الأرجنتيني راوول براسكا، فيحصر مميزات القصة القصيرة جدا في ثلاثة أركان جوهرية ، وهي:
• الثنائية: وتتمثل في وجود عالمين أو حالتين متقابلتين في النص القصصي(حلم/يقظة، صورة حقيقية/ صورة معكوسة،…الخ). قد تحدث الثنائية بتحول مفاجئ في وجهة نظر الراوي، أو بتقديم روايتين مختلفتين لنفس الحدث.
• المرجعية التناصية؛
• انزياح المعنى.

وترى الناقدة الفنزويلية بيوليطا روخو أن للقصة القصيرة جدا مجموعة من المكونات الرئيسية، وهي:
• المساحة النصية.
• الحبكة.
• البنية.
• الأسلوب.
• التناص.

أضف إلى ذلك، فقد ذهب الناقد المكسيكي لاوروز زافالا إلى أن خصائص القصة القصيرة جدا هي:
• الإيجاز.
• الإيحاء.
• التناص.
• الطابع التقطيعي.
• الطابع الديداكتيكي.

ومن هنا، نفهم أن للقصة القصيرة جدا أركانها الأساسية وشروطها التكميلية. ويمكن استجماع تلك الأركان والشروط في المباحث التالية:

المبحث الأول: المعيار الطبوغرافي:

نعني بالمعيار الطبوغرافي كل ما يتعلق بتنظيم الصفحة تبييضا وتسويدا، وكل ماتحويه من مؤشرات أيقونية وبصرية وعلامات سيميائية تشكيلية.وفي هذا السياق بالذات، يمكن الحديث عن بعض الأركان الطبوغرافية التي يمكن حصرها في المقاييس النقدية التالية:

1- مقياس القصر:

ينبغي أن تتخذ القصة القصيرة جدا حجما محدودا من الكلمات والجمل ، وألا تتعدى مائة كلمة في غالب الأحوال. أي : خمسة أسطر على الأقل، وصفحة واحدة على الأكثر، لكي لاتتحول إلى أقصوصة أو قصة قصيرة أو رواية بنفسها السردي المسهب والموسع. ويعني هذا أن يحترم الكاتب حجم هذا الفن المستحدث، وألا يتعدى نصف صفحة، ويختار الجمل ذات الفواصل القصيرة، والجمل البسيطة من حيث البنية التركيبية ذات المحمول الواحد.
وهذا الحجم القصير جدا هو الميسم الحقيقي لهذا الجنس الأدبي الجديد، الذي ظهر ليواكب التطورات السريعة التي عرفها العالم بصفة عامة، والمجتمع المغربي والعربي بصفة خاصة. كما يستجيب هذا الحجم المحدود ، من حيث الأسطر والكلمات، مع سرعة الإيقاع الواقعي، وكثرة مشاغل الإنسان، وتخبطه في أزمات يومية ومشاكل كثيرة، يستوجبها الظرف الزمني المعاصر؛ مما يجعل المتلقي أو القارئ لا يستطيع أن يقرأ الأعمال الأدبية الإبداعية الطويلة والمسترسلة. لذلك، يلتجئ إلى القصة القصيرة والقصيرة جدا.
ولقد صدق القاص الفنزويلي لويس بريتو غارسيا حينما قال:” نمر بسرعة من دراما الكتاكالي التي يدوم عرضها ثلاثة أيام، إلى التراجيديا الإغريقية التي تستمر ليلة كاملة، إلى الأوبرا التي تستغرق خمس ساعات، إلى الفيلم الذي يدوم ساعة ونصف، إلى حلقة المسلسل من عشرين دقيقة، إلى الفيديو كليب من خمس دقائق، إلى الوصلة الإشهارية من عشرين ثانية، ثم القصة القصيرة جدا من ثانية واحدة”
ونلاحظ أن كثيرا من الكتاب لا يعرفون كيف يتحكمون في خاصية التكثيف والاقتضاب، فيطولون من قصصهم توسيعا وتمطيطا، حتى تصبح نصوصهم المتخمة بالاستطرادات والحشو الزائد أقرب من القصة القصيرة أو الرواية القصيرة جدا. وبهذا، التطويل يعكر الكاتب صفو هذا الفن الجديد، ويميعه فنيا وجماليا. لذا، يستسهل كثير من الكتاب هذا الفن، ويعتبرونه مطية سهلة، يمكن تطويعها في أية لحظة، استعد لها الكاتب أو لم يستعد. والآتي، يركبها الجميع، حتى الفاشلون من المبتدئين والمجربين والمستسهلين في مجال الكتابة الشعرية والسردية والدرامية.
ويعتبر القاص المغربي حسن برطال في مجموعته: ” أبراج” من أكثر كتاب القصة القصيرة احتراما للحجم القصير جدا ، ومن أمثلة ذلك هذه القصة التي لاتتعدى سطرا واحدا:” شرب من الماء… ولما علق العود بحلقه أدرك أنه في عين الحسود…”
أما قصص مصطفى لغتيري في :” مظلة في قبر”، فتتسم بحجمها المتوسط الذي لا يتجاوز نصف صفحة، ماعدا نصين يستغرقان تقريبا الصفحة الكاملة، وهما: “الأسير”، و”كابوس”.
أما نصوص الزهرة رميج في مجموعتها القصصية القصيرة جدا:”عندما يومض البرق” ، فتتميز في معظمها بالطول المسهب، والانسياب المسترسل، وتستغرق صفحة كاملة، كما يتضح ذلك جليا في قصتها: “واجهة”:

” كل الطلبة منهمكون في الإجابة عن أسئلة الامتحان ماعداها.آخرون يحاولون… لكنها أكثرهم إصرارا.
تحرك رأسها في كل اتجاه…تهمس إلى مجاوريها، فينهرها الأستاذ:
– إذا كان غطاء رأسك يحول دون سماعك لصوتك، فإن أذني تسمعان دبيب النمل!
الوقت يمر وهي على حالها ، تتربص بإجابات الآخرين تربص الوحش بفريسته.
لم يبق الآن، سوى بعض الطلبة المتناثرين في القاعة. دائرة فارغة تحيط بها…لا أمل في تلك اللحظة الأخيرة التي يختلط فيها الحابل بالنابل!…
أخيرا، سلمت الأستاذ ورقة تحريرها.ارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة وهو يقرأ ما كتبته أعلى الصفحة بخط عريض أحمر:” بسم الله الرحمن الرحيم.عليه توكلت وهو المعين”.”

وعليه، فهناك ثلاثة أنواع من الكتابة في مجال القصة القصيرة جدا على مستوى الحجم: كتابة قصيرة جدا، وكتابة متوسطة، وكتابة طويلة ومسترسلة.

2- مقياس الترقيم:

من أهم مكونات القصة القصيرة جدا الاهتمام بعلامة الترقيم، وتطويعها سيميائيا لخدمة أغراض الكاتب، ونواياه الإبداعية والتصورية . ونلاحظ في الكثير من المجموعات القصصية القصيرة جدا ثلاث ظواهر بارزة:
أولا: هناك من يتحرر من علامات الترقيم ، ويرفض الوقفات المفرملة، والفواصل المسيجة التي تحد من التدفقات الشعورية والتعبيرية، ويتمرد عن ضوابطها ثورة وانزياحا وجرأة، كما في قصة:” بدون” لعز الدين الماعزي:” دخل الحمام بقفته الفوطة الملابس الداخلية صابونة مشطا محكا وشامبوان…
نزع ملابسه ثوبا ثوبا ودخل للاستحمام.
جاء الكسال دعك أطرافه جره جذبه ثناه طواه حمله وضعه أسنده كتم أنفاسه أفرغ عليه الماء وخرج التفت وجد نفسه بدون….”

ثانيا: هناك من يحترم علامات الترقيم أيما احترام، ويستخدم وقفاتها الإملائية ، وذلك في سياقاتها الملائمة، ويضعها في أماكنها المناسبة، كما في قصص : ” الخيل والليل” للحسين زروق:

” الابن: أماه أين أبي؟
الأم: مسافر ياولدي.
الابن: ومتى سيعود أماه؟
الأم: لاأدري ياولدي.
وبعد شهور…ومع استمرار الحرب.
الابن: أماه لماذا لم يعد أبي؟
الأم: لاأدري ياولدي.
بعد سنة…والحرب تزداد شراستها…
الابن: لماذا لانسافر أيضا يا أماه؟
الأم: ربما نفعل يا ولدي.
الابن: ومتى يا أماه؟
الأم: لا أدري يا ولدي.
وفي أول غارة كان القصد منها شل الحركة الطبيعية للأحياء سافر الابن ولم تضع الأم مزيدا من الوقت… بل سارعت لشراء تذكرة سفر… صارت تملك بندقية”

ثالثا:هناك من يوفق بين الاتجاهين احتراما وتحررا. أي : يتصرف في هذه العلامات الترقيمية، ويطوعها لأغراض فنية وجمالية ومقصدية، ويكتفي ببعض العلامات تركيزا وتبئيرا، مثل: علامات الحذف والفاصلة ، كما هو حال فاطمة بوزيان في مجموعتها القصصية:” ميريندا”:

” كان يوسف يحب الطائرات…
سمع الكبار يتحدثون عن طائرات دمرت أبراجا عالية فمزقها
وأحب يوسف صناعة الزوارق…
سمعهم يتحدثون عن زوارق الموت فأغرقها في الماء
راح يلعب في سيارات صغيرة…رأى في التلفزة سيارات تنفجر ودماء ودموعا فهجر اللعب، وقال إخوته:
– كبر يوسف!”

ويلاحظ كذلك أن كثيرا من كتاب القصة القصيرة جدا يكثرون من علامات الحذف الثلاث والفاصلة، وذلك من أجل تحقيق التكثيف والإيجاز والاقتضاب ، وخلق الجمل القصيرة المتراكبة والمتتابعة سرعة وإيقاعا.
فالكاتب عزالدين الماعزي في مجموعته:” حب على طريقة الكبار” يميل كثيرا إلى الإضمار والحذف ، وذلك عن طريق تغييب علامات الترقيم التي لا تظهر إلا في حالات قليلة. أما أهم علامة تحضر لديه بشكل لافت للانتباه هي علامة الحذف بنقطها الثلاث. وهذه الخاصية الترقيمية إن دلت على شيء، فإنما تدل على الإيحاء والتلميح والإخفاء ، وإسكات لغة البوح والاعتراف والامتناع ، وذلك عن توضيح الواضح وفضح الفاضح. والآتي، أن هذه العلامة الترقيمية تحرك مخيلة القارئ، وتحفزه على التفكير والتخييل، والإجابة عن الألغاز المطروحة، وذلك في سياقاتها المرجعية وأبعادها الانتقادية.
هذا، ويشغل عبد الله المتقي في مجموعته:” الكرسي الأزرق” علامات الحذف الثلاث ، مع توظيف علامة الاستفهام قصد دفع القارئ إلى التخييل ، وتدبر الجواب، وملء الفراغات بأجوبته الافتراضية والممكنة، كما في قصته التي تدور حول السينما التي يهرب إليها الشباب والكبار على حد سواء ، للتنفيس عن مكبوتاتهم، والالتحام مع الخطاب الجسدي الذي يجسده الفيلم السينمائي. وهنا ، تتحول قاعة السينما إلى فضاء الاستهتار والاستمناء:” أطفئت مصابيح القاعة….خيم الصمت….وبدأت أحداث الشريط الفاحشة….الأجساد العارية….القبل….مايشبه اللهاث….و…. سقطت نقطة ساخنة على حافة صلعته…تحسسها بأصابعه…كانت لزجة ودافئة…
– تفو!
– وانسحب من القاعة….
– فقط، كان يشعر بتفاهته”.
و نجد حسن برطال أيضا في مجموعته ” أبراج” يكثر من علامات الحذف، والنقط المتتالية الدالة على حذف المنطوق، واختيار لغة الصمت والتلميح، بدلا من التوضيح وتفصيح ماهو واضح؛ لأن الواضحات كما يقال من الفاضحات. وتعمل نقط الحذف على إثارة المتلقي، ودفعه إلى التخييل ، وتصور المحتمل، والبحث عن الجواب الصحيح ، وإيجاد الحلول الممكنة للأسئلة المطروحة؛ لأن الأسئلة كما يقول الفيلسوف كارل ياسبرز أهم من الأجوبة.
ويكثر الكاتب المغربي حسن برطال من نقط الحذف لخلق بلاغة الإضمار والصمت، بدلا من بلاغة الاعتراف والبوح التي نجدها كثيرا في الكتابات الكلاسيكية شعرا ونثرا. يقول الكاتب متوكئا على بلاغة الحذف ، ملمّحا إلى الموت المحتوم، وبشاعة القتل البشري:” قابيل دفن أخاه…الغراب دفن أخاه….والذي قتل بغداد دفن نفسه”.
هذا، ويستلزم الفراغ النقطي قارئا ذكيا لما يكتبه حسن برطال؛ لأن قصصه قنابل موقوتة، يمكن أن تنفجر في أية لحظة، يحتك فيها المتلقي بأسلاك قصصه القصيرة جدا، والتي على الرغم من حجمها الكبسولي، تحمل في طياتها أسئلة كثيرة ، وقضايا إنسانية شائكة.
ويلاحظ في مجموعة” ميريندا” لفاطمة بوزيان ظاهرة الانسياب السردي، والتحرر من علامات الترقيم التي تتحول إلى علامات معطلة وسالبة في كثير من الأحيان ، أو تتحول إلى علامات الحذف والإضمار كما في قصة:” ماسنجر” مثلا.
والسبب في تعطيل علامات الترقيم في كثير من قصص المجموعة، ربما يعود إلى رغبة الكاتبة في التحرر من شرنقة الإملاء، والتخلص من الفواصل المفرملة للأفكار والعواطف، والانسياق أيضا وراء اللاشعور الوجداني الذاتي، مع ترك التخيلات السردية تنساب بدون تقييد، أو وضع للحواجز التي تكبح اللغة، وتحد من تسلسل المعاني.

4- مقياس التنوع الفضائي:

تتنوع الفضاءات البصرية للقصة القصيرة جدا إلى فضاءات متنوعة، حيث يمكن تصنيفها حسب الشكل التالي:

– فضاء الجملة الواحدة: كما في قصة :” المستبد” لجميل حمداوي:” استيقظ الحاكم المستبد،يوما، فلم يجد شعبه…” ؛
– الفضاء المسردن: وهو الغالب على القصة القصيرة جدا، كما في هذه القصة السردية التي يطغى فيها السواد على البياض:

” ينظر مليا إلى رسم كاريكاتوري على جريدة ويبتسم
” حذاء الوزارة على رأس النيابة، حذاء النيابة على رأس المدرسة،
حذاء المدرسة على رأس الأب…” فإذا بحذاء الأب يكاد يقتلع رأسه:
– ” نوض تحفظ المسخوط”

– فضاء القصيدة الشعرية: مثل ما نجد عند سعيد بوكرامي، الذي كتب قصة قصيرة جدا تشبه الشعر المنثور:

” عاد بلحية خفيفة كغيفارا
أحب أن يعود طبيبا
لكن موسكو تريده أن يعود
في نعش.
صامت يبتسم وحين يتعب
يتشرد في الذكريات
لماذا تحول إلى نحورنا؟”

– فضاء الكتابة الدرامية: كما في هذه القصة للحسين زروق، وهي من مجموعته : ” الخيل والليل”:

” الابن: أماه أين أبي؟
الأم: مسافر ياولدي.
الابن: ومتى سيعود أماه؟
الأم: لاأدري ياولدي.
وبعد شهور…ومع استمرار الحرب.
الابن: أماه لماذا لم يعد أبي؟
الأم: لاأدري ياولدي.
بعد سنة…والحرب تزداد شراستها…
الابن: لماذا لانسافر أيضا يا أماه؟
الأم: ربما نفعل يا ولدي.
الابن: ومتى يا أماه؟
الأم: لا أدري يا ولدي.
وفي أول غارة كان القصد منها شل الحركة الطبيعية للأحياء سافر الابن ولم تضع الأم مزيدا من الوقت… بل سارعت لشراء تذكرة سفر… صارت تملك بندقية” .
– الفضاء الشذري أو المتقطع: يتراوح الفضاء في القصة القصيرة جدا بين فضاء كبسولي متجمع في وحدة منسجمة ومتسقة، و فضاء متقطع ومتشذر في مقطوعات ومتواليات سردية متجزئة، كما في مجموعة الحسين زروق:” الخيل والليل”.
ونعني بالتقطيع البصري عملية التجزيء والتشذير والتقسيم . أي: تقطيع القصة القصيرة جدا، إما بتقسيمـها إلى مقاطع نووية متكاملة فيما بينها دلالة ومقصدية، وإما تقطيع الكلمات إلى حروف وأصوات ومورفيمات لسانية.
فهذه الكاتبة المغربية وفاء الحمري تستعين بالتشكيل الحروفي المتقطع، كما في قصة :” كتاب”:

” قرأ الكتاب العالمي (كيف تصبح مليونيرا) إلى نهايته…
وضعه برفق تحت الحصير…
بحث على ضوء شمعة عن كتاب الواقع
قرأ ماتيسر منه
و
ن
ا
م”
ويقع التقطيع عن طريق تمديد الكلمات، وتوسيعها تشكيلا ودلالة، كما فعلت الكاتبة المغربية سعدية باحدة ، حينما مددت من الكلمات والحروف بصريا وأيقونيا ، للتعبير عن سخريتها وانفعالاتها وموقفها من الأحداث المروية، كما يظهر ذلك جليا في قصة:”جرد”، وقصة” انتكاس”:

” هنااااااااااااااااااااااااااااك
مازالت بينيلوب مشتعلة/منشغلة

وتلمبع طيور أل فرح الصدئة…
منخووووووووووووووووورة
مت ———————-عبة
…”
إذا، ثمة فضاءان أساسيان: فضاء كبسولي متسق ومنسجم عضويا وموضوعيا، وفضاء متشذر ومتقطع كتابة ومتوالية.

المبحث الثاني: المعيار السردي:

يرتكز المعيار الشكلي أو الفني أو الجمالي لفن القصة القصيرة جدا على مجموعة من المقاييس، التي يخضع لها هذا الفن المستحدث في أدبنا العربي الحديث والمعاصر. ومن أهم المقاييس التي ينبني عليها المعيار الشكلي، نستحضر المقاييس الفنية التالية:

1- مقياس القصصية:

تشترك القصة القصيرة مع باقي الفنون السردية، كالأقصوصة والقصة القصيرة والرواية والرواية القصيرة، في الانطلاق من الفكرة، ومعالجتها من خلال أحداث مركزة، تؤديها عوامل وشخوص معينة وغير معينة ، وذلك في أفضية محددة أو مطلقة ، مع الاستعانة بالأوصاف المكثفة أو المسهبة ، وذلك عبر منظور سردي معين ، ضمن قالب زمني متسلسل أو متقاطع أو هابط سرعة وبطءا ، مع انتقاء سجلات لغوية وأسلوبية معينة، للتعبير عن رؤية فلسفية ومرجعية معينة.
وإذا افتقدت القصة القصيرة جدا مقوماتها الحكائية، فإنها تتحول إلى خاطرة أو مذكرة انطباعية أو نثيرة شعرية…
ومن شروط هذه القصة أن تخضع لفاعلية القراءة، ومستلزمات الاتساق والانسجام والبناء الحجاجي مراعاة أو انتهاكا.
وهكذا، تكتمل – مثلا – في مجموعة عزالدين الماعزي النزعة القصصية، والتخطيب السردي الحكائي. ونعني بهذا أن قصصه الرمزية والتقريرية معا تتوفر فيهما الحبكة السردية والنزعة القصصية، وذلك بمكوناتها الخمس: الاستهلال السردي، والعقدة الدرامية، والصراع، والحل ، والنهاية . وقد تكون هذه النهاية مغلقة معطاة، أو مفتوحة يرجى من القارئ أن يملأ فراغ البياض ونقط الحذف ، وذلك عن طريق التخييل والتصوير، واقتراح الحلول الممكنة. ويا للعجب العجاب! فما تقوله قصة من قصص الماعزي الموجزة في أربعة أسطر أو صفحة واحدة من الحجم المتوسط،تعجز كثير من الروايات الكلاسيكية والحداثية بصفحاتها الطويلة، ومجلداتها المتسلسلة، أن تقوله بوضوح و جلاء وروح شاعرية فكاهية مقنعة. ومن هنا، نرى أن القصة القصيرة جدا ستكون جنس المستقبل بلا منازع، مع التطور السريع للحياة البشرية، والاختراعات الرقمية الهائلة، وسرعة الإيقاع في التعامل مع الأشياء، وكل المعنويات الذهنية والروحية.
ومن أمثلة النزعة القصصية المحبكة بشكل متكامل ، وذلك في صياغة الأحداث، والشخصيات، والفضاء، والوصف، والمنظور، والزمن، والسجلات اللغوية، نذكر قصة: (حذاء شطايبه):” يضع شطايبه قبعته نظارته السوداء يهيم في الشارع يخيط بعينيه أرداف الفتيات ويمسح غبار الأزقة وكراسي المقاهي.
لا يدري شطايبه الذي أصابه إنه قلق منقبض كتوم…
شطايبه يضع صندوقه في يده يتابع سيره بين المقاهي يتطلع إلى الأحذية التي تود المسح… وهو في طريقه يصطدم مع كلب هو الآخر يبحث عن عظمة أو فتات أمام باب مقهى يلتفت إليه ينهره يرفع رجله ليضربه يرفع الكلب أذنه تظهر أنيابه يفتح فاه يزمجر الطفل يغضب الكلب يرفع رجله يتلقاه الكلب فيلقم حذاءه يهرب الكلب بالحذاء يرمي شطايبه الصندوق يجري ويجري يضيع الصندوق والحذاء…”
ويبدو لنا أن هذه القصة تتوفر على مقومات الحبكة القصصية من أحداث، وفواعل، وفضاء سردي، ومنظور، ووصف، وأسلبة، وتزمين.

2- مقياس التركيز:

نعني بخاصية التركيز أن تنبني القصة القصيرة جدا على الوظائف الأساسية والأفعال النووية، مع الاستغناء عن الوظائف الثانوية والأفعال التكميلية الزائدة والأجواء المؤشرة الملحقة والقرائن الظرفية المسهبة. أي: ينبغي على المبدع أن يشذب الزوائد المعيقة، ويبعد عن نصه كل الفضلات والملحقات التي لاتخدم الحبكة القصصية بأي حال من الأحوال. ويعني هذا أنه من الأفضل للمبدع أن يركز على الأفعال الإسنادية التي تكون بمثابة العمدة، ويجتنب قدر الإمكان الفضلات القائمة على التوسيع والإسهاب والتمطيط. كما ينبغي عليه أن يبتعد قدر الإمكان عن التفصيلات المتشعبة، ويكتفي إن اقتضى الأمر بالتفصيلات الجزئية المختزلة التي تخدم النص.
وإذا تأملنا قصة ” فرح” لمصطفى لغتيري المأخوذة من مجموعته القصصية القصيرة جدا:” تسونامي” ، فإننا نجد أنفسنا أمام وظائف أساسية، وأفعال إسنادية عمدة، تتشكل في أغلبها من أفعال ماضية تامة أو ناقصة: أعد- انتظر- تأجل- حل- كان- تعفن…بدون استزادة إسهابية أو استطرادية في التفصيل أو الحشد اللغوي.
وقصة:” فرح ” هي على الشكل التالي: ” قبيل حلول العيد، أعد نفسه للفرح…مساء انتظر كباقي الناس ظهور الهلال، لكنه لم يظهر، فتأجل العيد يوما واحدا…
حين حل العيد كان الفرح قد تعفن.”
ونجد هذا التركيز جليا في أقصر قصة قصيرة كتبت في التاريخ، وهي للكاتب الغواتيمالي أوغسطو مونتيروسو:” عندما استيقظ ، كان الديناصور لايزال هناك” .
لم يستعمل الكاتب في هذه القصة إلا فعلين أساسين في تشكيل قصته وتحبيكها، مع العلم أن الفعل ” كان” مجرد رابطة مساعدة دالة على زمنية الفعل الماضي. وهذه القصة في الحقيقة تمثل قمة التركيز، كما تحمل في طياتها دلالات عدة منفتحة وموحية.

3- مقياس التنكير:

إذا كان الكثير من الروايات والقصص القصيرة الواقعية والرومانسية تحمل أسماء علمية محددة بدقة، تعبر عن كينونات وذوات إنسانية مرصودة ، وذلك من خلال رؤى فزيولوجية ونفسية واجتماعية وأخلاقية، فإن القصة القصيرة جدا تتخلص من هذه الأسماء الشخوصية العلمية المعرفة ؛ فتصبح ذواتا مجهولة نكرة. وبالتالي، تتحول في عصر العولمة إلى كائنات معلبة ومستلبة ومشيأة ومرقمة بدون هوية ولا كينونة وجودية ، وتبقى أيضا بدون حمولات إنسانية. أضف إلى ذلك، فالإنسان في زماننا هذا قد امتسخ وتحجر، وصار كائنا كروتيسكيا متوحشا يخيف الآخرين ، وصار ذئبا لأخيه الإنسان، كما قال الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز.
وربما يكون هذا التنكير الشخوصي راجعا إلى تطابق الذات القصصية مع ذات المبدع، التي أصبحت بدورها ذاتا مهمشة وممزقة وضائعة بين سراديب هذا الكون الشاسع، الذي تقزمت فيه كثير من الذوات، وتضآلت قيميا وحضاريا وماديا ووجوديا وثقافيا.
وفي هذا النطاق، يقول رشيد البوشاري في قصة:” ملل”، مستعملا مقياس التنكير، وتغييب الشخصيات، مختفيا وراء ضمير الغائب، والتواري وراء الرؤية من الخلف المحايدة:” انتهى منه العمل بعد الستين…فامتطى صهوة زمنه المتبقي، يسافر بعيدا عن فكرة الفراغ.
على أريكته المهترئة، جلس يراقب مركبه الرابض قرب الصخور والأمواج تتقاذفه…أحس بالحنين لأيام العمل، لكن عجزه وقوة الحياة جعلاه يكتفي بمشاهدة مركبه وهو يتمسك بحبل النجاة.
استسلم العجوز لرتابة الزمن، وقرر الموت في حضن الفراغ وعلى أريكة الملل”.
ويقول عبد الدائم السلامي في حديثه عن الشخصيات، وتركيزه على مقياس التنكير في مجموعتي مصطفى لغتيري وعبد الله المتقي:”إن قراءة متأنية لقصص الكتابين تظهر لنا أن شخصياتها تتنوع كثرة وأفعالا ومآلا، فقصص :” الكرسي الأزرق” تتوفر على مائة وتسع عشرة شخصية، منها مائة وتسع شخصيات لاتحمل اسما علما، وأغلبها معرف بالإضافة أو بالألف واللام ، ولكنها فاعلة في المغامرة مشاركة فيها، ونسبتها 91.6% ، وعشر شخصيات عينها الكاتب بأسماء معلومة، غير أنها في الغالب الأعم جاءت باهتة عرضا في المغامرة، قليلة الفعل فيها، ونسبتها 8.4%.
وتتضمن قصص:”مظلة في قبر” مائة وإحدى عشرة شخصية، منها اثنتان وتسعون شخصية غير معرفة، ولها فعلها في المغامرة، ونسبتها 82.9% ، وتسع عشرة شخصية تحمل اسما علما، وهي على غرار شخصيات قصص:”الكرسي الأزرق”، يوردها الراوي دون أن سيند إليها أفعالا في الحكاية إلا نادرا ، بما يسمها بميسم المساعدة في سيرورة الحكاية لاغير، نسبتها 17.1%.”
وحينما ترد هذه الشخصيات المغيبة النكرة، فإنها ترد كضمائر إحالة مثل: خرج- عاد- فترجل، إنه….
أو ترد بأدوارها الاجتماعية، مثل: الشرطي- المدرس- الأب- الجد- مدير البنك- الأستاذ- الطبيب- السائق…

4- مقياس التنكيت والتلغيز:

تتحول مجموعة من القصص القصيرة جدا إلى أحداث ملغزة أو من باب التنكيت والترفيه، ليترك المبدع القارئ دائما يتسلح بالبياض لملء الفراغ. ويعني هذا أن قصص حسن برطال – مثلا- عبارة عن ألغاز معقدة، تثير إشكاليات مفتوحة ، من الصعب بمكان أن نجد لها حلا بسهولة، أو نبحث لها عن إجابات نهائية محددة شافية:” هاجر الابن…ثم هاجرت الأم…وتبعهما الأب…
ولما عادت الأسرة من المهجر وجدت البيت قد هاجر” .
وفي سياق آخر، يقول معتمدا على التلغيز:” بفضل المظلات والواقيات الشمسية….لم تعد
هناك رواية” رجال الشمس”
بل كل الرجال يعيشون في
الظل روايات…”
ونلاحظ في هذه القصص الملغزة الموجزة أن النص غير مكتمل، يحتاج إلى توضيح وتفسير، لابد أن يملأ المتقبل فراغه بالجواب والتأويل ، وذلك حسب السياق المرجعي الذي يعيشه ذلك المتلقي الضمني.
ومن النكت المثيرة ماكتبه حسن برطال في مجموعته:” أبراج” :” تحول ” مسمار جحا” من فكرة في رأسه
إلى ” مسمار الكيف” في قدمه…
ليعرقل مسيرته الشيطانية”
ونستنتج من كل هذا أن التلغيز والتنكيت من المكونات الضرورية لانبناء القصة القصيرة جدا، وانكتابها فنيا وجماليا ووظيفيا.

5- مقياس الاقتضاب:

إذا كانت الرواية الواقعية تسهب في الوصف تطويلا واستطرادا وحشوا ، كما عند بلزاك ، و فلوبير، و ستاندال، و موباسان، ونجيب محفوظ، وعبد الكريم غلاب، ومبارك ربيع،… فإن من أهم المكونات الأساسية للقصة القصيرة جدا الاقتضاب في الوصف ، وذلك عن طريق الابتعاد عن الحشو الزائد، وتجنب الاستطرادات الوصفية والتأملات الشاعرية، وتفادي التكرار اللفظي والمعنوي، والتقليل من النعوت والصفات ، والابتعاد عن التمطيط في التصوير الوصفي صفحات وصفحات. ومن هنا، فلابد من عملية الاقتضاب في الوصف تشذيبا وانتقاء ، ولابد من الاقتصاد فيه إيجازا واختزالا وتدقيقا.
وفي هذه الحالة، لاينبغي للمبدع أن يستخدم في قصصه القصيرة جدا الأوصاف، إلا إذا كانت معبرة تخدم السياق القصصي خدمة دلالية وفنية ومقصدية ، وألا يتحول الوصف إلى حشو زائد، كما نجد ذلك في الكثير من القصص القريبة إلى نفس الرواية والقصة القصيرة.
فإذا أخذنا هذا النموذج القصصي الذي يحسب على القصة القصيرة جدا ، فقد نجده أقرب إلى القصة القصيرة والرواية منه إلى نفس القصة القصيرة جدا ؛ وذلك بسبب كثرة الأوصاف والنعوت والأحوال وأسماء التفضيل. في حين ، يشترط في القصة القصيرة جدا التركيز على الوصف المقتضب والموجز ، مع إلغاء الزوائد اللغوية المعيقة، وتشذيب الأوصاف المسترسلة المسهبة. وفي هذا السياق، تقول الزهرة رميج في قصة:” النادل”:

” تحول فضاء الفيلا الفخمة إلى حديقة تفوح منها روائح أغلى العطور وتينع فيها أجساد أجمل النساء.
كان الحفل في أوجه. إيقاع الموسيقى يزداد ارتفاعا والأجساد حرارة وعريا.عندما توقف النادل الشاب ذو البدلة الرسمية الأنيقة عند إحدى الموائد ، كانت صاحبة الجسد الممتلئ والصدر شبه العاري تحكي نكتة ماجنة. استمرت في الحكي بعدما سحبت نفسا عميقا من سيجارتها الفخمة ونفخت الدخان الذي ارتطم بوجهه وهو ينحني ليقدم لها الشاي…
تابع النادل طريقه على المائدة المجاورة.قالت إحدى الحاضرات وهي تكاد تنفجر من الضحك:
– ألم تخجلي وأنت تحكين النكتة أمام الرجل؟
أجابت وهي تنظر حولها في استغراب:
– أي رجل؟!”

ولا يعني هذا ألا يستخدم الكاتب النعوت والأوصاف ، بل عليه أن ينتقي الصفات الملائمة والمناسبة ، ويحتكم إلى مقياس التركيز والتدقيق، فيختار ما يخدم السياق النصي ، وينفع عقدة القصة ، ويوتر أزمتها ، ويثير القارئ، ويصدمه بشكل مربك ومدهش، ويفاجئه بوقع القصة، فتتحول النعوت والصفات المنتقاة إلى مؤشرات فاعلة وصادمة وواخزة ، كأننا أمام لقطة سينمائية مرعبة ومثيرة ومدهشة ، كما في قصة:”الخطيئة” لمصطفى لغتيري:

” بخطى واثقة، توجه ” نيوتن” نحو شجرة…
توقف تحتها، وطفق يتأمل ثمارها…
أحست تفاحة بوجوده فارتعبت…
ألقى في روعها أنه آدم يوشك، ثانية، أن يرتكب فعل الخطيئة…
حين طال مكوثه، انتفضت التفاحة فزعة، فانكسر سويقها…
هوت على الأرض، واستقرت هامدة بالقرب من قدميه.”

يلاحظ على هذه القصة القصيرة جدا أنها كبسولة مقتضبة، وذلك من حيث الوصف والتصوير ، إذ ترد نعوتها القليلة لتشخص لنا حدثا دراميا متوترا. لذا، يحسن الكاتب تشغيل منظومته الوصفية، وذلك على الرغم من اقتضابها وإيجازها.

6- مقياس التكثيف:

نعني بتكثيف القصة اختزال الأحداث، وتلخيصها، وتجميعها في أفعال رئيسية، وأحداث نووية مركزة بسيطة، والتخلي عن الوظائف الثانوية التكميلية، والابتعاد عن الأوصاف المسهبة، أو التمطيط في وصف الأجواء.
ونفهم من هنا، أن القصة لابد أن تخضع لخاصية الاختزال والتركيز ، وتجميع أكبر عدد ممكن من الأحداث والجمل ، وذلك في رقعة طبوغرافية محددة، ومساحة فضائية قصيرة جدا. ولا يكون التكثيف – هنا- فقط على مستوى تجميع الجمل والكلمات، بل يكون أيضا على المستوى الدلالي، فتحمل القصة تأويلات عدة، وقراءات ممكنة ومفتوحة.
ويعد التكثيف أيضا من أهم عناصر القصة القصيرة جدا، ويشترط فيه الدكتور يوسف حطيني: ” ألا يكون مخلا بالرؤى أو الشخصيات، وهو الذي يحدد مهارة القاص، وقد يخفق كثير من القاصين أو الروائيين في كتابة هذا النوع الأدبي، بسبب قدرتهم على التركيز أو عدم ميلهم إليه.”
هذا، وتستند معظم قصص مصطفى لغتيري إلى التكثيف القصصي، والإيجاز في تفصيل الحبكة السردية ، وذلك عن طريق التركيز على استهلال وجيز، وطرح للعقدة بشكل مركز، وتبئير لنهاية قد تكون مغلقة أو مفتوحة، تحتاج إلى التخييل القرائي، والتأويل الاستنتاجي، والتفاعل الضمني بين النص والمتلقي، كما في قصة: ” بلقيس”، التي يصور فيها الكاتب العطش الإنساني إلى الارتواء الشبقي والإيروسي؛ بسبب الافتتان بغواية المرأة، والإعجاب بجمالها الفينوسي الجذاب اشتهاء وحرقة:” في قصر سليمان، حينما كشفت بلقيس عن ساقيها المرمريتين، كان هناك في مكان ما، عين تختلس النظر، وترتشف بالتذاذ تفاصيل القوام البهي.
من مكانه، في إحدى شرفات القصر، رأى الهدهد ما حدث، فاعتصر قلبه الندم.
منذ ذلك الحين، أقسم الهدهد بأن لا ينقل مطلقا الأخبار بين البشر، وأن يلزم الصمت إلى أبد الآبدين” .

وتعتبر مجموعة” أبراج” لحسن برطال نموذجا بارزا لخاصية التكثيف والاختزال السردي؛ وذلك بسبب قصر الجمل، وكثرة الفواصل المفرملة.

7- مقياس الإضمار والحذف:

تستند القصة القصيرة جدا إلى مكون الإضمار والحذف، باعتبارهما من أهم الأركان الجوهرية للقصة القصيرة جدا، وينتجان كما هو معلوم عن طريق وجود نقط الحذف، والفراغ الصامت، وظاهرة التلغيز.
وهكذا، يستعمل كاتب القصة القصيرة جدا تقنية الحذف والإضمار ، من أجل التواصل مع المتلقي، قصد دفعه إلى تشغيل مخيلته وعقله، لملء الفراغات البيضاء، وتأويل ما يمكن تأويله؛ لأن توضيح دلالات المضامين ومقصدياتها ، لايمكن توضيحها أكثر من اللازم. ويستعين الكاتب غالبا بالإيجاز والحذف ، وذلك لدواع سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، ولعبية، وفنية، وأخلاقية. كما أن ذكر بعض التفاصيل الزائدة التي يعرفها القارئ، تجعل من العمل الأدبي حشوا وإطنابا. لذلك، يبتعد الكاتب عن الوصف، ويستغني في الكثير من النصوص عن الوقفات الوصفية، واللوحات المشهدية، التي قد نجدها حاضرة في القصة القصيرة العادية أو النصوص الروائية.
هذا، وتتحقق ظاهرة الإضمار فنيا في المجموعة القصصية القصيرة جدا ، وذلك عن طريق الحذف الدلالي، وتشغيل علامات الترقيم الدالة على غياب المنطوق اللغوي، وحضور الإبهام البصري، وهيمنة الفراغ اللغوي، ويظهر ذلك بوضوح في توظيف النقط الثلاث، كما في قصة: ” برتقالة ” لمصطفى لغتيري التي يحاور فيها تناصيا قصة أحمد بوزفور ،حيث تتحول سيارة أجرة إلى برتقالة ، عندما تعاين شرطي الطريق، فيقع هذا التحول خوفا من بطش السلطة، وهربا من مضايقاتها غير المشروعة:” صباحا فتحت باب الثلاجة…مددت يدي داخلها…تناولت برتقالة….متلذذا شرعت أقشرها…فجأة أمام ذهولي، تحولت البرتقالة إلى سيارة أجرة صغيرة حمراء…شيئا فشيئا استحالت دهشتي إعجابا بالسيارة…بتؤدة فتحت بابها الخلفي…انبثق منها الكاتب متأبطا أوراقه… مددت يدي نحوه…دون تردد سلمني إحداها…متلهفا قرأتها…إنها قصة سيارة أجرة، تحولت إلى برتقالة” .

ويبين لنا هذا مدى غلبة الطابع الذهني على قصص الكاتب؛ مما يجعل قصصه الرائعة تجمع بين المتعة والفائدة. أي: إن الكاتب يصدر في قصصه عن معرفة خلفية، وزاد ثقافي رمزي، وهذا ما يميز هذه المجموعة عن باقي المجموعات القصصية القصيرة الأخرى.
ومن أهم سمات القصة القصيرة جدا عند حسن برطال وجود ظاهرة الحذف والإضمار، وذلك من خلال الإكثار من علامات الحذف، والنقط المتتالية الدالة على حذف المنطوق، واختيار لغة الصمت والتلميح ، بدلا من التوضيح والإفصاح .
هذا، ويكثر الكاتب من نقط الحذف لخلق بلاغة الإضمار والصمت، بدلا من بلاغة الاعتراف والبوح، التي نجدها كثيرا في الكتابات الكلاسيكية شعرا ونثرا. وفي هذا الصدد، يقول الكاتب متوكئا على بلاغة الحذف، ملمّحا إلى الموت، ومستنكرا بشاعة القتل البشري:” قابيل دفن أخاه…الغراب دفن أخاه….والذي قتل بغداد دفن نفسه…” .

وعليه، يستلزم الفراغ النقطي قارئا ذكيا، لما يكتبه حسن برطال؛ لأن قصصه قنابل موقوتة، يمكن أن تنفجر في أية لحظة، يحتك فيها المتلقي بأسلاك قصصه القصيرة جدا، والتي على الرغم من حجمها الكبسولي تحمل في طياتها أسئلة كثيرة، وقضايا إنسانية شائكة- كما قلنا سابقا-.

المبحث الثالث: معيار القراءة والتقبل:

1- مقياس الاشتباك:

من أفضل القصص القصيرة جدا تلك القصص التي تشتبك مع قارئها ذهنيا ووجدانيا وحركيا، وذلك عبر مجموعة من العمليات التفاعلية ، كالإدهاش، والإبهار ، والإرباك، والمفاجأة، والحيرة الدلالية، والتركيز على الوقع الجمالي، والتحكم في المسافة الجمالية، ومراعاة أفق التلقي ، وتخييبه ، وتأسيسه من جديد.
وتسهم قصص التلغيز – مثلا – في إثارة مخيلة القارئ. بينما تثير قصص التنكيت في إثارة وجدان القارئ، وتحريكه سيكولوجيا. أما قصص السخرية والمفارقة، فهي تساهم في دغدغة المتلقي، واستفزازه ذهنيا وروحيا ، وذلك عبر الفكاهة والباروديا والتهجين الأسلوبي. بينما القصص المباشرة التقريرية، فهي قصص تبلد عقل القارئ، وتخلق معه علاقة تفاعلية سلبية، تتسم بالرتابة، وتقديم كل شيء جاهز على طبق من ذهب.

2- مقياس المفاجأة:

تعمل كثير من القصص القصيرة جدا على مفاجأة المتلقي، وإثارته فنيا وجماليا ودلاليا ، واستفزازه عن طريق الانزياح والصورة الومضة، وإيقاعه في شرك الحيرة والتعجب اندهاشا وإرباكا وسحرا. وتكون هذه المفاجأة عند حدوث الوقع الجمالي، وانتهاك المسافة الجمالية، وتخييب أفق انتظار القارئ، وخلخلة مفاهيمه وتصوراته المسبقة عن العمل.
كما تعمل بدايات هذه القصص ونهاياتها على مفاجأة المتقبل بعوالم إبداعية جديدة، لم تكن في حسبانه، إذ تنماز عوالم القصة الواقعية والحلمية والافتراضية بخاصية التوهج، والتنوير التشخيصي، والتدفق المجازي.
وتمتاز قصص مصطفى لغتيري وغيره من مبدعي القصة القصيرة جدا باستعمال مكون المفاجأة ، لإدهاش المتلقي ، وإرباكه ذهنيا ووجدانيا وحركيا، وخلق لغة الغموض والتخييل ، وتخييب أفق انتظار المتلقي، مع دفعه اضطرارا وقسرا نحو التخييل ، وافتراض الأجوبة الممكنة، وتشويق القارئ لملء فراغ النص ، وإشباع بياضاته المسكوتة . وفي هذا الاتجاه، يقول عزالدين الماعزي في قصته الملغزة ” شكون”:
” خرج من بيته على دقات الساعة العاشرة صباحا، طلبت منه الزوجة أن يوصل الخبز إلى الفران، رفع كتفه، فتل شاربه ومضى…
التصقت بساقه الصغرى دفعها خلفه وصفق الباب بعنف…
في العاشرة ليلا عاد ثملا، فتش في سترته، أدخل يده في جيب سرواله، عن حزمة المفاتيح التي…بدل عاود دون جدوى.
طويلا بحث…على إيقاع الضجيج الذي أحدثه أطلت الزوجة من كوة النافذة…قالت…”

فهذه القصة مفاجئة للمتقبل الذي تعود على النهاية الكلاسيكية المعطاة؛ لأن نهاية هذه القصة بقيت غير مكتملة، تنتظر القارئ أن يملأ بياضها، و يتخيل كل الإجابات الممكنة والمفترضة.

3- مقياس الإدهاش:

تعد خاصية الإدهاش من أهم خاصيات القصة القصيرة جدا الناتجة عن الإضمار والغموض والحذف والتخييل، والمترتبة كذلك عن ترك البياضات الفارغة، واصطناع لغة المفارقة ، وتشغيل العلامات الملتبسة المحيرة، التي تساهم في خلخلة ميثاق التلقي، وإرباك القارئ على مستوى التلقي، وتقبل النص ، كما يتضح ذلك في قصة: ” السكوت من ذهب” ، التي التجأت إلى الإيجاز المقتضب ، واستعمال الحكمة الساخرة، والفكاهة الواعية، والنادرة الذهنية التي تستوجب من المتلقي استعمال الخيال والعقل ، وتشغيلهما من أجل تفكيك دوال المنطوق لبناء المفهوم:
” لكي يصبح الرجل ثريا،
قرر أن يصمت إلى الأبد” .
ومن ثم، تهدف القصة القصيرة جدا إلى دغدغة المتقبل ، وجذبه لمشاركة الكاتب في انبناء نصه. لذا، يدهشه المؤلف بالبياضات الكثيرة، والفراغ الصامت ، والتلغيز المحير، والتنكيت الساخر، وقلب المواضعات المألوفة رأسا على عقب.

المبحث الرابع: المعيار التركيبي:

1- مقياس الجمل البسيطة:

كلما كانت القصة القصيرة جدا مبنية على الجمل البسيطة ذات المحمول الواحد، وابتعدت عن الجمل الطويلة والمركبة ذات المحمولات المتعددة، كانت القصة أكثر تركيزا واقتضابا واختزالا، وانبهارا للقارئ، وإدهاشا له.
لو تأملنا قصص مصطفى لغتيري وحسن برطال ، فنلفيها قد بنيت تركيبيا على الجمل البسيطة ذات المحمول الواحد، سواء أكان محمولا فعليا أم اسميا أم ظرفيا أم حاليا… وتقوم الفواصل وعلامات الترقيم الأخرى، كالاستفهام ، ونقط الحذف ، والنقطة، وعلامة التعجب أو التأثر، بدور هام في تقطيع الجمل، وتكثيفها ، واختزالها إلى نوى محمولية. وتهيمن في هذه القصص القصيرة جدا محمولات الجمل الفعلية، للتدليل على الحركية، والتوتر الدرامي، وإثراء الإيقاع السردي ، وخلق لغة الحذف والإضمار.
أما المحمولات الاسمية، فتأتي للتأكيد والتقرير والوصف، وتبيان الحالة. ومن هنا، فالغرض من توظيف الجمل البسيطة، وذلك بكثرة في القصة القصيرة جدا، هو البحث عن إيقاعية متناغمة لجنس القصة القصيرة جدا ، وتسريع الأحداث بشكل ديناميكي حيوي، والميل إلى الاختزال والحذف والاختصار، وتشويق القارئ، والابتعاد عن التطويل والإطناب والإسهاب.

2- مقياس الفعلية:

يلاحظ نقديا أن كثيرا من كتاب القصة القصيرة جدا يكثرون من الجمل الفعلية، أو الجمل الاسمية التي خبرها جملة فعلية، أو يكثرون من الجمل الرابطية ذات الطاقة الفعلية. ويعني هذا أن الجمل الفعلية تسهم في تفعيل الحبكة، وتأزيمها توترا وتعقيدا ودرامية، كما أن الجمل الفعلية دالة على الحركة والحيوية والفعلية الحدثية ، وذلك من خلال تتابع الأفعال، وتراكبها استرسالا أو تضمينا.

3- مقياس التراكب:

من أهم الظواهر البارزة التي تلفت الانتباه في القصة القصيرة جدا، نجد ظاهرة تراكب الجمل، وتتابعها في سياق النص، من أجل تأزيم العقدة ، وخلق التوتر الدرامي، وذلك عبر تسريع وتيرة الجمل ، وركوب بعضها البعض، ولاسيما في القصص التي تسرد بواسطة الجمل الفعلية المسردة ، كما في قصة :” شهد الملكة”:” من بعيد تراءت له الملكة تتقاطر عسلا، وتجللها- ببهاء- هالة من نور بخطوات حالمة دلف نحوها…دنا منها… مرتبكا مد سبابته…أغمض عينيه وغمس الأصبع في العسل… تذوق قطرة واحدة، فغدا العالم من حوله بطعم، أبدا لم يعد قادرا على تحمله”.
نلاحظ في هذه القصة مجموعة من الجمل الإسنادية التي تخضع للتتابع والتراكب السريع، وذلك بشكل يؤدي حتما إلى تسريع النسق القصصي ، وإسقاطه في شرنقة التأزم والتوتر الدرامي الحركي، كما يدل على ذلك النسق الفعلي التالي:تراءت، تجللها،دلف، دنا، مد،أغمض، غمس،تذوق، غدا، يعد… فمسافة هذه الأفعال المتراكبة قريبة ومتجاورة ؛ مما يساعدها على خلق لوحة مشهدية درامية، أو لقطة فيلمية نابضة بالحركة والسرعة الإيقاعية.
ومن أهم الملاحظات التي نستخلصها ، وذلك من خلال تتبعنا لقصص عز الدين الماعزي في مجموعته :” حب على طريقة الكبار”، تراكب الجمل ، وتداخلها فنيا وجماليا، وتعاقبها استرسالا وانسيابا، دون حدود وفواصل تركيبية ونظمية. وهذا الترادف والتراكب الجملي، والمزاوجة بين الجمل البسيطة والجمل المركبة، هو الذي يعطي لقصصه رونقها الإبداعي الشاعري، ومتعتها الجمالية الفنية، وفائدتها الرمزية، كما في هذه القصة التي تصور زلزال الحسيمة، وانبطاح ليلى، و ضياع أحلامها الوردية بوفاة كل أفراد أسرتها:” بعد ثوان من زلزال الثلاثاء الأسود بالحسيمة، توفي كل أفراد أسرة ليلى، وحيدة ليلى تذرف دموع الفراق لا تعرف ليلى كيف حصل ذلك هي التي كانت تحلم بيوم سعيد وبعالم بدون حواجز…هي الآن وحيدة وحيدة، ترى الحزن بعين واحدة يطل من كل العيون تكتفي بالنظر إلى هذه الثواني التي مرت وراء زجاج نافذة المستشفى. هي التي كانت ترسم بالألوان ما خطته بقلم الرصاص مثل فراشة وتتلعثم بأحرف الهجاء وأناشيد الطفولة كلما خلت إلى نفسها تغني وهي تقفز على الحبل” .
وعلى أي حال، يعد مقياس التراكب من أهم أركان القصة القصيرة جدا، ومن أهم مكوناتها المعيارية الأساسية.

4- مقياس التتابع:

يستند الكاتب في تحبيك قصصه القصيرة جدا إلى توظيف إيقاع سردي، يتميز بالسرعة والإيجاز ، وكثرة التعاقب في تسلسل الأحداث ، وتتابع الأحوال والحالات. ومن الأدلة على ذلك الإتباع الفعلي، وكثرة الاسترسال في الجمل والأفعال التي تصور حركية الأحداث، وسرعتها الانسيابية، مثل: اللقطات السينمائية السريعة والوجيزة. ومن ثم، يمكن إدراج قصص عز الدين الماعزي ضمن القصص اللقطات، أو القصص الألغاز والتنكيت ، وذلك على غرار نوادر جحا ، وأخبار الحمقى والمغفلين الموجودة في سردنا العربي القديم. ومن الأمثلة القصصية المعبرة عن خاصية تسريع الإيقاع السردي، نذكر: قصة ( بدون) :” دخل الحمام بقفته الفوطة الملابس الداخلية صابونة مشطا محكا وشامبوان…
نزع كلابسه ثوبا ثوبا ودخل للاستحمام.
جاء الكسال دعك أطرافه جره جذبه ثناه طواه حمله وضعه أسنده كتم أنفاسه أفرغ عليه الماء وخرج التفت وجد نفسه بدون…” . ويظهر هذا أيضا واضحا في آخر قصة (بالثلثين): ” أغمض هدم ناقش راسل دوزن حول وظف حاصر جادل فوت.” .

ومن أهم القصص التي انساقت وراء الإتباع الفعلي قصة إبراهيم الحجري:” حياة”:

” ولد. صرخ. حبا. مشى. ضحك.
بكى.تعلم.شب.أجيز.تعطل.ناضل.سجن.ترشح.فاز.اغتنى.افتقر.صلى
.حج.ضعف.مرض.مات.دخل جهنم.”

فهذه القصة نموذج رائع لتتابع الأفعال والجمل، وتحمل في طياتها روح السخرية والطابع الكاريكاتوري ، بغية انتقاد الإنسان الجشع والطامع.

5- مقياس التسريع:

يوظف الكاتب في تحبيك قصصه القصيرة جدا إيقاعا سرديا يتميز بالسرعة Tempo. وينتج هذا الإيقاع عن تراكب الجمل، وتتابع الأفعال منطقيا وكرونولوجيا، والميل إلى الإيجاز، وكثرة التعاقب في تسلسل الأحداث ، وتتابع الأحوال والحالات. ومن تجليات الإيقاع السريع في القصة القصيرة جدا الإتباع الفعلي، وكثرة الاسترسال في الجمل والأفعال، التي تصور حركية الأحداث وسرعتها الانسيابية، مثل: اللقطات السينمائية السريعة والوجيزة.
هذا، ويقول خوصي خيمينيث لوتانو:” أن لكل نوع من السرد درجة عالية داخلية خاصة به أو ما يسمى Tempo .أي :درجة سرعة في غناء مقطع موسيقي، والقصة القصيرة جدا لها سرعة خاصة بها، ولها توتر آخر. وهي تعتمد على المحذوف ، والتشذيب، والتركيب، والمقتصد، والبنية الموجزة الدقيقة، والمعمقة.”
وتستغرق القصة القصيرة جدا مدة ثانية من القراءة والتقبل. لذا، فهذه القصة المستحدثة معدة:” للقراءة الملائمة للقطارات، والطائرات، وقاعات الانتظار، وأماكن الحياة اليومية حيث يصبح الانتظار والقلق ملازمين لنا. وبالنسبة للكتاب القلقين والصعاليك، جاءت القصة القصيرة جدا لتصير مشروع المحتمل. ”
هذا، وتنبني قصص حسن برطال في مجموعته :” أبراج” على السرعة في تشغيل الإيقاع السردي ، وتوظيف الأحداث الأساسية بحركية مكثفة ، وذلك في تعاقبها أو تسلسلها ، مع استعمال تقنية الحذف والإيجاز ، و الاستغناء عن الوصف والإسهاب التصويري. لذلك، تتراكب الجمل والأفعال والأسماء والأحداث، وذلك في تتابع مستمر قائم على القفز ، والإضمار،والثغرات المحذوفة.

6- مقياس التناغم الداخلي:

تنبني القصة القصيرة جدا على البناء المحكم والوحدة الموضوعية والعضوية والاتساق والانسجام، وارتباط العنوان بالنص، أو ارتباط البداية بالنهاية. ويتم اتساق القصة بمجموعة من الروابط اللغوية الشكلية، كأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، وضمائر الإحالة، والاستبدال، والحذف ، والتكرار اللفظي، والدوران حول لفظ واحد. كما ينبني الانسجام على مجموعة من العمليات الذهنية، كالمعرفة الخلفية، والتشابه، والسياق العام والخاص، والتغريض الموضوعاتي ، والعنونة، والخطاطات، والمدونات، والسيناريوهات.
وتستند مجموعتا مصطفى لغتيري:” مظلة في مقبرة” و”تسونامي” إلى صور قصصية متناغمة داخليا، وملغمة بإيقاع متموج بالأزمات، ومتوهج بالعقد المتنافرة التي تنتظر الانفراج والانبثاق النهائي. كما تطفح هذه الصور بالإضمار، والحذف، وكثرة الألغاز السردية المحبكة بإتقان شديد، وكل هذا من أجل خلق شعرية متوترة، ومتشققة بشظايا التلميح والتعريض والنقد، لتعرية الذات والمجتمع والعالم الإنساني، كما في قصته:” الغريب”:

” في بلادنا شجرة وارفة الظلال..
جاء الغريب اشتراها، وطردنا بعيدا،
لنصطلي تحت نيران الشمس الحارقة..
بعد زمن، رحل الغريب..
مبتهجين عدنا إلى الشجرة، فلفحتنا ظلالها الحارقة”

كما يستعين التناغم الداخلي للقصة القصيرة جدا بمجموعة من الروابط المنطقية والحجاجية ، حيث يستعمل الكاتب التركيب الحجاجي، والاستدلال المنطقي، وذلك في بناء المقدمات والحجج والبراهين الافتراضية ، بغية الوصول إلى النتائج. وهذا التركيب الحجاجي هو الذي يحقق للنص تماسكه واتساقه وانسجامه التركيبي والدلالي، وذلك من خلال تشغيل الكاتب للمنطق الأرسطي الصوري، والاستغراق الاستدلالي الجملي ، عبر التدرج من الجزء والخاص إلى الكل والعام، والعكس صحيح أيضا.
ومن الكتاب الذين استعانوا بالتركيب الحجاجي من أجل تحقيق التناغم الداخلي، نذكر: مصطفى لغتيري في مجموعته:” تسونامي”،التي توصل إلى استنتاج عام :” حتما، يجب أن أكون سعيدا لأن كل من حولي سعداء” ، بناء على مجموعة من المعطيات الاستقرائية السابقة:

” قال الابن:
– أنا سعيد، لأن أبي يشتري لي كل ما أحتاجه.
– قالت البنت:
– أنا سعيدة لأن أبي يسمح لي بالذهاب أينما شئت. قالت الزوجة:
– أنا سعيدة لأن زوجي أبدا لا يرفض لي طلبا.
– قال الزوج، وقد ظفرت من عينيه دمعة:
– حتما، يجب أن أكون سعيدا لأن كل من حولي سعداء”.

هذا، وتوظف الكاتبة الزهرة رميج جملا فعلية قصيرة قائمة على التراكب، والتتابع السردي والزمني والحجاجي، وذلك من خلال توظيف مجموعة من الروابط اللغوية الحجاجية ، التي تساهم في خلق الاتساق المنطقي والانسجام المقروئي، مثل : حتى، إذا، لم، ثم، إذ، لكن- ما إن…
وتنماز القصة القصيرة جدا بالتناغم الداخلي عن طريق استخدام التجانس الصوتي والتنغيمي والإيقاعي، وذلك على غرار الشعر محاكاة ومحاذاة ، من أجل خلق إيقاعية جمالية خاصة بها، بواسطة التلاعب بالألفاظ تنغيما وتبئيرا وتجنيسا وتوازنا وتشاكلا ، وذلك على مستويين، ألا وهما: مستوى التآلف ومستوى الاختلاف.
ومن ثم، تتقطر الحروف والأصوات والتراكيب والعبارات بالموسيقى والنغمات المترنمة، بفضل تشابه الفونيمات والمورفيمات والمونيمات والجمل صياغة ووزنا .
وتسهم الأصوات المهموسة والمجهورة والشديدة والرخوة والمتوسطة والمائعة والأنفية في تنغيم القصة، وتبئيرها إيقاعيا ، كأنها قصيدة شعرية . لذا، سمى البعض القصة القصيرة جدا أقصودة أو نثيرة أو قصة شاعرية.
ولا ننسى أهمية التكرار لوظائفه الحجاجية والدلالية والإيقاعية، فهو يحقق للقصة بعدها الموسيقي، وإيقاعها الداخلي والخارجي:
يقول عبد الله المتقي في قصة:” كرز”:

” أنا أحب الكرز…أنا أتلمظ الكرز…
وكانت طومي تحكي لي كثيرا عن الكرز…
حتى صرت أراها كرزا…
لذيذة وطرية…
في عينيها كرز..
في فمها كرز..
فوق نهديها كرز..
وأحيانا كنت أتذوق الكرز…”

تشبه هذه القصة المركزة القصيدة الشعرية في بناها الإيقاعية والتنغيمية ؛ بسبب التكرار المشع المتوهج، وبفضل تشابه الحروف، كالكاف والراء والزاي والهاء واللام والميم….
وتستند الكاتبة فاطمة بوزيان في ترصيفها اللغوي إلى التجنيس اللفظي والصوتي ، من أجل خلق لغة إيقاعية انزياحية، وتوفير عبارات موحية، كما في قصة:”تواطؤ”، التي تتداخل فيها الكلمات المتوازية، والعبارات المتماثلة، والصيغ الصرفية المتجانسة، والتلاعب بالأصوات المتشاكلة ، والألفاظ المموسقة:

” قالت له:
– وردة المحب، قلبه!
استأذنته أن تسألها….بتلك اللعبة الصبيانية راحت تقشرها
– يحبني لا يحبني، يحبني لا يحبني، يحبني!
تأمل الساق العاري فكر في ساقيها، وشكر في سره الوردة الشهيدة على التواطؤ.”

كما يستند مصطفى لغتيري إلى كتابة قصص قائمة على التماثل الصوتي ،والتوازي الإيقاعي، الناتجين عن تكرار الوحدات الصوتية، وتجانس الفونيمات المتقاربة، من حيث الصفات والمخارج، وتماثل المورفيمات الصرفية، والمونيمات المعجمية، والتراكيب النحوية والبلاغية. ففي قصة ” أسرة”، تتكرر الكلمات المشتقة من السعادة كسعيدة وسعيد وسعداء، وتتواتر الكلمات المشتقة من الزواج كزوج وزوجة ، وتتكاثر كلمات البنوة كالابن والبنت، كما تتكرر مجموعة من الأصوات المهموسة، كالسين ، والتاء، والأصوات الأنفية المجهورة كاللام ، والميم ، والنون. كما يتعدى التماثل الإيقاعي ماهو صوتي ومعجمي إلى ماهو تركيبي، حيث تعاد جمل بنفس الصيغة التركيبية، كجملة : أنا سعيد أو أنا سعيدة، وجملة: قال: الابن، وقالت: البنت.
وعلى العموم، يتسم جنس القصة القصيرة جدا بالإيقاع السريع الثري، الذي يترتب عن تراكب الجمل وتتابعها، وبساطة التراكيب، وكثرة الحذف والإضمار، وشدة التكثيف والاقتضاب.
هذا، ويلتجئ عبد الله المتقي في مجموعته ” الكرسي الأزرق” إلى خاصية التكرار، قصد خلق شاعرية إيقاعية داخل النص السردي:” في الصباح، سمع الشيخ عبد الباقي طرقا على الباب( الباب قفله صدئ، وكثيرا ما يتعطل المفتاح)، مشى يلهث بطيئا، ثم فتح الباب، كان ساعي البريد( ساعي البريد بدوره يحمل وراء ظهره ستة عقود من الرسائل وحقيبة قديمة)، يسلمه رسالة مضمونة ويمحي وئيدا.
انتظر الشيخ عبد الباقي كثيرا من الاستنشاق والاستنثار،ثم فتح الرسالة وقرأ لنفسه في نفسه:” السيد عبد الباقي، احزم حقائبك هذا المساء، فلم يبق من الحلم إلا ساعات”.
في صباح اليوم الثاني، لم يسمع الشيخ عبد الباقي طرقا على الباب، لم يعد قادرا على الحياة، تعطلت كل الحواس( الحواس جثة جافة).
هذا، وقد يحول التكرار الصوتي واللفظي والتركيبي القصة إلى قصيدة شعرية ذات إيقاع داخلي وخارجي، يقوم بترديد نفس الأصوات المتوازية ، والكلمات المتماثلة، والجمل المتوازنة، كما في قصة:(كرز) لعبد الله المتقي:” أنا أحب الكرز…أنا أتلمظ الكرز
وكانت طامو تحكي لي كثيرا عن الكرز…
حتى صرت أراها كرزا…
لذيذة وطرية
في عينيها كرز..
في فمها كرز..
وأحيانا كنت أتذوق الكرز”

ومن هنا، فالتناغم الداخلي المترتب عن الوحدتين : الموضوعاتية والعضوية، والاتساق والانسجام،والتركيب الحجاجي ، والتوازي الإيقاعي والصوتي، هو أهم مكون جوهري مخصص للقصة القصيرة جدا.

المبحث الخامس: المعيار المعماري:

1- مقياس البداية والجسد والقفلة:

تتركب القصة القصيرة جدا من حيث البناء المعماري، كما هو معروف ، من أجزاء ثلاثة أساسية، وهي: البداية والجسد والنهاية. ويلاحظ أن بين هذه الأجزاء علاقات ترابط واتساق وانسجام، فأي إخلال بجزء أو عضو ما، فإنه بلا محالة، سيؤثر بالسلب على باقي الأعضاء الأخرى .

أ- البداية القصصية:

ينبغي على المبدع أن يجود استهلال قصته القصيرة جدا، و يختار البداية الموفقة، فينتقي لها الأدوات المناسبة للاستهلال، أو يدخل مباشرة إلى الأحداث اقتضابا واختصارا وتكثيفا وتركيزا. وعلي المبدع أيضا أن يبتعد قدر الإمكان عن المقدمات الإنشائية المستهلكة أو المجترة ، مثل: ذات يوم، وفي يوم من الأيام، وفي الصباح الباكر…
وترد مجموعة من البدايات في القصة القصيرة جدا، ويمكن تصنيفها بالشكل التالي:

– البداية التأملية: مثل: جلست تتأمل قطعة الحجارة الملساء.
– البداية الشاعرية: يومض البرق، فيشق نوره جليد السواد…
– البداية الحلمية: حليم طفل ككل الأطفال ، يحلم بسيارة وطائرة وسروال دجين وكاميو، مثل: كاميو عمه…
– البداية السببية: لأنه جائع… رسم الطفل على الورقة تفاحة…
– البداية الزمانية: عاشرتها سنوات طويلة.
– البداية المكانية: في قمة الجبل، كان جالسا جلسة الحكماء.
– البداية الحدثية: خرج عازما على اقتناص حمامة، يتلذذ بها حساء.
– البداية الوصفية: الجو هذه الأيام ، شديد التقلب.
– البداية الشخوصية: ما إن ألقى المدير نظرة على الورقة حتى صاح فيه..
– البداية الحوارية: قالت الطفلة الصغيرة وهي تقهقه وتضغط بقوة على يد أمها……….
– البداية الحكائية: يحكى في جديد الزمان وآني العصر والأوان.

ب- الجسد القصصي:

يمكن القول: إن ثمة ثلاثة أنواع من أجساد القصة القصيرة جدا: أولا: الجسد القصصي القصير، وينبغي ألا يتعدى بعض الجمل القليلة جدا.
ثانيا: الجسد القصصي المتوسط، قد يتخذ خمسة أسطر أو نصف الصفحة على أكبر تقدير.
ثالثا: الجسد القصصي الطويل الذي يتعدى الصفحة، أو يقترب في صياغته الحكائية من نفس القصة القصيرة، أو من نفس الرواية، أو نفس المسرحية، أو يقترب من إيقاع الشعر .
ويمكن القول أيضا: إن هناك جسدا قصصيا مقتضبا ومختزلا، وجسدا قصصيا متناميا ومتصاعدا.

ج- القفلة القصصية:

تسمى الخاتمة بالنهاية أو القفلة أو الخرجة، وهي مهمة في تركيب القصة القصيرة جدا، فكثيرا ما نسمع نصوصا في هذا الجنس الأدبي المستحدث، ولا نحس بتاتا بالخاتمة إلى أن يتوقف الكاتب عن قراءة القصة، فنصفق له إما تملقا وإما تشجيعا وإما إشادة.
لذا، لابد أن يجود الكاتب خاتمته، ويستحسن أن تكون مفاجئة وصادمة ومخيبة لأفق انتظار القارئ، وأن تكون واخزة ومحيرة ومدهشة ومربكة. ويستحسن أن يتجنب الكاتب النهايات المستهلكة مثل: وأخيرا، وفي النهاية…
وللقفلة أنماط تركيبية عدة، يمكن حصرها في هذه الأنواع التالية:

– الخاتمة الكلاسيكية: أخيرا… كتبت قصة قصيرة جدا.
– الخاتمة الشاعرية: فتتجمع جحافل الأمطار.
– الخاتمة التراجيدية: بحثت عنها في كل مكان، فلم تجدها.
– الخاتمة السعيدة: كانت السعادة تغمرها وهي تنتظر بشوق…
– الخاتمة المفتوحة: أيهما تصدق؟ وحي الليل الجميل أم محو النهار الجارح؟
– الخاتمة المغلقة: يفتح الطفل عينيه خائفا.
– الخاتمة الحوارية: قالت: ما أحببتك إلا لأن في شيئا منك…
– الخاتمة الحدثية: وصفر القطار معلنا وقت الرحيل.
– خاتمة التلقي: هل أغرتك هذه اللعبة؟ مارسها عزيزي القارئ وسترى!
– الخاتمة الزمانية: منذ ذلك اليوم، تعاهدت يده وعقله على أن لا يخضعا أبدا لإرادته.
– الخاتمة المكانية: وبقي وحيدا في تلك الجزيرة الطافحة…
– الخاتمة الوصفية: جندي شاب مفتول العضلات ، حاد النظرات، بجانبه طفلة جميلة تنظر إلى الأرض، وهي تمسك بذيل فستانها الأبيض الطويل.
– الخاتمة المضمنة:” أخيرا، سلمت الأستاذ ورقة تحريرها.ارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة وهو يقرأ ماكتبته في أعلى الصفحة بخط عريض أحمر:” باسم الله الرحمن الرحيم، عليه توكلت وهو المعين”.
– الخاتمة الصامتة: على إيقاع الضجيج الذي أحدثه أطلت الزوجة من كوة النافذة…قالت…
– الخاتمة الصادمة: يرفض الأكل…يقف.. .برفض الذهاب إلى المدرسة يخرج إلى الشارع يجمع الحجر ويستعد…
– الخاتمة الساخرة: كل هذه الأيام وأنت تقرأ القصص القصيرة جدا…؟؟
– الخاتمة الخرجة: آش باغي… باغي قنبولة…بحال اللي كاتبان ف التليفزيون
– الخاتمة الملغزة: جاء الكسال دعك أطرافه جره جذبه ثناه طواه حمله وضعه أسنده كتم أنفاسه أفرغ عليه الماء وخرج التفت وجد نفسه بدون….
– الخاتمة المفارقة: مرة أوقفه أبوه، ضربه (الطفل الصغير) على قفاه، طلب منه النزول…مع تسليمه سوارت كاميو.

2- مقياس التركيب الحدثي:

يمكن الحديث عن أنواع من التركيب الحدثي ، وذلك على مستوى التنامي والتصاعد ، وتعاقب الأفعال والأحداث سببيا وكرونولوجيا، ومن أنواع هذه التراكيب الحدثية، نذكر:

أ – التركيب الدائري:

تتوفر بعض القصص القصيرة جدا على بنية تركيبية دائرية، مثل: قصة: ” تجربة”:” فتح باب القفص، فارتعش العصفور، وخرج للتحري، بعد بضع جولات جاع، فبحث عن قفصه”

ب- التركيب السهمي الصاعد:

نجد في كثير من القصص القصيرة جدا البنية السهمية التي تنطلق من نقطة بدائية في الحاضر، لتتجه نحو المستقبل ، وذلك عبر مجموعة من الأفعال والأحداث المتعاقبة والمتسلسلة تسلسلا منطقيا وزمنيا، مثل: قصة :” تحرر” للكاتبة السورية ابتسام شاكوش:
” وقفت تخطب على المنابر، حضرت اجتماعات، سارت في مظاهرات تحدت، ناقشت، أثارت قضايا، طرحت حلولا… وفي أول سانحة دخلت منزل الزوجية الدافئ، وألقت عبء تحرر المرأة على الأجيال القادمة”

ج- التركيب السهمي الهابط:

لانلاحظ في هذه الحالة تتابع الأفعال، بل نلاحظ تراجعا من الحاضر نحو الماضي هبوطا ونزولا، كما في قصة: “فيزا”:
” سمع ابنه يقرأ رحلات ابن بطوطة
تذكر وقوفه الطويل أمام تلك الإدارات
وكل تلك الأوراق..
وكل تلك الضمانات…
تنهد بعمق وقال:
– كم كانت الفيزا سهلة!”

وعليه، فهناك أنواع عدة من التركيب الحدثي، تستنبط عبر القراءة الواعية للنصوص القصصية القصيرة جدا ، وذلك عن عمق ووعي جديين.

المبحث السادس: المعيار البلاغي:

1- مقياس الصورة الومضة:

تستند الصورة الومضة إلى التوهج والإبهار والإدهاش واللحظات اللامعة المشرقة ، وذلك عن طريق التأرجح بين صور المشابهة وصور المجاورة والصورة الرؤيا. أي : إن الصورة الومضة هي صورة مركبة ومركزة ومختزلة، تنبض بالإشراق الروحاني، واللمعان الوجداني، والتفاعل الحركي.
وتستخدم الصورة الومضة جميع الآليات التصويرية والتشخيصية، كصور الانزياح، وصور التنكيت والتلغيز، مع استثمار الاستعارة والمجاز و صور التشخيص والأنسنة والترميز والإيحاء والتضمين، لخلق عوالم تخييلية فانطاستيكية وأسطورية وأجواء كاريكاتورية، قوامها: السخرية والاستهزاء بما هو كائن ، والتنديد بالواقع السائد، مع استشراف ماهو ممكن ومحال.
ومن نماذج هذه الصورة الومضة قصة: “حريق” لمصطفى لغتيري:” على ورقتها رسمت ضحى نجمة…فجأة اشتعلت النجمة، فاحترقت الورقة… شبت النار في قاعة الدرس…هرب التلاميذ…أخبروا المدير، فنادى رجال الإطفاء.
على عجل أطفئت النار…وجد المعلم يحتضن النجمة، لكنه لم يحترق”
وتمتاز هذه الصورة الومضة ، التي وظفها مصطفى لغتيري، بالتشخيص المجازي ، والمفارقة، والانزياح الدلالي والمنطقي.
وهناك قصة أخرى بعنوان:” قوس قزح”:
” ارتدت الصبية فستانا أصفر فاقع لونه، يتخلله أحمر زاه…رنت بعينيها النجلاوين نحو المدى البعيد… ارتعش الكون…. خفق قلبه فرحا، ثم مالبث أن ارتسم في الأفق قوس قزح بألوانه الزاهية.”
وهذه الصورة نموذج للصورة الومضة المختصرة، التي تربك القارئ بدلالاتها الانزياحية، وتعابيرها المجازية الخارقة استعارة وأنسنة وإيحاء.

2- مقياس المفارقة:

ترتكز المفارقة على الجمع بين المتناقضات والمتضادات تآلفا واختلافا، كما تنبني على التناقض وتنافر الظواهر والأشياء، وذلك في ثنائيات متعاكسة ومفارقة في جدليتها الكينونية والواقعية والتخييلية.
وتعتمد كثير من نصوص القصة القصيرة جدا على عنصر المفارقة القائم على التضاد، والتقابل، والتناقض بين المواقف، أو بين ثنائية القولي والفعلي، والاعتماد على التعرية الكاريكاتورية، والكروتيسك، وتشويه الشخصيات والعوالم الموصوفة والأفضية المرصودة، وذلك بريشة كوميدية، قوامها: التهكم ، والباروديا، والتهجين، والأسلبة ، والانتقاد، والهجاء.
والمفارقة في الحقيقة هي:” عنصر من العناصر التي لاغنى عنها أبدا، وتعتمد على مبدإ تفريغ الذروة، وخرق المتوقع، ولكنها في الوقت ذاته ليست طرفة، وإذا كانت هذه القصة تضحك المتلقي، في بعض الأحيان، فإنها تسعى إلى تعميق إحساسه بالناس والأشياء، ولعل إيجاد المفارقة أن يكون أكثر جدوى في التعبير عن الموضوعات الكبيرة، كالعولمة والانتماء ومواجهة الذات.”
هذا، وتوظف الكاتبة المغربية السعدية باحدة المفارقة التاريخية، وذلك بطريقة ذكية ، تحير القارئ برموزها البعيدة والعميقة، كما في قصتها:” تهمة”:
” تصاعد الدخان من روما…اتهموا نيرون
ماكان نيرون بالكمان مفتونا…
ماكان عاقلا وماكان مجنونا…
اسألوا تاسيتوس فعنده الخبر اليقين:
إن روما هي التي أحرقت نيرون”

ونجد هذه المفارقة في قصص عزالدين الماعزي، كما في قصته الساخرة المفارقة” قصص طويلة جدا”:

“كلمته ابنته عبر الهاتف عن سر غيابه الطويل عن البيت…قال..
إنه في ندوة ثقافية يشارك بقراءات قصصية قصيرة سيعود بعد ثلاثة أيام…
قالت…
كل هذه الأيام وأنت تقرأ القصص القصيرة جدا…؟؟”

يلاحظ أن الكاتب قد وظف في قصته المفارقة القصصية الإبداعية، وذلك عن طريق تشغيل الأضداد: طويلة جدا# قصيرة جدا، غيابه الطويل# قراءات قصصية قصيرة. وتوقع هذه المفارقة دلالات القصة ومضامينها الإبداعية في منطق الاستحالة، والتناقض غير المقبول عقليا.

3- مقياس السخرية:

تعد السخرية من أهم المكونات الجوهرية للقصة القصيرة جدا ، وذلك من خلال عمليات الإضحاك، والكروتيسك، والتشويه الامتساخي، والتعرية الكاريكاتورية ، والنقد الفكاهي، والهجاء اللاذع.
ومن يتأمل قصص مصطفى لغتيري وقصص غيره من كتاب القصة الكبسولة، كعبد الله المتقي، وفاطمة بوزيان، وجمال بوطيب، وعز الدين الماعزي ،وسعيد بوكرامي،ومحمد العتروس،وسعيد منتسب،ومحمد تنفو، وحسن برطال، ورشيد البوشاري، وأنيس الرافعي، وهشام بن شاوي، وأحمد الويزي، ومصطفى الكلتي، ومحمد عز الدين التازي، وكريم راضي، ومحمد زيتون، ومحمد الكلاف، وميلود بنباقي، ومحمد مفتوح؛ ومصطفى بندحمان…، فإنه سيصادف ظاهرة السخرية الناتجة عن المفارقة الصارخة، والانزياح المنطقي، وكثرة الباروديا ، وهيمنة الخلل العقلي، وتكسير المواضعات السائدة ، وتخييب أفق انتظار القارئ، وانقلاب موازين القيم ، وانكسار القواعد السائدة المقبولة ذهنيا وواقعيا أمام اللاعقلانية الضاحكة وحقيقة الجنون.
يقول مصطفى لغتيري في قصته :” وثيقة” :” لأنه يحب الوطن حبا جنونيا، اعتقلته السلطات، واحتفظت به في زنزانة منفردة، خوفا عليه من الضياع.
إنها – اللحظة- تفكر جديا في عرضه في المتحف الوطني”.
يعتمد الكاتب في هذه القصة الساخرة على تعيير الواقع المتناقض، والثورة على الوعي الزائف، وإدانة سياسة الاستلاب وتزييف القيم الإنسانية. كما تقوم هذه السخرية على الفكاهة، والتنكيت، والتهكم، والتعريض، والتلميح، والإيحاء ، والضحك كالبكاء.
وتتميز قصص حسن برطال بسمة السخرية من الواقع الإنساني، الذي انبطح إلى أسفل سافلين، وتقزم فيه البشر، وصاروا كائنات ممسوخة بالشر وزيف القيم . ومن هنا، تطفح قصص الكاتب بروح السخرية، والانتقاد البشع للواقع المغربي بصفة خاصة والواقع العربي بصفة عامة ، كما في هذا المقطع القصصي الذي يوحي بالعبثية الساخرة، والسياسة الماكرة:” تصدع الجدار ثم انهار…وللوقوف على سبب الحادث حمل الخبراء”حجيرة” وبعض العينات من الركام إلى المختبر لدراسة هذه المواد المستعملة في البناء…” .
وتبلغ السخرية وقعها المأساوي في هذه القصة الموحية:” دعته الوكالة البنكية لتصفية حسابها معه….حمل ساطورا وصفى حسابه مع المدير…”

هذا، وتلتجئ الكاتبة الزهرة رميج كذلك إلى أسلوب المفارقة والسخرية الكاريكاتورية، لتعرية الواقع الكائن تشخيصا وتصويرا ورصدا، وانتقاده تعييرا وتحقيرا، وذلك لبشاعته، وحقارته، وفظاظته القيمية، وانحطاطه أخلاقيا واجتماعيا وإنسانيا، كما في قصة: ذوق”:

” مل عالم المومسات الذي أدمنه زمنا طويلا.
أراد أن يتزوج امرأة صالحة.أصبح يواظب على مراقبة الفتيات المارات أمام المقهى.
أخيرا، عثر على ضالته. تبعها في تهيب، وقد قرر الكشف عن نيته.ما إن أصبح محاذيا لها، حتى بادرته هامسة:
لا أتجاوز ربع ساعة . والدفع مسبقا.هات المبلغ بسرعة، واتبعني عن بعد”.

وهكذا، تعتبر السخرية من أهم المكونات البلاغية للصورة القصصية القصيرة جدا؛ وذلك بسبب طاقتها التعبيرية والإيحائية والرمزية.

تركيب واستنتاج:

وتأسيسا على ماسبق، ثمة اختلافات متفاوتة بين الباحثين والدارسين حول الأركان الضرورية التي تتحكم في بناء القصة القصيرة جدا بنية ودلالة ومقصدية، وتشكيلها فنيا وجماليا. ومن الذين اهتموا بدراسة أركان القصة القصرة جدا في الحقل الثقافي العربي، نذكر: أحمد جاسم الحسين، ويوسف حطيني، وسليم عباسي، ولبانة الموشح، وإلياس جاسم خلف ، وهيثم بهنام بردى، وجميل حمداوي…
أما عن أهم الأركان الضرورية التي تنبني عليها القصة القصيرة جدا – حسب رأيي-، فهي متنوعة ومتعددة ، وذلك حسب المعايير اللسانية المعهودة، فهناك أركان تتعلق بالجانب البصري أوالطيبوغرافي، أو بالجانب التركيبي، أو بالجانب البلاغي ، أو بجانب القراءة والتقبل، أو بالجانب السردي، أو بالجانب المعماري.

5 رأي حول “أركان القصة القصيرة جدا ومكوناتها الداخلية

  1. مقاربة نقدية أكاديمية عالجت مجموعة من الجوانب التي يظهر أنها مازالت غامضة لكثير من كتاب القصة القصيرة جدا،مقاربة تضع المهتمين بهذا الجنس الأدبي المنفلت من كل أساليب التنظير على المحك الصحيح لإنتاج أعمال راقية ترفع من الذائقة الأدبية وتؤسس رؤى مبنية على أساس التناقض المفضي إلى توليد الجديد،كما أن التجريب على أعمال رائدة لقصاصين مميزين كان منصبا في خدمة هذا العمل الذي تشكر عليه.
    مودتي لك أخي جميل رمضان مبارك سعيد

  2. “أركان القصة” – “شروط القصة” تذكرني بأقسام الابتدائي حين كانوا يلقنونا : أركان الإسلام خمسة وهي : ..إلخ . شروط كذا ستة وهي :…إلخ .
    الكاتب المقتدر هو الذي يستطيع التخلص من الأركان والشروط ويعلن دفن الناقد حيا قبل بداية الكتابة. وإلا فإنه تلميذ في صفوف الابتدائي خاصة إذا أعلن انتماءه لمدرسة ما.
    ملاحظة : لحد الساعة لا أعرف حقيقة من وضع أركان الإسلام ! فهي خمسة أو ستة منها الملزم للجميع والملزم للبعض، والأسبق فيها مهمل ( الصلاة ) والتطوعي فيها ( الصوم ) ضروري …إلخ .
    هذا اللبس والتلاعب يوجد في المقدس فما بالك بالمدنس أقصد النقد ؟؟
    أنتظر القرن الذي يُعلن فيه وفاة النقد.
    هنيئا لك بجائزة “المثقف” . إن لها أكثر من معنى لكن سلبي للأسف.

    1. تحياتي وتقديري
      أمقت النقد بقدر كرهك له، إنما وضعت القواعد والإركان والشروط لنتنازل عنها فيما بعد.
      أعتقد أنه عادة تكون تلك المسألة التنظيمية حيلة مدرسية للتعليم والتعلم فقط، لمن لم يمتلك خيوط الإبداع منذ نعومة أطفاره. عملي دكتور مهنس معماري، أعشق كتابة القصة، غير محترف، أبحث عن المعلومة والأركان لتطوير موهبته، (وأعلم أن الموهبة منحة من الله)، إنما حينما أشب عن الطوق، وتبدأ مخيلتي في العمل كما أراد لها الله، تخليت عن كل السلاسل.
      شكرًا جزيلًا
      هشام جلال أبوسعدة

  3. دراسةاكاديمية مستوفية لمقومات القصة القصيرة جدا يستفيد منها كل هواة اهذا الجنس الادبي حتى لا نسقط في الاستسهال كما يحلو للادباء اتهام المبتدئين

  4. تحياتي لكل قلم يعلم وكل عقل يتكلم .. وخير الناس من نفع الناس..
    اما الاتهامات واللمز فليس الا علامة فشل وقيلة ثقافة…

    شكرااااا للكاتب الكبير …….

اترك رد