مدارس الموهوبين: تاريخ وتوجهات

نشرت في مجلة موهبة – العدد 37

تتعدد مناهج الاهتمام بالموهوبين و طرق تدريسهم وتتنوع، لو تجولنا عبر الزمان والمكان. سنحاول هنا أن نتتبع بدايات هذا الاهتمام والتعرف على الطرق والمناهج الرائجة، والأفكار كيف تطورت، وما الذي يطبق منها اليوم في العالم ونتعرف إلى التوجهات. لنتحدث في البداية عن شئ من تاريخ هذا الاهتمام ونتابع التطورات ثم نركز على المناهج المتبعة ويكون مركز اهتمامنا مدارس الموهوبين باختلاف طريقة عملها وشكلها.

شئ من تاريخ الاهتمام بتعليم الموهوبين

يرجع تاريخ الاهتمام بالموهوبين إلى ستة قرون قبل الميلاد في الصين، حيث اهتموا بدروس للموهوبين من الأطفال. وكان هناك اهتمام في أثينا حيث دعا أفلاطون إلى العناية بالموهوبين فكرياً من الشباب رجالاً ونساءً. ولقد بدا الاهتمام كبيراً في عصر النهضة مدعوماً من الحكومة و الأسر الثرية، ونال كثير من الموهوبين عناية خاصة في مجالات الفن والعمارة والآداب وحظي كل منهم بالعناية والاهتمام وظلوا منغمسين في العمل يتوفر لهم كل ما يريدون من تعليم ومواد ودعم لا يشغلهم عن ابداعهم شئ.

ثم جاء السير فرانسيس غالتون الذي قدم في نهاية القرن التاسع عشر دراسة من بواكير الدراسات التي اهتمت بقدرات الموهوبين الذهنية، وكانت قناعته أن الموهبة وراثية – حسب الفكرة البائدة التي تعرف باليوجينيا. و كان بعد ذلك أن تبنى لويس ترمان من جامعة ستانفورد عام 1916م فكرة قياس الذكاء و أطلق عليه مقياس الذكاء IQ ، كان تبناه عن ألفريد بينيت واختباراته.

قبل ذلك بقليل، عام 1907م، كانت الطبيبة والمعلمة ماريا منتوسوري (1870-1952) قد أعلنت عن منهج جديد في التعامل مع الموهوبين بناء على فكرتها : “طبيعة الطفل الحقيقية”. كان ذلك نتيجة للدراسات التي أجرتها على الأطفال المعاقين والأطفال الأذكياء في بدايات القرن متأثرة بفكرة “التعليم العلمي” لذوي الاحتياجات الخاصة في القرن التاسع عشر التي قدمها جين ايتارد و إدوارد سيجوين. وعند ماريا منتوسوري، ُيترك الأطفال على سجيتهم، وطبيتعتهم ويُراقًبون، ثم تصمم لهم الفعاليات والتدريبات بحيث يكون التعلّم ذاتياً.

أما ليتا هولينغورث، وهي زميلة لويس ترمان، فاهتمت بتصميم طرق تساعد أولئك الطلاب الذين تبين بالبرهان أنهم ذوو كفاءات ومهارات. وقد كانت مقتنعة أن دور البيت لا يقل أهمية عن دور المدرسة وهي مثل منتوسوري، تعتقد أن الأطفال الأذكياء، يعرفون جيداً كيف يعتنون بأنفسهم. كانت تؤكد على ضرورة اكتشاف الموهوبين مبكراً والتواصل معهم يومياً و وضع الموهوبين معاً في مكان واحد اعتماداً على تشابه القدرات والمهارات. يذكر لهولينغورث افتتاحها لمدرسة مخصصة للتلاميذ النابغين في نيويورك تعتمد منهجاً يقوم على الاستكشاف الذاتي بدل أن يكون هناك أساتذة يعرضون مواد متقدمة على فهم التلاميذ التلاميذ وفئتهم العمرية. ولقد نبهت هولينغورث إلى حاجات التلاميذ الموهوبين الاجتماعية والعاطفية وشددت على ضرورة الاهتمام بها وهي التي لا تراعى عادة في المدارس التقليدية العامة.

بدأت بوادر الاهتمام بتدريس الموهوبين- رسمياّ- في الولايات المتحدة في حدود 1920م، لكنها تواصلت بتقدم قليل حتى الخمسينات. ثم جاءت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي لتدعم الاهتمام بتعليم الموهوبين. كان الاتحاد السوفييتي قد أطلق القمر الصناعي سبوتنيك، فحفز ذلك الولايات المتحدة على الاهتمام بتقصي الموهوبين والاهتمام بهم في المدارس وتبنيهم. كان ذلك عام 1957م عندما شعر الأمريكيون أن التعليم عندهم قد فشل فشلاً ذريعاً. وفي تلك الحقبة، انتشر تسريع التعليم ودمج ذوي القدرات المتشابهة معاً وتم تعديل المناهج في ما يخص الرياضيات والفيزياء والأحياء.

لقد كان تدريس الموهوبين في صُوَرِهِ الأولية ماض على الطريقة التقليدية مرتكزاً على المادة الأكاديمية كأساس. لكنه مع مرور الوقت، ظهرت نظريات تؤكد تدريس الموهوبين يجب أن يتخذ عدة جوانب. عام 1985، قدم روبرت سترنبيرغ نظريته الثلاثية بالنسبة للذكاء الإنساني. وأسس هذه النظرية الثلاثية هي: الأساس التحليلي، والأساس التركيبي و والأساس العملي.

وقد كان بلوم عام 1956م وضع تصنيف العمليات الذهنية في ستة مستويات كما يلي. مستوى المعرفة وهو القدرة على استرجاع و تمييز المعلومات، ومستوى الفهم، وهو القدرة على استيعاب هذه المعلومات، ومستوى التطبيق، وهو استخدام الطرق والمفاهيم والمبادئ في ظروف وحالات جديدة، و مستوى التحليل، وهو القدرة على التفكيك إلى أجزاء أولية، ومستوى التركيب، وهو القدرة على تركيب الأجزاء الأولية إلى مركب جديد وهذا يتطلب أصالة وتفكيراً إبداعياً والأخير وهو مستوى التقييم والحكم على الأفكار والمفاهيم والمواد والعمليات والمناهج و وضع مقاييس ومعايير لذلك.

أما هوارد غاردنر وآخرون، فقد كانت لديهم فكرة أن الذكاء متعدد وليس ذكاء واحداً. وهذه الفكرة شبيهة بفكرة سترنبيرغ من أن الذكاء ليس درجة ولا رقماً نقيس به الموهوب – كما نفعل عندما نقوم بعمل اختبارات مقاييس الذكاء IQ – ولكنه كفاءات ثمان على الأقل. هذه القدرات، ، حسب غاردنر، هي اللغوية و الرياضية المنطقية و الفراغية والموسيقية والحركية الجسمانية و التفاهم الذاتي والتفاهم مع الآخرين و الذكاء العاطفي؛ وكانت قدرة الذكاء العاطفي قد تمت إضافتها في كتاب له فيما بعد، إلى السبع القدرات الأولى.

ويأتي جوزيف رنزولي، في مقدمة المنظرين في الوقت الحاضر الذي يعتمد ثلاث مواصفات في تحديد الموهبين هي وجود القدرة المتقدمة و الإصرار و الإبداع. ولقد شاع نموذجه هذا حيث أنه يشمل كثيراً من التلاميذ في المدارس و اتضح بالتجربة فعالية هذا النموذج في التعامل مع الطلاب الموهوبين بالتحديد.

إن نموذج رنزولي في تدريس الموهوبين يضم ثلاثة عناصر. العنصر الأول هو مهارات الاستكشاف العامة أما الثاني فهو نشاطات تدريبية للمجموعات وأما العنصر الثالث فهو تقصي الأفراد والمجموعات الصغيرة لمشكلات حقيقية.

أما كالفن تايلور فيعتقد أن كل طفل لديه موهبة بشكل أو بآخر. وأن كل ما علينا هو استكشاف مكامن هذه المواهب وتصميم مواد للعمل مع الحياة الحقيقية من أجل مساعدة الموهوب لتطوير مهاراته وتعزيزها. إن نموذج تايلور ينتهج سياسة تقصي كل الطلاب ومحاولة توسيع دائرة الموهوبين ودعمها ويطلق على هذا النموذج اسم نموذج تايلور لتعدد المهارات. أما المهارات التي تحضى بالاهتمام عند تايلور فهي مهارة الانتاج والتنبؤ و التخطيط و التواصل واتخاذ القرارت ويأتي هذا التصنيف من خلال رؤيته إلى أن المهارات يجب أن تكون نابعة من الواقع العملي.

مدارس الموهوبين

هناك عدة وجهات نظر في باب العناية بالموهوبين على مستوى توفير المدارس. هناك من يخصص لهم مدارس خاصة بهم لا تضم الموهوبين، وهناك من يجعل تدريسهم من ضمن سلك التعليم العام. وهناك من يذهب بين هذا وهذا درجات. هناك من يجعلهم في ضمن السلك العام ويوفر لهم فصولاً خاصة في أوقات خاصة، ثم يأتي الاختلاف مجدداً في كيفية ونوعية العناية بهم في هذه الفصول، تتدرج بين العناية بالموهوب كفرد أو من ضمن مجموعات صغيرة أو كبيرة، تختلف في الفئة العمرية أو لا تختلف، مجموعات التعلم الذاتي، أو تلك التي يشرف عليها المدرّسون، مجموعات ذات اهتمام مشترك أو اهتمامات مختلفة. نقدم هنا مجموعة من مدارس الموهوبين، نتلمس بها وجهات النظر هذه، وطريقة عملها و تصورات مؤسسيها ودوافع هذه التصورات.

مدارس ماريا منتوسوري

ماريا منتوسوري

ترتكز فكرة منتوسوري على توفير منهج دراسي نابع من اهتمامات الطفل الموهوب يلبي حاجاته الطبيعية التي بداخله و يكون التعلم تعلماً ذاتياً. تتركك منتوسوري الطفل الموهوب على سجيته وطبيعته التي تقوده في اختيار اهتماماته وتطويرها. ويتطلب هذا توفير بيئة طبيعية محفزة لدواخل الموهوبين ولتستثير طبيعتهم وسجيتهم وتخرج اهتماماتهم وميولهم وتنميها، ويشمل ذلك كل ما يحتاجنه من محيط ومواد متوفرة مجاناً و محيط اجتماعي.

و هناك أربعة مستويات للتنمية عند منتسوري. الاول يبدأ منذ الولادة حتى الست سنوات. في هذا المستوى، يكون بناء شخصية الطفل الموهوب و تكون وسائل التعلم عن طريق الحواس الخارجية وهو العمر الذي تكتسب فيه اللغة والمهارات الذهنية الأولية. أما المستوى الثاني، فيكون فيه التعلم انتقل إلى التفكير التجريدي مروراً بتحفيز الخيال و التواصل الاجتماعي مع الآخرين وهذا العمر هو العمر الممتد من السادسة حتى الثانية عشرة. أما المستوى الثالث فللفئة العمرية بين الثانية عشرة والثامنة عشرة وهو سن البلوغ ومعرفة الذات وقيمتها في المحيط الاجتماعي. ويأتي المستوى الرابع ليتمد من عمر الثامنة عشرة فما فوق ليركز على الاندماج في مجتمع الكبار. وكثيراً ما تدمج مجموعات من مستويات متجاورة كالفئة الأولى والثانية لكي يتعلم الموهوبون من بعضهم البعض باختلاف الخبرات في نفس إطار التعلم طوع السجية والطبيعة.

لا تشجع فكرة منتوسوري التدريس والتلقين. ولكنها في المقابلة تميل إلى توظيف الملاحظة والإرشاد التعليم غير المباشر. إن المدرسين يتابعون أنشطة الموهوبين الطلاب، وتكون ارشاداتهم للتحكم في البيئة التعليمية وليس في الأطفال أنفسهم وفيما يفعلون. وفيما لو أساء طفل التصرف، فإنه لا يعاقب، بل يعطى نشاطاً ينشغل به فوراً. وتعتقد منتوسوري أن عمر المستوى الأول يكون في عقل الطفل عقلاً شديد الامتصاص وتستغل هذه الفرصة لتعريض الطفل لشريحة كبيرة من المفاهيم ليتعلمها سريعاً. و يتم التركيز على فكرة أن الطفل يكون مشغولاً بـ “عمل” وليس الـ “لعب” ، ففي الأولى يكتسب الخبرات ويتعلم ويتطور بينما نجده في الثانية ينشغل خاملاً بالألعاب والدمى.

مدارس رنزولي

رنزولي

يبني البروفوسور جوزيف رينزولي منهجه على ثلاثية إثراء في ثلاث مواصفات هي المهارة المتقدمة و الإصرار على الانجاز والإبداع. ويطبق منهجه هذا على شريحة الطلاب الكبرى، مشتملا الموهوبين من بينهم وتضمن في ذات الوقت للموهوبين عناية خاصة كما يلي.

إن تنفيذ هذا المنهج يتم على ثلاثة مستويات من الإثراء. المستوى الأول يعنى بتطوير خبرات الاستشكاف لدى الطلاب. فيتعرض الطلاب في هذا المستوى إلى خبرات واسعة النطاق لتشمل النزهات و حضور محاضرات و تكوين مجموعات ذات اهتمام مشترك والانضمام لها و المشاركة في حلقات العصف الذهني. أما المستوى الثاني فيعنى بنشاطات تدريبية للمجموعات. وفي هذا المستوى يتدرب الطلاب على مهارات التفكير و مهارات التواصل. يتعلم الطلاب التصميم والتجريب والمقارنة والتحليل و جمع المعلومات وتصنيفها ويتعلمون التفكير النقدي – المنهج العلمي – والإبداعي ويتعلمون “كيفية التعلّم” و مهارات الاتصال المتقدمة. أما المستوى الثالث فهو مخصص للأفراد والمجموعات الصغيرة، تستكشف وتعامل مع مشكلات من الواقع. في هذا المستوى يستخدم الطلاب ما تلقوه في المستوى الأول والثاني من معارف ومهارات اكتسبوها ويطبقونها في معالجة وحل مشكلات واقعية. ويتعلمون مهارات البحث و الجدل والمسح و تعلم مهارات العرض وكتابة مقالات علمية ويقومون بإنتاج مادة تقدم امام جمهور مختص على شكل كتاب أو عرض أو مسرحية.

إن منهج رنزولي الثلاثي الإثراء هذا يطبق على شريحة الطلاب العامة، في المستويين الأول والثاني ليعطي الفرصة للجميع تستكشف من خلالها مهاراتهم ويتم تطويرهم؛ ولكنه في ذات الوقت يضع عناية خاصة للموهوبين عند الوصول للمستوى الثالث.

مدارس هوارد غاردنر والذكاء المتعدد

هوارد جاردنر

بالرغم من عدم رواج هذا المنهج كثيراً من ناحية التطبيق على المدارس، لكن كثيراً من المعلمين والمنظرين يجدونه مستساغاً؛ هذا و الكفاءات الثمان هذه محل نظر و هناك كفاءات جديدة قد تتم إضافتها. تبقى فكرة الذكاءات المتعددة، فكرة يتقبلها المتعلمون وبذلك ينوعون الطريقة التي يشرحون بها الموضوعات للتطلاب ويغيرون طريقة التوصيل والنشاطات بناء عليها. ويتراوح تطبيق هذا المنهج بين حالات خاصة على طلاب محددين وفصول محددة إلى تطبيقه على مدارس بشكل كليّ. لقد تم تنفيذ هذا المنهج في بعض المشاريع المدرسية كان على رأسها مشروع مدرسة مدينة نيو سيتي في ميسوري منذ عام 1988م.

تضمن مدارس غاردنر هذه ومنهج تعدد الذكاءات، أن تزيد من فعالية الاهتمام بالموهوبين وليس التركيز على تلك الأنواع من الذكاءات التي تم تحفيزها حسب الظروف التي مر بها الموهوبون، وإنما توسع الاهتمام ليشمل بقية الذكاءات المهملة. وتصف دراسة قادتها جامعة هارفارد على واحد وأربعين مدرسة نفذت هذا المنهج إلى أن المنهج خلق ثقافة من العمل الجاد والاحترام و محيطاً يتعلم فيه كل فرد من الآخر و الفصول ذات خيارات مقيدة ولكنها ذات مقاصد تركز على مساعدة الطلاب على القيام بفعاليات عالية المستوى.

مدارس ليوناردو

جان هندركس

نشأت فكرة مدارس ليوناردو في هولندا على يد جان هندركس من خلال عمله في في سلك التعليم التقليدي مدة تقترب من الأربعين عاماً. يأتي اسم ليوناردو من التأمل في عبقرية الفنان والمهندس والمشرح والمخترع والمفكر ليوناردو دافنشي و محاولة خلق جو شبيه بالطريقة التي تعلم بها و حقق من تقدم في مواهبه ومهاراته. يستفيد منهج ليوناردو من الخبرات التي تستخدم في تعليم الموهوبين مثل الاثراء والتعزيز والتسريع والاختصار و جمع ذوي الاهتمام المشترك في مجموعات وغيرها. لكن المنهج يضع في الاعتبار خلق جو صحي يضمن أن يتفاعل الموهوبون الذين يتقدمون على أقرانهم بمواهبهم وذكائهم، أن يتفاعلوا ويعيشون بشكل طبيعي مع الأفراد من نفس الفئة العمرية التي ينحدرون منها.

يتم تنفيذ هذا المنهج على المدارس العامة التي تشترك في هذا البرنامج. ويتم تدريب وتوفير المدرسين المقتدرين على تنفيذ هذا المنهج في المدارس ابتدائية كانت أو ثانوية. يتم تصميم مناهج خاصة تناسب كل طالب يتم استخراجه من الفصول التقليدية إلى فصول لا تزيد في العدد عن ستة عشر طالباً. ويتم التدرج في التعلم من مستوى إلى مستوى ضمن منهج دراسي مصمم لكل طالب ليتجاوزه باتقان تام.

في هذا المنهج، تترك المساحة للطلاب بكل حرية للتجول بين ما يشغل اهتماماتهم ويمحمسهم في جو من المرح والمتعة. وتتنوع الموضوعات من اللغات إلى الفلسفة وإدارة الأعمال والفن والأدب والكتابة والإبداع والعلوم والتكنولوجيا والرياضة والابتكار الموسيقي. وليست العبرة بمادة في كتاب ولكن يتم التركيز على التعلم من المحيط والطبيعة ويتم تصميم النشاطات للتفاعل من ضيوف لإلقاء محاضرات والتعاون من مؤسسات المجتمع ضمن فعاليات الحياة ومشاكلها المعتادة.

لقد بدأ الاهتمام يزداد مع هذه المدارس الذي بدأت في التفنيذ على أرض الواقع في سنة 2007م وينتظر أن تصل المدارس إلى ثلاثمائة مدرسة سنة 2012م وتحتاج دعماً وتشجيعاً أكثر من الحكومة والداعمين.

مدارس الموهوبين من العالم العربي

هناك عدة مدارس في الوطن العربي تهتم بالموهوبين كان أولها مدرسة المتفوقين في عين شمس التي انشأت في 1954م وهي مدرسة تقدم منهجاً خاصاً يساهم في دعم الموهوبين والمساهمة في انتاج جيل المستقبل. و في الأردن، هناك مدرسة اليوبيل التي تقدم بالإضافة إلى المنهج التقليدي، منهجاً إضافياً لتعزيز بعض المهارات المتعلقة بالقيادة والبحث العلمي والاستكشاف والتنشئة النفسية السليمة وتتواصل مع دوائر المجتمع الثقافية. وهناك بعض المدارس التي ظهرت في المملكة العربية السعودية التي تتبنى منهجية الإثراء في توفير مادة تعزز ما يدرس في المنهج التقليدي وظهرت مدارس أخرى في العراق والسودان والكويت.

توجهات جديدة في تعليم الموهوبين

من خلال جولتنا في تاريخ تطور الأفكار و نماذج مدارس الموهوبين والمناهج التي تم تبنيها، يظهر لنا أن هنا مجموعة من التوجهات كانت محل اهتمام. كان هناك توجه إلى تعميم الاهتمام بالطلاب أو تخصيصه بمجموعة من الموهوبين سواء كان ذلك بفصلهم عن أقرانهم أو جعلهم معهم في فصول خاصة و تخصيص أنشطة وصيغة في التعامل معهم بما يناسب. هناك أيضا الاهتمام بالإثراء والتعزيز في ما يتم تقديمه للطلاب من معارف وخبرات زيادة على ما يقدم لشريحة الطلاب العامة. وحضي بالإهتمام أيضا مبدأ الذكاءات المتعددة وطرق وأساليب التعلم وتمييز الموهوبين.

وحسب كارول فرتيغ، المهتمة بمجال تعليم الموهوبين لأربعين عاماً، فإن التوجهات الجديدة في تعليم الموهوبين تدرج التكنولوجيا في المناهج بدل أن تكون منفصلة بذاتها وكذلك تنحى البرامج الخاصة برعاية الموهوبين لتكون ذات طابع عالمي عوضاً عن المحلية. وهناك توجه نحو المدارس الخاصة والبرامج الخاصة مقارنة بتلك البرامج التي تشمل الموهوبين من ضمن شريحة طلاب واسعة و أصبح الاهتمام ليس منصباً على حاجة الطلاب الموهوبين بقدر ما هو سينصب على تأكيد الدقة الأكاديمية و ترك المجال للطلاب بأن ليتطور بأقصى ما يستطيعون من سرعة.

تتعد نظريات ومناهج وسبل التعامل مع الموهوبين وتطبيقها على أرض الواقع بما أشرنا وأكثر. وبمرور السنوات واكتساب معارف عن نتائج هذا التطبيق، وتواصل المهتمين بتعليم الموهوبين في شتى بقاع العالم، ليقرب أكثر من مسارات أكثر حكمة وأقرب للصواب وحاجات الموهوبين. وليس أمر هذه المناهج والنظريات والبرامج في شئ من الهدوء كما يمكن تصور ذلك، فهناك مقارنة صارخة بين وجهات النظر هذه تستخرج الإيجابيات والسلبيات، ويظهر من خلال دراسة النتائج قصور هنا وقصور هناك وحاجة لإضافة هنا وتعديل هناك والانتباه إلى أن رعاية الموهوبين لم تكن يوماً درجة الكمال.

وعلى وجود اختلاف في وجهات نظر المختصين برعاية الموهوبين بين تعميم التعليم و تخصيصه، فإن توجه القرن الواحد والعشرين في بريطانيا يعزز التركيز على تعليم مخصص للموهوبين في الدرجة الأولى. وهنا، يشدد البريطانيون على أن أنا أمام العولمة، يحتاج البريطانيون أن ينتجوا موهوبين يتنافسون مع أفضل الموهوبين في العالم ولن يكون ذلك سهلا إلا بتعاون التعليم مع مؤسسات العمل و المتطوعين؛ ولن يكون ذلك ممكناً دون تبني وعي عالمي. وهذا الوعي العالمي يتطلب من الأساتذة والمهتمين أن يطلعوا على ما يقوم به غيرهم في هذا المجال ويتطلب من الطلاب أن يتعلموا على الشبكة ويتعاونوا مع الآخرين في العالم ويتم تأسيس مركز يشكل مرجعاً لهذه الخبرة العالمية.

وهناك عدة أصوات تحاول إعادة التفكير في ممارسات وتقاليد تعليم الموهوبين والمناهج التي يتم تداولها منذ بداية الاهتمام حتى اليوم. وقد صدر كتاب بعنوان “إعادة التفكير في تعليم الموهوبين” لجيل جديد من المختصين في هذا المجال يحاول إعادة صياغة كل شئ من جديد. يناقش الكتاب المناهج التقليدية وطرق التدريس التي تقدم للموهوبين والتي يتم تطبيقها في المدارس العامة والخاصة وطرق تمييز الموهوبين والأسس الأولية التي بنيت عليها المفاهيم. إن معظم هذه الأصوات حسب ماري روميرو، ما زالت تراوح رغم نقد المفاهيم والأفكار، مازالت تراوح مكانها. وفي ظن ماري روميرو، أن قليلا من هذه الأصوات تتسم بالشجاعة والتجديد في مجال الاهتمام بالموهوبين، وإذا لم يكن لها النصيب الأكبر في مسار التجديد في تعليم الموهوبين، فإنه لن يكون هناك تغيير ذا بال في الخمسة والعشرين السنة القادمة. على رغم ذلك، نجد أن هذه الممارسات والنظم حتى الآن، تخرج لنا موهوبين كانوا سيفقدون شهية الحماس والتعلم والابداع واستغلال المهارات الكامنة وتحقيق ذواتهم ولن يكون لهم مكان يستحقونه في هذا العالم.

الموهوبون سريعو الملل إن وضعوا بين أقرانهم في الفئة العمرية، ويتعرضون لمشكلات التوحد والخلل النفسي لو فصلوا عنهم ووضعوا مع أقرانهم في الموهبة. حاجاتهم الذهنية و النفسية والاجتماعية وسبل تحفيز كوامنهم واستغلال طاقاتهم واسعادهم في ذات الوقت وتقصي الثروات الوطنية عبرهم، هو هم المختصين والمهتمين بهم وبالمواهب. لقد حدث كثير من التقدم في فهم طبيعة الموهبة الموهوبين وسبل تربيتهم والعناية بهم مع اختلاف وجهات النظر، ولكن يبقى أنه مازال أمام المختصين الكثير لينجزوه بما هو أكثر نضجاً وشمولية وخصوصية لكل موهوب، سواء على الصعيد النظري أو العملي. وإن التجربة والممارسة على أرض الواقع لكفيلة بكشف النجاحات والاخفاقات فيما يخص المدارس بأنواعها وبرامج تدريس الموهوبين كمنهج دراسي خاص أو ممدد أو كنشاطات وفعاليات لا تمت لتقاليد الدراسية بصلة. ومع مرور الوقت وملاحظة المشاركين في هذه البرامج على اختلاف الأعمار والمراحل والبرامج النظامية والصيفية والتدريس المنزلي واستخدام التقنيات المتقدمة، تتكون فكرة أكثر نصوعاً و وضوحاً مما كانت عليه في سنوات مضت أدت فيها الخبرة القليلة إلى أنتاج هذه الأفكار والمفاهيم التي جلنا معها أعلاه وكان لها انعكاسات ايجابية وفعالية عالية. ويجدر بالذكر، أن عمل دراسة مقارنة مدعمة بالإحصائيات والملاحظة القريبة بين هذه البرامج والمفاهيم والممارسات، سيحدد لنا العلائق الخفية بينها ونقاط القوة والضعف وما يجب أن يبقى وما يجب أن يتطور أو يتراجع عنه مما يجعلها نقدم في فهمنا وتطبيقنا في صالح الموهبة والموهوبين.

ان هندركس، صاحب فكرة مدارس ليوناردو، يشدد على أن أطفال اليوم أذكى بكثير وأكثر معرفة وحكمة و وصولا للمعرفة والمهارة من أطفال جيله. وإن اليوم بتقنياته والثورة المعلوماتية وتوفر سبل التعلم والبحث والتحليل واتساع الخيال، ليتطلب من خبراء تعليم الموهوبين الكثير من الجهد ليبذلونه في سبيل نظرية أشمل وأوسع وأكثر نفعاً وفائدة للموهوبين الذين هم طاقة الأمل و وقود تقدمها في المستقبل.

::. فاضل التركي

مصادر:

1.http://www.nagc.org/
2.http://resources.prufrock.com/GiftedChildInformationBlog/tabid/57/articleType/ArticleView/articleId/232/Trends-in-Gifted-Education.aspx
3.http://www.gifted.uconn.edu/sem
4.http://en.wikipedia.org/wiki/Montessori_method#Montessori_materials_and_curriculum
5.http://en.wikipedia.org/wiki/Gifted_education
6.http://www.gifted.uconn.edu/sem/semexec.html
7.http://www.aaanet.org/sections/cae/aeq/br/borland.htm

حول فاضل التركي

من مؤسسي ومحرري ومبرمجي دروب وكاتب فيه. متخصص في علوم الكمبيوتر و هندسة البرمجيات. مهتم بالعلوم البحتة و المنطق والرياضيات والمنهج العلمي والتفكير النقدي ويستمتع بمنهج الشك وتطبيقاته العملية. يهتم بالموسيقى الشرقية نظريا وعمليا والتصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي وأمورا لا تنتهي ..

11 رأي حول “مدارس الموهوبين: تاريخ وتوجهات

  1. عزيزي ابو محمد، شكرا لجهدك الجميل في البحث والتقصي لتسليط الضؤ على مواضيع مهمة وحساسة لمجتمعنا الذي يعاني الكثير.
    تحياتي،،

  2. أهلا بك العزيز الجميل أبا جهاد ..

    لن يكلفنا شئ أن نطبق هذه الطرق .. على أرض الواقع لدينا .. لن تتبدل الميزانيات إن لم تقلّ عما هي عليه.. ونحتاج شجاعة وتدريباً للطاقم وقادة صارمين ..

    بعض المشاريع التجريبية تلحقها الباقي .. ولا حاجة لنا بتبني فكرة موحدة.

    أليس كذلك أيها العزيز؟

    شرعت بعض المدارس في ذلك في بعض أنحاء أوطاننا.. ولكن لا يسمع لها صوت ..

    دمت بخير أيها العزيز
    فاضل التركي

  3. مقال مفيد جدّا ..والتناول موسوعي يستحق التنويه فعلا …
    مع خالص محبتي و تقديري

  4. السلام عليكم
    بارك الله فيك على هذا الجهد المميز جعله الله في ميزان حسناتك
    ولك كل الشكر والتقدير

  5. اشكركم على هذا الموضوع الرائع….ولكنني احتاج وللضرورة مقاطع فيديو او صورا تخص الموهبة والتفوق

  6. عزيزي فاضل التركي حياك الله ، وكل عام وانتم بخير
    النظرة للموهوبين مغايرة ، وأعمق بل أدق ، السعودية حزوت حزو كبير في إهتمامه بالموهوبين من فترة وسعدت بالعمل بمراكز الموهوبين بها ولكن أين التجربة والاستمرارية النخاع العربي يدلى بدلوه ، ودائما يهرب من التراكمية الخبرية والفكرية ، ويعود إلى الكلاسكية القديمة وخلافة ………… د. مجدي حجاب

  7. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اخي استاذ فاضل، لك مني الشكر لطرحك الرائع في هذا المقال لقد وصلت بالصدفة الى هذا الموقع، بينما كنت ابحث عن مقالات حول تدريس الموهوبين ، فانا مدرسة في صفوف الموهوبين ولدي بعض الافكار الجديدة لتدريس الموهوبين احاول جاهدة ان جد لها اساس علمي صحيح لابرهن امكانية نجاحها وتطبيقها في العام القادم باذن الله.

  8. السلام عليكم اخوي الددكتور فاضل موضوعك جدا جميل الله يعطيك العافيه بس ياليت لو مكمل الموضوع ودليتنا على اسماء ومواقع لمدارس من هذا النوع تخدم اطفالنا لوتعرف ارجو الرد وشكرا

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>