خصائص الخطاب السياسي

 

في ختام تحليله نصوصاً سياسيّة مهمّة لجورج بوش وأسامة بن لادن ومناقشته تاريح العلاقة بين الّلغة والسياسة وغير ذلك من جوانب الخطاب السياسي، يلخِّص بول تشيلتون (2004، ص ص 201-205) سمات هذا النوع من الخطاب فيما يلي، مع كثير من التصرّف على سبيل التبسيط:

(1) يعتمد الخطاب السياسي على الإشارة إلى الزمان والمكان والمكانة والعلاقة والسياق.

(2) يقوم الخطاب السياسي على التفاعل الذي تتبدى من خلاله الحدود التي تفصل والروابط التي تجمع، تفصل الأنا عن الآخر وتجمعها ومن يحالفها أو يشبهها أو ينتمي إليها، وتتبدى من خلاله كذلك المكانة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأدوار التي يلعبها كل طرف في التفاعل أو حوله.

(3) يشتمل التفاعل على نوع من التفاوض والتداول، تداول الواقع، ومراجعة فرضياته المهمّة، ومحاولة فرض ما نفترض أو نُسلِّم به نحن على الآخرين.

(4) يشتمل الخطاب السياسي على توقُّع ما يفكر فيه الآخرون والتنبؤ بما يدبِّر المنافسون وما يؤمن به “الأعداء” ومن ثمَّ تفنيده أو إضعافه أو تشويهه وتقبيحه. يتحقق قدرٌ كبير من التفاعل في الخطاب السياسي بفضل قدرة الّلغة على الدلالة على مستويات مختلفة، وقدرتها على التعبير عن الواقع، ثم التعبير عن التعبير عن الواقع.

(5) يتحقق قدرٌ كبير من التفاعل في الخطاب السياسي بفضل ثراء تعابير اليقين والشكّ وتعابيرالضرورة والالتزام الأخلاقي والديني والاجتماعي – تعابير “افعل” و”لا تفعل” و”يجب” و”ينبغي” و”لا بُدَّ” و”علينا”.

(6) يرتكز الخطاب السياسي إجمالاً على تصنيفات ثنائية متعارضة، وربما متصارعة، بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين العدل والظلم، بين الشرعية وعدم الشرعية، بين الوطنية والخيانة، بين الحرية والقمع. عادة ما يكون صاحب الخطاب في المعسكر الأول وأعداؤه في “محور الشر”.

(7) لمفهوم الأدوار أهمية خاصة في الخطاب السياسي، والمقصود هنا هو ما يؤدي المشاركون في الخطاب من وظائف وأدوار اجتماعية أو سياسية أو عسكرية، سواء كانت هذه الأدوار حقيقة أو مُفترضَة أو مرجوَّة أو مسلوبة من الآخرين، والعلاقات التي تربط بين من يؤدون هذه الوظائف ويلعبون هذه الأدوار – “الحاكم”  و”المحكوم” و”الراعي” و”الرعية” و”الرئيس” و”الشعب” و”الحكومة” و”المعارضة” و”الجمهوريون” و”الديمقراطيون” و”العمّال” و”الفئات” و”أعضاء مجلس الأمة” و”الوزراء” وهكذا.

(8) للوعي بالمكان والمكانة أهمية خاصة في الخطاب السياسي، ومن ذلك ما يتعلق بمفهوم “الحدود” و”المياه الإقليمية” و”دول الجوار” و”الشرق” و”الغرب” و”الاحتلال” و”الغزو” والهجرة” و”الشمال” و”الجنوب” وما يرتبط بذلك من استعارات وتصورات وحقوق وواجبات.

(9) يشتمل الخطاب السياسي على قدر وافر من التفكير الاستعاري، على معنى أنّ للاستعارة وظيفة مهمة في صياغة التصورات وتجسيد المفاهيم والأطروحات السياسية. من ذلك ما نجد في استعارة “اصطياد أسامة بن لادن”. لا تكتفي الاستعارة هنا بتقبيح قائد تنظيم القاعدة ونزع ثوب الإنسانية عنه بل تنتقل من ذلك إلى تجريده من الشرعية ووضعه في معسكر الشر الذي تصبح محاريته التزاما أخلاقيا مشروعاً.

(10) من خلال الوعي بالمكان والتصورات الاستعارية التي ترتبط به، تتشكَّل الجماعات والقوميَّات والشعوب والأقليات والدول والدويلات، ويتشكَّل كذلك وعيها بمن ينتمي إليها ومن لا ينتمي، وتتبلور الهويّة السياسية والجغرافية والاقتصادية لتلك التجمُّعات، وتتبلور مفاهيم “نحن” و”هم”، من “معنا” ومن “علينا”. وقد يقع التبسيط المُخلّ والالتباس بين الهوية الجغرافية وبين الهوية السياسية أو الدينية كما نجد في تصوّر هنتنجتون صراعاً بين غرب “مسيحي” وشرق أوسط “مسلم”. ليس كل من في الغرب مسيحيين، وليس كل من الشرق الأوسط مسلمين.

(11) يبدو أنّ هناك ارتباطاً من نوعٍ ما بين الخطاب السياسي وبعض المشاعر الإنسانية الغريزية كحب الوطن والغيرة على الدين والحفاظ على الحرمات والمحارم والأماكن المقدسة والنفور من الغرباء والرغبة في الانتماء وحب “الأهل” والأسرة والانتماء إلى دين أو عشيرة. وكلُّها مشاعر يجيد الخطاب السياسي إثارتها والعزف على أوتارها بما يحقق غاياته وأهدافه.

(12) تكراراً لبعض ما سبق وتأسيساً عليه، تتجاوز الإشارة والتعابير الإشارية مجرد تحديد المكان إلى تحديد المكانة والدور والعلاقة بين المشاركين في الخطاب، من مجرد الإشارة إلى من أنا ومن أنت ومتى، إلى تأسيس علاقة بين “أنا” وكل ما هو حسن وخيِّر – وبين “عدويّ” أو “منافسي” وكل ما هو قبيح وشرّ – وتحقيق التلاحم بين منتج الخطاب ومن يسعى إلى إرضائهم من ناخبين أو جماهير أو لجان أو هيئات. هكذا تبقى الإشارة بمعناها الرحب سلاحاً مؤثراً في جدل الهويات والانتماءات، درعاً يدفع وسيفا يقتل، يداً تضمُّ “ذوي القربى” وأخرى تحجب الغرباء.

استطراد

إضفاء الشرعية وتجريد الآخرين منها

(ڤان ليوين، 2007، ص 92، بتصرُّف)

 في “المربع الأيديولوجي” وفي وظائف الخطاب السياسي تأكيد على ما يقوم به كلُّ خطاب أيديولوجي من إضفاء الشرعية على نفسه وتجريد الآخرين – الخصوم والأعداء والمنافسين والحسّاد والنقّاد – منها، ويستطيع مُنتِج الخطاب أن يحقق هذه الغاية – التي لا يخلو منها أو من بعض درجاتها أو ظلالها خطاب إنساني – من خلال:

(1) إسباغ السُلطة – من خلال استلهام الموروث والتقاليد والعادات والقوانين والاستشهاد بأصحاب النفوذ والتأثير الثقافي أو الفكري أو السياسي، كرجال الدين والرموز التاريخية.

(2) إصدار الأحكام الأخلاقية: إصدار أحكام أخلاقية عن الخير والشر والفضيلة والرذيلة والقيم والصواب والخطأ والحلال والحرام والعلم والجهل وغير ذلك من ثنائيات.

(3) العقلنة: إضفاء العقلانية على مقولة أو قضية أو موقف أو اتجاه، من خلال الأرقام والإحصائيات والتسلسل المنطقي والاستشهاد بالمختصّين وذوي الخبرة والعلم والمعرفة.

ا(4) لأسطرة والسرد: حكايات وقصص – حقيقية أو مؤلّفة – مفادها أنَّ كلّ ما هو شرعي يحظى بالنهايات السعيدة وكلّ ما هو خارج عن الشرعية ينتهي نهايته الطبيعية – “إلى سلة مهملات التاريخ” بتعبير جورج بوش في خطابه عقب الحادي عشر من سبتمبر. لا بدّ أن يتزوّج “البطل” من “البطلة” وأن يُلقى القبض على المجرم الشرير.

حول د. بهاء الدين محمد مزيد

سيرة ذاتية موجزة: أستاذ اللغويات والترجمة، قسم اللغة الإنجليزية، كلية الآداب بسوهاج، جامعة سوهاج، مصر، معار أستاذا مساعدا للترجمة، جامعة الإمارات العربية المتحدة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم دراسات الترجمة. حاصل على شهادة إتمام دورة تأهيل المعلم واللغويات التطبيقية، جامعة أوهايو، الولايات المتحدة الأمريكية، 1992، درجة الماجستير في علم اللغة التطبيقي، قسم اللغة الإنجليزية، كلية الآداب، جامعة القاهرة، نوفمبر 1995، دبلومة طرق تدريس اللغة الإنجليزية، معهد اللغة الإنجليزية، الجامعة الأمريكية بالقاهرة، 1996، درجة الماجستير في طرق تدريس اللغة الإنجليزية، معهد اللغة الإنجليزية، الجامعة الأمريكية بالقاهرة، 1997، درجة دكتوراه الفلسفة في اللغويات، قسم اللغة الإنجليزية، كلية الآداب، جامعة عين شمس، فبراير 1999. عمل إضافة إلى وظيفته بالجامعة باحثا ميدانيا واستشاريا لتدريس اللغة الإنجليزية للأغراض الخاصة مع هيئة فولبرايت ومدربا لمعلمي اللغة الإنجليزية للأغراض الخاصة وشارك في تنظيم عدد من المؤتمرات في جامعة جنوب الوادي وهيئة فولبرايت بالقاهرة وألقى عدة دراسات وبحوث باللغتين العربية والإنجليزية في اللغويات والنقد الأدبي وتدريس اللغة الإنجليزية في مؤتمرات في مصر والأردن والولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة وتايلاند. حصل على عدد من الجوائز في النقد الأدبي هي جائزة سعاد الصباح (الأولى) للإبداع الفكري، فرع الدراسات النقدية، 1994 وجائزة مادلين لامونت للإبداع الأدبي (الشعر) - الجامعة الأمريكية بالقاهرة،1995 وجائزة صندوق التنمية الثقافية المصري (الثانية)، فرع الدراسات النقدية، 1997 وجائزة الشارقة للإبداع العربي (الأولى)، فرع النقد الأدبي، 2001 وجائزة راشد بن حميد (الثانية) للثقافة و العلوم، فرع البحوث التربوية، 2007 وجائزة راشد بن حميد (الثانية) للثقافة و العلوم، فرع النقد الأدبي، 2009. نشرت له دراسات وكتب بالعربية والإنجليزية منها: زمن الرواية العربية: مقدمات و إشكاليات و تطبيقات، 2001، وخالتي صفية و الدير بين واقعية التجريد و أسطورية التجسيد، 1995، والتعابير اليومية في لغة المملكة العربية السعودية، 2004، والنزعة الإنسانية فى الرواية العربية و بنات جنسها، 2007، تسييس الترجمة (ميونيخ)، 2007، و دراسات "الكلام الجميل و القبيح في خطاب الحرب على العراق" و"تفكيك كاريكاتير مصري معاصر" و"أجناس خطابية معاصرة" و"تجديد البلاغة العربية" و"الباروديا (المحاكاة الساخرة)" و"الخطاب المراوغ" و"ممارسة السيميوطيقا".

6 رأي حول “خصائص الخطاب السياسي

  1. انا بعمل رسالة الماسجستير في الحوار السياسي political dialogue وقد استفدت من المقالة بشكل كبير وشكرا

  2. My thesis focuses on political discourse analysis and an imprtant chapter deals with political discourse characteristics. Thank u for enlightenment

  3. أنا في محلة اعداد سالة ماجستير ،وقد استفدت من هدا المقال ،ولكن يبقى محدودا ،شكرا.

  4. نا الان ابحث عن عنوان لرسالة الماجستير واقترح على عنوان وهو ( الخطاب السياسي في الفكر المعاصر) ولكن يجب تحديد نمودج للفكر المعاصر سواء بالجمع والمقارنة بين مفكر عربي وغربي او اي مفكر غربي فقط لاحدى المدارس الاوروبية

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>