نعيم عبد مهلهل

الفصل الأول: طنجة ، أور .. بغلة الجغرافية ، وعكاز الخبز الحافي

إمدادات هذا الكاتب  12 أغسطس 2006

(( انا لم اسمع حتى الان عن مشرقي كتب عن طنجة ))
محمد شكري .. حوار مع يحيى بن وليد …

(( كان خروجي من طنجة مسقط راسي في يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة معتمدا حج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول ( صلى الله عليه واله وسلم ) منفردا عن رفيق انس بصحبته وراكب اكون في جملته لباعث على النفس … وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور )) …
ابن بطوطة ص5 من كتاب رحلة من بطوطة
تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الامصار …

الليل المغاربي ليل اسن بضوء نجوم حادة ، وقطارات الليل هنا مسافات نعاس طويل عندما يمد المسافر جسده المتعب بين كازيلانكا وبحر طنجة.
المخلية ميته . اذا ما لم تعد الى الوراء قليلا …
علي انا الغارق في بحيرة ضوء ليل مؤنث . حيث النظرة تتعادل مع لذة فنجان القهوة . ان اكون اكثر صمتا من سائق القطار وهو يمد نواظر قوت اطفاله على السكة الحديدية وهي تلتهم الريف وقراه والمدن المتناثرة على طول الطريق والزمن كما يتناثر صهيل الخيول في الحروب الغابرة .
صبيتان تقهقهان وسط كابينة الجلوس . تداعب الواحدة الاخرى بافرنجية لا احسنها . شابتان تتخاصمان بالدراجة التي لا افهمها قدر فهمي لمواصفات بنطلون الجينز الذي يلتصق على ساقيها النحيفتين كما الصمغ السوداني على اغلفة الكتب لحظة التجليد ..
ليس هناك شهوه في المشاهدة ما دام طغيان التعب والنوم ، واراجيل النجوم تنفخ دخان التثائب ، رجل يمسك نشرة اقتصادية بالفرنسية ويضع خطوطا حمراء تحت جمل وأرقام لا افهمها ..
تواصل الفتاتان المداعبات لعلاقة بينهما . واحدة تنام في احضان الاخرى . وتستعرضان لغو الكلام بطلاقة .. اتأمل الوجوه بنعاس سومري فلا اجد ما استطيع أن أسرقه منهن لسفر بعد منتصف الليل .. فالقطار تحرك من كازبلاتكا صوب طنجة الواحدة صباحا … ورحلة الطريق بين دمشق .. والدار البيضاء بالطائرة كانت متعبة .. حيث لم يسمح لي المبيت في الهوتيل المسافر لإنه ( Complete) ، ففضلت تكملت الطريق الى طنجة ببغلة ابن بطوطة الحديدية ((القطار … ))
لا ادري لماذا امتلك الهاجس واليقين بان ابي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن ابراهيم اللواتي ثم الطنجي المعروف بابن بطوطة . قد مر بمدينتي – اور – حيث بنت سومر الحضارة العريقة اجمل واعرق سلالاتها .. وحيث كان هناك القير والحرف ومنهما ولدت سلالم المعابد الاولى والأواح و الكتابه .. وتلك الاشارة التي دونها بن بطوط تنبئ انه مر باور .. وشاهد من أثارها شيئا . لكن العرب منذ ازمنه حواضرهم . وحتى قبل الجاهلية كانوا يتحاشون الخوض فيما اطلعنا عليه القران الكريم (( اساطير الاولون )) ، ورغم هذا لمح الرحالة عن المكان بذكره إن مدن الحلة والنجف التي زارها كانت تطلي جدران بيوتها ومساجدها بالزفت الاسود ويجلب من مكان بين البصرة الكوفة وهو حتما يقصد ( بطائح اور السومرية ) ………
يدفع القطار خطواته المتثائبة صوب طنجة .. مظلمة هي طرقات .. فيما تصفر الوديان بغفوة قرى فقيرة . وتعدد المحطات باسماء تنتمي الى مسميات مختلفة ، ولكنها تلصق بمحلية الامكنة ورموزها من اولياء ، وقديسين ، ومباركين …
نامت احدى الفتاتين . فيما النحيفة الباسمة . تطلق هتافات مقاومة النعاس بإغنيات عربية التقطتها من منوعات الفضائيات .. النائمة وهي تتوسد بطن صديقتها يشع وجهها ببراءة وتعكس الزرقة المصنوعة من الروج ضوءً مشعاً تحت الاجفان الرامشة ، فا تخيل ما اعتقده انه شكل مدينة سأقيم فيها لزمن . ( طنجة )…
لان الطريق طويل .. كان على كابينة السفر ان ترغم جلاس المكان على التعارف . انا … الفتاتين قادمتين من الرباط للترويج لنوع من المساحيق النسائية في طنجة … صحفي – يدعي – محي الدين إمهاوش – شاب ايراني من اصفهان – سيدة مغربية – قالت ان زوجها يعيش في بلجيكا .. شاب في الطرف البعيد كان يحضر للبكلوريا ..
قدمت نفسي – دفعت الضحكة الخضراء أسنان احدى الفتاتين لتشرق وتسأل عن الذي اقوله ..؟
التواصل العروبي في الكلام . صعب قليلا – فالاسبانية – الفرنسية والدارجة المخلوطة بشيء من اللهجة الامازيغية يسيطر على التخاطب العام وعليك ان تجد من يفهم معنى جملتك بالضبط …
كان محي الدين – يحمل اجازة في اللغة العربية من كلية في تطوان سَهلَ الامر – ما يشبة الترجمة بيني وبين جلاس الكابينة .
ذاهب الى مكان .. ولاتؤسطره الذاكرة العربية الا بشيء من إستشراق مكان مفتوح . – طنجة – يعرفها الجميع من خلال كتاب التاريخ المدرسي . على انها منطقة دولية تقاسم ادارتها الانكليز والالمان والاسبان والفرنسيين . وعرفت على انها اخر ولايات التراب المغربي الذي سلم الى الادارة الوطنية بعد الاستقلال .. لكي تتخيل مدينة عليك ان تفترض شكلا لمكان ما .. (( وطنجة لا يمكن تخيلها بدون البحر .. فهي تتوسد دمعتين من ناظرين مختلفين – المتوسط البحر والاطلسي المحيط … وانها مدينة تغفو على سفوح جبال خضراء ، ومدى عميق لاحلام تاريخ يدخل فيه شيء هائل من رؤى الاسطورة .. كما ولادات المدن الاخرى في العالم ومنها .. ان طنجة واسمها جاء مما يلي وحسب ما اشار اليه محمد شكري وهو يرد على السؤال للزبير بن بوشي في حواره معه ..
- كيف يمكنك شرح اسطرة هذه المدينة ؟ …….
- (( هناك اسطورة تفترض ان انطنيوس هو مؤسسها وسماها باسم زوجته طنجيس بنت اطلس . وهناك اسطورة مغربية تقول ان نوحا عندما راى طينا بين رجلى طائره المرسل للاستكشاف ، صاح : طين – جا , أي الطين جاء . وقد رست فلكة قرب هضبة – الشرق – ومنها هناك تأسطرت المدينة ومعها اسمها .. استطعت ان اوصل بمساعدة امها ويشئا من رحلتي …
فتحت الغافية عينها . التقت بعيوني – شع بريق وردي ، فعلم بخيوط دهشة ناعسة ومفضوحة..
- عراقي
- نعم …
- ها . كاظم الساهر
- تالمت ان يعرف العراق هنا هذا القطار من خلال كاظم الساهر .
اردته ان يعرف مثلا من شيء اخر – الجنائن المعلقة – او معطف السياب – اودمعة امي وهي تبحث بين الاخبار عن خراب البلاد … غير اني ، لا املك في زحمة المشاهد العابرة والغريبة سوى ان امسح عن اجفان الصبية – منيرة – دهشة القدوم ، وكأن بغلة بن بطوطة التي اتت بي وحطت رحال المكان في البحث عن شيء مفقود في عالم غامض . عالم الدبابات – والفضائيات . وغياب مفردة الحلاج …
التي جنبي – وزوجها في بلجيكيا .. لاتحسن العربية جيدا – وكانت تستفسر كثيرا عن الذي يجري في العراق .. صديقها الاصفهاني – ينظر الي بعيون جامدة ..
قالت انه من اصفهان .. يريد الوصول الى اوربا ..
لا اعرف لماذا ارتعف في هماجس مما وانا اضع عيناني في عيناه . كان صامتا من جدار القطار . ولكني كنت ارى في عينيه ثمان سنوات قاسية من المعارك والرشاشات والخنادق الشقية . وربما هو ايضا راى في عيني ما اراه في عيناه . وربما تكلمنا من خلال تلك النظرات ، الصاخبة جراء ارتطامها بعجلات السكة المندفعة الى ليل طنجة الغامض . وكلانا وجد مبررا لما حدث . لكنه بإبتسامة خاطفة سَكن الرعب الذي في وبدى لي انه تلك السنين لم تشكل بالنسبة جدارنا من الحذر وان نظراته بدت تريد ساعة من رفقة الطريق ولا تريد النبش عن الماضي قال انه من اصفهان – تركها منذ زمن بعيد – سائلني ان كنت اعرف البطيخ الاصفهاني ؟
جاملتة وقلت والنساء ايضا ساهرات هناك ..
- ها . طبعا ..
ندمت على مدح النساء . خفت ان يكون متزمتا .. قلت . اصفهان تعرف الشيئين البطيخ بحلاوته . والنساء بجمالهن . . وان هذا في نظرة متداولة في العموم والا النساء الجميلات في كل مكان .
ابتسم وقال – ولكن البطيخ الجميل ليس في كل مكان .
قلت – لك في هذا حق (( لا تتذكر ماكاتبه )) ابن بطوطة في رحلته عن مدينة اصفهان : (
ظل القطار يدفع سرعته ، بتوازن وصخب ، يشيع في الليل هوس الريح واضيئ تحت اجفان منيرة وهي واحدى من النسيم للمكان تتدفعهما جسدهما جسد كل واحد منهما مخيلات تتلون بهدوء وتحسسني ببهجة ان تكون امام حسن بريء يغطيك بجفان تحتاج اليه في غربتك .
كان وجه فيره الصغير ..يطل ببراءة هولمية . فتاة تدفع ابتسامتها دون صدور لمانع ما . حتى انها تبتسم لاجل لاشيء …
انها تبتعد كثيرا عن تلك الوجوه التي امتلكها لمخيلة ما منحني اياه شكري في اوجه قصته التي كانت النساء تشكل نزغا صاعدا او نازلا فيها ..
رغم ان كل النساء محمد شكري هن من العالم الهابط بجوعه ونفوره واقداره السيئة وجسده المباح الا انني لا املك من ثقافة العقد والتوجه سوى ما كان شكري يبوحة في خبزه الماضي ، وتلك الاساطير البوهمينية التي كان يمارسها في شقته الصغيرة في الدور الرابع من عمارة شارع تولستوي بالطنجة .. ولكي ابرع عيون منيره المشعة كقنديل يهتز في مهد القطار ابعت عن اجفانها لاصورة امراه محمد شكري .. واعدت الى لهفتي بجمال ماتصنعه غاية البراءة التي يقصدها فاعسل مثلي ، لكن النائمة اخرى ، ظلت هي ايضا ، تخبئ تحت اجفانها بيدوقراطية ما . ودلال حتى في النوم .. اطلت النظر اليه كمن يشتهي كمثرى ، لكن عيون منيره الصافية كورقه بيضاء همسة : دعها نائمة ، فهي تحب النوم …
والليل يرتدي القطار ، نعلا ويمشي . وبعيدا عن العوم في بحيرة نعاس لطيفة وهي الصبية النائمة افترض . ان بغلة بن بطوطة تسير بمحاذات السكة المندفعة في عمق الليل الى حيث الاحلام ترى وزرائب وشجر ، لايأبه لدوي المفزع للاقدام الفولاذية لهذا المركب المندفع …
يدفع الرحالة بمهماز البغلة او الحصان ويشيع في رغبته حلم مدينة ما ..
مكة .. حيث يبيت الله ….
بين مكه والبحر مسير عمر …
(( رجل جواز سفره . مغامرته ،، . يولي شطره اتجاه . افق يسمية القبلة ، ويقول . ان جيرة النبي حلال … لهذا هو يرتدي قفطانه ، ويهدي المدينة الممتدة بشوارعها وعماراتها الشاهقة . وضجيج البازارات ، ومعه ، تصطدم بصاحبين مقاهيها الالاف فينحدر ام ما في عيون الالاف الجلاس وهم يمدون خيط من الحلم والهجرة الى الجزيرة الابدية ..
(( في قصة لمحمد شكري – بعنوان نعل النبي – ثمه تقديس هائل لفكرة ان تكون الحاجة العائدة الى مكة (( أي قادمة منها )) ….
يرى الريفيون هنا . والجبليون من اهالي طنجة وتطوان واصليه والعرائش ..
(( ان مكة تعني عالم الوصول الى المبتغى . وان صورة النبي جنة والذي ينجح بتعبد الوصول الى الكعبة فانه يمنح داره البركة ما قامت .. ولهذا كل شيء قادم من مكة مقدس ، وصعب التفريط به .. البخور شيئا من الماء زمزم ، الاواني ، الشباب .. وماذكره شكري في قصته (( نعل النبي )) ..
كل شيء هنا في منزلنا اشتريناه من مكه ، حتى هذا البخور ياتي مع اليهم كل شهر من مكة قصة نعل النبي .

مدينة كطنجة لم أرها لحد هذه اللحظة تستطيع أن تضع خيارات لمشهدية ما أتصوره عنها عبر رؤية مايمكن أن أجده أو أتخيله في قبر يفترض انه لابن بطوطة يقع في مقبرة بالمدينة القديمة ، ولكن زحمة الليل ونعاس البنتين قاد في شهوة التأمل أو الغطس بين عيون تفقه من الحياة عصرنة البناطيل والعطر الفرنسي ولكنها لاتفقه مأساة سيرة ذاتية لرواية طنجاوية تدعى (الخبز الحافي ) نالت الشهرة أكثر مما نالها برنامج ترفيهي في القناة الثانية يسمى ( أستوديو دوجيم ) قالت عنها أحداهن إنها تنتظره مثلما ينتظر الصائم هلال العيد .
قالت التي بجانبي : هكذا هن بنات اليوم .موضة وحلم سينمائي .
ابتسمت، قلت: أنا من مدينة، البنات فيها يحلمن بفتنة اللوح والكتابة وأغان النخل . أسمها أور .
ــ أور ، ماذا تعني أور . قالت إحدى الناعستين .
ــ تعني ربما بيت القمر ، وإنها كانت تعبد القمر إلهاً .
فتحت فمها بأستغراب وقالت : لحد هذه اللحظة .
ــ لاياحلوة . كان ذلك قبل الإسلام .وربما قبل سبعة ألاف عام .
ولأن الليل يغري بسيولة الحديث كما يقولون . رحت أتحدث لجلاس العربة عن مدينة لاتخفي ماتحت أجفانها ، ولا تعطي إلى السامع سوى صدى موسيقى أزمنتها ، أعيادها ، حروبها وغوايتها وأحلام الأنبياء والقديسين الذين ولدوا فيها .
الشاب الأصفهاني ظل ينظر الي بعيون لااستطيع تفسير مفرداتها ولكنه كان يقاوم نظراتي المتجهة إليه بابتسامة ليست غامضة تماما ولكنها عميقة المعنى .
الصحفي الشاب محي الدين امهاوش تعاطف مع وصف المدينة المحملة بإرث التاريخ كله . البنتان . واحدة انتبهت لشهقات سومر وأخرى فضلت العودة إلى النوم ،ولأننا في الجنوب نعشق النساء القاسيات فقد عشقت قبلة على خد البنت النائمة أكثر مما رغبته من البنت التي ظلت مشدودة إلى كلامي مثلما تشد الفتاة شريطها الأحمر إلى ضفيرتها السوداء .
كانت صعوبة فهم الكلام لدى البعض يجعلني أكرر الكلام مرتين ، وعلي ان استعين بترجمة امهاوش لتساؤل البنت عن رؤى وصف مدينة صعبة التقاسيم مثل اور .
ولانها تسال بالدارجة المغربية وبسرعة فلا افهم من شيء سوى تذكري لكلمات الكاتب الطنجاوي ( محمد المرضي ) وهو يقدم كتابه عن مدينته طنجة والموسوم ( ثدييا طنجة ) مطبعة ليتوكراف / طنجة 1992.حين يقول في أول صفحات الكتاب شاكرا من ساعده على ترجمة الكتاب ولا ادري إن كان يقصد ترجمته إلى العربية أم إظهاره إلى النور : ( لايمكننا هنا إلا أن نغتنم هذه المناسبة لنشكر فيهم هذا النظال < كتب الضاد بأخت الطاء > الثقافي والذي مكن من تمرير هذا الخطاب وإيجاد صوته ، شكله ولونه الطبيعي ألا وهو اللغة العربية ) .
إذن في بعض الأحايين بالنسبة للمغاربة العربية وفهمها الصحيح كلغة خطاب يومي أو ثقافي تمثل مشكلة وخاصة بالنسبة لمدينة كانت إلى عهد قريب محمية دولية يتقاسم إدارتها الفرنسيون والبريطانيون والأسبان والأمريكان وهي طنجة التي ربما هي أخر حاضرة مغربية عادت للتراب الوطني بعد الاستقلال وضلت التأثيرات الأوربية تصبغ شكل الحياة في أشياء كثيرة أهمها إن الطنجاويين يتكلمون بحرية وطلاقة الفرنسية والاسبانية أكثر من اللغة العربية ورغم هذا فإنهم يحاولون دوما جعل تداولهم اليومي عربيا حتى ولو باللهجة الشمالية لأهل المغرب . وهي تكاد تكون من اللهجات الجبلية.
لاأعرف لماذا وانا اطوي الليل الى مدينة ابن بطوطة أحمل خيال عاشق لما أتصوره جزء من اسطرة مدينة وكانني عندما امتع مسامع جلاسي بفتنة مدينة في أقاصي الارض اسمها اور انما اعيد ترتيب مشاهد الروي للمدن المتخيلة كما فعل ايطاليو كالفينو في كتابه الساحر
( مدن لامرئية ) وربما اردت ان اضيف الى مدن كالفينو طنجة واور . ورغبةالجمع بينهما هي فعل لايستطيع جمعهُ سوى سحر الرحلة وثقافتها.
تفتح البنت المدللة النائمة ذات الخدين المتوردين كصوت كمان أجفانها .
تسالني عينها ببرود : هل أكملت حكايتك ؟
أجبتها بذات اللغة المصنوعة بحبر الأجفان : لازلت أهذي بألواح فخار قلبي وكلها مدونات عشق ورحلات جلجامشية وشيئا من فتنة عشتار وكبرياء انو .
قال محي الدين مهاوش : نحن هنا في المغرب نعرف جلجامش ورحلته الأسطورية.
ضحكت البنت بدلال الوردة وقالت : وربما جاء الى طنجة بقطار صاعد من محطة ( كازا فيوجير ) وهو مايطلق على المحطة الرئيسية لقطار مدينة الدار البيضاء .
ربما : قلت ، ولكي أجعل جلاسي بعيدين عن غرابة وجودي في هذا الليل الملتحف بعباءة الوديان والقرى النائمة ، اكملت :
محمد شكري نفسه تحدث مرة عن مدينتي ، الناصرية الواقعة في الجنوب العراقي.
في كتابه ( غواية الشحرور الأبيض ) ، قال شكري شيئا عن مدينتي في سياق رؤاه عن رواية الوشم التي ربما اهداها له مؤلفها الروائي عبد الرحمن الربيعي وهو ابن مدينتي واحداث الرواية تدور فيها ، أذن لابد للرواية ان تخلق في مخيلة شكري وهو يقراها شيئا من خيال مدينة كما افعل انا في تصوري لمدينته طنجة .
فشكري يصف ابناء مدينتي من خلال قراءته للرواية كتالي كما في الصفحة 144 من كتاب غواية الشحرور الابيض :
(( من الصفحات الأولى ندرك ان أشخاص هذه الرواية اذكياء اجتماعيا وثقافيا ، حتى السذج منهم يجدون دائما مايقولونه ، سواء عن وضعهم الساسي المنهزم او عن هموم الحياة وتفاصيلها الصغيرة ))
قال صوت ناعم / شيء عجيب !
تهت في مخيلة لحظة التفكير بقيلولة الليل عند محمد شكري لحظة قراءته رواية الوشم وكتابته عنها في شقته 18 بالدور الرابع من عمارة في شارع تولستوي بطنجة وتخيلت اوقات شكري التي يكتب بها وكيف تفاعل شكل المدينة السومرية في راسه التطواني الفلاحي الذي اتى يحمل هموم قسر اجتماعي هائلة من قريته الجبلية ( شكير ) وهو يحمل ذات العبارة التي نقلها عن فم امه في بداية الصفحة الاولى من روايته الشهيرة( الخبز الحافي ) :
(( اسكت سنهاجر الى طنجة ، هناك خبز كثير . لن تبكي على الخبز عندما نبلغ طنجة . الناس هناك يأكلون حتى يشبعوا ))
ليس في لحظة كتابة شكري سوى وجهه الحاد القسمات ، أفترضه يمسك عبوسا اسطوريا عبر ما يصفه معارفه او صديق لفترة من الفترات . وكنا نجلس سوية على الكرسي الذي تعود ان يجلس عليه رشدي وهو يحتسي شرابه في حانة ريتز ، وهو اسم تحمله في اوربا سلسلة فنادق ، ومنه خرجت الليدي ديانا لتلاقي حتفها في موتها الماساوي في باريس .
تجلس على كرسي كان يجلس عليه شكري .
صوت القطار يدفع برد الليل الى جفن النوم . الآتيان بمدينة من اقصى الأرض الى غرفة في قاطرة امر يحتاج الى نباهة .
ــ كان شكري يعرف الناصرية جيدا ، لهذا كان يحلل الرواية بمستويات فهم المكان بصورة جيدة .
همست اجفان احدى الفتاتين : وربما تفعل انت ذلك مع طنجة ؟
قلت : يبدو لي انني سأتيه في قراءة مدينة تشتغل عليها ثقافات لاتحصى . من بغلة بن بطوطة وهي تجر غيوم الجغرافيا ببطئ ذاكرة المسترخي ، الى قبر جان جينيه في العرائش ، صناعة مشهد تقرا فيه تاريخ مدينة امر صعب لغريب مثلي .
قالت ــ انت من بلد ولد فيه اجمل مغامر في التاريخ ( السندباد ) كن مغامر مثله وأدخل في قبو المدينة .
قلت : وانا قادم لأدخل !
يمشي القطار الى طنجة . وتمشي أظلاف بغلة بن بطوطة مغادرة طنجة .
( كان ارتاحالي في ايام امير المؤمنين وناصر الدين المجاهد في سبيل رب العالمين الذي رويت أخبار جوده موصلة الإسناد بالإسناد ، وشهرت أثار كرمه شهرة واضحة الأشهاد ……….الأمام المقدس ابو سعيد ابن مولانا امير المؤمنين وناصر الدين الذي فل حد الشرك صدق عزائمه وأطفات نار الكفر جداول صارمه ، وفتكت بعباد الصليب كتائبه ) ..رحلة بن بطوطة / الصفحة الخامسة / الجزء الأول / طبعة مصر / 1377 هجرية.
غادرها يوم الخميس . في زمن امير المؤمنين ابو سعيد بن ابو يوسف بن عبد الحق .
دخلت طنجة يوم الخميس في زمن أمير المؤمنين ، الملك الشاب ، محمد السادس بن الحسن الثاني بن محمد الخامس بن مولاي يوسف العلوي .
غادرها أبن طوطة مقتبل الصبح .دخلت أليها مقتبل الصبح .
كان في راحلته جمعا من رجال ونساء ، قاصدا جزيرة العرب . كان في القاطرة التي تطوي وهاد الليل بقوة فرس من حديد جمعا من رجال ونساء ، بينهم من اعطى للجزيرة ظهره وقصد امكنة البحر وتلاقي المحيطين ، ليرى كيف حرك الفارس مهماز حصانه وقال غادروا حافلاتكم الاسطورية ( جيادكم ) واعبروا البحر بالسفن فغدا سأمدد ساقي على اريكة خشب قشتالي واشرب القهوة على رنين اقراط الغجريات وسادعو لوركا ليسمعني قصائد البرتقال وغابات غرناطة .
كان هذا كلام طارق بن زياد وهو يهم بالقاء خطبته المشهورة البحر من وارءكم والعدو من امامكم .
تذكرت بيتاً شعريا يبدأ هكذا ( امشي وقدامي الهوى ) .
بين اجفان تسيقظ مرة وتغفو مرات . يشتغل هيام الليل بوجد عشق أخضر لعالم تركته ورائي ، عالم أبنائي وطفولتي ودمعة زوجتي . ابن بطوطة قادم صوبها براحلة من بغال واباعر وخيول نشيطة وانا ذاهب عنها ، براحلة من بيونغ 727 طارت بي من دمشق الى كازا بلانكا ، ثم قطار يطوي الليل مثلما يطوي قارئ رواية ( الخبز الحافي ) صفحات السيرة الذاتية الماجنة بجراة الفقر وقساوة الاب وشحوب وجوه عاهرات الحانات.
تمشي قافلة الطنجي المسكون بأكتشاف الشرق الذي جاء منه اجداده وعبروا من مدينته المحصورة بين شفتي المتوسط والاطلسي الى اسبانيا ليؤسسوا هناك مجدا لازالت غواياته تسير تائهة بين شوارع المدن الجنوبية للجزيرة الايبرية ( ملقا ، قشتالة ، طليطلة ، غرناطة ، قرطبة ، أشبيلة ) اسماء لاتجد مقارنات شبيهة لها اليوم باللفظة الأسبانية ولكن حين تغور في دلالة اللفظ تجد بقايا من فتنة ولادة وسحر عود زرياب معلقة بثبات في اجفان النادلات وبنات الجامعة والسابحات بساحل الجزيرة الخضراء .
فتلك فتاة اسمها أيلينا ولكن جدتها ام والدتها اسمها فاطمة . واخرى أسمها خديجة وامها اسمها ماريا ليوتي . وكثيرات من يحملن أسم سلمى وليلى وغادة .
شدني اسم غادة .
كانت تتزين بجمال أشقر تغطيه سمرة قديمة لازمنة لم تشعر برسومها في مداخل شفتيها الفستقيتين لكن الناظر يراها واضحة .
كان مرافقي المغربي يحاول افهامها بطريقة تستطيع بها من جلب حبيبها المغربي الى التراب الاسباني بواسطة طرق التهريب . قال لها ان سبتة ومليلة أفضل طريق للعبور والامر يكلف 2000 دولار .
قالت لايهم : المهم حبيبي المغربي .
سمع النادل اللشبوني اصراره وقال : لنشرب كأس تيكلا في صحة حبيبك العربي .
ردت بغضب : حبيبي المغربي .
تعجبت لاصرارها .وسألت جليسي : هل هناك فرق بين ان تكون مغربيا او عربيا ؟
قال : كلا ولكنهم هنا بفعل الدعاية اليهودية يحاولون تفرقت المغرب عن مشرقه .اي ان الاعلام هنا يحاول ان يقرب للاسبان مثلا ان الطنجاويين يقتربون للدم الاسباني اكثر من الدم العربي ومادام صديقها طنجاوي فهو ليس عربيا كما تعتقد .
غاده ذات الاصول العربية تحمل سحر الاسم فقط .اما مشاعرها فهي خليط من تاثيرات العولمة والدعاية اليهودية وماتنقله لهم الفضائيات من مشاهد موت عبثي في غزة وبغداد وبيروت ومقاديشو .
كنت اتامل عينيها بعيدا عن عطاس الليل في غرفة القطار الذي يجلبه غبار حوافر قافلة الرحالة الطنجي وهو يرسم خطوط مدن يتمنى رؤيتها ..من سمر قند حتى البصرة ..ومن صنعاء حتى شنغهاي . ومن فاس حتى سوق المحمدية في دمشق .
مدن تختبئ تحت اجفان غادة في مساء من مساءات لشبونة العارية إلا من معاطف بناءها الاثري الذي رأيت هندسته في تطوان كثيرا وكاني في دورة اجفاني على المكان اشم عطور روايات ماركيز واشعار نيرودا وارى في وجوه الفلاحين البسطاء ازمنة القهر الاجباري في جندية الجيش الملكي وهو يعبر المحيط الى المكسيك والارجنتين وبيرو .
قالت : غاده . هل انت مغربي ؟
ــ لا .
ــ افريقي .؟
ــ سومري .
ــ ماذا تعني سومري ؟
ــ أنها حضارة .
ــ مثل أمريكا ؟
ــ أفضل .
ــ يعني انكم وصلتم الى القمر قبلها .
ــ نعم .
ــ كيف ؟
ــ بالشعر .
ــ يالهي ..حضارتكم شاعرة ولست حضارة مركبات فضاء ؟!
ــ نعم .
ــ واين تقع هذه قرب المريخ ؟
ــ كلا قرب عينيك .
ابتسمت وقالت بصوت عال : يالهي انت تتحدث شعر حقا قل لي باسم مريم قديستنا ، أين تقع حضارتكم ؟
ــ في جنوب العراق .
أحمر وجهها بغضب ، انفعلت كما اخترق خاصرتها سيف مجهول وقالت وهي تنظر الي بوقاحة.
ـــ عراق .. انا لااحب العراق .
ـــ لماذا .انه سيدتي مكان الحضارة الأول .
ــ ومكان القتل الاول أيضاً .
ــ كيف ؟
ــ أخي خوليو كان جنديا في الديوانية . تعرف الديوانية هي ايضا عندكم في العراق . قتل هناك.
ابتسمت طويلا . ( تذكرت شاعرا جميلا من اهل الديوانية اسمه كزار حنتوش ، والغريب ان ديوانه الموسوم اسعد رجل في العالم كان في حقيبتي بالفندق ) وقلت . ومن جاء به للديوانية مادام هو اسباني .
ــ ذهب ليدافع عن قيم الغرب ؟
ــ قلت وهل اسأنا لقيم الغرب حتى تاتوا لتدافعوا عنها .
ــ نعم ، كان عندكم رجل يشبه فرانكو .
ــ وعندما كان عندكم فرانكو هل جئنا نحن اسبانيا .
ــ ياما جئتم لقد بقيتم على ارضنا قرونا طويلة ونحن لم نبق سوى عامين وقتلتم اخي .
ولأني لم اشئ ادخل في جدل غضبها قلت لم يترجم كلامنا : قلها انا أسف لموت اخيها .
قالت كمن يستهزء من اسفي : بأسمك ام بأسم اهل الديوانية ؟
لم اجبها …………صمت وقلت لنفسي: لست مخولا لاعتذر عن احد .
قالت لجليسي وهي تحمل حقيبتها وتغادر المكان : فكر بطريقة تجئ بها صديقي المغربي الى لشبونة وانا ادفع لك النقود . سادفع حسابي فقط . غادرت وهي تتمتم بغضب : يقول العربي ان حضارته حضارة شعر واخي خوليو مات عندهم ..هيه .
ظل القطار يدفع حوافر الحديد . بان خيط الصبح بشحوب مذهب بفتنة نعاس امينة وهي تحدق في بدفء وحنان ممزوج بشيء من الاعجاب لثقافة الكلام التي ملئت بها القاطرة .
سمحت اضوية الصباح لاجفان القراءة ان تبدأ مشوار قتل الوقت ، فلازلنا حد هذه اللحظة متوقفين في محطة القصر الكبير وهي حاضرة مغاربية تقع بين الرباط وطنجة وكنت اعرفها سابقا فقد سكن فيها قبل اكثر من عشرين عاما صديقا لي من ابناء الناصرية واسس فيها روضة للاطفال في حي سكني يدعى الاندلس ، ومنذ اكثر من عشر سنوات انقطعت مراسلاتي معه وانا اتامل المدينة وبيوتها ظلت عيناي تبحث بدقة عن يافطة تقول ( روض الاماني النموذجي ).
وبين الأماني وتخيل شكل مدينة ستأويني لزمن ، يتحرك القطار ،يطلق صافرته الازليه ويتسلق افقا مبرقعا بلون البرتقال يخترق بضوءه البكر اثداء الجبال الممتدة بتواز على طول السكة الحديدية .
المدينة التي لم أشئ أن اسأل عنها رفاق القاطرة ، أردتها ان تكون مفاجاة في كل أشيائها ، فمدينة لاتعرفها تصبح اكثر لذة من مدينة تمتلك عنها تصورا مسبقا ، لانها ستستقبلك ببرود الارصفة وعدم انتباهها لك لانك سرت في شوارعها ذات يوم وشربت شاي مقاهيها ، لهذا فان المدن المتخيلة في دفاتر السفر هي المدن اللذيذة وكأنني في رؤاي لطنجة قد اخذت مقولة محمد شكري في واحدة من رسائله الى محمد برادة ويقول فيها :
(( كم اتمنى ان اكون بعيدا في بلد لايعرفني فيه احد ليكون لي من جديد اول صديق ، او خصم ، او عمل لم امارسه من قبل ، الى ما لانهاية من الأوائل ))..
طنجة القريبة في قياسات مسافة الأرض فليس بينك وبينها سوى اصيلة الشهيرة بمنتدياتها الادبية وبيوتها البيضاء ، لكنها بعيدة في مقاسات الذاكرة فانت ذاهب لمدينة لم ترها سوى ببطاقات البريد او ما نقله شكري في قصصه ورواياته ، فيما لم يذكرها بن بطوطة سوى لحظة فراقها في رحلة الاسطورة الجغرافية ورغم ان التاريخ قال انه قضى اخر عمره في فاس ومات فيها إلا ان مقبرة المدينة القديمة تحوي قبرا دون عليه على انه قبر بن بطوطة كما ذكر الدكتور محمد مصطفى زيادة في محاضرة عن رحلة بن جبير ورحلة بن بطوطة القاها بدار مكتب التبادل الثقافي للمغرب بمصر في يومي 12 ، 19 مايو 1939 .وصدرت بكتيب في ذات السنه عن مطبعة لجنة التاليف والنشر قوله عن اخر رحلات بن بطوطة ومنيته :
(( اخذ في التجول ببلاد السودان الغربي وواحاته حتى وصل تكدا ، وهي وقئذ أكبر مدن أقليم الطوارج من البربر ، وهناك وصله كتاب من عند السلطان أبي عنان يطلب إليه الحضور إلى مراكش ، فامتثله ووصل الى فاس سنة 754 هجرية ، 1353 ميلادية فأقام فيها حتى وفاته .))..
في صباح ناصع الزرقة بدت بيوت أصيلة البيضاء مثل كتل من الملح المبتسم . مدينة تغفوا بصمت كسول على حافة محيط لانهاية له ، نائمة كثمرة بطيخ وسط حقل ومحشتدة في زحمة الموج على شكل أغفاءه تلهو بحضن حلم .
منظر يداوي صباحي بأمل انني ساحظى بمدينة تأوي طموحاتي لانتاج كتاب .
صباح رائق يذكرني بفتنة الشعر وأنا أذوب في شجن موسيقاه ،حين تركت الوجوه المهتزة للركاب الطيبين وتهت منسجما مع هواجس الشاعرة المغربية ( فاتحة مرشيد ) في سمفونيتها الاثرية الموسومة ( أي سواد تخفي ياقوس قزح ) .
وانا اتامل اصيلة وهي تنشر ثوبها الطيني الابيض على خد السماء المتكية على وسادة البحر تمنيت عليها أن تسمي كتابها ( أي زرقة تخفي ياقوس قزح ) …ورغم هذا تصطدم بي قصائد الكتاب وتهيج في نعاس صباح رائق همسة القصيدة التي اشتغلتها فاتحة بعناية وهي تقول :
(( اعدك ان لا اضل الطريق
الى قلبك مرتين
أنا أتجهت ……
يدلني
عرقي عليك )) ..
كأن هذه القصيدة تعنيني تماما وانا ادفع هاجس الرغبة صوب مدينة . ربما تجلب الهدوء لعاطفتي المتالمة مما يحدث في بلدي من عنف وقتل وأرهاب .
لامففخة هنا ، لاجنود غرباء ينظرون الى وجهك كما ينظرون لشخص آت من كابول . بلاد مزقتها حروبها الكثيرة ، والقواطع الكثيرة ، والاحزان الكثيرة ، فمنذ اكثر من خمسة وعشرين عاما اطفالنا لايعرفون ان يرسموا وردة وبدلها يرسمون دبابة او طائرة حربية لهذا اوليت شطري صوب غرب السماء لعلي اجد حلما مختلفا عن احلام الحروب والخوذ واكياس المفخخات المرمية في قارعة الطريق وانا احمل في ذاكرتي مارواه ابن بطوطة عن المغرب وحياته في الصفحة 181 من رحلته طبعة المكتبة التجارية بمصر .
(( وصلت يوم الجمعة في اواخر شهر شعبان المكرم من عام خمسين وسبعمائه الى حضرة فاس فمثلت بين يدي مونا الأعظم الإمام الأكرم امير المؤمنين المتوكل على رب العالمين ابي عنان وصل الله علوه وكبت عدوه فأنستني هيبته هيبة سلطان العراق وحسنه حسن ملك الهند وحسن أخلاقه حسن خلق ملك اليمن وشجاعته شجاعة ملك الترك وحلمه حلم ملك الروم وديانته ديانة ملك تركستان وعلمه علم ملك جاوه ..والقيت عصى التسيار ببلاده الشريفه بعد أن تحققت بفضل الانصاف انها إنها احسن البلدان لن الفواكه بها متيسرة والمياه والقوات غير معتذره وكل أقليم يجمع ذلك ولقد أحسن من قال :
الغرب احسن ارض ولي دليل عليـــــــه
البدر يرقب منــــــه والشمس تسعى اليه
ودراهم الغرب صغيرة وفوائدها كثيرة وإذا تاملت اسعاره مع أسعار ديار مصر والشام ظهر لك الحق في ذلك ولاح فضل بلاد المغرب ))
يقولون في المغرب ، حيث البيئات تتنوع كألوان اثياب حفلة العرس بين اصيلة وطنجة وتطوان والعرائش مربع الروح الفاتنة .
قالت زوجة المهاجر الى بلجيكا . الشماليون المغاربة يقولون هكذا . انت مثلا إذا لم تزر مراكش فانت لم تزر المغرب قطعا .
قال الاصفهاني : وزائر ايران إذا لم يذق بطيخ اصفهان ، كانه لم يزر إيران .
قلت : ونحن في العراق نقول للزائر إذا لم تذق تمر البصرة فستظل لك في العراق حسرة !
قال امهاوش : لكن شمال الله كله زينة البلدان فانه جميل دائما . وطنجة عروسة الشمال .
تذكرت الشمال . الجهة التي ترتبط بالجنوب بهواجس الحرب أكثر من اي هاجس ، ليس ببلادي فقط ، انما في كل البلدان تقريبا ، فالشمال القائد جنوده جنوبيين دوما ، انا مررت بتجربة التعامل مع شمال الحرب ، وربما اجداد جلاس القاطرة أيضا ، وفي الخبز الحافي ، حديث لشكري عن إن والده جُند في الجيش الإسباني ليحارب هناك في شمال لايعرفه ، او جنوب ينتمي إليه ، المهم في اغلب الاحيان الشمال يعطي ايعاز الحرب والجنوب يعدل من وضع حراب البنادق .
أقرأ في جغرافيا المغرب . كتيب صغير لمؤلف ضاع اسمه من الورقة الأولى . بلاد تتنوع فيها بيئات الله . ووصفها المختصر (يختلف مناخ المغرب حسب المناطق، فهو متوسطي بالشمال، محيطي بالغرب، صحراوي بالجنوب. أما في الداخل فيتميز بكونه مناخا قاريا، و يتأثر بعامل الارتفاع في منطقة جبال الأطلس ) .
أذن انا ذاهب للشمال المتوسط ، ولفم المحيط الإطلسي الذي يدفع امواجه بكفين هائلين على مدن صنعت أساطيرها من روح المكان وناسه ومقادير التواريخ التي مرت عليها . ولأنني لااملك في مقصدي غير طنجة ، دفعت اصيلة ببياضها العسلي ورائي وعدت من استقامة الرؤية في عيوني لارأى أفق جبال متوشمة بخضرة قاتمة قال عنها محي الدين امهاوش : تلك طنجة قادمة إليك !
سكنتني رهبة مشعة وانا أقترب من مدينتي لااعرفها سوى ماتؤسطره لي حكايات شكري وسطر واحد ذكرها فيه ابن بطوطة . والذي اخافني اكثر هو امتعاض شكري نفسه من اولئك الذين ياتون لطنجة ويكتبوا عنها ، وحتما لو انه حي الان فأنني اجد الاستحالة في الذهاب الى الكتابة عن مدينة صورها على انها جزء هائل من تناقضات العالم ، فكيف لي بعشرة ايام ان اوجز هذا التناقض واخلع ثوب المدينة والبسه على مشروع رحلة تمتد بين اخيلة النص المكتوب باصابع شكري الثملة وبين وقع اقدام الرحالة اللواتي المولود بطنجة (( إبن بطوطة )) والذي ارعبني اكثر ما دونه محمد شكري في كتابه (( بول بوولز وعزلة طنجة )) وهو ينزل سخطه على اولئك الذين كتبوا عن طنجة قديما وحديثا كما ورد في الصفحة 4 من الكتاب اعلاه :
(( إن اكثر مايكتب عن طنجة اليوم هي كتب ، بطاقات بريدية < كارت بوسطالات > ، قد يمكث في طنجة كاتب ما لاسابيع ويكتب عنها كتبيا متبجحا بما يعرفه عن خفاياها وجغرافيتها السرية وامجادها الغابرة والمشاهير الذين عاشوا فيها ومروا بها انهم لكثيرون الذين يكتبون عن المغرب بطاقات بريدية فيهرجون الكتابة ويسطحونها ، بحثا عن شهرة مجانية ، فقاعية ، وزبائنهم القراء هم أيضا هؤلاء المرضى بالأفتتان ، والغرائبي وماورثوه من الف ليلة وليلة او ما تبقى من ذاكرتهم منها : لإن في طنجة القرن العشرين هناك دائما سحر الف ليلة وليلة متاهب لينبثق )) ..
إن اردت ان اقرا مستويات كلام رشدي قد أذهب الى تفكير ان رشدي وصل الى مرحلة من كبرياء الاستحواذ وكانه يريد له المدينة وحده ، ولايريد لاحد ان يشاركه في الكتابة عنها لاسيما انني قابلت من يعرف رشدي وتحدث لي عن ملامح سمات كهذه ، والحق ان من يقرا تراث رشدي وسيرته الذاتية يعرف الكثير عن اعماقه وتفكيره وربما شكري في اعماقه يناقض الكثير مما كان يتحدث عنه في رسائله وحواراته .
لااعرف لماذا قبل ان تلامس اجفاني خيوط المدينة أستعرضت محمد شكري بملامحه القياسية وبالصور القاتمة لامكنته بداءا من بيت الريف ومرورا بمقبرة بو عراقية حيث كانت له ليال نوم ومرورا بشقته بطريق تولستوي حتى سرير المرض والاغماضة الاخيرة بمستشفى في الرباط .
لقد وضحت الخبز الحافي صورة مدينة من الأسفل ، او لنقل شعب من تحت ، عكس عليها الرجل بعض ما كان يعانيه هو ومن يعيش معهم ، ظلت الطبقة المترفه بعيدة ولم يتحدث عنها إلا نادرا وكان طنجة عنده ليست سوى ماخور وحانة وشجار بالشفرة او مواسم لصوصية وتسكع وفتات المزابل.
كانت طنجة في الخبز الحافي هي الجوع والمتاهة والسماسرة الحثالات ، غير انه كان يذهب في تصوير باطن الحس الأصيل لدى الذات المغاربية وهي تتصارع ضد التسلط والمستعمر وهذا ما كانت تاتي عليه بعض مشاهد الشعب الثائر ضد المستعمر الاسباني ، وكان شكري ناقلا لها وليس مشاركا ، فهو كأي شرقي يعاني من عقدة واحدة تتخلص في الصورة التي نقلها الاديب خالد النجار عن الذات الشرقيه وهي تصنع النص الابداعي لها في حواره الممتع مع دوروتي سان ليجيه زوجة الشاعر الفرنسي الشهير سان جون بيرس والتي نشرها في موقع جهة الشعر :
((هنا يتماهي النص مع رمز الأب في التحليل النفسي، فهو يشكل مفارقة عجيبة وباعثة على التأمل فيها : فرمز الأب له نزوع للسيطرة، وهو وبهذه السيطرة نفسها يدفعنا للتحرر من ربقتها، ولكننا ـ نحن العرب ـ ربما لا ينسحب علينا هذا التحليل الفرويدي. فلعل معضلتنا الثقافية، أو قل درامتنا الثقافية أننا بلا دراما، بل إننا نستبعد أي حس درامي بالعالم، فنحن ثقافة لا تقوم على دينامية وجود الأب وقتله، ورغم روموز هذه الثقافة وتعبيراتها البطركية فليس للأب فيها ذلك الحضور الحاسم. الأب لدينا رخو، والإبن رخو بالنتيجة، والحدود غائمة بينهما. إنها حدود غير حاسمة، غير قاطعة، مما يترتب عليه أشياء خطيرة في حياتنا، وفي ثقافتنا، منها : استمرار التماهي السري مع الأم في سني الرشد بالتوازي مع نشدان التقمص والإستسلام لرجولة الأب، فليس قتل الأب هو هوسنا العصابي، لإننا نسل ابراهيم السامي الذي هم بذبح ابنه المستسلم، ولسنا من ذرية أوديب الذي قتل أباه. هذا هو شأننا الثقافي، لا صراع لنا مع الأب (ومارضاء الله إلا برضاء الوالدين، والجنة تحت أقدام الأمهات) وبالتالي لا صراع للأجيال لدينا، والثقافة عندنا تكرار عبر الأجيال باعث على السأم. وعلاقات القرابة لدينا ثقافيا بالنتيجة هي شبه ))..
وانت تقرا الخبز الحافي ترى في علاقة الاب وشكري مطابق تماما مع مقولة النجار ويخالفها في هواجس اخرى لأن شكري كانت في امنيات طفولته وصباه احلام متمناة لموت والده حتى لو بطريقة بشعة ، غير ان التماهي السري والمودة الخفية والعلنية ظلت قائمة بين رشدي ووالدته ، وربما هذا ينعكس في علاقته مع المدينة ، لهذا كانت طنجة بالنسبة له مكانا للتضاد وهذا التضاد لايمكن السيطرة عليه إلا من خلال التمرد والصعلكة وموبقات الانوثة والسكر ، فهي مدينة كان يعيش في اسفلها ولم يشء ان يصور سوى ذلك الاسفل بحكم تلك النزعة المتوارثة من تأثير التربية الفضة والعنيفة بين الاب وابنه وربما هذا ات من ريفية الفقر والجهل وطوبغرافيا المشكلة لدى الاجناس مكان كهذا من العالم .
أقتربت المدينة اكثر فاكثر ، هدئ القطار من ضجيج عجلاته الحديدية ، ملامح اولى لأي مدينة هي عبارة عن لغز بألف صورة .
قالت امينة بوجهها البشوش كجنحي فراشة : اتمنى لك سياحة جميلة في طنجة .
لااعرف لماذا تضايقت من سماع هذه الكلمة وانا اتذكر كلاما قاله بول بوولز في تعليقه على الاتين للمدينة سواحا :
(( أنهم يريدون الوصول بسرعة والأستقرار في احد الفنادق .وهذا كل شيء . فهم لايأبهون باكتشاف بلد ما . وفي العصر الذي نعيشه الان لايفكر سوى في عامل الزمن . انهم يذهبون لتمضية عطلة قد تستغرق مابين ستة اسابيع او ثلاثة ، حسب الاحوال .فلماذا هذا ؟ ألم يكن من الافضل ان يبقوا في بيوتهم ؟)) .
رغم هذا أشعر إن كلام بول بوولز لايعنيني ، انا جئت بطائرة ثم بقطار ، ولكن في جيوبي حلم ما ، ان امسك شعرات لحية بن بطوطة واداعبها بخواطري ، وكذلك في نيتي مقارنة عدد شعيرات اجفان رشدي وأقارنها بطريقة حسابية مع اعداد النساء التي اقام معهن مودة الفراش . فالمدنية بالنسبة لي مشروع لقراءة جديدة ولست ات اليها كما اتى الرسام ماتيس ، كرسي على البحر ويرسم النوارس والسفن الذاهبة صوب غرناطة . ولن افعل كما بيكيت ، وهو يقول : جئت هنا لاستريح من تعب غودو . انني آت لاقرأ عقدة الحياة التي عاشتها المدينة عبر تأريخ مؤسطر ببريق الخيال والجمال لكن ادب شكري ينافيه تماما ، لقد كنت ارى طنجة في كتب شكري عبارة عن عالم يتهدم في الظلام ، لم العقدة البشرية الابدية التي ظل فرويد يقول عنها : إن المشكلة تكمن هنا .
(هنا ) هي طنجة .
أبتسمت لأمينة ، اعطيت لضحكتها رغبة مصاحبة او صداقة مؤقتة ، فهمت ، وبذكاء فطري اجابت : نحن هنا في يوم عمل ، وغدا نعود الى الرباط ، ورغم هذا دونت رقم هاتفها في ورقة ودسسته بلصوصية لذيذة وكأن اصابع ارسين لوبين دخلت جيب بنطالي فرن صوتها العذب عبر الهاتف النقال : صباح الخير اور ، صباح الخير طنجة ……………………………………………

• فصل أول من كتاب سيصدر لاحقا ، بعنوان ( طنجة ، السحر وهو يرتدي الزمن دمعة بحر )…………




التعليقات 2 على “الفصل الأول: طنجة ، أور .. بغلة الجغرافية ، وعكاز الخبز الحافي”

  1. ouahid noureddine علق:

    العزيز نعيم عبد مهلهل : من يزور طنجة مرة لا بد وان يعود . رحلتك هذه لا ينقصها سوى بعض …العرق …و اغتيال شكري مرزوق ….
    لك الود على بساط الريح من طنجة الى اور ، مرورا بموضع القلب بين الضلوع …سوريا ولبنان قامات و قدود ….
    ………………………………………فائق الود و الاعتبار.

  2. كمال العيادي علق:

    العزيز الغالي نعيم,

    الرّوح نعيميّة , والأسلوب جديد كلّ الجدّة…طازج طريّ…

    أغبطك على هذا النصّ الرّائع أيّها الأروع

    كمال العيادي