د. جميل حمداوي

النقد الأسطوري عند الدكتور مصطفى ناصف في { قراءة ثانية لشعرنا القديم }

إمدادات هذا الكاتب  04 يناير 2007

يعتبر الدكتور مصطفى ناصف من أهم نقاد العرب الذين اشتغلوا على التراث العربي القديم والحديث من زوايا منهجية مختلفة تتراوح بين الدراسة البلاغية والأسلوبية والتفكيكية والتأويلية والأسطورية. ولقد كان الشعر العربي القديم هدفا لكثير من دراساته ولاسيما كتابه القيم” قراءة ثانية لشعرنا القديم”، وهو عبارة عن فصول نقدية متنوعة انكب فيها على الشعر الجاهلي بالفحص والتحليل والتقويم من خلال رؤية جديدة وهي الرؤية الأنتروبولوجية أو المنهج الأسطوري. إذاً، ماهي القضايا النقدية التي يطرحها هذا الكتاب؟ وماهي خصائصه المنهجية والفنية؟ وماهي الملاحظات التقويمية التي يمكن أن نخرج بها بعد قراءتنا لهذا المتن النقدي؟

1- بيوغرافية المؤلف:

ولد مصطفى ناصف بمحافظة الغربية في جمهورية مصر العربية سنة 1922م، وحصل على دكتوراه الدولة في البلاغة من جامعة عين شمس عام 1952 م. وقد اهتم بالنقد النظري والتطبيقي منذ أمد طويل. واهتم كثيرا بالتراث العربي القديم ومناهجه البلاغية والنقدية مقارنا إياها بمستجدات الفكر الغربي المعاصر. وكان هدفه من مقارباته النقدية التأصيل والتأسيس لنقد عربي جديد وقراءة واعية للتراث الأدبي دون الانسياق وراء مفاهيم التجريب وما تراكم في الغرب من نظريات نصية وممارسات تطبيقية إجرائية .

وللدكتور مصطفى ناصف كتب عديدة منها: نظرية المعنى في النقد العربي، ودراسة الأدب العربي، والصورة الأدبية، ونظرية التأويل، والنقد العربي نحو نظرية ثانية،واللغة بين البلاغة والأسلوبية،وخصام مع النقاد، وطه حسين والتراث، وصوت الشاعر القديم، والوجه الغائب، واللغة والبلاغة والميلاد الجديد، واللغة والتفسير والتواصل.

2- طبيعة الكتاب:

يندرج كتاب” قراءة ثانية لشعرنا القديم” للدكتور مصطفى ناصف ضمن الدراسات النقدية الأدبية النصية التطبيقية التي تحاول قراءة الشعر الجاهلي من خلال التصور الأسطوري الأنتروبولوجي مستندا إلى اللاشعور الجمعي لدى كارل يونغ على غرار الدراسات الأدبية والنقدية الأخرى التي درست الشعر الجاهلي على ضوء المناهج الحديثة والمعاصرة(المنهج الاجتماعي، والأسطوري، والبنيوي، والتوثيقي، والفني ، والجمالي، و التاريخي،و النفسي، والفلسفي ، والتأويلي، والتفكيكي، والسيميائي،….) على غرار كتاب” في الشعر الجاهلي” لطه حسين “، و ” قراءة جديدة لشعرنا القديم” لصلاح عبد الصبور، وكتاب”المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها” للدكتور عبد الله الطيب، و”المعلقة العربية الأولى أو عند جذور التاريخ” للدكتور محمد نجيب البهبيتي، و”العصر الجاهلي” للدكتور شوقي ضيف،و”الصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث” للدكتور نصرت عبد الرحمن، و” مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية” للدكتور ناصر الدين الأسد،و” نحو منهج بنيوي لتحليل للشعر الجاهلي (الرؤية الشبقية)” و” الرؤى المقنعة نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي ” للدكتور كمال أبوديب، و”المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي” لعبد الفتاح محمد أحمد، و”عناصر الوحدة والربط في الشعر الجاهلي” للدكتور سعيد الأيوبي، و”المدخل إلى الأدب الجاهلي” للدكتور إحسان سركيس، و”الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي” ليوسف خليف، و”مقالات في الشعر الجاهلي” ليوسف اليوسف، و” الخطاب الإبداعي الجاهلي والصورة الفنية” لعبد الإله الصائغ، و” الرحلة في القصيدة الجاهلية” لوهب رومية، و” الشعر الجاهلي” لمحمد النويهي، و” مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي” للدكتور حسين عطوان، و” في النقد الجمالي ، رؤية في الشعر الجاهلي” للدكتور أحمد محمود خليل، و” الفضاء المتخيل في الشعر الجاهلي” لرشيد نظيف، و” الأصول الفنية للشعر” للدكتور سعد إسماعيل شلبي، و” خصوبة القصيدة الجاهلية ومعانيها المتجددة” لمحمد صادق حسن عبد الله، و” دراسات في الشعر الجاهلي” ليوسف خليف،و” الشعر الجاهلي” للدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، و” الشعر الجاهلي خصائصه وفنونه” للدكتور يحيى الجبوري،و” الشعر الجاهلي قضاياه الفنية والموضوعية” للدكتور إبراهيم عبد الرحمن محمد…

ويستند كتاب مصطفى ناصف” قراءة ثانية لشعرنا القديم” إلى المنهج الأنتروبولوجي الأسطوري الذي يبحث عن الثوابت العقلية اللاشعورية للمجتمعات وخاصة غير المتحضرة ورصد الثوابت المشتركة من المشاعر والشعائر والطقوس والعادات والعقائد التي تتكرر ثقافيا واجتماعيا عند المبدعين والفنانين والتي تعبر عن الرغبات اللاواعية لكل فرد داخل المجتمع الإنساني. ويضم الكتاب مائة وسبع و ثمانين صفحة من الحجم الكبير ومقدمة وثمانية فصول. ومن المرجح أن تكون هذه الفصول مقالات نشرت في مواقع صحفية ومنابر ثقافية متفرقة، ثم جمعت في شكل كتاب تولت دار الأندلس ببيروت اللبنانية طبعه ونشره، ونحن في دراستنا التقويمية نعتمد الطبعة الثانية لسنة 1981م.

3- القضايا النقدية في الكتاب:

ينطلق الدكتور مصطفى ناصف في مقدمة كتابه ” قراءة ثانية لشعرنا القديم” من فرضية أساسية وهي أن الأدب العربي قبل الإسلام لم يقرأ قراءة حسنة كما أثبت ذلك عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين مرارا وتكرارا ، وذلك لعدة موانع تحول دون قراءته قراءة واعية ممتازة . وتتمثل هذه الموانع في الحواجز العقلية والنفسية. وكتابنا هذا يهدف إلى إعادة النظر في الشعر العربي القديم الذي اتهم بأنه ناتج عن” عقل مادي قاس رتيب لايتجاوز المحسوس ولا يعلو على العلاقات الفردية، ولا يستطيع أن يحيط بالأشياء من حيث هي كل. همه محصور في أن يتعلق بجزء من الأجزاء ينكب عليه دون ملل. ثقافته محدودة، وتطلعه الفلسفي سطحي يسير”[1].

وينطلق مصطفى ناصف من فلسفة الشك على غرار طه حسين في كتابه ” في الشعر الجاهلي” قصد الوصول إلى اليقين وذلك بالتشكيك في كل المسلمات والثوابت التي التصقت بالشعر العربي القديم قبل الإسلام. وهذا المنطلق المنهجي نجد مرتكزاته النظرية لدى الفيلسوف العربي المسلم الغزالي والفيلسوف الفرنسي ديكارت. كما أن القراءة تختلف من عصر إلى آخر ومن شخص إلى آخر ومن مكان إلى آخر. لذلك فقراءة مصطفى ناصف ستكون قراءة جديدة همها الاستكشاف والاستنباط والاستقراء والانطلاق من مجموعة من الفرضيات قصد البرهنة عليها وعدم التسلم بالمعطيات الثابتة والأحكام الجاهزة عن الشعر الجاهلي.

أ‌- الفـــصـــل الأول: الإحســـــــاس بالتــــــراث:

يرى الدكتور مصطفى ناصف أن الأدب العربي القديم – يقصد به الأدب الجاهلي- يتميز بصفائه ونقائه لكونه بقي بعيدا عن المؤثرات الفارسية واليونانية والهندية. ووصلنا هذا الأدب ناضجا ومكتملا وثابتا بأصوله الفنية التي صارت فيما بعد قواعد للكتابة الشعرية والإبداعية بعدما أن نزل القران الكريم بلغة هذا الأدب الرائع في شعريته وكتابته النثرية. وقد عمل القرآن على تهذيب لغة الشعر الجاهلي وتنقيتها وصقل بيانها وتطعيمها بألفاظ دينية وروحية. وقد حارب النقاد القدماء الشعراء المحدثين الذين يريدون أن يتمردوا عن بنية القصيدة الجاهلية التي صارت معيارا للاحتذاء والتقليد بعمودها الأصيل الذي يثبت مجموعة من القواعد الدلالية والفنية التي لا ينبغي الخروج عنها كما أسهب في شرحها المرزوقي في مقدمة ديوان الحماسة لأبي تمام. ويشكل هذا العمود الشعري الأساس الحقيقي لكل شعرية عربية على غرار القران الكريم والسنة النبوية اللذين يمثلان مصدرين أساسيين للتشريع والعمل.

ولقد واكب النقد الكلاسيكي تطور الشعر العربي من خلال مدارسة الشعر القديم والحديث من خلال ربط الماضي بالحاضر ومقارنة القيم القديمة والجديدة والبحث عن مواطن التقليد والتجديد. واعتبر الشعر الجاهلي مصدرا ومنبعا للشعر العربي قاطبة، ودرعا واقيا صامدا في وجه التيارات الثقافية والحضارية القادمة إلى ساحة الفكر العربي وإبداعه ضمن حركية المثاقفة و جدلية الاحتكاك الثقافي و الحوار الحضاري بين الشعوب.

وقد ناقش مصطفى ناصف ماذهبت إليه مدرسة الديوان إبان عصر النهضة مع عباس محمود العقاد وعبد الرحمن شكري وعبد القادر المازني التي كانت تنطلق في فلسفتها من التوجه الرومانتيكي الغربي معتمدة على الحرية وتقديس الذات الفردية والتغني بالبطولة الفردية و الحرية القومية. وكانت لا تعد بشعر لايعكس ذات صاحبه وجوانيته الداخلية ومشاعره الباطنية . أي إن الشعر عند مدرسة الديوان هو شعر الشخصية والوجدان والشعور الداخلي والإحساس بالجمال النابع من الروح. وبما أن شعر شوقي كان شعرا غيريا ولا يعكس روحه الشخصية وحياته الفردية، فقد هاجمه العقاد هجوما عنيفا ونفى عنه إمارته الشعرية من خلال نقد ه لقصيدة “الربيع” التي اعتبرها العقاد قصيدة سطحية لاروح فيها ولا معنى. وهذا الصراع في الحقيقة ما هو إلا صراع مذهبي وفني ، صراع بين مدرستين أدبيتين : المدرسة الكلاسيكية التي كانت تهتم كثيرا بالغير والآخر، والمدرسة الرومانسية التي كانت تؤمن بالفرد والقلب والعاطفة والطبيعة والحرية الإنسانية.

وعليه، فإن مدرسة الديوان تقصي الماضي الشعري و الإبداع التراثي، لأن الأدب القديم صار عاجزا وقاصرا عن العطاء والتجديد بالمقارنة مع الحاضر الذي يتطلع إلى الإبداع والحداثة الشعرية اعتمادا على مقاييس الشخصية والذات والروح الفردية. وعندما عاد زعماء الديوان إلى التراث الشعري القديم لنقده وغربلته، فإن همهم الوحيد هو البحث عن القمم الفردية التي تغنت بشعر الشخصية والحرية الذاتية و خاصية التحول كما فعل أبو نواس الذي ثار على بنية القصيدة الجاهلية التقليدية وابن الرومي الذي عبر كثيرا عن ذاته الشخصية المتأزمة. وأبعد هؤلاء النقاد كل شعر يلتزم بالقبيلة والتغني بالروح الجماعية واعتبروه شعرا رديئا غير مطبوع فيه صنعة وتكلف. ويعني هذا أن كل شعر غير ذاتي يقصى ويعد مصنوعا لاقيمة له ولا جدوى منه مادام لايعكس شخصية الشاعر وفرديته الوجودية وكينونته الداخلية. وهذا المقياس يخالف ما كان يعتمد عليه النقاد القدامى الذين كانوا يحتكمون إلى المقاييس الفنية والجمالية وليس إلى مقاييس الذات والجماعة، لذالك عد أبو نواس شاعرا عاديا ضمن المنظور الفني على الرغم من محاولته للخروج عن عمود الشعر العربي الذي بقي وفيا وأسيرا لمعاييره وأصوله الفنية الثابتة. ويعني هذا أن النقاد القدامى اهتموا بالشعر بدلا من الشاعر كما تؤمن بذلك مدرسة الديوان التي تسعى جاهدة للبحث عن ما هو شخصي وفردي في التراث الشعري القديم. بيد أن هذه المدرسة لم تجد ماكانت تبحث عنه من تجارب شعرية فردية بالمفهوم الرومانسي الغربي؛ لذلك تجاوزت الماضي نحو الحاضر وأدارت الظهر له. ويقول مصطفى ناصف في هذا الصدد:” إن الأستاذ العقاد لم يستطع- وسط همومه الثقافية المتزايدة- أن يشعر بأن الأدب العربي فيه كثير من أهوائه التي تتركز في عبادة الإنسان وعبادة حياته، فعبادة الإنسان عبارة موجزة تنفع في الإيماء إلى تفصيلات كثيرة إذا حللت. والأستاذ العقاد مشغول بهذه النزعة، وكل أقواله في دنيا الأدب والنقد إنما أراد بها أن يحيي فكرة الإنسان الباحث عن التجربة، المتلذذ بالوعي، الشاعر بالانتصار، الذي ينسخ كل ماعداه، الذي يأخذ من كل شيء آخر ما سلبه بلاحق. الإنسان الذي يسترد مملكته من أيدي الغيب. ومن ثم كان على التراث – في نظره- أن يستجيب لما أراد. وقد لقف قليل من الباحثين هذا التيار وبحثوا عن أصدائه في مجالات أخرى غير الشعر العربي، ووقر في أنفس الناس رأي العقاد حين يجعل القيمة صنوا لهذا النوع من التفكير، مما عداه في عالم الشعر العربي، وكل شعر آخر، كثير. فيلقى هذا الشعر في النار وقد كتبت عليه عبارة الشعر المصنوع.”[2].

ب‌- الفصـــــل الثـــاني: حـــلــــــم المستقبـــــــل:

يقر مصطفى ناصف بأن دراسة الأدب الجاهلي عمل ممتع، وأن هذا الأدب كان له تأثير كبير على باقي الآداب العربية الأخرى. ويعني هذا أن الأدب العربي مر بعصور عدة: جاهلي، وإسلامي، وأموي، وعباسي، إلى عصرنا الحديث والمعاصر. ويعد الأدب الجاهلي المصدر والمنبع الوحيد للأدب العربي. وقد تفاعل الأدب العربي مع ظروفه وعصوره، وكانت له كثير من صفات العراقة والثبات والأصالة. وإن أوائل الأدب العربي شكلت أواخره. والمقصود بهذا أن الأدب الجاهلي بلغنا ناضجا ومكتملا في كل مقوماته المضمونية والفنية والجمالية، بداية ناضجة شكلت منطلقا للشعر العربي ومنبعا بؤريا تنصهر فيه كل الآداب تناصا وتضمينا واقتباسا. ومن ثم، فالأدب العربي مدين في جوهره للأدب الجاهلي. ولفهم هذا الشعر لابد من ربطه بثقافة الشاعر وعقله الباطني وعصره الاجتماعي. وينبغي أن يدرس لا كظواهر فردية بل كظواهر جماعية وثقافية وحضارية. وقد رفض الدكتور مصطفى ناصف كثيرا من الأحكام التي ارتبطت بالشعر الجاهلي كالبداوة والفقر والجدب والحسية والمادية والأمية والتناحر والصراع والتخلف والفكر التجزيئي وتعدد أغراض الشعر الجاهلي وافتقاره للوحدة الموضوعية والترابط العضوي… بل اعتبره شعرا رائعا لا يمكن التقليل من قيمته، وأنه خير وثيقة عن فلسفة التاريخ والإنسان في صراعه الأنطولوجي مع الزمن والقدر والمصير والحياة والموت. كما أنه شعر مترابط ومتسق ويحمل أبعادا تجريدية رمزية إذا تعاملنا مع قضايا الشعر الجاهلي كأنماط أسطورية وأنتروبولوجية، ولا ننسى كذلك براعة شعراء الجاهليين في تصوير الأشياء براعة خارقة .

و يعبر هذا الشعر بكل صدق عن الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والأدبي والسياسي الذي يتمثل في وحدة السلطة المركزية التي تتجسد في عاصمة الجزيرة العربية ألا وهي مكة. كما استبعد الباحث أن يكون مصطلح الأمية بمفهوم الجهل والتخلف الثقافي وانعدام الكتابة. فالكلمة تدل على سرعة الغضب والثورة والتمرد. وبالتالي، فهو مصطلح إسلامي أتى ليدل على المفاهيم السابقة التي تعاكس مضامين الرسالة السماوية التي تدعو إلى التمسك بأمهات الأخلاق والفضائل النبيلة.

إن مصطفى ناصف يفند جملة وتفصيلا ماذهب إليه الباحثون المعاصرون الذين ربطوا الشعر الجاهلي بالصحراء والبداوة والاستطراد والانتقال من فكرة إلى أخرى دون رابطة واضحة ناهيك عن سذاجة هذا الشعر وواقعيته وبساطته وسطحية أفكاره وعدم تعمق الأشياء. إنها “صورة هزيلة شاحبة، فالشعر الجاهلي شعر حسي غليظ يعنى بوصف المحسوسات التي يراها الشعراء أمامهم في الصحراء المفتوحة. وليس فيه- لذلك- أثر من آثار الفكر والعقل. أما إذا وجدنا شيئا نسميه الحكمة فهو لايعدو أن يكون تعبيرا عن خبرة الأيام المباشرة التي لا تحتاج إلى ثقافة. وسوف تكون كل دراسة تجري على هذا المنوال – يقول مصطفى ناصف- ضربا من التكرار غير المفيد، وسوف تكون غير مستقيمة أيضا، لأن حياة العصر القديم أعمق مما يجري على أقلامنا حتى الآن؛ وقد شهد هذا العصر صراعا روحيا قويا لم يقدر تقديرا ملائما. وإن نشأة الإسلام العظيم في نهاية هذا العصر لا يمكن أن نهون من دلالتها ومغزاها. إنها تعني – بكل اختصار- أننا أمام عصر يضطرم فيه القلق ويبلغ ذروته. إننا أمام مجتمع تشغله أسئلة أساسية شاقة عن مبدإ الإنسان ومنتهاه ومصيره وشقائه وعلاقته بالكون. ولكننا ننسى- كثيرا- أن ظهور الإسلام في ذاته علامة على وجود مستوى من القلق في نواحي الحياة عامة، ونظل عاكفين على فكرة الجاهلية الحمقاء. وكيف يمكن أن نفهم مكانة القرآن الكريم بطريقة منطقية مقنعة إذا دأبنا على أن نجعل الشعر الجاهلي- دون تمييز- سطحيا قريبا واقعيا خاليا من أثر القلق والصراع والنضج الأدبي”. [3]

هكذا يصل الباحث إلى أن الشعر الجاهلي يطرح أسئلة ميتافيزيقية وأنطولوجية تتعدى دلالات الشعر السطحية إلى ماهو أعمق ومجرد فيه من خلال تفكيك رموزه المشفرة وعلاماته المسننة سيميائيا وأسطوريا. وبعد ذلك ينطلق الدارس من فرضية أساسية يشكك فيها وهي ” النظرية المتداولة التي تزعم أن الشعر الجاهلي كان ساذجا بدويا لا غور له ثم انتقل حينما اختلط العرب بغيرهم من الأعاجم إلى طور أرقى. لنقل إن الشعر الجاهلي ينافس أي شعر آخر إذا أحسنا قراءته، ولو أحسنا قراءته لبدا أمامنا وافر الحظ من العمق والثراء”.[4]

ينطلق مصطفى ناصف بعد فرشه النظري والنقدي والتاريخي إلى دراسة الأطلال نصيا وتطبيقيا من خلال استحضار معلقتي زهير بن أبي سلمى ولبيد بن ربيعة معتمدا على نظرية كارل يونغ في تأويل القصيدتين وتفسيرهما ليصل بعد ذلك إلى أن الأطلال ظاهرة جماعية وليس فردية ، أي تعبر عن الأنماط العليا الثابتة الراسخة في العقل الباطن واللاشعور الجماعي. والمقصود من ذلك أن ظاهرة الأطلال تجربة فنية قائمة على التكرار واستعادة الماضي الموروث في شكل طقوس وشعائر جماعية، أو إنها صلاة جماعية لدى جميع الشعراء تعبر عن تقليد طقوسي راسخ لدى شعوب الجزيرة يصيغها الشاعر بطريقة رمزية وشعرية كمعادل موضوعي للواقع المادي. ومن ثم، فالأطلال التزام جماعي وظاهرة فنية طقوسية وعادة مشتركة بين جميع الشعراء. وبذلك يعبر الطلل عن صلة الماضي بالحاضر، والمكان المقترن بالطلل يمثل بؤرة انصهار الزمان. كما تشخص الأطلال علاقة الإنسان بالمكان والزمان وجوديا وقدريا على الرغم من أن هذه الأماكن ليست فردية ولا تجارب شخصية بل لها بعد جماعي طقوسي. وهكذا يقر مصطفى ناصف بأسطورية الطلل ضمن رؤيته المنهجية الأنتروبولوجية التي تتجاوز التحليل النفسي الفردي إلى سيكولوجية اللاشعور الجماعي الذي يحيل على فطرية الإنسان وثوابته المتعالية المخزنة في لاشعوره ، والمترسبة في عقله الباطن، و ليس هذا “الفن- إذاً- ضربا من الشعور الفردي الذي يعول في شرحه على بعض الظروف الخاصة بشاعر من الشعراء. وإنما نحن بإزاء ضرب من الطقوس أو الشعائر التي يؤديها المجتمع أو تصدر عن عقل جماعي، إن صح التعبير، لا عن عقل فردي أو حالة ذاتية. والحق أن الشعر الجاهلي- كله- يوشك أن يكون على هذا النحو، بمعنى أن مراميه فوق ذوات الشعراء. وهناك إذاً قدر من المشاعر والأفكار التي يسهم في بنائها كل شاعر كبير. والذي يلفت النظر هو أن فن الأطلال كغيره من فنون الشعر العربي في العصر الجاهلي ينبع من إلزام اجتماعي؛ فالشاعر من حيث هو فنان يوشك أن يكون ملتزما، ويأتيه هذا الالتزام من ارتباط غامض بحاجات المجتمع العليا، وكل نابغة في العصر القديم يشعر أن المجتمع يوجه أفكاره إلى حيث يريد. ولذلك يجب ألا يغيب عن الذهن أن الأطلال- والشعر الجاهلي كله- يثير التأمل في معنى الانتماء وسلطان اللاشعور الجمعي؛ فالشاعر الجاهلي لا يتصور الفن عملا فرديا بل يتصوره نوعا من النبوغ في تمثل أحلام المجتمع ومخاوفه وآماله”.[5]

وترتبط بالأطلال فكرة الظعائن التي تشكل لحمة تناسلية وراثية مع البنية السابقة” والذي يبدو أن الظعائن بالنسبة للطلل مثل الذرية بالنسبة للأم. ومن أجل ذلك يصبح الطلل كالأم الولود التي لا يجف خصبها. وهذا الخصب ذو صور متعددة متحركة وساكنة، كالحروف والنقوش والظباء والنساء. ويبدو الطلل كأنه منبت ثقافة؛ منبت الوعي وإدراك الماضي في مضيه واستمراره معا، منبت الحاجة إلى تثبيت مركز الإنسان وسط الوجود عن طريق الكتابة. منبت إدراك قوة الخلق التي يمكن أن يتمتع بها الطلل: الطلل هو النبع الثر الذي ولد الظعائن. والظعائن نساء لا يراهن المرء، شخوصهن مخبأة خلف الأنماط والأستار. ولكن الشاعر يبحث عنهن وقد سرين في أنحاء الجزيرة ينشرن ما يشبه الود والسلام. ومن ثم تكاد تلك الظعائن تنافس فكرة الأطلال ذاتها. وغالبا ما تسير الظعائن محفوفة بما يشبه الجلال. ولكنها محفوفة أيضا بما يشبه الغموض”.[6]

إذاًً، ترتبط الأطلال في الشعر الجاهلي بالظعائن والوشم والكتابة والبحر وركوب السفن والطير والنخيل واللعب. وتخيل الظعائن في سفن ضرب من الرؤى الجماعية التي تعبر عن مخاوف الجماعة وآمالها حين تفكر في الانتقال من مرحلة إلى مرحلة عمرية وحضارية أخرى في الحياة، فالسفن سيكولوجيا تعبر عن الرغبات اللاواعية الموجودة لدى الإنسان والتي يتقاسمها مع الجماعة البشرية. أما ” الهوادج المغطاة بالثياب الجديدة المنقوشة فهي حجب تحول دون التطلع إلى الظعائن ليصبحن أقرب إلى الأسرار، فالثياب من حيث هي زينة تشغل بجمالها أو كرمها أو رقتها كما يقول الشراح أحيانا ولكننا ما تلبث أن نفطن إلى حقيقتها فهي حجب مانعة من ملابسة السر والاقتراب منه.”[7]

وترتبط الظعائن بالطير فحين ” تخف الطير بالظعائن وتضربها لأنها تحسبها لحما كما يقول الشراح، يرى الدكتور ناصف أن للصورة أغوارا بعيدة، ومناوشة الطير لا تخلو من بعض المخاوف والوساوس، فالثياب غريبة لأنها مصنوعة من الدم وفكرة الظعائن لا تتصور بمعزل عن القتال وإرادة التغيير التي تناوش عقلية الشاعر”[8]

ج- الفصــــــل الثــــالــــــــث: البــــطــــــــــل

يمتاز الشعر الجاهلي على عكس نظر كثير من الدارسين بترابط مواضيعه وأغراضه وأجزائه إذا أحسنا قراءة هذا الشعر. وبالتالي، ينفي مصطفى ناصف فكرة تعدد الأغراض وتفكك القصيدة التقليدية ويعترف بالوحدة الموضوعية والعضوية التي يتسم بها هذا الشعر.

وينتقل الدارس من فكرة الطلل إلى الفرس ليبين بأن معظم الشعراء الجاهليين وصفوا الفرس ولاسيما طفيل الغنوي الذي يلقب باسم طفيل الخيل لأنه أجاد في وصف الفرس ،وسلامة بن جندل السعدي في بائيته وهو من فرسان العرب المذكورين فقد أحسن أيضا في وصف الفرس وربطه بصورة الماء كثيرا. ولكن يبقى فريس امرئ القيس أكثر الأفراس شهرة في الأدب العربي وخاصة في معلقته اللامية التي يقول فيها:

وقد أغتدي والطير في وكناتهــــــا

بمنجرد قيـــــد الأوابد هيكــــــــل

مكر مفر مقبل مدبـــــــــــــر معــا

كجلمود صخر حطه السيل من عل

لقد علم امرؤ القيس الناس كيف يصفون الفرس ويتحدثون عنه. وقد أصبح وصفه مرجعا لجميع الشعراء العرب. وارتبط الفرس عند هذا الشاعر بالسيل والسرعة والجمال الخارق والمطر المغيث،وبذلك صار هذا الفرس خالدا في ذاكرة الشعراء اقتباسا وتناصا وتقليدا .

و لايمكن فصل هذه المواضيع( الفرس والسيل والمطر) في الشعر الجاهلي مهما تعددت أغراضه . ويتخذ الفرس بدلالاته الرمزية في اللاشعور الجمعي طابعا أسطوريا وطقوسيا؛ لأن الفرس يرتبط في الذاكرة الجماعية والشعرية بالخير والقوة والعطاء. ويتحول قبح الفرس حينما تسيل منه الدماء إلى جمال عندما يزين الفرس بالحناء تصويرا وتشبيها، مما يضفي على الفرس بعدا جماليا. وهذا القبح الجميل موجود بكثرة في الشعر العباسي عند مسلم بن الوليد وبشار بن برد.

ويتجلى البعد الأسطوري على مستوى الفرس /الرمز في كونه يتخذ طابعا إنسانيا إحيائيا عير مجموعة من السمات كالقوة والشجاعة والكرم والعطاء والإلهام والحيوية والنشاط. ويملك الفرس هنا قدرات جنية وصوفية وباطنية كما يتبين واضحا في لامية الشاعر الجاهلي المزرد بن ضرار الذبياني الذي أسبغ على فرسه فضائل خيالية جعلت من الفرس كائنا مقدسا ،و بمثابة قائد ومعلم عظيم يمهد للناس الطريق. و” الفرس- ذلك الإنسان الكامل- صورة لما يتشبث به الشاعر أملا في المستقبل ورغبة في قدر أتم من المناعة والحصانة. إن صورة الفرس هي صورة الرجل النبيل الذي ملأته العزة والثقة…والحقيقة أن الدور الإنساني للفرس دور واضح، ويبدو للقارئ أن الفرس يستطيع بمميزاته البدنية والسلوكية أن يكشف الأمور، ويرتاد المجاهل، ويأخذ وظيفة الرائد الذي يتقدم غيره من الناس؛ فالفرس لكرمه وإصراره على أن يبذل ذات نفسه أصبح خليقا بأن يأخذ صفة السلطة ويمسك زمام الأمور. ولا يمل القارئ من الإعجاب بصورة( حيوان) يجاهد في سبيل إسعاد البشر. ومن ثم كان صوت الفرس صوتا كريما مسموعا لأنه يضيء الطريق أمام الناس. بل إن ما يسمى الذعر أو الجنون قريب من النذر وإحساس من يضيء الطريق بمخاطر الظلام.”.[9]

د- الفصــــــل الرابــــــع: النـــــــــــاقــــة الأم:

كثير من الشعراء وصفوا الناقة وربطوها بالأطلال والرحلة والصيد، ولكن مصطفى ناصف ينظر إليها بمنظار أنتروبولوجي إذ يعتبرها ظاهرة جماعية رمزية موروثة في العقل الباطن للإنسان العربي في امتداد طفولته البدائية والفطرية والحضارية. ومن هنا فالشاعر الجاهلي يفكر في ذات المجتمع أكثر مما يفكر في ذاته الفردية. وهناك الكثير من الشعراء الفحول والمجودين الذين أحسنوا وصف الناقة. ومن النماذج التي نذكرها في هذا المجال قصيدة ثعلبة بن صعير بن خزاعي المازني التي يقول فيها:

وإذا خليلك لم يدم لك وصلـــه فاقطع لبانته بحرف ضامــــــر

وتعبر الناقة عن مظهر النمو العقلي والروحي في الشعر الجاهلي.والناقة ماهي إلا تعبير عن فكرة الثبات والقهر والصمود بسبب قوة الناقة وصبرها وتحديها لعوادي الزمن والطبيعة. وقد بذل الشعراء مجهودا كبير في استقصاء قدسية الناقة الأم عبر رصد المشبهات والصور الشعرية لتجسيد أمومتها وطابعها القدسي عند العرب. وإذا كان الفرس أشبه بالأبوة عند العرب فالناقة أشبه الأشياء بالأمومة القوية. لذلك اقترنت بالنخلة في أذهان العرب. إنها أمومة صابرة قادرة راغبة يطبعها استمرار الحياة. كما تدل الناقة الأم على السيادة والجمال والذرية والخصوبة وهي أشبه بحاضر مستمر لا يتغير ولا يزول. ومن ثم تتمتع الناقة بالقوة الخيالية فوق البشرية. وتحضر الناقة بمثابة مفتاح للبركة والخير والرحمة ، بينما يوظفها زهير بن أبي سلمى كمفتاح للعذاب والعقاب من خلال استحضار صورة ناقة صالح. إذاً، عندما تقترن الناقة بالحمار الوحشي تصبح رمزا للصراع والحروب ، وهي أيضا رمز للهموم المقلقة عند المثقب العبدي، ورمز للعمل والحركة الدائبة عند ابن الطبيب في لاميته المشهورة. كما تعبر الناقة عن فكرة المحاولة والعمل المتلاحق.

وينكر مصطفى ناصف” فرضية الاستطراد في قصة الناقة، وصلتها بثور الوحش أو الحمار الوحشي أو الظليم، فهو يرى أن الصورة التي تتداعى في ذهن الشاعر إنما هي جزء من طقوس جليلة مقدسة.

وفي نهاية حديثه عن الناقة من خلال سينية امرئ القيس يرى الدكتور ناصف أنه ليس هناك شك إذا نظرنا في أساطير العرب في العصر الجاهلي، في أن الناقة لم تكن مجرد حيوان، فالعالم أو المتحضر قد ينظر بعقله ولكن الشعراء خاصة يحتضنون الأشياء بخيالهم وحواسهم، يعني أن الناقة كانت حيوانا مقدسا في بعض الأحيان”.[10]

إن الناقة في الشعر الجاهلي لتعبير حقيقي عن الصراع المأساوي والتوتر الدرامي الذي يعيشه الإنسان في فترة ما قبل الإسلام بعد أن فقد الإنسان الكلية المطلقة و الوحدة الملحمية ليعيش التمزق الذاتي والموضوعي ويعرف وجوده انشطارا بين الإنسان والواقع بكل أبعاده المادية والميتافيزيقية والروحية.

هـ – الفصــــل الخامـــس: الأرض الظامـــــئــــة

بدأت صورة المطر في الشعر العربي مع امرئ القيس ، إلا أنها ستعمق وتحور مع الشعراء الآخرين. ويأخذ هذا التحوير صفة النمو. وقد كان مطر امرئ القيس من أكثر الأشياء جاذبية في الشعر العربي. وقد ارتبط المطر بفكرة الراهب المقدس وبفكرة الكرم والنبل والثغر العذب عند عنترة بن شداد وبالناقة عند سبيع بن الخطيم التيمي في فائيته:

بانت صدوف فقلبه مخطــــوف ونأت بجانبها عليك صـــــــدوف

وقد أكد مصطفى ناصف وحدة هذه القصيدة وترابطها البنيوي اتساقا وانسجاما، كما أكد ترابط صورة الناقة بصورة المطر “فبينهما علاقة وتبادل غريب. ولذلك يمكن أن يقال أولا إن الشعر الجاهلي إيقاع واحد. حقا إن فيه نغمات داخلية متنوعة، ولكن هذه النغمات تصنع إيقاعا واحدا. هذا واضح من حيث المبدأ، أما من حيث التطبيق فنحن نجد… الناقة تضطرب في سيرها وتقدم كل نفسها بحثا عن المطر، فالفكرتان متوائمتان متزاوجتان( فكرة المطر وفكرة الناقة). ومن الممكن أن يتأمل القارئ رحلة الناقة- على الدوام- حتى يسقط المطر، وما أشبه شئون الناقة بفكرة الطقوس أو الفرائض التي تعين على الصلة بذلك المطر.”[11]

و يجسد لنا هذا الفصل ظمأ الأرض إلى المطر وخصوبته المعطاء من خلال جدلية الماء والناقة المقدسة.

و- الفصـــــــل الســـادس: نحــــــــــــو مبــــدأ عظيـــــم

في هذا الفصل ينطلق الناقد من قصيدة الشاعر الحادرة في عينيته التي مطلعها:

بكرت سمية بكــــرة فتمتـــع وغدت غــدو مفارق لم يربــــع

إن هذه القصيدة معدودة من مختار الشعر. بدأها الشاعر الحادرة بالغزل والنسيب، ثم انتقل بعد ذلك إلى الفخر بالوفاء والنجدة ومعاناة الحروب، وحفظ الذمار، ويذكر الخمر ومجلسها، وتجشمه الأسفار، و ينهيها بوصف الناقة. وهذه القصيدة مازالت تثير إشكاليات وصعوبات في القراءة. وحينما” نقرأ القصيدة أكثر من مرة نواجه – يقول مصطفى ناصف- موقفا صعبا. وإنني أصدقك الحديث حين أقول إن شروح القدماء وما يشبهها غير كافية. وقد تكون لدى الحادرة تجارب خاصة. وقد يكون هناك ما نسميه باسم الصدق. ولكن هذه التجارب في صورتها الساذجة التي نقدمها عن القصائد خليقة بالشك. والناس يعنون بالشعر من أجل أشياء أولى وآثر من الشواغل الفردية والتجارب التي يولع بها المحروم والجائع.”[12]

و يبدو من خلال القصيدة أن الظاهرة الشعرية ليست فردية بل ظاهرة جماعية. إذ تحضر سمية في النص رمزا من رموز الذاكرة الجماعية. فالمرأة ( سمية) ترتبط بصورة الجلال والجمال والغزال والسحاب الممطر المخصب. ومن ثم، تتحول سمية إلى رمز من رموز المديح لتعلقها على الخصوص بفكرة الغزال. ويعني هذا أن قصيدة الحادرة تحمل معاني أنتروبولوجية وأسطورية رمزية عميقة ومعاني سطحية ظاهرة للناس. أي إن للقصيدة الجاهلية مستويين: مستوى ظاهري يقدم لعامة الناس ومستوى باطني ينبغي تأويله رمزيا وأسطوريا من أجل ستخلاص الثوابت المتعالية المشتركة بين جميع الناس في أشكال شعائر وفروض طقوسية.

إن سمية رمز طقوسي جماعي يحيل على انجذاب الحياة وسريان فكرة الجمال. وترخيم سمية خير دليل على قدسية سمية وعظمتها الخارقة التي تتمظهر في الازدواج الجنسي: سمية الأنثى وسمية الذكر، وهذه المفارقة مقبولة في التأويل الأنتروبولوجي.

ويدل الفخر في القصيدة على السلوك الجماعي على مستوى المعاملات والشعائر المفروضة، كما يدل مقطع شرب الفتيان للخمرة على تمثلهم بشرب الآلهة ورغبتهم في إحياء فكرة البطل وتمثيلها، وحين” يتداخل شرب الخمر ودم الغزال في البيتين” من عاتق كدم الغزال مشعشع” فهناك محاولة بدائية لشرب الدم، دم الغزال، دم سمية، وبعبارة أخرى محاولة لتقمص روحها ولأخذ شيء من قوتها السحرية أو لنقل إن الخمر كانت دائما محاولة الإنسان أن يرتد إلى وعيه الباطن، أي وعي الشاعر الباطن بوجود سمية، ذلك المبدأ الذي يبحث عنه ليكون بمرأى من الحياة.

ثم تأتي رحلة الحادرة لتشبه في رأي الدكتور ناصف شعيرة من شعائر البحث عن مبدأ في الصحراء بحث المعرض للتيه والضلال، ولكنه لا يقف وإنما يظل دائما تواقا إلى فكرة الحج باحثا عن حقيقة عن سمية، وفي ختام هذه الملاحظات يذكر الناقد بأن الفن العظيم يتميز بميزة خاصة فهو ينقل إلى كثيرين معنى سطحيا واضحا ويحفظ للقليلين بمجموعة أكمل من الأعماق وقد كانت هذه الثنائية وستظل سمة الفن العميق”.[13]

ز- الفصـــــــــل السابـــع: مشكلــــــــة المصــــــير

ينطلق الدارس في هذا الفصل من معلقة طرفة بن العبد الدالية:

لخولــــة أطلال ببرقة ثهمــد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

إن الطلل في هذه القصيدة عبارة عن حلم مستقبلي مصيري . والوشم محاولة الذهن أن يثبت مادة الحياة، ودحض لفكرة الزمن. وتحسد القصيدة صراع الطلل والوشم، وصراع الطلل والناقة، وصراع الخمر والطلل، وصراع الفخر والطلل. وتعكس الصور الشعرية المتضمنة في القصيدة غريزة البقاء والمعاناة من الخوف. وبذلك تتعارض في النص فكرة الكفر وفكرة الإيمان. وتصور القصيدة أيضا العجز عن المصالحة بين الغرائز المتضاربة. وتشبه ثورة طرفة على الناقة بثورة الإنسان على الصنم والطابو؛لأن الناقة مقدسة كالصنم في اللاشعور الجماعي.

وتجسد الأبيات الشعرية التي تصور الناقة ذلك الصراع المرير والأنطولوجي” بين رغبة المجتمع في الإبقاء على الناقة ورغبة في عقرها. أما المجتمع فحريص على استقرار ما يتمتع به من فهم ولا يستطيع أن يواجه القيم التي يعيش عليها. وأما طرفة فيقف موقف التحدي من الشعور الديني السائد بين الناس، ولكن هذا التحدي يحمل طابع المأساة، طابع العجز والقدرة، طابع الإنسان المحدود والعقل غير المحدود. ومن أغرب الأشياء أن المجتمع- ممثلا في هذا الشيخ- يخشى مغبة عقر الناقة. ولابد أن تذكر ما ارتبط به هذا الحدث في بعض القصص.

وليس من اليسير إذاًً أن يحمل هذا القول على الكرم والاستخفاف الشديد فحسب، فعقر الناقة يراد به استنزال اللعنة، ودعاء الموت، وتحدي الآلهة، والثورة على مافوق الطبيعة بطريقة تجمع بين الشعور العبقري والجنون الراغب في الانتحار.”[14] ومن ثم فالقصيدة تعبير عن فكرة المصير الإنساني، وتعكس تفكير” طرفة الشاب الذي يريد أن يتكشف فكرة المصير التي تطرق وجدان الشعوب- كما يقول شبنجلر- في بداية السلم الحضاري. هذه هي الشخصية القوية التي تحس وجودها على نحو قوي، ومن ثم تفكر في الموت. فالمصير لا يمثل إشكالا بالنسبة لضعيف الشخصية، أو لا يصل إلى جعل هذه الأفكار قضية بالنسبة له.”[15]


ن- الفصــــل الثــــامــــن: الحاجــــــة إلى الخـــــوف

في الفصل الأخير، ينطلق الدارس من قصيدة النابغة الذبياني التي يستفتحها الشاعر بقوله:

يادار ميــة بالعلياء فالســـند أقوت، وطال عليها سالف الأبــــد

تعبر معلقة النابغة الذبياني عن الإحساس بالتفرد والوحشة والاغتراب الذاتي والمكاني. وهذا يوصلنا إلى أن الشاعر الجاهلي كان يعبر عن الإحساس بالشر والخوف. ويبدو” المجتمع عقبة في سبيل الوحشة الضرورية التي تؤدي إلى تنبيه الذات لكل ما لها من قدرات. وقد وجد الشاعر كل صوت سواه وحشة وعدما، وشعر من أجل ذلك بأنه في أعلى درجات الوعي والإحساس بمشقة الوجود.

فالمجتمع إذاً خرب إلا أن يكون صوت الشاعر، يسائله ويحييه. وإذا سكت الشاعر بدا المجتمع كله فاقد المعنى. الشاعر يعطي الربع قدرة على النطق من ثنايا السياق. حقا إن ا لشاعر كالذي يلتمس أحيانا صوتا سواه”.[16]

إن الشعر يفصح عن مخاوف الجماعة العربية وقلقها وتخوفها من مصيرها المحتوم. ومن هنا ذهب أرسطو قديما إلى أن الشعر أكثر فلسفة من التاريخ.

وعليه ، فإن النابغة” يقول ضمنا إن حياة المجتمع العربي معرضة للشر، وهي الآن أشبه ما تكون بالأواري الذابلة والنؤي الذي لا يمنع السيل، والسجفين اللذين فقدا مالهما من شأن. هذه هي الوظائف المعطلة إن أعجبك هذا التعبير- ومن ثم فإن السيل الغامض خليق بأن يأتي على الحياة. لقد تتبعنا فيما مضى أحلام النبوءات الغامضة أو غير الغامضة ، ولكن من المهم قبل أن نختم هذه الصحف أن نشير إلى الجانب الثاني من الصورة فالآمال والرؤى الطيبة لا تعيش وحدها، وهناك دائما جدل وصراع بين بواعث التقدم وبواعث التقهقر. ولا يمكن أن تبحث شئون الثقافة بمعزل عن حركة الأضداد.”[17]

وتتخذ الحيوانات في الشعر الجاهلي أبعادا إنسانية وصراعية تحيل على الحرب والتطهير. فقصة الثور والكلاب ” أعانت المجتمع من حيث لا يدري على أن يشبع بعض حاجاته العاطفية من الحرب بطريقة خيالية وهمية. ولا شك أيضا في أن قصة الثور والكلاب كانت هي الدرس الأول الذي علم المجتمع الجاهلي كيف يشك في فلسفة الحرب المتداولة.”[18] كما تشير قصيدة النابغة الذبياني إلى “نزوع واضح إلى عالم بعيد عن المنطق والمعقولية والإنسان. والإنسان لا يتمتع في مثل هذا النزوع بكمال إنسانيته على نحو ما يتبادر إلينا الآن. ولكن الشاعر هو الذي استطاع أن يهب المجتمع الجاهلي مثل هذا التحذير الغامض. حذار من صورة النعمان. حذار من العدوان على فكرة الإنسان. حذار من اللبس بين فكرة الفضيلة وطبائع الشيطان. حذار من عالم لا يعرف الخوف أو لايرى للخوف مكانا في نظام الحياة.”.[19]

وهكذا يتبين لنا أن الدكتور مصطفى ناصف تعامل مع الشعر الجاهلي من زاوية أنتروبولوجية أسطورية، إذ نظر إلى مجموعة من مكونات الشعر الجاهلي كرموز ومتعاليات جماعية مشتركة مترسبة في ذاكرة الإنسان العربي تؤرخ لمجتمعه وحضارته ، وتعبر عن ماضيه وحاضره ومستقبله بكل أتراحه وأفراحه. ومن ثم، يقدم لنا الدارس الشعر الجاهلي لا كموصوفات حسية ودوال سطحية ساذجة بل كرموز مجردة عميقة بعيدة عن الظاهر تتوغل في العقل الباطن واللاشعور الجمعي من خلال استقراء ماهو روحي وديني وطقوسي وشعائري.

4- اللغـــــة الواصفــــــة:

تمتاز اللغة الواصفة لدى الدكتور مصطفى ناصف بالرصانة العلمية و قوة الأسلوب والركون إلى الاستطراد والإطناب والإسهاب والتكرار؛ مما جعل الكثير من فصول الكتاب طويلة مملة جافة بأسلوبها التقريري المباشر الذي يخاطب العقل أكثر من مخاطبة القلب والوجدان. و لقد استعمل الكاتب اللغة الانطباعية القائمة على التفسير والتأويل بدلا من الاعتماد على التوثيق والبحث الأركيولوجي في التنقيب ونبش الذاكرة الإنسانية ؛ مما جعل دراسته ذاتية ذات أحكام إسقاطية شخصية تحتاج إلى حجج تاريخية واجتماعية ، كما أن مقالاته الأسطورية تخلو من العلمية الحقيقية الموضوعية.

هذا، و قد زاوج الناقد بين الأسلوبين الاستقرائي والاستنباطي في الاستدلال على صحة الفرضيات وتبنى فلسفة الشك الديكارتي للوصول إلى اليقين. وقد شغل الناقد أيضا بعض المصطلحات العلمية التي تنتمي إلى السيكولوجيا والأنتروبولوجيا وحقل الأسطورة. وبالتالي، يتقاطع في الكتاب النص الإبداعي واللغة الواصفة العلمية القائمة على الشروح( الأصمعي والأنباري وابن الكلبي في كتاب الأصنام والزوزني والتبريزي…)، والتأويل الأسطوري الذي يبحث عن المتعاليات الاجتماعية المنمطة رمزيا. وتتنوع الشروح عند مصطفى ناصف إلى شروح لغوية وشروح فلسفية وشروح نفسية وشروح أسطورية وشروح دينية وشروح بلاغية. كما تتسم اللغة الوصفية عند الدارس بالخاصية التطبيقية حيث يورد النص الشعري لشاعر جاهلي ثم يبدأ في شرح النص وتأويل رموزه من خلال زاوية أسطورية قائمة على التأويل واستقراء ذاكرة المجتمع والتاريخ.

5- المنهج النقدي في الكتاب:

يطبق الدكتور مصطفى ناصف في كتابه” قراءة ثانية لشعرنا القديم” المنهج الأنتروبولوجي أو ما يسمى أيضا بالمنهج الأسطوري ؛لأنه منهج يدرس الأساطير والرموز الخيالية التي تكون بديلا وتعويضا لماهو واقعي ومادي، في حين تكون الرموز وسائط وعلامات بين الداخل الذاتي والواقع الخارجي الموضوعي ذي الأساس الواقعي /المادي. إذا ما هو المنهج النقدي الأنتروبولوجي؟ ومامرتكزاته؟ وماهي أهم النماذج النقدية الغربية والعربية ؟ وماهي مصطلحاته ومفاهيمه؟ وماهي سلبياته وإيجابياته؟ تلكم هي الأسئلة التي سنرصدها في الصفحات التالية.

أ- مفهوم الأنتروبولجية والنقد الأسطوري:

ظهرت الأنتروبولوجية كنظرية علمية في القرن التاسع عشر وكان يمثلها إدوارد تايلورEdward Taylor وفريزرJames G.Frazer، وكان هدفها تتبع بدايات الجنس البشري وتاريخه المبكر ودراسة لمورثاته الثقافية والطبيعية بأنواعها. أي تدرس هذه النظرية الإنسان في بداياته البدائية والفطرية وتطوراته اللاحقة ومعرفة كيف انتقلت الترسبات الإنسانية الأولى وراثيا من الأسلاف إلى الأحفاد عن طريق الأجداد والآباء على غرار قوانين وراثة العالم البيولوجي مندلMendel. كما تنصب الأنتروبولوجية على دراسة اللاشعور الجمعي والعقل الباطن وكيف تترسب كثير من العادات والمعارف البشرية المشتركة في ذهن الإنسان. وتدرس هذه النظرية الطقوس والعادات والديانات والشعائر والأساطير والثقافة والطبيعة والطابو والطوطم والسحر والشعوذة والفنون والآداب…. وقد استفادت النظرية من علوم عديدة كعلم النفس وعلم الاجتماع واللسانيات والبيولوجيا والفلسفة والتاريخ….

ومن المعلوم أن الموروثات البشرية تتشكل في شكل رموز وعلامات اجتماعية” وتعرض للأفراد كأنها أحلام، وللمجتمع في أشكال حوادث تاريخية تؤثر في أغلب أبنائه تأثيرا موحدا، لأنها هي نفسها تتخذ أشكالا محددة أو أنماطا ثابتة من أنماط السلوك”.[20]

ويرتبط هذا العلم الاجتماعي الجديد الذي يدرس الإنسان والوراثة الثقافية البشرية بالنقد الأسطوري المختص بدراسة العلاقة الموجودة بين اللاشعور الجمعي المشترك وتصورات الجنس البشري البدائية والأثر الأدبي.[21] وتتمظهر هذه العلاقة في بنية الأساطير وهي عبارة عن رموز خيالية يخلقها المبدع ليكشف مشاعره الباطنية وأغوار النفس البشرية. وهذا الاتجاه النقدي الأسطوري تطور انطلاقا من الأنتروبولوجية الثقافية أو الطبيعية(كلود ليڤي شتراوس K.L.Strauss، وموكاروفسكي Mokarovsky،…) ، وفلسفة الأشكال الرمزية عند إرنست كاسيرر Ernest Cassirer الذي اعتبر الإنسان حيوانا رامزا، ونظرية اللاشعور الجمعي عند كارل يونغJung. .

وإذا أردنا أن نعرف اللاشعور الجمعي الذي يعد خزانا للرواسب الثقافية البشرية البدائية، فإننا نعرفه بأنه عبارة” عن صور ابتدائية لا شعورية أو رواسب نفسية مختلفة لتجارب ابتدائية لا شعورية أسهم في تركها أسلاف العصور البدائية وورثت – بطريق ما- في أنسجة الدماغ، ويتم التعبير عن الوقائع العصرية في حياة أي مجتمع عن طريق ربطه بهذه النماذج، إذ لابد أن يعرف الجديد بالقديم على أساس أن الجديد غامض غريب والقديم واضح مألوف”.[22] ويعني هذا أن مجموعة من النماذج العليا البدائية ترد عند الأفراد المعاصرين وخاصة الفنانين والمبدعين في قصائدهم الشعرية وأعمالهم الفنية في شكل رواسب رمزية وحلمية وخيالية تختفي داخل النص عبر الصور الشعرية والفنية لتخلق عالما من الرموز الأسطورية التي تذكر الإنسان الحاضر بماضيه. وهذا يؤكد ترابط الحاضر بالماضي وارتباط الإنسان المعاصر ثقافيا وطبيعيا بالإنسان البدائي الأول. فكل القوالب الفنية المتكررة والمطردة تدل على هذا الترابط اللاشعوري بين الناس . و تتحول هذه النماذج العليا المشتركة إلى رموز جماعية إنسانية تتجاوز الظاهر والزمان والفضاءات المكانية الضيقة لتصبح كل الدوال والعلامات ظواهر جماعية مشتركة متعالية تتجاوز الزمان والمكان بطريقة ميتافيزيقية. وهذا يبين لنا بأن الإنسان يخلق وهو مزود بقدرات عقلية بدائية فطرية تذكره دائما بولادته الأولى و بأجداده وآبائه وما يشترك معهم من مميزات ثقافية وطبيعية. ومن ثم، فالثقافة لها أصل طبيعي والعكس صحيح أيضا. ويصبح الإنسان ضمن هذا الطرح له تاريخ وبداية وثقافة وذاكرة وماض وتقاليد وشعائر وطقوس ويخضع لتطورات بيولوجية وثقافية حسب منظور التطور الدارويني . و يكرر الإنسان المعاصر نفس المتعاليات الطقوسية عبر مجسدات تعويضية عدة كالفن والشعر والسحر والدين والفلكلور واللعب والسيرك والمسرح والرقص والأساطير والأحلام والرسم…ويعبر من خلالها عن ذاته وصراعها مع الواقع الموضوعي وتوقها إلى الوحدة الملحمية البدائية التي تتجسد فيها كلية الذات والموضوع.

ب‌- خطوات المنهج الأسطوري:

يعتمد المنهج الأسطوري الأنتروبولجي كالمنهج النفسي على خطوتين أساسيتين إجرائيتين، وهما: الفهم والتفسير. ويعني الفهم قراءة النص الإبداعي وفهم دلالاته اللغوية ومضامينه المعنوية وتفكيك شبكة صوره البلاغية ورموزه الخيالية ورصد كل المفاهيم المتكررة والمطردة وما تنسجه الصور من تيمات وموضوعات متواترة ومتكررة ثابتة. وبعد ذلك يأتي التفسير ليقوم بعملية التأويل ضمن التصور الأسطوري باحثا عن النماذج العليا ومفاهيم العقل الباطن ورواسب اللاشعور الجمعي قصد ربطها بالنماذج العليا البدائية والفطرية أي بالثقافة الأولى. كما يعمد الدارس إلى دراسة الرموز والمتعاليات والصور الخيالية كرواسب ثقافية بدائية تذكر الإنسان المعاصر بالإنسان البدائي وتطوراته الحضارية وما بينهما من طقوس مشتركة موروثة. وتشكل هذه الأنماط المتعالية ” أحد الأسس التي قام عليها التفسير النمطي أو التفسير الأسطوري الذي أصبحت مهمة الناقد فيه إنسانية في المقام الأول، فالناقد لا يكتفي بمجرد البحث عن جماليات العمل الفني ولا يقنع بشرحه وتفسيره ولا يرضى بإيجاد الروابط بينه وبين صاحبه أو أحوال مجتمعه ولكنه يتجاوز ذلك كله حين يبحث عن الماضي الثقافي والاجتماعي والإنساني لهذا العمل الأدبي”.[23] و يتبين لنا من خلال هذه القولة مجموعة من خطوات المنهج الأسطوري وهي:

* شرح النص وتفسيره؛

* البحث عن جماليات العمل الفني؛

* ربط النص بصاحبه وأحوال مجتمعه؛

* التعامل مع ظواهر النص لا كظواهر فردية بل كظواهر جماعية؛

* تحديد شبكة الصور الفطرية والبدائية ذات الطاقة الخيالية الرمزية والأسطورية؛

* تأطير النماذج العليا والأنماط البدائية التي تشكل مقولات طقوسية وأسطورية؛

* البحث عن الماضي الثقافي والاجتماعي والإنساني لهذا العمل الإبداعي.

ج- مصطلحات المنهج ومفاهيمه الإجرائية:

يشغل المنهج الأسطوري في مقاربة النص الإبداعي كثيرا من المفاهيم الاصطلاحية التي يستعملها التحليل النفسي اليونجي والأنتروبولوجية الاجتماعية كاللاشعور الجمعي والعقل الباطن والنماذج العليا والنماذج البدائية والطقوس والميثوديني والأسطورة والشعائر العقائدية والطابو والطوطم والأنماط العليا والرغبات اللاواعية والقران المقدس والرموز والبنيات الخيالية والصور الخيالية والرؤى الأسطورية والتعويض والبدائية والإسقاط والترميز والحدس والإحيائية والإبداع الكشفي والتجارب الأولية البدائية والتجارب الأصيلة والصور البدائية الفطرية وأنماط التحول والميلاد الجديد أو العبور والتفسير النمطي والأحلام والنفس البشرية والظواهر الجماعية والأنا والعالم…….


د- الاتجاه الأسطوري في النقد الغربي:

ساهم كثير من الدارسين في إرساء النقد الأنتروبولوجي والأسطوري داخل الحقل الثقافي الغربي منهم إدوارد تايلورTaylor، وأندرو لانج Andrew Lang ، وهارتلاند Hartland ، وكرولي Crawley ، وفريزرFrazer صاحب الغصن الذهبي ، و إرنست كاسيرر، وكلود ليفي شتراوس Claude L. Strauss ،وكارل يونج K.Yung، وهاريسون J.E.Harisson ، وكونفورد F.M.Karnford ، وجلبرت موري Gilbert Murray ، ولورد راجلان Raglan ، وكينيث بيرك Kenneth Burke ، وهيردر Herder ،وفيكو Vico ، وسوزان لانجر…

وقد تجسدت كثير من الأفكار الأسطورية النظرية في كتابات النقاد الغربيين كما نجد عند فور بوركين في” نماذج نمطية الأصل في الشعر” سنة 1949م، وفرانسيس فيرجسون Francis Fergusson في” فكرة المسرح” سنة 1949، ونوثرب فرايFraye في” التماثل المزج” سنة 1947، وفيليب هولرية في ” النافورة المحترقة” سنة 1954، ورولان بارت Barthes في “الأساطير” سنة 1957… وكانت هذه الدراسات تهدف إلى إرساء نظرية عامة للأدب الأسطوري.

وهناك من الدارسين في الغرب من حلل الأسطورة من الناحية المضمونية ومعطياتها الدلالية الرمزية والوظيفية ويوجد من هؤلاء الكثير والكثير، وهناك من درس الأسطورة من حيث البنية الشكلية كما فعل كلود ليڤي شتروس وفلاديمير بروب.

هــ- الاتجاه الأسطوري في النقد العربي:

ظهرت دراسات كثيرة تحاول دراسة الأدب العربي قديمه وحديثه على ضوء المنهج الأسطوري في العقود الأخيرة من القرن العشرين كمصطفى ناصف في كتابه:” قراءة ثانية لشعرنا القديم”، وعبد الفتاح محمد أحمد في كتابه” المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي” ، وأحمد كمال زكي في ” التفسير الأسطوري للشعر القديم” ، وسمير سرحان في” التفسير الأسطوري في النقد الأدبي” ، وفريال غزول في” المنهج الأسطوري مقارنا” ، وإبراهيم عبد الرحمن في” التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي” وعلي البطل في ” الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري” ، والدكتور مصطفى عبد الشافي الشورى في” شعر الرثاء في العصر الجاهلي” ، والدكتورة ثناء أنس الوجود في” رمز الأفعى في التراث العربي”، ونصرت عبد الرحمن في “الصورة الفنية في الشعر الجاهلي على ضوء النقد الحديث”، والدكتور عبد الجبار المطلبي في” مواقف في الأدب والنقد”، والدكتور محمد نجيب البهبيتي في” المعلقة العربية الأولى أو عند جذور التاريخ”…

وما يلاحظ على هذه الدراسات الأسطورية أن هناك من الكتابات النقدية التي سقطت في الانطباعية وانعدام التوثيق مثل دراسة الدكتور مصطفى ناصف ” في قراءتنا لشعرنا القديم” الذي حدد مجموعة من الأنماط العليا والنماذج البدائية كالفرس والطلل والناقة والمطر والمرأة، ولكنه تحدث عنها بطريقة انطباعية سطحية بدون توثيق تاريخي وعلمي ورؤية منهجية متكاملة محددة القسمات. أي إن المنهج الأسطوري في كتابه يصعب تحديده بكل وضوح للقارئ البسيط والمبتدئ بل حتى المثقف منه؛ لأن الدارس لم يحدد منهجه في مقدمة الكتاب بشكل دقيق ومركز ليفهم القارئ منظور الناقد ومرتكزاته النظرية والمنهجية والتطبيقية. كما ساهم التطويل والإسهاب والاستطراد والإطناب في تضخيم حجم الكتاب ونفور القارئ منه بسبب جفاف اللغة الواصفة التي تخاطب العقل والمنطق والإدراك الذهني دون استدلال تاريخي أو ثقافي على هذه الرموز في الجزيرة العربية. ويساير الكاتب في هذه الانطباعية كل من الدكتور نصرت عبد الرحمن والدكتور أحمد كمال زكي، بينما اهتمت دراسات كل من الدكتور المطلبي والدكتورة ثناء أنس الوجود بأمر التوثيق والنبش التاريخي والعلمي على حساب الغرض المقصود من الدراسة الأسطورية. بينما تبقى دراسة الدكتور علي البطل للصورة في شعر ما قبل الإسلام” أبرز هذه الدراسات حتى وقتها من وجهة نظر البحث على ضوء المعايير السابقة( الخلو من الانطباعية، والتوثيق، وتكامل الرؤية المنهجية)، حيث قدمت دراسته على ضوء هذا المنهج رؤية متكاملة للشعر الجاهلين على أساس فهم واضح لطبيعة الصورة فيه مع العودة إلى بدايات النمو”الميثوديني” والكشوف الآثارية.

وعلى الرغم من جدة وقيمة ماوصلت إليه هذه الدراسات، فإن فروضها في بعض الأحيان تحتاج إلى توثيق بعودة أشمل إلى العلوم الأركيولوجية والنقوش القديمة والأساطير السامية.” [24]

و- تقويم المنهج الأسطوري:

من إيجابيات المنهج الأسطوري أنه يسعفنا في تحليل النص الأدبي أنتروبولوجيا واجتماعيا وثقافيا وإنسانيا ، ويساعدنا على تأويل صوره الفنية والشعرية انطلاقا من ربط الحاضر بالماضي ، ورصد شبكة الصور التي تتحول إلى رموز ونماذج عليا التي تذكر المبدع بأصوله الإنسانية الفطرية والطبيعية وبثقافته الأولى. كما يتجاوز المنهج الدلالات السطحية ويعمد إلى تفكيك الظاهر وتجاوزه نحو الباطن وذلك باستقراء اللاشعور الجمعي والعقل الباطن. وتتحول القصيدة أو النص الأدبي إلى وثيقة أسطورية وأركيولوجية تحفر في الذاكرة وتنبش ماضي البشرية و تكشف طقوس الإنسان وعاداته وشعائره وثقافته وطبيعته البدائية.

هذا، ومن شروط نجاح النقد الأسطوري خلوه من الانطباعية والأحكام الذاتية الخاضعة للتأويل الشخصي، والاعتماد على التوثيق، وتماسك المنهج وتكامل الرؤية.[25]

بيد أن هذا المنهج له سلبيات تتمثل في إهمال الجوانب الفردية للمبدع التي يهتم بها الجانب النفسي الفرويدي، ويقصي النص أيضا كبنية وعلامات سيميائية التي يركز عليها المنهجان البنيوي اللساني والمنهج السيميوطيقي، ويغفل دور المتلقي في بناء النص الذي تهتم به كل من جمالية التقبل وجمالية القراءة. لذلك يعد المنهج التكاملي أفضل المناهج النقدية؛ لأنه يحيط بالنص الأدبي من جميع جوانبه ومستوياته التركيبية والبنائية ( العتبات، والمبدع، والنص، والقارئ).

استنتــــــاج نهائـــــي:

وعلى الرغم من سلبيات المنهج الأسطوري والنقد الأنتروبولوجي في فهم النص الأدبي وتفسيره وتأويله، فإنه يبقى منهجا ناجعا في مقاربة رموز العمل الإبداعي من خلال تحديد نماذجه التصويرية البدائية وربط حاضر المبدع بماضي الإنسان البشري والتغلغل في أعماق النص العرفانية والباطنية والفلسفية والاجتماعية والوراثة الثقافية قصد رصد الظواهر الجماعية ، ولكن بشروط علمية ضرورية كالابتعاد عن الانطباعية واللجوء إلى التوثيق التاريخي والأركيولوجي واحترام خطوات المنهج الأسطوري تصورا ورؤية وتطبيقا. ولكن يبقى المنهج النقدي التكامل أفضل المناهج في مقاربة النصوص الأدبية؛ لأنها يحيط بالعمل الإبداعي من كل جوانبه الدلالية والفنية والمناصية والمرجعية.

::. الدكتور جميل حمدواي
______
الهوامش:

[1] – الدكتور مصطفى ناصف: قراءة ثانية لشعرنا القديم، دار

الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1981م، ص:7؛

[2] – د. مصطفى ناصف: قراءة ثانية لشعرنا القديم، ص:38؛

[3] – نفس المرجع، ص:49-50؛

[4] – نفسه، ص:50؛

[5] – نفسه، ص:53-54؛

[6] – نفسه، ص:64-65؛

[7] – عبد الفتاح محمد أحمد: المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي، دار المناهل للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1987، ص:128؛

[8] – نفس المرجع السابق، ص:128؛

[9] – د. مصطفى ناصف: قراءة ثانية لشعرنا القديم، ص:89؛

[10] – عبد الفتاح محمد أحمد: نفس المرجع، ص:129؛

[11] – نفس المرجع السابق، ص:138؛

[12] – نفس المرجع، ص: 146؛

[13] – عبد الفتاح محمد أحمد: نفس المرجع السابق ص: 122؛

[14] – مصطفى ناصف: نفس المرجع، ص:170؛

[15] – نفسه، ص:171؛

[16] – نفسه، ص: 176-177؛

[17] – نفسه، ص:179؛

[18] – نفسه، ص:182

[19] – نفسه، ص: 186؛

[20] – د. أحمد كمال زكي: النقد الأدبي الحديث أصوله واتجاهاته، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ط 1981، ص:278؛

[21] – د. سمير حجازي: قضايا النقد الأدبي المعاصر، الجزء الأول، مطبعة الفكر الحديث، ص:103؛

[22] – د. أحمد كمال زكي: نفس المرجع، ص:287؛

[23] – عبد الفتاح محمد أحمد: نفسه، ص:38؛

[24] – نفس المرجع، ص:256-257؛

[25] – نفس المرجع السابق، ص : 206.




التعليقات 97 على “النقد الأسطوري عند الدكتور مصطفى ناصف في { قراءة ثانية لشعرنا القديم }”

  1. حسن برطال علق:

    أخي الدكتور جميل حمداوي..إنكَ النهر الذي لا ينضب معينه..
    أقدر فيك الجهد .. المتابرة و النفس الطويل.. شكرا لطبقك الشهي لهذا اليوم
    عيد مبارك سعيد..

  2. د. فاروق مواسي علق:

    صديقي الرائع د . جميل
    محبتي وتحيتي

    قرأت هذا الكتاب قبل أكثر من عقدين، ومن الجدير أن أذكر أن انطباعاتي هي نفس انطباعاتك ، وذلك إذ تقول :
    ” تمتاز اللغة الواصفة لدى الدكتور مصطفى ناصف بالرصانة العلمية و قوة الأسلوب والركون إلى الاستطراد والإطناب والإسهاب والتكرار؛ مما جعل الكثير من فصول الكتاب طويلة مملة جافة بأسلوبها التقريري المباشر الذي يخاطب العقل أكثر من مخاطبة القلب والوجدان. و لقد استعمل الكاتب اللغة الانطباعية القائمة على التفسير والتأويل بدلا من الاعتماد على التوثيق والبحث الأركيولوجي في التنقيب ونبش الذاكرة الإنسانية ؛ مما جعل دراسته ذاتية ذات أحكام إسقاطية شخصية تحتاج إلى حجج تاريخية واجتماعية ، كما أن مقالاته الأسطورية تخلو من العلمية الحقيقية الموضوعية. ”

    هذا لا يغمط الكاتب الكبير تقديرًا كبيرًا على عطائه المتعدد والمتجدد ، ومن كتبه الأخيرة في مكتبتي : ثقافتنا والشعر المعاصر ، ونظرية التأويل ، وخصام مع النقاد ، ومن العجب العجاب أنه لا يستخدم أي مصدر في أي حديث أو دراسة .

    لقد استطردتَ يا عزيزي في وصف المنهج الأسطوري والأنثروبولوجي ( ولا شك أن هناك فرقًا بينهما ) ، وكنت أرجو أن تفرد لذلك دراسة منفردة ، لا أن يكون هذا البحث ضمن الحديث عن الكتاب ، و بدا لنا أن ليس من مبرر سوى أن هذا الاستطراد يعيدنا إلى وصف منهج الكتاب . علمًا أنك بقليل من الشرح للمنهج تستغني وتغني .

    أحييك على نشاطك الجم المدهش ، فوالله حتى الطباعة تستغرق وقتًا أي وقت ، فكيف تتيسر لك كل هذه الظروف وهذا الجلد على المراجعة وهذا الدافع للكتابة ، وهذ ا وهذه ….

    أود هنا عرضًا أن أذكر لقائي بالدكتور مصطفى في مكتب الدكتورة اعتدال عثمان في الهيئة المصرية العامة للكتاب ، وكان يومها مشرفًا على عدد من أعداد فصول التي أمتلك أعدادها كلها ( حتى العدد الأخير الخاص بنجيب محفوظ ) ، فدفعني حبي لفصول إلى أن أبديت استعدادي لمراجعة بعض الملازم ، فردني أستاذنا بلطف واثقًا بأنه قادر على التدقيق وغير راكن إلى سواه .

    مد الله في عمر كاتبنا المتميز !
    وبارك الله أخي الجميل الذي هو أهل لكل محمدة.
    وتحيـــة فاروقية

  3. جميل حمداوي علق:

    عيد سعيد اشكرك صديقي واخي العزيز حسن برطال على تشجيعكم لنا ودمتم للقصة القصية جدا واتمنى لكم التوفيق يا ايها المبدع القدير.
    واشكر استاذنا العظيم الدكتور فاروق مواسي استاذ الأجيال الذي يحتاج إلى تكريم عظيم لما أسداه للثقافة العربية من ثمار زاهرة ويانعة. أن نقدك كان صائبا. ولما أطنبت في المنهج الأسطوري اردت أن أوضح المنهج لأخي القارىء بكل تبسيط . شكرا استاذي العظيم. تلميذك جميل حمداوي

  4. حسن اليملاحي علق:

    د جميل حمداوي
    دائما اقرا لك، في مواقع متفرقة، اجد مقارباتك النقدية علمية واكاديمية.
    هذا يعكس وعيك النقدي، والعمق الذي تنتصر اليه هاته المقاربات.
    الحقيقة انك بهذا، تعيد للمشهد النقدي المغربي بريقه وتزيد من قوته، وتدفع به الى مقدمة الكراسي.
    لك مني تحية
    حسن اليملاحي

  5. جميل حمداوي علق:

    شكرا أخي حسن اليملاحي على كلماتكم الطيبة وعيد سعيد ونتمنى لكم النجاح والتوفيق. وإني اتتبع مقالاتكم النيرة وستكون بيننا صداقة طيبة إن شاء الله

  6. محمد زريويل علق:

    صديقي العزيز الدكتور جميل حمداوي
    مررت بدربك كما العادة دائما، الطبق دسم وغني يحتاج لأكثر من قراءة ، وهذا ما أعدك به أيها الناقد المحترم….
    لا جف لك قلم، ولا نفد لك مداد
    سلمت يمينك …
    والعربة سائرة يا عمرو
    المزيد من التوهج
    ولك التوفيق من عند الله….
    محمد زريويل

  7. ابراهيم درغوثي علق:

    عزيزي جميل
    شكرا على هذا البذخ في القراءة النقدية
    دمت للنص العربي بكل فنونه

  8. rachid علق:

    اشكرك يا اخي على هدا المجهود .خصوصا و ان هدا الكتاب مقرر في السنة الاولى باكلورية

  9. صفاء علق:

    اشكرك يا اخي

  10. رباب علق:

    جزاك الله عنا كل خير اخي على هذا الموضوع الذي كنت بحاجة ماسة اليه

  11. sokaina maymoni علق:

    chokran walmarjo lmorasala 3abra l barid iliktroni

  12. anas علق:

    slt c programe bien j’espere des nouveau mais n’ya pas la date de mourir de mustapha nassif

  13. anas علق:

    j’espere m. le directeur accepter

  14. jeloooll youssef علق:

    شكرا جزيلا على هذا المجهود الرئع الذي بذلته وأتمنى لك مزيد من التألق و النجاح

  15. rincon علق:

    makaynchi chi talkhis akhor l fasl atalit lianaho kasir jidan arjokom ana ladaya 3ard fih yawm ytnain sa3IDONNI

  16. samir علق:

    جزاك الله عنا كل خير اخي على هذا الموضوع الذي كنت بحاجة ماسة اليه

  17. samir علق:

    جزاك الله عنا كل خير اخي

  18. المغربيـة علق:

    نشكركـم على الموقع
    الذي أفآدنـآ في المؤلف قراءة لشعرنـآ القديم
    دمتـ بخيـر ـم

  19. يسرى علق:

    لقد قتلتنا يا دكتور مصطفى بهده القراءة النقدية انها ليست من مستوانا فنحن شعب لانقرأ وان قرئنا لانفهم وان فهمنا لا نفعل شيئا خفف خفف خفف على الطلاب المساكيييين والتقي الله فيهم ان الله حق يحب الحق .
    وانت لاتكتب الا مااا…….
    اتقي الله ورجع الى طريق الحق. يسرى’ حياة سناء

  20. اسامة علق:

    نشكركـم على الموقع
    الذي أفآدنـآ في المؤلف قراءة لشعرنـآ القديم
    جزاك الله عنا كل خير اخي .

  21. فاطمة الزهراء علق:

    اشكرك يا اخي على هدا الموضوع لانه عندي فب السنة اولى باك شكرا شكرا بزاف بزاف

  22. Mohaton علق:

    جزاك الله عنا كل خير اخي على هذا الموضوع الذي كنت بحاجة ماسة اليه

  23. ismail alhyan علق:

    merci pour votre aide c’est trés bon travail de faire comme ça pour aidè les éléves qui trouve des problémes d’extrére les information dans les roman j vous bon chance et bon courage

  24. sara علق:

    merci pour les chapitre think you

  25. لمياء علق:

    اشكركم كثيرا على هذه المساعدة

  26. hassna علق:

    merci beaucoup je souaite vous répéte ton aidé et auro voir

  27. hassna علق:

    شكرالكم

  28. OUSSAMA علق:

    merci beaucoup pour votre aide o 3a mosa3datkom lina

  29. محمد متولي علق:

    أستاذي الكريم: أرجو أن تبين لي رأيك فيما يذهب إليه كثير من النقاد من أن الدكتور مصطفى ناصف متأثر بمنهج النقد الجديد الأنجلو أمريكي.. وهل هذا ينفي – إن صح عنكم – إتباعه للمنهج الأسطوري.

  30. محمد متولي علق:

    وهل ينفي هذا – إن صح عندكم – إتباعه للمنهج الأسطوري

  31. el asri brahim علق:

    أشكرك أيها الأخ على المساعدة التي تسديها إلينا فنحن بحاجة ماسة إلى مثل هذه التلخيصات،فما أدراك من هو أستاذي (كودزلا)

  32. ايمان علق:

    merci pour cette programe qui l’aide boucoup merci a vous et a bien tot

  33. مليكة علق:

    achkorokom jazila achokr 3a la mossa3adatikom lana li anana fi3lan biamassi l7ajati ilayh merci beaucoup

  34. 3oulaya علق:

    السلام عليكم اريد تلخيص مبسط للفصلين الرابع و الخامس من مؤلف قراءة ثانية لشعرنا القديم

  35. Mehdi علق:

    لا اعرف كيف اشكرك

    شكرا لك

  36. رباب علق:

    merci sur cette imformation a nous parce que nous sommes besoin d’elle a nous études merci mille fois et beaucoup

  37. رباب علق:

    choukrane lakome 3ala ma3loumate lina merci beaucoup

  38. احسان علق:

    merci bcp de votre meilleurs information……..vraiment en ai besion d ils…alors je vous remercion encore et j éspér que ts les étudient vu cette page….et c trés gentille de votre part.

  39. محمد فوزي علق:

    باحث في مجال الدراسات التطبيقية لأنتروبولوجا الجريمة و أود أن أدخل مع سيادتكم في نقاش مباشر مع مجموعة من الباحثين في نفس الإختصاص . شكرا

  40. هند علق:

    انني اشكرك جزيل الشكر على هدا الكتاب النقدي الا انه ليس في مستوى التلميد لانني تلميدة ولم افهم هدا الكتاب كثير المرجو ان تطرح كتبا يمكن انفهمها ونعرف معناها وشكرا جزيلا

  41. علي أسعد حسن علق:

    النقد جيد وموضوعي و محاكي للحقيقة

  42. abdo علق:

    this is verry good

  43. عبد الرزاق علق:

    اشكرك على جهودك

  44. khadija lmaghribiya علق:

    احببت كثيرا هدا التحليل لانه ساعدني في دراسة المؤلف للدكتور ناصف و اتمنى ان تعدوا التحليل بطريقة اسهل حسب مستوانا اللغوي وشكرا

  45. imane علق:

    احببت كثيرا هدا التحليل لانه ساعدني في دراسة المؤلف للدكتور ناصف و اتمنى ان تعدوا التحليل بطريقة اسهل حسب مستوانا اللغوي وشكرا

  46. imane علق:

    hada ta3li9 chatea liana almoalaf lama3na lhe belkame wa chokran tahiyati amy

  47. anass chtioui علق:

    شكرا لكم على هدا التحليل لفصول الكتاب وعلى كل المعلومات المرتبطة به.

  48. وليد علق:

    السلام عليكم

    اريد خلاصة للفصل السادس (نحو مبدا عظيم) من مولف (قراءة ثانية لشعرنا القديم)لمصطفى ناصف

    وما هي القضايا التي يطرحها هذا الفصل

    ارجو المساعدة .و شكرا

  49. فدوى علق:

    اتمنى من د.جميل الحمداوي قراءة مبسطة لهدا الكتاب لمساعدة تلامدة السنة الاول باكالوريا في المملكة المغربية.و شكرا

  50. وفاء علق:

    اتمنى لكم التالق

  51. fati علق:

    اعجبني هدا التحليل لانني وجدت فيه كل احتياجاتي انا وزميلاتي في القسم ولكم جزيل الشكر

  52. عبدالواحد محمد علق:

    الد كتو جميل الحمداوي ..
    لكم كل التقدير علي سردكم ذو المدلول البلاغي المستنير شكلا ومضمونا
    عبدالواحد محمد

  53. خالد علق:

    هذا الموقع جميل وجد رائع يسهل للقارئ معرفة خبايا هذا المؤلف الصعب .

  54. فاطمة علق:

    wlah hta hchouma mdairin mo2alaf m3a9ed
    dial tsatia

  55. حياة علق:

    عجبني كثير كثير تسلم اديكم و ادين كل من ساهم في نشر هذا الموضوع لنا اختكم العزيزة حياة من سورية

  56. حياة علق:

    شكرا كثييييييييييييير
    تسلم

  57. نجوى علق:

    السلام عليكم ورحمة الله و بركاته اريد منكم مساعدتي ارجوكم
    اريد ملخصا لمقدمة { قراءة ثانية لشعرنا القديم } للدكتور مصطفى ناصف
    ضروري ارجوكم وشكراااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

  58. نجوى علق:

    السلام عليكم اريد تلخيصا لمقدمة { قراءة ثانية لشعرنا القديم } للدكتور مصطفى ناصف
    وشكرا

  59. fatima zahra علق:

    merci bazaf 3la had talkhiss dyal had l9isa

  60. ايمان علق:

    اشكركم كثيرا على تلخيص النص و اتمنى ان تبدلوا مجهودا من اجل تبسيط هذا النص لانه يصعب استعابه واحب ان يفهم التلاميد بان هدا الموضوع يعرفنا بالعصر الجاهلى

  61. سماعيل علق:

    اشكركم على هدا التلخيص مع انني كنت اريد تلخيصا مفصلا اكتر

  62. ملاك علق:

    اشكركم جزيل الشكر على هدا المجهود القيم واتمنى الاستمرارية والنجاح لي ولكم ولجميع التلاميد والمسلمون اجمعين امييييين.

  63. خديجة علق:

    CHOKRAN 3LA LMAJHODAT LJABARA LILMOSA3ADA HAL YOMKINOKA AN TO3TINA DALALAT L3ONWAN MIN FADLIKA ARJOK WA BIASRA3I MA YOMKIN

  64. ندى علق:

    شكرا جزيلا د حمداوي فعل لقد افدتني كثيرا خصوصا ان هذا المؤلف هو مقرر بالنسبة لتلاميذة الاولى باك اداب ولقد وجدت بعض الصعوبات في فهمه الان وبقرائتي لهذا المقال القيم تمكنت من فهمه بعض الشيء .شكرا لك مجددا ونتمنى المزيد

  65. jihan el hamzaoui علق:

    chokran 3la lmosa3ada khososan anani nta9lt mn s.n.s l l2adab l9it so3obat mais daba hmdolah fhmt chwia merci bc

  66. سكينة عادل علق:

    احببت كثيرا هدا التحليل لانه ساعدني في دراسة المؤلف للدكتور ناصف و اتمنى ان تعدوا التحليل بطريقة اسهل حسب مستوانا اللغوي وشكرا

  67. سكينة عادل علق:

    اتمنى ان بتم تلخبصه لكي يفهم المعنى بشكل افضل

  68. نوفل علق:

    اعترف بذكائي في اللغة العربية وربما انني احسن تلميذ في القرن21 ولقد فهمت هذا المؤلف ولكن بالنسبة الي . فما بالك اننا لانقرء بالنسبة لاغلبية التلاميذ ولانفهم تم في الاخير يضعون مؤلفا بهذا المستوى لتلاميذ بالكاد يكتبون اسماءهم وا هدا الحماق بعينيه.واتوجه بالشكر للتلخيص واقدر مجهوداتكم

  69. منى علق:

    asalamo 3alaykom 3aaaaaaaaaaaaafakom bghit chi talkhise ykon 9sar man hada o mafhom darori o chokran

  70. gourari houcine علق:

    أشكركم على هذا التلخيص ! فكرة جيدة.لكن تلخيص أقصر و في المتناول سكون أفضل. (مدرسة إبن شهيد)

  71. gourari houcine علق:

    أشكركم على هذا التلخيص ! فكرة جيدة.لكن تلخيص أقصر و في المتناول سيكون أفضل. (مدرسة إبن شهيد)

  72. majda علق:

    chokran lakom 3ala hada al mawdo3 merci

  73. لحسن الزمزامي علق:

    أولا أشكر الدكتور جميل الحمداوي لانني محتاجا اليه وفي وقت حرجة أووووف كانت ستقتلني أستادتي حكيمة لو لم أحضره وأعاود شكري ثانية (ثانوية ابن خلدون التأهيلية-فم زكيد)

  74. لحسن الزمزامي علق:

    أولا أشكر الدكتور جميل الحمداوي لانني محتاج اليه وفي وقت حرجة أووووف كانت ستقتلني أستادتي حكيمة لو لم أحضره وأعاود شكري ثانية (ثانوية ابن خلدون التأهيلية-فم زكيد)

  75. hanane علق:

    شكرا لك أخي على هذا الموضوع

  76. amina علق:

    جزاكم الله خيرا على هذا المجهود الرائع

  77. FaTiMa علق:

    كــل الشــكــر و الـــتــقــديــر لصاحب الموضوع و شكرا على المجهودات

  78. brahim said علق:

    شكرا أخي على هذا التلخيص(إبراهيم سعيد”ثانوية الفقيه التطواني” (‘بلاطوا’)

  79. أنا/عبد الله علق:

    سلام ،كل الاحترام والتقدير و الشكر الجزيل،عمل يستجيب لحاجيات الناشئة و يتناسب و قدراتها .

  80. محاسن علق:

    salam sara7a had law9i3 ghzal stafat manou bazaf 7it had lmoualaf m3a9ad chwiya kan s3ib 3liya nfahmou mais daba ca va fhamt merci beaucoup

  81. المهدي شوهيد علق:

    جزاك الله خير الجزاء على هدا العمل القيم

  82. بدر العلالي علق:

    السلام عليكم عمل جيد جدا

  83. دايم حلو علق:

    شـــــــــــــــــــــــــكرا بس مادخل مخي شي لو تصدقون
    لاكن مشينا ثانكس

  84. asma علق:

    orid tal5is li lfasl lawal arjoukom 3ndi l3ard oubrit o bsour3a

  85. حسناء علق:

    شكرا على الكتاب اعجبني كثيرا بالرغم من صعوبة فهمه بالنسبة لمستوانا الدراسي ولاكن يبقى ممتازا لما تضمنه من تفسيرات

  86. اسية علق:

    شكرا جزاك الله خبرا على هدا الموضوع

  87. meryem علق:

    had al moalaf s3ib bezzaf machi f mostawa hna tanzido l9adam machi taraj3o louuur koun kan 3andna hi lhay latini ba3da mafhoum ou dial lwa9t & merci

  88. بشرى علق:

    هذا الكتاب فيه إستفادة جيدة إذا حاولتم تفسيره حظ موفق للجميع

  89. بشرى علق:

    bitawfik

  90. sihame علق:

    جزاكم الله على هدا المجهود الكبير و شكرا جزيلا على تقديم يد المساعدة اخواني الكرام

  91. Meryam علق:

    Merciiii bcp

  92. حنان علق:

    شكرااا

  93. sara علق:

    لقد وجدت كل احتياجاتي في هذا المؤلف و لكم جزيل الشكر

  94. amina علق:

    merci bk =)

  95. khalid علق:

    شكرا جزيلا على هدا المجهود الجبار

  96. khalid علق:

    walah hta hadchi badabt li 3tana l2ostad walah hta 3ta9tona ba3da itou itoub itoub sir lah ikhalik dima lfo9 lfo9 école fatima zahra2 alfihriya casablanca chokraaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaan

  97. fatima zahra chaffai علق:

    llah yr7am walidin liljami3