أماني علي فهمي

كلي – كاندنسكي – موندريان .. والغوص في البدايات الأولى (1)

إمدادات هذا الكاتب  01 سبتمبر 2007

(1)

شهد القرن العشرون تعددا في الإتجاهات الفنية الأوربية التي لا يُعثر فيها علي محتوٍ واقعي أو موضوع بالمعني المتعارف عليه ، جاءت هذه الاتجاهات بمجرد منتجات فنية تنطوي على قوة ذاتية تؤثر علي المتلقي بحجمها وملمس سطحها ، و تطرح عليه حالة تعبيرية عن شيء لا يعرف ما هيته يمتزج فى ذهنه وروحه ، ولقد درج الناس علي تسمية هذا الفن بـ :
الفن اللاموضوعى Non-Objective art
أو الفن غير التمثيلي Non-Representational art
أو الفن التجريدي Abstract art

والتجريدية Abstraction روادها كثيرون ، وتفرعاتها متعددة الأشكال والأنماط ، وهي في مجملها تؤمن بأن للألوان والإشكال معانٍ مستقلة تستدعي أحاسيس المتعة الذاتية وهي تكتسب معانيها عن طريق صياغة الفنان الذي يستخلص من الأشياء العرضية فكرة مجردة أكثر كمالاً ، وتعتبر هذه الأفكار هي نفسها مباديء فلاسفة الإغريق القدامى في تعريف الجمال ، الباحثة عن الأصول البنائية الأولية وبالتالي النفاذ إلى الجوهر وصولاً إلى أسمى أشكال الجمال المطلق والدائم.

ومع تطور التجريدية ، بدأت الأعمال الفنية تبتعد أكثر بل تمعن في الابتعاد عن كل ما هو مرئي محصور فى حدود بصرية ضيقة ، حتى أن بعضها قد ذهب إلى الإقتصاد في اللون مستهدفة أقصي حالة من حالات النقاء وإلغاء أي إشارة إلي مضمون .. وجنح المتطرف منها إلى نفي الشكل ذاته ، وعند إستعراض تلك الاتجاهات والتي انتعش معظمها خلال منتصف القرن العشرين وحتى نهايته ، بداية من تجريدية الروسي Malevich ” ماليفتش ” 1887 – 1935 ، والروسي- الفرنسي Kandnisky ” كاندنسكي ” 1866 – 1944 ، والهولندي Mondrian “موندريان “1944 – 1872 ، وحتى ما بعد التجريدية ، وما أطلق عليه الاتجاهات الإيجازية Minimal Art ، سوف نلاحظ أن أمريكا كان لها نصيب هائل في تدعيم تلك الاتجاهات مكونة مدرسة فنية قوية ذائعة الصيت.

وفي الواقع أننا إذا تتبعنا حركات الفن منذ مطلع القرن العشرين ، سوف نجد انها كانت تسير بخطوات ثابتة نحو ذلك المفهوم التجريدي ، فمنذ أن سيطر الفكر الفني لأب الفن الحديث ” سيزان “Cezanne 1839 – 1906 علي الرؤية التشكيلية العالمية ، نبتت الصيغ التجريدية المعتمدة على العقلانية والفكر الرياضي .. أساس الجمال فى الأشكال ، وتبعته المدرسة التكعيبيةCubism وسارت جنباً إلي جنب مع المدرسة الوحشية Fauvism التى اعتمدت علي تدفق التعبير اللوني وجعلت من ديناميكية الفرشاة بقوة إيقاعية لونية كثيفة أساساً للشكل الفني ، وخلال تلك المرحلة الطويلة ، مر علي تاريخ التصوير الأوربي العديد والعديد من الأسماء التي أثرت في مساره بصورة ملحوظة.

ويعد السويسري – الألماني ” بول كلي ” Paul Klee 1879 -1940 واحد من أهم مبتكري الشكل الفني اللاموضوعي الجديد تماماً ، وعلى الرغم من وصفه كتعبيري ، إلا أنه فى واقع الأمر لا ينتهج أي إسلوب تقليدي محدد ، فهو يترك الأشكال كي تنظم بعضها البعض في علاقات تبادلية حية تفاجئه هو شخصيا بحيويتها وأصالتها ، فهو كمن يخلق روابط جديدة يخترعها بحدس الطفل الكامن بداخله والذي يلهو بتراكيب الألوان فيصل فى نهاية لعبته وبمهارته الفطرية إلى أبعد مما كانت تتصوره أية فكرة مسبقة أو مدرسة فنية بعينها بحيث تصبح كشفا يسجل لبول كلي ذاته ، وعلى الرغم من تجرد كشفه هذا من الصور المرئية ، إلا أنه غالبا ما يشعرنا بمحتوٍ وجداني يثير الخيال والمشاعر أكثر من مخاطبته للعقل ، حيث يمكن للذهن ان يراها كنوتة موسيقية مدوّنة للحن ملؤه السحر والغموض ، وهذا يتضح في العديد من لوحاته المعتمدة على عنصر الخط الذي يرسمه كمكوّن أساسي فى بناء الصورة ، يتفاعل وينسجم مع كل حالات اللون وتدرجاته السريعة منها والبطيئة ويتنوع الخط عند كلي بين البدائية والحذق ، بين رفيع نشط ، وبين عريض متمهل وأحيانا يبدو مشابها فى تعراجته وتكسراته لخطوط الكتابة اليدوية.

وهكذا إستمر ” كلي ” في محاولاته لربط سمات الفن التجريدي بالفن غير التجريدي بطريقته الواعية واللاواعية فى آن ، مستفيداً من النظريات الموسيقية التي كانت وسيلة أساسية لضبط الفكر والإيقاع لديه.

كلي

كلي

كلي

كلي

كلي

وكما كان ” كلي ” يغمرنا بخياله الإنساني الفطري العجيب ، كان أيضا ” كاندنسكي ” يتسم بتلك النزعة الإنسانية الفطرية في تجريداته اللونية المضاهية للموسيقى والتى تجبر الذهن على أن يتعدى الرؤية السطحية للشكل واللون خلال رحلة الإدراك والسباحة الروحية ، لقد إنطوت أراء “كاندنسكي” في الفن علي أفكار فلسفية عميقة تشرح مفهومه وموقفه التجريدي الذي كان يشكل رؤية خاصة للبناء الكلي للطبيعة وعلاقة الإنسان كوحدة ضمن هذا البناء والغوص في البدايات الأولي لتكوّن العلاقات بين الكون وسائر المخلوقات ، لذلك تمتلئ أعماله بالأشكال العضوية المتحولة والمحوّرة والتى تتقاذف عبر دوامات متسارعة مبهمة ، ومن أقواله التى تتبنى حتمية الوحدة بين الفنون على إختلافها كتب فى عام 1911 : «إن العلاقة الداخلية العظيمة بين كل الفنون تظهر تدريجياً، وبشكل أكثر وضوحاً إلى الضوء .. ذلك يشكل مصدر متعة كبيرة لي».

قدم ” كاندنسكي ” فى أعماله جدلية لونية وشكلية صافية تتجلى فيها التباينات الصريحة والتى بدورها أنشأت ديناميكية فى تكويناته بدت وكأنها مرتجلة نابعة من اللاشعور ، ولكنها فى حقيقة الأمر كانت خاضعة لذهنية غاية فى الدقة ، ومن خلال فكره الصوفي التأملي أثبت “كاندنسكي” أن التجريدية لا ترتفع عن الطبيعة كما اتهمها البعض ولكنها علي النقيض تماماً تغوص في أعمق أعماقها لتستخلص جوهرها ، كي تصل إلي مستويات روحية قد يدرك الوجدان خلالها الذات الإلهية بقلبه أولا ، وعلي هذا الأساس ، يمكننا القول بأن الفكر التجريدي قد يقود العقل إلي الفكر التصوفي الذي يسمو بالروح لكي يتكشف نور ” الله ” الكامن بدخلها.

كاندنسكي

كاندنسكي

كاندنسكي

كاندنسكي

وفي حين أن تجريدية ” كاندنسكي ” كانت ومازالت قادرة علي التعبير الإنساني الفياض ، يقف ” موندريان ” وهو القطب الثاني للتجريدية مناقضاً لفكر ” كاندنسكي ” ، كان ” موندريان ” حريصا كل الحرص على أن يتمسك بالمطلق كعقيدة فنية دائمة ، ومن ثم كان ينقب ويحلل بذهنيته الرياضية المنظمة في الهيكل البنائي للشكل الجمالي مبتعدا عن أية تأثيرات قد تخرج عن هذا الإطار الفكري ، مقدسا للمسافة الفاصلة بين عاطفة الفنان وإبداعه الذهني ، إن ” موندريان ” يبغي القوانين الثابتة التي يبني عليها الواقع المادي ، يريد أن يحقق شكلاً هندسيا شمولياً ملخصاً إلي ابعد أشكال التلخيص ، يقوم علي الحسابات الرياضية التي هي في الواقع أساس الفكرة الجمالية ، ولقد إستفاد كثيرا فى بناء عقيدته هذه من نظريات فيثاغورث والفن الإغريقى والفن الإسلامي الذي نهل من هندسياته الكثير.

تستند تجريدية ” موندريان ” إلي قانون الرأسية والأفقية ، وهو قانون الوجود الذي يحقق النظام الكامن داخل كل الأشكال ، حيث يمثل الامتداد اللانهائي للأرض خاصية الأفقية ، في حين أن كل ما يقف علي الأرض يحمل خاصية التعامد بما فيه الإنسان والنبات وسائر الكائنات الحية ، وذلك هو النظام الأبدي الذي أرسته الطبيعة في كل مظاهر الكون ودعمته بالجاذبية الأرضية ، ومن هنا جاء تقليد الإنسان لهذا النظام فانشأ العمارات والأبنية ، مستوحيا تلك الإيقاعات في فنونه منذ مطلع التاريخ.

موندريان

موندريان

موندريان

موندريان

والخلاصة أن ” كاندنسكي ” و ” موندريان ” يقفان علي طرفي النقيض من مذهب التجريدية ، حيث اتخذت القالب التعبيري عند ” كاندنسكي ” ، بينما اتخذت القالب الهندسي عند ” موندريان ” ، توازت مع ذبذبات الموسيقى عند ” كاندنسكي ” ، بينما توازت مع حقائق الأرقام عند ” موندريان ” .. في حين وقف ” كلي ” في حالة امتناع عن دخول المقارنات ، فتجريديته عجيبة متفردة الشكل والمضمون نابعة من مساحة في خياله سابقة للوعي ، لكنها متصلة بأصل الفعل ونبض الزمن وحركة الكائنات الحية.

…………..

 أماني علي فهمي – فنانة تشكيلية

وأستاذ مساعد بكلية الفنون الجميلة – القاهرة 

art_amany@hotmail.com




التعليقات 10 على “كلي – كاندنسكي – موندريان .. والغوص في البدايات الأولى (1)”

  1. عادل الفورتية علق:

    الشكر الجزيل للدكتورة امانى على هذه المعلومات القيمة …..

  2. أماني علي فهمي علق:

    الأستاذ الفنان عادل الفورتية
    خالص إمتناني وتحيتي…

  3. ابراهيم فلبس علق:

    الاستاذة الفنانه د/امانى على فهمى——- المحترمه
    حقيقة اننى اتخذ منذ زمن طويل موقفا من هؤلاء رغم اننى قرات
    كتاب كاندنسكى وموسيقية اعماله كذلك كتاب كلى ونظريته عن التشكيل
    صدقينى انا اذوب عشقا فى عالم خوان ميرو
    لكن لاانكرالتحليل العميق ومواقف الفنانين الثلاثه نحو تجاربهم
    فشكرا لسيادتك
    والسلام

  4. أماني علي فهمي علق:

    الأستاذ الفنان إبراهيم فلبس
    وما الضرر من عشق خوان ميرو وإلى جانبه كاندنسكي وبول كلي ؟!!
    ….
    أشكرك على متابعتك وتعليقك الذى يسعدني دائماً
    ولك كل التحية

  5. حمزة البوزيدي علق:

    الأستاذة أماني
    وافر الشكر والمودة على هذه الورقة التي ساهمت في تقريبنا من الشكل الفني العميق … وتثبيته في حياتنا كوسيلة لفهم الأخر والذات والتأمل في كثير من الأشياء التي يصعب أن نقول فيها ما تستطيع الألوان والفرشاة تضمينه تلقائيا على صفحة بيضاء.
    تحياتي الحارة

  6. أماني علي فهمي علق:

    الشاعر المرهف حمزة البوزيدي
    الشكر لك على كلماتك وتواصلك
    وأتمنى أن أقرأ لك نصاً جديداً فى القريب العاجل يكون ثرياً بجرعات التأمل والصدق اللذان تمتلكهما بقوة ..
    تحياتى .. وعيدك سعيد
    أماني

  7. ميمونة علق:

    شكراً لك أستاذة أماني ,,

    أحتجت لهذة المعلومات وأفدتني بها ’’

    لكِ خالص أمتناني

  8. عادل حدجامي علق:

    الأستاذة أماني، أعجبت كثيرا بعملك هذا و بجهد التقديم و التوضيح الذي بذلته تجاه من ليست له معرفة بالفن التشكيلي المعاصر، و وجدت أنكي عرضتي لوحات تمثل حقيقة لهؤلاء الفنانين العظام، لكن كاندنسكي و كلي وماندريان و ماليفيتش في اجتماعهم يعطون اسما آخر أعظم و أكبر، في تصوري الخاص، هو فرانسيس بيكون الإيرلندي،صاحب triptych Three Studies for Figures at the Base of a Crucifixion، وهو الفنان الاستثنائي الذي أتمنى أن تملكي الوقت لتقديمه للقراء هنا.
    محبة و تقديرا للأستاذة أماني.

  9. أماني علي فهمي علق:

    الشكر لك .. الأخت ميمونة
    خالص مودتي

  10. أماني علي فهمي علق:

    الأستاذ الفاضل عادل حدجامي
    أسعدني تعليقك على موضوع مرعلى نشره في دروب ما يقرب من سنتين ،
    بالتأكيد أن فرنسيس بيكون بالفعل فنان استثنائي ويحتل ركناً فريداً بما لديه من خصوصية وبصمة لا تخطئها العين وهو واحد من المؤثرين ويتزايد تأثيره مع مرور الزمن .. فالعنف ، والصراع مع الألم والتصارع مع الذات كلها صورمن الخوف والرعب تناسب إنسان القرن الواحد والعشرين الممزق

    ولكن بيكون فنان تعبيري بشدة محور فنه يقوم على التشخيص ، على الإنسان ، والإنسان عنده معتصر، ينزف ، ودائماعلى حافة الموت والهلاك ..
    لا وجه للمقارنة سيدي الفاضل بين بيكون وبين الفنانين الأربعة كاندنسكي و كلي وموندريان و ماليفيتش

    ولك خالص شكري وتقديري