د. محمد قصيبات

الحرب الكلاسيكية – الرومانسية (وانهيار جدار باريس)

إمدادات هذا الكاتب  04 يناير 2008

جمع وترجمة : د. محمد قصيبات

مقدمة محمد الأصفر :

صدر العدد الجديد من مجلة الثقافة العربية 288 ( اكتوبر 2007 م)

في هذا العدد نجد بابا مهما وهو باب ترجمات والذي تناول فيه الدكتور محمد قصيبات موضوعا بعنوان الحرب الكلاسيكية الرومانسية وانهيار جدار باريس .. ويبدأ مقالته التي جمعها وترجمها من مصادره المعرفية العديدة .. الرومانسية تيار ثقافي فني اوروبي بدت علاماته الاولى في نهاية القرن الثامن عشر في المانيا وانجلترا ثم انتشر هذا التيار فيما بعد في فرنسا وايطاليا ثم وصل في مطلع القرن التاسع عشر الى اسبانيا والبرتغال وكذلك البلدان الاسكندنافية . الرومانسية ايضا تيار حسي وفكري أثّر في الفن وفي الثقافة الاوروبية وهو ليس مدرسة كما يظن بعضهم .

وقد تعامل الكاتب الدكتور قصيبات مع عدة اسماء ادبية عبرت عن هذا الموضوع منهم مدام دوستيل السيدة التي ركبت حصان طروادة .. ثيوفيل جوتييه الشاعر والناقد الذي كان وراء الرومانسيين ، و فيكتور هيجو الذي حمل الرومانسية على ظهره ثلاثين عاما ، و جان جاك روسو اتهمه فولتير بالخيانة فعاش عزلته .. هيردر الجمرة التي اشعلت نار الرومانسية .. بالاضافة الى مداخلات تمت بين الكاتب والاديبة هويدا صالح والاديبة اسية السخيري عبر موقع دروب الالكتروني الثقافي .

(عن صحيفة العرب اللندنية)

الرومانسيةُ تيارٌ ثقافيٌ فنيٌ أوروبيٌ بدت علاماته الأولى في نهايةِ القرن الثامن عشر في ألمانيا وإنجلترا ، ثم أنتشر هذا التيارُ فيما بعد في فرنسا وإيطاليا … ثم وصل في مطلع القرن التاسع عشر إلى أسبانيا والبرتغال وكذلك البلدان الاسكندنافية. الرومانسية أيضًا تيارٌ “حسيٌ” وفكريٌ أثر في الفن ِ وفي الثقافةِ الأوربية … وهو ليس مدرسة كما يظنّ البعض.

(1)

رواد التيار الرومانسي

أحد مظاهر التيار الرومانسي المهمة هو الشعورُ بالطبيعة التي يُعبّر عنها بالنشوةِ (الوجد) المتولدةِ من تجلي التشابهِ بين المشهدِ الداخليِّ (الروح) والطبيعةِ الخارجية. أتفق الرومانسيون الأوربيون على بعض النقاط المهمةِ لتيارهم منها :

* نقد “العقلانية”

* العودة إلى المرحلة “الغوطية” للأدب والفن

* الدعوة إلى التأمل وإلى الاتجاه إلى الشرق كمصدرٍ شعري ٍ وكوسيلةٍ للبحث عن الروحانيات

* الاهتمام بالحلم ِ والمخيلةِ الإبداعية

* ثم الاهتمام بالفرد الذي يظهر كمصدرٍ للإبداع (ال”أنا” المبدعة”)

لم تظهر كلمة “رومانسية” بمفهومها الحالي إلا في عصرِ الأدباء جوته (الآم الشاب فيرتر: 1774) وشليجل في ألمانيا ، أما وصول التيار الرومانسي إلى فرنسا فقد تم أولا عن طريقِ ترجمات جيرارد دو نيرفال لجوته و كذلك عن طريق كتابٍ نقديٍّ للكاتبة مدام دو ستيل يحمل عنوان “من ألمانيا” . هذا الكتاب أصدرته السيدة بعد عودتها من المنفى عام 1810 لكن العشرة ألاف نسخة يكون مصيرها النار … وتهرب الكاتبة إلى إنجلترا حيث تنشر كتابَها هناك . ذلك لأن الكتابَ كان يطرح – من وجهةِ نظر الفرنسيين – أفكارًا خطيرة “تهدد” انسجام المجتمع ِ في تلك الفترة. كانت السيدة دو ستيل في كتابها الذي يتناول أسطورة الشاعر الألماني تراهن على تحرير الإنسان ِ من قيوده بواسطةِ الفرار عن طريق العبقرية والإبداع… كانت تفتح للإنسان بوابات المخيلة التي تحمله إلى العوالم غير المتناهية.


مدام دوستيل: السيدة التي ركبت حصان طروادة
تقول السيدة دو ستيل :

“إن الفرحَ الذي ترشه المثالية ُ على قلوبنا وتلك العاطفة ُ التي تحمل معًا الصفاءَ والاضطرابَ يولدان فينا الإحساس بما هو غير متناه . إننا نحس عندها كأننا نتخلص – بواسطة التأمل – من القيودِ التي تجرّنا إلى مصيرنا البشري. إن التأملَ يبوح لنا بأسرارٍ رائعةٍ تعتق الروحَ التي تنطلق في حريةٍ وإلى الأبد تاركةً خلفها عوالم الدَنفِ والزوال. عندما نحدق في السماءِ المزينةِ بالنجوم ِ حيث تشكل شراراتُ النور ِ عوالم أخرى تشبه عالمنا , وحيث يرسم غبارٌ من النجم ِ المعروف ب”المجرة” سبيله اللبني في السماءِ … عندها يضيع فكرُنا في اللا منتهى ، وتنبض قلوبُنا لعوالمَ مجهولة ولكلِّ ما هو شاسع وفسيح ، فنشعر أن حياتنا الحقيقيةَ تبدأ أبعد بكثير من تجاربنا على الأرض. عندما نترك أنفسنا للتأمل ، وللصور ، وللرغباتِ التي تتخطى حدود التجربة… عندها فقط نتنفسُ الصعداء”

ثم تقول :

” إن العبقرية وكذلك الحسَّ والنشوة تهز روحنا في ألم ٍ ولكنها أيضًا تغمرها بلذةِ الأشياءِ عندما نوظفها في البحثِ عن تلك الذكرى وعما هو غير متناه فيتجلى ذلك في الميتافيزيقيا على شكل ِ الفطرة ، وفي الفضيلةِ على هيئة الوفاء ، وفي الفن ِ على شكلِ المثالية ، وحتى في الدين على شكل الحبِّ الإلهي”

ثم ترسم مادام دوستيل ملامح الغنائيةِ الرومانسيةِ في الشعر فتقول : “إن الشعرَ ليس زخرفة للخطابِ ، ولا ثمرة َ عملٍ تقني عن اللغةِ ولكنه أنشودة دينية تنبع من روح ٍ بشرية . إنه أغنية ُ ما هو غير متناهٍ في الإنسان. إن الكونَ ينطق بلسان ِ الشاعر.”

في بحثها عن البعدِ الديني في التجربةِ الجماليةِ ، وبربطها عالم الحزن والنشوة تحاول الناقدة – العائدة إلى بلدها بعد سنوات النفي التي جابت فيها شوارع الفكر والكتابة في ألمانيا وإيطاليا وروسيا والسويد ، وقابلت جوته وشيلير- أن تحمل بلدها إلى عالم الرومانسية ، ولكن فرنسا كانت معقودة فيما صنعت … كانت أشباحُ “الكلاسيكية الجديدة” وظلالُ مفكري “عصر الأنوار” تسيطر على ساحةِ الأدبِ والفنِّ والمسرح … فكان مصيرُ الكِتاب الذي حمل عنوان “من ألمانيا” كما قلنا النار … وتفر الكاتبة تحت التهديد وتصدر كتابها في إنجلترا عام 1813 أي قبل موتها بأربعةِ أعوام.

(2)

شرخٌ في الجدار

في الوقت الذي صدر فيه كتاب دوستايل في إنجلترا كان الكُتاب الذين أصبحوا فيما بعد رومانسيين في سن ِ الطفولة (دو موسيه : 3 سنوات ، دو نيرفال : 5 سنوات ، هوجو: 11 سنة ) ، أما أكبرهم ألفونس دو لامارتين فقد كان حينها في الثالثةِ والعشرين. عندما أصدر الأخيرُ عام 1820 ديوانَ “تأملات شعرية” الذي يحوي قصيدته المشهورةَ “البحيرة” كان ذلك شرخًا خطيرًا في الجدار الذي بنته فرنسا لحمايةِ فكرها وثقافتها… حيث نال الديوانُ قبولاً حسنًا لدى القراء والنقاد …يقول ثيوفيل جوتييه (صديق الشاعر دونيرفال وأستاذه) عن لامارتين “إن الشاعر في ديوانه هذا يبدو أكبر عازفٍ للغة الفرنسية”


ثيوفيل جوتييه : الشاعر والناقد الذي كان وراء الرومانسيين

كان هذا الشرخ فرصةً مواتية للشاعر جيرارد دو نيرفال الذي يقوم عام 1827 بترجمة “فاوست” عن الألمانية ، يهتز الجدار هذه المرة عندما يقول جوته أنه أستمتع بقراءته للترجمة الفرنسي قبل أن يضيف جملته الشهيرة “أن النص الفرنسي هو أجملُ بكثيرٍ من الأصل ِ الألماني” ، وينال دو نيرفال الشاب شهرة واسعة … وفي العام ذاته تقدم فرقة قادمة من إنجلترا عرضًا لإحدى مسرحيات شكسبير في باريس … فيدفع هذان الحدثان عجلة الثورة عند الكتاب الشباب في ذلك الوقت ويقوم فيكتور هوجو – تحت تشجيع وحماس الناقد ثيودور جوتييه للتيار الجديد – بكتابة أول مسرحية فرنسية رومانسية تثير واحدة من أشهر المعارك الفكرية في تاريخ الأدبِ الفرنسي… تلك المعركة عرفت ب”موقعة هيرناني”

(3)

أحداث المعركة:

رفض فيكتور هوجو الكتابة المسرحية على طريقة التراجيديا الكلاسيكية وتعمد متحديًا كسر قواعدها . كتب هوجو مسرحيته الشهيرة التي تحمل عنوان “هيرناني” وهو في السابعة والعشرين… في تلك المسرحية لا يحترم الشاعرُ قواعد اللعبةِ فتنهار وحداتُ المسرحية الثلاث واحدةً تلو الأخرى : أولها العقدة التي لابد أن تكون في رأي الكلاسيكيين الكل (وحدة الحدث) ، ثم المكان حيث يجب أن تدور الأحداثُ في مكانٍ واحدٍ (وحدة المكان) ، وأخيرًا الزمن الذي تدور فيه الأحداثُ والذي يجب ألا يتجاوز أربعًا وعشرين ساعة (وحدة الزمن). كانت مسرحيات هوجو وكذلك ألفرد دو موسيه تقلب هذه القواعد رأسًا على عقب حيث تتكاثر الشخصياتُ والأمكنة ، ويختلط الشعرُ بالنثرِ ، والأسلوبُ الراقي بالوضيعِ ، والسمو بالسخرية ، وكذلك الجمالُ بالقبح.


فيكتور هيجو : حمل الرومانسية على ظهره ثلاثين عامًا

لاقت القراءة الأولى للمسرحية ترحيبًا واسعًا من “مسرح الكوميديا الفرنسية”… ولكن أثناء التجارب المسرحية يعاني فيكتور هوجو الكثير من المشكلات … أولا مع الممثلة الأولى الآنسة مارس التي لا تتوقف عن المطالبةِ بالتغييراتِ ثم مع الصحافيين الذي ينقلون مقتطفاتٍ مشوهة من المسرحية. جعل كل ذلك الكاتبَ الموهوبَ يعيش جوًا من القلق لا ينقطع ووضع دفاع ٍ مستمر في محاولاته الرد على معارضيه… كان شبحُ الرقيبِ يطارده في كل وقتٍ حتى وصلت المسرحية ُ إلى عرضها الخاص (مع جمهور مختار)… لكن في العرض الأول الذي يقدم للعامة يوم 27/2/1830 كان هوجو يخشي ردودَ أفعال ِ هذا الجمهورِ المشحون ِ مسبقًا ضد المسرحية.

كان من عادةِ المسارح في ذلك الوقتِ تأجير بعض الجمهور الذي تسند إليه مهمةَ التصفيق ِ والمدح ِ أثناء العرض ، لكن هوجو لم يكن على ثقةٍ في هذا الجمهور المأجور فقام – بعد أن وصله خبرَ التهديدِ بتخريبِ العرض بالصفير والفوضى من ِقبل مجموعةٍ من الجمهور المتحيز للكلاسيكية – بجمع أصدقائه الرومانسيين الذين كانت مهمتهم التصفيق الحار للتغطية على ما قد يصدر من المعارضين من فوضى وصراخ. كان من بين هؤلاء الرومانسيين الموسيقي بيرليوز ، والناقد ثيوفيل جوتييه ، والفرد دو موسيه ، وفيني ، وسان بوف ، وأيضًا الشاعر جيرارد دونيرفال وهونورى دو بلزاك. لقد جمع هوجو هؤلاء الأصدقاء في المسرح عند الساعةِ الخامسةِ بعد الظهر حيث شرعوا في تهيئة أنفسهم والإستعداد للمعركة المتوقعة في الثامنة مساءً.
عندما يُرفع الستارُ يسود الصمتُ ، ثم سرعان ما يأخذ الرومانسيون في التصفيق والصرخات المشجعة التي تغطي على صفير المعارضين… وينتهي العرضُ بسلام ويمطر الأصدقاء الورودَ عند أقدام الآنسةِ مارس… لقد كسب الرومانسيون المعركة!


مسرح “الكوميديا الفرنسية” أثناء عرض “هيرناني

هذا الأسلوب من الصراع الفكري احتفظت به فرنسا حتى العقود الأخيرة ، ففي عام 1979 يقوم المطربُ الفرنسي “سيرج جانسبور” بكتابة النشيد الوطني الفرنسي بطريقته ويغنيه على إيقاع “الريجيه” بصحبة بوب مارلي… بالطبع تقوم القيامة… وعندما يقرر جانسبور غناء النشيد في أحد مسارح مدينة ستراسبور (وهي المدينة التي كتب فيها روجيه دوليل النشيد) تترصد له فرقة المظليين في الجيش ِ الفرنسي الذين تحصلوا على عدد كبير من التذاكر … ذهب هؤلاء الجنود هناك بنية التخريبِ واحتلالِ الخشبة إذا لزم الأمر… وأبدى المطربُ إصراره على غناء النشيد بالرغم من التهديد… لكن ذكاء جانسبور كان واضحًا في تلك القضية … لقد قال للجنود ” الآن أعرف أنكم هنا أيها الأوغاد وأعرف نواياكم لهذا سوف أغني النشيدَ وسوف أطلب منكم الغناء معي ، وأنا على يقين أنكم ستغنون معي …وساد الصمتُ ، وفيما أشار جانسبور إلى الفرقة للبدء في العزف ِ أستعد المظليون للهجوم واقتربوا من الخشبة … ويشرع المطرب في غناء النشيد ، فيأخذ المظليّون في الغناء معه… وقبضاتهم إلى السماء… فعلوا ذلك لأن جانسبور غني النشيدَ كما غنّاه الأولون وباللحن الذي أراده بيرليوز!

(4)
خيانة روسو

قبل أن تطلع كلمة “رومانسية” في الكتب ، أ ُتهم أحد فلاسفة “عصر الأنوار” بخيانة ما نادى به الفلاسفة الآخرون. لقد كان ثمة حصار وصراعٌ غير خفيٍّ دفع بفولتير وديدرو بملاحقة جان جاك روسو… لقد أتهم الاثنان الأخيرَ بالخيانة لأنه جنح لغير ما كان يدعو إليه فلاسفة “عصر الأنوار”. لقد كان روسو في النصف الثاني من القرن الثامن عشر يفتح بوابة خلفية لدخول ما عُرف فيما بعد بالرومانسية … قال روسو عن الخيال : ” عالم الحقيقة له حدوده بينما عالم المخيلة غير متناه “.


جان جاك روسو : أتهمه فولتير بالخيانة … فعاش عزلته

إن الخيالَ يقدر على حل معضلةِ تناقض ِ الفكرِ كما يرى روسو … ذلك التناقض المؤلم الذي لا نستطيع تخطاه إلا بالخيال وبالحلم… ثم أن الخيال هو الذي يأتي لنجدةِ الذاكرةِ العاجزة… وهذا ما حدث في كتاب “الاعترافات” ، ورأى جان جاك روسو بخلاف الآخرين أن “الحس” محركٌ للإبداع وهذا ما ظهر جليًا في كتابه المعروف “أحلام مسافر وحيد”. لقد كان روسو “الخائن” أحد المؤثرين في جوته ، ولا مرتين ودونيرفال…

مرايا النص


هويدا صالح (كاتبة وباحثة من مصر):

“جيرار دو نيرفال ، شاعر فرنسي ظهر في فترة تألق الرومانسية ، وصراعها الجهيد مع الكلاسيكية ، ساهم هو ومن سبقوه من شعراء فرنسا العظام في طرح أفكار الرومانسية. والغريب أنه ترجم فاوست ، ورغم أن جوته كان معاصرا له …فلم يدخل هو وكل المبدعين الألمان في صراع مع الكلاسيكية .. فألمانيا تعتبر البلد الأوربي الوحيد الذي تعايشت معه الكلاسيكية والرومانسية .. ربما يرجع هذا إلي اعتزاز الشخصية الألمانية بذاتها ، وبأدبها ، فعاشت النظريتان في المانيا في تجاور وتعدد ، علي عكس باقي الدول الأوربية

هل لك أن توضح لنا لماذا لم يقم الصراع بين الكلاسيكية والرومانسية في ألمانيا ؟

د. محمد قصيبات:

هاهي محاولة للإجابة … وهي ليست كل الإجابة :

ترى لماذا لم يحدث صراعًا بين الكلاسيكيين والرومانسيين في ألمانياعلى غرار ما حدث في فرنسا؟

ها هو ما كتبه الدكتور خليل حاوي الشاعر الراحل وأستاذ الأدبِ في دراسةٍ نشرت بمجلة الآداب البيروتية : ” كان الأدب الألماني في أوائل القرن الثامن عشر خاضعًا لتأثير الذوق الكلاسيكي الفرنسي وفلسفة التنوير الفرنسية . غير أنه راح بعد منتصف القرن يقاوم ذلك التأثير مقاومة متزايدة بلغت أشدها عام 1770 فتفجرت في حركة هوجاء عرفت بحركة العصفِ والقصف..”

كانت هذه الحركة كما يقول حاوي “جديرة بأن تستنفذ طاقتها في ثورة مسعورة لا ينتج عنها نظرية في الأدب والنقد تستند إلى نظام متسق من الأفكار وتعبر عن ذوق متجدد ، غير أن ناقدًا فيلسوفا هو يوهان جوتفرد هردر (1744-1803) تسلم قيادتها في الوقت المناسب فجمع شتات أفكارها ووجه طاقتها إلى الخلق والبناء.



هيردر : الجمرة التي أشعلت نار الرومانسية

تعد مقالة هردر في “إدراك النفس الإنسانية وشعورها” التي ظهرت عام 1778 منعطفًا في سير الفكر تحول به تحولا حاسما إلى وجهة النظر البيولوجية ، بعد أن كانت تغلب عليه وجهة النظر الآلية الرياضية المنحدرة من مذهبي ديكارت ونيوتن .”

أما الشاعر جوته أب الرومانسية الألمانية فقد ألتقى هردر في ستراسبور عام 1770 وأعتنق الأول نظرية الثاني بكليتها. وينظر بعدها جوته إلى البناء “الغوطي” نظرة مختلفة حيث يرى فيه تماسكًا عضويًا فيفضله على البناء الذي تنظمه القواعد .

أما في مجال الفكر فيقول حاوي أن نظرية هردر ولدت عند جوتة رهبته من المذاهب الآلية التي لا ترى في حقيقة الوجود غير مادة وحركة . ويعتقد حاوي أن اعتناق جوته للنظرية العضوية هو من أسباب اعتقاده فيما بعد بوحدة الوجود ، وبحلول الله في الطبيعة حلولاً كامنًا في أغوارها ، متجليًا في ظواهرها ، وهذا الاعتقاد لم ينفك عن جوته طوال حياته. ويكون جوته قد عارض الكلاسيكية الجديدة في تشديدها على إلغاء ملامح الجزئي وهدم كيانه ليتم لها إبراز صفات النوع ، ويقول الدكتور حاوي أن جوته عارض أيضًا الرومانسية في اقتصارها على الخاص والشاذ والغريب ، ونزوعها إلى التعالي والجريد… بل يذهب حاوي إلى ابعد من ذلك حيث يذكر أن “جوته” كان قاسيًا على مخالفيه ومستعليًا على معاصريه الرومانسيين وخاصة المواهب الناشئة المتوافدة عليه التي كان يستقبلها بوجه صارم … من هؤلاء كليست وهيولدرن … كان جوته يقول عن هؤلاء :”إن هؤلاء الأسياد لم يتقنوا من الشعر سوى التعالي ” …”وأن الرومانسية مرض نجب مكافحته”… وقال في كليست “إن سوداويته تدفعه إلى تشويه الطبيعة الإنسانية…. وشاءت المصادفات السيئة أن ينتحر كليست وأن يجن هيولدرلن وأن يكون إخفاق الإثنين في نيل الإعتراف بمواهبهما وحقهما من الشهرة سببًا دافعًا إلى النهاية الفاجعة فكانت سانحة أفاد منها البعض في التنديد بجوته واتهامه.

كما نرى الظروف التي وصلت فيها الرومانسية إلى فرنسا تختلف عن مولد الرومانسية في ألمانيا… في فرنسا كان التيار الرومانسي تهديدًا خارجيًا أرق نابليون… بينما كان في ألمانيا تيارًا يدفع أفكار “عصر التنوير” وكذلك تيار “الكلاسيكية الجديدة” إلى خارج سرير النهر … وهذان التياران الأخيران لم يكونا رمزًا للثقافة الألمانية.

هويدا صالح:

جميل أن تكون مداخلتي المتواضعة أثارت فيك الحماس لتفتح باب الحوارعلي هذا التيار المهم في الأدب العالمي، فقط أريد أن أضيف شذرات لموسوعية ورقتك ربما تكون مجرد تمهيد لم أتمكن من التعمق في الإضافات لأنك في الحقيقة قدمتها ورقة وافية جامعة للمناطق والعتبات المهمة التي تخطتها الرومانسية كتيار أدبي …….
كان أول استخدام للرومانسية كتيار أدبي ونقدي العام 1776 حين قام الباحث والناقد الفرنسي ” ليتورنير ” بإلقاء سلسة من المحاضرات عن مسرح شكسبير ، وترجمة مسرحياته الرومانسية إلي الفرنسية ، وكان أول ناقد يستخدم مصطلح ” الرومانسية ” كتيار في النقد الأدبي ، محاولا ربطه بالشخصيات التي تفكر كثيرا وعميقا في نفسها وحياتها وحريتها وحبها وآلامها وآمالها .
وفي نهاية القرن الثامن عشر أصبح المصطلح شائعا حتى أن الأكاديمية الفرنسية وهي ما يقابل المجمع اللغوي عندنا ، اعترفت به وأدخلته القاموس الفرنسي .
وفي القرن التاسع عشر تطور مفهوم الرومانسية في الأدب الإنجليزي إلي التغني بجمال الطبيعة ، والبعد عن مظاهر التعقيد الصناعي والتوتر الحضاري الذي ترتب علي التغيرات الاجتماعية التي أحدثتها الثورة الصناعية ، ثم انتقل المفهوم إلي الأدب الألماني ، وإن كان فريدريك شليغل هو أول من وضع الرومانسية كنقيض للكلاسيكية ، ثم تبعته مدام دي ستال التي زارت شليغل مرتين في ألمانيا وكتبت دراسات عن الشعر الألماني ، وحدثت التطورات كما أوضحت في ورقتك .

د. محمد قصيبات:

كانت نظرة فردريك شليجل نحو “فلاسفة الأنوار” نظرة عميقة مقارنة بجوته… كانت نظرته إليهم أقل حدة من جوته. لقد حاول أن يجد عند فلاسفة “الأنوار” بعض “الخيمياء” ولم تكن شخصيته حادة مثل السيد جوته الذي كما قال عنه حاوي كان قاسيًا مع “الرومانسيين” وربما دفع بعضهم للإنتحار
كانت كتابات جوته أكثر شهرة بسبب “الام الشاب فرتير” … سرق جوته الشهرة من شليجل لكن الأخير تبقى له مكانة مهمة في تاريخ الرومانسية الألمانية.
في إنجلترا كان شكسبير يكتب بطريقة مخالفة لما قبله وكان له تأثيره في المسرح الفرنسي… ألم يكتب فيكتور هوجو “هيرناني” بعد مرور فرقة مسرحية شكسبيرية في باريس!

هويدا صالح :

يمكن القول أيضًا أن التحول من تيار فكري أو اتجاه إلي آخر كان يتم بالهدم البناء لما سبقه ، فالرومانسية جاءت ثورة مشروعة علي الصرامة الشديدة للكلاسيكية الجديدة ، كما أن تيار النقد الجديد أيضا جاء خروجا علي الرومانسية التي أغرقت في الغموض والتغييب والخيال .
وإن كنت أري أن الثورات في الفن التشكيلي هي التي كانت تحدث ثورات مماثلة في بقية الفنون ، فالتأثيرية مثلا حينما حدثت في الفن التشكيلي ، أثرت علي الموسيقي وعلي الأدب وغيره من الفنون .

د. محمد قصيبات :

في الواقع تيار النقد الحديث لم يكن اعتراضًا على الرومانسية على نحو مباشر… بل ربما لما جاء التيار الحديث معارضًا لما بعد الرومانسية… بعد انهيار جدار الكلاسيكية كان التحول من تيار لآخر سريعًا حتى أن أحد الرومانسيين (جيرارد دو نيرفال) كان أيضًا أحد مؤسسي الحركة الرمزية التي جاءت بعد الرومانسية… حيث يأتي تأثر “مالارميه” واضحًا بجيرار دو نيرفال… ونحن نعرف أيضًا أن الأخير كان أيضًا الأب الروحي للسرياليين كما يعترف “أندريه بروتون”. كانت هذه التيارات تجرف معها كل أنواع الإبداع.


آسية السخيري (كاتبة ومترجمة من تونس):

هل صحيح أن هذه التيارات الفكرية الأدبية ( أو إن شئنا القول الفنية عموما) والتي كثيرا ما تتناول بالدراسة كل على حدة هي فعلا قطيعة متواصلة أم أنها امتدادات طبيعية لحركات تغييرية تتطلبها كل حقبة قادمة ليس بالضرورة أن تكون القاطعة تماما مع الذي فاتها…هل يمكن القول مثلا أن الرومانسيين ليسوا إلا تواصلا للحركة الكلاسيكية التي أثروها وطعموها بما يرونه من نظريات ضرورية لبقائها؟هل الحركة الدادائية مثلا كانت مولودة من رحم العدم وكذلك الأمر بالنسبة للسرياليين والذين كانت علاقتهم بالدادائيين متوترة بشكل لافت قد يفوت في حدته تصادم الرومانسيين بالكلاسيكيين؟

عندما قرأت لرينيه شار وبعض آخر من الشعراء و الكتاب السرياليين لم يفتني أبدا أن هؤلاء كانوا بريئين من تلك الرومانسية العذبة التي لا يمكن أن ننكر عليها جمالها ورقيها واهتمامها بكل ما هو جوهر… في مقدمة مقال يتناول بالدراسة الشاعر رينيه شار كتبتُ ما يلي :
” مؤلفات رينيه شار تنضح بقدراته الرؤياوية وبتجاربه المذهلة الناهلة من جوهر الحياة و روحها مما ينم عن قريحة حقيقية تعيد الأشكال بكل أنواعها إلى أصلها وتوائم بين مختلف العناصر مهما تنافرت بحنان قل أن يتوفر لدى مبدع آخر…مؤلفات رينيه شار هي قطع من الحلم المارق ، من الذكريات الغامضة البعيدة المتوغلة في الروح، الراسخة فيها…أشعار رينيه شار هي ارتحال في الذات عندما تبلغ أقسى حالات غربتها وهي سحابات من ضوء و ماء مزن عندما تهطل تتجلى الروح في أبهى معانيها ، وهنا يمكن اكتشاف كم كان رينيه شار ذاك الصوفي الذي ما أجمل ما غنى للحياة في أبهى تجلياتها وما أروع ما شدا لما وراء الحياة و ما هو أمامها وفوقها وتحتها مما لا يمكن المسك به يسرا.أشعار رينيه هي أغنية الإنسان. ”
أنا هكذا رأيت رينيه شار ذاك المغني للحياة..رأيته كلاسيكيا و رومانسيا و دادائيا لأن انطلاقته إلى المجتمع الأدبي مع أندريه بروتون وبول إيلوار وباقي فرسان هذه الحركة التي نهل منها ما شاء له هي التي جعلته يتمرد على كل الأشكال السابقة دون أن يقطع معها وها أنا الآن أحس بمدى خطئي الذي جعلني أتفطن إليه أخي الدكتور محمد إذ أنني في المقال أصررت على أن رينيه شار قطع مع كل ما سبقه كي ينخرط و يندمج اندماجا كليا في الحركة السوريالية و الحال أن ذلك مستحيل حدوثه إذ أنه لا شيء ينبثق من العدم وكلامي في المقطع أعلاه يوضح كيفية تجاور وتعانق كل تلك التيارات مع تيار آخر هو الصوفية التي كان رينيه شار مثلا غير بريء منها أبدا وهنا تكمن المفارقة…
من هنا أطرح سؤالي الذي أراه مشروعا وإن لم يوافقني عليه الكثيرون ؟ هل صحيح أن لحظة الكتابة تلك اللحظة المنفلتة التي لا يمكننا المسك بها يسرا تتحمل أن نفكر خلالها إلى أي مدرسة نحن يجب أن ننتمي ؟ هل صحيح أن الفن الحقيقي يمكن أن يرضخ لتنظيرات وتيارات وقواعد جامدة..
حسب رأيي الفن لا يمكن أن يكون فنا إلا متى أنعتق من كل القيود التي من شأنها أن تحد من تحليقه بعيدا في الأقاصي حيث جنون دي نيرفال وموباسان وغيرهما ، وهنا طبعا أنا لا أقصد الجنون الذي يثير حفيظة بعضهم إنما طبعا أقصد ذلك الجنون الذي يجعل المبدع الحقيقي يرى ما لا يراه العاديون.

بعد هذا الحوار المثمر نصل في نهاية المطاف إلى سؤالي آسية :

من هنا أطرح سؤالي الذي أراه مشروعا وإن لم يوافقني عليه الكثيرون ؟ هل صحيح أن لحظة الكتابة …تلك اللحظة المنفلتة التي لا يمكننا المسك بها يسرا تتحمل أن نفكر خلالها إلى أي مدرسة نحن يجب أن ننتمي ؟

هل صحيح أن الفن الحقيقي يمكن أن يرضخ لتنظيرات وتيارات وقواعد جامدة..

***

ولد هذا النص على صفحات دروب ونشر في مجلة الثقافة العربية في أكتوبر 2007




التعليقات 8 على “الحرب الكلاسيكية – الرومانسية (وانهيار جدار باريس)”

  1. د. محمد قصيبات علق:

    ترى لماذا لم يحدث صراعٌ بين الكلاسيكيين والرومانسيين في ألمانياعلى غرار ما حدث في فرنسا؟

    معذرة على السهو في طباعة سؤال هويدا

  2. هويدا صالح علق:

    العزيز الدكتور قصيبات
    جهد وحراك ثقافي حقيقي أغبطك عليه
    ليت لنا مثل هذه الجدية في التعامل مع القضايا الثقافية التي تشغلنا
    ربما النبش في تاريخ النظريات الأدبية الغربية يفتح لنا أفق الإبداع النقدي .. ونحاول تحقيق حلم ربما راود الكثيرين وهو أن ننتج نحن نظريات أدبية تتموسق مع إبداعنا الذي له حتما خصوصية البيئة والعوالم ولا نصير مستهلكين لنظريات الغرب سواء تناسبت معنا أن لا
    وسواء كانت قد انتهت وانتهي استخدامها في بلادها أم لا
    ولربما ما يحفز علي ذلك أن لنا تراثا نقديا عربيا له ثقله المعرفي
    ولكننا من أسف لم نعد نمتلك العقل النقدي الذي ينتج نظريات
    رغم أن جل النظريات الحديثة في الغرب قائمة علي عقول عربية وشرقية مثل : إيهاب حسن وإدوارد سعيد وعلي أكبر وغيرهم
    تحياتي يا دكتور علي هذه الجهود وتقديري الشديد لكل حرف تقدمه

  3. وليد سليمان علق:

    العزيزان محمد قصيبات وهويدا صالح،

    جميل هذا الحوار البناء…ومهمة هي هذه المسائلة لما يعتبره البعض من المسلمات في ما يتعلق بتاريخ الادب…

    مودتي لكما
    وليد سليمان

  4. د. محمد قصيبات علق:

    العزيزة هويدا

    أعتز بهذا النص… لعدة أسباب أذكر لك منها إثنين:

    الأول لأن دروب أتاحت لنا الفرصة لأرى أن الكتابة الشبكية تفوق الكتابة الورقية في عدة مواضع: كانت فكرة الكتابة الجماعية هي توليد النص من النص… ولعلك تتذكرين أن الموضوع بدأ بمقالة قصيرة عن جيرارد دونيرفال . التعليقات الدروبية … ومداخلتك بشأن الرومانسية جعلتني أكتب توضيحًا عن الحرب التي تمت على الساحة الثقافية الفرنسية بين التيار الكلاسيكي والرومانسي فولد نص أول عن الموضوع نشر في دروب… دخلنا بعدها في حوار أولد هذا النص الذي نشر في إحدى المجلات العربية… والمشروع لن يتوقف هنا إن شاء الله لأنني أردت اتمام اتمامه كما قلت في البداية إلى كتاب ورقي قد يحمل عنوان “حوارات دروبية”… وسيكون هذا النص من بين طيات الكتاب الذي قد يصدر في الأشهر القريبة القادمة… كانت الفكرة منذ البداية هي أن النص يولد النص… وأن الآلية الحديثة في الكتابة في رأيي المتواضع هي مولد النص على الشبكة قبل أن يأخذ طريقه إلى الورق.

    شكرًا لك لأن هذا النص ولد من تعليق لك.

    والسبب الثاني هو أنني فخور بمستوى التعاليق التي تصلني من الدروبيين والدروبيات… كما ترين لا أحب أن تبقى بعض التعاليق دفينة في الأرشيف… العديد من هذه التعاليق تستحق أن تخرج على شكل نصوص ثم كتب حتى تعم الفائدة

    هذا الخبر لم يعرفه أحد من الدروبيين بعد… لكن المفاجآت ستكون كثيرة إن شاء الله هذا العام.

    هذا النص نشر في مجلة الثقافة العربية ونسختك معي قد أحضرها إلى القاهرة إذا سمحت لي مواعيدي بالتواجد في معرض القاهرة للكتاب في نهاية الشهر
    قد يكون لقاءً دروبيًا مصغرًا … لما لا؟

    مودتي وتقديري

  5. نجوى عبد البر علق:

    دكتور قصيبات ،، جهد تشكر عليه ،، لك كل المنى الطيبة بدوام الرقى والتقدم ،، وعامك سعيد

    هويدا ،،، وبيننا عتب وسع الكون ،، لن اضيف يا جنوبية ،، عموما عامك عام الخير والسعادة

    لكما معا تحية رفاعية عطرة

    شهد الرفاعى

    http://www.doroob.com/?author=632

  6. د. محمد قصيبات علق:

    العزيز وليد

    أعتقد أن انهيار جدار باريس الذي أرادوا به حماية فرنسا من التيار الأنجلوالألماني قد أسرع في وصول التيارات الفكرية الأخرى… لم تكن الرومانسية غير محطة قصيرة… لم تتمكن فرنسا من الاحتفاظ بتيار الكلاسيكية الجديدة الذي نتج عن الثورة الفرنسية وذلك الحدث غير كل شيء
    يظل القرن التاسع عشر هو عصر التغيرات وليس القرن العشرين على الإطلاق.
    سقوط جدار باريس يعادل عندي انهيار جدار برلين

    تحياتي الصادقة

  7. د. محمد قصيبات علق:

    العزيزة شهد

    شكرًا على كلماتك الطيبة… أتابع كتاباتك “النجوية” الأخيرة باهتمام…

    دامت تحيتك رفاعية

    أجمل المساءات القاهرية لك

  8. د. محمد قصيبات علق:

    قد يكون لقاءً دروبيًا مصغرًا في انتظار اللقاء الدروبي الأولى الذي سبق نقاشه… لم لا؟