حسن حمودة

فضاء الأسرة بمونيخ يقيم حفل تكريم باذخ للمبدع كمال العيادي

إمدادات هذا الكاتب  12 أبريل 2008

مراسلة مونيخ:

بعد الأمسية الرقمية الرائدة ونشر مجموعة غابة الخبز والإعلان عن بعث أول نشرية جامعة وتوزيع باكورة الإصدارات الرقمية للمبدعين بالمهجر انطلاقا من مونيخ, لقي تكريم المبدع الصديق كمال العيادي من طرف فضاء الأسرة بمونيخ عن مجمل انجازاته ومبادراته في الميدان الثقافي والأدبي والإجتماعي صدى كبيرا وكان حدثا تاريخيّا حضره جمع غفير من المبدعين والصحفيين والمناضلين المعروفين في الحقل الإعلامي والأدبي من العرب والألمان, من بينهم الدكتور رجائي آغا القلعة والدكتور طالب سلطان والفنان حسن كاكا والشاعر فواز قادري والمبدعة كوثر التابعي و الشاعر حسن حمودة والشاعرة سعاد الرفاعي والصحفي هانس فيبر والدكتور هوارد كوانت والدكتور ماكسيم ريشارد والدكتورة آنا نوز والدكتور بوريس شفارتسكوف والدكتورة ايمانويلا براون والدكتورة اليزابيث باور والرسّام على السلماني والسيد الناصر الحرشاني الملحق الإجتماعي جنديّ الخفاء الذي ادخل حركيّة حقيقيّة وساهم مساهمة فعّالة في انجاح التظاهرات الثقافيّة وجمع شتات المبدعيين والطاقات الحقييّة بمونيخ والعديد من الوجوه المعروفة من الجالية التونسية والعربيّة المقيمة بمونيخ وجنوب ألمانيا. ثمّ إفتتح السيد محمد المهذبي قنصل تونس بجنوب ألمانيا التكريم وألقى كلمة مؤثرة جدّا ترجمت للألمانية تحدّث فيها عن دروب والعودة القويّة للنادي الثقافي ابو القاسم الشابي وعن انجازات وتألّق الصديق المبدع كمال العيادي وعن التكريمات السابقة للمبدع كمال العيادي بمصر والمغرب وتونس وموسكو ومن طرف العديد من المواقع الإبداعية وعن الجوائز الهامّة التي نالها كصحفي ومبدع أعقبتها كلمة الدكتور طالب سلطان والدكتور رجائي آغا القلعة باللّغتين العربية والألمانية وتلاهما كلّ من حسن حمودة وسعاد الرّفاعي وهانس فيبر قبل أن يلقي المبدع كمال العيادي كلمة مؤثرة بطريقته وعباراته النافذة إلى القلب ارتجّت لها القاعة بالتصفيق الحار وقوطعت مرارا وقرأت مترجمة للألمانية ( ترجمها الشاعر الكبير د. عادل قرشولي )…ودروب تتفرّد بنشر وعرض أهم وقائع التكريم مصوّرا في شريط فيديو, هديّة لكلّ أحبّة المبدع الصديق كمال العيادي ويا ما أكثرهم, موزعين على قارّات الأرض…من جنوب الثلج إلى شمال الماء كما يقول هوّ نفسه….وهذا هوّ رابط لجزء هام من حفل التكريم, يمكن تنزيله بمجرّد الضغط على عبارة – للتحميل -
( عمليّة التزيل لأوّل مرّة تستغرق 3 دقائق تقريبا ):

تجدون التسجيل هنا:

_____________

للتحميل, إضغط هنا
_____________

هنيئا…هنيئا أيّها العزيز العزيز كمال العيادي ….ألف ألف مبروك فتكريمك إعادة إعتبار للإبداع الصادق والنضال والعمل الجديّ والأدب الرّاقي الرفيع…بعيدا عن التبجّح واللهاث وراء الإنتشار
السريع….وما أجمل أن نذكرّك بجملتك الشهيرة / محبّة قدّ السما…وعلينا وزر همزتها المارقة.




التعليقات 82 على “فضاء الأسرة بمونيخ يقيم حفل تكريم باذخ للمبدع كمال العيادي”

  1. كمال العيادي علق:

    شكرا لكلّ الإحبّة….شكرا لكلّ هذه المحبّة المؤثرة التي أكاد أخربط معها بين الضحكة والدّمعة….شكرا من القلب أنّني بينكم….ولكم أفاخر بذلك…

    يشرّفني أن أهدي هذا التكريم بدوري لكلّ أحبّتي بدروب ولمنبع المحبّة …ابنتي ياسمين العيادي التي مازالت تستيقظ منذ سنوات من النّوم مذعورة لتحكي لي عن حلم غريب لم يعد غريبا…تراني فيها أحزم حقيبة سوداء معتزما رحيلا …وكأنّها لم تتعلّم منّي أنّ العصافير الشاديّة لا تحتاج إلى حمل حقيبة حين ترتحل….

    محبّة قدّ السمّا

    كمال العيادي

  2. فاضل و زينب علق:

    العزيز أبا الياسمين ..

    كم هو حفل مؤثر وشفيف .. ترفرف فيه البهجة ودمعة لقاء الأحبة وحرارة التقدير

    أنت تستحق كل هذا وأكثر ..
    تهانينا الحارة لك ومزيدا من الابداع الجديد والانجاز

    فاضل التركي وزينب ابو حسين

  3. الهادي عبدالله مصمولي علق:

    فلتهنإ السماوات السبع وبعدها الأرض يا أخي.
    كمال نزف رغيفنا إليك.
    مع فتات الخبز الذي بقينا ندافع عنه.
    دفع الله عنك كل بلاء

    أحمد

  4. سوف عبيد علق:

    هنيئا بهذا التكريم الذي يؤكد محبة وتقدير الجهود الجمة التي بذلها شاب تونسي كان طموحه نحو المعرفة والعلم والأدب والثقافة والفنون و ذو مهجة ترنو إلى الأحسن والأفضل في خدمة الثقافة العربية الحديثة من أجل القيم الإنسانية الخالدة وهو إلى جانب هذا وذاك يمتاز بأريحية كبيرة و بعزم نافذ وبروح البناء والعطاء فتحية تقدير لكل من يحمل و يعمل على هذه المبادئ ومن بينهم الأخ المبدع كمال العيادي…فمبارك عليك هذا التكريم…وفي ذلك تكريم للبذل والتحدي والمحبة…

  5. عصام عبدالله علق:

    مليون مبرووووووووووووك
    فأنت تستحق ما هو أكثر
    أيها الرائع
    والرائع كما قال عمنا لونجينوس
    هو الجزء الأعمق فينا
    القبس الإلهي
    الذي يبدع
    ويحتفي بالإبداع
    والمبدعين
    في كل ” الدروب ”

    عصام

  6. وجدان علق:

    ألف الف مبروك أيها المبدع الكبير، إنه حقا لفخر لكل من آمن بكتاباتك الصادقة وابداعك المتواصل. نتمنى لك المزيد من النجاح والتميّز.

  7. صبري يوسف علق:

    الصديق العزيز كمال العيادي

    تحية أيها المبدع الجميل

    ألف مبروك

    مودة عميقة متجددة
    صبري يوسف ـ ستوكهولم

  8. وفاء الحمري علق:

    يستحق كمالنا التكريم واسألوا كل الدروبيين المغاربة

  9. essia علق:

    أنت تستحق تكريم كل هذا العالم لأنك من عصابة الجميلين الذين كم صار نادرا وجودهم … يكفي أن تكون “كمال” كي تهنأ بمعرفتك كل القلوب التي تنشد صفاءها…
    مبروك مبروك مبروك ودمت أخي الغالي

  10. آسية علق:

    أنت تستحق تكريم كل هذا العالم لأنك من عصابة الجميلين الذين كم صار نادرا وجودهم … يكفي أن تكون “كمال” كي تهنأ بمعرفتك كل القلوب التي تنشد صفاءها…
    مبروك مبروك مبروك ودمت أخي الغالي

  11. محمد الإحسايني علق:

    بدورنا، نبتهج غاية الابتهاج بتكريم الأخ كمال عيادي متمنين له كامل التوفيق في أعماله الأدبية والعلمية. نتمني بدورنا أن تسود”غابة الخبز” وتمتد جذورها في آفاق الدنيا.
    محمد الإحسايني

  12. أنوار سرحان علق:

    كل التكريمات لا تفيك حقك أيها الحقيقي حدّ اختيال الحقيقة مزهوّةً بك أصدقَ نموذجٍ يعبّر عنها..
    هنيئا لمن كرّمك أنه قد نجح في منحك بعضاً مما تستحق يا كبير…
    هنيئا للغالية ياسمين بأبيها الذي ما زال يفرد جناحيه فيحتضن الكون ببهائه.. هنيئا لنا بك أخا ومبدعا صافيا نبيلا وراقيا..
    هنيئا لك ببعض حقّك أيها المبدع.. دمت أبا الياسمين.. دمت كمال العيادي باعثا للنور أينما حلّ.
    اعتزازي وتقديري ..

    أختك دائما…أنوار سرحان.

  13. سمية البوغافرية علق:

    الرائع كمال
    أنت أهلا لكل تقدير وتكريم وكل محبة
    فهنيئا لك ولأحبتك بإنجازاتك الراقية
    ومزيدا من الفتوحات
    دام لك التألق

  14. علية علق:

    الغالي كمال
    الف مبروك …
    ومحبة اكثر بكثير من محبتك
    مودتي

  15. د. عصام حمدان علق:

    حضرة الأديب الراقي كمال العيادي,

    تحية جزيلة

    أنتم قدمتم الكثير للثقافة العربية. ونحن فقد نحسد من سبقنا لتكريمكم. أرجو من الله أن تقبل دعوتنا التي ارسلناها لكم اليوم على بريدكم الإلكتروني وتصلكم بعد ايام على بريدكم الأرضي الذي تحصلنا عليه من موقعكم الشخصي. وننشد أن ينالنا شرف الإلتقاء بكم شخصيا وتنظيم يوم خاص بكم للحديث عن تجربتكم في الترجمة والسرد والشعر والإشراف الادبي على أحد أكبر المواقع الأدبية والثقافية وهو منبر دروب الأغرّ.

    وفذقكم الله ورعاكم وسدّد خطاكم لما فيه خير الأمة العربية

    د. عصام حمدان

  16. مراد العمدوني علق:

    أخي العزيز كمال العيادي

    ألف ألف مبروك هذا التكريم المستحق

    والى مزيد من الابداع والتألق

    مودتي وتقديري

  17. منير مزيد علق:

    حضرة الأديب الراقي والمبدع كمال العيادي
    ألف الف مبروك وانت تستحق كل تكريم
    تكريم اي مبدع هو تكريم لكل المبدعين والابداع
    تقبل تحياتي

    منير مزيد

    رومانيا

  18. ناديا الخضري علق:

    بعدما استمعت واستمتعت بالرابط المرفق لحفل تكريم الاستاذ العيادي .
    ارفق هنا بعض ماقاله في كلمته حتي يتمكن من لم يتسنى له فتح الرابط بأسباب تقنية من الإحاطة بكلمة الأستاذ كمال العيادي .

    - انني لم اسعى يوما الى التطلع لمقابل عما امنح
    ولم اتعود على تحريراوانتظار استخلاص اي فاتورة
    باي شكل من الاشكال او صيغة من الصيغة
    عن اي جهد قدمته اوانجزته او شاركت فيه بمحبة وتفان ٍ
    ذلك انني لم اقدم على اي اعمل
    اي عمل.. ! في حياتي وصدقوني
    إلا مخلصا لنفسي أولا
    ولما أقدم ثانيا كل الاخلاص
    حتى أنه كثيرا مايحدث معي أن استغرب وفي احيانا كثيرة
    حين أغرق واثقل بعبرات الثناء عن جهد قدمته
    وانا متيقن بانني الاولى بالشكر لمن يشكرني ..
    كونه رأى فيما قدمت نفعا وخيرا
    فطوق عنقي بجميل وامتنان اضافي
    لن اهنئ حتى اردّ بعضه إليه.

    بعدما بين لنا العيادي
    مدى تواضعه ومحبته للجميع
    بين أيضا أسباب خوفه وارتباكه وتورته
    وذلك قد يكون في انه مارس موت سري اراده ان يكون بينه وبين نفسه .وقد بلغه الأخرين
    فأستعجلوا بتكريمه والاحتفاء به
    وهذا جزء مما قاله ليشعرنا من جديد بمدى امتنانه لأحبته
    جميعاً في الأدب أولا وممن هم قريبون منه في مسيرة حياته

    - لن أكذب عليكم انا أحس ببعض الارتباك والخوف الآن
    كوني أعرف انه من النادر أن يكرم الاحياء وهم في بداية
    الطريق ونحن اعتدنا في أغلب الحالات غير ماندر منها
    على أن التكريم كما التآبين
    إعادة اعتبار وتثمين لجهد أنجز وتم وبنت ثمار
    لهذه الأسباب يااحبتي خفت أن أكون
    قد مارست في غفلة مني موت ما
    أردته أن يكون سرا بيني وبين نفسي ..
    ولكنه بلغكم وهذا سبب كاف بالتأكيد ليزيد ارتباكي وتوتري
    الآن بينكم.

    الأستاذ كمال العيادي
    تحية وشكر لكل ماقدمته لنا ولدروب
    والف مبروك لغابة الخبز وللتكريم الرائع الذي تستحقه.

    خالص الاحترام.

  19. صادق مجبل الموسوي علق:

    مبروك ايها الجميل
    تستحق التكريم ..مبدعا يمتلك حضورة المتألق
    دمت بكامل روعتك

    محبة قدّ السما . وات

  20. وليد سليمان علق:

    ألف ألف مبروك يا كمال،

    أنت تستحق كل خير…كل تكريم جديد ماهو الا بعض مما تستحق…
    مع تمنياتي لك بالتألق الدائم

    مودتي
    وليد سليمان

  21. كاظم ابراهيم مواسي علق:

    الاستاذ الاديب كمال العيادي
    ثنائي لكل من اثنى عليك فانت تستحق التكريم
    الف مبروك والى مزيد من الامام
    محبة واضحة

  22. عبد الواحد كفيح علق:

    هنيئا لنا بك عزيزي كمال
    دام لك الق كل هذا البهاء
    تحياتي الباذخة
    كفيح

  23. مليكة صراري علق:

    هنيئا لك أيها المبدع العظيم
    انه تكريم لنا جميعا…..
    مودتي
    مليكة

  24. صالح سويسي علق:

    ألف ألف مبروك التكريم
    أنت تستحق أكثر من ذلك
    أنت مناضل بحق
    و لتونس ان تفخر بأمثالك
    كل الود و التقدير

    محبتي

  25. طلال الغوّار علق:

    الاخ المبدع كمال…مبروك لك التكريم وانت تستحق اكثر من هذا …اتمنى لك الابداع المتواصل وما يخدم ثقافتنا العربية
    طلال الغواّر

  26. محمود عبدو عبدو علق:

    مباركٌ للكتابة
    ألف مبروك
    وبلغتي الكردية
    pirozbe
    مبروك من القلب

  27. وحيد نورالدين علق:

    هنيئا لك يا كمال …
    ….أشد على يديك بحرارة البدو ؛
    ………….. رفع الله قدر هذه الأمة بك و بأمثالك يا ابن القيروان .
    ……………………………..هنيئا .

  28. فاطمة الزهراء المرابط علق:

    الف مبروك ..
    هذا التكريم هو تكريم لكل المبدعين العرب..
    اتمنى لك المزيد من التالق و العطاء الثقافي و الابداعي

  29. إبراهيم قهوايجي علق:

    هنيئا لك التكريم الذي انت تكريمه
    وهنيئا لك العيد الذي انت عيده..
    تحياتي

  30. سمير سُحيمي علق:

    هنيئا لنا بك
    تكريمك نفخ في روح الإبداع
    دمت متألّقا مبدعا

  31. زهرة رميج علق:

    أخي العزيز كمال،
    هنيئا لك هذا التكريم الذي أنت أهل له و لأكثر منه. فنحن جميعا نعرف قيمتك الإبداعية و الإنسانية الناذرة.
    محبتي الخالصة.

  32. قاريء النصوص علق:

    ايها القيرواني الأصيل
    كلمتك المفعمة بالصراحة والحقيقة والحب تعكس
    شخصيتك المتواضعة وقلبك الكبير ..
    لكن اجمل ما فيها ذلك الوفاء والاعتذار الرقيق لشريكة دربك التي منحتك دفء البيت وسعة الصدر ..فازداد احترامي وتقديري لك وبانك ابن الدم العربي الساعي لرفع شأن المرأة تحت كل الظروف ..
    ومادمت تحترم بيتك فستحترم كل من حولك وهذا دليل عافية ووعي اكيد بأنك تستحق التكريم من الابنة والزوجة والناس ..
    دمت لغزيللا وياسمين ..ودربك دربنا ..وسعادتك منبع الرضا للجميع ..
    من نجاح الى نجاح ومن تكريم الى تكريم اكبر فانت وجه دروب ولسان حال اهل بيت الدروب …
    محبة لا تنتهي واعجاب دائم
    اقسم بدين ربي انك تستحق ..
    اذا كمال يوما اراد الحياة ..فلا بد ان يستجيب القدر ..

  33. صالح سويسي علق:

    أهلا كمال مرة أخرى

    استأذنك أنني نشرت خبر التكريم نقلا عن دروب هنا :

    http://salahsouissi.maktoobblog.com/

    محبتي و تقديري

    صالح سويسي
    كاتب و إعلامي تونسي
    souissisalah@yahoo.fr
    0021622868016
    http://salahsouissi.maktoobblog.com/

  34. عبدالعالي اواب علق:

    كبيرنا المبدع كمال العيادي
    مبروك لك هذه الزفة الميمونة وكل عام و أنت عريس القصيدة و سيد النثر
    طوبى لك يا طيب القلب
    لك محبتي سندا
    عبدالعالي أواب

  35. حسن المودن علق:

    مساء النور كمال
    ألف مبروك وألف مبروك
    وكل تكريم وأنت بألف ابداع وابداع

    ملحوظة: هناك خطأ أرجو تصحيحه في مادة الأستاذة بديعة الطاهري، النشاط الجامعي كان في 15 مارس 2008 وليس 2002، مع تشكراتنا الحارة
    محبتي يا غالي
    حسن المودن
    حسن المودن

  36. محمد ملوك علق:

    مبروك وألف ألف مبروك
    عقبى للمزيد
    تحيتي ومودتي

  37. المختار ميمون الغرباني علق:

    الف مبروك،وباقة زهر اللوز الابيض
    كمال العيادي صوت ذو فرادة يستحق مقام التكريم مرقشا بعطر الود
    ألف مبروك والعمر لك

  38. عبدالإله صحافي علق:

    صديقي النبيل ..البديع ..والمرعب ..
    كمال ولد العيادي…

    البديع..في قوة صدمة قصيدة..منفلتة..هاربة..جامحة.. في صحاري الروح..
    والمرعب مثل رأس عصابة / رأس أفعى../.. تم ضبطها في زمن شعري مرتدة..وبجدارة..عن عبادة الأصنام الشعرية الكونية.. تتربص بجثت كلمات مطروحة.. في ..كثبان../..مسالك ..عروق….دمنا المغاربي-الكوني..

    تحية وحبا..

    كيف لي أن أعبر لك عن فوضى مشاعري ..يا صديقي الصعلوك الرفيع..
    يا رأس العصابة..رأس الأفعى.. البديعة..التي تم ضبطها في شغب( سؤال) إبداعي جديد.. (من طرف خبراء طبوغرافية اللغة..الحياة..الموت..الأمل..الخطيئة..والذنب..إلخ..)..تتربص بالكلمات في مسالك الروح..

    ربما لا أعرف..كيف أهنئك …..يا أخي..
    ربما الكلمات..لا تعرف كيف تتهجى الحروف طريقها إلي ..
    في مثل لون لحظة .. إعتراف ..مدهشة وعميقة…..لكنني ،يا رأس ميليشيات الصور الشعرية..على يقين تام….أنني..أعرف وأعرف وأعرف كيف..أحبك..

    حبا واحتراما..ودمت دما قاتما..أو أزرق..(سيان..يا فلذة القصيدة..)يجري في شبكة أوردة الصعلكة..

    عبدالإله صحافي..

  39. منى بنحدو علق:

    مساء البهاء أيها العزيزكمال :
    مبروك لك و لنا أيضا ,لأننا نفتخر جدا بك و بكتاباتك المتميزة و كلماتك الصادقة,
    أنت أهل لهذا التكريم . شخصيتك الشفافة الخلوقة المبدعة و إنسانيتك في التعامل مع كل صغير و كبير, تعطيك الحق في أكثر من تكريم ….
    دمت بهيا و متألقا دائما…و مزيدا من العطاء و السخاء في الإبداع و في المشاعر الرقيقة و رقي في التعامل…
    دمت في أمان الله .

  40. بان حسني علق:

    تحية إلى الأديب كمال العيادي،
    تكريم جميل و روح طيبة في ميونيخ و لفيف من الأصدقاء يجمعهم الحب و الوتن و الأدب ، فهنيئا لك و من إبداع إلى إبداع.

  41. الوجه والقناع في قصص كمال العيادي علق:

    أخي كمال

    مساهمة مني بطريقتي في التعبير عن فرحتي بتكريمك, اسمح لي ان اجمع لك بعض ما نشر حول نصوصك وادرجها بحيز هذا الخبر لتكون في متناول قرائك.

    عاشق النصوص الفصوص

    النص الأول : بقلم الكاتب التجريبي الكبير انيس الرافعي من المغرب:

    الوجه والقناع في قصص كمال العيادي

    بقلم أنيس الرافعي

    إن السرد الذي يقترفه الأديب التونسي كمال العيادي حمال وجه وقناع، يتبادلان باستمرار المواقع كما لو كانا حارسين في دورية لا نهاية لها.فالكاتب يدفع الوجه لان يتأمل بين حين وآخر القناع من الجانب الموازي. يحب أن ينظر إلى نفسه من الخارج. أن يفكر بذاته انطلاقا من عقل ووجود غريبين.ويوثر على وجه الخصوص أن يتمراى عبر حواس شخوصه وعدوى وجوههم، فينتهي به الأمر إلى الارتقاء إلى مرتبة القناع.

    وعليه، فمهما صغنا من أسئلة حول الوجوه سوف نعثر دائما على أجوبة بعكس الاتجاه الذي تسير فيه الأقنعة. إذ أن قصص كمال العيادي يكتبها في منجز التخييل القناع، أما في خيال المتلقي فيتولى الوجه إعادة كتابتها فحسب.تماما كما يكتب التاريخ المنتصرون ويعيد كتابته المهزومون.

    الوجه في قصص كمال العيادي هو الهزيمة النكراء، أما القناع فهو الانتصار الأكيد.

    ففي قصة(انيتا) نلفي القناع زوجا متذمرا يكيل لجمجمته ضربة عقب باب تلو جدار، كلما همت الزوجة الضارية أن تجار بعقيرة الشكوى والليل وغيمة السجائر.وفي ذلك دليل حاسم على لا نسقية الوجه ورفضه المطلق لأي طراز من الاحتواء المؤسساتي البليد. القناع يبدو ظاهريا كأنه واقع تحت وطأة هذا الاخصاء الاجتماعي الممض، لكن الوجه يشهر خلاصه باختياره الأبدي أن يكون ضميرا منفصلا خارجا عن واو الجماعة.

    وفي قصة( سردوك) نعثر على القناع فحلا، شجاعا، حواما، لا هثا في كل حدب وصوب وراء ماكينة النساء، وملوحا بقدرات استثنائية على الخلط بين فتحة الرقبة ومدخل السروال كما يليق تماما بديك حقيقي. وذاك بالتأكيد إعلان صريح من لدن الوجه عن عطش جنسي وارف وعن ذكورية متعالية لا تقبل الدحض. ونكاية في نظريةالسيد فرويد شخصيا، يتعاضد الوجه والقناع باعتبارهما المعادلين الموضوعيين لتحالف الوعي واللاوعي ، ليكشفا بلا حياء عن رغباتهما الليبيدية الدفينة على رؤوس الأشهاد و العزاب والقراء.

    وعند الانتقال إلى قصة( رسالة مستعجلة إلى حبيبتي الالكترونية) نقبض على القناع متلبسا مع سبق الإصرار والهوتمايل بسطري خيانة لا غير من عشيقة شديدة الافتراضية والحصار. سطران يستعيرهما الوجه للكشف عن رغبة مزمنة لحيازة حب مستحيل و خارج قواعد السماع والقياس والأعراف في أزمنة الحواسيب التي بلا قلب.

    أما قصة( المربوع) فتسلط الأضواء الكاشفة على جدلية التصور وتناقضاته بين كل من القناع والوجه. القناع مؤمن على شاكلة المرحوم مونتيسكيو بان التاريخ لا يتحرك إلا بالدماء، في حين أن الوجه مفند عنيد لطرح من هذا العيار الطوباوي الحالم لما اكتشف بعد فوات الأوان وفيما أمه تقوده بدموعها الفسيحة إلى مركز الأمن بان التاريخ رواية بوليسية قامت بغتة أياد مجهولة بقطف بعض من صفحاتها الأخيرة.

    في قصة ( باريسا) القناع شاب وفي لمزاجية الثلج، يعبر المسافة الفاصلة بين القيروان والبلد الغامض ، بينما الوجه بذات الوفاء يعيد الطائرة كهلا ليجتاز المسافة الناعمة بين الكسندروفا وميونيخ حيث لا يعتذر الماء ولو لمرة واحدة عن تأخر كلب كافكا والبجع الوحشي.إنها لعبة تنس من دون شبكة بين ذاكرتين طاعنتين في الحنين والأمكنة ومضرجتين بالاغتراب والجروح النرجسية .

    ولو عرجنا على قصة ( حميد ميتشكو) سوف نجد أن القناع زائر بالغ الإخلاص كما يجب لرجل الميترو البرتقالي الذي مات منذ يومين في آخر غرفة الغسيل بآخر طوابق الحياة. حكاية متألقة بأوجاع ظهر جمة وديون فسيحة وكسور مزدوجة في الروح وبطاقة دهشة معتبرة لوجه ما زال على قيد الصداقة والوفاء الجميلين لكل الكائنات الأمارة بالهامش والآيلة للنسيان القاسي.

    وعند استقراء القصة البديعة الموسومة ب(صاحب ربطة العنق الخضراء) نعثر على واقعة التقاء القناع بوجهه ذات حانة ألمانية كما التقى بورخيس الشاب ببورخيس العجوز في إحدى حدائق بوينس ايرس. القناع كان مزودا باعتقاد شاهق أن الأمر واقعي على نحو لا غبار أو مطر عليه وليس ثمة مجال أو زجاج لانعكاس الصورة على الواجهة، بينما الوجه كان على قناعة راسخة بأنه لم يتواجد على الإطلاق وفي أي يوم من الأيام في عين المكان.

    وأخيرا، في القصة الرائعة المعمدة ب( رحلة إلى الجحيم) يحترف القناع لعب دور قناع آخر في عرض مثير لبث الرعب في نفوس الجمهور.قناع القناع يتمادى في تقمص شخصية السفاح فرايدي الذي يتسلل إلى الأحلام ليقطع الأوصال ويمزق الأعضاء بوحشية جديرة بالفصل الرابع من رواية “نادي القتلة” لتشاك بولانياك، لكن الوجه يرده سريعا إلى جادة البراءة فينتهي إلى تحطيم الدمية الملونة المصنوعة من البلاستيك المقوى كي يستعيد آدميته المسفوحة على الركح.ولتذهب ال100 أورو إلى الجحيم.

    تعددت الأقنعة والوجه واحد تلكم هي خلاصة هذا الحفر الاركيولوجي العاشق في الطبقات السرية لقصص كمال العيادي.القناع يمارس هوايات شتى إلا أن ميله الحقيقي يكون دائما إلى مهنة الوجه.القناع ليس لقاء عرضيا ، بل هو كنز ابدي للوجه. يظهر القناع كالسحر ويختفي بالسرعة ذاتها. انه هبة نكسبها دون توقع ونفقدها دون استحقاق كي نصل في نهاية المطاف إلى الوجه.

    وباختصار كلما أوغلنا في شك الأقنعة إلا وازداد يقين الوجه وضوحا وجلاء تماما مثل انقشاع صورة فوطوغرافية في مرآة تطاير ضبابها.

    والصورة الفوطوغرافية، طبعا، لمبدع عربي متميز اسمه كمال العيادي وحده من يعرف ما الذي وقع أو يقع أو سيقع تحديدا في الجهة الأخرى، أي ما يعتمل وراء أو أمام الوجوه تارة، والأقنعة تارة أخرى، أو ما وراء أو أما م الوجوه والأقنعة تارة واحدة.

    أنيس الرافعي
    البيضاء

  42. صنعة التقابل والتناص في قصة “باريسا ” لكمال العيادي علق:

    صنعة التقابل والتناص في قصة “باريسا ” لكمال العيادي

    بقلم: د. الحبيب الدائم ربي

    قد يشكل انفلات أدوات اشتغال الكتابة في نص “باريسا ألسكندروفنا والبجع الوحشي”- للكاتب التونسي، المقيم بألمانيا، والمحرر الأدبي لـ”دروب”، كمال العيادي- مأزقا حقيقيا ومربكا للترسيمات الديداكتيكية المعنية بأجناسية النصوص؛ من منطلق كونه، وإن انتظمته حاضنة القصة القصيرة، قد يتقاطع وأجناس سردية مختلفة كاليوميات وأدب الرحلة والسيرة … بيد أن هذا الانفلات بالذات هو ما يشكل شعرية النصوص الأدبية وإبداعيتها، مادام التجنس ليس معطى جاهزا و مستقلا عن سيرورة الإنتاج والتلقي. فالكتّاب، حسب رولان بارت، لا يؤشرون على هويات نصوصهم إلا حينما تراودهم شكوك بشأن مراعاتها لحدود انتمائها المفترض إلى شجر السلالة. ولعل كمال العيادي بتأطيره لهذا النص تحت يافطة الــ”سرد”تارة وتحت يافطة القصة تارة أخرى*، كان شديد الوعي بهذه الحقيقة، حيث تتأبى كتابته- لا في هذا النص وحده- على التصنيف الجامد ضمن منظومة السرد المتحركة. ولئن كان الكاتب هنا قد رسم ملامح نصه وفق محددات قصصية (الأمكنة، الأزمنة، الشخوص والوقائع) فإنه سرعان ما اختط للنص مدارا أوسع ضمن مجرة الحكي بوجه عام، مداخلا بين مكونات عديدة في فسيفساء مطبوعة بغير قليل من الانسياب والدقة. من ثم فإن متن الحكاية،الذي يبدو، للوهلة الأولى، خادعا ببساطته سرعان ما يتشظى ويتشعب طوائف قددا. فالسارد يستعيد – بنوستالجيا حارقة- ذكرياته مع الأفضية والشخوص حين كان “طالبا للعلم أو لبعضه” بموسكو السوفياتية، موظفا في ذلك آليتي الانتخاب والإقصاء.وهو بذلك يمارس انتقاء واعيا لما ينبغي استحضاره أو حذفه، بمقدار ما تحتاجه هندسة البناء النصي. ورغم أن شخصية باريسا ألسكندروفنا- المسؤولة السابقة عن مبيت الطلبة- تمثل نواة التبئيرالحكائي إلا أنها ليست سوى ذريعة شارطة لانثيال الذكريات التي يستحضرها السارد.. اعتمادا على التقابل والتناص كقيم توليفية وجمالية:

    1-التقابل أو التحول

    من المعلوم أن الطباق والمقابلة تلوينان بلاغيان ينضويان ضمن مبحث علم البديع والمعاني. وهما يقومان، على التوالي، بإيراد اللفظ المفرد ونقيضه في المقام الواحد، أو بإيراد المعاني وما يخالفها على التوالي، لأغراض تحسينية وبيانية. والانتقال من بلاغة الجملة إلى بلاغة النص ليس اعتسافا في حق المصطلحات والمفاهيم،وإنما هو أحد مرتكزات الغراماتولوجيا(نحو النص) الحديثة. وقارئ “باريا ألكسندروفنا والبجع الوحشي” سيلاحظ، بلا شك، أن معماريتها تتحكم فيها، بدءا من العنوان كأيقونة سيميائية منفتحة على كل التوقعات الممكنة، مجموعة من التقابلات( الوطن/الغربة،اليوم/ الأمس،حاضر موسكوالروسية/موسكو السوفياتية،العجائز/ الصبايا، بن لبنان/قهوة موسكو، النفور/الرضا…إلخ) التي تطاول أغلب المكونات الجوهرية البانية للنص. وهي لا تقتصر فقط على التناسبات الخارجية وإنما تركز أيضا، وبالأساس، على ما هو جواني وحميمي من حيوات الشخوص . فالمراوحة السردية بين زمكانين سمحت للحكاية الإطار بتشغيل تقابلات نووية وحكايات عنقودية متنوعة. عبر مساحات شاسعة من الاختلافات، بل والتناقضات كتلك التي توجد، تزامنيا، بين درجات الحرارة في الوطن(ثلاثين فوق الصفر) ودرجاتها في الغربة(ثلاثين تحت الصفر) أو، تعاقبيا، بين الماضي(الاتحاد السوفياتي) والحاضر(جمهورية روسيا). فــ”حدود العالم تغيّرت بشكل جذري، بحيث لا يمكن الاستمرار في خداع التلاميذ بتعديل حدود روسيا الجديدة فقط عن طريق إضافة تقاطعات ملتوية بقلم العناوين الأسود، حتى تبدو كآثار حلازين غمست في الحبر، ولكن برسوم وقتيّة جديدة تأخذ في الاعتبار كلّ البلدان النابتة حديثا بالكتلة الشرقيّة سابقا”( من قصة حميد ميتشكو).

    والماقبل والمابعد ناظمان مركزيان تنهض عليهما،تركيبيا ودلاليا، خوارزميات هذا النص.إذ في البين بين يشتد التوتر ويتعمق التقابل. لقد كان اجتياز“الممر الفاصل بين الطائرة ومطار موسكو الدولي” لحظة فارقة في حياة السارد/ البطل لأنها ستنقله من النقيض إلى النقيض .” ونحن نعبر المسافة الفاصلة بين الطائرة، وذلك البلد الغامض، كنت مشدودا ومتوجسا من شيء ما، وكانت بي رغبة في العدو، باتجاه المطار أو العودة حيث الطائرة…. كان المهم عندي هو عبور الممر بأسرع ما يمكن”. لهذا فمهما كان الممر قصيرا فإن آثاره النفسية، بما هو فضاء عتبة، ستكون نافذة وعميقة. “لم يكن ممرا عاديا، ولكنه كان حلقوما طويلا مثل الثعبان”. بكل ما يحمله هذا التشبيه من إيحاءات ورموز.. فحياة السارد في موسكو القديمة عرفت حدين فاصلين: ما قبل التعرف إلى باريسا وما بعد التعرف إليها، وموتيف” البن اللبناني المحنك” في تعارضه مع “قهوة روسيا الكريهة”(التذكير والتأنيث هنا ليسا اعتباطيين) جعل باريسا، التي “كانت ابتسامتها تخفي فعل الزمن على وجهها بشكل مدهش”، “عند الرشفة الثالثة” تنسى” ما جاءت من أجله، وكانت آخر آثار الغضب تتراجع في زرقة عينيها”. لـ”تتعرى من أقنعة الوظيفة”، و” تتحول من امرأة تستشيط غضبا إلى امرأة وديعة تتلو أشعار ألكسندر بوشكين ، ” وهي تمسك نفسها من البكاء بصعوبة”. بل إن الشعر نفسه- وشعر بوشكين تحديدا- سيصبح بنكهة مخالفة في ذائقة السارد عند لقائه بباريسا. ” ورغم عشقي للكلمة وشغفي الشديد بالشعر، فقد مرت سنتان قبل أن أتعرف إلى باريسا ألكسندروفنا”. بيد أن هذا التحول – بمفهومه الأرسطي-لا يمس عناصر الحكي في عزلتها الأحادية بل في تفاعلها مع بعضها.أي أنه تحول مزدوج ومتعدد يتم فيه تبادل المواقف والأدوار والانتقال بين الأطوار..فبينما كان السارد، هو البادئ إلى اختلاق الحكايات الغرائبية لباريسا غدا هو المستكين لسماع حكاياها. والنفور من ديار الغربة والحنين إلى الوطن،ما فتئا، عنده، أن تحولا إلى خلافهما لحظة العودة. “وأحسست بأنني عدت ثانية داخل نفس ذلك الحلقوم الطويل الذي كان يربط بين الطائرة ومطار موسكو الدولي، وكانت دمعة باريسا ألكسندروفنا- خيطا- يشدني باتجاه الجانب الآخر عكس اتجاه الطائرة”. وعلى غرار مصطفى سعيد بطل رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” – الذي كان يتصرف في الغرب كشرقي وفي الشرق كغربي- فإن السارد في نص محمد العيادي بدوره،حين عودته إلى أرض الوطن،فقد بوصلة الأحاسيس، ولم يعد يحتمل ” دعابات الأصدقاء القدامى” ، و” صياح ديكة الصباح!” ، ولا حتى ” حنان والدته وتصفح جرائد المساء”. ولأنه ما من خيار أمام حالة اللاتوافق هذه فلن يكون أمام البطل غيرالرحيل، الحقيقي أو الرمزي، بيد أن سارد”باريسا ألكسندروفنا والبجع الوحشي” لن يلقي بنفسه في النهر كشأن شخصية الطيب صالح،وإنما سيختار الغربة، من جديد(ألمانيا هذه المرة). ولن يحمل معه سوى كتب عربية مختارة بعناية، في مقدمتها بالطبع، ديوان” أغاني الحياة”لأبي القاسم الشابي، ككناية على حب الوطن على علاته، و الرغبة في الاستمرار رغم كل الأحداث التي عصفت بالاتحاد السوفياتي- موطن الذكريات- والذات والوطن والأصدقاء والبجع الوحشي! مادام الشعر هو كيمياء التحولات كلها، والملاذ حين لا ملاذ. كما أوصت بذلك باريسا وهي تودع السارد في المطار:”إذا عصفت بك الأحزان فلذ ببوشكين…وحين تقرأ له،تذكر جيدا أنه كان يخاطب الورد بأسمائه، وأنه كان يعتذر للماء عن تأخر البجع الوحشي…”..

    2-التناص:

    يستوحي كمال العيادي دوما في نصوصه، وفي “باريسا ألكسندروفنا…” بالذات، مجموعة من النصوص الغائبة: لفظا أو تلفيظا،نصيا أو تحويرا، تصريحا أو تلميحا، مما يضفى على كتاباته سمة التعدد النسقي.أي التعدد داخل عضوية الوحدة النصية. والاستحضار لديه لا يشترط، دوما وبالضرورة، وجودا نصيا مرجعيا سابقا للكتابة. فهو قد يختلق نصوصه المرجعية من دون كينونة سالفة، موحيا في الآن ذاته بمنجز متحقق خارج ما تشيده الكتابة عنده. والمرجح أن نصوص الانطلاق عند الكاتب هي في الغالب جزء لا يتجزأ من نسيج نص الوصول، مع ما في هذا التقسيم المنهجي من شطط أصلا. والسارد نفسه في إحدى التعريات الميتاحكائية يقول: “وكنت أختلق الحكايات. والغريب أنني كنت أشعر بأنني أقول الحقيقة تماما”. والحقيقة هنا هي ما يبنيه الخطاب السردي لا ما يحاكيه من وقائع محتملة. ولمحدودية الحيز في القصة القصيرة والجنيسات الدائرة في فلكها فنادرا ما يلجأ الكاتب إلى الاقتباسات، الخارجية، المسوّرة بعلامات التنصيص إلا لضرورات لازبة. لما في ذلك من إنهاك لسنخ النص المنذور إلى التركيز والضغط. والواقع أن تقنية الاستدعاء بقدرما هي ثابت من ثوابت الكتابة الروائية- نظرا لسعة صدرها كمحفل أدبي تلفيقي- فإنها (أي تقنية الاستدعاء) ، في السرود القصيرة، مجازفة لا يركبها إلا من يمتلك القدرة على تدبير إكراهات الأحواز(جمع حيز) المجهرية بمهارات جراح رقمي.ويبدو أن كمال العيادي يلجأ، بقصدية لا لبس فيها، إلى بعثرة نصوصه بخلق بؤر جذب وتوتر،الواحدة تلو الأخرى، مهددا بتفجير جسد النص، كإحدى الممكنات القصوى. لكنه وفي اللحظة الحاسمة( لحظة تحول معطف غوغول إلى رقع،وذئب بول فاليري إلى قطيع أكباش!) ،يعيد، بالرتق، النص الخَلق- بكسر اللام- إلى نص جديد، متماسك وصلب!

    وكما تمحورت الحكاية حول الوشائج التي آلفت بين السارد وألكسندروفنا، شكّل ألكسندر سرغاييفيتش بوشكين من جهته، بشخصه وشعره ، مناصا كبيرا تلتقي حوله باقي التفاعلات النصية الأخرى. علما بأن مفهوم النص، قد يتجاوز ما هو لفظي وكتابي إلى مختلف الأنظمة الإشارية والأنساق الدالة، وفقا لما انتهت إليه التنظيرات البويطيقية(الشعرية) حول ظاهر النص وحبله السري.هكذا إذن يحضر بوشكين الموسكوفي الذي “تربى على عشق الحرية” ، القارض للشعر” في سن مبكرة جدا”،الغاوي لــ”التنظيمات السرية” والمنخرط “في الجمعيات المعارضة للنظام القيصري الرجعي”. بوشكين الذي تعرض “للنفي والاصطدام بالقيصر” والذي قضى ، في النهاية ” إثر مبارزة دبرت له مع ضابط فرنسي”. وتحضر بالتالي أعماله الشعرية الفذة: يفغين أونيغن، وروسلان لودميلا، ونافورة باغشي سراي، والأسير القوقازي،…بل و يحضر مقطع من قصيدته”روسيا” يقول: ” إني أحس سماع أصوات البعوض… وصوت أفراح الصبيان فوق المرتفعات… حيث يثيرون الصخب… كي تأتي الصبايا”. وفي خلفية هذه الإعارة النصية أصداء لنصوص بوشكينية أخرى تؤثث الفعل الثناصي دونما إفصاح عن ذاتها: “كنت أحفظ عن ظهر قلب- كما يقال- ستة مقاطع من شعره رغم أننا كنا مطالبين بحفظ مقطعين فقط”.

    إن بوشكين، في كليته الوجودية والرمزية، باعتباره رافدا أساسيا من روافد نص”باريسا ألكسندروفنا والبجع الوحشي”، ينسج تقاطعات علائقيه مع نصوص أخرى، لفظية، تحضر عبر عناوينها الكبرى المميزة كـ:”أغاني الحياة” لأبي القاسم الشابي،ومسرحية “بيارق الله” للبشير القهواجي، ورواية”حدث أبو هريرة قال…” للمسعدي، ونسخة معربة من الكتاب المقدس،والقرآن الكريم،أو يشار إلى أصحابها كـبراشت وهيغل ونيتشه وغوته…أو بواسطة جوامعها الجينيالوجية( مجلات، كتب، جرائد، رسائل، إلخ): “كانت ترقد مجموعة ضخمة من الكتب باللغة الروسية والعربية والفرنسية، وكومة أخرى من الصحف والمجلات العربية، ورسائل مبعثرة، وأوراق متنائرة هنا وهناك.”. فضلا عن حكايات ملفقة ووهمية كتلك التي يرويها السارد عن والده أو عن “يوشا” كلب بوشكين. وهي في الغالب مبتورةعمدا،وملء فراغاتها متروك لنباهة المتلقي وسقوفه التخييلية. تماما كالصفحات التي كان منتظرا من السارد تحبيرها يوم الامتحان. “وعرفت عنه ما يكفي لأسود بياض عشر صفحات عند الامتحان آخر السنة الدراسية”. وبما أن صنعة الكتابة عند كمال العيادي تتوسل الترسيب والإركام لتخليص النصوص القصيرة من خفتها المحتملة، فإن الكاتب باشر في “باريسا ألكسندروفا والبجع الوحشي”، إلى جانب التقابل والتحويل الحكائين، عملية تلفيظية تم بمقتضاها تصيير ما ليس لغويا نصا لغويا.وعليه سيغدو تمثال بوشكين نصا داخل النص، مثله مثل باقي الصور والرسوم الحاضرة الغائبة، “المختلفةالأحجام والألوان والأشكال والمواضيع” :”رسم لوجه الفرعون توت عنخ آمون، وآخرلبيكاسو، وسالفادور دالي،وبوب مارلي،وألان باركن والحبيب بورقيبة،وكلاوس كينسكي،وأوجين يو نيسكو، وليرمنتوف”،وصورة والد السارد وغيرها..

    واللافت أن كمال العيادي في قصصه، ومنها هذا النص، يمشي في الاتجاه المعاكس لما يلجأ إليه سواد كتاب القصص والروايات، فهو يخاصم كل الابتزازات الشكلية والمضمونية ليقدم نصا عاريا إلا من أدبيته المرهفة وعمق أغواره.ذلك أنه لا يتخفى،مثلا، وراء” عنصر التشويق” أو خلف جرعات زائدة من اللقطات الساخنة كي يخفي عجزا أو يحتال على قرائه. ولكنه يقدم، في السطور الأولى، أوراقه دفعة واحدة. في خلاصات مركزة؛ من قبيل:”حدثت بعد ذلك حوادث شتى، وفرغت من نفسي بذلك البلد، حتى اكتفيت أو كدت، وألفت المكان حتى كاد يألفني، وقدمت له أجمل سنوات شبابي قربانا… وكنت راضيا وأكثر.” أما الآصرة التي توجد بين سارد كمال العيادي وباريسا الأربعينية فهي شفافة وبريئة كما لا يقع في القصص،عادة، بين رجل وأنثى يتعارفان ويتآلفان. إنها ليست شيئا آخر غير شعر بوشكين. بيد أن “كشف المستور”، في ومضات سريعة، قد يشد انتباه القارئ إلى دقة التفاصيل الآتية، ويغريه بالنهل من العيون الدفاقة،عند كل حدب وصوب، من نهر السرد الهادئ المنساب.الصادق والمقنع، حيث تتصادى القصة القصيرة بالحكاية واليومية والسيرة والرحلة والقصيدة في تناغم وانسجام.
    وعليه فإن تجربة كمال العيادي في الكتابة السردية والقصصية تنماز بالغنى والتنوع على صعيد البنيات التركيبة والدلالية . والتجريب عنده تحكمه غائية تحصيل طحين وفير من دون فائض جعجعة..فالبساطة والتقاط التفاصيل الدقيقة والمؤثرة في سيرورة الأفراد والجماعات، والمزج بين الواقعي والتخييلي ، بين التاريخي واليومي، بين الذاتي والموضوعي ، بين المعرفي والاستتيقي، قد يسمح لنصوصه، على قصرها ،كشأن قصص بورخيس وبول بولز ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وسواهم….باستثمارات تتعدى الحوامل الورقية إلى إمكانية معانقة محاتد ترابطية جديدة.

    نص” ألكسندروفنا والبجع الوحشي” :
    http://www.doroob.com/?p=5064

    د. الحبيب الدائم ربي

  43. الخِطَابُ السَّرْدِيُّ العياديُّ بين الإِظْهَارِ والإِضْمَارِ:حم علق:

    الخِطَابُ السَّرْدِيُّ العياديُّ بين الإِظْهَارِ والإِضْمَارِ:حميد ميتشكو نموذجًا

    - نشرت هذه المقاربة كاملة خلال هذا الأسبوع بالمنابر الورقية

    بقلم: د. محمد جاهين بدوي

    تتعدّد مستويات التلقّي للمحكيّ العياديّ على المستوى الدلاليّ، من حيث قابليتها لجدل الرؤى، ومحتمل التأويلات، وانفساح آفاقها ورحابة فضاءاتها، فإذا هي تتراوح بين الإظهار والإضمار، والبوح والإسرار، على نحو فنّيّ تتبدّى من خلاله براعة السارد، ومخاتلته الفنية المستملحة المشتهاة، وعبثه بالقارئ بما يقدّمه من لوحات مشهدية، وصور تشخيصية ربما تبدو لأول وهلة عند النظرة العجلى عادية، أو تبدو كأنها مقصودة لذاتها، فلا تعني أكثر مما هي عليه من دلالة مباشرة، ولكنها تتكشّف لك عند القراءات العديدة العميقة الفاحصة عن أبعادٍ رؤيويةٍ منفسحة، ومَرَامٍ إشاريّةٍ شديدة الخصوبة والثراء، والفرادة والامتياز.
    وإذا ما أمعنّا النظر في عنوان هذا النصّ الذي بين أيدينا محلّ هذه القراءة ” حميد ميتشكو ” وجدناه اسما للشخصية المحورية التي يدور حديث السارد حولها، غَازِلاً خيوطَها، ناسجًا ملامحها وقسماتها، مُوشّيًا حواشيها، ناشرًا فضاءاتها، مشكّلاً أبعادها ورؤاها وتصوّراتها.
    والمدقق في البنية التركيبية لاسم الشخصية ” حميد ميتشكو ” يراها تتألَّفُ من مُرَكّبٍ لافتٍ على المستوى السيميائيّ، فهو ذو صدر عربيّ ” حميد ” وعَجُزٍ عَجَميّ ” ميتشكو “، وهذا التركيب لا يخلو من دلالة كاشفة عن طبيعة تكوين هذه الشخصية من الناحية العِرْقيّةِ والمرجعيّة الدينيّة والثقافيّة، ومن ناحية النسبة الحادثة المجلوبة لها ” ميتشكو “، وهو إطلاقٌ – فيما يبدو – طارئٌ على هذه الشخصية، ارتضاه له المطلقوه عليه، وأقرّهم هو عليه في محاولة منه لاكتساب الماهية والهوية الجديدة من خلال الانصهار في هذه البيئة المغايرة، فإذا هذه الشخصية تتشكّل على هذا النحو المزدوج كائنا جديدا، متأرجحة بين النسبتين: الهويّتين، فلا هي غربيةٌ تَمَحَّضَ لها نسبها الجديد، ولا هي شَرْقِيّةٌ بقيت لها ملامحها القديمة صافيةً من الهُجْنَةِ وَعُجْمَةِ اللُّكْنَةِ.
    وهذه الجدليّة بين الذات والآخر، العربيّ والعجميّ لها تجليّاتها المتنوّعة في غير موضع من الخطاب السرديّ العيّادي، ولعلّ هذا الميسمَ الجدليّ من أهمّ المياسم التركيبية الدالة والكاشفة طريق الوالج إلى عالم قراءة هذا النصّ السرديّ ” حميد ميتشكو “.
    والكاتب القاصّ في هذا النصّ يوظّف تقنيةً سرديّةً تتّكِئُ على قدرة الذات الساردة على الترسُّلِ والتحدُّر في البوح والإفضاء، متوسّلة في ذلك بلغة عذبة شفيفة، تنثال انثيالاً دافقًا، لا تَوَعُّرَ فيه ينبو به السمع، أو خشونةٍ تزعج القارئ عن المضيّ في الإصغاء إلى ذلك الحاكي الحميم.
    كما تعتمد كذلك لغةً وصفيّةً تصويريّةً، تَسْعَى وئيدةً في تشكيل ملامح شخوصها، وتكوين قسماتها، ومخايلها الحسية، وخواطرها النفسية، ورؤاها الفكرية، وهي في الغالب شخصياتٌ مقدودةٌ من طينة هذه الحياة، وصلصالها، وَحَمَئِهَا المسنون، ومِسْكِهَا المختوم، بسُمُوَّاتِها وطموحاتها، وبُوهيميّتِها وعَبَثِيَّتِهَا، وتناقضاتها، كما سنرى عند صاحبنا “حميد ميشكو” هذا الكائن العيّادي اللاّشرقيّ، واللاّغربيّ، مُقَسَّم الأهواء، مُوَزَّعُ الفؤاد، فلا هو إلى هؤلاء، ولا إلى أولئك.
    كما تقوم هذه التقنية كذلك على الاستطرادات، والاسترجاعات، وتوظيف لغة الحوار، ولغة أحاديث الذات، وبثّ الرموز، والإحالات، والإسقاطات المختلفة في تضاعيف المحكيّ العياديّ وثناياه، وتلافيفه السردية، على نحو يمتزجُ فيه العاديّ بالغرائبيّ العجائبيّ، والواقعيُّ بالمتخيّل الأسطوريّ، أو الموروث الشعبيّ، وذلك يجعل القارئ المتأمّل للنصّ أشبهَ شيءٍ بمن يسيرُ في دَغْلٍ مُشْتَجِرِ الأشجار، مُلْتَفِّ الأغصان، من هذه الإحالات، والإسقاطات، والإشارات، فلا بدّ أن يأخذ أقصى درجات الحذر والحيطة، وهو في معرض استنطاق أبعاد الرؤية السرديّة، التي ربما تبدو بسيطة في صيغة طرحها المباشرة، ولكنها ثريّة خصبة بما تجنّه في طواياها، وتحتمله في ثناياها من أبعاد تأويليَّةٍ مُضْمَرَةٍ، وبُؤَرٍ دلاليّة، بعيدة الغور، شديدة العمق.
    وساردنا الحكيم منذ أوّل لحظة في بثّه السرديّ، وبحثه الحثيث اللاهث عن ” حميد ميتشكو” يربط بين اختفائه، وتوقُّعِ مَوْتِِِهِ تحديدًا، وظهور بعض الإرهاصات الغرائبية العجائبية، المبهمة التي لا يجد لها تفسيرًا منطقيًّا، والتي يُشْتَمُّ منها الخطر حول كيان حميد ميتشكو؟
    مثل ذلك النشاط الغريب للكلب “يوشكا” كلب الجارة العجوز مدام “زولا”، الذي يبدو أنه قد أحسَّ بما لديه من قدرة فائقة على الاستشعار والكشف، ورؤية ما لا يرى البشر أن ثمةَ خطرا يحدق بـ”حميد ميتشكو”، فإذا هو ” يقفز في الهواء محاولاً نَهْشَ كائناتٍ لم توجدْ في يومٍ من الأيّام ” !.
    كما يُلَمِّحُ ذلك الساردُ في إشارةٍ رامزةٍ عجائبيةٍ كتلك إلى أن ملامح شارع “باخ” قد تغيّرت كُلِّيًّا، فإذا أشجار النواقيس تختفي، بدون أسباب منطقية ظاهرة، فلم يعد لها أيّ أثر، وكأنها لم تكن موجودةً بالأمس !.
    ثمّ يوردُ السارد مظهرًا تزامنيًّا ثالثًا لاختفاء “حميد ميتشكو” يراه – من وجهة نظره، وعلى حدّ قوله، وذلك من باب التمويه والمخاتلة الفنية – من باب الفضول والتفاصيل الصغيرة، بينما هو بَيْتُ القصيد، وهذا المظهر يتمثّل في تلك الخرائط الرسمية الضخمة ” التي تتكدّس منذ أشهر عند أسوار المعاهد الثانويّة، رغبةً في التخلُّص منها، بعد قرارات وزاريّة ثابتة، تؤكد بما لا يدعو للشكّ أو المراجعة أن حدودَ العالم تغيّرت بشكلٍ جذريّ، بحيث لا يمكن الاستمرار في خداع التلاميذ بتعديل حدود روسيا الجديدة فقط عن طريق إضافة تقاطعات ملتوية بقلم العناوين الأسود، حتى تبدو كآثار حلازين غُمِسَتْ في الحبر، ولكن برسوم وقتية جديدة تأخذ في الاعتبار كلّ البلدان النابتة حديثًا بالكتلة الشرقية سابقًا، ثم بدرجةٍ أقلّ منطقة الخليج التي يمكن تعديلُها لا حقًا بسهولةٍ، بعد الإعلان الرسميّ للنوايا الأمريكيّة الطيّبة، والمصالح الآسيوأوروبية العادلة ” !.
    تُرَى ما الذي يحملهُ هذا التزامنُ اللافت المقصود فنيا في هذا السياق بين اختفاء “ميتشكو” وتوقُّع موته، والرغبة في التخلّص من تلك الخرائط الضخمة العتيقة، وإعدامها، وإحلال أخرى محلّها، على نحوٍ يُعَادُ فيه توصيف وجه الأرض، وترسيم حدودها، وتشكيل عوالمها، وإعادة صياغة كياناتها بصورة تذوب فيها قَوْمِيَّاتٌ وعِرْقِيَّاتٌ، وأَلْسُنٌ ولُغَاتٌ متلاشيةً مندثرةً، وتنسلخُ كياناتٌ عن كياناتٍ أخرى طالما عانت بتلاحمها معها من هيمنتها عليها، وتهميشها لها، وتجاهلها لخصوصيَّتِهَا، بينما تَتَمَاهَى أُخْرَى في كِيَانَاتٍ عِمْلاَقَةٍ نَابِتَةً على هوامشِ التبعيّة والتَّسَلُّقِ؟!.
    إنّ التزامن بين الحَدَثَيْنِ: تعديل الخرائط، واختفاء “حميد” على نحو مزعج واضحٌ في فحواه وارتباطاته الدلالية والإشارية، إذ يتحوّل “حميد” ها هنا إلى مجرّد معادل لتلك الكيانات التي يَنْتَمِي إليها، والتي يُخْشَى عليها بالضرورة من أن تَتَغَوَّلَهَا، وتأتي على كينونتها وأصل وجودها تلك الخرائط الجديدة المقترحة بجبروتها، وعُنْفُوَانِهَا، وقَسْرِيَّتِهَا، وقَهْرِيَّتِهَا، واجتياحها الطوفانيّ الذي سيجرف في سبيله كل تلك الكيانات الصغيرة العشبيّة الطفيليّة النابتةِ على أهداب الكيانات العملاقة، والعالقة بأطرافها، كما تعلق بعض الحشرات بثوب عملاق ما يلبث أن ينفضها عنه في أثناء عملية محتملة لتغيير ثيابه.
    وساردنا الحكيم على الرغم من أنه اندفع مذعورًا حثيثًا في بحثه عن صاحبنا “حميد” متوقّعًا موته منذ يومين على الأقلّ، إذا هو يقرّر أنّ ” حميد ميتشكو لا يموت، ذلك أنّه لا يستسلم لكلّ تلك الأمراض الغريبة التي تستوطنه، والتي اكتفت بالإعلان عن شراستها، وجدّيّتها، بتهدّلٍ خطيرٍ في كتفيه، وعِوَجٍ في تقاسيمِ وجهه، وقدمه اليسرى”…
    ويبدو أن حميدًا هذا قد ورث هذه الأمراض عن أمّهِ، بزمانتها، وتركيبها، وإعجازها الأطباءَ في إيجاد حَلٍّ لمعضلاتها، كما قال هو في إحدى القصاصات التي كان يدوّن بها خواطره، أو ذكرياته، حيث يقول: ” أمراض أمي التي كانت تؤذيها, كانت في نفس الوقت ينابيع حيويّتها وسرّ تشبّثها بالحياة، كانت أوجاعها مصدرًا لا ينضب لحكايات الصباح مع الجارات، عمّتي فاطمة كانت تردد عَلَنًا بأنّ أمي ثقيلة الروح ولا تفتح فمها إلا للتثاؤب، ولكنّها أصبحت محبوبةً بعد فشل جميع الأطباء في علاجها من الأمراض الغريبة التي تنهشها ليلا، والغريب أنّها أصبحت بعد مرضها الأخير تمتلك قدرةً عجيبةً على تفسير الأحلام، ومعالجة جميع الأمراض بزيت الزّيتون والعسل والثّوم المطحون “.
    وإنّ حميدنا هذا العَرَبِيَّ العَجَمِيَّ، بكلّ أمراضه الوراثية، وعاهاته النفسيّة التي ورثها عن أمِّهِ أو أُمَّتِهِ، هذه التي فشل الأطباء جميعهم في مداواتها، فإذا هي واقعٌ مفروضٌ مقرّرٌ، بل ومحبوبٌ أيضًا – وهذا بالطبع ما أنبأنا به ساردنا الحكيم – أقول: إن حميدنا هذا المزدوج ليستثمر مظاهر عجزه تلك، ولا يستنكف أن يستدرّ بها تعاطف الجمهور، متسوّلاً المعونات، والمساعدات، والاستثناءَات، فإذ هو يجعل من بيت دائه وضعفه وعجزه، بيتًا لِقُوتِهِ، ولقمة عيشه، وإنْ كان الاستجداء إدامَهَا، وماءُ الوجه، وكبرياءُ النفس مَاءَهَا الذي يتبلّغ به غُصَصًا غُصَصًا.
    ويكشف لنا السارد وجهًا آخر من جوانب شخصية “حميد ميتشكو” هذه التي يزداد خطرها، وتتنامى صورتها، وتتشكّل ملامحها النفسيّة في الذهن رويدا رويدا، وذلك من خلال استدعاء السارد حكاية تلك الرسالة العجيبة التي أرسلها “ميتشكو” إلى الملكة آنا، حين كان طبّاخًا بمدريد، هذه الرسالة التي يصارح فيها الملكةَ ” بأنه مهاجر فقير من تونس، ولا يملك مليما، ولكنّه إنسان حسّاس، وبأنّه أصيب في صميم قلبه بحبّها، و سيكون أسعد مخلوق لو بادلته عواطفه الصادقة نحوها، وأنّها بالتأكيد ليست في حاجة لأموال أكثر, ولكنّها في حاجة إلى رجل فَحْلٍ حسّاس يحميها ويدافع عنها، ثمّ إنّ ما ورثته من أمّها من أموال ومجوهرات سيكفيهما ما تبقّى من العمر وأكثر، ولم ينس طبعا أن يذكّرها بأنّ دماء العرب والأسبان اختلطتا بعمق أصيل وأبديّ, مستشهدا بقصر الحمراء. ومطلع قصيد قديم ” !
    وهذه الرسالة في سياق التداعيات الذهنية للسارد تكشف عن بعض شمائل ” حميد ميتشكو ” وخصاله النفسيّة الأصيلة، منها رومانتيكيته المحلّقة التي تبلغ به حدّ الانفصال عن واقعه، والضرب في متاهات الخَبَالِ والهذيان، ومنها أيضًا انتهازيّتُه ونفعيّتُهُ ورغبته العارمة في الحياة الوثيرة الناعمة، التي لا يبذل في سبيلها إلا فحولته المزعومة المدّعاة، وأحاسيسه الرومانتيكية الجيّاشة الفائرة، ومنها أيضًا ضلالاته وهذياناته العقليّة التي تصوّر له أنه الفحلُ الأوحد والأكبر في القطيع البشريّ، على الرغم مما يخترم بدنه الشبيه بالدُّمية أو المسخ الشائه من الأمراض العجيبة الغريبة التي تتناهشه متواطئةً عليه ليل نهار، وهو كذلك لمّا يزل يعيش بكهوف التاريخ، وسراديب الذاكرة الجمعيّة لأمّتِهِ، ويطمع في استعادة فراديس الأجداد المفقودة، ويبكي على أطلالها، وضائع مآثرها ومفاخرها التليدة، التي لم يعد له منها إلا رجع الأصداء، حتى هذه الأصداء هي الأخرى، قُطِعَ لسانُها، فما عادت تنبس، أو تهمس.

    وثمة مشهدٌ آخر يلقي مزيدًا من الضوء على شخصية “حميد ميشكو” في بلادتها، وبوهيميتها، وانفصامها عن واقعها، وحقيقة مأساتها الوجودية المروّعة على المستويات كافة، بل وهروبها وتشاغلها المتعمّد عن حقيقة هذه المأساة الملهاة بما لا يُعنيها، أو يتصل بحقيقة وضعيتها من قريب أو من بعيد، وذلك هو المشهد الذي يصوّر فيه السارد وضعية “حميد” المأساوية عندما تمكّن من زيارته في “وَكْـرِهِ” بعد طول بحث وتنقيب يقول: ” ظللت واقفا لأننّي لم أجد مكانا يصلح للجلوس. أربعة أشبار هي المسافة التي تفصل الخزانة الوحيدة عن الفراش الواطئ والغائب تحت عشرات الأغراض الغريبة، كرّاسات لدراسة لغات أجنبيّة، عشرات من قطع الصّابون، وعلب السردين، وأكياس من الملح، والبصل، وفواتير، وماعون طبخ، وعلب فارغة من الورق المقوى… حذاء غير مستعمل، كتالوجات لملابس نسائيّة ورجاليّة من أرقى محلاّت الموضة.و..و..و…
    استطعت بعد جهد إبعاد بعض الأغراض لأجد لي مكانا للجلوس، سألته عن سبب اختفائه فأشار لي بمتابعة مراسم زواج سموّ الأمير الدانمركي الذي كان يعرض على شاشة التلفزيون، سألني إن كنت أعرف بأنّ فستان الزواج تكلّف مئة ألف أورو, وأنّه هديّة شخصيّة من والد العروس، وحين أجبته بأنني قرأت عن ذلك في الصحف, قال لي بأنّ هناك خلافًا بين أم العروس وعمّة الأمير حول الكنيسة التي سيعقد بها عقد القران، ثمّ راح يحدّثني عن تفاصيل من أسرار العروس لا يعرفها حتى الأمير العريس نفسه بالتّأكيد ” (1).
    وما أشبه هذا الوَكْرَ الحميديّ الضئيل الحقير في بعثرته، وشتاته، وتناقضاته، وبُوهِيمِيَّتِهِ، أو قُلْ إِنْ شِئْتَ: وَبَهِيميّته، بالبيتِ العربيّ الكبير في غرائبِهِ وعَجَائِبِهِ، وائتلافِهِ الذي هو مَجْلَى اختلافه، ووَحْدَتِهِ التي هي عَيْنُ فُرْقَتِهِ، وهُوِيّتُهُ التي هي صُلْبُ هَوَائِيّتِهِ، وانْتِمَائِهِ الذي هو وَجْهُ انْتِفَائِهِ !!
    وإنّ هذه اللوحة المشهدية الرائعة في إضاءتها لتكاد تكون بَيْتَ القصيد في هذا النصّ السرديّ المحكم الأطراف، هذا الذي أراه أشبه بمؤامرة إبداعية متقنة التخطيط، رائعة التدبير والتقدير، فها هو ذا “حميد ميتشكو” قابعٌ في وَكْرِهِ، غائبٌ عن الوعي والإحساس، لا يلقي بالاً لما يتوغّل في عوالمه من الرثاثة والدمامة، والعبثية، والضياع المطلق، وما ينخر جسده الدُّمْيَةَ والمَسْخَ من أمراض الخرافة والجهل والفقر، وما يثقلُ كَاهِلَهُ الْمُحْدَوْدِبَ الْمَكْدُودَ من دُيُونِ الصَّبَاحَاتِ والأماسيّ، وما يترصّد كيانه كُلَّهُ بالتلاشي والانسحاق، ويتشاغل عن ذلك – وهو الصُّعَيْلِيكُ (تصغير صعلوك) الذي لا يجد قوت يومه، وبضع سجائر ينفث دخانها – بمتابعة حفل زفاف الأمير الدانماركيّ، وتكلفة فستان الزفاف، وما كان من خلاف بين أمّ العروس وعمّة الأمير حول الكنيسة التي سيعقد بها القران !!
    واليقين الذي استقرّ في نفسي منذ البداية، وهو الأمر الذي ظلت كافة الخيوط السردية تتعانق متضافرة على تشكيله، أن هذا الحميد ميتشكو ما هو إلا مُعَادِلٌ مُجَسَّـمٌ للكَائِنِ العَرَبِيِّّ بكُلِّ شِيَّاتِهِ وقَسَمَاتِهِ وسِمَاتِهِ ومَخَايِلِهِ الحسيّة والنفسيّة، ولوازمِهِ الفكريّة والسُّلُوكِيَّةِ، بتَبَعِيَّتِهِ وهَامِشِيَّتِهِ، واستهلاكيّته، ونَفْعِيَّتِهِ، وضياع هُوِيَّتِهِ، وتمزّقه بين الذات والآخر، وازدواجيته التي هي سرّ شقائه وبقائه، وأمراضه الموروثة التي تَجْتَرُّهُُ ويَجْتَرُّهَا فِكْرًا وَرُؤًى وانْهِزَامَاتٍ وانْكِسَارَاتٍ مُتَتَابِعَةً مُتَعَاقِبَةً جَعَلَتْ مِنْهُ مَسْخًا شَائِهًا أَجْذَمَ، يتكسَّبُ بعاهاته، ويتسوّل بأمراضه وتشوّهاته، مستدرًّا عَطْفَ السَّابِلَةِ عليه، علّهم يمنحونه كِسْرةَ خُبْزٍ، أو كأسًا من البيرة، أو بعض الصدقات من السجائر.
    وهو على ذلك طامحٌ أبدا إلى ما لا يدخل له في وُسْعٍ، ولا يدخل له في حيّزِ طاقةٍ، وهو لا يبصر مواطئ قدميه، ولا يعرف ما يختبئ له فيها من الفخاخ والبراكين، التي ستبتلعه بعد حِينٍ، ” هَالِكٌ في الهَوَالِكِ، خَابِطٌ في الظُّلَمِ الحَوَالِكِ” كما كان الزمخشريّ يقول في صفة الزعيم، حالمٌ بعودة مفقودِ الفراديس، باكٍ على الأطلال، وكل مُهْرَاقِ الكؤوس !!
    لله دَرُّك أيهذا العياديُّ الرائعُ الجميلُ، إنّ نصّكَ هذا لهو المؤامرة الإبداعية المستملحة المشتهاة في أروع صورها، وأرقى مجاليها، وإنه عندنا لمن كنوز الفيروز، والنصوص الفصوص، وجوامع الروائع، وعقائق العقول، ونفائس النفوس.
    ألم أقل لك يا صاحبي: إنّ العَادِيّ إذا غَدَا عَيَّادِيًّا صَارَ غَرَائِبِيًّا مُدْهِشًا، مُثِيرًا لجدل الرؤى والتصوّرات، ورحيب التأويلات، كأنه منبهم الأساطير، وملغز الأحاجي والطلّسْمات ؟!.
    وإنّ المعانيَ – كما كان الجاحظ يقول- مطروحةٌ في الطريق، يعرفها العربيّ والعجميّ، والبدويّ والقرويّ، وإنما الشأن في جودة السبك، وإقامة الوزن، وصحة العبارة، وإنّا لنقول اليوم: إن الشخوص والأحداث مطروحةٌ في الطريق، وإنما المعوّل عليه، والمعتدّ به، حسن التشكيل، وروعة التوظيف، وسحر السرد، وبلاغة الخطاب.

    * * *

    ملاحظة :

    وردت عدّة تعليقات وتفاعلات مع المقاربة, حين نشرت الجزء الأوّل منها, وقد أدرجت أهمّها, وخاصّة من الدكتور نور الدين محقّق والصديق على بن سعد الفيصل و الروائي أحمد الكبيري والدكتور الحبيب الدايم ربي /

    نورالدين محقق
    الصديق أبو شادي
    تحية محبة
    سأخبرك بسر لم يعد سرا، لقد فوجئت بقراءة كمال العيادي لأشعاره ، كان يقطر ألما ، يعيش مع الشعر ، كأنه من عالم آخر..قراءة مذهلة، وأقولها،صادقا، وشهودي كل الحاضرين،لا يجيدها الا الكبار.أما عن القصة ،فحدث ولا حرج، كمال العيادي كما قال لنا الصديق الميلود عثماني، ونحن في طريق العودة، حكاء بامتياز ،قاص من طينة فريدة،لقد أعاد الحديث عن أسطورة الكاتب.وكنت مع الصديق الميلود عثماني موافقا على طول الخط…
    أقول مرة أخرى، كنت كلكم معنا ،من أوهايو الى ميونيخ ، ومن غرناطة الى باريس…
    تحياتي..

    علي بن سعد الفيصل
    أستاذي القدير الدكتور / محمد جاهين بدوي
    بعد اطيب التحايا ووافر الاحترام …
    أين نلقاك .. أين منتهاك .. أين وجودك الدائم ..!؟
    أم بينك عهد وبين الإبداع ألا مستقر ..!؟
    في بحور الشعر أسرتنا , وبين تقاطع الأقاصيص أخذتنا اليوم في رحلة مع مثير الإبداع القصصي أديبنا الكبير كمال العيادي ..
    من بين كلمات العيادي أخرجت لنا تلك الحروف ووضعت النقاط عليها في دراسة متأملة كاشفة لخطابها السردي .
    أبا شادي :
    لقد عرفنا ” حميد ميتشكو ” على الخارطة التاريخية الإنسانية الإقتصادية العصرية على خارطة الواقع الزماني والمكاني , عرفناه في ثنايا الدراسة كمرض أمتنا العربية اليائسة …
    ولكن السؤال الأمل هل سيشفى ” حميد ” …!؟هل سنبقى نلقي بالملامة عليه ..!؟ هل سنبقى نتهكم به ..!؟
    الإجابة أرجو أن تحيا في نفس ” حميد ” ….!!
    شكرا حتى الثمالة أبا شادي .. وإلى مزيد من ضخ قطرات الإبداع إلى قلوبنا العطشى …
    أخوك / علي بن سعد الفيصل ,,,,

    أحمد الكبيري العزيز محمد جاهين بدوي

    إن نصوص كمال العيادي وخاصة السردية، ليست بالنصوص الصعبة الموغلة في الغموض والمتعددة التأويلات، فهي نصوص في أغلبها تمتح من الحياة، حياة الإنسان في جغرافية ما بمواصفات ما وفي قوالب تناسبها وبيئة حقيقية تشبهها، ولذلك فهي نصوص نافذة للقلوب مخترقة للوجدان ولا تنسى..لكن قراءتك على الرغم مما قدمته من وعي بهذا المعطى الذي يبدو مسلما به من أول قراءة، إلا أنها، أي قراءتك، حفرت بعمق في كتابة العيادي من خلال نصه الرائع حميد ميتشكو، لتقدم لنا مكنات أخرى تزيد تركيزنا تركيزا آخر يسلط الضوء على عوالم كمال العيادي وطرق كتاباته بكثير من الدقة، أي إنك فعلت نفس الشيء الذي فعله العيادي..هو كتب عن جزئيات وتفاصيل شخصية حميد ميتشكو وأنت كتبت تفاصيل وجزئيات نص العيادي، فجاء نصك نصا إبداعيا جميلا محايثا لنص آخر مضيئا له..

    فلك محبتي الخالصة

    د.الحبيب الدائم ربي
    المحترم د.محمد جاهين بدوي
    إضاءاتك لنص كمال العيادي كاشفة وعميقة….وهي التفاتة طيبة منك لكاتب كبير وشخص فتان لن تملك، إن قرأته أو لاقيته، إلا أن تحبه وتدمنه ككاتب وكإنسان…لقد كان لقاء سلا، الذي ساهمت فيه بدورك ولو لم تتمكن من حضوره، لحظة تاريخية بحق….تسلطن فيها كمال العيادي… على الأفئدة….بجدارة واقتدار…ومن عجب أن يكون هذا القيرواني النحيل المشاكس قادرا،كدأبه، على صنع ذلك الحدث الكبير….
    حقا كان العيادي يوم السبت بسلا سلطانا بتاج وصولجان….
    تقديري الأخوي

    د. محمد جاهين بدوي
    بيشة – السعودية

  44. مــداخـل إلـى شـعـر كـمـال الـعـيـادي علق:

    بقلم : د.أحمد زنيبر

    مـــــداخــــــل
    إلـى شـعـر كـمـال الـعـيـادي

    يكتسي الحديث عن تجربة الكاتب التونسي كمال العيادي، أهمية بالغة بالنظر إلى رصيده الأدبي المتنوع، الضارب في شتى الألوان الكلامية، من شعر وقصة ورواية ومقالة ورسالة،، ولعل هذا التنويع في مجال الكتابة، يعود، بشكل أو بآخر، إلى تلك السيولة الأدبية التي يتوافر عليها الكاتب، من جهة، وإلى ذلك الانجذاب الذي تحدثه الكتابة لديه، كفعل وممارسة، من جهة ثانية.
    وهو فوق هذا وذاك، قارئ نهم وناقد متمكن من أدواته التحليلية، لا يتهاون في متابعة أو ملاحقة الأعمال والدراسات الأدبية والنقدية، إن بالتعليق أو بالتعقيب، كما هو الحال في نهجه لما يعرض من مواد في موقع “دروب” الإلكتروني.
    هذا الموقع الذي يعود له الفضل في تعرفنا على عدد كبير من الأدباء والأديبات، من مختلف الأقطار العربية، حيث حصل التواصل وتبادل الرأي مع كثير منهم ومنهن.
    والشاهد عندنا، هو حضور هذا الأديب القيرواني، الذي نحتفي به اليوم تجسيدا لتواصل حقيقي تم وجها لوجه وصوتا وصورة، بعدما كان مجرد تواصل رمزي ومجازي خلف شاشة الحاسوب وعبر الشبكة العنكبوتية …
    ولما كان المحتفى به متنوع الاهتمامات، كما ذكرنا، منصرفا إلى عدد من الألوان التعبيرية؛ فإننا سنقتصر في هذه المداخلة النقدية الاحتفائية، على تجربته الشعرية فحسب، من خلال عينة من نصوصه المنشورة بموقعه الإلكتروني: http://www.kamal-ayadi.com في محاولة لملامسة هذا الفضاء الإبداعي ومقاربة موضوعاته، بناء وتصويرا ودلالة وإيقاعا.
    خلف الأديب كمال العيادي، عدة نصوص شعرية تباينت بتباين مقاصدها وروافدها، من جهة، وتفاوتت بتفاوت حجمها وقيمتها، من جهة ثانية؛ على أن أغلب عناوين هذه النصوص ذات دلالات عميقة مرتبطة بالنص والتجربة في آن. ومن ثمة لم يكن عجيبا أن نجد تلك العناوين تبوح ببعض أسرار النص وتوجه القارئ المفترض إلى مقصدية الشاعر ورسالته الفنية. نذكر من هذه العناوين مثلا: زفرات قلب الشاعر/ مرثية القمر الأخير/ المنام/ في منفاهم: برقيات إليهم أينما كانوا/ أحجية/ أسمع نشيجها من بعيد.. وغيرها من العناوين التي تسير في نفس الاتجاه.
    تختزل نصوص كمال العيادي ألوانا من التداعيات والانزياحات، منها ما ارتبط بتداعيات الذات والآخر، ومنها ما اتصل بانزياحات الواقعي والمتخيل. وبين هذا التداعي وذاك الانزياح ما تداخل فيه الذاتي بالموضوعي، حيث اشتغال الذاكرة واشتعالها إعرابا وإغرابا، وحشة وبهجة، لتغدو الذات، في ظل ذلك، موزعة بين الحضور والغياب، مضطربة بين انتظار وانكسار. يقول الشاعر في مقطع من قصيدة “أسمع نشيجها من بعيد”:
    وحدي
    هذا الصمت المطبق حد الموت
    لماذا لا أرى من وطني
    غيرَ شاهدة القبر
    وسطرين من الشعر
    ولد وعاش إلى حين، فمات
    أنا الذي لم يدِبْ في مسالكه
    غيرُ دود الأديم
    ولم يُطرب سمعَه
    غيرُ قرع الكؤوس
    وترانيمُ آذان الفجر والصلوات
    ربي الشرقي
    إلاهي الغربي
    خبأت حزنيَ الدفين عن الأحبة
    وضربت في الأرض ما اتسعت
    بما ملكت يدي
    فأثقل سمعي، وقلبي وذاكرتي
    وأعني ربي، وأنا أفتح للصباح نافذتي
    حتى لا أسمع صوت نشيجها
    يسوطني من بعيد
    هكذا، كلما هاج الشوق وانتفض الحزن، واشتعل القلب حنينا وأنينا، كان الوطن والمعشوقة أول ما ينجذب إليهما الشاعر، في ذات الآن، رغبة منه في مقاومة البعد وسلطة النسيان. يقول الشاعر من نفس القصيدة:
    ودربت ذاكرتي، ما استطعت
    على النسيان
    قايضت الأهل والأصدقاء
    بسبائك الصمت الرصاصي
    ولكنــني
    ومنذ عشرين سنة أو تزيد
    يخيل لي كل صباح
    وأنا أفتح نافذة غرفتي
    بأنـني أسمع صوت نشيجها من بعيد
    ومن ثمة، لا غرابة أن تشتغل الذاكرة، من جديد، مسكونة بالوطن والأشياء مهووسة بكل ما يمت لها بصلة، جلية أو خفية، يعقد خلالها الشاعر المقارنة تلو الأخرى بين حاضره وماضيه، ويستحضر أيامه ويسترجع أحلامه، سواء في يقظته أو نومته. يقول من قصيدة “المنام” :
    جنود لا حصر لها
    تعسكر بين مخدتي والمنام
    أرفع غطاء الصوف القديم
    لعل النوم منشغل بفتيل الشمعة
    هناك، عند كوة الجدار
    أنهض.
    لاشيء، غير زوج حذائي المقلوب
    وقصاصة من الورق الأصفر
    ربما كنت كتبتها منذ عام:
    … ….
    جثت الأهل والأحبة والأبطال
    تتكور لحاف السرير
    تصطك أسنانها من البرد
    وفي رئتي يضوع بخور القيروان.
    وكما توسلت نصوص العيادي بالذاكرة والتاريخ، استندت كذلك إلى الذات، في تمظهراتها المختلفة، ضعفا وخوفا، طموحا وجموحا، وفي اشتباكاتها وانفلاتاتها أيضا. وذلك عبر غنائية عذبة وشجية، تصعد زفرات زفرات، كما هي زفرات قلب الشاعر. يقول كمال العياي:
    أنا المكور كاللوز الفج. خاتم رسائل
    حبه أنا
    أنا النابض فيه. وإني النداء والخباء
    أشجار منذورة ثمارها لرموش
    النساء أنا
    الأسود الأخدود، وملح الجفون الذي لا
    يخون أنا
    اسوق جمر الحزن للمناديل الوردية
    وأقرع طبولي
    لأدل السائلين وقطاع طرقي عني.
    والعابرين.
    آيتي الليل والقمر ورجع الأنين
    أنا البدء فيه
    وإني الآخر والمنتهى.
    فعلام لا يراني، بعيونه كلها؟
    وعلام يصم آذانه
    فلا يوجعه هذا العواء؟
    بالشعر إذن، يحول الشاعر واقعه وتجربته الإنسانية، عبر تراكيب فنية تضفي على النص مسحة جمالية مطلوبة، إضافة إلى تلك الصور الشعرية المكثفة، التي تمتح من مرجعيات متعددة، وجدانية وفكرية وفنية.
    ثمة أبعاد موضوعاتية تتخلل المنجز العيادي، تجعل منه نصا منفتحا على كل الاحتمالات وعلى كل القراءات الممكنة واللاممكنة أيضا.
    ثمة خطاب مرئي ولا مرئي، في نفس الوقت، يمزج بين العفوية والقصدية، تارة، وبين ظاهر المعنى وباطنه، تارة أخرى. يقول الشاعر من قصيدة “في منفاهم: برقيات إليهم أينما كانوا”:
    خذ !
    هذه جمرة أخرى
    سنشوي عليها الليلة
    ما تبقى من الذكريات.
    سنتحلق حولها بجذل
    نعدد أسماء الملوك والنادلات.
    سنخفف عقاب الأشجار، إن شئنا
    إلى أقل من عام.
    وقد نطلق سراح العشب أيضا
    بعفو شامل، لا رجع فيه.
    خذ !
    ونحن نبحث في مداخل القصيدة العيادية، يلفت انتباهنا ذلك الحضور القوي لعنصر الطبيعة، في بعديها المكاني والزماني، وفي تجلياتها المتعددة والمتنوعة، وهو ما يسمح للشاعر بتكثيف تخيلاته الشعرية وتلويناته الفنية، داخل القصيدة الواحدة. وسواء أتعلق الأمر بالطبيعة الحية أم بالطبيعة الميتة؛ فإن هذا التوظيف غالبا ما ينسجم ومقصدية الرسالة الإبداعية، التي يتوخى الشاعر إبلاغها، تمثيلا وتدعيما. يقول في قصيدة “مرثية القمر الأخير” :
    هناك بعيدا،
    حيث لا زعتر يعانق شباك العرعر. ولا ريح طريدة.
    كان الذئب الرمادي الجريح
    يسوي من صوف الأوهام وسادة
    تعدل وضع رأسه صوب كتف الجبل اليسار
    ليرفع للقمر بعواء الوداع الأخير.
    تماما كما وعد أمه وهي تموت..
    في ضوء ذلك النهار البعيد.
    لم تعبث به الريح، ككل مساء
    لم تستهزئ به سناجب الجوز البري كعادتها
    لم تتخذ اليرقات مفاصل فروته ممرا للحاء الأشجار.
    لماذا تأخر القمر هذه الليلة؟
    والواضح أنه، في مثل هذا المقطع، بما يرمز إليه من علاقة مفترضة بين الذئب الجريح والقمر، يحيلنا إلى مدخل جديد لقراءة تجربة الشاعر كمال العيادي، ويتعلق الأمر بالنثرية التي يتوسل بها. فأنت تراه، في هذا المقطع وغيره، يجاوز بين الشعر والنثر، ولا يضع حدودا جمركية بين الجنسين، يضاف إلى ذلك استغناؤه عن الوزن الخليلي وعدم الالتزام بتفاعيله وتفعيلاته إلا ما جاء عفوا؛ وإنما يقدم تجربته بإيقاع بديل يتمثل في إيقاع الذات الشاعرة، من جهة، وفي إيقاع القصيدة ذاته، من جهة ثانية.
    ولنا في شعر الشاعر نماذج كثيرة تقوم على هذا المنحى الإيقاعي، حيث تجانس الأصوات وتناغم الكلمات وتوالي التكرارات واستدعاء أساليب الإنشاء كالأمر والاستفهام والنهي والنداء.. وما إليها من مكونات ما يسمى بالإيقاع الداخلي للقصيدة، كما في هذا الاختيار:
    يا وحدي المر. يا وحدي المر
    أحرق بخوري عند كل أصيل
    كل بيت دخلته قبلت كل زواياه
    وأحرقت ملحي لقراه
    ثم ضوعت دخان بخوري وأعشابي
    عند مفاصل كوته وزواياه
    هن حروفي وطلاسمي. هن النساء
    وهن نون الضاء في أدمعي
    أنا المفتاح المسنون من خشب الصندل
    أنا المسكون بمصابي وبالحنين
    منذور نبضي للأنين
    ولفتح مغالق صناديق الياقوت في خبايا صدورهن
    هن وشفاههن. هن
    وخبايا الكبد واللسان. وما لا تعرفون فيهن. وهن
    النار والنور في مدافنهن
    وقدري أن أكون رسولهن لهن
    أحترق بهن ولا أشكو لهن من نارهن
    أنا خشب الصندل المعطر بريح السفن القديمة
    وهن الأتون
    فهل روي عن خشب لا يخشى نار الأتون؟
    تلك إذن، بعض المداخل، التي انبنت عليها تجربة الأديب كمال العيادي، في مجال الشعر، تكشف عن غنى منجزه ومدى إبداعيته. إنها تجربة تستمد حضورها من التاريخ والذاكرة ومن اليومي العابر منه والظرفي. إنها، كذلك، تجربة يقودها سؤال مركزي يتلخص في سؤال الذات والهوية.
    لقد تغنى الشاعر بالأرض والوطن والطبيعة والحبيبة، عبر استحضاره لصور فنية من هنا وهناك، وعبر وسيط لغته المنسابة، التي جمعت بين البساطة والتركيب، من ناحية، وعبر التداعيات المختلفة، التي رافقته، كشاعر، ووجهت، بصورة أو بأخرى، ذوقه وعيه الجماليين ، من ناحية ثانية.

    * ) ألقيت هذه المداخلة بخزانة عبد الرحمان حجي خلال الإحتفال بالكاتب الضيف كمال العيادي بسلا المدينة
    في 11/02/2006

  45. - دراسة في قصص كمال العيادي علق:

    كمال العيادي و القصة القصيرة

    بقلم د. نورالدين محقق

    شعرية الفضاء وبنية الشخصيات في الأدب التونسي الحداثي

    - دراسة في قصص كمال العيادي –

    د.نورالدين محقق.

    * تقديم منفتح:
    يعتبر الكاتب التونسي كمال العيادي من الكتاب المغاربيين الذين حافظوا على الكتابة باللغة العربية، رغم ابتعاده عن موطنه الأصلي تونس مدة طويلة، حيث تابع دراساته العليا بكل من روسيا وألمانيا، إلا أنه رغم إتقانه لهاتين اللغتين، فقد ظل متشبثا بلغته الأم، اللغة الأولى التي جعل منها لسانه الأدبي الذي يخاطب به العالم.هكذا نجد أن كتاباته الأدبية ستعلن عن وجودها القوي ،من خلال هذه اللغة ،في أجناس أدبية متعددة، منها الشعر،والقصة،والرواية.كما حرص على إقامة حوار حضاري، بين الأدب العربي والأدبين الروسي والألماني. ونظرا لهذا التنوع الأدبي العميق، سنقف في هذه الدراسة، عند كتاباته السردية، محاولين ضبط شعرية الفضاء فيها وكيفية تعبير الشخصيات عن دواخلها داخل هذا الفضاء المختلف ذاته.

    1-شعرية الفضاء وتعدديته:
    يشكل الفضاء أحد العناصر الأساسية في السرد، سواء القصصي أو الروائي، فهو الذي يربط الأحداث المحكية، ويمنحها المجال لكي تتطور، وتتبع الخط السردي المرسوم لها بإحكام، كما أنه يتداخل مع الزمن إلى الحد الذي يتحول صحبته إلى كرونوطوب متكامل، لا انفصام له، كما يذهب إلى ذلك ميخائيل باختين، في دراساته السيميائية الحوارية.هكذا تتطلب دراسة هذا الفضاء احاطة كبرى بمختلف مكونات النص السردي المدروس، بغية الوصول إلى ضبط كل الميكانزمات المشكلة له.وهو ما سنحاول فعله، ونحن نقترب من القصص التي صاغها يراع كمال العيادي، انطلاقا من واقع معيش ،لكنها مع ذلك فهي حين ولجت إلى بيت التخييل أخذت بعدا خاصا، لا ينتمي إلا لقلم الكاتب، بحيث تحس بذلك التفرد الذي منحه لها، وكأنه نفثها سحرا في مرآة الكتابة.هكذا نرى كيف تحول فضاء مطار موسكو، وهو فضاء واقعي إلى فضاء منفتح على التخييل، بحيث تحول ممره العادي إلى ممر ثعباني لا ينتهي، إلا ليبدأ من جديد.ذلك أن هذا الممر، قد أصبح حدا فاصلا بين حياتين، حياة أولى كان السارد فيها يعيش بين أهله، وحياة أخرى ثانية مفتوحة على المجهول، بكل غرائبيته ومخاوفه، ولكن أيضا إغراءاته.ليتم الانتقال إلى فضاء موسكو باعتباره فضاء للغربة.هذه الغربة التي ستحول الذات إلى متلق لعلوم الآخر و لثقافته.ومع مرور الوقت،سيتحول فضاء الغربة ليصبح فضاء للألفة ،فضاء للصداقات،فضاء للتأملات.يقول السارد معلنا ذلك ببهاء ما يلي: ” عرفت الكثير بذلك، وجبته جنوبا وشمالا، وتعلمت مجاهل لغته، ومغاليق أسراره، وكنت صديقا وفيّا للبجع الأبيض.”في هذا الفضاء الواقعي الذي تحول بفعل التخييل الذاتي الذي مزجه بالرغبات، إلى فضاء مليء بالحيوية، وبالتعددية المرآوية، التي تتجاوز حدود الذات لتصب في محيط الآخر، مؤثرة فيه، ومحولة إياه، من إطار البعد إلى إطار القرب.يتجلى ذلك بكامل الوضوح في فضاء البيت،الذي يختزل هنا في غرفة مؤثثة بطابع الهوية الشخصية المعبر عنه جسديا، وثقافيا ورمزيا حتى. الغرفة في قلب موسكو، لكنها تحمل تونس معها عن طريق استحضارها بواسطة الصور، الغرفة في قلب الثقافة الروسية، لكن الثقافة العربية كانت حاضرة فيها، وهو ما يجعل منها فضاء مفتوحا على الآخر، لكنه فضاء يحتفظ بهويته الخاصة التي تميزه.إن فضاء الغرفة هنا، يتحول إلى فضاء كوني بكل المقاييس، من حيث الرؤى والتعبير الجمعي الأنساني.يقول السارد واصفا فضاء هذه الغرفة الكونية ما يلي: ” في جدران الغرفة أين اصطفت عشرات الصور المختلفة الأحجام والألوان والأشكال والمواضع.كانت لوحات غريبة فعلا ،تجمع بين رسم لوجه توت غنج آمون،وآخرلبيكاسو،وسلفادور دالي،وبوب مارلي،و ألان بارك،والحبيب بورقيبة ،وكلاوسكينسكي،و أوجين يونسكو،وليرمنتوف،ووالدي رحمه الله،وغيرها..وعند الجانب الآخر، كانت ترقد مجموعة ضخمة من الكتب باللغة الروسية والعربية والفرنسية، وكومة أخرى من الصحف والمجلات وأوراق مبعثرة، وأوراق متناثرة هنا وهناك “. إن الفضاء هنا يشي بشخصية صاحبه، ويشكل امتدادا روحيا له، بل إن الفضاء هنا يتحول إلى مساعد قوي للشخصية، بحيث من خلاله وبواسطته، قد حدث التآلف الروحي بين السارد وبين صاحبته باريسا. وعن طريقها بينه وبين البجع الوحشي الأبيض.أما في قصة “إنها لندن يا عزيزي” التي يتعالق عنوانها مع عنوان رواية حنان الشيخ الشهيرة، فإن الفضاء الذي تتناسل فيه خيوطها، هو فضاء ألمانيا، وبالتحديد، ميونيخ، دون أن تتم طبعا الإشارة إليه. الفضاء هنا هو فضاء حميمي، فالسارد يتكلم لنا عن بيته الخاص، وكما يشير باشلار، فالبيت، هو فضاء الألفة بامتياز، تجد فيه الذات صورتها الحقيقية التي تسعى لأن تكونها كما هي. وكما يقول غريماس، إذا كان هناك مساعد فهناك معيق أيضا.المعيق هنا هو زوجة السارد نفسه،فهي تفرض عليه في فضائه الحميمي هذا ،أن يخضع لنظام صارم ،عليه ألا يتخطاه.الكتب مصففة بنظام، وكل في محله.وفي غياب هذا المعيق، سيجد السارد حريته المطلقة، ليغوص في هذا الفضاء، بل انه سيصل إلى أعمق ما فيه.هذا الأعمق، هو “المخزن”.يعلن السارد عن ذلك بهذه اللغة التي تتدفق حبا وعشقا .يقول “نزلت المخزن، متلهفا، ورحت أبعثر بسادية كرادين الكتب العربية، ابن عربي، سميح القاسم، طاغور، ادغارألان بو، دستويفسكي، كانط، إصدارات دار الساقي، إصدارات دار الجمل، نجيب محفوظ، يوسف إدريس، طه حسين، ألف ليلة وليلة، الطبري، ابن الأثير، الجاحظ…مئات الكتب التي أرغب في حملها معي جميعا، ولكن لا رغبة لي اليوم في تصفحها.” هكذا نلاحظ أن الفضاء في قصص كمال العيادي، يتكون من فضاءات عميقة، ترتبط بالذات الساردة، وتصبح جزءا من كيانها، بحيث في غياب هذه الفضاءات لا وجود لهذه الذات، وهو ما يشكل في الكتابة السردية الحداثية، ما يسمى بالتضعيف التخييلي، بحيث يتحول العالم التخييلي، إلى عالم متكامل العناصر.كل عنصر فيه، يحمل الوجه الآخر في العنصر السابق عليه أو الآتي بعده.ففي هذه الكتابة، لا مجال لانفصام الفضاء عن الشخصية ولا الشخصية عنه.إنهما يتكاملان ويتواجدان في بوتقة زمنية حدثية واحدة، مانعة جامعة بتعبير مناطقة السرد.

    2- بنية الشخصيات والرؤى العلائقية:
    تتنوع الشخصيات التي يخلقها يراع الكاتب كمال العيادي، من حيث البناء والرؤية للعالم، والبعد العلائقي مع غيرها من الشخصيات الأخرى، التي تتقاسم معها نفس الفضاء، وهي في اختلافها وتعددها هذا، تمنح للنص السردي دينامية متجددة باستمرار، ورغم هذا الاختلاف الحاصل بينها، فهي تلتقي في كونها شخصيات غير نمطية، شخصيات دينامية متحولة على الدوام.وهو ما سنقوم بعملية توضيحه اعتمادا على الدراسة السيميولوجية التي جاء بها فليب هامون، والمعنونة ب “سيميولوجية الشخصيات الروائية”.

    1-2-الشخصيات البنائية:
    نقصد بالشخصيات البنائية، تلك الشخصيات التي تنبني من خلال تشكلات النص، أي باعتبارها، كما يقول فليب هامون، «مورفيم غير ثابت ومتجل في دال لا متواصل، يحيل على مدلول لا متواصل”، ص26 (الترجمة العربية) وهو ما يجعل منها، لا يمكن أن تكتمل في عملية نموها إلا حين ينتهي النص الذي توجد فيه.و هو ما نرى أن الكاتب كمال العيادي يحرص على نهجه في كل قصصه.فشخصية باريسكا ألكسندروفنا ،تحضر بقوة في القصة الحاملة لعنوانها،فالسارد منذ البداية قد بأّرها ،بحيث سلط عليها ضوء التوجيه،لكن حضورها هذا،يتم عن طريق الفعل الذي تمارسه داخل بنية التحول في النص،لا اعتمادا على عنصر التوارد فيه.فالشخصية الأولى في النص، هي شخصية السارد، الذي يحكي لنا الوقائع التي أحاطت به، وهو هناك في دار الغربة، الممثلة في موسكو كمدينة، وحي الطلبة كفضاء سكني.تقدم هذه الشخصية في بداية اللقاء بها، بشكل يركز على قوتها، والسلطة القوية الممنوحة لها، فهي المسؤولة عن مبيت الطلبة، ولها كامل الحق في طرد أي واحد منهم إذا لم يلتزم بشروط العقد المبرم، لكنها في العمق، وهذا هو عنصر المفاجأة الذي تقدمها القصة، يتمثل في كونها كانت عاشقة للشعر، وبالضرورة للبجع الوحشي، كما تجليا عند بوشكين. السارد هنا سيستطيع أن يزيل القناع الوظيفي عن وجه هذه السيدة الطيبة، و يمنحها الألق الحقيقي اللائق بها. وفي مقابل هذه الشخصية يخلق السارد شخصية مغايرة لها في قصته:” إنها لندن يا عزيزي” تلك هي شخصية الزوجة الألمانية، بغض النظر عن مدى مطابقتها للواقع أو غير مطابقتها له.الزوجة هنا متسلطة صارمة، فيها كل خصائص الواقع، لكن السارد هو كاتب منفلت زئبقي، محب للفوضى المنظمة.يقدم لنا السارد هذه الشخصية المسماة: قيزيلا، انطلاقا من جنسها الألماني ولونها الأشقر، وسلطتها الفعلية داخل فضاء البيت، مما يجعل من لحظة غيابها لحظة مرجوة ومبتغاة. وهي الرغبة التي في عملية تحققها، ستنطلق الذات الساردة على سجيتها، باحثة عن مقومات هويتها الأولى التي تتمثل هنا، في الذات العربية لغة وتخييلا و محبة.هذا التقابل بين الشخصيات من عوالم مختلفة وفضاءات مختلفة، تمنح للمتلقي تنوعا في الرؤى، خصوصا وأن الذات الساردة، تتكلم عن نفسها مستعملة ضمير المتكلم، مما يجعل من هذه القصص، تشكل اتحادا قصصيا، يمنحها طابع الرواية وأفقه. توازيا مع هذه الشخصيات الأنثوية، تحضر الذات الساردة معلنة عن انتصارها المعنوي، وهو انتصار يرتبط دائما باستعمال الكلمة والالتجاء إلى عالم الكتب.

    2-2-الشخصيات المرجعية:
    أما بخصوص الشخصيات التي يطلق عليها فيليب هامون اسم الشخصيات المرجعية، أي الشخصيات التي تحيل على مرجعية تاريخية أو أدبية أو اجتماعية محددة، فنجد حضورها قويا في هاتين القصتين معا.في الأولى تحضر شخصية بوشكين عن طريق الاستحضار بهذا الشكل الانسيابي المتدفق.يقول السارد في هذا الصدد ما يلي:” و كنت أعرف ،كما يعرف كل طلبة صفي بأن ألسكندر سرغاييفيتش بوشكين،ولد في موسكو، وبأنه تربى على عشق الحرية..و أنه بدأ بكتابة الشعر وقرضه في سن مبكرة جدا..”، و في الثانية تحضر الكاتبة اللبنانية حنان الشيخ عن طريق التآلف البهي مع كتبها. يقول السارد ما يلي: ” ظللت أبعثر الكتب في توتر حتى طالعني وجه حنان الشيخ، اللبناني الأصيل مقلوبا.عيناها الواسعتان مثل فنجان قهوة يمنية، شعرها الأسود الفاحم، ورشمة شفتيها مثل طائر غائر في السماء”.
    هكذا نرى أن عالم الشخصيات هو الآخر عالم غني متنوع، منفتح على الآخر، وعلى عوالمه، كما ينبغي أن يكون الانفتاح.

    * خاتمة مفتوحة:
    هكذا يتبين لنا أن عالم الكاتب القصصي –الروائي كمال العيادي، هو عالم تخييلي خصب، عالم يتشكل من الذات الساردة وهمومها، وهي تلتقي بفضاءات مختلفة أيضا، لكنها سرعان ما توحد هذه الفضاءات، وتجعل من الشخصيات ذات قربى مع العوالم الذاتية لها.و هو بذلك يعلن عن ذاته كواحد من كتاب السرد المميزين في العالم العربي،شرقا وغربا .

    ___________________________________________________________

    *مراجع:
    1- حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى1987.
    2-فيليب هامون: سيميولوجية الشخصيات الروائية، ترجمة سعيد بنكراد، دار الكلام، الرباط 1990.

  46. بورتريه المبدع كمال العيادي بين الدروب الباذخة علق:

    بورتريه المبدع كمال العيادي بين الدروب الباذخة

    بقلم الكاتب والباحث المغربي:

    عبد الرحيم العطري

    من تكون أيها ال ” كمال ” ؟ يا من أدمن قراءة بوشكين و غوغول و كل الرائعين من أرض الثورة المثلى، من تكون أيها ” القيرواني” البهي ؟ يا من هاجر بدءا إلى المسرح و غاص في عشقه حتى الألم و الألق أيضا، برفقة أب الفنون لا أظنك كنت تفرح إلا بنصوص بيكيت و بريخت و سارتر و أرتو … لا أظنك إلا قادما من مسرح العبث كما عبث أيامنا الفادحة هاته ، لن تكون إلا عبثي المبنى و المعنى ، تسافر بين الدروب القصية بحثا عن الحقيقة الهاربة ، تكتب و تنزف و تحترق ، فالانكتاب عندك أيها المسرحي و الشاعر و القاص و الصحفي ، أكبر من أن يكون مجرد ترف فكري .

    قلبك النازف حبا و عمقا إنسانيا لن يكون مفتتنا قبلا إلا بالأسئلة الكبرى التي أثارها نيتشه و كل الألمان الرائعين ، أراك دوما تمقت الضفادع التي لا تجيد سوى النقيق كما كان يقول نيتشه، و بالمقابل تهفو إلى إعادة الدفء إلى السوبرمان الميت فينا ، لن تكون إلا نتشويا أتعبه هذا الإنسان ، فبات يحلم بإنسان آخر و بعالم آخر يشع نقاء و بهاء، لهذا تحلم و تحلم إلى أن يتحقق الحلم ، تفرح كثيرا بكل رقم قياسي تحطمه هذه الدروب ، بكل شمعة توقدها في عتمة الليل العربي .

    من تكون أيها القادم من القيروان ، يا من جرب كل فنون الشعر و النثر ، يا قادما إلينا من الركح الجميل ؟؟؟ في كل التعليقات التي تكتبها احتفاء و فرحا بكل الزميلات و الزملاء في دروبنا البهية أكتشف فيك شخصا آخر ، أنت المائة و ربما الألف في واحد ، رجاء لا تخف ، إنني لا أتهمك بالفصام ، بل أتهمك بالتعدد الباذخ ، كما المسرح الشامل يا سليل الخشبة و الأدوار .

    جئت أيها ال ” كمال ” إلى عالمنا الرديء هذا في زمن النكسة ، ذات يوم ستيني كئيب انمسخت فيه أحلامنا البلا حدود ، جئت تحمل بين أعماقك كفرا بالموت الرخيص ، لهذا كنت دوما تمارس التواطؤ مع الحياة و الحب و الجمال . و منذ بداية الثمانينات بدأت تعلن عن الكاتب الغائر فيه ، عن الشاعر المتوثب في أعماقك ، عن القاص و الصحفي و المسرحي و كل كائنات القلم الجميل ، استقبلتك أحضان” القدس العربي” و “أخبار الأدب” و” نزوى” و مواقع وادي السيليكون بعدا . لهذا لم تسرقك ” التجارة الدولية ” التي تخصصت فيها دراسيا من دنيا الأدب ، بل أدمنت الحب و الوفاء لشيطان الشعر و الإبداع في كلياته و أسئلته و شواغله الكبرى .

    على حواف القلب الشريد ، و من تفاصيله الدقيقة تهدينا مراثي للقمر الباكي ، في منامات الأطفال ، تسمعنا نشيجها من الأقاصي البعيدة ، تذكرنا بأحجيات الشتاء و حكايا الجدة الراحلة ، من منافي الروح تبرق إلينا ، و أينما كنا، شعرا جديرا بالقراءة و الاستماع ، لأنه شعر معتق قادم من زفرات قلب يدمن الحب و الوفاء . الشاعر فيك يا كمال يحترف بناء صور شاعرية ، يحتفي بالأضداد في تناقضها المختلف ، لا يرضى بالخطابي و التقريري كما لا يختبئ وراء الغموض و الرمزية المطلقة ، الشاعر فيك يعلن عن نفسه منذ العتبة الأولى ، لأنك شفاف حد الانكشاف و التجلي .

    عبر القص اللذيذ تأخذنا إلى عوالم التشظي و الانحراق ، برفقة شخصيات عجائبية من كل أقاصي العالم ، من روسيا و القيروان و ميونخ بدرجة أكبر ، إنها فعلة الترحال ، بصماتها بادية على محياك الأدبي ، لن تمنع نفسك يا كمال من الغرق في الشعر الروسي و العبق القيرواني و السؤال الألماني ، مع باريسا ألكسندروفا و حميد ميتشكو و آخرين يصعب حصرهم ، توصي بشيء من الحلم لموت القيروان ، لكنك تنسى أن الموت الفضيل يكون بدون وصية ، فقط هناك بقايا حناء و رسائل مغشوشة ، هو ذا الزمن الفادح يسقينا من شرابه الرخيص ، يفجعنا في الأحبة و الأصدقاء ، يسرق منا أجمل الأوقات ، و مع ذلك يستيقظ الشاعر في أعماقك ، الشاعر المفتون بالحياة ، ليعلمنا دروسا في غير الانحناء ، كما دنقل و هو يكتب وصية الرحيل عند مشانق الاسكندر. فمن تكون أيها القيرواني المسافر الذي زاده الحب و الإبداع ؟ يا من يحرص دوما على ألق موقع ال ” الدروب ” ؟ يا محرر القسم الأدبي كما تعلن عن ذلك هذه ال “دروب ” ؟ أيها المايسترو كما تناديك دوما شاعرة الأطلس مليكة مزان ؟

    أحيانا أجدك على درب الدروب رجل إطفاء بامتياز تصب خراطيم مياه على الحرائق التي تشتعل من حين لآخر في رحاب التعليقات ، تدواي الجراح ببلسم الحب و الامتنان ، تحيي فينا ثقافة الاختلاف و الانتصار لكل ما هو جميل مهما كانت المسافة ضوئية بيننا و بينه ، لكن في مرات أخرى أجدك تشعل الحرائق ، و تدعو لقلب الطاولات ، يستيقظ السؤال الألماني فيك ، و تدعو إلى المساءلة و النقد لا المهادنة و الانبهار الزائد . و بين الحالتين معا يظل كمال العيادي فيك كما هو ، سوبرمانا محلقا في الأعالي حريصا على جمالية الدروب الباذخة ، منشغلا حد الامتلاء ببناء العائلة الدروبية الكبرى ، يوزع الحب على كل الوافدين إلى موقع دروب ، يحييهم بأبهى العبارات ، يشجعهم على تكريس الحضور و إدمان الانكتاب و لما لا الاحتراق و الانجراح أيضا ، فالكتابة بالنسبة إليه غير ذات معنى ما لم تكن مقرونة بالدم ، ألم يقل الحلاج بأن ركعتين في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم ، فما بالك بصلاتهما بعدا ؟

    كمال العيادي ينفر من الجاهز ، يرتحل عبر أزمنة شتى ، ليجيب عن سؤاله المركزي : ما معنى أن تكون كاتبا اليوم ؟ ما معنى أن تكون مفتتنا بالحبر و تسويد البياض ؟ ذلك ما يجيب عنه كمال العيادي عبر تعليقاته في دروبنا الباذخة ، عبر قصصه التي لا تنتهي و أشعاره المحلقة في الأعالي ، على امتداد أسفاره القصوى من القيروان إلى روسيا فألمانيا إلى دروبنا جميعا ، عبر ذاك كله نكتشف حقيقة سوبرمان شاعري يكتب من أجل الحب و الحياة . و عبر ذلك كله لا نكتشف مرة أخرى حقيقة هذا السوبرمان ، فمن تكون أيها ال “كمال العيادي ” ؟؟؟؟

    ملحوظة : من حين لآخر تسرقني صرامة البحث السوسيولوجي من دنيا الأدب الباذخة ، إنني غارق آنا في كثير من الالتزامات البحثية الميدانية ، لكن لأنك جدير بالحب و التقدير أيها العزيز كمال العيادي ، و لأنك ستحل ضيفا عزيزا علينا بحاضرة سلا البهية ، فقد سرقت نفسي من نفسي لأكتب لك و عنك هذا البورتريه الذي لن يوفيك حقك ، هذه مجرد تحية استقبال لسوبرمان الدروب الباذخة ، تقبلها مني أيها العزيز.

    ::. عبد الرحيم العطري

  47. قراءة في قصيدة: مرثية القمر الأخير لكمال العيادي علق:

    الذِّئْبُ والقَمَرُ بَيْنَ الحُضُورِ والغِيَابِ

    قراءة في قصيدة: مرثية القمر الأخير لكمال العيادي

    بقلم: د. محمد جاهين بدوي

    * * *
    مدخل:
    الذئبُ أحَدُ كواسِرِ البرّ وسباعه التي تمتاز بالسرعة في ملاحقة طرائدها، والحذر الشديد، والخفة الفائقة حركةً ويقظةً، وهو لا يصبر على الجوع، وليس يصطاد في الغالب إلا ليلا، وبخاصة في الليالي القمرية، ليتبيّن فرائسه، ولذلك يقضي معظم الليل ساهرا، ومن شقائه بالسهر وفرط إجهاده لا يكاد يخطئه من رماه، وليس يخرج للصيد غالبًا إلا في شكل جماعات.
    وهو مشهور كذلك بغدره حتى على بني جنسه من الذئاب، وقد ضُرِبَ به المثل في كل ما ذكرنا، فقالت العرب في أمثالها: ” أحذرُ من ذئبٍ”(1) ، وفي تصوير ذلك وبيان هيئة نومه للدلالة على شدة حذره، وهو من أروع ما قيل في تصوير الحذر، قول حُمَيْد بن ثور:
    يَنَامُ بإحْــدَى مُقْلَتَيْـهِ ويَتَّــقي بأُخْرَى المنَايَا فَهْوَ يَقْظَانُُ هَاجِــعُ
    وقالوا أيضًا: ” أخَفُّ رَأْسًا من ذِئْبٍ ” (2)، و ” أجْوَعُ من ذئبٍ ” (3)، وفي دعاء العرب على أعدائهم: رماه الله بداء الذئب، وداء الذئب هو الجوع، وهو لذلك لا يصبر على جوع، فإن أخطأه صيده، وعزّ عليه ما يأكل حاول إدخال النسيم إلى جوفه يتعزّى بذلك.
    ومن غدره ببني جنسه أنه إذا رأى صاحبه جريحا انقضّ عليه، لأن منظر الدم يثيره، ويهيّج نهمته، ويثير شرهه، وفي ذلك قال الشاعر:
    وكُنْتَ كَذِئْبِ السَّوْءِ لَمَّا رَأَى دَمًا بِصَاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلَى الدَّمِ
    كما يعرف الذئب بقوة حاسة الشم لديه يستعين بها على تعرّف الأشياء واستشعارها من بعد، كذلك يُعرف باسترواحه في مشيته، أي انتقاله من جهة اليمين إلى جهة اليسار والعكس، يراوح بين ذلك من باب الحذر واتقاء ما قد يباغته من الأخطار، وهو ما يُعرف في اللغة بالتّذَاؤُب، فهو منسوب إلى الذئب، ومأخوذ من هيئته في تلك الأحوال (4).
    وفي تنسّم الذئب الريح، واسترواحه في مشيته أنشد أبو الرديني العكلي فيما رواه الجاحظ:
    يَسْتَخْبِرُ الرِّيـحَ إذَ لَـمْ يَسْمَــعِ بِمِثْــلِ مِقْرَاعِ الصَّـفَا الموقَّـعِ (5)
    وقد أورد الجاحظ هذا الشاهد في معرض حديثه عن الوسيلة الخامسة من وسائل البيان، وهي ” النِّصْبَةُ ” أي الهيئة الدالةُ على حال صاحبها بدون لسان، أو توظيف إشارة، فالعرب تعرف هيئة الذئب على ذلك النحو يمدّ أنفه في تلك الصورة المعروفة، يتشمّم الريح، ويستخبرها، ويصغي لحديثها، ويترجم عنها وحيها، فكأن رأسه في تلك الحالة مِعْولٌ أو إزميلٌ حادٌّ مسنون.
    والذّئبُ من فصيلة الحيوانات الثديية آكلة اللحوم، وهو من أفراد العائلة الكلبيّة، ويُعدّ الذئبُ الرماديُّ من أقوى أفراد هذه العائلة، وأقدرها على التحمّل، ولا يحيا في الصحاري والبراريّ بخلاف الذئب البرّيّ، ولا يألف كذلك قمم الجبال، وإنما يألف بيئات الغابات، وتلك التي حوّلها الإنسان (6).

    ***
    ولعلّ أول ما يتقاضانا حقّه في التوقّف عنده بالنظرة المتأملة في هذه القراءة لقصيدة كمال العيادي إنما هو العنوان: مرثية القمر الأخير، هل كان العنوان فُسْطَاطَ القصيدةِ، وعَمُودَ خيمتها الذي قامت عليه، كما قيلَ في صفة العنوان قديما؟ ، أو بصيغة أخرى: هل كان هذا العنوان غالبًا على النصّ، ومهيمنًا عليه، أم غلبَ النصُّ العنوانَ، وهيمن عليه، وجعله قِرَائيًّا تابعًا له، ومتفرّعًا عنه، ومنبثقًا منه؟ أم تماهى النصّ والعنوان وصارَا لحمة واحدة، ونسيجًا حيًّا مُتَوَاشِجَ الشريانات، والخلايا والمسامّات؟
    الحقّ أن العنوان والقصيدة تَمَاهِيَا في تواشُجٍ بنيويّ، وانصهار دلاليّ ورؤيويّ واحد، فالقارئَ للقصيدة لا يجد مرثيةً صريحةً جهيرةً للقمر الأخير، وإنما يجد نفسه أمام مرثية للذئب: الذات والذكريات والعوالم والطموحات، قد غُلّفتْ بأطياف القمر: الحلم والمثال، هذا الآفل البازغ على المستوى النفسيّ للذئب السارد المتذكّر، على نحوٍ تَمَاهَى فيه إشاريًّا الراثي والمرثيّ، والحاضر بالآفل، فإذا رثاء الحُلم رثاءُ الذات الحالمة، لتوحّدهما، وصيروتهما شيئًا واحدا.
    ولعلّ في وصف القمر بِـ”الأخير” في العنوان ما يعطيه بُعْدًا إشاريًّا كاشِفًا جديدا، يؤكّد لدينا أن الرثاء للذئب: الذات والقمر: الحلم معًا، فوصف القمر بالأخير يجعلنا نتساءل: أهو أخيرٌ في ذاته؟ فلن يكون ثمة بزوغٌ أو تجلٍّ على سائر العوالم والدنا؟ أم هو أخير بالنسبة لذات مُدْرِكِيهِ والناظرين ضياءَه؟
    والواقع أنه أخيرٌ من هاتين الزاويتين الإدراكيتين: زاوية خصوصيته في ذاته، وامتيازه من سائر الأقمار، ومباينته لها، وزاوية خصوصية النَّاظِرِهِ، المتماهي به، السابح في مداراته الضوئية، ومعارجه الروحية، وإذن فرثاؤه يعني رثاء رائيه ومتشوّفه، إذ ليس لأحدهما وجود متحيّز مستقلّ عن وجود الآخر. !
    والقارئ المتأمّل لصورة ” الذئب” في مرثية القمر الأخير، في ضوء ما ذكرنا من علائم الذئب والموروث المشهور من خصاله في الذاكرة العربية يجد حضور كثير من هذه العلامات في صورة الذئب العياديّ، وغياب بعضها الآخر، وحلول صفاتٍ أخرى مغايرة تؤكّد أنسنة هذا الذئب على المستوى الدلالي، وإعادة تشكل ملامحه شعريا ليكون ناطقا رسميا باسم السارد الشاعر، وحاملاً دلاليا وشعوريا في هذه التجربة الشعرية ذات الطابع السردي.
    يقول الشاعر:
    ” هُنَاكَ..
    هُنَاكَ بَعِيدًا، عِنْدَ أسْفَلِ جَبَلِ الكِلْسِ المحْرُوقِ.
    كَانَ الذِّئْبُ الجَرِيحُ..
    يُجَاهِدُ لِرَفْعِ رَأْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى.
    لماذا تأخَّرَ القَمَرُ هَذِهِ اللَّيْـلَةَ ؟
    ربّما حَجَرٌ تَدَحْرَجَ بفعل الرّيح.
    ربّما كُرَتَانِ مِنْ نُدَفِ الثَّلْجِ القَدِيمِ.
    هُنَاكَ.. بَعِيدًا..
    حَيْـثُ لا زَعْتَرٌ يُعَانِـقُ شِبَاكِ العَرْعَرِ. ولا رِيحٌ طَرِيـدَةٍ.
    كان الذئبُ الرَّمَادِيُّ الجَـرِيـحُ..
    يُسَـوِّى مِـنْ صُوفِ الأَوْهَامِ وِسَادَةً..
    تعدّلُ وَضْعَ رَأْسِهِ صَوْبَ كَتِفِ الجَـَبلِ اليَسَـارِ
    لِيَرْفَعَ لِلْقَمَرِ بِعُوَاءِ الوَدَاعِ الأَخِيرِ.
    تَمَامًا كَمَا وَعَدَ أُمَّه وهي تَمُوتُ..
    في ضَوْءِ ذاكَ النَّهَارِ البَعِيدِ.
    لم تَعْبَثْ بِهِ الرِّيحُ, كَكُلِّ مَسَاءٍ..
    لم تستهزئْ به سَنَاجِبُ الجَوْزِ البَرِّيِّ كَعَادَتِهَا..
    لم تتخذ اليرقاتُ مَفَاصِلَ فَرْوَتِهِ مَمَرًّا لِلِحَاءِ الأَشْجَارِ.
    لماذا تأخَّرَ القَمَرُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ؟
    في بداية بوحه وإفضائه يطوّح بنا الشاعر بعيدا من خلال هذه الإشارة المكانية المكرورة المؤكدة في قوله: ” هناك.. هناك.. بعيدا..” ليدفع عن ذهن المتلقي وَهْمَ قرب مكان هذا الذئب، ويؤكد بينونته وغربته، من خلال تحديد مكان بعينه ذي طبيعة مخصوصة، ربما تكون كاشفة إشاريا، وذلك بقوله: ” عند أسْفَلِ جَبَلِ الكِلْسِ المحرُوق..”، فما جبل الكِلْسِ هذا فيما يبدو لي سوى بناية من البنايات الحديثة أو ناطحة من ناطحات السحاب في مدينة من مدن الثلج والضباب، فالكِلْسُ كلمة معرّبة تعني الجِصّ، وهو مما يُبْتَنَى به إذا أُحْرِقَ وصار قِرْمِيدًا، ويُتّخَذُ طلاءً كذلك…
    وإذن فنحن أمام ذئب رماديّ، وفي تحديد اللون ها هنا دلالة على أصالة عنصر هذا الذئب وقوّته، وقدرته الفائقة على التحمّل، فهذي بعض خصائص هذه الفصيلة من الذئاب.
    وفي وصفه كذلك بأنه جريح إشارة إلى أنه يكون في أسوأ حالاته ضعفًا وانكسارًا وإحساسًا بالانهزام والضعف، لأن الذئب يكون كذلك عندما يكون جريحًا، بخلاف الأسد الذي يكون في مثل هذه الحالة يكون أشرس وأضرى، وأشدّ بأسًا وفتكًا!
    وهو كذلك ” هناك بعيدا بعيدا” يجلس تحت بناية شاهقة سامقة تشبه في موروث ذلك الجريح صورة جبل، وهو ” يُجَاهِدُ لِرَفْعِ رَأْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى ” ولا يغفلنّ القارئ عند تأمُّلِ هذه العبارة الحاليّة عما تحتمله في طياتها صيغة “المجاهدة” من بذل أقصى الجهد، وشرف المجاهَدِ من أجله، ونُبْلِ مقصده، بل وقُدُسِيَّتِهِ، كما هو مستقرّ في الوجدان العربيّ، ولا يخفى كذلك ما في ” رَفْعِ الرَّأْسِ ” في هذا الوجدان من بُعْدٍ دلاليّ كِنَائِيّ يمثّل العزّة والكبرياء، وتحقُّق الذات على نحو يشعرها بالزَّهْوِ والمباهاة، والمجاهدة من أجل استعادة ذلك تعني فيما تعني حضور دلالات الانكسار والإحباط وطأطأة الرأس، وهذه المعاني كلها تحتملها هذه العبارة بالإضافة إلى تقديمها للصورة المشهدية ممثلةً في محاولات ذلك الذئب الجاهدة المتكررة، كما يفهم من صيغة المضارع ” يُجَاهِدُ” وذلك ” لِرَفْعِ رَأْسِهِ مَرَّةً أخرَى”…
    وبينما الذئب كذلك إذا هذا السؤال اللهفان يقفز في فضاء اللوحة: “لِمَاذَا تأخَّرَ القَمَرُ هذه اللَّيْلَةَ؟” مقررا حضوره الذهني والنفسي بدلالاته الرمزية لدى ذلك الذئب الجريح، فإذا كان حضور القمر لازما لتمكين الذئب من الإشباع على المستوى الحسي، فإن غيابه يعني الجوع والتيه والضلال والحيرة القاتلة، وغيابه على المستوى الروحي يعني فيما يعني كذلك الجوع الروحي، والحرمان العاطفي والوجداني، بوصف ضوء القمر لازما وجوديا لتحقق الأماني وحضورها.
    وهذا المعنى هو ما يؤكده تكرُّرُ هذه العبارة التي هي أشبه بلازمة نغمية ذات دلالة محورية في هذه القصيدة، مقررةً غيابَ القمر الحلم الأمل والرمز والكشف والإشراق والهداية الروحية والوجدانية، وحضور كل نقائض ذلك من دلالات الخوف من المجهول، والوحشة والتيه، وتواري الأمل، واحتجاب الحلم.
    ثم يعود السارد الشاعر إلى تأكيد بُعْدِ الذئب المكانيّ وغربته، وذلك بغير وسيلة، منها التكرار والإلحاح على توظيف إشارات البُعْدِ المكانيّ: ” هناك بعيدًا..”، ومنها تقرير خلوّ ذلك المكان الذي ينفرد فيه ذلك الذئب الجريح الغريب مستوحشًا من ملامح بيئته الأصلية، وسماتها الجغرافية التي تمنحها خصوصيتها وتميّزها، فهذا المكان البعيد حيث بناياتُ الجِصّ والكِلْسِ لا يوجد به “زَعْتَرٌ” ولا “عَرْعَرٌ “، وهي نباتات تبدو للوهلة الأولى لصيقةً بالبيئة المحلية العربية، بل وتشكّل مِيسَمًا دلاليًّا لهذه البيئة لارتباطه بها، وتميّزها به، كما نرى في قول الصِّمّةِ بن عبد الله القشيريّ وقد أُزْعِجَ عن وطنه إزعاجًا غير رفيق، فهو يملأ رئتيه من ريحه وطيبه قبل أن يفارقَهُ إلى غير رجعة، إذ يقول:
    تَمَتَّعْ مِنْ شَمِيمِ عَرَارِ نَجْدٍ فَمَا بَعْدَ العَشِيَّةِ مِنْ عَـرَارِ
    بالإضافة إلى أنّ الزعتر والعَرَار والعرعر (7) من “المشمومات” المميزة بنفاذها ودلالتها التي تذكّر ذلك الذئب الجريح المغترب بروائح بيئته ومرابع صباه وطفولته، وكما لا توجد في ذلك المكان النائي القصيّ رِيحُ زعتر ولا عرعر لا توجد “رِيحُ طَرِيدَةٍ”، وما ريح الطريدة هذه إلا أشباح الآمال والأماني التي يطاردها ذلك الجريح الغريب، فلا هو بقي له زعتره وعرعره وعَرَارُه، ولا لاحت له بوارق النور، أو حملت له الريحُ ريحَ الطريدة المرتقبة المتربّص بها.
    وهيَ إشارة تتكرّر في ثنايَا النصّ وتضاعيفه مؤكّدةُ من طَرْفٍ خفيٍّ مُبَايَنَةَ الذئبِ العياديّ لسائر الذئاب، وهي إشارة أكل هذا الذئب للزَّعْتَرِ والعَرَار، وتشكّله في دمه ودماء إخوته، وانسرابه في خلاياهم، فإذا هو بعضُهم يسري في عروقهم، وهم منه، عَلَى نَحْوٍ تتواشجُ فيه هذه العناصر بدلالاتها مشكّلةً البيئة الوطن والأمّ والماضي لذلك الذئب الجريح، ترى ذلك في أحاديث الذئب واسترجاعاته الذاتيّة، ونكوصاته إلى أزمنة الدفء والحُنُوّ وألفة الأهل والإخوان، حيث يقول:
    ” كَانَ الغَابُ أَخْضَرَ كُلّ أَسْرَارِ الفُصُولِ..
    وَكَانَتْ عِظَامُنَا لَوْزًا وتِينًا وقِشْرَةَ عُودٍ يَافِعٍ”.
    ” الزَّعْتَرُ رِيحُ كُلِّ الغَابِ..”
    ” أَمَّا دِمَاءُ أُمِّي وَإِخْوَتِي فَحَوَامِضُ التِّينِ والزَّعْتَرِ.”

    والمعلومُ أن الذئاب من آكلات اللحوم فلا تأكلُ تِينًا ولا لَوْزًا ولا زَعْتَرًا ولا تستخدم في مطعومها هذا البَهَار المسمّى العَرَار، وهذا مايؤكّد لدينا مباينة الذئب العيَّاديّ بما يجري في دمه من حوامض التين والزّعتر لسائر ذئاب الغاب.
    وإنه ليُمَنّي نَفْسَهُ الأمانيّ، ويعلّلها بالأوهام ” يُسَوِّي مِنْ صُوفِ الأوْهَامِ وِسَادَةً..” لعلّهَا ” تُعدّلُ وَضْعَ رَأْسِهِ صَوْبَ كَتِفِ الجَبَلِ اليَسَارِ.. لِيَرْفَعَ لِلْقَمَرِ بعُوَاءِ الودَاعِ الأخير..”.
    وإنّي ليخيّل إليّ أن الشاعر السارد قد قصد إلى إحداث لونٍ من التقاطع النصّي والتماسّ الدلاليّ العكسيّ المباين بين ” كَتِف الجَبَل اليَسَار” في النصّ الذي بين أيدينا بوصف هذه الجهة في السياق ” قِبْلَةً ” يتوجّه إليها النداء الأخير والنجوى الضارعة في لحظة تشبه لحظة الاحتضار الأخيرة يذرفها الذئب تجاه معشوقه القمر الحاضر الغائب، أقول: قَصَدَ السارد إحداث تقاطع وتماسّ دلالي معكوس بين الجهة اليسرى للجبل ها هنا والجهة اليُمْنَى في الموروث الروحي والقرآني للجبل، حيث التيمُّنُ والتماسُ البركة وانتظار الفيض والإشراق، كما نرى في قوله تعالى: ” وَنَادَيْنَاهُ من جانبِ الطُّورِ الأيمنِ وقرّبناهُ نَجِيًّا” ( مريم: 52) وقوله في موضع آخر: ” وَوَاعَدْناكُمْ جَانبَ الطُّورِ الأيْمَنِ ونزّلْنَا عليكم المنَّ والسَّلْوَى..” ( طه: 80).
    والظاهر من السياق في الآيتين أن اليُمْنَ والبركة والفتوحات كانت قرينة الظرفية المكانية اليُمْنَى، والجبال ليس لها يمينٌ أو يسارٌ، كما يقول أهل التفسير، وإنما اليمين واليسار من جهة الناظر إليها، فالمقصود التيمّن والتبرّك.
    فكأنّ السارد قد قصد أن الذئب قد ولّى وجهه شطر الجهة الخطأ التي لا يُنتظر منها الإشراق، أو إجابة الدعاء، أو رجع النداء.
    إن القمر في هذه اللحظة الطقوسيّة الشعائرية الأخيرة ليستحيل في ذهن الذئب ونفسه إلى معادل للعشق المطلق، والقبلة الروحية المنشودة، وليس مجرد ظرف أو حالة جغرافية أو ظاهرة كونية ملائمة لحالات سلوكية بعينها ترتبط بنشاط الذئب وحركته الأثيرة في الليل المقمر.
    ثم تتداعى إلى ذهن السارد مجموعةٌ من الصور الاسترجاعية تنثال انثيالا في مخيلة الذئب الجريح، كاستدعائه لصورة أمّه لحظة احتضارها، وما صَاحَبَ ذلك من شعور باليتم، وإحساس بالفقد، واستدعائه لصور حركته ونشاطه الدءوب مُرَاقِصًا الريح، متشمّمًا أحاديثها، متسمّعًا بأنفه أخبارها، ككلّ مساء، تناوشه السناجب هازئةً، وتعابثه مخاتلة، ككلّ مساء، مستحضرا مع كل ذلك إحساسًا قاتلا بالعجز والوهن والهمود.. حتى القمر ذلك الممعن في الغياب يحرمه من توديعه الوداع الأخير.
    ثم يستمرّ الشاعر السارد في المراوغة والمخاتلة الفنية منوّعًا على بعض مياسم الذئب الحقيقية، محدثًا تلك المفارقة الدلالية بين سيمياء الذئب الغادر في الواقع وسمياء هذا الذئب العيادي الودود الحميم، فهو على الرغم من كونه جريحا نازفًا يتمنى أن يكون له في هذه اللحظة الآنية الحاضرة أختٌ أو صديقٌ أو رفيقٌ من عشيرته، يلعق جراحاته، يأسوها، ويطبّ لها، ولا يخشى انقضاضه عليه، أو فتكه به، على غير المألوف المعروف من عادة الذئاب:
    لَوْ أُخْتٌ أَوْ صَدِيقٌ أَوْ مِنَ العَشِيرَةِ رَفِيقٌ..
    يَلْعَقُ جِرَاحِي كُلَّ مَسَاءٍ, وَلاَ يَفْتَرِسُنِي آخِرَ فَتِيلِ اللَّيْلِ.
    وهذا ما يلحّ الشاعر على تأكيده مقرّرا بينونة ذئبه لسائر الذئاب في خلائقهم وخصالهم، وعشقهم الطقوسيّ للقمر في موضع آخر من القصيدة، حيث يقول على لسان الأم في سياق وصاياها الحميمة، وبثّها أخلاق النبل في أبنائها:
    “الذِّئْبُ لا يَخُونُ العَشِيرَةَ وَلاَ يَنْسَى مَوَاعِيدَ القَمَرِ”.
    وتتداعى إلى ذهن ذلك الذئب الأسيان صورة الأمّ بعيدا غريبًا عن الآل والإخوة والبلد، حين كانت الأمّ تَبْذُلُ ذَاتَ ذَاتِهَا، وتلقي بنفسها في خضمّ التحدّي وَلُجِّ الأخطار لتكفي صغارها عَضّ المقادير، واجتياح المحاذير، كَكُلّ الأمّهات، وكيف كان يزعجها ويبلغ بها ذروة ألم الوجدان، ومشارف اليأس والقنوط أن ترى أحدَ أبنائها مفتونًا بالآخر المغَايِرِ في الجنس والوطن والسجايا والخصال، منبهرًا مأخوذًا بحدود ” الغَابِ ” القُصْوَى، حيث الطُّمُوحُ للنُّزُوحِ، والأحْلاَمُ الخُضْرُ، والأمانيّ العِذَابُ، يقول:
    “كَانَتْ لَنَا أُمٌّ حَنُونٌ.
    تَلْعَقُ أَضْلُعَهَا لِكَيْلاَ نَمُوتَ..
    تَهِمُّ بِطَرِيدَةٍ, كَكُلِّ الذِّئَابِ الأُمَّهَاتِ..
    ولكنّها تَئِـنُّ مِنَ الْوَجَعِ وَالقُنُوطِ..
    حِينَ تَسْتَشْعِرُ انْبِهَارَنَا بِحُدُودِ الغَابِ.
    كانَتْ تَقُولُ لأَشْقَانَا: خِفْتُ أَلاَّ تَعُودَ..
    خِفْتُ يَا وَلَدِي الحَبِيبَ.
    لماذَا تَأَخَّرَ القَمَرُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ؟
    ويُلِحُّ الشاعر على تصوير درجة حنان الأم ومطلق حنوّها على أولادها، في وَقْتٍ يفتقر فيه إلى الحدّ الأدنى من هذا الدفء، وذلك الحنان، ويستشعر غياب ذلك كله في واقعه الجريح النازف:
    ” اللّيلُ بَيْتُنَا وَعَدُوُّّنَا يَا أَوْلاَدِي النَّهَارُ..
    ” كَانَتْ تَقُولُ وَهِيَ تَفْرِشُ فَرْوَتَهَا لِنَنَامَ:
    امْلَئُوا قُلُوبَكُمْ بِرَائِحَةِ الدَّمِ الحَارِّ..”
    وما أرْوَعَ هذه الجملة الحالّيّةَ المردوفةَ بذلك التعليل البديع ” وَهِيَ تَفْرِشُ فَرْوَتَهَا لِنَنَامَ ” في الكشف عن مقدار حُنُوِّ تلك الأم وحَدَبِهَا على صغارها عندما يفترشون فراءَها، ويتخذون منه فراشهم ليستشعروا السكينة والأمان في حضن أمهم، وإنها لتدغدغ حواسّهم بالتخييل والإيهام، وقد عضّهم الجوع بنُيُوبِهِ، وكاد يطحنهم بأضراسه، فتعلّمهم كيف يشبعون ويقنعون تخيٌّلاً وتَوَهُّمًا: ” امْلَئُوا قُلُوبَكُمْ بِرَائِحَةِ الدَّمِ الحَارِّ “، وهذا شأن الذئب في الحقيقة كذلك إذا عزّ عليه القوت، وَلَوَاهُ مِنْ حَيْثُ أَمَّـهُ وقَصَدَهُ، كما كان الشَّنْفَرَى يقول في لاميَّتِهِ، تَنَسَّمَ الريحَ واستنشأها، وملأ جوفه بها، لتلهيه عن الجوع، وتعينه عليه، وهذا نظير شدّ الأحجار على البطون لمقاومة الإحساس اللذّاع بالجوع في بني البشر.
    وكذلك تتداعى إلى ذهن ذلك النازف مواجعه وذكرياته وأشجانه قبل دمائه وأخريات أنفاسه مشهدٌ آخر من مشاهد الغياب، والإبحار في اليباب، وهي صورة فَقْدِ ” الذّئْبِ الأَبِ” الذي غاب في ظروفٍ مشابهةٍ، متورّطًا في ذاتِ الخطأ، وهذا مبعث إحساس الذئب الابن بالحسرة والندم، وتأنيب الذات، وجلد الضمير، فما كان ينبغي أن يدخل في صراع غير متكافئ، مع عدم وجود الزّاد الروحيّ الذي يُستمدّ من ” القَمَرِ ” مصدر الإشعاع الروحيّ، وقوّة النفس والوجدان:
    مَا كَانَ يَنْبَغِي مُصَارَعَةُ الوَحْشِ الْمُحَنَّكِ.
    أَخْطَأْتُ مِثْلَ أَبِي.
    مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أُهْمِلَ مَوَاعِيدَ القَمَرِ هَذَا الخَرِيفَ.
    لماذا تأخَّرَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ؟
    ولينتبه القارئ منذ بداية المقطع الماضي أن السارد الراوي قد اختفى إلى غير رجعةٍ، لتحلّ محلّه الأنا / الذات الساردة المفضية، وهذا أنسب لطبيعة البوح والإفضاء التي تتميّز بها المقاطع التالية، حيث تتدفّق الذكريات والصور الذهنية الماضوية على نحو حميم، يعمّق إحساسنا مع الذئب بالفقد واليتم والوحشة والاغتراب الروحيّ، هذه الأحاسيس التي تتضافر كافة الصور التخييلية في المقاطع التالية في تشكيلها بأدق تفاصيلها موشّيةً حواشيها بالاسترجاعات التي تتداعى ذهنيا في حميمية آسرة دامعة، تفيض أسًى وحسرةً ووحشة وغربةً، حين يستحضر مَقُولاتِ الأمّ، ونصحها الحميم، وبثّها وتلقينها أبناءَها خبراتها ووصاياها، كما أشرنا إلى ذلك، أو حين تقول باكيَةً الإلفَ والزَّوْجَ الحبيب والأبَ الغائبَ الحاضر بمناقبه ورائع سجاياه، بوصفه الذئب ” المثال “:
    بِئْسَ الذِّئَابُ بِلاَ إِبَاءٍ.
    لَمْ أرَهُ يَوْمًا عَابِسًا..
    ولَمْ يُخَلِّفْ يَوْمًا طَرِيدَةً..
    ولكنَّ الأسَدَ أسَدٌ !
    وتلعبُ ” الرِّيحُ ” في محكيّ الذئب الوجدانيّ، وترجيعه الذّاتيّ في هذه اللحظات دور الوسيط اللغويّ والإشاريّ المعروف لدى الذئاب عامةً، ويُحْسِنُ ذئبنا العيّاديُّ النبيل توظيفها، والتَّنْوِيعَ عليها، والإيماء إليها، والتلويح بها في هذا السياق كلَّ الإحسان، فهي التي “تَسُوقُ الغَمَامَ”، وهي التي ” تَلْهُو بِقِلاَعِ النَّمْلِ” من الضعاف المساكين، وهي دائمًا تُسِيءُ التوزيع، ولا تحسن تقسيم الثروات فقِسْمَتُهَا دائما ضِيزَى، فهي ” تبلّل الْجَدَاوِلَ” الصغيرة ” بِرَذَاذِ مَصَبِّ وَادِيهَا”، وهي التي ” تُلَمْلِمُ رِيحَ الأزْهَارِ ” حاملَةً رَسَائِلَ الشَّبَقِ والعِشْقِ والنُّهْمَةِ والشَّرَهِ “مِنْ بَيْنِ أفْخَاذِ الأَرَانِبِ ” إلى ” أُنُوفِ الثَّعَالِبِ والذُّكُورِ”، قسَمًا هي الريحُ، قسمًا هي الريح، ( أوَ لَيْسَتْْ الرِّيَاحُ لَوَاقِحَ؟ )، وبذلك تغدو الرياح معادلاً حسيًّا للأقدار، تحكي فِعْلَهَا بِهِ، وتَذَاؤُبَها معه ذات اليمين، وذات الشمال، فهي التي تَقْبِضُ وَتَبْسُطُ، وتُعْطِي وَتَمْنَعُ، وتُطْمِعُ وتُؤْيِسُ، وتُعِزّ وتُذِلُّ، وتَخْتَصُّ برحمتها من تشاء، وتأتي دائما بما لا تشتهي السُّفُنُ كما علّمنا شَاعِرٌ ذِئْبٌ ذاتَ قَصِيدٍ، وهذا حالها دائمًا مع البشر والذئاب، أو مع الذئاب البشر، والبشر الذئاب:
    أَشَمُّهَا الرِّيحُ..
    قَسَمًا هِيَ الرِّيحُ..
    تَسُوقُ غَمَامَ الشَّمَالِ صَوْبَ هِضَابِ الجَنُوبِ..
    وَتَلْهُو بِقِلاَعِ النَّمْلِ إلى حِينٍ..
    أَشَمُّهَا الرِّيحُ..
    قَسَمًا هِيَ الرِّيحُ..
    تُبَلِّلُ الجَدَاوِلَ بِرَذَاذِ مَصَبِّ وَادِيهَا, عِنْدَ أَسْفَلِ الجَبَلِ البَعِيدِ..
    وَتُلَمْلِمُ رِيحَ الأَزْهَارِ.
    وَحَوَامِضَ نِدَاءِ الخُصُوبَةِ مِنْ بَيْنِ أفْخَاذِ الأَرَانِبِ..
    سعوقا لأُنُوفِ الثَّعَالِبِ والذُّكُورِ.
    هِيَ الرِّيحُ..
    قَ

  48. عاشق النصوص الفصوص علق:

    الإخوة الكرام

    كتاب ومبدعي دروب

    ان اكبر تكريم لمبدع من طينة كمال العيادي ( رابط لمن يريد الإطلاع على بعض المرجعيات للمقالات السابقة http://www.doroob.com/?author=212 )هي أن تجمع اعماله لتحفظ من السرقات والتحريفات والإنتحالات الغير مشروعة, وقد رايت بنفسي عديد النصوص والترجمات للأستاذ كمال العيادي مسروقة ومنشورة باسماء مستعارة في مواقع أخرى. وقد سبق أن نبه الدكتور قصيبا إلى ذلك. وسأدرج قريبا ما أجد من روابط لنصوص وترجمات الكتاب الدروبين والتي وقع تشويهها او انتحالها من طرف مبتدئين ومتطفلين على الأدب في مواقع ومدونات ومنتديات أخرى

    شكرا استاذي كمال العيادي
    شكرا أنك تجمعنا هنا
    نحن أيتام الله في ارضه القاحلة كما تقول أنت في تعليقاتك المذهلة

    سلام المحبة والوفاء والعرفان

  49. حكاية الفانوس والممسوس: علق:

    ذكي كثعلب وساخر كقرد، وسليط اللسان كعجوز شمطاء، ولكنه بقلب من حليب …هذا هوّ كمال العيادي

    حكاية الفانوس والممسوس:

    الكلمة التي ألقيت خلال تكريم المبدع كمال العيادي بمدينة سلا بالمغرب

    بقلم الروائي أحمد الكبيري

    عندما جئت إلى موقع دروب تسكعت قليلا في حدائقه وقطفت من ورده وأزهاره ورياحينه، ما لم أقو على فعل مثله في أية حديقة أخرى التي كنت في الغالب أكتفي منها بشوكة وجرعة هواء قبل أن أواصل تسكعي دون التفات..ومع مرور الوقت وجدتني في هذه الدروب ببيت وعائلة وباب يطرقه من حين لآخر جار أو صديق أو عابر كلام..
    فكانت المصادفة وكان اللقاء بهذا الكمال العيادي الذي سوف أطلق عليه فيما بعد لقب الممسوس… ليرد علي ” حرام عليك يا أحمد، أنا سميتك الفانوس وأنت تسميني الممسوس” فقلت له: “والله يا أخي إنك لممسوس بحق. إني تعبت من ملاحقتك في هذه الدروب لاهثا… فيوم بعد يوم ترفع عمود المنافسة عاليا..” وبالفعل مجاراة كمال العيادي في نهجه، يتطلب محركا من فولاذ ورئتين، واحدة بنفس للقراءة وأخرى بنفس لمحاورة النصوص والتعليق عليها..والنتيجة إدمان لا مناص منه، حتى فيروس فتاك، يصيب كل الأجهزة بأعطاب الفناء. وإلا أصابك مس عيادي.
    وكيف لا يكون الشخص ممسوسا، وهو متى دخلت دروب ومن أي باب شئت، تجده حاضرا، محلقا وجهه، عاقدا خيوط حدائه، ورابطا في شياكة رقبته بربطة عنق زاهية الألوان ومضمخا حضوره بأريج يمتزج فيه المرح بالحزن وسلاطة اللسان..شامتا في الجميع..مرددا في سخرية:” أنا الأول دائما”..
    وهذا المس ليس في سلوك العيادي وحده وإنما في نصوصه أيضا..فالقارئ لما ينتجه كمال العيادي من نصوص سيلاحظ بأن هذه الأخيرة تتميز بالتنوع، فالرجل كما يكتب القصة، يكتب الشعر، والرواية والمقالة ويترجم. فهو غير مخلص لصنف إبداعي معين..
    ثانيا، هذه النصوص نفسها مسكونة بلعنة التشظي..فهي موزعة بين أزمنة مختلفة، وجغرافيات كثيرة، وشخوص لا حصر لهم..وهي في البداية والنهاية ماهي إلا ترجمة المس الذي دفع كمال العيادي أن يكون ممتدا وشاسعا في تجربته الحياتية التي بدأت بتونس، البلد الذي يلفه كالمغرب البحر من جهتين والصحراء من جهتين.. وانتهت بألمانيا، وبالضبط بغرفة بنافذة واحدة بميونيخ الرمادية، مرورا بموسكو وعواصم أخرى…يقول كمال العيادي في إحدى نصوصه” حكاية السنوات العشرين”: ” عشرون سنة مضت يا سيدي ، لم يحدث خلالها أن سمعت نباح كلب، ولم تفاجئني عنزة، ولم تخفني بقرة هائمة في غبش الفجر. العالم ضيق يا سيدي، وربما كان من الأفضل إعادة توزيع المدن بشكل لائق.
    عشرون سنة، كنت مشغولا عنك وعن القيراوان. جربت أن أقيس حدوح الأرض بخطواتي، ولكنني لم أخط شبرا واحدا. والذنب ليس ذنبي يا سيدي فالمدن متشابهة”…
    ويستخلص من هذه الفقرة القصيرة، كما يمكن أن يستخلص من باقي
    النصوص الأخرى لكمال العيادي، ميزة الكتابة ونكهة الذات العيادية وحلولها بنصوصه. ذلك أن صدق التجربة، يجعل نصوص العيادي قريبة من الوجدان، ونافذة إلى القلوب وصعبة النسيان..فالعيادي بقدر ما يحسن وضع الإطار ويؤثته
    بما يلزم من ديكورات وتفاصيل وجزئيات بقدر ما يتحكم في تحريك عجلة الزمن
    بفتح نوافذ متعددة في النص الواحد ليطل على الماضي أو المستقبل أو ليطل فقط على راهنية الواقع، مبدعا كتابة تجعلك داخلها معنيا بتفاصيلها وكأنك المعني الأول والأخير بها.0 تقول القاصة لطيفة لبصير في إحدى تعليقاتها على نص لكمال العيادي: ” عينك رأيت بها الآخرين، أحسست بكثافة الأشياء والعين النهمة التي تلتهم كل المحطات المهملة والشعوب الغريبة عن الأوطان دون شعور بذلك..” وفي إحدى تعليقاتها تتساءل المبدعة التونسية آسية السخيري ” قل لي يا كمال كيف لك أن تكون شاسعا إلى هذا الحد؟”
    وطبعا كمال العيادي لن يجد جوابا لهذا السؤال، لأنه مشغول بديون الوقت التي استلفها من زمنه القادم، فهو دائما يقول إني أعمل أربعة وعشرين ساعة، وأستلف بعض السويعات القليلة مما تبقى من العمر لقليل من الراحة..وهو لا يسدد أبدا ديونه المستحقة، لأنه مفلس وقت على الدوام.
    وحتى لا أطيل عليكم، فكمال كما عرفته سواء من خلال نصوصه وتعليقاته، أو من خلال مكالماتنا الشبه يومية، بواسطة الهاتف، فهو إنسان مرح كطفل، وعميق كأي مجرب خبر الحياة وخبرته، وفي ومتواضع بشكل رهيب لأصحابه ولمعلميه،
    ذكي كثعلب وساخر كقرد، وسليط اللسان كعجوز شمطاء، ولكنه بقلب من حليب والأهم أنه مبدع كبير.ودائما يقول لي: أنا سعيد ومغتبط وأحسد بك نفسي..كوننا مثل نصفي فولة، ذائقة وذوقا ونصا وموقفا ومرحا وسخرية وقلبا ومئات الصفات المتشابهة ” لكني لا أصدقه،لأنه يعرف كيف ينفخك كبالون، حتى ما إذا طرت عاليا رماك بسهم دقيق كرأس إبرة أو تركك في الأجواء العالية حتى يسقطك الصقيع مرتخيا..لكن للحقيقة وللتاريخ وللإبداع أقول:”إن النص الذي ينزل دروب ولا يركله كمال العيادي فهو نص يتيم” وأنا فخور جدا بصداقته ومحبته وركلاته التي تطير نصوصي عاليا.

    أحمد الكبيري
    elkbiriahmed@yahoo.fr

  50. أحمد الكبيري علق:

    الغالي كمال العيادي

    لو قدر لي أن أقول كلمة واحدة في حقك لقلت: العيادي رجل ببراءة طفل وهشاشة شاعر، مرهف الحس، أبي وكريم.

    ألف مبروك، فأنت تستاهل كل خير

    محبتي واعتزازي

    أحمد الكبيري
    elkbiriahmed@yahoo.fr

  51. عبد الدائم السلامي علق:

    عزيزي كمال
    أنتَ تحفرُ مجراكَ بأناةٍ في حقل الإبداع.
    ستَفيضُ أنهارُكَ بالمعنى
    اسمحوا لي بنشر ما كتب عنكم صديقي الدكتور الحبيب الدائم ربّي في الملحق الثقافي للعرب العالمية. انتظر ردّك.
    شكرًا لكلّ الأحبّة الذين يعرفون قلمَك.
    عبد الدائم

  52. كمال العيادي علق:

    Hallo Azizi Abdedayem Essalami

    tabbb3an ya sadiikki

    laka maa touriid
    wa haatha scharafon Liii

    sorry Azizi I am not hime to send you my comantar of Arabic

    with my best regards

    kamal Ayadi

  53. الحبيب الدائم ربي علق:

    حسنا فعل فضاء الأسرة بميونيخ وهو يحتفي بأديب أصيل من طينة كمال العيادي، سيما وأن هذا الأخير، واعتبارا لشخصه وأعماله ومبادراته الثقافية، جدير بكل تكريم وتقدير..
    هنيئا للعزيز كمال…وهنيئا لفضاء الأسرة بالديار الألمانية.

  54. نجوى عبد البر علق:

    ألف مبروك كمال ،، وكل الامنيات الصادقة بدوام التقدم والرقى

    مودتى

    شهد الرفاعى

  55. عبد اللطيف التجكاني علق:

    العزيز كمال العيادي

    كنت صادقا حين قلت لك أنك من أطيب الناس ، ومن خلال إنسانيتك وجب على الأميرة الياسمين ومن حولك الافتخار بك وبإنجازاتك القيمة ، لأنك أب طيب وأخ عزيز وصديق وفيّ وأديب مرموق ولاحقا بإذن الله تعالى جد كريم ، تستهل كل خير وأفضل تكريم
    أقدرك كأديب وإنسان
    من القلب ألف تهنئة

  56. صبحي درويش علق:

    العزيز كمال العيادي القبرواني
    هنيئا لك يا أبا ياسمين وأتمنى لك المزيد من العطاء والابداع والتألق

    تحياتي ومودتي

    صبحي درويش

  57. عبد الهادي الفحيلي علق:

    أخي كمال
    هنيئا على التكريم. تستحق ذلك وأكثر.
    تحياتي.

  58. فاطمة الحويدر علق:

    صعوداً دائم إلى سماء الكمال يا أستاذ كمال..
    تصطادُ عصافيره المحلقة وتلونها بألوان قوس قزحك العجيبة
    والفريدة من نوعها ..
    تبريكاتي الحارة ومزيداً من الرقي المعهود
    صديقتك في عشق الحرف والكلمة
    فاطمة

  59. لينا قلعيه علق:

    المبدع كمال العيادي
    عراب هذه الدروب
    ألف ألف مبروك
    مودتي وتقديري

  60. د. محمد كريم الصباح علق:

    العزيز كمال العيادي القبرواني

    تحية أيها المبدع الجميل

    ألف مبروك

    أنت تستحق كل هذا وأكثر ..
    تهانينا الحارة لك ومزيدا من الابداع

    مودة عميقة متجددة

  61. المهدي لعرج علق:

    أخي كمال
    تكريم فيه الشعر و الأصدقاء ، الغربة و الوطن ، الصدق و المحبة ، و فيه أشياء كثيرة
    تكريم تستحقه

  62. مازن المنصور علق:

    أيّها العزيز كمال العيادي ….ألف ألف مبروك وتكريمك هذا هو تكريم لكافة الزملاء الدروبين…

    معزتي ومودتي لك

    الفنان
    مازن المنصور
    http://www.myspace.com/mazenbandolerosband
    http://www.mazenguitar.com

  63. حياة الرايس علق:

    مبروووووووووووك الف مبروك لك التكريم ايها العزيز
    الذي هو جدير بكل تكريم و تبجيل و محبة و احترام و تقدير ….. عطاؤك كبير نابع من محبة ومن نفس كبيرة
    هذا بعض مما تستحقه ….عطاؤك و ابداعك اكبر
    و الشكر لكل من ساهم في هذا التكريم الذي انت به جدير
    حياة

  64. محمد البلبال بوغنيم علق:

    المناضل كمال
    لقد حبيت بتكريم اكتع وابدي ايها الجميل
    حين تم اختيارك من طرف صدفة الكون …اختيار
    ان تكون شاعرا…
    لك كل المحبة والكرم ايها المناضل الكريم
    محمد البلبال بوغنيم
    شاعر من المغرب

  65. باحث عن الروائع علق:

    نص آنيتا مترجماً للفرنسية

    ( النصّ باللّغة الفرنسيّة ) ترجمة : آسية السخيري :

    Anita

    Kamel ‘Ayadi

    Soyons d’accord dés le début que j’ai le plein droit de me cogner la tête.
    Premièrement, c’est parce que cette tête est la mienne que je suis libre d’en faire ce que je veux. Et secondement elle mérite être frappée parce qu’elle est la cause de toute mon affliction et de ma calamité… Ma tête est bien la cause de tout ce dont je souffre.
    Et bien que je trouve un plaisir chatouillant tel un grouillant des fourmis et que je sente un adorable engourdissement violet lorsque je me cogne la tête, reste la vrai raison de tout ça est que j’ai découvert depuis deux années que j’acquiers d’énormes profits en faisant (accomplissant) ce geste fou stupide. De toutes mes forces, je cogne ma tête à la porte, au mur ou tout simplement je la frappe à grands coups des poings.
    Je m’étais trouvé habitué à tout ça, tout de suite après avoir découvert par un hasard qu’exactement cet acte fou furieux faisait peur à ma femme Anita et il l’effarait après que j’eus épuisé tous les moyens, les possibilités et les idées pour la terroriser afin de me défendre bien sur.
    Je n’ai pas peur d’Anita et il n’ya pas de quoi être anxieux pour moi. Je ne suis pas inquiet de la voir un des jours me brutaliser ou bien me battre. Ma plus grande terreur et mon vrai horreur est de ce morceau de chair aigre, mordant, piquant, perçant et irritant et qui ne cesse de retentir le long des jours et des nuits. Oui ! Moi, j’ai tout simplement peur de la langue d’Anita. Ma femme toute pâle et qui est bien cruelle et impitoyable. C’est pour tout ça que je me cogne la tête quotidiennement.
    Peut être que j’exagère quand je prétends me frapper la tête chaque jour. Disons que je la frappe deux ou trois fois par semaine. Et cela est largement suffisant à ce que je pense pour que notre relation endure toutes ces années sous un même toit des tuiles malgré la nature hostile et agressive de ma respectable femme. Remarquez que le mot hostile parait extrêmement raffiné lorsque je veux décrire précisément la nature de ma relation avec Anita. Anita mon épouse bien sur.
    Avant, j’avais essayé tous les moyens afin de trouver une manière immédiate et décisive pour la prévenir alors qu’elle commençait ses attaques les plus farouches. Au début, je lui promettais de converser avec elle le lendemain de sa querelle et après et lors de nos premières années ensemble je feignais sombrer dans un horrible chagrin. A chaque fois que j’ouvre la porte, sur le seuil, je la trouvais telle une ogresse en face de moi. Et c’est pour cela que je m’étais décidé de modifier les traits de mon visage immédiatement avant de mettre la clé dans la serrure ce qui lui donnait tout de suite et alors qu’elle se tenait debout dans le corridor, l’impression que j’allais m’engager dans une affaire bien dangereuse et définitive. Puis après j’avais pris l’habitude de refuser de répondre à aucune de ses insupportables questions et offenses. Je me dirigeais vers ma chambre après m’avoir déchaussé. Je mettais prudemment ma paire des chaussures dans un coin gauche un peu loin du mur, tout à fait comme ça convenait à un époux qui souffrait et pour éviter l’abord de tout sujet marginal me considérant comme une personne qui ne prêtait aucune importance à ce qu’elle disait et répétait et qu’il n’était point convenable de mettre des souliers, qui peut être avaient essuyé toutes les saletés de la rue, collés au mur. Je faisais tout ça calmement et avec des gestes théâtrales exagérés puis je me dirigeais vers ma chambre pour rédiger des lettres sans fumer. Je les écrivais dans la langue arabe qu’elle ne comprenait pas et exprès, j’y fourrais plein des mots en langue allemande ce qui indiquait et sans aucun doute que je m’embarquais audacieusement dans le suicide.
    Bien que j’eusse été certain qu’elle lisait ce que j’avais voulu qu’elle lût et qu’elle comprenait avec son instinct suspicieux et obsédé ce que j’avais voulu qu’elle comprît, avec le temps qui passait et la fréquence de l’acte, elle ne croyait plus jamais à ce que je faisais. Néanmoins sa langue devenait de plus en plus poignante et véhémente. Elle ne se retenait plus d’approcher son visage exprès de mon coup de poing bien prêt comme si elle s’attendait à ce que je la giflai et pour qu’elle eût trouvé une justification pour ses hurlements, ses cris et ses coups stridents de son grand pied gauche sur le sol du corridor carrelé des planches de bois. Et bien que je ne l’eusse jamais battue, je lui flanquais des gifles et des coups de poing, je mordais son bout de nez pointu, je la jetais par terre tout en lui donnant de violents coups de pied… Je me réjouissais en la flagellant de toutes mes forces et en la traînant de ses cheveux courts, en la fixant sur une planche et en lui enfonçant de grands clous dans les paumes, chaque nuit, bien sur, dans mon imagination épuisée dont elle embrasait les tisons du mal et du vice alors que j’arrangeais mes souliers pour traverser le long corridor qui me menait tout silencieux vers ma chambre glaciale.
    Je pense qu’elle s’était rendue compte que jamais je n’aurais l’un des jours le courage de me suicider. Et je peux assurer que les histoires de son amie Martina, cette renarde, étaient la cause de sa prévenance… cette vieille fille rigide, sombre, lugubre, couverte des tâches de rousseur, vieille bique, rancunière, c’était elle sans aucun doute la cause de tout mon malheur.
    Je n’avais jamais aimé Martina et je n’avais jamais supporté l’odeur des poulets bouillis et des huiles étranges qui se dégageait de son corps chaque fois qu’elle était un peu proche de moi. Je ne supportais même pas regarder son visage flasque tel un phoque terrifié.
    Son visage soufré tout couvert des tâches de rousseur et la prunelle de son œil gauche qui clignote nerveusement tout le temps…Qu’elle soit maudite ! Elle était très ignoble. Et en plus de ça, elle lisait tous les jours de tendancieux livres de psychologie. Et je parie qu’elle avait expliqué à ma femme Anita que j’appartiens à une espèce muqueuse des humains, et que mon horoscope selon ma date de naissance constante se trouve entre la deuxième moitié gauche de saturne, la quatrième constellation de Jupiter et la deuxième de celle de Neptune. Ce qui explique sans laisser aucune opportunité pour les doutes selon elle que jamais je ne réussirais un jour une affaire que je décide y compris le suicide.
    Que dieu la maudisse ici bas lors de notre vie terrestre et lors de la vie future ! Je l’avais entendue une fois analyser à Anita le caractère de Shilla la chienne de notre voisine la vieille Hilda. Et alors comment ne trouverait t’elle pas le temps et l’envie pour répondre aux questions de mon épouse, elle qui croyait fatalement que les destins de l’humanité sont tracés depuis l’éternité, là-bas auprès des élévations et des étendues des reliefs des planètes et des croisements des longitudes et des latitudes ?
    Comment ne trouverait elle pas le temps et l’humeur pour m’éplucher et me déshonorer surtout que je n’étais pour elle que l’étranger et le chômeur qui l’avait d’une manière ou d’une autre séparée de sa meilleure amie. Et c’est lui-même qui avait fait qu’Anita fût parmi les femmes mariées après qu’elle avait dépassé ses quarante années ce qui l’avait privée de se plaindre et de ridiculiser les étrangers qui avaient rempli le pays des saletés, de corruption et de délinquance.
    Je sais que jamais elle ne m’aurait pardonné ce que j’avais commis selon elle. Elle souffrait chaque jour qui passait et que nous vivions ensemble.je sentais sa grande raideur qui évolue de plus en plus surtout que le temps passait et qu’Anita n’abordait point le sujet de son désir préconçu de demande de divorce et de séparation immédiate.
    Et c’est pour cela que sa goinfrerie pour les fruits secs et la lecture des essais et livres psychologiques instructeurs augmentait.
    Et pour la vérité, j’avais, afin d’éviter son mal, essayé de la concilier et de l’amadouer pour l’avoir de mon côté en apportant de grandes quantités de fruits secs, amandes pistaches et noix, qu’elle adorait. Je mettais le tout sur la table, chaque genre dans une grande assiette creuse. Mais la rigide, mangeait mes amandes, mâchonnait mes noix et croustillait mes pistaches puis elle m’écorchait lors de mon imprévoyance.
    Anita ma femme n’avait ni des règles ni des ovules non plus. Nous n’avons aucun espoir d’avoir un enfant commun l’un des jours. A vrai dire ça ne m’avait jamais dérangé en aucun moment de notre vie commune et il se peut même que les plus principales raisons de mon mariage avec elle soient parce que je connaissais qu’elle ne pouvait jamais avoir d’enfants outre que ça, bien sur, la misère de l’attente dans le corridor du milieu dans le service des visas et des passeports et les regards empoisonnants de monsieur Hans chaque fois que j’entre dans son cabinet avec mon dossier et mon passeport usé pour qu’il signe une de ses pages vides d’une visa qui ne pouvait dépasser les trois mois dans les meilleurs des cas.
    Je l’avais connue dans un restaurant typiquement arabe à Stuttgart, là-bas où je résidais avant que je n’allasse habiter en sa compagnie ici à Munich. J’étais en train de fumer le narguilé et elle buvait alors un thé turc. J’avais grand besoin en ce moment là d’une résolution de ma situation qui s’empire de plus en plus. Je cherchais un moyen qui pourrait me préserver des regards de monsieur Hans et elle cherchait un mariage rapide avant son quarante cinquième anniversaire.
    Anita était licenciée d’une université mais elle déteste les livres et j’avais rompu mes études très tôt lors de mes premières années de lycée mais j’adore la lecture. Ma femme est une fonctionnaire bien respectable dans le service de recensement et je ne suis qu’un chômeur qui n’excelle que le sommeil et le jeu des cartes.
    Elle avait voulu connaître mon avis à propos du tabac lavé à l’eau aromatisée et si je sens un plaisir quand je fais dégager de mes deux trous de mon nez la fumée du tabamel après l’avoir mariné dans l’eau du vase en verre. Et l’avais interrogé sur le nombre de pièces de sa maison et si elle aimait regarder les films historiques et les infos à la télévision.
    Elle était tendue telle une outre toute pleine d’eau. Deux yeux dans lesquels se heurtent un bleu ciel et une verdure de pas loin de la plage sont vigoureux. Sa bouche trapue est couverte d’un rouge à lèvre d’un rose pâle. Son rugueux cou collé à son tronc est tout à fait pareil à celui d’un champion de l’haltérophilie. Sa poitrine répandue faillit couvrir la moitié supérieure de son ventre. Et tu aurais pu tout simplement imaginer son corps lors de sa nudité à travers la supposition des mesures de l’épaisseur des couches de la peau de son ventre latéral alors qu’il couvre son bassin attaché à deux cuisses parcourues des vaisseaux tout bleus et de chair surabondante. Je me rappelle que ce jour là j’ai observé ses jambes ténues qui m’avaient paru telles des pattes d’un hippocampe résistant à son envie de s’étendre et de se relâcher. Son nez était pointu. Il était pointu et bien pâle à un point d’attirer l’attention. Je sais pas comment est ce que j’avais tout de suite deviné la froideur et la viscosité de son nez.
    Anita était de petite taille mais elle était solide et dure telle un caroubier. Et j’étais un jeune homme rêveur qui dégage la fumé de son nez comme elle me courtisait lors de ses rares moment de douceur et de sérénité. Et ça arrivait le plus souvent avant la visite de quelques unes de ses amies ou bien leur invitation chez elle à la maison.
    Dix années avaient passées maintenant après notre mariage. Et bien que je n’aie plus besoin de signer mon visa de résidence chez monsieur Hans. Bien que je vive en sa compagnie toute en me m’interrogeant à chaque moment pourquoi je sens de plus en plus et avec le temps une sorte d’intempérance masochiste en écoutant à son retentissement quotidien. Je commence plutôt à sentir une sorte de frustration, de contrainte et de détresse chaque fois que je rentre chez moi sans que je ne trouve Anita là-bas dans le corridor qui sépare la porte d’entrée de ma sombre chambre à coucher rectangulaire.
    C’es depuis une vingtaine d’années ou peut être plus qu’Anita n’a ni règles ni ovules. Elle m’avait raconté qu’elle avait dépensé d’énormes sommes d’argent pour des séances psychothérapeutes chez son psychiatre zamooch Barkhov. Elle m’avait amené une fois à sa clinique après mon refus décisif et des disputes qui avaient duré à propos de ce sujet. Le psychiatre était un vieillard ridé qui toussait tout le temps et qui perçait dans l’air la chaise à bascule avec sa pouce et son indexe en agrandissant un trou imaginaire que je n’avais point vu.
    Il m’avait demandé de lui parler de ma mère et de tous les membres de ma famille. Il avait voulu savoir si je rêvais en allemand ou bien en arabe et je lui avais expliqué que je que je ne rêvais plus jamais depuis que et que la dernière fois que j’avais rêvé était de ma nuit d’arrivée à ce pays où les rêves n’ont ni temps ni sens.
    Et je n’étais jamais retourné pour le consulter bien qu’il eut accepté de me consacrer trente séances préparatoires malgré son carnet de rendez vous encombré et ses innombrables patients tout seulement afin d’étudier ma personnalité.
    Anita avait peu après rompu ses visites et elle l’avait mis au courant qu’elle ne sentait plus ni la nécessité ni l’envie de poursuivre les séances. Elle avait écrit tout ça avec un ton décisif et clair qui m’avait beaucoup plu. Elle avait même renoncé à toutes ses visites à tous les médecins qu’elle consultait, aux séances du yoga et des associations spiritualistes suspectes et aux discussions hebdomadaires dans un établissement étrange et suspicieux là-bas où se rencontraient des femmes mariées avec des étrangers chaque nuit de jeudi.
    Comme de son habitude, Anita gloutonnait avant les légumes mais maintenant elle goûte à la viande de temps à autre. Avant, elle devenait furieuse chaque fois que je préparais de la viande dans l’une de ses casseroles ou bien je mettais mon repas dans une assiette autre que les trois qui m’étaient destinées.
    Anita n’est plus une chauviniste végétarienne comme sa rigide amie Martina et elle ne s’enthousiaste plus pour la visite l’association des végétariens.
    Anita n’a pas beaucoup changé. Elle repasse les vêtements avec une extrême précaution et elle ajuste (répare) ce que j’abîme quotidiennement de l’ordre de la maison strict et sévère. Mais elle m’attend chaque nuit telle une machine modulée pour se dresser en face de moi entre le trou de la porte et la couverture bleue bien repassée du lit/
    En ce qui me concerne je n’ai nullement changé. J’ai engourdi tous mes sens avec des rêves bien miniaturisés avant de rentrer chaque nuit chez moi.
    Anita a dépassé toues les limites. Je me cogne la tête de toutes mes forces contre le mur ou tout simplement comme ça avec mon coup de poing ou bien ma paume. Je le fais pour savourer ma salive amère alors que je vois toute cet effroi et cette crainte dans ses yeux. Dans les yeux de ma chère et de ma respectable femme Anita.

    Kamel ‘ayadi
    Ecrivain et journaliste tunisien résident en Allemagne

    ————————
    2- نصّ – آنيتا – لكمال العيادي :

    - آنيتا –

    لنتّفق في البداية, على أنّه من حقّي أن أضرب رأسي.
    أوّلا لأنّه رأسي, وأنا حرّ أن أفعل به ما أشاء. وثانيا لأنّه يستحقّ الضّرب, فهو السّبب في كلّ بلائي وما أنا فيه.
    ورغم أنّني أجد لذّة مدغدغة مثل دبيب النّمل وخدرا بنفسجيّ محبّب, حين أضربه, فإنّ السّبب الحقيقيّ وراء ذلك, أنّني اكتشفت منذ سنتين تقريبا, بأنّني أجني فوائدا عظيمة, حين أقوم بتلك الحركة الخرقاء وأضرب رأسي بكلّ ما أوتيت من قوّة. على الباب, أو الجدار. أو ببساطة هكذا. بقبضتي أو بكفيّ.
    اعتدت على ذلك, بعد أن اكتشفت, مصادفة, بأنّ تلك الحركة الخرقاء تحديدا, تبعث الخوف والجزع الشّديد في نفس زوجتي – آنيتا – , بعد أن كنت استنفذت كلّ الطّرق والوسائل والحيل لإرهابها. دفاعا عن نفسي طبعا.

    أنا لا أخافها. وليس هناك أيّ داع للقلق عليّ, من أن تقوم بتعنيفي أو ضربي في يوم من الأيّام. ولكنّ خوفي الشّديد ورعبي الحقيقيّ من تلك اللّحمة الحادّة, القارصة, المرّة. تلك اللّحمة التي لا تكفّ عن اللّعلعة ليلا نهارا. نعم. أنا أخاف ببساطة من لسان – آنيتا- زوجتي. آنيتا زوجتي الصفراء القاسية. ولذلك أضرب رأسي يوميّا.

    ربّما أبالغ حين أدّعي بأنّني أضرب رأسي يوميّا. ولكنّني أضربه مرّتين أو ثلاث مرّات في الأسبوع. وهذا يكفي. أعتقد أنّ ذلك هوّ السّبب الحقيقيّ في استمرار علاقتنا كلّ هذه السنوات, تحت سقف قرميديّ واحد. رغم صبغتها العدائيّة. إنّ كلمة العدائيّة تبدو مهذّبة للغاية حين أريد أن أصف بدقّة طبيعة علاقتي بآنيتا. زوجتي.

    حاولت وجرّبت كلّ الطرق قبل ذلك, لإيجاد طريقة حاسمة وفوريّة لردعها حين كانت تبدأ هجومها الشرس. فكنت في البداية أعدها بالنّقاش إذا كان الغد. ثمّ بدأت بعد ذلك, وخلال السّنوات الأولى معها, في تصنّع حالة من الحزن الشّديد, كلّما فتحت الباب ليلا ووجدتها كالسّعلاة أمامي. فكنت أعدّل ملامح وجهي قبل وضع المفتاح في ثقب الباب مباشرة, بما يوحي لها فورا, هيّ الواقفة أبدا عند الممرّ هناك, بأنّني مقدم على القيام بأمر خطير وحاسم. ثمّ أنّني كنت أمتنع بعد ذلك عن إجابتها أو الردّ على إهاناتها التي لا تحتمل, وكنت أتّجه إلى غرفتي, بعد نزع حذائي ووضعه عند الزّاوية اليسرى, محاذرا أن يكون وضعه قريبا أكثر من اللاّزم من الحائط. تماما كما يليق بزوج يتألّم. ولتجنّب فتح موضوع جانبيّ عن كوني لا أعير أهميّة لما تقول وتردد, من أنّه من غير اللاّئق وضع حذاء, ربّما مسح كلّ أوساخ الطريق, قريبا من الحائط. كنت أفعل ذلك بهدوء مسرحيّ مبالغ فيه, وأتّجه إلى غرفتي لأكتب رسائلا, دون تدخين. بلغتي العربيّة التي لا تفهمها. متعمّدا حشوها ببعض الكلمات باللّغة الألمانيّة, تدلّ بما لا يدع مجالا للشكّ, بأنّني مقدم على الانتحار.
    ورغم أنّني كنت على يقين من أنّها كانت تقرأ ما أردت لها أن تقرأه. وبأنّها كانت تفهم تماما, بغريزتها الموسوسة, ما كنت أريد منها أن تفهمه, فإنّها, ومع مرور الوقت, وتكرّر العمليّة, لم تعد تصدّقني إطلاقا. بل أنّ حدّة لسانها زادت عن السّابق, وأصبحت لا تتورّع عن تقريب وجهها عمدا من متناول قبضة يدي. وكأنّها بذلك تنتظر أن أصفعها, لتجد مبرّرا للعويل والصّراخ ودقّ أرضيّة الممرّ المبلّط بألواح خشبيّة بقدمها اليسرى العريضة. وبالرغم من أنّه لم يحدث إطلاقا وأن ضربتها في يوم من الأيام. فإنني كنت أشبعها لطما وأقضم جزءا صغيرا من أنفها المدبب وأطرحها أرضا وأرفسها بكلّ ما أوتيت من قوة, وأتلذذ جلدها بالسوط وشدّها من شعرها القصير, وتثبيتها على لوح خشبيّ ودق كفيها إليه بمسامير كبيرة, كلّ ليلة, في خيالي المرهق, التي كانت تنفخ في جمرات شرّه وأنا أسوّي الحذاء لأقطع الممرّ الطويل, متّجها بصمت إلى غرفتي الباردة.

    أعتقد بأنّها فطنت إلى أنّني لن أقدم في يوم من الأيّام على الانتحار. وأكاد أجزم أنّ حكايات صديقتها – مارتينا-
    تلك الثعلب العانس, هي السبب في انتباهها لذلك.
    تلك العانس, اليابسة, الكالحة, المنمّشة, الشّمطاء, الحقودة, الممتصّة, – مارتينا- هي السبب بالتأكيد.
    أنا لا أحبّها. ولا احتمل رائحة الدّجاج المسلوق والزّيوت الغريبة التي تنبعث منها. بل أنّني لا أحتمل حتّى مجرّد النّظر في وجهها المتدلّق مثل عجل بحر مذعور.
    وجهها الكبريتي المنمّش وبؤبؤ عينها اليسرى الذي يرتعش بتوتّر كامل الوقت. لعنة اللّه عليها. إنّها شريرة. وإضافة لذلك فهي تقرأ يوميّا كتب علم النّفس المغرضة. وأراهن أنّها فسّرت لزوجتي – آنيتا – أنّني أنتمي إلى الصّنف المخاطي من البشر, وبأنّ طالعي, حسب تاريخ ميلادي الثّابت, واقف بين الشّطر الثاني الأيسر من زحل والبرج الرّابع من المشترى والثّاني من نبتون. بما يعني بما لا يدع مجالا للشكّ, حسب رأيها, بأنّني لن أنجح في يوم من الأيّام في إتمام أمر اعتزمه. بما في ذلك الانتحار.

    لعنة اللّه عليها دنيا وآخرة. سمعتها مرّة تحلّل لآنيتا, شخصيّة – شيلا – كلبة جارتنا – هيلدا- العجوز. فكيف لا تجد الوقت والرّغبة لتجيب على أسئلة زوجتي وهي التي تؤمن إيمانا أعمى, بأنّ مصائر البشر مرسومة منذ الأزل, هناك, عند ارتفاع وانبساط تضاريس الكواكب وتقاطع خطوط الطّول والعرض؟
    كيف لا تجد الوقت والمزاج لتقشيري وفضحي, وأنا لست بالنسبة إليها غير ذلك الأجنبي العاطل عن العمل, الذي فرّق بينها وبين صديقتها بشكل ما. وألحق – آنيتا – بصفوف النّساء المتزوّجات, بعد تخطيها سنّ الأربعين. وحرمها بذلك من إمكانيّة السخرية والتذمّر من الأجانب الذين ملؤوا البلد وسخا وفسادا وإجراما.

    أعرف أنّها لم ولن تغفر لي ذلك في يوم من الأيّام. هيّ تتعذّب كلّما مرّ يوم آخر ونحن معا. وأحس بتوتّرها الشديد حين يمضي الوقت, ولا تفاتحها – آنيتا – برغبتها المتوقّعة في طلب الطلاق والانفصال عنّي حالاّ.
    لذلك فقد ازدادت شراهتها في السنوات الأخيرة لالتهام المكسّرات وقراءة كتب علم النّفس الموجّهة.
    والحقيقة أنّني كنت, دفعا لشرّها, أفكّر أحيانا باستمالتها وكسبها إلى جانبي. وذلك بإحضار كمّيات كبيرة من المكسّرات التي تعشقها, من لوز وجوز وفستق وغيرها. ووضعها فوق الطّاولة. ملوّنة. كلّ صنف في صحن كبير مقعّر. ولكنّها اليابسة, كانت تأكل لوزي وتقضم جوزي وتطحن فستقي, ثمّ تسلخني في غفلة منّي.

    - آنيتا- زوجتي, لا تحيض ولا تبيض. ولا أمل لنا في ابن مشترك في يوم من الأيّام. والواقع أن هذا لم يزعجني في أيّ وقت من الأوقات. بل ربّما كانت معرفتي المسبقة بعدم قدرتها على الإنجاب أهمّ الأسباب في زواجي منها. إضافة طبعا لبؤس الانتظار عند الرّواق الأوسط بمصلحة التأشيرات والجوازات. ونظرات السيّد- هانس- المسمومة, كلّما كنت أدخل عليه بملفي وجواز سفري المتهرئ ليدمغ صفحة فارغة منه بتأشيرة لا تتجاوز الثلاثة أشهر في أفضل الأحوال.

    عرفتها بأحد المطاعم العربيّة بمدينة شتوتغارت, حيث كنت أسكن, قبل الانتقال للسكن معها هنا بميونخ. كنت يومها أدخّن النرجيلة, وكانت تشرب شايا تركيّا. كنت أبحث عن حلّ يقيني نظرات السيّد – هانس – وكانت تبحث عن زواج سريع قبل عيد ميلادها الخامس والأربعين.
    هيّ متخرّجة من الجامعة ولكنّها تكره الكتب, وأنا منقطع عن التعليم منذ سنوات الثانوي الأولى وأعشق القراءة. هيّ موظّفة محترمة بمصلحة الإحصاء, وأنا عاطل عن العمل ولا أحسن غير النّوم ولعب الورق.
    سألتني عن طعم التّبغ المغسول, وإذا ما كنت أشعر بلذّة في إخراج الدّخان المعسّل من فتحتي أنفي, بعد نقعه في آنية الماء الزّجاجيّة. وسألتها عن عدد غرف بيتها وعمّا إذا كانت تحبّ مشاهدة الأفلام التاريخيّة والأخبار.
    كانت مشدودة مثل قربة ماء بولغ في ملئها. عينان حادّتان تتماوج فيهما زرقة السّماء وخضرة البحر قرب الشاطئ. فمها مكتنز ومدهون بطلاء شاحب. رقبتها غليظة وملتصقة بجذعها مثل أبطال رفع الأثقال. صدرها منتشر ويكاد يغطّي نصف بطنها العلويّ. وكان يمكنك ببساطة تصوّر شكلها عاريّة, من خلال تخمين مقاسات سمك طبقات جلدة بطنها الجانبيّة, وهي تظلّل حوضها المشدود إلى فخذين بعروق زرقاء. ولحم فائض. أذكر أنّني انتبهت يومها خاصّة إلى قصبتي ساقيها. بدت لي مثل قوائم فرس بحر يقاوم الرّغبة في التمدّد و الارتخاء
    أمّا أنفها فكان حادّا. كان حادّا وشاحبا بشكل ملفت للانتباه. لا أعرف لماذا تكهّنت فورا بأنّ أنفها بارد ولزج.

    كانت قصيرة وثابتة, مثل شجرة خرّوب. وكنت شابّا حالما, يخرج الدّخان من خياشيمه, كما كانت تغازلني بعد ذلك خلال المرّات النّادرة التي كانت تصفى فيها وتلين. وخاصة قبل زيارة أو دعوة احدى صديقاتها للبيت.

    عشر سنوات مرّت الآن على زواجنا. وبالرّغم من أنّني لم أعد في حاجة لدمغ تأشيرة الإقامة بجواز سفري عند السيّد – هانس – وبالرّغم من أنّني أعيش معها وأتساءل يوميّا لماذا. فإنّني أصبحت أشعر مع الوقت بنوع من الإدمان المازوشي لسماع لعلعتها اليوميّة. بل أنّني بدأت أحسّ منذ مدّة بنوع من الضّيق والإحباط, كلّما عدت إلى البيت ولم أجدها هناك. حيث الممرّ الفاصل بين الباب الخارجيّ وغرفة النّوم المستطيلة الدّاكنة.

    منذ عشرين سنة أو تزيد, وآنيتا لا تحيض ولا تبيض.
    حدّثتني بأنّها كانت تنفق أموالا طائلة على الجلسات الخاصّة مع طبيبها النفسي السيّد – زاموش بارغهوف-
    أخذتني مرّة إليه بعد رفض قاطع منّي و خصام دام سنة حول المسألة. كان عجوزا غابرا مجعّدا. يسعل كامل الوقت ويخرم في الهواء قاعدة الكرسيّ الهزّاز المغلّف بسبابته وإبهامه. موسّعا في ثقب وهميّ لا أراه.
    طلب منّي أن أحدّثه عن أميّ وإخوتي. وسألني عمّا إذا كنت أحلم باللّغة العربيّة أو الألمانية. فأجبته بأنّني لا أحلم إطلاقا. وأنّ آخر مرّة حلمت فيها, كانت ليلة قدومي إلى هذا البلد الذي لا معنى ولا وقت للأحلام فيه.
    ولم أرجع إليه بعد ذلك, رغم أنّه وافق رغم امتلاء دفتر مواعيد جلساته وكثرة حرفائه على تخصيص ثلاثين حصّة أوّليّة لي. لدراسة شخصيّتي. ثمّ انقطعت – آنيتا – أيضا عن الذهاب إليه, وأعلمته في رسالة مقتضبة بأنّها لم تعد تشعر بالرّغبة في متابعة الجلسات. كتبت ذلك بطريقة واضحة وحاسمة أثارت إعجابي. بل أنّها قطعت زياراتها بعد ذلك لكلّ الأطبّاء. وحلقات اليوغا وزيارة الجمعيّات الرّوحانيّة المريبة وحلقات النقاش الأسبوعي بذلك المبنى الغريب المشبوه, حيث تلتقي النّساء المتزوّجات بأجانب, كلّ ليلة خميس.

    آنيتا تأكل الخضار كعادتها بشراهة. ولكنّها تتذوّق اللّحم الآن من حين لآخر, بعد أن كانت تقيم الدّنيا حين أطبخ لحما في أحد أواني الطبخ الخاصّة بها, أو أغرف منه في صحن غير الثلاثة أصحن المخصّصة لي.
    أنيتا لم تعد نباتيّة متعصّبة مثل صديقتها اليابسة – مارتينا – ولم تعد تتحمّس لزيارة مقرّ جمعيّة النباتيين.

    آنيتا لم تتغيّر كثيرا. تكوى الملابس بعناية فائقة وتصلح ما أفسده يوميّا من نظام البيت الدّقيق الصارم. ولكنّها تنتظر كآلة معدّلة عودتي كلّ ليلة لتقف لي بين ثقب الباب ولحاف السّرير الأزرق المكويّ بعناية.
    أمّا أنا فإنّني لم أتغيّر إطلاقا. أخدّر حواسي بأحلام منمنمة قبل الرّجوع كلّ ليلة إلى البيت. وحين أحسّ بأنّ
    - آنيتا- جاوزت الحدّ. أضرب رأسي بقوّة على الباب أو على الحائط. أو ببساطة هكذا. بقبضتي أو بكفيّ. لأتلذذ طعم ريقيّ المرّ , وأنا أرى كلّ ذلك الذّعر والفزع الشّديد في عينيها. في عيني حبيبتي وزوجتي – آنيتا-.

    نُشرت الترجمة بموقع دروب بتاريخ 17 يناير 2007

  66. وديع العبيدي علق:

    جدير أنت بهذا التكريم الجميل
    وكل المحبة منا

    وديع العبيدي

  67. باحث عن الروائع علق:

    أوراق الدار البيضاء (الكاتب كمال العيادي) .
    بقلم : بشير مفتي – الجزائر

    27 مارس 2006
    بالصدفة التقيت بكمال العيادي••• كان قادما من مدينة ”سلا” للتو، بعد أمسية شعرية مبهرة كما رأيتها في عينيه، يحمل صورا تذكارية وأفراحا مزهوة في شفتيه•• عرفنا أنيس على بعض• وسرعان ما وجدنا أنفسنا نتحدث من دون رسميات، أظن بأن الأمور دخلت في مرحلة من التعالق الروحي الذي لا يحتاج إلى طول كلام وطول تعارف•• في المساء كنا معا بلاشوميير، بدأت أتعرف على كمال أكثر، صوته الذي يحتج بالشعر، كلماته التي تخرج من الداخل ينثرها بمحبة، سعادته التي لا تخطئها العين• دردشنا، ناقشنا بعض القضايا الخطيرة وحتى ”التافهة”، كنت أسمع إليه، أنا أحب الاستماع أكثر من الكلام، ربما هناك علاقة بين الكاتب وهذا السلوك الذي يسكنني منذ الطفولة•
    اختفى كمال ثم عاد بعدها•• ولكن هذه المرة أصبحنا أصدقاء وأحب، إن كل ذلك كان له تأثير ما على روحي، صداقة تشعر بها من دون أن تتدخل فيها أي منفعيات ولكن تنزل بالصدفة وتستقر في القلب•
    سهرات طويلة في ”أماكن مقدسة”، لحظات تجل وصفاء، ظل يقظا على الدوام، متحركا في الروح أكثر مما كانت خطواته تسعفه، لم يكن يشبع من الحياة، يخطفها خطفا، يسرقها بحب، إنه يعيش في ألمانيا في ”ميونيخ” في البرد والثلج والصقيع، كما أتصور ذلك عن تلك المدينة•• ومن قبل عاش في روسيا في مدينة البرد والصقيع، هل علمه كل ذلك أن يكون حنونا ودافئا في الداخل•• الحنين والحنان ربما هي العناصر الأساسية التي منها صيغ هذا الإنسان الودود والطيب فرق اللازم•
    لا يختلف كمال العيادي الكاتب عن الإنسان، عندما قرأت نصوصه الشعرية ثم القصصية وجدتني مقتنعا بنفس الانطباعات التي كونتها على الشخص أي الصدق، إن كلمة صدق هنا تعني أن كمال مبدع حقيقي لا يتصنع الكتابة، لا يفتعلها، لا يجرها بالقوة إليه وإنما تأتيه مطواعة، حية، حرة، تأتيه مثلما يأتيها هو في علاقة حب مكهربة وعشق مجنونة•
    كمال كاتب لا يستحق فقط الاحترام والتقدير والحب والإعجاب، بل الاعتراف له بأنه يملك موهبة ذلك وهي جزء حيوي من إنسانيته التي ربما تعلمها من شعراء روس كبوشكين أو كتاب ألمان كجوته أو فقط منه هو بالذات.

  68. باحث عن الروائع علق:

    الواصف والموصوف في أقاصيص كمال العيادي.
    بقلم : عبد الدائم السلامي.
    مجلة الفوانيس. 11-07-2007

    1- تقديم

    يتوفّر الكاتب والصحفي كمال العيّادي على تجربة ثريّة في الأرض، حوّلها بوَكْدٍ منه وإصرارٍ إلى تجرُبة ثَرَّةٍ في الكتابةِ والتخييل. هو مبدِعٌ جوّالٌ: انطلقت تجرُبتُه من تونس واتسعت به عبارتُها إلى أوروبا الشرقيّة (روسيا) فأوروبا الغربية (ألمانيا) حيث غنم من ترحالِه بؤسًا حياتيًّا وفيرًا، بؤسًا لم يحتمله جسدُه النحيفُ فاحتملتْه لغتُه الثخينةُ بصور الواقع تُنقّيها في غير تزلُّفٍ من أحساكِها لتنحتَ منها قصصًا تنأى بالمتلقّي من معنى الأرضِ إلى أرضِ المعنى حيث ثراءُ المغامرةِ وخصوبةُ الوصفِ وكثرةُ ماءِ الموصوفِ شخصياتٍ كانَ أو أمكنةً أو زمانًا.

    والذي نذهب إليه هو أنّ مَيْزَةَ قصص كمال العيّادي تتمثّل في صدقِها التخييليِّ، إذْ نجدها تمتحُ من واقِعِها رُواءَ كائناتِها الورقيّة، مَا يجعل القارئَ ينْوجدُ فيها بالقوّةِ لا بل ينوجدُ فيها بالفعلِ في شيءٍ من التماهي التِّدْلاليِّ الذي يُفْضي به من تلقّي المُغامرةِ القصصيّة إلى التلاقي مع أحداثِها تُحاكيه فيَحْكيها عبر فعله القرائيِّ معانيَ تكادُ تمشي أمامه وتدخل مسامَّه ويتشرّبها جسدُه وفكرُه وأحيانًا يتبنّاها فتصيرُ منه ويصير بها فيها.
    وإذا كان بعض النقّاد المحدثين يتنصّلون أحيانًا من حالِ الكاتبِ ويكتفون بأحوالِ المكتوبِ بما يضمن لقراءاتهم الحياديّةَ الموضوعيّةَ والصّدقيّةَ في التعاطي مع المرويّاتِ، فإنّ قارئَ قصص كمال العيّادي لا يملك القدرة على الحيادِ، لا ولا حتّى على الفصل الموهومِ بين النصوصِ وصاحبها، ذلك أنّ قراءةً لقصصٍ له مثل “آنيتا” و”حميد ميتشكو” و”الدغفوص أبو التآليل” أو “صاحب ربطة العنق الخضراء” وغيرها من القصص القصيرة لا يمكن أن تبلغ صدقيتَها إلاّ متى استحضرتْ تجرُبةَ الكاتبِ فيها على اعتبار أنّه الواصفُ والموصوفُ والصفةُ، وهو ما سنحاول تفصيلَه في هذه الإطلالة السريعة على عالَمِه القصصيِّ.

    -2- الكاتبُ واصِفًا

    لا يكتفي كمال العيّادي بالوصف، في العيّنة من القصص التي ذكرنا سابقًا، تقنيّةً تعضد السّردَ لتُغنيَ معناه عبر الزخرفة والتزيين اللفظي، بل نراه يُعوِّلُ على الوصفِ باعتباره سَرْدًا داخلَ السّرْدِ، إذْ تأتي مقاطِعُ قصصه ثخينةً بالأحداثِ كثيفتَها، ويجري زمنُ الحكْيِ فيها جريانًا لطيفًا بارتداداته واستباقاته دون توقّفٍ بما يقطعُ مع قول القائلين إنّ الوصف يُوقِف السّردَ ويُعْدِمُ زَمَنَ القصِّ، ذلك أنّ الوصف عند كمال العيّادي لا يقوم فقط على الجُمَلِ الاسميّة بما هي زيادةُ الصفة في الموصوفِ ولا يحفل بالاستعارات كثيرًا، بل هو يستشري في أفعال الحكايةِ باعِثًا الحركةَ في أحوالِ الموصوفات وفي أعمالِها وفي أقوالِها دون المبالغةِ في البحث عن مُعجَمٍ يخدمُ الوصفَ ويُهمِّشُ الحكاية، ذلك أنّ “الوصف يتطلّب كفايةً معرفيّة وليست لسانيّة” على حدّ ما ذهب إليه جون مولينو (1)، كفايةً تقوم على بنية منطقيّة من حيث ترابطُ المقاطع الوصفيّة بما يخدم سياقَ الحكيِ ومن حيث خصوصياتُ كلّ مقطع وصفيّ واستقلالُه بذاته دون الخروج عن نسيج الحكايةِ الأمِّ، إذْ يكتفي كلّ مقطع وصفيّ بمحورٍ في الوصفِ وحيدٍ بما يسمح للجمل المكوّنة له بالترابط فيما بينها دلاليًّا وبالتعالُقِ السببيّ العلِّيِّ الذي يوحي بوجود بنية وصفيّة تتحوّط أفعالَ المغامرةِ المسرودةِ وتتجاوزها إلى بناء معناها، على اعتبار أنّ من أشراط البنية أن تُمثّل “وحدةً مستقلّة نسبيًّا مجهّزة بتنظيم داخليٍّ خاصٍّ بها، فهي إذن مرتبطة بعلاقةِ تبعيّة/استقلاليّة بالمجموع الأكثر اتساعًا الذي تنتمي إليه” (2). ففي بداية قصّة “آنيتا” مثلاً نقرأ المقطع التالي “لنتّفق في البداية على أنّه من حقّي أن أضرب رأسي. أوّلا لأنّه رأسي، وأنا حرّ أن أفعل به ما أشاء، وثانيا لأنّه يستحقّ الضّربَ، فهو السّبب في كلّ بلائي وما أنا فيه. ورغم أنّني أجد لذّة مدغدغة مثل دبيب النمل وخدرًا بنفسجيًّا محبّبًا حين أضربه، فإنّ السبب الحقيقيّ وراء ذلك أنّني اكتشفتُ منذ سنتَيْن تقريبًا بأنّني أجني فوائد عظيمةً حين أقوم بتلك الحركة الخرقاء وأضرب رأسي بكلّ ما أوتيت من قوّة على الباب أو الجدار أو ببساطة هكذا بقبضتي أو بكفّي. اعتدتُ ذلك بعد أن اكتشفتُ مصادفةً بأنّ تلك الحركة الخرقاء تحديدًا تبعث الخوفَ والجزع الشديدَ في نفس زوجتي-آنيتا- بعد أن كنتُ استنفدتُ كلّ الطُرُق والوسائل والحيل لإرهابها. ولذلك أضربُ رأسي يوميًّا”.
    والملاحظ في هذا المقطع الوصفيّ أنّه موحٍ بالدّورية الحدثيّةِ التي تتجلّى في الدّال “يوميًّا” وهو ما يضمن اتساقَه مع المغامرة ككلٍّ، كما أنّه يقوم على محورٍ واحدٍ هو “ضربُ الرأسِ” وقد فرّعه كمال العيّادي إلى متتالياتٍ وصفيّةٍ تضمّنتها جُمَلٌ بسيطةٌ سعى من ورائها الكاتب إلى تبرير موضوع الوصفِ وجعله خادِمًا لمُجْمَلِ الحكايةِ من حيثُ بناءُ معناها. فالترابط العِلِيُّ بين فروع الوصف يبدأ من حقّ الكاتب في ضرب رأسه، وهذا الحقّ متأتٍّ من كون الرأس رأسه، وهو ما يُجيزُ له الحرّية في ضربه، ثمّ إنّ موضوع الوصف (الرأس) يستحقّ الضرب، باعتباره سبب البلاء. كما أنّ فعلَ “ضرب الرأس” يحقّق، من جهة، متعةً للواصِفِ ولذّةً، ومن جهة أخرى يعود على الواصف بفوائد جمّة، لعلّ أهمَّها بعثُ الذُّعر في قلب زوجته بعدما جرّب معها كلّ الطرائق والحيل لإرهابِها. وجليٌّ هنا أنّ الوصف في هذا المقطع يخضع إلى هكذا بنيةٍ عقليّةٍ تُبَرِّرُه عبر ترابطاتٍ سببيّة بين مفاصِلِه اجتهد الكاتب في صياغتِها حسب ما يتطلّبه سياقُ الحَكْيِ في شكل جُمَلٍ خاليةٍ من الحشوِ ومن الزخرفةِ اللفظيةِِ مَا جعل منه مقطَعًا واجبَ الوجود في بداية القصّة حتّى تُحقِّقَ تلاقِيًا مع القارئ عبر حيرةٍ تنتابُه وشَكٍّ يعتريه بخصوص علاقة الراوي بزوجته. ومِمَّا يدعِّمُ قيامَ الوصف في هذا المقطع على بنيةٍ منطقيّة حسب الأشراط المتعارف عليها في كلّ بنيةٍ التي منها وجوب توفّرها على مجموع مستقلّ وإمكانية “ترتيب عناصر [هذا ] المجموع التي يمكن لها ذاتها أن تتكوّم حسب شكل تُمْكن معرِفَتُه” (3)، هو ما يتتالى في الحكاية من أحداثٍ، فوصفُ ضربِ الرأسِ يمتدُّ رويدًا رويدًا إلى وصفِ حال الراوي، ومن ثمّة يصيرُ الجزءُ مُحيلاً على الكلِّ ويصيرُ الرأسُ (حيث يوجد العقلُ ) مُحيلاً على اللامعقولِ الحياتيِّ في كامل القصّة، إذْ، تنعقد كلّ المغامرة فيها على محاولات بحث الراوي عن طريقة للتخلّص من شرور زوجته آنيتا وطبيعتها العِدائيّة التي اجتهد في تبريرِها عبر المبالغة في وصفِ أحوالِها دون الاكتفاء بأقوالِها أو بأفعالِها، فنراه يجرّب معها كلّ الحيل بالتدرّج من اللُّطفِ إلى الغِلْظةِ، إلاّ أنّ جارتَها –مارتينا- تسعى دومًا إلى إشعال فتيل الحرب بينهما. ومن ثمّة يهتدي الراوي إلى وسيلة “ضرب الرأس” لإرهاب زوجته وإسكاتِها. وتنتهي القصّة بنوع من العَوْدِ على البَدْءِ في إطارٍ من الترابط المنطقيِّ الحكائيِّ، فتصير مقدِّمَةُ القصّةِ وصفًا لخاتمتِها ( تكرار نفسِ جُمَلِ المقدِّمةِ في الخاتمةِ) وينوجد القارئ في دائرة من المعنى الواقعيّ التخييليّ، معنَى رجلٍ مُهاجرٍ أجنبيّ غريبٍ يتزوّج امرأة جامعيّة جاوزت الأربعين التقاها في مقهى بالصُّدفة، ويعيش معها تحت ضاغطاتٍ اجتماعيّة وشخصيّة متنوّعة أبدع الراوي في توصيفِها لتبرير علاقةِ العداء بينهما وانشداد كلّ منهما إلى الآخر حسب ما يحقّق له ذلك من منافع. وبالرّغم من كون هذا الراوي ما يزالُ شابًّا بينما زوجته “لا تحيض ولا تبيض” وهو أمرٌ يُسْعِدُه كثيرًا، فإنّها لم تتأقلم، خلال سنيِّ زواجه منها، مع عاداتِهِ وعَوْدَاتِهِ، فهي “لم تتغيّر كثيرًا. تكوي الملابس بعناية فائقة وتُصلح ما أُفسِده يوميًّا من نظام البيت الصارم. ولكنّها تنتظر كآلة معدَّلَةٍ عودتي كلّ ليلة لتقفَ لي بين ثقب الباب ولحاف السرير [...] آنيتا جاوزت الحدّ. أضرب رأسي بقوّة على الباب أو على الحائط أو ببساطة هكذا بقبضتي أو بكفّي لأتلذّذَ طعمَ ريقي المُرَّ وأنا أرى كلّ ذلك الذّعر والفزع في عينيْها. في عينيْ حبيبتي وزوجتي آنيتا”.
    والذي نخلُص إليه في خاتمة هذا العنصر من القراءةِ أنّ قصص كمال العيّادي تقوم على الوصف المشهديِّ قيامَها على السردِ الحكائيِّ، مَا يجعل من الوصف بنيةً مخصوصةً تعْضدُ بنيةَ الحكايةِ فتُغْنيها وتغتني فيها بما للكاتب من قدرةٍ على تخيّر الصّفاتِ ونسجِها نسيجًا مُحكَمًا تصيرُ فيه المقاطع الوصفيّة بنياتٍ مترابطةً لها أشراطُها ولها معانيها التي تمتح من واقع الكاتب دلالتَها وهو ما سينْعَقِدُ عليه عملُنا في العنصر الموالي.

    -3-الكاتبُ موصوفًا

    لا تُحيل عبارتُنا “الكاتبُ موصوفًا” على مفهوم السيرة الذّاتية المبثوثة في أقاصيص كمال العيّادي وإنْ كانت لا تنفيها وتقف عندها فقط، بل هي تؤكِّدُ، في العيّنة من القصص التي نشتغل عليها، على الانزياحِ الحاصل في زاوية نظر الراوي للمغامرة، انزياحٍ من جنسِ السيرة إلى الانفتاح بها على التجربة التخييليّة عامّةً، فترقى بذلك عناصرُ اليوميّ الذاتيّ المعيش من مفرداتٍ موغلةٍ في هموم “الأنا الكاتبةِ” إلى مراقي أفق انتظارات “الأنا القارئة” وهو ما يزيد العملَ الفنيَّ سعةً وإشعاعًا وحلمًا بالمعنى.
    غير أنّ فعلَ الترقّي الكتابيّ بالخامِّ الذّاتيِّ المعيش إلى العامِّ المتخيَّلِ لا يعني عجزَ الكاتب عن تشخيصِ واقع أيّامه وتوصيفِها بما يليقُ بها من أوصافٍ، فنحن واجدوه يجتهد كلَّ طاقتِه في تشخيص المرجعِ/الواقعِ تشخيصًا دقيقًا يُراعي فيه اختلافَ التفاصيلِ وائتلافَها بما يضمن للقصّة وحدَتَها المعنويّةَ التي تجعل منها عملاً إبداعيًّا له طرائقُ مقروئِتِه وله قرّاؤُه. وهو إذْ يفعل ذلك، يعتمدُ تقنيةً في الوصفِ محدَّدَةً تقومُ في أغلبِها على محورِ وصف الراوي لحظة سردِه المغامرةَ، وهو ما يتجلّى لنا في قصّته “حميد ميتشكو” صديقه التونسيّ الذي التقاه بألمانيا (وهو كائنٌ غير ورقيٍّ ما يزال حيًّا يُرْزَقُ من عائدات رسومه التشكيليّة بميونيخ) حيث نراه يلجأُ فيها إلى عدّة وسائل تُحيلُ عليه في الوقت الذي تصفُ حاَلَه، منها استعمالُه ضميرَ المتكلّم “عرفتُ حميد ميتشكو منذ الأسبوع الأوّل لحلولي بهذا البلد” ومنها إيرادُه أسماءً لشوارعَ معروفةٍ “اعتدتُ أن أشدَّ جرسَ البابِ بتلك العمارة الحمراء بشارع آمالين بشفابينغ” أو أسماء مَشارِبَ مثل “مقهى الأنسويفايتا” ومنها إحالَةُ القارئِ في نوعٍ من الارتجاع على زمن إقامته بروسيا من خلال قوله “…وأحفظُ الكثيرَ من القصائد الروسيّة والعربيّة” وكذلك ذِكِرُه لبلده في قوله متحدّثا عن رسالة صديقه حميد ميتشكو “كما أرسل لأمّها (أمِّ مطلّقته) رسالة في ثلاثة سطور يعلمها بأنّ الفَرَجَ قريبٌ وأنّ ألمانيا بلد رائع والطقس جميلٌ وأنّه أرسل لها صورتَيْن وهو يعتمر قبّعته الاسكتلنديّة الجديدة، ومعطفه الأزرق الداكن رغم أنّ الحرّ لا يُطاق هذا الصيف. وكتب على الظرف عنوانَه كاملاً لأوّل مرّة بطريقة تُمكن قراءتها بيُسر مُباعدا بين الحروف بشكل متعمَّدٍ بليغِ الدَّلالة رغم أنّه يعرف بأنّ مطلّقتَه بتونس لا تكتب ولا تَرُدّ بأيّ حال من الأحوال”.
    إنّ هذه الدّوال الاسميّة والزمانية والمكانية التي اعتمد الراوي في إيراد المغامرة تقوم على أوصافٍ تخرج بالكاتب من موقع الواصفِ صوب موقع الموصوفِ، لا بل إنّها تخرجُ به من كينونته البشريّة إلى كينونةٍ معنويّة يكاد يبلغ فيها مرتبة الصفة المشبّهة بما تعنيه من استمرار الصِّفة في الموصوف ودوامِها بدوامِه. ومن ثمّة يصبح الكاتب/الراوي صِفةً للفعلِ وصِفةً للفاعلِ وصِفةً للمفعولِ، فيتجاوز الوصفُ مرجعَه المشخّصَ إلى المُطْلقِ تجرُبَةً ومآلاً، فإذا حميد ميتشكو يصير حالاً عامّةً وعلامة دالّة على كلّ عربيٍّ مغتربٍ يكتنفه النسيان والغموضُ واللامبالاةُ، حيث ينسى جسدَه ويُهمِلُ في خضمِّ مظاهر الحياة الغربية المتسارعةِ الاعتناءَ بمظهره، ولعلّنا نجوِّزُ لأنفسِنا القولَ إنّ حكايةَ حميد ميتشكو هي بداية لحكاية الراوي حيث يبدو لنا أنّه يتبنّاها فيكتبها كما لو كان يحياها، فالشخصيتان تتماهيان غربةً ووجودًا، فكأنّ الراوي وهو يذكر أنّ “حميد ميتشكو لا يموت” يحيلُ القارئَ على أنّ مسارَ هذه الشخصية هو مسارُ كلّ مواطن تضيقُ به الأرضُ لسببٍ أو لآخر فتحملُه رياحُ الغربِ وتٌلقي به في شوارع مدن مخمورةٍ بالثلج وبالكحول وبرائحة النّساء فتموتُ فيه حواسُّه ولا يموتُ.
    وحتّى يُقنعَنا الراوي بهذا التَّتْويهِ الوجوديِّ المجّانيّ، وبهذه العبثيّة الحياتيّة في بلاد الغربة، وبانعدام التواصل الأفقي البنّاء مع الآخر “بعد الإعلان الرسمي للنوايا الأمريكيّة الطيّبة”، نراه يعرِضُ علينا في نهايةِ قصّة “حميد ميتشكو” مقطعًا من رواية كان كتبها صديقُه حميد جاء فيه ” قلبتُ الصفحة الثانية، عنوان بارز يتوسّط أعلى الصفحة ودُوِّن بحروف كبيرة موزّعة على سطريْن. يبدو أنّ الصفحة الثانية التي بدأتُ بقراءتِها هي في الأصل الصفحةُ الأولى. كَتَبَ (يعني حميد ميتشكو): مخطوطة لرواية عن قصّة حياتي بالتفصيل. وتحت العنوان تصدير باللون الأحمر يمثّل مقولةً لأحد الكُتّاب أو الفلاسفة المغمورين ربّما، مدوّنة باللغة الفرنسيّة ودون أخطاء، وتَرْجُمَتُها تقريبًا (دخلتُ ولم أخرج بعدُ، فكيف يطالبونني بأن أصف لهم ما شاهدتُ؟)”. إنّ هذا الشاهدَ الأخير يُحيلُ على مشقّة الراوي وهو يصفُ للقارئِ أشياءَه في الغربة، ولكنّه في ذات الحين يَشِي بكون فعل الوصفِ ليس إلاّ فعلاً معتاصًا على التقعيدِ والتقنينِ، إنّه فعلٌ تنصبُّ بواسطتِه روح الكاتب على موضوعاتِها انصبابًا حرًّا، في نوعٍ من الحميميّة التي تجعل من مرارة الاغتراب صفاتٍ تتوالدُ في انتظامٍ دافئٍ، انتظامٍ قد يبدو أحيانًا غيرَ مشروطٍ، ولكنّه في الأصل خاضِعٌ إلى هكذا سياقٍ حكائيٍّ مَا يوفِّرُ على الكاتبِ مشقّةِ الجريِ وراء المعنى ويمنحَ القارئَ ألبابَ الموصوفاتِ، أعني معانيها.

    -4- خاتمة

    والذي نخلُصُ إليه في نهاية هذه القراءة هو تماهي روّاةُ قصص كمال العيّادي مع واقعِها، تماهٍ نراه يمتحُ من الواقع الصّورةَ الخامَّ، فينكبُّ عليها الكاتبُ يعرِكُ تفاصيلَها حتى يُخْرِجَها في إِهابِ أُقْصوصةٍ لها مَيْزاتُها من حيث تخيّرُ اللفظةِ في الجملةِ والجملةِ في التركيبِ والتركيبِ في المقطع والمقطعِ في نسيج الحكايةِ، يفعل ذلك دون تكلُّفٍ ولا إجهادٍ، بل يفعل ذلك بما له من قدرة على تحويلِ الأحداث المعيشةِ إلى أحداثٍ تخييليّة يَشِيعُ فيها المعنى بيِّنًا من خلال ما توفّرت عليه هذه القصص من حَبْكٍ سرديٍّ سانَده حَبْكٌ توصيفيٌّ بلغ لدى الكاتب محلّ البنيةِ الوصفيّة التي تتحوّط في ثيابِها المعنى، تُخفيه حينًا وتكشِفُه أحيانًا حسب قدرة المتلقّي على تعرية المكتوبِ.
    وإذا كنّا ركّزنا اهتمامَنا في هذه الإطلالة على عالَم كمال العيادي القصصي، من خلال العيّنة التي اشتغلنا عليها، على موضوعة الوصف فإنّ لذلك مبرّراتِه: فقصص هذا الكاتب رغم عدم انوجادها في كتاب خاصّ يُبيحُ لنا قراءتَها قراءة تفصيليّة علميّة من حيث المناصاتُ ومن حيث جذورُ الحكايا ومراجِعُها ومن حيث شخصيّةُ المثقّف فيها ومن حيث المفارقاتُ السرديّةُ، وهي كلّها محاورُ هامّةٌ تُسهّل على القارئ بناء المعنى، أوّل هذه المبرِّراتِ قيامُ الوصفِ في العيّنة المدروسة على بنيةٍ لها ملامحُها ولها فواتِحُها وخواتِمُها قلّما نجد مثيلاً لها في القصص القصيرة عامّة بعكس الرواية على أساس أنّ القصّة تنبني على التكثيف والاختزال بما يحدُّ من حركة الألفاظ داخل نسيج النصِّ، وثاني المبرِّرَاتِ أنّ الوصفَ في هذه القصص وصفٌ خلاّقٌ لمعاني الأشياء في حركيتِها، إذْ لا يكتفي بتصوير الملامح تصويرًا مُترهِّلاً بل يتجاوزها إلى دواخل الموصوفات يحفرُ في أعماقها عن خفاياها مَا يجعل لكلّ قصّة من قصص الكاتب مستويَيْن: مستوى سطحيًّا تتراشح فيه الألفاظُ بمعانيها الأُوَلِ ومستوًى عميقًا ينبُتُ فيه المعنى ويغتني بتجربة الكاتبِ الحياتيّة ويتعسلجُ عاليًا في التخييلِ.

    * مجموعة من القصص بعث بها إلينا كمال العيادي عبر بريدنا الألكترونيّ
    1- (من مقاله Logique de la description ص 367)
    2- (ج. ميشال آدام: Les textes types et prototypes ص 28)
    3- ( Dictionnaire de poétique ص 286)

    عبد الدّائم السلاّمي – تونس

  69. باحث عن الروائع علق:

    بوشكين والأسير القيرواني.
    بقلم د. مصطفى شليح.

    . إلى كمال العيادي مُبدعـًا أصِيلا
    . للكلام دمعتان.
    . للكلام دمعتان حانيتان على الكلام.
    . ثم للكلام دمعتان حالمتان حائمتان حول قصيدٍ من غمام.
    . هل كان الكلامُ رسائلَ مائية الحمام من باريسا إلى القيروانيِّ الحال والمقام ؟
    .

    للكلام دمعتان.
    . للكلام دمعتان حاديتان بجعا أبيضَ والمسافات قتام.
    . تقول باريسا : لبوشكين شمعتان.
    . ويقول كمال : للسهام روعتان. أهي باريسا أم بوشكين في البدء والختام ؟
    . للكلام خشعتان.
    . يقول السارد الشارد : أهذا سرد أم درسٌ أم سرّ أم رسّ أم سدّ أم دسّ ، فما بين سين وراء كان الستار، وكان السفارُ إلى سَوْرةٍ أو صورةٍ في الجدار، فأيٌٌّ جدار ؟
    . للكلام لوعتان.
    . تأتي باريسا متوشحة بالنصِّ، كأنها القيروانية، لتستلبَ الممرَّ الحلقوميًّ الأزرقَ، زرقة عينيها، ولتنسبَ الكتابة إلى الكتابة، ولتنتسبَ إلى الربابة، في سؤالاتها البللوريةِ، عن الجدار والجوار والحوار، وعن الأسرار والأقدار والأعمار، وهلم راءً إلى صَبابات أو صُباباتِ ما ترقى من الدنان والجرار.
    . تأتي باريسا مطوحة بالزمن لتأتي مراوحَ من تاريخها وملامحَ من زمن آخر، وتذهبُ باريسا لكي لا تذهب لوامحَ لوائحَ من قصيدةٍ لبوشكين، وتسألُ باريسا لكي تتسلَل من الحكايةِ إلى الحكاياتِ التي استلمها البجعُ الوحشيّ رسائلَ من الماء لتقرأها جدائلَ ما اعتذرتْ لكنها عبرتْ حمائلَ لغوية إلى بوشكين حساما أو حماما مسافريْن إلى الحبِّ بالموتِ الجميل.
    . لكنها باريسا تأتي مجنحة بالسؤالاتِ لتلملم شتاتَ الكلماتِ من السؤالات، ولتغمغمَ، وقد اخترقتْ كتابَ الليالي بزرقة عينيها، واستبقتْ إلى الباب لترى العالم قيروانيا أزرقَ، ولترى المعالم حكيا أعمق، ثم لترى الخواتم نأيا أطرقَ من تأخر وفادةِ بجع وحشيٍّ هذا العام. تقول باريسا.
    . من البريد المبعثر إلى البريد المعطر تتحركُ باريسا بكل ابتسامتها المسافرةِ إلى أقاصي ذلك العمر الجميل غير الحفيل بارتماءات الأصيل أربعينيِّ النديِّ البليل. تتحرك باريسا لتكتب سيرتها قصة أو قصيدة أو نداءً يرتجفُ استجابة لنداء البحر، أو بُكاءً ينصرفُ إلى حكاياتٍ للبحر.
    . حكاية باريسا أنها أصغتْ إلى باريسا في يوم دجْن، وكان الممرُّ حلقوميّ الصَّوتِ والصَّدى، وكان شاعرٌ جاهليُّ الموتِ والندى يُعلق قصيدته على أستار ذاته، وكان عابرٌ إلى النصِّ والفوتِ والمدى يطوقُ ذاته بالرسوم المحْدقاتِِ بالمدار المحَدقاتِ في الإطار، ويخرقُ ما رتقته شهرزاد؛ ولكنَّ ليلَ ابن زيدون طويلٌ، وهذا الكمالُ القيروانيّ قنديلُ ليل العاشقين المديدِ الأسيل، وباريسا تشرئبُّ إصاخة سمع إلى نجوم الحكي، وتشيحُ بدمعتها عن حكيها كلما اختلسَ بوشكين الحكاية.
    . البريد المعطرُ يطوي المسافة كما الصوفيُّ يطوي ذاته ليكتبها.
    . تكتبُ باريسا أن موسكو أجملُ الآن.
    . ورأى كمال، في دمعة باريسا، خيطا يشده باتجاه الجانب الآخر عكسَ اتجاه الطائرة.
    . ورأى أنه كمنْ يستفيقُ من غفوةٍ عابرةٍ.
    . ثم رأى أنه عاد ثانية داخلَ نفس ذلك الحلقوم الطويل .. الطويل.
    . ما بين الرؤيةِ والرؤيا كانتِ الإشارة تستحلّ عبارتها لينسابَ البيانُ إلى اللابيان.
    . يكتبُ كمال عن موسكو.
    . قالَ إنه ألفَ المكانَ وألفه المكانُ، وكأنه يسحبُ الغرابة إلى خارج النصِّ.
    . لكنّ كلَّ شيء كان غريبا.
    . الإحساسُ، واللوحاتُ، وانفعالُ باريسا وإصرارُها، والطلاقة الغريبة لكمال، و.. هلْ ألفة المكان في غرابته أم صِرْفته في سراباته ؟
    . ثمة مشترك تخييليٌّ بين الغرابة والسراب، وثمة عالم أزرقُ يتوشحه بين السؤال والجواب.
    . السرابُ، في الصحراء، بوحٌ متوهَّمٌ الناظرين.
    . والسرابُ، في الجليد – وهو صحراءُ – جرحٌ متوسَّـمٌ في السامعين الناظرين.
    . وباريسا تحملقُ في الجدار، وتسألُ عن الرسوم والغرابة والسراب.
    . يقول كمال : ” … وهي تتفرسُ بدهشةٍ في جدران الغرفةِ أينَ اصطفت ْعشراتُ الصور المختلفةِ الأحجام والألوان والأشكال والمواضيع .. ”
    . تتكسر الألفة وتستحمّ بغرابتها، من المنفتِح إلى المنغلِق، وتستعيرُ منها توجسَها، أوَ لم يكنْ كمال ” مشدودًا متوجِّسا من شيء ما ” ؟ شيءٌ ما يقدحُ نار الأسطورة ويجمحُ بالقادح إلى تأبطها دفعًا للغامض المجهول؛ أوَ لم يقلْ كمال ” .. حدثتها بشكل لم أعهده فيَّ إطلاقا .. وكنتُ أختلقُ أغلبَ الحكاياتِ، والغريبُ أنني كنتُ أشعرُ بأنني أقولُ الحقيقة تماما .. وحتى هذه اللحظة، يخيلُ إليَّ بأنّ والدي ماتَ استجابة لنداءٍ سمعه من عمق البحر، وبأنَّ كلب كافكا اسمُه – يوشا -، وهو أسود اللون، ويقفُ على قائمتيه الأماميتين – كما يفعلُ الشطارُ .. ” ؟
    . السرابُ صورة والمخيالُ لغتها.
    . تتعدد اللغاتُ لكنّ الصورة تتحدثُ لغة الذاتِ، كأنها تغتسلُ في وادي التواقف، وكأنها تخلعُ نعليها لتتوضأ بماء الغيب. تتعدد الصورُ لكن اللغة تتحدث إلى التوحد وبه.
    . للصورة بابٌ على المنفتِح كلما غلقتِ الأبوابُ وخلا كلّ إلى كلٍّ، وما ثم إلا السدفة شوساءُ، وما ثم إلا السعفة خرساء؛ فبأيّ كلام يتنادى القلبُ والمكانَ المترقيَ إلى زمان الصورة ؟ وبأيِّ حمام يتراءى المقامُ والزمانَ المتدليَ إلى فسيفساء الجيرة والحيرة ؟
    . إن الصورة تأخذ الجدارَ إلى حيث لا جدار، وإنها لنزَّاعة به إلى فضاءٍ مُضاءٍ بالتلاشي في سديم التعالق بين الأزمنة، وفي نعيم أو جحيم التلاحق للأمكنة؛ ثم إن الصورة لجمَّاعة ما توزعَ، على أرصفةِ الذكرياتِ، من الشذرات لتكونَ لها نسقا، ولتكونَ بها أفقا، ولتكون منها شرَقا بالتداني زيدونيَ البرق، ومن الشرَق بالماء ما يكون عِـيًّا بيانيا عن الإعراب فياتيك بالإغراب طرْقا وطرُقا.
    . الغرابة والغربة والإغرابُ سرابُ الذاهبين إلى جمرة المعنى في إبدالاتها، وإلى حمرة الذات في اشتعالاتها، وإلى خمرة الراحلين / الواصلين في تحولاتها، وقد اشرَأبتِ الكأسُ إذا شُربتْ، فلا حرف لذي عبارةٍ ولا طيف، ولا لغة إلا جسرنة الفراغ القائم بين الصور لتلافي شروخ الذات في مرايا الوقف.
    . هل كان كمال يؤولُ الجسرنة الذاهبة بالفراغ حين حديثِه إلى باريسا عن تلك الصورة ؟ وهل هي صور أم أنها صورة ذات تعدد أم أنها صورة واحدة توزعتْ، في توهم الناظريْن، إلى صُور لكيْ تنتظم اللغة ذهابا إلى احتمال البيان، أم هو الاحتواء الشذري للعالم بعيدا عن تواتراتِ وتوتراتِ ثقافةٍ يتمّ فيها تسييد الآخر التراثيِّ والمعاصر ضدا على الذات ؟
    . لم يأخذ كمال معه في رحلته / هجرته ” إلى بلاد بريشت و هيغل ونيتشه وغوته سوى ديوان ” أغاني الحياة ” لأبي القاسم الشابي، ومسرحية ” بيارق الله ” للبشير القهواجي، و ” حدث أبو هريرة قال .. ” للمسعدي، ونسخة معربة من الكتاب المقدس، ومصحف للقرآن الكريم عليه إمضاء والدي رحمه الله ”
    . من الرؤية البصرية إلى الرؤية القلبية للحرفِ تحولَ المسافرُ من الجبر إلى الاختيار؛ من اقتراف المُضيّ لإحراز شهادةٍ، قد تكون غيرَ ذاتِ جدوى كسائر الشهاداتِ الأكاديمية، إلى استشفافِ العمر سفرًا إلى العمر تمذهبا إبداعيا يُقفي على ما عداه.
    . لا صورة إلا الحرفُ، ومنْ كانَ على حرفٍ لا رؤية له.
    . للحرفِ عصاه التي تحيلُ الغرابة قرابة، وله فيها مآربُ أخرى، ثم له فلقُها الحكاية لتتناسلَ حكاياتٍ أخرى لا جدرانَ لها، وإنْ أقام لها السلوكُ طريقا بين الشوك والفتك حيثُ منعرجاتُ العدول، وحيثُ تهدجاتُ النصول، وحيثُ توهجاتُ الوصول؛ والطريق مسافة ما بينك وبينك فاستبِقْ ذاتك لتكونَ دواتك، واخرقْ عادتك لتكون شهادتك؛ ولا تكنْ حتى تكونَ.
    . يقول كمال : ” .. وعدتُ إلى أرض الوطن .. ولكنني لم أحتملْ دعاباتِ الأصدقاء القدامى .. وصياحَ ديكة الصباح. لمْ أحتملْ حنانَ والدتي، وتصفحَ جرائدِ المساء، فغادرتُ الوطنَ ثانية .. ”
    . هي ذي رتابة الأشياء لعلها لا تختلفُ عن رتابة ذلك الجدار المدجَّج بالرسوم وبالصور في تلك الغرفة المخصصةِ للآخر الأشقر. ولعلها لا تختلفُ عنْ ذلك المكان الموغل في رماديةِ الأصداء، أو لعلها تختلفُ إلى القرفصاء جلوسـًا بين يديْ الحكاية والإعادة؛ لكنه كمال ابتدر نسيانَ شمس المتوسط، وانتشرَ في الغمام الكونيِّ بجعا أبيض شاردا واعتذر للماء صادرا واردا ساردا، واعتمر الحقيبة واردا صوفيا إلى حيثُ الكلامُ يأتزرُ الفلسفة والقصيدة لكتابة الاحتمال في قراءةٍ للعالم بأبجدية الجمال.
    . هي شمسٌ منيرة سوداءَ، بلغة أحمد بن الحسين، تقترفُ الدعة اليومية حِذارَ المجهول. شمسٌ تؤرخ للخطى تأتي لتمضي ولا أثر على المسار تجرجرُ صاحبة ابن أبي ربيعة ثوبَها وتسحبه لكي لا يكون، ولكنّ باريسا لم تأتِ إلا بكلِّ ابتسامتها التي لا تخفي إلا دمعتها لتطرق بابا لغرفةٍ مرصودةٍ للأشقر الذي قد لا يكونُ. شمسٌ شقراء تأتي غِبا لتزداد حبا، ولتجوزَ طوقَ الألفة وتحوزَ شرقَ الغرفةِ بالسؤالاتِ عن الجدار، وعن الرسوم التي عبرتْ ذلك الممرَّ الحلقوميَّ الطويل كالثعبان في المطار.
    . الشمسُ الغبية، والرسومُ، والمكانُ المنفتحُ بقدر انغلاقه، والوجومُ المبتسمُ، والزمانُ المنشرحُ في حدود انطباقه، والقدومُ المنسجمُ كأنه دمعة باريسا أو كأنه البيانُ المنسفحُ، كتابَ صمتٍ، بوجود اختراقه، أو كأنه بوشكين شاعرًا وكمالٌ سائرا إلى عتمات النصّ بالعتباتِ الأولى تنسجُ شالها دمعة لباريسا.
    . باريسا التي تُنشِد شعرًا وتَنشدُ أمرا، فيا صاحبي هلْ نبكي أم نحنُ مُدركان قيصرًا ؟ قال كمال، والنقطة بسطة، وزمّ القلبَ ركابَ صحبةٍ وغربةٍ وكتابَ أهبةٍ وحبكةٍ إلى هناكَ حيثُ البسطة نقطة.
    . لا صورةٌ يا صاحبي.
    . إنَّ النقطة ألفٌ تسبكرّ إلى ذهول المعنى عن المعنى.
    . لا تنظر بأمِّ رأسك. انظركَ واقرأك واكتبك واسحبك؛ خارجَ المعنى، واخطبْ ودك وبَردك لتخضِّبَ، بالدم الشادي، بُردك وسَردك، واشربك حرفا أو طيفا أو حتفا.
    . لا تنظر بأمِّ رأسك، واسبرْ جدارك وجماركَ لكيْ تكون جوارك.
    . إنك إلى الرؤيا طريقٌ.
    . فاعبرْ عمرَك لتكون عمركَ، بين الحروفِ والسيوفِ والحتوفِ، كي تعبرَك.
    . قالَ كمال : ” .. كان المهمَّ عندي عبورُ الممرِّ بأسرعَ ما يمكن .. ”
    . وقالَ : ” دعوتها لشرب فنجان من القهوة اللبنانية كانتْ أهدتها لي إحدى العابرات .. ”
    . لكنه ما قال إنه عبر شمسـًا متوسطية أسلمها رسومَه كلها، وما سلمَ، قافلا إلى حكمةِ الشعر، حتى استلم التراثَ البديلَ لجدار كانَ زميلا في تلك الغرفة الموسكوفية، واتخذه إزميلا ينحتُ به تجربة أخرى في الوجود أو لعلها الامتداداتُ الكمالية في البحثِ عن الموجود المفقود.
    . لكنه ما قال إنّ الشعرَ رمته اختزله شابيَّ الأغاني للحياة، وما قال إنّ النثرَ أجمله مسعديـًا في ” حدثَ أبو هريرة قال ..”، فهلْ قالَ : ودعْ هريرة إنّ الركبَ مرتحلُ – فهلْ تطيقُ وداعا أيها الرجلُ ؟
    . وما قال إنّ بريشت سأله مسرحية البشير حتى يستكملَ التنظيرَ للفعل الدرامي، ولكنه قالَ إنّ المقدسَ دثره في الخروج الجديد أو في العروج المجيد إلى الكتابة عن باريسا وعينيها الزرقاوين.
    . عينان زرقاوان ما كانتا عابرتين، ولكنهما كانتا اللازورديَّ المطلقَ، والفضاءُ يسبقُ الفضاءَ إلى حكايةٍ ما برحتْ وسنى، متثنية الأعطافِ والألطافِ، في سؤالاتِ كمال، وما فتئتْ معنى، متدانيةِ الكافِ والنون متنائية القافِ والعرجون، كأنها من الكشفِ إشرافٌ في احتمالات كمال.
    . باريسا والبجعُ الوحشيّ والقصيدة المؤجلة، وما شاءتِ الزرقة من الكلماتِ عن بوشكين، وعن مخطوطه : ” الأسير القيروانيِّ “، وعن محققه الافتراضيِّ كمال العيادي.
    . قيل إنه من تونس، وقيل إنه مواطن كونيٌّ. والله أعلم.
    . باريسا ، ألكسندر بصيغة التأنيث، ما زالتْ عيناها زرقاوين كلما استلقتْ على قصيدةٍ لبوشكين تبادلها عمرًا بعمر. باريسا أكاد أحدسها بوشكينًا إذا يكتبُ ” الأسيرَ القيروانيَّ “، والحديثُ إلى الحبّ يجذبه مبارزة فرنسية الآخر. فلماذا يطفرُ الدمعُ من عينيْ كمال كلما قرأ أبا القاسم الشابي ؟
    . للكلام دمعتان ..
    . دمعتان حانيتان على ما تبقىَّ في عينيْ باريسـا ..
    . من الكلام.
    . كمال العيادي : باريسا ألكسندروفنا والبجع الوحشي.
    .
    . • موقع دروب 15 يناير2006
    .

  70. عزالدين الماعزي علق:

    هنيئا ربان دروب العزيز كمال العيادي على التكريم
    وانت تستحق الكثير والكثير وكل المحبة من القلوب
    اخوك عزالدين

  71. عبدالله الجفال علق:

    مليون مبروك
    فأنت تستحق ما هو أكثر
    أيها الرائع
    والرائع

    هذا التكريم هو تكريم لكل المبدعين العرب..
    تحية وشكر لكل ماقدمته

    abdallah66@yahoo.com
    عبدالله الجفال

  72. سامي العامري علق:

    تحية عراقية عربية
    شكراً من القلب على إهدائك التكريم لنا , وهنيئاً لك ولنا ودمتَ مبدعاً
    أمنياتي ودمت

  73. العالية ماءالعينين علق:

    …..أكتب لهم وعنهم..وأنا أكتب لي وعني فيهم..
    …#..من كلمات كمال العيادي في التكريم..#
    ……..
    كنت جميلا ..كما أنت دائما..
    هنيئا لك ولمن فكروا في تكريمك..
    و..جميلة تحيتك ..يا سعاد فقد اختزلت الكلمات ..وصبت في الروح ..
    مودتي

  74. شربل بعيني علق:

    ألف مبروك يا أعز كمال
    فأنت أهل للتكريم.. من المحيط الى المحيط..
    ومن اليابسة الى اليابسة..
    ومن الحرف الى القلب.

  75. إبراهيم إستنبولي علق:

    كم أنا سعيد أن أعود إلى دروب بعد غياب لظروف خاصة في يوم الإعلان عن تكريم المبدع و الكبير عن حق كمال العيادي ..
    بصراحة كثيراً ما أكفر بأنه لو لم تكن لدى كمال طاقة صوفية هائلة على الحب و العشق لكل ما هو جميل و لما كان كان قادراً على كل ذلك الإبداع ..
    مبروك لك من الأعماق التكريم يا أخي كمال .. و إلى المزيد من العمل المبدع الذي عودتنا عليه ..

    إبراهيم إستنبولي

  76. ضحى بوترعة علق:

    العزيز كمال

    ألف ألف مبروك هذا التكريم
    انّك تستحق أكثر من هذا ايها المبدع المناضل من أجل ثقافة حرة وراقية

    مزيدا من التألق والنجاح اتمناه لك
    محبتي العميقة

  77. خلود الفلاح علق:

    كمال
    مبروك التكريم ومن إنجاز الى آخر أجمل

  78. هيثم حبيب علق:

    هل تقبل مباركتي لك ايها المبدع بعد هذا التأخير الغير مقصود بالمباركة .
    الان حتى قرأت وسمعت و رأيت كمال العيادي لأول مرة . ادخل درووب يوميا كي اتنور اتعلم من دربك .
    ارجو ان تتقبل مباركتي بتكريمك والذي يعد أقل ما يقدم لك .
    هيثم حبيب يرسل لك من سورية الشامخة اجمل التهاني واعطر الكلمات لك في المانيا ايها المبدع.

  79. يحيى الساعد علق:

    هنيئاً لك .. ولنا .. هذا التكريم ..
    تستحق الكثير .. وأنت كثيرٌ بما لديك من أدب خلاّق .. وجدير بالمتابعة

    مبروك ..
    وألف ألف مبروك ..
    فـ هذا تكريم لكل الأدباء العرب .. من جنوب الثلج وحتى شمال الماء .. على حد قولك أخي كمال ..

    مع فائق أمنياتي لك بمزيد من التألق ..

  80. حاتم النقاطي علق:

    الصديق كمال مبروك التكريم و ماصدر لك يجسد بحق حرقة الكلمات
    احسدك على اهتمام الكل بك
    نحن هنا نحب الماضي وننتظر روعة قادمة
    اخوك حاتم النقاطي

  81. رائدة سلمان علق:

    لأول مرة ……أرى ………حفل تكريم العيادي :

    وعند نهاية الحفل ……………خطرت لي حكمة :

    من يرض……بالقليل

    فإن الكثير ………يأتي إليك

    وقول جبران :

    أنك حين تكتب……ذاتك ….سيقرأك …الآخرون

    كان ملفتاً

    * حب الناس لشخص العيادي ….وخوفهم ….ان تيزعج تواضعه تكريمهم

    ** صديق العيادي الذي بكى فرحا للعيادي ………..ولم يستطع التعبير

    وكأنه …….يتقاسم الفرح معه

    ** الياسمينة الجميلة

    ** السيدة التي غنت للعيادي

    كلمة العيادي الرائعة

    ولكن ………………..قرأت …حزنا …ساكنا …في وجهه ؟؟؟

    لم أعرف سببه

    *****

    لقد قرأت أكثر النصوص …..من صفحة العيادي ….ولكني لم أعلق

    فقد وجدت نفسي

    كمن ………..يريد ان يعلق على ………………………صوت فيروز

    او أشعار نيرودا ………………او أفكار غاندي

    لكني كنت بالتأكيد ………………طوال الوقت

    ألتهم ………السطور ………………….باندهاش أمام عبقرية نادرة

    انسانية /قد السما/

    حنان / امهات الارض/

    تفكر / بوذا وغاندي /

    *****
    وأقول الصدفة وحدها قادتني …….لموقع دروب …ولم أدخل قبلها أبدا للأنترنت ….أبدا ….أبدا

    *** كان دخولي الأول …لموقع دروب …

    احترمت الموقع …………….وأسعدني ….ان يكون لي ولو ممر ضيق بها

    ولكني اليوم أقول :

    أيضا ….سيكون موقع دروب …آخر موقع اكتب فيه

    قبل انتهاء زيارتي للحياة ………………

    فيروز / مشوار جينا عالدني مشوار/

  82. رائدة سلمان علق:

    اصحح :

    من يرض بالقليل ……………………فإن الكثير يأتي إليه

    وأضيف لحفل التكريم :

    أغنية السيدة / هذه ليلتي /………للشاعر جورج جرداق

    ومنها :

    هلّ في ليلتي ……….خيال الندامى ………

    والنواسي ………………عانق الخياما

    ربي..من أين للزمان صباه

    إن غدونا ..وصبحه ومساه

    لن يرى الحب بعدنا …من حداه

    نحن ….ليل الهوى

    ونحن صباه …………..ملء قلبي شوق

    ملء قلبي شوق

    وملء كياني

    هذه ليلتي …………….ليلتي …………

    فقف ………..يا زماني

    سوف تلهو بنا الحياة

    سوف تلهو بنا الحياة وتسخر

    فتعال…………تعال

    احبك …الآن …الآن ؟…………….أكثر .