د. عبدالواحد المرابط

النهضة الحديثة في المغرب وجوانبها الفكرية والأدبيــة

إمدادات هذا الكاتب  06 سبتمبر 2008

عاش المغرب فيما بين عام 1830 و 1912 مخاضا عسيرا على الصعيد السياسي والاجتماعي والفكري، كاد يؤدي به إلى نهضة حضارية كبرى لولا أن عوامل الفشل والهزيمة كانت أقوى فأدت إلى التقهقر والنكوص على جميع الأصعدة وفي كل المستويات. ثم بعد ذلك قضى المغرب زهاء نصف قرن تحت نظام الحماية الفرنسية والإسبانية (1912-1956)(i)، متقلبا بين واقع التخلف والخضوع من جهة ومحاولات الاستيقاظ والنهضة من جهة أخرى.. وقد كانت النتيجة أن وجد المغرب نفسه داخل العصر الحديث، متمثلا بعض مظاهر الحداثة والنهضة، دون أن يكون قد خضع في ذلك لصيرورة نهضوية داخلية، فعلية ومتماسكة ومتنامية، ودون أن يعدم – في نفس الوقت – جهودا تنويرية أضاءت بعض جوانبه الفكرية والأدبية والسياسية والاجتماعية.
ليس من السهل إذن أن يحسم المرء في حقيقة وقوع نهضة مغربية حديثة ولا أن يشير إلى زمن وقوعها، وذلك بالنظر إلى ملابسات النهضة الأوربية ومقتضياتها التي شملت مختلف جوانب الحياة وتغذت من مختلف قطاعات الفكر والعلم والفن. فقد خرج الأوربيون من ظلامية العصور الوسطى وانعتقوا من هيمنة الكنيسة ومن سيادة نظام الإقطاع الفيودالي، فحققوا الاكتشافات الجغرافية الكبرى، وأقاموا ثورات سياسية وثقافية واجتماعية ضد كل مظاهر التخلف والتحجر، وطوروا علوما ومعارف عديدة ومتنوعة، وأنتجوا فكرا علميا وإبداعا إنسانيا متحررا، فكانت نهضتهم شاملة طورت أساليب السياسية والإنتاج الاقتصادي والإبداع الفكري والفني.
وقد تعاظمت نهضة الأوروبيين وتزايدت قوتهم إلى أن تزامنت مع أقصى درجات الضعف والانحطاط الذي يعيشه العالم العربي منذ سقوط الدولة العباسية في الشرق سنة 656 هـ (1258م)(ii)وسقوط الأندلس في الغرب الإسلامي(iii)، والذي يعيشه العالم الإسلامي منذ تقهقر الإمبراطورية العثمانية، فأخضعوا العالمَين معا لحركتهم الاستعمارية العالمية وجعلوهما هامشا من هوامش حضارتهم الغربية الحديثة والمزدهرة.
ولم يكن المغرب خارجا عن هذا السياق التاريخي والحضاري العام، وذلك رغم أنه كان مستقلا عن الإمبراطورية العثمانية، ورغم أنه قد حافظ على بعض مظاهر قوته إلى حدود القرنين السابع عشر والثامن عشر، إذ لقي المغرب نفس مصير البلدان العربية والإسلامية الأخرى، وخضع في نهاية المطاف لمنظومة الاستعمار الأوربي، ولو بذريعة الحماية السياسية.
نخلص إلى أن «النهضة» بالنسبة إلى المغرب – و أيضا بالنسبة إلى البلدان العربية الأخرى – هي ذات مضمون غير الذي كان لها في أوربا في القرن الخامس عشر الميلادي وما جاء بعده؛ إنها بالنسبة لنا تتلخص في الاحتكاك بالمدَنية الغربية الأوربية – من موقع الضعيف المستعمَر – ونقل بعض وسائل التحديث والتأثر ببعض النظريات والفلسفات والمذاهب الغربية، مع ما تولد عن ذلك وعن مجريات الواقع من وعي تاريخي متسائِل تمثل في حركات فكرية وأدبية وثورات سياسية محدودة وتحولات اجتماعية طفيفة هي ما نقصده عادة حين نستعمل مصطلح « النهضة المغربية».
وقد تجسد اصطدام المغرب بالغرب في مجموعة من الأحداث التاريخية الحاسمة والمتلاحقة، التي جعلته يتقهقر سريعا أمام الدول الأوربية المتطلعة إليه – وإلى المغرب العربي والدول العربية والإسلامية عموما – بأساطيلها وجيوشها ووسائلها المتطورة… بدأت تلك الأحداث الجسام باحتلال فرنسا 
للجزائر سنة 1830 م، لتصل إلى فرض نظام الحماية على المغرب من سنة 1912 إلى 1956. كل ذلك مرورا بهزيمة المغرب أمام الجيش الفرنسي في معركة إيسلي عام 1844 ( 1260 هـ)، واستيلاء إسبانيا على الجزر الجعفرية عام 1848، وعلى مدينة تطوان عام 1860 (1276 هـ) بعد معركة انهزم فيها الجيش المغربي، ثم انعقاد مؤتمر مدريد سنة 1880، وميثاق الجزيرة الخضراء سنة 1906، ومرورا أيضا باحتلال فرنسا لتونس سنة 1881 ولموريتانيا سنة 1907، واحتلال إيطاليا لليبيا سنة 1891(iv).
وقد تخللت هذه الأحداث وقائع جعلت المغرب يدرك جيدا ما يتهدده من مخاطر تمثلها الدول الأوربية في سياق الحملة الاستعمارية العالمية، كما جعلته يعي جيدا ما يتخبط فيه من أزمات سياسية واقتصادية وما يعيشه من تخلف وانحطاط يهددان تاريخه الحضاري، سواء في بعده العربي أو الإفريقي. ومن تلك الوقائع تفكيك الأسطول الحربي المغربي على يد السلطان سليمان سنة 1817 تحت ضغط الدول الأوربية، وهجوم الأسطول النمساوي على مدينة العرائش سنة 1829، وقصف مدينة سلا بمدفعية الأسطول الفرنسي سنة 1851. هذا فضلا عما عاشه المغرب أثناء هذه التواريخ كلها من تدهور اقتصادي وسياسي وعسكري(v).
وقد كان من الطبيعي أن تحدِث هذه الوقائع الكبرى والخطيرة رجة عنيفة في المغاربة، سواء منهم الجهات الرسمية أو الشعبية، وسواء منهم النخب المثقفة أو عموم الناس؛ لذلك ظهرت بعض ردود الأفعال التي جسدت محاولات النهضة المغربية، في سياق النهضة العربية عامة. وكما يذهب إلى ذلك محمد المنوني، فقد شهد المغرب في القرن التاسع عشر« حركة تجديدية» ساهمت فيها أطراف متعددة، رسمية وشعبية، غير أنها كانت حركة « محدودة»(vi).
فعلى المستوى الرسمي بدأت محاولات لتحديث الجهاز الحكومي ووضع تشريع جديد لموظفي الديوانات (أي الوزارات)، ومحاولات لإحياء الأسطول المغربي القوي وتجديد الجيش، وبناء المعامل الحربية بمراكش وفاس، وتجديد العملة(vii).
أما على المستوى الشعبي فقد عرف المغرب عدة تحركات وقلاقل عكست حالة عدم الرضى بما آلت إليه الأوضاع بعد أن كان المغرب يشكل قوة إقليمية ومتوسطية هامة… وقد وصلت تلك التحركات إلى أن اتخذت طابعا ثوريا، ومن ذلك اندلاع ثورة بوحمارة وثورة الشريف أحمد بن محمد الريسوني سنة 1912ضد سياسة السلطان عبد العزيز و– بعد ذلك– ضد الفرنسيين والإسبان. ومن ذلك أيضا ثورة الشريف محمد أمزيان، الذي استشهد سنة 1912؛ وثورة عبد الكريم الخطابي في شمال المغرب، حيث هزم الإسبان في معركة أنوال سنة 1921، فتحالفت ضده إسبانيا وفرنسا فيما بعد. كما تجدر الإشارة أيضا إلى ثورة موحى أوحمو الزياني في الأطلس المتوسط، حيث قاوم دخول الفرنسيين إلى الدار البيضاء منذ 1907م إلى ان استشهد عام 1921 م. وكذلك علال الحجامي وسيدي رحو بالأطلس المتوسط ايضا . كما نشير أيضا إلى ثورة أحمد الهيبة بن الشيخ ماء العينين في الجنوب، حيث انطلق من مدينة تارودانت في اتجاه مراكش، وظل يقاوم إلى أن توفى سنة 1919، فخلفه أخوه وظل يقاوم إلى أن انهزم سنة 1934م(viii).
لقد أدت هذه الثورات المسلحة دورها في تحريك الجماهير وإيقاظ الوعي الوطني السياسي، إذ في أعقابها برزت أشكال أخرى من النضال تمثلت في الأحزاب السياسية، حيث تأسس أول حزب سياسي مغربي في العقد الرابع من القرن العشرين، وهو “لجنة العمل الوطني” بزعامة كل من علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني، ثم ما لبث هذا الأخير أن انفصل ليؤسس حزب “الحركة القومية”، في حين غير الفاسي اسم الحزب ليصبح “حزب الاستقلال”. كما أسس عبد الخالق الطريس “حزب الإصلاح الوطني”؛ وبهذا بدأ النضال والمقاومة يتخذان طابعا سياسيا سرعان ما أفضى إلى تقديم وثيقة الاستقلال(ix).
ومن الناحية الفكرية عبر مثقفون مغاربة، منذ بدايات القرن التاسع عشر، عن حركة نهضوية واضحة تشكل – في ما نذهب إليه – علامات أولى للفكر المغربي الحديث وبواكير النهضة التي كانت وشيكة. فقد ظهرت مجموعة من المفكرين والأدباء المغاربة تفاعلوا مع أحداث القرن التاسع عشر، فعبروا عن أفكار نهضوية هامة(x). ومن بين هؤلاء محمد الكردودي (ت. 1851)، الذي كتب كتابا بعنوان “كشف الغمة ببيان أن حرب النظام حق على الأمة”، دعا فيه إلى تنظيم الجيش وإقامة نظام برلماني مثلما في أوربا وتركيا. ومن بينهم أيضا ابن عروز(المتوفى في العقد السابع من القرن التاسع 
عشر)، الذي كتب كتابا بعنوان: “رسالة العبد الضعيف إلى السلطان الشريف”، طالب فيه بضرورة تنظيم الجيش تنظيما عصريا والاستعداد لصد الأطماع الأجنبية، خصوصا بعد احتلال الجزائر. ومن بين هؤلاء المفكرين أيضا التسولي (ت. 1842)، الذي كتب كتابيه: «البسيط» و«الوجيز» حول ما وقع في الجزائر؛ والشاعر محمد بن إدريس العمراوي الفاسي (ت. 1847)، الذي كتب قصائد عديدة يدعو فيها للجهاد من أجل إنقاذ الجزائر؛ والشاعر محمد غريط (ت. 1863) الذي كتب أشعارا كثيرة حول واقعتي الجزائر وتطوان؛ والشاعر الأديب محمد بن الشيخ سيدي الشنقيطي، الذي نظم العديد من الأشعار، يدعو فيها إلى الاستيقاظ والمقاومة. ومن هؤلاء المفكرين و المثقفين أيضا أبو إسحاق التادلي الرباطي (ت. 1894)، وأبو العباس الناصري (ت. 1897)، وهو المؤرخ الشهير صاحب كتاب “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى”(xi).
أما في القرن العشرين فقد تعلق المغاربة – خاصتهم وعامتهم- حول الحركة السلفية التي دعا إليها- أول الأمر- عبد الله السنوسي، ثم تزعمها بعد ذلك الشيخ شعيب الدكالي (ت.1937)، ثم بعده الشيخ محمد العربي العلوي (ت.1964). وهي حركة تدعو إلى الدين الإسلامي والسنة النبوية بعيدا عن الخرافات والشعوذة والطرقية، فشكلت بذلك أرضية خصبة للحركة الوطنية وللمقاومة عموما(xii).
وفي إطار استعراض المحددات التاريخية و المظاهر والعلامات الثقافية التي وسمت المغرب وهو على مشارف لعصر الحديث، يجدر بنا أن نقف عند إحدى الوقائع الأكثر دلالة في هذا الصدد والأكثر ارتباطا بآليات التحديث، ويتعلق الأمر بدخول الطباعة (العربية) إلى المغرب.
فقد ظهرت الطباعة – كما هو معلوم – على يد المخترع الألماني يوحنا غوتنبرغ سنة 1450 م (854 هـ)، ثم انتشرت بعد ذلك وتطورت في مجموع أوربا. وبعد ذلك بأقل من قرن تم إحداث مطابع بحروف عربية في إيطاليا، حيث طبعت كتب دينية مسيحية وعلمية باللغة العربية، وطبع فيها بعد ذلك كتابا «القانون» و«النجاة» لابن سينا في مجلد ضخم(xiii).
وتشير المصادر إلى أن هناك يهوديا اسمه صمويل إسحاق (Samuel Isaac) كان في أوائل القرن السادس عشر قد جلب مطبعة ذات حروف عبرية من لشبونة بإسبانيا، فأنشأ مع ولده دارا للطباعة بفاس، حيث أصدرا خمسة عشر كتابا في ما بين سنة 1516 و 1524م(xiv).
بيد أن أول مطبعة ذات حروف عربية وصلت إلى المغرب هي تلك التي جلبها قاضي مدينة تارودانت، السيد محمد الطيب بن محمد السوسي التملي الروداني، عام 1281هـ أو( 1864 أو 1865هـ)، بعد أن اقتناها من مصر أثناء رحلته للحج، واستقدم معه طبيعاً مصريا محترفا تعاقد معه ليقوم بأمر تشغيلها في المغرب (xv).
وللمقارنة فالمطبعة العربية كانت قد دخلت إلى لبنان سنة 1583م (991 – 992هـ)، ثم إلى حلب في سورية سنة 1706م (1117 هـ). وفي مصر دخلت مطابع الحملة الفرنسية (العربية و الفرنسية) كما هو معلوم سنة 1798م (1213هـ)؛ أما في الجزائر فقد بدأت الطباعة بالحروف العربية في العقد الخامس من القرن التاسع عشر؛ وأما في تونس فقد ظهرت أول مطبعة عربية سنة 1860م (1277هـ).
أما عن مطبعة القاضي الروداني فسرعان ما أهداها صاحبها الى السلطان محمد الرابع الذي نقلها إلى فاس ، ونقل معها الطبيع المصري فخصص له أجرة شهرية من خزينة الدولة. وهكذا استقرت المطبعة العربية بفاس، حيث كانت تحمل اسم “المطبعة السعيدة” أو “المطبعة المحمدية”، نسبة الى السلطان محمد الرابع؛ ثم بعد ذلك أصبحت تسمى “المطبعة المولوية”(xvi).
وقد ساق عبد الله كنون خبر هذه المطبعة قائلا: «في أيام السلطان محمد بن عبد الرحمن أسست المطبعة الحجرية بفاس، وجعلت تُخرج كتب العلم القيمة بخطوط ممتازة وتصحيح كامل، وهي لا تزال لحد الآن قيد البشر، وبهجة النظر تتنافس فيها الناس، ويكفي أن يقول الشخص أن هذا الكتاب، مطبوع بالمطبعة المحمدية ليصبح علق مضنة وذخيرة من ذخائر الخزائن العلمية المعدودة»(xvii).
وقد كان من الطبيعي أن يتدرب أشخاص مغاربة على يد الطبيع المصري قبل أن يرحل سنة 1888م، ومن هؤلاء الأشخاص الطيب بن محمد الأزرق وأخوه العربي الأزرق والمكي العمراوي وغيرهم. فسرعان ما أصبح هؤلاء محترفين للطباعة، فامتلك كل منهم مطبعته الخاصة؛ وعنهم تدرب 
جيل آخر من المطبعيين، فتكاثرت المطابع الحجرية بمدينة فاس خصوصا، ومنها “المطبعة الجديدة” لصاحبها ابن عبد المولى اليملاحي، ومطبعة العربي الأزرق، ومطبعة الطيب الأزرق، و”المطبعة الحفيظية”، ومطبعة أحمد بن عبد الكريم القادري، ومطبعة “الشركة المحدثة لطبع الكتب بفاس”، وهي كلها مطابع حجرية أسست في ما بين سنة 1864 و 1916(xviii).
هذا عن المطابع الحجرية، أما المطابع السلكية فقد أدخلها الإسبان إلى المغرب سنة 1860م (1276هـ)، حيث كانوا ينشرون صحافتهم باللغة الأسبانية في مدينة تطوان، ثم بعد ذلك بقليل أدخلت مطبعة فرنسية إلى طنجة سنة 1870م (1287هـ) لطباعة جريدة الاتحاد الإسرائيلي؛ ثم أدخلت مطبعة أخرى إلى طنجة لطباعة جريدة “الأيام المغربية”، الصادرة باللغة الإنجليزية سنة 1984م (1302هـ)، وهي المطبعة التي ستجهز بعد ذلك بالحروف العربية لتطبع فيها أول جريدة مغربية (جريدة “المغرب”) ابتداء من سنة 1889م (1306هـ)، وهي نفسها المطبعة الطنجوية التي ستطبع فيها – أوائل القرن العشرين – جريدة “السعادة” وجريدة “الصباح” ثم مجلة “الصباح”(xix).
وقد تدفق عن هذه المطابع العربية الأولى في المغرب منشورات دينية وعلمية وأدبية وفيرة عكست حركية الحياة الثقافية المغربية في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. يدل على ذلك ما نشر في تلك الفترة من مؤلفات مصنفة ومن جرائد ومجلات.

وفي المجال الأدبي تحديدا، فقد عرف المغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين حركية إبداعية هامة تفاعلت مع مجريات الأحداث من جهة، ومهدت من جهة أخرى لمرحلة أدبية أكثر نضجا عرفها المغرب في النص الثاني من القرن العشرين.
لقد عرف المغرب في مجال الشعر تيارين بارزين: تيار المحافظين وتيار المجددين. فأما التيار الأول فقد مثله كل من محمد غريط وأحمد بن المامون البلغيثي ومحمد السليماني والمكي البيطاوري ومحمد بوجندار وأحمد السكيرج ومحمد الجزولي وأحمد الزبدي وأبو بكر بناني وعبد الله القباج ومحمد البيضاوي الشنقيطي والطاهر الإفراني(xx)؛ و أما التيار الثاني فقد كان بدوره يشمل اتجاهين: اتجاه إحيائي يسير على خطى حركة البعث في مصر، ويمثله كل من محمد اليمني الناصري ومحمد القري ومحمد المختار السوسي وعلال الفاسي وعبد الرحمان حجي وغيرهم ؛ واتجاه رومانسي متأثر بمدرسة الديوان في مصر و بمدرسة أبولو ومدرسة المهجر، ويمثله جيل من شباب تلك الفترة، منهم محمد الحلوي وعبد القادر حسن وعبد الكريم بن ثابت وعبد المجيد بن جلون وممد بن ابراهيم وإدريس الجاي وعبد المالك البلغيثي وعبد الكبير العلوي وماء العينين لاراباس وغيرهم(xxi).
هذه إذن هي الاتجاهات والتيارات التي عرفها الشعر المغربي خلال النصف الأول من القرن العشرين، قبل أن تظهر – في النصف الآخر- التجارب الشعرية الطليعية المرتبطة بالشعر الحر وبالقصيدة المعاصرة، كما تجسدت في أعمال محمد الخمار الكنوني وأحمد المعداوي ومحمد السرغيني وعبد الله راجع وحسن الطريبق وأحمد بلبداوي وحسن الأمراني وعبد الكريم الطبال وغيرهم(xxii).

أما في مجال الإبداع القصصي والروائي، فقد تطورت التجربة المغربية في الثلاثينيات من القرن العشرين مع الحسن الصبيحي، وفي الأربعينيات مع الحسين الشرقاوي وعبد الرحمان الفاسي وعبد العزيز بن عبد الله وعبد المجيد بنجلون والتهامي الوزاني، ثم في الخمسينيات مع أحمد عبد السلام البقالي وعبد الهادي بوطالب، لتتأسس بعد ذلك مع عبد الجبار السحيمي وعبد الكريم غلاب ومحمد بوعلو وربيع مبارك وزينب فهمي ومحمد زفزاف وخناثة بنونة وغيرهم.

كما تطور المسرح أيضا بفضل مجموعة من الفرق والأجواق التي ظهرت في المدن المغربية، فتفاعلت مع الأحداث من جهة ومع التجارب المسرحية العربية في الشرق من جهة أخرى، وشكلت بذلك أرضية للمسرح المغربي الحديث(xxiii).


أما في مجال النقد الأدبي فقد بدأت تظهر دراسات ومقاربات جديدة تخالف ما هيمن في هذا المجال من مقاربات بلاغية موروثة عن الدراسات العربية القديمة، المشرقية منها والأندلسية.
ففي خضم المقاربات البلاغية، والمتابعات النقدية الطافحة بالانطباع والمحتكمة للذوق الشخصي، بدأت تظهر- بين الحين والآخر- دراسات موضوعية تروم وضع النتاجات الأدبية المغربية في سياقها التاريخي وضمن محيطها السياسي وبيئتها الاجتماعية. وقد استطاعت هذه الدراسات – بفضل ما يكتنفها من وعي تاريخي- أن تتخلص نسبيا من الأحكام الأخلاقية والجمالية المطلقة، وأن تنأى عن القضايا النقدية التقليدية من قبيل قضية الطبع والصنعة وقضية السرقات وقضية الفحولة الشعرية وما شابه ذلك.
وقد تجسد هذا النقد الأدبي الجديد أول الأمر في تلك «التقريضات» و«التحليات» التي كانت تستقبَل بها الكتب والقصائد عند نشرها(xxiv)، ثم بدأ ينتشر في الصحافة بفضل شيوع المجلات و الجرائد ذات المنحى الأدبية والفكري: مجلة “المغرب” ومجلة “السلام” ومجلة “المغرب الجديد” ومجلة “الأنوار” ومجلة” الأندلس”، وجرائد ” المغرب” و” الأطلس” و”الحياة” و”السلام” وغير ذلك(xxv).
كما تجسد هذا النقد الجديد أيضا في مؤلفات تم نشرها على شكل كتب، وهي بالرغم من قلة عددها تعطينا فكرة وافية وواضحة عن النهضة المغربية الحديثة في مجال الدراسة الأدبية، وتجسد بالتالي نشأة النقد المغربي الحديث.




التعليقات 4 على “النهضة الحديثة في المغرب وجوانبها الفكرية والأدبيــة”

  1. أسعد البازي علق:

    موضوع يستحق القراءة والمتابعة….

  2. فريد أمعضشــــو علق:

    الأخ د. عبد الواحد
    تحية عطرة ملؤها التقدير و الوُدّ
    دراستك هذه قيمة و أكاديمية رصينة مفيدة بلا ريب لمن يقرأها. تمنياتي لك بمزيد من التفرد و التألق.
    أخوك فريد من الناظور

  3. فواز أبوخالد علق:

    شكرا لك ………… ولكن

    هذا المقال أقرب في صياغته إلى بحث مطول .. ممل في طوله وعدم كتابته على شكل عناصر واضحه .. يسهل قراءتها وفهمها ..

    مع حبي لإخواننا أهل المغرب .. لكن من ينتشر بينهم الخرافات والشعوذه
    وتصديق السادة والدجالين .. أعتقد أنهم لايزالون بعيدين كل البعد عن الحضارة والثقافة ..

    أخيرا المثقف الذي يعرف جميع الفنون غربيها وشرقيها .. ويجهل أهم مبادئ دينه .. وليس له أي إسهامات فعاله في نشري الوعي في مجتمعه .. أعتقد أنه من الظلم إطلاق مصطلح مثقف علية ……!!

    وشكراااااااااااااا

  4. جمال الفقير علق:

    تعقيب..
    مع احترامي لفواز ابو خالد اعتقد ان تعقيبك هو نابع من جهل بالثقافة المغربية والابداع المغربي. اما فيما يتعلق بمقالد. المرابط فهو محاولة تقريبية تستحق كل التنويه على اعتبار انه قد اشار الى مجموعة من النقط المهمة التي تحتاج الى بعض التفصيل بحكم ان هدا البحث هو موجه الى القارء المغربي ومنه الى العربي الدي لازال ينطر الى المبدع المغربي نظرة المستهلك .