فريد أمعضشو

يـا لـيْلُ الصَّــبُّ و مُـعارَضـاتُها المَـغاربـية

إمدادات هذا الكاتب  12 يناير 2009

بقلم: فريد أمعضــــشو – المـــغـرب.

إن المعارضة الشعرية فنّ قديم في الأدب العربي، يعكس ،في بعض جوانبه، مستوى التفاعُل الشعري عن طريق التأثير و التأثر بين الشعراء. و يعد أحمد شوقي (1868-1932م) واحداً من شعراء العربية الذين برزوا في هذا الميدان، و حسْبُكَ أن تتصفح شوقياته لتقفَ ،بالملموس، على عدد غير قليل من القصائد التي عارض بها بعضَ الشعراء العباسيين و الأندلسيين الفطاحل. و “المعارضة” معناها أن ينظِم الشاعر قصيدة يقلد فيها قصيدة أخرى لشاعر آخرَ على مستوى الوزن و القافية والروي، على أن ينقضَها موضوعاً و فكراً. و من ذلك ،مثلاً، قصيدة حسان بن ثابت الأنصاري (ت54هـ) المفتتحة بقوله: (إن الذوائبَ من فِهْرٍ و إخْوَتهم…) التي قالها معارضاً عينية الزبرقان بن بدر ،شاعر بني تميم، التي أولها: (نحنُ الكِرامُ، فلا حيٌّ يُعَدّلنا…)، و قصيدة البارودي (1838-1904م) المُسْتَهَلَّة بالمطلع الآتي: (كم غادر الشعراء من متردّم…) التي عارض بها معلقة عنترة بن شداد العبْسي التي أوّلُها: (هل غادر الشعارء من متردّم…).

و من النصوص الشعرية التي كانت موضوعَ معارضات كثيرة قصيدةُ علي الحُصُري القيرواني الشهيرة التي تبتدئ بقوله (يا ليلُ الصَّبُّ متى غَذُهُ…؟). و هي “قصيدٌ أشهر من نار على عَلَـم”(1)، سرت بها الركبان، فتلقفها الشعراء العرب شرقا و غرباً يُحاكون نسَقها الإيقاعي، و مضمونها، و نَفَـسَها. و مما ساعد على سَيْرورَة هذه القصيدة و ذيوعها رقة نَسيبها، و إشراقة معانيها، و عذوبة ألفاظها، وروعة موسيقاها (من الخَبَب). و لعل هذا ما جعل المُطْربين و المُنْشِدين يحتضنون هذه القصيدة، و يحتفلون بها، و يصوغون لها ألحاناً جميلة؛ من أشهرها ذلك اللحنُ الذي صاغه لها ملحِّنٌ مصري قديم في نغمة “الحجاز”.

تقوم القصيدة (99 بيتاً) على بنيتين أو وحْدتين دلاليتين كبيرتين؛ أولاهما البنية الغزليةُ التي تستوي على الأبيات الثلاثة و العشرين الأولى، أما الأبيات المتبقية (76 بيتاً) فهي مخصوصة لمدْح الأمير أبي عبد الرحمن محمد بن طاهر؛ صاحب “مرْسية”، و تكتنفها أبياتٌ من الفخر و الاعتداد بالذات. و يظهر أن مناسبة هذه القصيدة أو الباعث على نظمها هو أن وشاية بلغت إلى الأمير المذكور/ الممدوح تتهم الحصري بشتْمه إياه في مجالسه و مُنتدَياته، و قد كان الشاعر إذّاك منتصِباً للإقراء و التدريس في أحد مساجد “مرسية”. و لذلك نظم الرجل هذه القصيدة من أجل تفنيد تلك التهم و دَحْضها و إثبات براءته.

و بالنـظر إلى شهرة القصيدة هذه، و سيــرورتها مشرقا و مغرباً، و كثرة معارضاتها، فقد عمـد بعض الباحثين إلى الاعتناء بها، و جمْع معارضاتها تلك، و نشرها في كتيبات أو في كتب خاصة. و منها كتاب “يا ليلُ الصبُّ و معارضاتها” للباحثين محمد المرزوقي و الجيلاني ابن الحاج يحيى، الذي نروم ها هنا تقديم قراءة سريعة له مركِّزين على ضربٍ من نصوصه بصفة خاصةٍ.

يقع هذا الكتاب في 191 صفحة من القِطْع المتوسط، و يضم مقدمة عامة تناول فيها الباحثان موضوع القصيدة و أهميتها و انتشارها و مناسبتها و نحو ذلك من الأمور. و بعد المقدمة، أثبت صاحبا الكتاب نصَّ القصيدة كاملا، و مضبوطا بالشكل التام، و مُرْفَقاً ببعض الإحالات الهامشية الشارحة لبعض المفردات اللغوية و المفسِّرة لبعض الأسامي و الأعلام. ثم عرضا ،عقبَ ذلك، ما جمعاه من معارضاتٍ لهذه القصيدة (93 معارضة) سواء القديمة منها (كمعارضة ابن الأبّار البلنسي) أو الحديثة و المعاصرة (كمعارضتيْ أبي القاسم الشابي و الصادق العلويني التونسي). و بعضُ هذه المعارضات من نظْم شعراء مُقلّين كالبشير العريبي، و الآخر من إنشاء شعراء مُكثِرين كأحمد شوقي. و بعض هذه القصائد – المعارضات من نظم شعراء مغمورين كخضر الطتائي العراقي، و الآخر من إنشاء شعراء مشهورين كأمير الشعراء شوقي. و الملاحَظ أن أكثر هذه المعارضات لشعراء/معارِضين، و أن حظّ الشواعر/المعارِضات منها قليل؛ كمعارضة أمينة عباس (مصر)، و زينب عبد السلام (مصر)، و عاتكة الخزرجي (العراق)؛ محقِّقة ديوان العباس بن الأحنف العباسي، و هو شاعر غَزِل معروفٌ. كما أن هذه المعارضات تتفاوت فيما بينها طولا و قِصَراً؛ فمنها ما هو طويل (كمعارضة أحمد خيري الواقعة في 77 بيتاً)، و منها ما هو متوسط الطول (كمعارضة أحمد شوقي الواقعة في 28 بيتاً)، و منها ما هو قصير (كمعارضة محمد الناظر التي هي – في الحقيقة- مقطوعة لا قصيدة؛ لوقوعها في ثلاثة أبيات فقط). و إن جميع معارضات الكتاب منصوصٌ على أصحابها، باستثناء الثلاث الأخيرة في الكتاب التي لم يَنُصَّ الباحثان – بصراحة و بدقة- على ناظِميها؛ بحيث صَدَّرا إحداها بتعبير “معارضةٌ لبعضهم”، و الثانية بقولهما “معارضةٌ لشاعرٍ مجهول في المدح”، و فعلاَ الشيء نفسَه مع المعارضة الثالثة التي ختما بها كتابهما. و في المؤلَّف -كذلك- ثلاثة شعراء معارضين لكل واحدٍ منهم معارضتان؛ هم التونسي الطاهر القصار، و العراقيان محمد مهدي البصير و الشيخ مهدي الأعرجي.

و ينتمي كُتاب هذه المعارضات إلى عشَرة أقطار إسلامية، أكثرها مشرقية. بحيث كان نصيب العراقيين منها إحدى و أربعين معارضة، و التونسيين عشر معارضات، و اللبنانيين ثماناً، و السوريين خمساً فقط، و حوى الكتاب معارضتين لشاعرين من بلاد فارس (إيران) و أخرَيَيْن لشاعرين تركيَيْن، و تضمن الكتاب نفسُه معارضة وحيدة لشعراء الأردنّ و اليمن و السودان. إن أكثر هذه النصوص المُعارِضة – كما هو بادٍ للعيان – من نظْم شعراء عراقيين قدامى و مُحْدَثين، و إن حظ المغاربيين منها قليل على الرغم من أن صاحب القصيدة المعارَضة مغاربي (من القيروان)، و إن صاحبي المؤلَّف المَعني بالقراءة اقتصرا على التونسيين دون سوائهم فيما يخص المُعارِضين المغاربيين! و ما يُهِمُّنا في هذا المقال المتواضع أنْ نقف ،تحديداً، عند معارضات المغاربيين لقصيدة “يا ليل الصب”.

في الكتاب عشرُ معارضاتٍ لتسعة شعراء مغاربيين كلهم من القطر التونسي، و ربما يعزى ذلك إلى كون الباحثين تونسييْن (أو أحدهما على الأقلّ)؛ و بذلك يمكننا القول إن العامل الذي تحَكَّم في اختيار هذه المعارضات – بشكل كبير- ذاتي لا موضوعي، لاسيما إذا علمنا أن ثمة شعراء مغاربة مثلا قد عارضوا قصيدة الحصري، و أستحضر هنا محمد علي الرباوي الذي عارض القصيدة المتقدمة بقصيدة أخراةٍ، مما جاء فيها:(2) (من الخبب)

يا ليْلَ البَـلَدِ المَنْـخورِ متى غَـذُهُ؟

أقيَـامُ السـاعةِ مَوْعِـدُهُ؟

كُـلُّ البُلْـدان قدِ انتفَــضَتْ

إلاّ بلـدي كَـثُرَتْ عُـوَّدُهُ

و لتوضيح الأمر أكثر، أقف عند كل معارضة مغاربية/تونسية على حِدَةٍ، و ذلك على النحو الآتي:

* معارضة أبي القاسم الشابي: عنوانُها “صفحة من كتاب الدموع”، و هي تقع في 30 بيتاً، غير مُصَرَّعَة المطلع، و فيها مسْحة رومانسية واضحة، أوّلُها:(3)

غـنّاه الأمْـسُ و أطْــــــرَبَه و شَـــجاه اليــومَ فما غَــــدُهُ

* معارضة البشير العريبي: عُدَّتها تسعةُ أبيات، مصرَّعة المطلع، مدارُها حول يوم العلم. و أولُـها:(4)

يـــومٌ سنَـــظلّ نُـــــردّده أبــــداً، و الدهــرُ يجــــدِّدُهُ

و آخر أبياتها هو:(5) (يَـومُ العـلمِ) فـهل عَجَبٌ و بنُــور العِــلــم توقّـــــدُهُ

* معارضة جعفر ماجد: عنوانُها “حبّ و نَغَم”، و عدتها أحدَ عشرَ بيتاً، مصرعة المطلع، أولها:(6)

ما بــالُ الحُـبّ يُشَـــرّدهُ فالقــلبُ تهَـــــدَّمَ مَعْبَـــــدُهُ

* معارضة الصادق العلويني: و هي قصيدة مصرعة المطلع، تقع في 15 بيتاً، أولها:(7)

يَسْبِــيكَ الحُـــسْنُ توَقدُهُ و يُثــيرُ خَـــيالَكَ مَشْهَـــدُهُ

* معارضتا الطاهر القصار: كلتاهما مصرَّعةٌ؛ تستوي أولاهما على 18 بيتاً، أولها:(8)

رَيْــبُ الأيّام سَـطتْ يدُهُ و فَشا في الكــون تمَــرُّدُهُ

و ثانيتُهما بعنوان “مولد الهداية”، عدتها الإجمالية 25 بيتاً موزَّعة بين ثلاثة مقاطع متباينة الطول، مطلعها:(9)

مُخْـــتارُ الله، محــــمَّدُهُ و اليــومُ الأسْعَـــدُ مـوْلِدُهُ

* معارضة علي النيفر: عبارة عن قصيدة مصرَّعة المطلع، تتألف من 21 بيتاً، أولها:(10)

اَلجَــفنُ هَــــواكَ يُسَهِّدُهُ مَـنْ يُسْــــعِدُهُ أو يُنْــــجدُهُ

و آخرُ أبياتها يشبه ،تمام المشابهة، مطلع قصيدة الحُصُري المعارَضة (تناصّ مطلق).

* معارضة محمود بَيْرَم التونسي: عنوانها “مولد محمد”، و عدتها 22 بيتاً، و هي ذات مطلع مصرَّع. و أول هذه القصيدة هو:(11)

اليــومُ الأسْعـــــدُ مولدُهُ مِصْــباحُ الدّهْـــر و سَيّدُهُ

* معارضة محيي الدين خريّف: قصيدة مصرعة، قِوامُها 25 بيتاً, أولها:(12)

لــيْلٌ بالسُّــــهْدِ أكابــــدُهُ قــد ذابَ بأنْـــجُمهِ غـــــدُهُ

* معارضة مصطفى خريّف (ت1966م): و هي قصيدة طويلة (57 بيتاً)، مصرعة المطلع، أولها:(13)

العَــهْدُ، هَــــلمَّ نُجَــــدِّدُهُ فالــدَّهْرُ قدِ انْبَــسطتْ يــدُهُ

ثمة ملاحظة تثير الانتباه بصدد هذه المعارضات؛ و هي أنها كلها منظومة من قِبل شعراء تخرّجوا من جامعة الزيتونة، و اشتغل معظمُهم بسلك التدريس. و مِمّا يُشكَر لجامعيْ هذه النصوص/المعارضات أنهما كانا يُصدِّران كلَّ معارضة شعرية بنبذة مقتضَبَة عن حياة صاحبها، و هي نُبَذٌ تركز – في الغالب- على ذكر عام الميلاد، و مسقط رأس الشاعر، و تعليمه، و بعض آثاره، و سنة وفاته…إلخ.

الهوامش:

(1)- محمد المرزوقي و الجيلاني ابن الحاج يحيى: يا ليل الصب و معارضاتها، الدار العربية للكتاب (ليبيا – تونس)، ط 1976، ص7.

(2)- د. محمد علي الرباوي: أول الغيث، من منشورات مجلة “المشكاة”، وجدة، ط.1، 1995، ص33.

(3)- محمد المرزوقي و الجيلاني ابن الحاج يحيى: يا ليل الصب و معارضاتها، ص18.

(4)- نفســــه، ص46.

(5)- نفســــه.

(6)- نفســــه، ص49.

(7)- نفســــه، ص93.

(8)- نفســــه، ص94.

(9)- نفســــه، ص96.

(10)- نفســــه، ص120.

(11)- نفســــه، ص160.

(12)- نفســــه، ص166.

(13)- نفســــه، ص173.




تعليق واحد على “يـا لـيْلُ الصَّــبُّ و مُـعارَضـاتُها المَـغاربـية”

  1. د. عبدالواحد المرابط علق:

    تحية طيبة للأستاذ الصديق فريد أمعضشو
    أشكرك على هذا التقديم الذي يُعَرِّف بكتاب هام حول ظاهرة المعارضة الشعرية، خصوصا وأن هذا الكتاب يركز على المعارضات المتعلقة بقصيدة واحدة، هي قصيدة الحصري (يا ليل الصب متى غده)، مما جعل معالجته دقيقة ومركزة.
    وبهذه المناسبة أشير إلى دراسة هامة نشرها مؤخرا الباحث المغربي أحمد زنيبر، بعنوان “المعارضة الشعرية؛ عتبات التناص في القصيدة المغربية”، وهي في الأصل أطروحة دكتوراه أعدها زنيبر بكلية الرباط سنة 2002، تحت إشراف الدكتورة نجاة المريني. وقد تناولت هذه الدراسة ظاهرة المعارضة الشعرية في الشعر السعدي، من حيث جوانبها الثقافية (الحضور المشرقي، حضور النفس الأندلسي…) ومظاهرها النصية ( المولديات، الموشحات…).
    كما يمكن أن أشير إلى دراسات مغربية أخرى تناولت هذا الموضوع، أو لامست بعض جوانبه، منها دراسة محمد بنشريفة حول تأثير أبي تمام وأبي الطيب في أدب المغاربة، ودراسة عبد الله بنصر العلوي حول الشعر السعدي، ودراسات أخرى لأمينة الدهري وعبد الجواد السقاط وغيرهما…
    وتقبل تحياتي
    عبد الواحد المرابط