محمد الأصفر

رباية الذائح

إمدادات هذا الكاتب  18 نوفمبر 2005

كان جسدي منهكا
وعقلي لا تسألوا ..
ارتميت بملابسي
وحذائي الضيّق ..
ما أجمل الارتماء إذ تكون حائرا ويلقاك صديق ..
رحلتُ عبر النوم
والمصباح مُضاء ..
والمروحة تدور كرحَى ..
لا ينتهي شعيرها ..
دموعي دقيق ..
ودقات قـلبي حُبـيـْبَات ناجية ..
أشعر بالخوف .. بالخوف ..
من عجوز تغربل ..
وتعيد كل حبّة ناجية إلي قلب الرحى ..
عندما ضاقت بنا الحال في ظهرة طرابلس رحل بنا أبي شرقا إلى بنغازي .. المُلقـبة بربّاية الذائح .. سعيا وراء الرزق وهربا من الجفاف والفاقة والبطالة المتـفشية في النواحي الغربية من الوطن الليبي .. ربما كان عمري آنذاك ثلاث سنوات أو أربع .. لم أعدْ أذكر بالضبط .. عشت طفولة لا بأس بها في براريك الظهرة .. مليئة بالمتعة والألم .. درستُ في خلوة الجامع .. أحفظ القرآن الكريم على اللوح ..
أكتب بعود القصب وأمحو بلطيخ الطفلة وأمنح الفقيه الكسيح
كل خميس بيضتين وحفـنة لوز.. استـقـبلت أولى جلدات الفلقة على قدمي الغضتين مرسلا أولى صرخاتي المضمّخة بدموع الكُره والمقـت إلى فضاء أخرس.. كنتُ أول العنقود .. مدلل مـُجاب الطلبات .. لا ينهرني أو يضربني أحد .. في الشارع أتضارب مع الصغار .. أتعافـرْ معهم دون بُكاء .. الباكي في عـرف الصغار ليس رجلا .. كنّا أصدقاء دائما .. حتى وإنْ تشاجر أهلونا وسال الدم ووصل الأمر إلى مركز البوليس نظل مبقين على وشائجنا الحميمة .. نقـتسم برتقالتـنا وتمرتـنا وخبرتنا وكعكتـنا والذي لا يقـتسم زاده مع الآخرين الكلُّ ينبذه ويفـنـّص فيه ويُقاطع .. بتعبيرنا الطفولوي ( يقصّوله ) .. ويصفـونه بالمكـّار .. ومَنْ (يقصّوله) يقـوم كل طفل بالذهاب إليه ومقاطعة خنصره في خنصره ثم جذبه لينفصل الالتحام مع فرقعة لسان من القاص ونظرة أسى من المقصوص له .. منذ تلك اللحظة لا يجوز التكلـّم مع المقصوص له .. القصْ وتشبيك الخنصرين مثل القسم والأيْمان الغليظة عند الكبار .. لكنه قـَسم خاص بالصغار غير قابل للحنث .. يظل هذا الجفاء يومين أو ثلاثة أو ساعات .. لأنّ المنبوذ يشعرُ بالضيق والألم ويبقى أمام بيتهم حزينا مكفهرا عصبيا وإذا شعرَ بالبكاء دخل براكتهم وانفجر باكيا حتى تـُعطيه أمّه أي شيء ذا قيمة يقـتسمه مع رفاقه الصغار ليبطل القصْ وتـُرفع العقـوبة ويعود طبيعيا يلعب معهم .. يقاسمهم زادهم ومسرّاتهم .. وتتوقف كلمات التحذير من الآخرين لكل من يهمّ بالسلام عليه : اسمع راهو قاصّيلا .. لأنّه لو سلـّم عليه سيقصّون له هو أيضا .. قوانين وتشريعات نبيلة .. عشنا في ظلها بسلام وعدل ومحبة وها لا شعوريا يستدعيني القِـدم والآن يبكي والغد يرمي له منشفة مشكوك في نظافتها لتـتوتر في داخلي الأزمان ممتـزجة في فيافي عمري وغياهب خيالي وطيّات جوّانيّاتي .. تقصّرني .. تطوّلني .. تكوّرني .. تغـزّيني .. تسيـّلني .. تصلـّبني ..تُـنصبني .. تحلـّمني .. تعلـّيني .. تمددني .. طفولتي تـترثر عن نضجي .. نضجي عن كهولتي .. شيخوختي عن ميلادي .. ميلادي عن برزخي عن مطهري الماضي أو القادم .. أنا أرى ذاتي .. أتذوّقها في نومي وفي موتي .. أعلم غيبي بدون تفاصيل وأجهل حاضري بتفاصيله المرئية والغيبية .. الماضي هزيل وقوي .. مازال يشنقـني ولا يمنحني فسحة ارتخاء .. هو لا يثـق في الحاضر .. والحاضر لا يثـق في المستقبل والأزمان أبوها الماضي وأمها المستقبل .. و الحاضر رعيتها التائهة في المضمار .
قدرنا أنْ نعيش في مضمار .. مضمار يضيق بأرجلنا .. أجري فيه عارياً من عريّي .. كصوفي أعتقد أنـّه رأى وما هو برائي .. أتذكر الظهرة بطرابلس حيث ولدت وخُـتـنـت .. ضبابة ملح تضيء دفء ذاكرتي .. بداية ألمي وبداية تطويعي للعنف القادم المستمر .. جاء الطهّار إلى برّاكتـنا .. الطهّار أحد فـقهاء فشلوم أو زاوية الدهماني .. عجوز شنب بعباءة بـيضاء وبلغة حمراء أصفر قاعها .. يتدلّى خرج جلدي من كتفه .. أحسستُ بالألم فور دخوله .. هربتُ .. تسلقتُ إلى سطح البراكة .. رأيتُ مئذنة الجامع وقـُـبب أسيادي بوكر والشعّاب وآخرين مبعـثرين في مُـحـيط رؤيتي .. لا أدري مـن أنـزلني .. كـُنت صغيرا خائفا .. عجزتُ عن القـفـز إلى البراريك المجاورة .. مازلت أذكر قـعـقعات قدمي والأقدام الراكضة ورائي على سطح الصاج ( الزينقو ) المموّج ..
امسكني أبي .. وأمي تـتـلصص وسط دموع فرح وحزن .. أمي في المسْـقـف المُلحق بالبراكة .. تطبخ كيلو لحم الجمل .. تحرّكه بمغرف العود داخل القدر الفخّاري .. بين حين وأخر تـنـفـخ جذوة الحطب حتى تدمع ..
رفعـوا جلابيتي الجديدة إلى وسطي .. أنزلوا سروالي القصير عُـنوة .. مباعدين بقوة ركبتي المضمومتين عن صدري .. أفردوا قامتي وفعل مِـقص الطهّار فعلته بين فخذي ..
صرختُ وبكيتُ .. الألم فظيع وبكائي اتصل حتى صِخـت .. أمي دائما تقول : وين طهرناك صِخت ورششناك بجغيمة من أميّة سيدي الشعّاب ..
جلابيتي بيضاء مضمّخة بزعفران وحنّاء .. فمي مملوء بـدحية خميس مِحّها أصفر فاقع .. الألم بدأ يخـف .. وهدايا بسيطة تـتقاطر
من طيبة الجيران .. ( بيلة بشكوطي .. كور مستكة ملونة .. شكارة امبولات .. زوّايا في طرفها ريشة …) الهدية المميزة المحـتـفـظ بها حتى الآن جاءتني من أم آمال .. مزهرية فضيّة منقوشة بعلامات ورموز قديمة .. هذه المزهرية تـنقـلت معنا من مكان إلى مكان .. جوفها تذوّق ياسمين الظهرة .. وقرنفـل الخمس .. وفـُـل بنغازي .. وشيح طبرق .. وكلما سافرت إلى مرّاكش .. درنة .. بانكوك .. استانبول .. بكين .. حملتها معي وأطعمتها ورود تلك البقاع .. هذه المزهرية لم تـتــقـيأ وردة قـط .. ملامح الطهّار تلاشت .. أذكر أنـّه طهّار فقط .. أراق دمي بمقصّه المشحوذ .. وقبل أنْ يغادر شبع من البازين واللحم والبيض .. وكوغدت له أمي ما تبقى من لحم جمل وضعه في خُرجه ومضى ..
لا أعرف مصير ما اقتطع مني .. نـتـفـة سُرّتي تحتفظ بها أمي .. جلدة جافة ملفوفة في خرقة تحـشوها في قاع مزهريتي الفضيّة .. الخرقة عام بعد عام تـُـبلى .. نـتـفـة سُرتي باقية كما بُـترت .. فـكـّـرتُ أنْ تـُدفـنَ معي إذا مُـتْ .. أنبوب غـذاء يـمنـحـني بـارقة أنــس .. لكن ما اقتطع من ذكري لا أدري أينه .. هل التهمه سنـّور جائع ؟.. هل دُفـن وذاب في الأرض ؟ .. أشعر أنّ لي إرث في هذه المُداسة .. الأم تورّث وليس الأب فقط .. السنـّور أكل مني وتـفـتـت في الأرض .. الرياح لن تحمله خارجها .. الأرض من مكوّناتي .. طهرٌ أليم صاف يُعـطـّـسني .. وغرسة آمالي تجذبني بنسيم دابق .. أضع أذني على رأس الأرض .. أستمع لأنـيـنـي .. إذاعة روحي مُـذيعها أنا .. صوت الطهّار الغليظ يقـتحـمني .. أنت راجل يا ولد .. بلاش عـياط كيف اولاد بن عاشور المرخيين .. قهقهات أبي الصاخبة .. نشيج أمي العطوف .. عـويل جارتـنا أم العز .. اغتال النصارى ابنتها معيتيقة في حومة الشط ..
عادت بي الحياة إلى حيث تـقيأتـني .. الظهرة هي الظهرة .. مقبرة سيدي بوكر كما هي .. سورها الحليـبي يصنع ظلال دهـره .. سيارات نصف نقل ( قلع عكـّارية ) تصطف بجانبه .. تؤجر لمن يرغب حمل جثمان أو بضاعة .. أو أكياس شعير وقمح للبذر .. نحن سنابل لزجة يُعـفـّنها الهواء .. جذوع متحركة تبحـث عن سُـرر جذورها .. البرازخ مطامير آمنة .. ما أتعس كائني الخارج من بيضتين .. الخير والشر .. النور والظلام .. العقل والجنون .. أنا وهي .. أنا مدينة عظم ولحم .. هي مدينة لحم وعظم .. أنتما دمنا الجاري .. كلكم مدائن نحن دمها الساخن .. من يقطعنا نحن المقطوعين ؟ .. من يقطع سُرر المدن لحظة ميلادها .. في أي خرقة سيحتفظون بها .. أي قماشة تحتمل الوطء .. المدينة من أبوها ؟ .. من أمها ؟ .. كيف هي ذروة لذتها ؟!.. على أي فراش تـتـضاجع يا تـُرى ؟ قطن .. صوف .. قش .. تراب .. نار .. ماء .. ملح .. هواء .. فحم .. بـناياتها تـتـشاجر رأسيا .. رؤوسها تتطاول مائلة لتـتـناطح .. البُراح يضيق .. يتلوث .. يخـتـنـق .. الأفق مـمـتد ولو فصله بـحـر .. مُـدن يـتيمة معروف نسبها .. مُـدن سفاح رحمها تائه .. هل هناك مدن هربت من مقص ..؟ أرى مدينتي تمشي على نفسها حافية حتى من الجوارب .. حتى من الحنـّـاء .. الحنـّاء ليست طلاء أظافر .. والسواك ليس أحمر شفاه .. صخورها كدار الجامع .. مـدفونة في الداخل .. الطلاء بارد عطش .. طبقاته جليد متراكم .. طبقة تجثم على طبقة .. التـقشّر جمال مرفوض .. الأيام طلاء .. السنون طلاء خاثر .. أمّـا الحـقـب فـقطران هلامي .. يندلق بوهن .. رغم ميلان المكان الحاد .. وانخفاض منسوبه المرعـب عن سطح الحظ .. وتـتـنازعني المدائن .. وتهيمن بنغازي ( رباية الذائح ) على مداركي وقلبي .. حللتها صغيرا فمنحـتـني الوَفـرة .. احـتضنـتـني كبُهرة نور التجأ إليها ظلام.. مَـنحتْ برودتي دفئا لا ينتهي .. وأحزاني غطستها في رحيق الابتهاج .. تربتها تبتسم لي.. ابتسامة التراب أبهج منْ ابتسامة الحظ .. دائما تواسيني بهمسة في أذني (خليها على الله) وتغني لي :
” هي فانية واللي عليها فاني .. وما يوجعك غير الحبيب الداني “..
وأسألها والحبيب البعيد ألا يوجعك ؟ ..
فـتـُجـيـبني :
بنغازي ليس لها بعيد ..
بنغازي طاهرة من الصديد ..
كل العالم يسبَحُ في ملحها ..
وملحها في قلبها ..
وقلبها وريد ..
أحببت شوارعها .. أزقتها .. أحياءها .. مقابرها .. مطاعمها .. مقاهيها .. ملاعـبها .. سباخها .. ملحها .. غبارها .. شمسها الشارقة والغاربة .. قمرها الخجول .. بحرها المتماوج .. منارتها الأبدية الومض .. أعلامها الطيبين.. مفتاح الهندياني .. بازامة .. شرِكَة .. حيطة .. احميده فاصوليا .. بابا سليم .. وفتية شهداء يناير .. بنغازي حبيبتي الحالمة الجريئةالمالحة .. ذات البحر المعـطاس المرذذ على الدوام .. على الخارطة تطلـّين كسنام بعير .. جمع قطيرات زيته من نسوغ الفيافي والقفار .. ومن أعشاب التاريخ وآلامه و أوشامه على صلادة البقاء .. ومن تعريّات صخورنا السخيّة أمام مؤلـّـهة الريح والشمس والماء .. ومن سرّ الملح الهارب من لعاب المتذوقين .. ومن كسيرات اللـُبان وثمار التين والخرشوف والخرّوب والصبّار .
بدأ رحلته من الصحراء .. امتطى الفضاء .. تمرّغ على جباه الطوارق والزنوج والبربر والعرب والفرنجة الغزاة .. نال نصيبه من قذارة الجليد ومن عجرفة السياط والطغاة .. صافح السحاب .. غازل الوميض .. وعلى مرافئك صُـبّت الحمم .. ورحلت الخيرات من أفواه جياعـنا .. إلى أفواه شبعى في أصقاع أوروبا وآسيا وأمريكا وأتلنتيك.. سنام ينوء بالشقاء .. دهنه زيت سيضيء في شموع نخاعـنا .. وفي خيوط (زغداتـنا ) وطائراتـنا الورقية التي تخبـّلت في الزرب والعوسج والسدر و الديس وأسلاك الشوك الحمقاء .. البحر لن يجف .. والصحراء ستأتي .. وسنام بنغازي سيتـيـبّس ويتـشقّـق ويـتـفجّـر .. لتكون جمالنا خيول وخيولنا بغال وبغالنا حمير وحميرنا نعاج مبـتـورة الليّة .. سنام البعير جال وجال .. جال يا بُـنـيغازي حـدّ الفناء .. وعندما أحسّ بالخواء .. نظر إلى عينيك فـتـفـتـت .. يا ترى ماذا رأى ؟!.

ليس كل الدهون للأكل .. هناك دهون مرطبة للخيبات .. مواسية للحزانى .. مشاركة للفارحين .. معانقة لكل ( راقد ريح وقليّل والي ) .. دهون مالحة منعنعة مصعترة مضمّدة طاهرة .. بنغازي مثلي سيئة الحظ .. فساد الملح ينخرها من تحت .. والعجاج من الوسط .. وطوابي الشوك والفولاذ من الأجناب .. والمصائب من فوق .. تبتلع الألم وتصبر .. تبتلع المهانة وتصبر .. تأكلها الحيرة والغيرة .. تقبل كل الناس .. تقبل كل الانتهاكات .. كل الإفرازات .. كل السّماجات والوقاحات .. بنغازي مومس المدن .. مومس شريفة أجهل فرجها .. أمازونية مجتثة النهد .. لكنها تذرف الحليب .. ألحس دموعها بلسان بطني .. وكلما أردت البصق أعياني الإبتعاد .. بنغازي نظيفة طاهرة .. بهيّة يانعة .. أعرف ذلك جيدا .. ما جعتُ أو عطشت فيها قط .. ما فرغت جيوبي فيها من النقود .. كل أناسها تقتسم معك الفرنكات والليرات والمجيديات والبارات والجنيهات والدنانير والدولارات والخبز والملح والفحم والشاي والخمر والهمّ .. ما وجدت فيها بابا مسدودا أمامي أو خلفي أو تحـتي أو في حلمي أو في نسياني.. أجلس في مقهى تيكا العتيق .. أرتـّبُ أوراقي .. أشكو إلى وجه قهوتي البـنّي الدافئ المنمّش بذريرات الكسبر أوالحبّهان .. أقرأ جرائدي ومجلاتي .. أستمع لثرثرات الرواد من موظفين ومباحث وعاطلين ومتقاعدين وطيبين وأشرار .. أمكثُ زمنا قصيرا وأصعد إلى صندوق ضياعي في مبنى البريد المقابل .. أقرأ وارده وأردّ عليه .. ومن ثمّ أبدأ في ذرع شوارعها هائما على وجهي .. وِجهة تمنحني إلى وِجهة .. المحيشي .. سيدي يونس .. الصابري .. بوعطني .. سوق الحشيش .. السلماني .. بن يونس .. أرض قريش .. أزواوه .. الكيش .. رأس أعبيدة .. الليثي .. اللثامة .. الماجوري .. الفويهات .. بوهديمة .. البركة .. الحمّيضة .. الهواري .. قاريونس .. القوارشة .. سيدي حسين .. السبّالة .. جُليانة .. عمارات السيرتي .. عمارات الكعب العالي .. الخ .. بنغازي مستعمرتي مملكتي جمهوريتي جماهريتي مجهولتي فاضلتي فضلتي .. بنغازي حياتي تاريخي .. كلها لي .. أفعل بها ما أشاء .. أصوغ زمنها كما أريد ..
القلم في يدي
والحبر في قلبي
والقراطيس أرواح الأحباء ..
الحقيقة هي أنْ أبكي ..
وإنْ لم أبكِ فكتابتي رياء .
كل حي فيها لي به ذكريات .. وضحكات على لبن مشروب .. وبكائيات على لبن مسكوب .. في صميمها الدافيء أجد أناسا أحبّهم .. وأماكن رأتـني ورأيتها وامتـزجنا في كائن من جمادات وحياوات .. أحبّ كلّ بنغازي .. أحبّ بنات بنغازي .. أحبّ طعام بنغازي .. أحبّ كرة بنغازي .. أحبّ فن بنغازي .. أحبّ أدب بنغازي .. أحبّ تراث بنغازي .. أحبّ بيان بنغازي .. أحبّ أصيل بنغازي .. أحبّ ليل بنغازي أحبّ كروم بنغازي وعرائش عنب بنغازي ومصاطب ظل بنغازي و مرابيع بنغازي وزنقات بنغازي وجلسات بنغازي وقرابة ( خمر محلي ) بنغازي وحشيش بنغازي وعاهرات بنغازي ومعاكيس بنغازي وثوّار بنغازي وشيوخ بنغازي ومتطرفي بنغازي وإلهامات بنغازي وصديقا كلما التقيته حرص على أنْ يضيّفني في مربوعتهم العتيقة ذات البلاط الأبيض والقرمزي الشبيه برقعة شطرنج .. والتي قبل تحويرها إلى مربوعة كانت مقهى شعبي من رواده بعض فتية بنغازي المهمومين بالثقافة والأدب كصادق النيهوم ورشاد الهوني وحسين مخلوف وخليفة الفاخري ..
كان ذلك حقبة الخمسينات والستينات عندما كا
كان ميدان سوق الحشيش حاضرة برقة ومركزها التجاري العامر يوميا بالباعة والشُراة القادمين من نواحي سلوق وقمينس والأبيار والرجمة وحتى من الجبل الاخضر وفزان وأوجلة.. جالبين منتجاتهم من عسل وحبوب وبقول وأصواف وتمور .. وغيرها ..
كان مقهى سي عمر يقدّم القهوة والشاي والمشروبات الغازية .. وفي فصل الشتاء يضيف سحلب القصب الساخن المرشوش بالقرفة والحرارات ومبشور جوز الهند .. بعد أنْ نتناشد ونجمع ما في جيوبنا .. يخرج لزمنية قصيرة ويعود بكيس صغير نافخه الماء .. يثقب طرفه بعضـّـة ليصبّه داخل القنينة الفارغة .. نبتسم .. وتدور الكؤوس بيننا .. تصحبها ملاعق زبادي غوط السلطان وحبيبات الزيتون المالحة ..
في قطيرات الخمر تـتجرأ المحاكي ..
والأحاسيس الظامئة تـُـزْهرُ الإنـتعاش ..
والهم والغم مذبوحان في رقـصة مرحة ..
والأحذية الدائسة مأزق وجودنا تسكر .. تـترنح ..
تـنحلّ عُـقد خيوطها لـتـنـثـني أبوازها إلى تحت ..
والفناء المرئي يرحل بعيدا عـنـّـا ..
وإن عاد فببطء ..
حتى نكاد لا نحس دخوله ..
أي بقاء فان يرانا ولا نراه ..!!
بعد خمسة أدوار يضيء الجو .. والمزاج يرتقي سلالم الإبتهاج .. والتجلي يشير إلى الدرج القريب .. يجلب منه أوراقه وأقلامه ويغوص متـنـفسا فى عميق عوالمه .
نجيب مخلوف .. من مواليد سوق الحشيش بداية الخمسينات .. متوسط القامة .. هادئ الطباع والملامح .. مـخـدد الجبهة .. شعره جيّره الزمان .. عيناه محمرتان .. أغلب الآحايين تخالهما تذرفان .. على جبينه مسحة حنين .. وفي رأسه ذاكرة ضجيجة بالأحاديث والحوادث .. أمكنة .. شخوص .. أزمنة مفرحة ومحزنة .. ينشر حكاياته في جريدة أخبار بنغازي .. تناول العديد من الشخصيات الليبية والعربية .. علي بازامة فنان الكاركوز .. الدرويش بوسعدية .. أحمد بن بللة .. جميلة بوحيدر .. جميلة بوعـزّة .. بطل الملاكمة جقرم .. صاحب المطعم قريتشة .. وكثير .. كثير ..
مختصر يومه كمختصر ماضيه .. لا جديد تحت الشمس ولا قديم فوق السماء .. يخرج ويعود .. يستيقظ وينام .. بندول رتيب يعيشه .. يجلس على مصطبة بيتهم .. خلفه حوض لاونطا .. تظلله عريشة لبلاب .. أمامه مخلوقات تـمـر .. ينظر يمينه .. يستحضر الكرمة .. كرمة عائلة مخلوف .. هي مجـتـثة الآن .. خيالها باق .. ظلها المفترض .. رائحتها .. يقعي حيث كانت .. يحفن من التراب .. يشمّه ويعيده برفق .. لا ينفض راحته .. لا يمسحها بمنديل .. يمسح بها على جبهته ويهمس لذاته :
- لماذا عمر الكروم قصير ؟! ..
يقطع ميدان سوق الحشيش .. القصير طوله وعرضه .. تقوده قدماه إلى شارع سيدي أحمد الشريف .. يتبوأ منـتصفه .. ظهره لأطلال ضريح عمر المختار .. ووجهه لمنارة سيدي خريبيش .. لا يعبأ لأبواق السيارات ..
ما أجمل الغروب ..
الغروب هروب ..
والشروق هبوب لرياح النور ..
الشمس تغوص ..
المنارة تومض ..
والنجوم تضيء ليل برنيق ..
ليل الملح المضيء ..
الليل الشفيف الذي لا يـبـتـلـعــنا ..
ذات يوم لم نجمع ما في جيوبنا .. كان حزينا .. صامتا .. يدخن بشراهة .. سيجارة يشعلها من فم أختها .. ظللنا جالسين على المصطبة .. الظل يتأخر .. وآذان الظهر يرتفع من جامع سيدي محمد الفقي .. دخلنا المربوعة .. قـدّمت لنا أخته مكرونة جارية حارة .. وأعـقبتها بدورين شاي مكشكش .. نجيب مازال فى غيّه صامتا .. لم أتجرأ على اقـتحام عزلـته.. من حق الإنسان أنْ يسكر صمتا .. تجرّعت مثله زجاجة صمت .. غرقت في قراءة ( أنْ تعيش لتحكي ) لجابريل جارسيا ماركيز.. بينما هو غارق فى سُـحب سجائره .. الصمت ليس عزلة .. يحاورني بعينيه .. بهزهزة رأس خفيفة .. بدمعتين حرّتين .. بطول وقصر سَحبه لسيجارته .. بطريقة نفثه .. بكيفية سحقه للاعقاب .. السيجارة حياة .. والحياة سيجارة .. والجمرة هي الروح .. وأعواد الثقاب قـدحـة قدر بائسة..
كانت حالته غير مستقرة .. صخب .. هدوء .. أحاسيس متشابكة .. ربما تلسعه سياط ذكريات أليمة .. ألم يختبئ في طيّات نسيان.. يتحيّن فرصته ليطفو .. لا يريد أنْ يموت دائما .. من حق الألم أنْ ينجو .. أنْ يعيش حياته .. أنْ ينتصر على حقن التخدير وشرائط المسكنات ..
الإنسان لا يجـترّ من ماضيه غير الحزن ..
وإنْ اجـترّ الفرح ففرح الحاضر أكبر أناني ..
وفرح المستقبل أقـتم أنانية ..
مسكين تاريخ مشاعرنا .. مسكين !!
انتابتني نوبة سعال بسبب الدخان .. أسعفني نجيب بفتح النافذة المطلّة على سوق الحشيش .. ناداني بفرح طفولي .. تعال .. تعال .. جئته مسرعا أشاركه التأمل الشبّاكي .. كانت قادمة .. هريرة ناضجة متباطئة .. قصيرة مكتنزة .. ترتدي إيزارا سماويا وسترة فضفاضة تميل للون البنفسجي .. يفصلهما حزام من قماش وردي .. تتهادى مقتربة وشعرها منسدل في سالفين على صدرها .. تصلنا فرقعات صندلها على الأسفلت .. تك .. تك .. تك .. وشوشني : إنها سعاد .. اسعودتي .
هممت أنْ أخرج .. فـسعاد على وشك الوصول .. لكنه أمسك بيدى بشدة
- والله ما تنكتب علينا .. النيهوم والفاخري ما علمونش استبدال الأصدقاء بالصديقات ..
- لا يمكنني البقاء .. أشعر بالخجل إنْ حشرت نفسي بين عاشقين !
- باهي .. باهي .. ساهل .. ساهل ..
رن جرس البيت فواراني وراء باب المربوعة ..
سعاد ونجيب جالسان فى صمت صاخب .. أمامهما العصير والكعك والغريْبَة والمقروض ..
كان قد استنفد سجائره فاستأذن سعاد وجاءني خلف الباب .. سحب من جيبي علبة السجائر تاركا مكانها كعكة وقطعة مقروض ..
ومع أولى نفثاته الجديدة ساد المربوعة مناخ رومانسي يتواطأ مع الأيروسية .. حديث هامس .. آهات مسروقة من صمت محروس .. ضحكات مكبوتة .. محاورة بصر وبصيرة .. جسد وروح .. عصافير .. فراشات .. شموع تـتذاوب .. ورود تنبت في الجدران .. البلاط القرمزي ورّد البلاط الأبيض.. اللونان يتداخلان .. يلهثان في امتزاج ألوان الطيف .. رقعة الشطرنج تورمت .. السقف دار ..هدد بتسريب ماء المطر .. أخيرا استأذنت سعاد للذهاب .. صحبها نجيب إلى شارع عمرو بن العاص عبر شارع عثمان ابحيح .. عند حلواني بوعشرين أوقف لها سيارة أجرة .. ولوّح لها بحرارة .. كنت أرقبه من النافذة وهو عائد يهرول بقفزات تزغرد .. خرجت لملاقاته على المصطبة .. عانقني وجرّني بإلحاح إلى مكان الكرمة .
أحبّ قعدات بنغازي و حكايات بنغازي .. أحبُّ روح بنغازي و رحم بنــغازي .. أحبُّ فضاءات بنغازي .. أحبُّ برنيق .. أحبّها بجنون .. لكن لو كانت هي مسقط رأسي لاحترقت حبّا .. مناطق أخرى تخفف العبء عني .. تلتهم من حبّي مساحات ومساحات .. تخفف تركيزه المبهّر الحارق .. مناطق أخرى لها في نفسي حبٌ واحترام .. مراكش .. بانكوك .. بكين .. استانبول .. أزمير .. أمستردام .. صوفيا .. أثينا .. دمشق .. القاهرة .. الاسكندرية .. الاسماعيلية .. فاليتا .. أمستردام .. بون .. كولونيا .. دوسلدورف .. وارسو .. فراتسواف .. بوزنان .. كوالالمبور .. سرت .. تاورغاء .. درنة .. البيضاء .. شحات .. اجدابيا .. المرج .. طبرق .. مصراتة .. صبراتة .. جربة .. تونس .. الخمس .. زليتن وغيرها .. وغيرها .. كان ذاك زمان .. والآن تصرخ فيَّ الظهرة .. مسقط رأسي .. كيف تـتـغـزّل في الأماكن وأنا من تلقـّى تباشير آلامك ومواشير نورك وصرخاتك وإفرازاتك البكر.. بل ودماء ختانك أيضا .. أنا الظهرة بطرابلس .. هل تسمعـني ؟.. ما غرست في بكارتك الفطرية الجفاء .. أم أنك نخلة عوجاء كنخل النبات .. أنا مكان غيور .. تحكي عن بنغازي وتهملني .. سأبكي بدموع من شقوق .. مقابري تبكي .. شوارعي تـتصدّع .. أزهاري تذبل .. حشائشي تـُجتث .. خصوصيتي تـتعمم بغباء .. كلسي يتطاير من الجدران .. الفولاذ يهاجمني .. دونك لي .. يا ابني .. يا ولدي .. على ترابي حملتْ بك أمك .. وعلى ترابي ولدتك .. وفي جامعي الصغير تلقـّيتُ أولى حروف الأبجدية .. أنا الظهرة بـبـيـوتاتها الطينية ذات الشرفات الخشبية وجوامعها البيضاء كالحليب .. وكنيستها ومقبرتها وسيدي بوكرها وسيدي شعّابها وودّانها وسفاراتها وحدائقها وسوقها وبحرها القابع تحت قدميها .. ومبدعها كامل حسن المقهور .. وفريقها الكروي وفرقتها الموسيقية الشعبية .. أنسيت ذلك الزكار ذا الجونيلة البيضاء الواسعة المزخرفة من تحت بطوق ستان ، الدائر برشاقة وهو يزمّر كمولوية مولاي جلال الدين الرومي وهم يرقصون على إيقاع أرواح كلماته :
” ماذا يضيرني لو يقع الخراب ؟
إنْ كنزاً ملكياً سيكون تحت الأنقاض .
إنْ هذه الأرض ، وتلك السماء – على سعتهما –
مزقتا قلبي إربا بضيقهما..؟
فلا تفضح أمرنا أيها السراج ”
.. أنا الظهرة .. حاضرة طرابلس وبركتها ودفـئها وأصالتها وقدسها وفـتوتها وسُرّتها ورقبتها .. سأقول لك أخر شيء .. أين استقبلت أول نص نشر لك في الجريدة (من مذكرات شجرة).. أليس على ترابي ؟.. ألم تجده في جريدة الجماهيرية يقرأه شاعر كردي اسمه نور الدين جابو ؟.. ولا أصمد .. وتـُقبّلني الكلمات وتربّت على بوحي .. وتـزيحُ بنغازي قليلا برفق وتدخلني الظهرة مسقط رأسي وأسمع آنذاك بعض كلمات لا أنساها .. تـُعذبني وتصرخ بورقها في حبر قلبي .. تطل صارخة : أنا الظهرة .. كنتُ رؤوفة بك .. لم أحكي لأستـنفرك عن آمالك ومزهرية أمها وعينيها المشرقتين وجبهتها الشامخة وقـُصّتها الحاجبة حاجبيها ولعبكما على شاطئ البحر وعناقكما في غفلة من الناس في عيد المولد النبوي الشريف .. عندما سقطت الشمعة داخل قنديلك الورقي وأحترق القنديل وأبعدتك آمال عن النار إلى الظلام في ركن المخبز فعانقتها خائفا وعانقتك طويلا حتى نادتها أمها :
” آمال آمولة خيرك عطلتي يا بنيتي وخيرهن خدودك حمر ؟..”
كنتُ رؤوفة بك .. بنغازي أيضا لها عليك حق .. هي جرّة ملحك ومربية ذوحانك .. ونحن المدن أخوات .. نغار لكن لا نـتـشاجر.. نـتـفاهم .. دائما نصل إلى حل .. الزلازل والخراب ليس بسبب غيرتنا واختلافنا وشجارنا .. ربما بسبب طواغيت العمق وأسرار الظلام .. ربما بسبب الجادون في تدشين دمويات جديدة لمتاحف القسوة ومعارض الأنين .. دائما نـتشاور ونقـتـنع أنّه من الخطأ أنْ نظل نعيش على مسطح له حياته وموته ونـزواته .. ما أجمل الفضاء .. ما أجمل الأحلام التي لا تـنهار والذكريات التي تـتـنفس ولا تهبط أو تجلس أو تـنام .. تـظل في الذاكرة كقدر .. تمشي وتطير ولا تـفترش أو تـتغطـّى بشيء .. تـنخر النسيان وتوخز الغـفلة .. كما أفعل معك الآن أيها الولد الطيّب المُحب المجنون ..ها آنذا قد ارتحت عليك فاصدح وكن أصيلا كالظهرة وآمالها ومزهـريتها وفريقها الكروي صاحب الغلالة الحمراء المقلمة بالأسود الملقب بكوريا والذي مثلي ومثلك شامخ عريق عنيد لا يعرف اليأس .

كل هذه الأشياء تـتماوج في مخيلتي .. تلعب مع القادم ألعاب المد والجزر .. أتوه وسط اهتزازات الشاحنة ولحاف أمي الذي يُغطّيني .. العبق برائحة لا تذهبها رياح .. رائحة تاريخ تليد ومعاناة و جزّات صوف جُرّدت من جلود مخلوقات كانت تمرح في ربيع الله .. وخيوط مـسد استمعت للكثير من الحكايات .. منذ عهد هيردوت ومن قبله أيضا .. أتغطى بتاريخ وحكايات ودفء ولحم ضأن لم أكله .. أتغطى بتاريخ فوق علبة نار تجري .. الريح تعبث بلحاف أمي .. بستري الرقيق الشفيف وموج الشعاب يصلني منعشا مباركا رغم بعده .. في هذا الطريق أرى بحرا مرحّبا ببصيرة أنفي .. أشم تـفلا وطحلبا وأتخيـّل قواقعا تدبّ على جلدي.. وآمال آنذاك تأتي بل تأتي الآن تتأملني وتعطف عليّ حين أعياني المرض وكوتـني خالتي مباركة على فم كبدي بطرف فأس صغيرة .. آنذاك صرختُ وبكيت ألما .. لم أعد أذكر كيف الألم .. أذكر أمي إذ تأخذني إلى بحر سيدي الشعاب .. ترشرش على حروقي بهار مائه فيزداد عذابي وصراخي وإذ تلوح آمال مع أمها يكتـنفني الخجل فأصرر على أسناني اللبنية لتظل دموعي وحيدة تـسُح .. تقترب مني بود .. تمسح وجهي بطرف قفطانها المورد .. تدودشني .. تجلسني على حافة الماء .. بعد أنْ تهيأ لي مصطبة الرمل براحتها الصغيرة الناعمة … تتباسم وجهانا .. نبني صروحا يعبث بها الموج .. نبنيها ويهدمها .. وأمي وأمها تعدان الشاي وسلطة الشرمولا و تـترثران سويا .. كنت أنسى الألم وأضحك وتضحك ويـتـناثر لعابنا ممتـزجا في الهواء .. ذات مرّة غصّت بلقمة شرمولا فضربتها على ظهرها كما تفعل أمي معي .. ومرة أخرى غصصت أنا فأعادت لي الضربة ضربتين .. وقهقهنا آنذاك حتى دمعنا ..
قبيل منتصف النهار تعود أمهاتـنا لتحضير الغداء فنفترق جبرا .. ليعاودني الوجع .. أتأوه فتلتفت ناحيتي .. ليهفت قليلا .. قبل أنْ تلتهمها انعطافة غياب أبكي وأتمسّك بفراشية أمي التي تتوقف وتـنفحني خمس مليمات .. ابتاع بها الحلوى والحلقوم وقرطاس سامينسا مالحة ..

آمال ذات السوالف المجدولة بشرائط ستان مخضر .. ذات القـُصّة الحاجبة حاجبيها والابتسامة الغارقة في المرح .. كانت دائما تـتأملني عميقا .. تغرف من البحر في صفيحة مثـقوبة تشرشر منها على ما بنينا .. ثم تهمس لي : حوشنا كيف براكتـنا يقطر .. مُحُمّْدْ هيا نغلقوا الهرود .

وتـقـف الشاحنة بكبحة مفاجئة تكبّ الناس والأمتعة على بعض وتوقظُ من نام وتوقظُ من يحلم .. وتتعالى صيحات الاستغاثة : يا سيدي عبد السلام أحضر .. يا سيدي زايد .. يا هدّار .. يا ستار .. يا لطيف .. والسائق يعلن وصولنا إلى منفذ القوس ودخولنا إلى حدود ولاية برقة أو الشرق .. كنا مكوّمين في صندوق شاحنة صدئة بطيئة السرعة .. أمي تـُغـطيني بفراشيتها البيضاء وأبي يمدد لي طرفا من جرده الصوف .. يقـيني به رياح الخريف الباردة .. طيلة الطريق نـقـتات على التمر المعجون والزمّيتة بزيت الزيتون والبصل الحويل والفلفل الأخضر وخبز الشعير .. كانت أمي تخصّني بكوب لبن رائب يزداد حموضة وتـزبّد كلما تواصل سفرنا البطيء صوب الشرق .
طيلة الطريق وأبي يتحدث مع عمي حسين .. عن القوس وأسطورته ويتدربان على كيفية نطق الكلمات باللهجة الشرقاوية يقولان عن كلمة شبكة إشبكة وعن بقرة أبقرة وعن شجرة أشجرة وكانا أبي وعمي قد أصابا بعض تعليم في كتاتيب الجوامع والسكولا الإيطالية .. يقول عمي حسين : لتجيد لغة الشراقة ضع قبل كل كلمة ألفا مهموز الرأس .. أبقرة .. أشبكة ..أخرزة .. أبعرة .. الخ ويتضاحكان بقوة عندما يداعب أحدهما الأخر بجملة الوعيد الشرقاوية الشهيرة : والله نعطبْها على خشمك منها نقـّـة.. هذا القوس الأسطورة المدفون تحته أخوين من قرطاجنة والمتموقع في منتصف ليبيا قرب مدينة سرت أو بالضبط بين سرت وبن جواد .. يقسم ليبيا ولايتين .. ولاية طرابلس وولاية برقة وهناك ولاية جنوبية صحراوية لا قوس لها اسمها فزان استعمرها الفرنسيون وحكمها سلاطين الطوارق وشيوخ العشائر المحلية ردهة من الزمن .. في الشاحنة توجد عدّة أسر أخرى .. لكن لا نبادلهم الحديث ، هم من زليتن ومسلاته ومصراتة و قماطة و ورفلة .. كل رهـط تقرفص جنب بعض .. يتسامر على حاله وأحواله .. ويغـنِّي أهازيجه الخاصة بمنطقـته مثــل : ” الزيت والزيتون في مسلاته .. والزين حازنـّا بنات اقماطه .. ” وهناك كهل من العجيلات متربع في مؤخرة الشاحنة يسرّب بأصابعه خرزات مسبحة كبيرة من الخزف و يردد لازمة لا تـتغيّر :
” يدرجح تحت المخنوق المحزم خاوي جوفه ..من صغري قليبي محروق معذبني بكلوفه ..”
يا شايب بنتك تبيني .. وعزوزك حلوفة .. ” الخ..
وبين حين وآخر يتملـّى خلسة من امرأة ملتحفة جالسة جنب رهـط ورفلة .. يبدو أنها تستمتع جيدا بغنّاوته.. فتجيبه بهزهزات جانبية لرأسها المغطى بلفافة حمراء ينحدر منها إلى جانب خدها مجموعة صوالح فضيّة مشدودة إلى بعضها بخيط ضفيرة أسود معطر بالمحلب والقرنفل .. كل مسافر وحكايته وآماله .. الكل توّاق للسعادة والابتهاج مشكلا مرفأ وصوله على ذائقته .. متخيّلا كيف ستسير الأمور معه و ماذا سيحدث له في رحلة المجهول هذه .. هل ستمنحه المدينة أمومتها أم تـتركه يتصعلك فيها كلقيط سيئ الحظ .. أكثرهم يطمح للحصول على حقل قمح أو شعير يحرثه ويبذره ويحصده ويدرسه أو وظيفة خفير في إحدى مباني الحكومة أو شركات المقاولات أو كنـّاس في معسكر الجيش الإنكليزي المسمّى الديقودوستا ( الإمداد) أو عتـّال في الميناء أو ذبّاح وسلاخ في السلخانة أو بوليس في المتحركة أو زوج لعانس أو أرملة أو مطلقة لإحدى بدويات سلوق أو الرجمة أو فرزوغة أو أي عمل زراعي أو حرفي يقتات منه ويستبقي منه بضع جنيهات يرسلها إلى أهله في الغرب لشراء قطعة أرض زراعية أو يدخرها لزواجه من بنت العم أو الخالة ومنهم من يُمنـّى النفس بالانخراط في زاوية صوفية عيساوية أو أسمرية .. أو قادرية .. أو غيرها .. يجدب ويُبندر ويرشق المشفة في شدقه و السكين في بطنه ويلحس معولا متجمرا مقابل كسوة دافئة وعشاء زاخرا باللحم وفلفل المسيّر الحار .. المهم لكل رأس في الشاحنة أمانيها الصغيرة أو الكبيرة .. الخيّرة أو الشرّيرة .. ولكل رأس أفكارها المتواضعة والمغرورة .. معظم الرؤوس مغطّاة بالمعارق البيضاء المصفرّة المغبّرة المسودة الحواف وكل الأجساد مكتسية بعباءات و جرود الصوف .. الكل يبتسم للسماء كلما تشرق أو تـُقمر ومنهم من أعياه الجلوس و القرفصة فوقف مُتـثائبا ماطاً قوامه الهزيل .. لكن السائق يرى وقوفه في المرآة فيصرخ فيه : اقعد مقعد .. أقعد مرض .. اللى يجي من الغربْ ما يفرح قلبْ “.. ويضيف متمتما كان يشوفني الترافكو ( شرطي المرور ذو الدراجة النارية ) يحجز منى الكريهبة والرخصة .. ويدفـّـعُـني مخالفة جنيه وقرش ..
فيقعد سريعا ممتعضا .. الطريق ضيق واسفلته متطاير محفـّر في أجزاء كثيرة.. والناس الراكبة مفترشة الورق المقوّى وبعض صرر ملابسها البالية .. كلٌ كيّف جسده على جلسة مريحة تـتلائم جيدا مع اهتزازات وانتفاضات الشاحنة الفجائية .. رائحة حنون تعبق الشاحنة غير المسقوفة والشبيهة ببيوت العائلات الليبية في الريف والمدينة .. ذات الفناء الواسع المشرح للقلب .. والذي تـفتح فيه حجرات الجدّ و الأبناء والمطبخ والمطهرة وفي حاشيته بئر الماء أو فحل السانية وبجانب مدخله عريشة العنب وشجرة الحنّاء أما مربوعة الضيوف فبابها يفتح خارج البيت .. داخل صندوق الشاحنة تجد كل شيء من الجَدّ إلى الجدّات إلى الأمهات والأباء والأبناء والأحفاد .. لكن لا توجد عريشة عنب ولا شجرة حنّاء .. الحنّاء في الأرجل والأكف والرؤوس الشائبة .. والعنب في فياشكات زجاجية مغلفة بالسعف اليابس مخفيّة بعناية داخل العفش .. حياة مصغـّـرة متحركة تتفاعل في رحلة صوب الشرق .. أراها وأعيشها .. خاصة عندما يحلّ الظلام ويخجلُ القمر وراء كثبان السحاب ويزداد الهمس و اللمس وتلاعبات الأخيلة والمحاورات الصامتة جريئة الخجل بين هذا وتلك وذاك وهذه وهم وهؤلاء وأولئك والسماء .. وتتلاشى حكايات الجدّات .. وأبو زيد الهلالي ينطمس .. وعنترة وسيف بن ذي يزن يشخران في ظلمات الغمد .. وألف ليلة وليلة .. وكل الخرافات .. تصمت تضمحل .. تهرب منها الألسن والأبجدية تـتـنكر لها .. الشاحنة تـتهادى كجمل في صحراء رخوَى.. في الفضاء نجوم .. وفي جانبي الطريق بضع نخلات .. وبضع زيتونات .. وبضع كلاب وذئاب شاردة .. أختلط نباحها بعوائها بهدير محرك الشاحنة الصاخب في ظلام الليل .

وبين اليقظة والمنام ازداد بطأ الشاحنة .. ويصلني الآن صوت مسجل مقصورة السائق الذي رفع معدله بأغنية شعبية نسوية تصرخ :
يا ليل ياعين .. بين البركة وسيدي حسين ..
ياليل ياعين طول السلك يودر يـبرة ..
يا ليل يا عين يلعن جد سواني تيكا ..
يا ليل يا عين واللي حج مع الدوكالي ..
يا ليل يا عين يا رقاصة حوشك وين ..
يا ليل يا عين بين البركة وسيدي حسين .

همست لأمي سيدي حسين الذي في الأغنية هو عمي حسين فقرصتـني في ذراعي لأقـفل فمي وأخجل .. لا أدري كيف دخلنا بنغازي .. وجدتـني أعيشُ أياما وشهورا متتالية في براكة صفيح مثـقـبة ككسكاس في حي رأس أعبيده البحري .. البراريك متراصة جنب بعضها .. شوارع عشوائية .. منها يفضي إلى مخرج ومنها يـنغلق إلى زقاق.. خلفنا سبخة في حاشيتها قبر صغير لولي صالح اسمه سيدي شاهر روحه تلتف على قبّة روضته البيضاء الصغيرة الكثير من الخرق الملونة وعقـّاديات السعف الأخضر واليابس بينما داخل الروضة يجثم جبل مُطفأ من مصهور الشموع .. أمامنا مرتفع حي رأس أعبيده القبلي .. المسجد والمدرسة والمخبز والمقهى و الطاحونة والفحّام والقصّاب والمطعم والحلاق ومصوّب الدراجات ومرقـّع الإطارات .. ومركز البوليس ومساحة واسعة مسيّجة بالأسلاك الشائكة مليئة بنبات الديس والقصبة يرتفع وسطها سلـّم عال مُعلقة في جوانب قمته بضع قصعات مُغطـّاة بجلد أبيض تظهر من بعيد كطبول فزّان و غدامس .. يُسمّون هذه الجهة الإذاعة.. كنتُ أظن أنّ المطرب الكبير علي الشعالية يصعد إلى أعلى السلم ويضرب الطبول ويغنى :” نور عيون اليوم قابلني عضا .. شاطت نار الحب ما ينفع دواء .. ” فيسمعه كل أهل المدينة في المذياع .. دائما أنظر إلى أعلى السلم حيث القصعات البيضاء فلا أرى أي شخوص .. فقط بعض الطيور الراحلة ناحية الشمال .. فأقنع فضولي بأنهم يغـنـّون في الليل فقط .

.. كل صباح ترسلني أمي إلى دكان الحاج التائب أشترى منه قطعة جبن باردة وعلبة حليب كورنيشن .. أقضم من الجبنة أثناء الطريق .. جبنة الرأس الكروي المغلفة بغشاء أحمر.. واللذيذة جدا .. أمي تؤنبني ألا أكرر الأمر فأعتذر وأعاهد وأخلف .. أمرُّ من جانب جنان سي عوض تيكا .. أتأمل الطيور والبط والأرانب .. أشاكس بعضها بالزلط .. أحيانا يتـفطـّن سي عوض ويراني من بين فروع الأشجار .. فينهرني بصوته المزمجر الجهوري .. إهمد يا شرشور ياولد الغرباوي .. فأهرب إلى تحت حيث حلاليقنا الزينقو المحاطة بماء السبخة الآسن .. تقول لي أمي : خيرك من يجري في جرتك ؟.. أقول لها : لا أحد .. ولـّـيـت بسرعة بس .. مش ديمة تقوليلي كرعيك في غمرك ماتعطلش يا وليدي .
هناك في رأس أعبيده البحرى بعض البيوتات المشيّدة بالبلاط والمسقوفة بالخشب والزينقو و قليل منها ما كان سقفها صوليتا (خرسانة مُسلحة) .. سي عوض تيكة يملك كوشتين .. كوشة جبس وجير وكوشة خبز .. أغلب سكان الحي يُنضجون خبزهم وكعكهم ومعجناتهم عنده .. الأولاد والبنات يحملون عجينهم في أطباق السعف وسفر الألمنيوم .. كل المواعين مملوءة بأرغفة العجين الموسومة بحبـيـبات الحمص والفول السوداني أو بخطوط أو ثـقوب أو قرصات إبهام وسبابة أو وخزات وسطى أو رسومات .. كل بيت أو حلاق له علاماته الخاصة .. أرغفة العجين تختلط داخل الفرن وعند النضج يوزعها الكوّاش على القفف و المقاطف والأكياس .. معظم الأسر تحرص على صنع رغيف خبز صغير يسمى قـنـّـان .. يكون من نصيب الطفل الذي يحمل العجين إلى المخبز ويعود به .. كثيرا ما سقط هذا القنّان الصغير داخل عين النار .. أو أغرى الكوّاش الزنجي بصغره واستدارته ونضجه وتفحّم حواشيه فالتهمه مغموسا في زيت الزيتون وهريس الفلفل وادّعى أنـّه سقط في عين الحطب المتجمّر. . فيعود الطفل إلى بيته حزينا .. أمّه تعرف الحكاية من وجهه الكئيب فتقول له : كنك طايرتلك .. القـنـّان طاح في العين آهْ .. ياخذ سوّك .. وتعوّضه حفنة لوز أو قطعة مقروض أو قرشا يشتري به طرف مستكة سبع أو تصاوير ذات رائحة عطرية شبيهة بالبلاستيك الذائب .

في رأس أعبيده القبلي يوجد قصر عبد الله عابد المقاول الكبير وابن عم الملك إدريس السنوسي والمتـّهم بلهف أثنين مليون جنيه ثمنا لإنشاء طريق فزان من خزينة الدولة .. وقامت ضجة في دوائر الحكومة ومجلس النوّاب حول ذلك .. لكن النقود لم تعد والعقاب لم يتـقرر.. فهذا العابد بنى بجانب القصر جامعا للمصلين مازالت دعواته ترتفع حتى الآن .. أمام الجامع طريق معبـّدة تـُفـضي إلى محطة الفندق البلدي مارّة بكناسة الإنجليز ومحطات الشيشمة وشمسه وضريح عمر المختار المحاط بحديقة زاخرة بغرسات عباد الشمس .. هذه الطريق ترتادها السيارات و الحافلات والكاروات التي تجرّها البغال والحمير و الخيول محملة بالركاب والبضائع .. النساء تـتحولق في منتصف الكارو.. قربهن الأطفال أما الرجال فجلوسهم على الجوانب .. حيث يستلذون بتدلية أرجلهم إلى تحت .. كثيرا ما طلب أحد الركاب من الحوذي أنْ يتوقف لأنّ شبشبه أو مِداسه سقط أثناء تدلية رجليه المستمر فيجذب الحوذي اللجام وتـتوقف أصوات وقع نعال الحصان على الإسفلت المتـشقق .. يقفز الراكب إلى تحت سريعا يلتـقط حذاءه ويركب من جديد .. بينما الحوذي يصيح : فكونا من تطيـيح السَّعدْ و الكنادر و الصبابيط .. مش كل مرّة نبي انصبي .. مانيش قاعد على احسابكم .. اللى مش عاجبه ينزل ويأخذ قرشينا .
وكثيرا ما يسبق كارو محملا بالركاب كارو أمامه فيصيح الأطفال الذين يركبون الكارو المجتاز متباهين : كارونا غلب كارّوكم .. جـيـبو الشيمة ونكرّوكم .
فينزل حوذي الكارو المسبوق بالسوط السوداني على ظهر الحصان المسكين وسط تـشجيع ركابه وتصفيقهم فيكون هناك سباق تلقائي يتابعه ويتمتع به الراجلون وأصحاب الدكاكين و السيارات القليلة الواقفة والماشية .. لكن سرعان ما تـُجذب اللُجم و يتوقف هذا السباق وترتفع دقات قلبي الحوذيين وينخفض لهاث الحصانين وتخمد وتيرة الحماس فورما يقترب الموكب من مفترق الطرق وإشاراته الضوئية ورجل الترافكو الشنب السمين الواقف حِذاء دراجته النارية ذات الأربع كاتمات ممتـشقا مسدسه وهراوته.. ينفث سجائر سبورت ويـحملق في المارة من مركبات وبشر ودواب .. وبين حين وآخر يـبصق على التراب ويسحق بصقـته بمشط نعله طويل العنق .

وعندما يصل الكارو إلى الفندق البلدي يقفز الجميع منه .. ينـتـشرون في ميدانه التجاري حيث تباع الخضراوات والفواكه والحبوب والبقول واللحوم والنعاج والخيول والأبقار والإبل والدواجن والفحم والقش وغيره وتـنـتـشر حوله المقاهي والمطاعم الشعبية وتفضي إليه العديد من الشوارع والأزقة وتحاذيه أسواق الملابس والأحذية والذهب والفـُجْرَة والنحاس والألمنيوم . في محطة الفندق البلدي يتفرق ركاب الكارو .. كلٌ إلى مبتغاه .. من أرادَ المقاهي دخلها ومن أرادَ المساجد دخلها .. ومن أرادَ السوق دخلها .. ومن أرادَ الوقوف في طوابير مواخير شارعي الشطشاط وبالة وقف وأمسك بعشر قروشه أو خمسة قروشه بين إصبعيه .. فاركا عضوه بيده الأخرى متململا كلما تأخر الداخل في الخروج .. المتأخر إذْ يخرج ينظر إليه الجميع شزراً وسخرية ينعـتونه ضمنيا بضعيف الفحولة .. أرافق أمي إلى المستشفى الكبير تحـقـنـني الممرضة الرومية بالمصل في ذراعي وتبتسم لي فأكتم بكائي .. نمرُّ على الفندق البلدي تشتري أمي كوم طماطم وكوم بصل وكوم بطاطس وفرخ بكيوة صغير ( يقطين – قرع أحمر ) ومن القصّاب نصف كيلو لحم قعود منفوحا بشريحة طولية من شحم السنام وطبعا زغدة أو دنفير أو علبة بسكويت كريمة لي .. نعود بواسطة الكارو الى رأس أعبيدة .. تطبخ أمي على لحم الجمل وجبة كسكسي نتغدى بها ونذوّق الجيران وتستبقي منها قصعة صغيرة مليئا بالكسكسي ورؤوس الفلفل الأخضر ولحمة كبيرة أكبر من التي تـناولتها حصّة لأبي .. فورما يصل أبي بعد المغرب من الميناء تسخـِّنها وتقدمها له صحبة ابتسامة .. أتأمل لحمة أبي ولا أحتجّ و ألقف قطعة صغيرة من شحم سنام الجمل أذوّب صلابتها بلذة متخيلا أنْ أكون أباً بشنب مبروم يعمل في الميناء ويعود إلى البراكة مساء ليجد زوجته وقد جهّزتْ له قصعة كسكسي لحمتها كبيرة جدا وفي طرفها عظم مليء بالنخاع .. في تلك الليلة وبعد عودة أبي بكيس البرتقال والموز والتفاح .. وبعد أنْ تـناولتُ حصّـتي من الفواكه و الكاكاوية والبسبوسة نمتُ هنيئا مريئا وحلمتُ بأشياء أحبُّها .. حلمتُ بأنني أنحرُ جملا وأخرج ُ قلبه وأشويه نصف نضج ثم ألتهمه ساخنا لترتفع عضلات ذراعي وصدري وأصير مثل شمشون وعنترة وماشيستا وهرقل وطرزان أرسل للملأ نظرة ازدراء وتحدٍ وأهجم على طوابير شارعي الشطشاط وبالة أضربهم وأركلهم وأبعدهم عن الأبواب ثم أدخل لأعرف ما يوجد في الداخل .. وهل هناك بضاعة رخيصة جدا في الداخل كما أخبرني أستاذي المصري دسوقي عندما رأيته مصطفا معهم و سألته .. سأنهبُ منهم النقود وأشتري كافة البضائع .. أوزّعها عليهم كل حسب ماله وأطردهم من أمام هذه الأبواب صارخا : لماذا الزحمة وربّك موسّعها .. وعندما حقـقـتُ حلمي هذا وانتصرتُ عليهم جميعا دخلتُ إلى أول هذه البيوتات مندفعا حتى عثرت بزير ماء .. لم أجدْ بضاعة تـُشترى .. وجدت امرأة خلاسية تـُغـني بغنج : ” اسملـّه مرود عيني طاح .. اسملـّه تلقـّوه الصلاح ..” وترقص وتـتعرى وتـناديني مشيرة براحتيها الضخمتين بالاقتراب .. أقتربت مني .. أوقفتني من عثرتي البدائية .. وقادتني إلى غرفة شبه مظلمة ثم طوقـتـني وطرحتـني على الفراش واقتربت بفمها ذي القاطعة الذهبية والموشوم الذقن تمتمط شفتيها الغليظتين المسوّكتين تحاولُ أنْ تلامسهما لشفـتي الغضتين .. تملصتُ في آخر لحظة وشرعت أقاوم صهد أنفاسها ونفاذة بخورها وعَرقها بكل قواي العقلية والجنونية .. لكنها جذبتـني عـنوة ناحيتها فصرختُ مستيقظا من النوم لأرى أمي تطوّق أبي فلا يصرخ .

حاولت أنْ أعودَ إلى النوم لأعتذر لها وأجذبها ناحيتي برقـّة فلم أستطع .. حاولت ليالٍ كثيرة فلم يأتِ ذاك الحلم اللعين.. عندما شممتُ صِـناني ونبت بعض ريش الحرام أسفل بطني ذهبت إلى المكان في اليقظة .
لكن لم أجد شيئا فقد قامت ثورة الفاتح من سبتمبر وأقفلـته .. إذ ذات صباح وجدنا عسكريا ببندقيته FN رابضا في قلب حلاليقـنا يأمرنا بالتزام الهدوء و عدم مغادرة مآوينا بعد غروب الشمس ويعلمنا بأنه رئيس هذا الحي .. وصار يرتقي تبّة عالية ويخطب فينا معلنا أنّ الثورة المجيدة قامت وطردت الملك وأزالت النظام الرجعي البائد العميل للاستعمار واليهود.. كل هنيهة يهب واقفا يصرخ فينا .. يا أبناء الحلاليق .. لا مظلوم بعد اليوم .. لا بردان أو جوعان بعد اليوم ..لا .. لا .. لا .. أنا الرئيس هنا .. هنا .. مفهوم .. بعدها يمسح تحته جيدا ويتقرفص غارزا بندقيته بين رجليه.. وانبهر السكان بخطب العسكري المتتالية وكلامه الملحون ذي النبرة الحماسية فأحضروا له فراشا ونطعا وأكرموه بالشاي والقهوة والسحلب والشرمولا والعصيدة والزمّيتة والمكارين القراجيط والسباقيتي والمبكبكة والعويجة والمحمصة بالقديد والسجائر و جلود الصوف والبطاطين والوسائد.. كان سعيدا معنا وكنا سعداء معه .. نتحولق حوله .. نلعب ببندقيته منزوعة المشط فلا يتكلم .. يحكى لنا عن صيده للجرابيع في الرجمة وسلوق ودريانة و الأبيار .. كان يقول : الرئيس يصبّ الماء في الحفرة وأنت – ويشير لصغير منا – تـنتظر خروج الجربوع في الحفرة المجاورة وتمسكه من ظهره فيقول له الصغير :
( وَعّـوْ ) و إن كان يعضّني يا عمي الرئيس.. أنا أصبّ الماء وأنت كبير وعندك بندقية تمسك الجربوع فيضحك ونضحك ونسأله عن صيد الأسود والنمور والذئاب والتماسيح والصقور فيقول صيدهن بالمدافع والصواريخ وليس بالبندقية أو بسكب الماء .. ولا يصطادها الأطفال إنما الرؤساء .. وينفش صدره وكتفه ذا الخط اليتيم .. لكن كنـّا أمهر منه في صيد العصافير والحمام بفخاخ التل المعدني .. نجرفُ كوم قمامة عفن ونمسك بثلاثة أو أربعة من دوده الأبيض المتراقص .. نربطها بسلك نحاس رقيق ونثبـّتها على شفا الفخ المتوتر رادمين الفخ بالتراب ليـبزغ منه الدود فقط .. فيأتي أول طائر ليأكل الدود المتألم من القيد فينطبق عليه الفخ فـنجرى إليه ونخلـِّصه ثم نـُقصّبه كي لا يطير مرّة أخرى ونضعه في علبة أو كيس حتى نقرّر مصيره ..

ذات مرّة زار فخـنا رخٌ كبير.. كان الفخ قد فخخناه بدودة خضراوات خضراء فنقب الرخٌ الدودة وانطبقَ عليه الفخ الصغير .. لم يعبأ به وواصل ازدراد الدودة .. عندما اقتربنا منه لنمسكه طار بالفخ .. صرنا نبكي وصممنا أنْ ننتقم فشرّكنا له بفخ مستطيل مشرشر خاص بالفئران والجرذان وخوزقـنا له بدل حارة الدود صرصورا بنيّا سمينا بجناحين لكنه لم يأت .. ربما الطيور لا تأكل الصراصير .. كنا لا نصطاد بوعبعاب (الهدهد) لأنّ سيدي الفقيه قال لنا حرام .. وإنْ وقع مصادفة في الفخ خلصناه وطببناه بالقهوة والتـنـتورة ( ميكروكروم ) وأطعمناه القصب وسقيناه ماء المطر ثم أطلقنا سراحه أمام قبر سيدي شاهر روحه .

مكث الرئيس في شارعـنا أياما ثم اختـفى وبعد أشهر عاد صحبة أمه العجوز وتـزوّج من جارتنا مبروكة .. تلك الفتاة القمحية الطويلة المتينة كالنخلة والتي كانت تبعث معنا إلى الرئيس الشاي والسفنز الساخن والفتات والعجّة الفائحة ووريقات صغيرة معطرة مطويّة كالأحجبة مزدانة بالخربشات والرسوم .. ذات مرّة بعثت معي حُلية فضّة على هيئة خميسة وقرين وأوصتـني أنْ يعلقها الرئيس في بندقية قلبه .. رددتُ وراءها بندقية قلبه خمس مرات وعندما تيقـّنتْ من حفظي للكلمتين وإجادتي لنطقهما لأنني (أقرج) وضعتْ كفيها تحت إبطي ورفعتـني ورقـّصتـني كرضيع هامسة في أذني :
نجّك لي نجّك لي .. تستاهل مليون جنيْ ( جُنيه ) ..

ذات مرّة بعـثـتـني أمي لأحضر منهم غربالنا الأعمى .. فدخلت حلاقهم وناديتها خالتي مبروكة خويلتي مبروكة فأجابتـني : تعال أدخل مافيش حد براني .. دخلت البراكة وجدتها مستلقية على جنبها عارية تتأوه فهربت.
مازالت صورة عريّها ماثلة وسط ذهني .. تلازمني إلى الآن .. شقـّها المحمر المدموغ المغفف .. نهداها الصغيران المستديران النافران ذات الحلمتين البُنيْـتـين .. فخذاها المكتـنزتان المترجرجتان .. عيناها الواسعتان الكحيلتان .. وجنتاها المحمرتان كتفاح لبنان.. وفمها الكرزي الصغير ذو الأسنان البيضاء المنتظمة .. هذه المبروكة شعرها طويل يضرب إلى وركيها .. نصفها العلوي نحيف والسفلي سمين .. خصرها كخصر رضيع وقدماها صغيرتان نسبيا وعندما تلبس صندل الجلد وتمشي في الزنقة تحدث إيقاعا رنانا .. طق .. طق .. طق .. يجعل بعض الفتيان الأكبر سنـّا يغنـّون لها :
” بوصندل يزّاوى .. بوصندل يزّاوى .. بوصندل يزّاوى .. خذيت العقل بقولة لا “.

في أيام الثورة الأولى كان أبي وبعض رجال الحلاليق يذهبون إلى المدينة ويعودون منهكين وقد عرقت أجسامهم وتلطخت قمصانهم وسراويلهم وبُحّت أصواتهم .. قبل أنْ يدخلوا حلاليقهم يهتفون بصوت مشروخ : بالروح بالدم نفديك يا ثورتـنا .. ويغنون :” تغيرنا من حال لحال .. وسبحان مغير لحوال ..” ويخبرنا أبي في البراكة والريح تعصف أنه سيتحصّل لنا على بيت صحي جديد من الطوب والأسمنت وبه ماء عذب .. ساخن وبارد .. وبه أضواء مثل أضواء مركز البوليس والمدرسة ومدينة الملاهي .. ثم يهزهز فنار الكيروسين حتى ينطفئ اللهب .

بعد شهور انتقلنا من رأس اعبيدة إلى وطات المحيشي أو حي المحيشي .. منحونا قطعة أرض مسوّرة محفور بها خزان لنتبرز وصنبور ماء لنشرب .. نقل داخلها أبي زينقوا حلاقنا إليها .. قلت له أين الماء الساخن يا أبي ومصباح الكهرباء فصفعني بشدة وصار يبكي .. ثم صرخ فينا بأعلى صوته : خلاص ماتزيدونيش همّ .. معاش نبي حيشان .. الزعيم جمال عبد الناصر عطاكم عمره .. مات .. مات .

بعد مُدة مررت من شارعي الشطشاط وبالة قلت ربما رجعوا في رأيهم وأعادوا فتح هذه البيوتات .. وعادت الطوابير الطويلة للاصطفاف دون مشاكل أو دفع وركل فلم أجد طوابيرا .. الرواشن الواطئة مقفلة .. والأبواب تغبّرت وأنـتـفخ خشبها من ماء المطر والبالوعات .. حاولتُ استجلاء الأمر فلم أجد من أسأل .. بصعوبة وجدت شرطيا قصيرا في الناصية سألته عن الأمر فصفـعـني على وجهي كائلا لي رزمة شتائم مبهرّة باللعاب .. ابتعدت أبكي وعندما وصلت قرب الفندق البلدي نسيت الأمر واشتريت شطيرة فاصوليا بالكرشة من مطعم سي مفتاح قريتشا قرشتها سريعا و دخلت دار عرض هايتي أشاهد شريط سبارتاكوز .. لم أكمله .. لم أجد بُغـيتي .. كله حروب سيوف رماح سواطير دم .. خيول تجري .. مصارعة رجال وأسود .. ظف إلى ذلك البطل يقبض عليه ويموت .. لا أحبّ حياة بطلها يموت .. تركته قبل أضواء النهاية وحجزت تذكرة أخرى في دار عرض الاستقلال.. كان الشريط يختلف .. شريط مصري تهزهز وترجرج فيه الراقصة سهير زكي ردفيها ببطء وتضحك بميوعة .. وبه أغنية أما نعيمة نعمي .. خلي اعليوه يدلعني .. والبطل فريد شوقي يضرب رئيس العصابة محمود المليجي طريحة ربّاش القبور ويصفع مساعده الهمبكة توفيق الدقن ويفكك منهما البطلة التي اختطفاها من قطار الصعيد ثم يحلف لها بشرف أمه أنه يحبها و يقبـّلها بغجرية في شفتيها فيصفـّر كل من في دار العرض .. أنا لم أصفـّر .. لقد صرخت .

أيام جميلة أتذكرها .. الذكرى تعجبني كأبنائي الشرعيين أو اللا شرعيين.. ربما كانت تعيسة آنذاك وربما أيامنا الآنيّة والتي نحكم مؤكدين على تعاستها جميلة إنْ غطسناها في جُبّ الذكرى كفايتها وتذكرناها بعد أمد .. الذكرى قدّيد الحياة الطري .. الذكرى حسنة الحسنات .. الذكرى ليست ماضٍ ذاهب إنما ماضٍ آتٍ .. هل هذا يعني أنّ المستقبل دائما أسوأ ..؟ والجديد دائما أوهن.. لكن هناك حلاوة ما .. في كل دقيقة فرح وحزن .. حياة كاملة بكامل تـفاصيلها .. في الدقيقة عقل وقلب ونفس وفم وأنف وأذن وعيون ودماغ وأطراف وأعضاء تناسلية وشرج وأحلام .. الزمن مخلوق مثلنا له كيانه .. يعيش فينا كما نعيش فيه .. هو يعتبرنا مكانا ونحن نعتبره زمانا .. والمكان يعتبرنا حياته الحيّة المتحركة ولا يعتبرنا ذاكرة لأنـّه ينسى .. ويتـقيأ ما علق به من سناج مزمن .

لن أسرد كيف مارست الجنس أول مرّة وكيف أحببت أول مرّة وكيف سافرت أول مرة وكيف دخلت المدرسة وكيف سُجنت .. الخ .. فأنا ليس أنا !! .. أنا هو .. أنتم .. هي .. هم .. أنت .. أعتبر ذلك تقليعات قديمة ملـّها الكتـّاب والقراء و المدوّنات أيضا .. لذلك سآتي من الآخر .. لأريح وأستريح .. فأنا إنسان قد نسى بداياته .. تـنكـّر لها .. سأزيح الزمن جانبا .. أنفضه .. وأنشره على حبل مرتخٍ .. وأجذب بمساعدة الجاذبية السفلية بعض تلابيبه .. أعتبرُ ما نلته في المنتصف أروع وأنضج .. يكفي ما حكيته عن بداية ختانـنا فهي تلخـّص كل البدايات .. علينا أنْ نكونَ حريصين كي لا نختن ثانية ونتألم .. لن أترك مقص عقرب يلدغني مرّة أخرى .. أفرغت رأسي من المفاهيم والمسلمات .. رميت ضيقه في قمامة شاسعة .. القمامة مرضتْ .. ونظرتْ إليّ لائمة وبكت .. دموع القمامة طهارة ملوثة .. تـنظف بصرنا .. وتسرّح أنوفنا .. وتهرش جربـنا المتكلس .. وتمنح مصل صدق لرياء بكائنا .. أودعتُ إيماني في مقبرة عامة .. أودعته ولم أرمه .. قد أحتاجه عند الضرورة .. فأفتح مقابر روحي وألتحف مومياءات تـُدثرني .. تبعد الضرورات عني .. أفرغت رأسي وقلبي ونفسي وروحي وبيضتي وكل مسمى في داخلي قابل للامتلاء .. أفرغت كأس ذاتي من كل شيء .. كسرت قارورة روحي في مصهر زجاج .. أحبّ أنْ أعيش هكذا فارغا لا أتأثر بشيء .. أنهل هذا الوجود على هواي .. أحاولُ تخلـيـق إيماني الخاص .. العقـيم من العراجين .. إيماني الذي لا يطمع في أنْ يؤمن به أحد .. إيمان ناقص كامل لا يهم .. إيمان دون كتب أو رسل أو حساب أو مؤسسات .. إيمان حرٌ فارغ ٌ.. أخلدُ للنوم أنـّى أشاء وأستيقظ أنـّى أشاء .. أصلي .. أشرب .. أسافر.. ألعب .. أنطط الكلمات بمضرب فطرتي .. وأقذف بنطفي التائهة في أرحام خصبة .. نحن طغاة .. نحن ملوك .. نحن زناة .. لنا نطف تـتسكع في أنحاء العالم .. تـتسكع عبر الهواء والماء والتراب والنار .. تحاول أنْ تعود إلينا .. تكابد في سبيل ذلك كثيرا .. تـنغرز في القبور باحثة عنا .. هي تائهة في ربوع الأرض .. في الصين والمغرب .. في مصر وتركيا .. في البرازيل واسكندنافيا .. في البلطيق واستراليا و أنغولا .. في درنة وبنغازي .. في صنعاء ومسقط ورام الله .. في البحر والجو .. تكابد كثيرا .. وتـنخل ذريرات التراب كثيرا .. فلا تجـدنا في أجداث الماضي .. ولا في فـَــنَاء الحاضر .. هي لا تدري الغبيّة أنّ نهايتها مرتبطة بنا .. وأنها حيّة بفضل أنفاسنا .. وأننا ما قـذفـناها سُدً .. وأننا نحاول أنْ نـتلاحقها ونعيدها إلي صلبنا .. لنـسكبها متجددة وقد اكتسبت مزايا جديدة من طوفانها المستمر .. نسكبها بلذة جديدة .. لذة واهية .. لذة تـتعالى معها صرخاتي متوعدة هذا الوجود بإنجاب عُـقامة ما .. لا تقـتل الحياء والحياة .. لا تـُنضب الآبار .. لا تـَجتث الأخضر واليابس ..لا تـُعتم الشفاف .. عُـقامة صادقة فارغة من الأطماع والأقماع والأصباغ والأوضاع .. ترمي سنابلها الطيـبة في أفواه الفطرة .. فـتـزيدها نُضجا.. ذهبا.. ألقا ..ألق ماسي يضيء دفئنا بالبريق الهادئ.. فأتبين على نور الدفء دربا فاغرا .. يجعلني أفـرّ إليه .. بروحي وجلدي ونطفي الباقية في قناني اللذة .

أهرب من المجهول الذي يلدني ..
أبحث عن المجهول الذي يرضعني ..
وإنْ عثرت عليه ..
لا أصدّق أنّه مجهول ..
فالمجهول غير قابل للقبض أو الانثـناء أو الاحتواء ..
شيء غير محدد .. غير معروف ..
أعيش على هذا الألم وهذا الأمل وهذا العِلم منتظرا جحيمي .

العالم يشتري ذاكرته
وأنا أشتري نسياني ..
العالم يبيع نسيانه وأنا أبيع هذياني ..
والذكرى بالنسبة لي ليست الزمن ..
الذكرى أنْ أتطاول إلى جهالات أعرّفها بدون ألـ أو إضافة أو ضمير أو أي من المعرفات المألوفة ..
أتطاول لأمسك حزمة ضوء أو حزمة نار أو كتلة ثلج تشتعل وتفور ..
في مستقبلي الهارب الكثير من الذكريات .. عندما تصلني أو أصلها تعيشني وتتذكر أنها في ذات زمن مرسولة إليَّ ولا أتذكر أنني مرسل إليها .. الذكري في رأسي أنْ أكتب ولا ألتفت ورائي .. ورائي مستقبل أبله يستجديني .. لا أكترث له .. لا أعيره ذريرة اهتمام .. فلن أومن بمستقبل يركض خلف رعاياه .
رأسي تتحرك بين الكتب .. تلقف زادها وتمنح الكلمات الجائعة بعض رضى .. هناك الملايين من الكتب الكامنة والمرصوصة في المكتبات .. هناك ما لا يُحصى من الحروف التي يمحوها الزمن .. هناك شيء يـبهت كل دقيقة .. شيء يتلاشى .. حبر يذوب .. ورق يتمزق ويتـفـتت وينـتحب .. أركض وراء الكلمات أسعفها بروحي .. أقرأها وأصرخ في آذانها أنـّها عراجين ذات تمر وأنّها مُهمّة مُقدّسة معوّلٌ عليها .. وذات رسالة ينوء النخيل بل الكون بحملها .. وأنـّها شيء غير قابل للنسيان أو المقايضة .. في الكلمات عمر .. في الكلمات روح .. دم .. نفس .. عقل .. قلب .. جروح .. كبرياء ..
لا تـتبخـّري أيتها الكلمات ..
أريد أنْ أكتبك هكذا ..
كما تحضرين ..
أحبّ أنْ أخرجك كما تولدين ..
عارية .. حافية .. ظامئة .. جائعة ..
كنخلة على قمة جبل ..
الماء يتركها إلى السهل ..
لكنها تـُرى من بعيد ..
كنجمة إنسانية رائعة .
النصوص تقتلني .. أقرأها وأعيد قراءتها عبر معاشي .. أمنحها موتي المؤجل وآخذ منها قرض دقـّات .. أتوكأ عليها كلما هدّني الضياع .. أترنـّم بها في خلوتي القصيرة .. أرحلُ على مطاياها إلى بقاع وأعماق سحيقة .. كل منا سيضع شيء منه في كتاب .. وسيدور هذا الكتاب .. بين المكتبات والأرصفة والبلدان والعقول والقلوب والنفوس والجوّانيّات .. وربما يحترق في ميدان عام .. أو يُرمَى بمتـنه في زبالة نتـنة .. ونرى مصيرنا نحن الموشومين ضمن كلمة .. نحن الحرفُ المنقوش في ضمير المعنى .. لا نتبخـّر أو نترك دفئـنا .. لا نهرب ولو احترق الكتاب .. لا نبتعد ونترك الدفتين تتألمان على فراغهما وتـندمان على زمن احتوائهما لنا .. هما صحيح أغلظ من فراش أوراقنا .. هما صحيح العمق المباشر للألم .. غير أننا لنا رمادنا ووسمنا ولطخـتـنا في دوامة الصمت .

لا .. لن أهرب .. لن يرهبني ظلام الظلام .. فنحن النور والتـنـّور .. سأظل منقوشا في ورقة .. تاركا مصيري للأزمان.. سأحكي .. سأبوح .. سأعترف بأشياء أحبّها وأكرهها .. سأحكي عن نادٍ عشقته .. يجعلني أبكي كلما دخل فيه هدف .. أشعر أنّ الأهداف الداخلة إلى مرمانا أيور تضاجعني .. لم أفهم الرياضة بموضوعية .. منذ صغري تربيت على أنّ الصراع حياة أو موت .. جنة أو نار .. أبيض أو أسود .. الوطن لن يُحتل أو يُهزم ولو هوجم من يأجوج و مأجوج وبقنبلة المسيخ الدجال الجهنمية .. الشعب المسلح غير قابل للحصار للتجويع للهزيمة .. ثلث قرن وإعلامنا لا يزغرد إلا عن الحرية والاستقلال والعزة والكرامة والإباء .. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة .. لا مستحيل .. المهم الإيمان والعزيمة والإرادة والإصرار والتصميم والصمود والاقتحام والنضال و تسكير الرأس .. ولا نخاف من الأكبر سنا أو الأقوياء .. وإيه يعني فريق البرازيل أو فرنسا أو أمريكا .. طز .. طز .. طززززززززز.. وأنتِ وأمك زيطي في الرز .. إحنا قلنا لأمريكا طز .. والهزيمة دائما في ملعب الغير .. نحن فرسان أبطال صناديد مغاوير .. نحن منتصرون على كل ريح وبـيـش ما يـبّوها .. وعمرها ما تبات فينا .. نحن ما فيش منـّا .. والآخرون مش قدنا صقع عليهم .. حدث مرّة أن ابن الجيران شجّ رأسي بحجر دون قصد فمنعني أبي من دخول البيت حتى أشجّ رأس ذاك الولد .. لم يقتنع بالعفوية والقضاء والقدر وبأنني سامحته ولن أغدر به .. قال لي : الدم .. الدم .. لازم تسيّل دمّـه .. وتربّصت به وغافلته ورميته بالمقلاع .. المسمار لم يُصِبْ رأسه أصاب جبهته وكادت عينه تعور.. منذ صغري تربيت على هكذا مفاهيم .. نحن الكل في الكل أبدا .. نحن الحق وغيرنا الباطل .. نحن الصح .. نحن الفائزون أبدا ودائما وإلى أبد الأبد .. حتى عندما فتشت وراء أبد الأبد وجدت فوزا مختبئا فأخرجته نكاية في أحلامنا الطوباوية..
عندما تدربت في فريق كرة قدم قال لنا مدربنا البدوي أبو شنـّة .. أي لاعب من الفريق الخصم يدخل منطقة الجزاء.. أريده في مستشفى الجلاء .. دقدقوه .. ريّـشوه .. دوسوه .. افرموه .. اعتبروه مجرما قفز داخل بيتكم يريد أنْ يغتصب أخواتكم .. كنا نهرّس ونكسّر ونبصق ونركل ونلكم كل من سوّلت له رشاقته وسرعته وقوته ومهارته الاقتراب من منطقة الـ 16 ياردة .. بل الطوارئ يبدأ من دائرة المنتصف .. وحكم المباراة يجب أنْ يخاف ويُتوعد ويُصفع ويُلعن ويُذكّـر بأطفاله وزوجته وسيارته الجديدة .. دائما هذا المدرّب طريقة لعبه كطريقة أمريكا .. ميكافيليّة لا تتغيّر أبدا .. اللي تفوز بَه العب بَه .. أهم شيء نقطتا المباراة .. أهم شيء الزبدة .. البترول .. الأخلاق في المدرسة والبيت والجامع وليس في الملعب مفهوم .. الكرة حرب لا أخلاق و لا شرف فيها .. ونـُطرد بالبطاقة الحمراء وننسحب من الملعب إنْ احتسبت ضدنا ركلة جزاء .. ونعتبر البطاقة الحمراء والانسحاب أوسمة شجاعة وشرف .. هكذا هي كرة القدم كما أرضِـعت وغـُرّتْ لي .. حرب ضروس شرسة لا هوادة فيها .. ذات مباراة كنت احتياطيا لأنني تغيـبت عن التمارين وكان في فريق الخصم لاعب خطير في قمة تألقه اسمه ماشاالله .. شكـّل خطورة كبيرة على مرمانا .. بل تجرأ ومرّر الكرة ( دحيّة ) من بين قدمي قلب الدفاع الحاج مراجع صهر المدرب مضحكا عليه الجمهور .. صفـَـقَ بوشنة يديه وبصق ولفّ خرطوم النرجيلة حول الزجاجة ثم رقص حاجبيه قائلا صبّي سخـّن يا بطل .. ماشاالله هذا أريده لاحول الله .. في الحكيّة مباشرة .. ماذا أفعل له .. من أول التحام تركت الكرة ورفست بقاع حذائي في علبة ركبته .. صرخ عاليا ونـقلته سيارة الإسعاف.. بعد المباراة دعا الحاج مراجع الفريق للعشاء علي جدي أسود مبقع وصندوق بيبسي كولا.. و خصّـني بالخصيتين وحبّة القلب مشويّات على فحم البطوم البائلة عليه ذئبة ..
النادي الذي أشجّعه .. أريده أنْ يفوز .. لا أريد لأي فريق أنْ يضاجعه .. شبكة مرماه سروالي .. ألبس ألوانه وأعلـّق شعاراته في غرفتي وعلى كراريسي وأختار لونه لسيارتي وحقيـبتي ولروب زوجتي ومصباح غرفتي وشمعتي ولباب بيتي وقلامة أظافري .. أعتـز بلاعبيه ولا أحتمل فيهم شيئا .. أقارنهم بل أعتبرهم أفضل من ماردونا وزيكو ورونالدو وزيدان وبيليه .. أحبّ كرة القدم .. أحبّ هذا النادي العريق .. أحبّ أنْ أمنحه كلَّ شيء .. أحبّ أنْ أتبرع له ولا أتبرع للجامع .. أحبّ أنْ أتزوّج انتصاراته ولو كانت مومسات.. أحبّ أنْ أشرب في كؤوسه رحيق الهناء .. وألبس قلائده في ليلة عرسي .. أحبّ ابن صويد والمكي والعفاس والبشاري ومرسال وونيس خير ومحبوب والبرناوي والزاوي و الحشاني وحنطوشا والفزاني والخطيطي وبن صريتي وخميس الفلاح ومفتاح هولة ومفتاح الفسي وبن عيسى بالرزق ورمضان الفرجاني وفتحي قريرة .. لا أحبّ الفيتوري لأنه غادر للنصر .. لا أحبّ حسين العرج لأنه غادر للتحدي .. لا أحبّ عبده صالح الوحش لأنه غادر إلى قناة a r t .. لا أحبّ أحدا يترك ناديّي حتى وإنْ لم يشركه المدرب في المباراة.. حتى وإنْ وضعوه خفيرا على باب النادي أو بستانيا يسقي ويشذب نجيل الملعب .. أنا جزّار وفيّ مـُدمن مهوّوس بحبّ أهلي بنغازي الموقوف عن اللعب حالياَ.
محمد الأصفر
من رواية نواح الريق
نشر شخصي 2004 القاهرة
النقود سلم واستلم ولا تطلق الطير يا عدنان الصايغ وتتمرغ خلفه
mohmadalasfar@yahoo.com




التعليقات 4 على “رباية الذائح”

  1. كمال العيادي علق:

    محمّد الأصفر,

    سامحك اللّه أيّها الصّعلوك. وكّانّه لا يكفي ما تنهشه من وقتي بقراءة نصوصك – المطوّلات – والتّعليق حولها, فأنا الآن أصلح عوجك في نشر \
    نصوصك أيضا. كونك تنشر النصّ مرّتين وتأخذ ثلاثة أمتار كمقدّمة يالصّفحة الأولى. أرجو أن أكون وقّفت في إخراج النصّ إخراجا لائقا.

    نصّ – رباية الذائح – من أجمل ما قرأت لك, رغم أنّ ما دوّختني به خلال هذه الأسابيع الثّلاثة أكثر من كاف, لتتربّع حافيا أو منتعلا في ذاكرتي للأبد
    وأضمّك مزهوّا بنصّك ومتبرّما منك للكبار الذين سأورثهم ياسمين ابنتي.

    أريد أن ترسل لي ما تستطيع من رواياتك – الورقيّة – وأنا لا أريد هدايا
    منك. سأدفع بحوالة بريديّة, لأنّ الرّوايات ليست لي شخصيّا وإنّما لمكتبة النّادي الثّقافي – أبو القاسم الشّابي – الذي أشرف عليه. وكامل مكتبنه هديّة منّي. فضلا عمّا أهدي لمكتبات النّوادي العربيّة هنا.
    أنا أشتري روايات أصدقائي, وهذا مبدأ. ولست أفضل من بقيّة الكبار.

    شكرا لكلّ نصّ تمتعني شخصيّا به. وحاسبك الله على ما تنهشه من وقتنا.

    كمال العيادي – ميونيخ
    http://www.kamal-ayadi.com

  2. نبيل سليمان علق:

    يجبل الكاتب الليبي محمد الأصفر السيرة الذاتيّة بسيرة الفضاء (طرابلس وبنغازي بخاصّة) في روايته «نَواحُ الريق» (نشر خاص). وفي الآن نفسه تطمح الرواية إلى الخروج من جلدها ـ تجنيسها، إذ يدعوها الكاتب نصّاً وحياة ورقيّة وهراءً ومدوّنة، ولكنّه يدعوها أيضاً وأيضاً رواية. ومناط هذا القلق في التجنيس هو المروق على السائد والمغامرة في المختلف. فالكاتب المتوحد مع الراوي يقول: «لا أريد أن أحوّل نصّي هذا إلى مدوّنة سيرة، فالسيرة تقول الحياة… وأنا أقول ما يقوله الموت…»، ويقول: «لا أريد أن أحوّل نصّي هذا إلى أنموذج… إلى قالب خاضع لمشارط الفقهاء…». وفي موضع ثالث يؤكّد الكاتب أنّه يعرف كيف يجعل نصّه رواية بلزاكيّة أو كونديريّة أو غيرها، ويعرف الحبكة وجلد الشخصيّات إلى مصيرها، لكنّه لن يفعل. وفي موضع رابع ينفي الكاتب أن يكون فوضويّاً أو اشتراكيّاً أو لا منتمياً أو شاعراً أو رسّاماً، ويقول: «لست روائيّاً ولا قاصّاً». ولعلَّ ما يضيء مشروع المروق والاختلاف في «نَواحُ الريق» يتركّز بخاصّة في ما يحدّث به الكاتب المتوحّد بالراوي عن نفسه وعن الكتّاب. فهو يرى نجاحه في فشله ويرى العمق ادّعاءً وسطحيّة، والبلاغة كامنة في الطفو. وهو يحب الحضيض المحضض، ومتشبّع بأنفاس فلاسفة الأسلاف من الليبيين والإغريق، وقد أفرغ رأسه من المفاهيم والمسلّمات. وممّا يرسم به نفسه قوله: «أنا هو… أنتم… هي… هم… أنت» و»ثوابتي بخار» و»متغيراتي أسرار» و»جذوري خراب» و»أنا شيء تائه».

    بهذا القلق المقلِق ابتــدأ الأصفــر روايتـــه متغنّياً بالأفكار الطريّة الفطريّة، واصماً الأفكار الملحّة بالأهرام الأنانيّة، أمّا أرقــى الأفكار فهي الهشّة الخفيفة القصيرة العمر. وكرّر هذه البداية بعد سبعين صفحة، مثلما كرّر طوال الرواية إلحاحه على التلقائية. فهذا الذي يصف نفسه بسُطير أعمى، والذي يكره أن يكون كاتباً، لا يدري ماذا سيكتب. بل إن الأمر يشتبه بالعبث حين يتحدث عما جاء في الرواية من شعره: «أعرف أنه ليس شعراً، لكن وأنا أكتب الرواية في هذا الموضع كنت في مقهى أنترنيت وحدث خلل في الجهاز… صارت السطور قصيرة… المتن قصير والهامش متسع». وتتعزز هذه الصورة للذات بما يتعلق بالكتّاب، وأولهم محمد شكري الذي يعده الأصفر كاتباً عالمياً، ويروي أنه لو دخل إلى مقهى ورأى شكري و»دكتورنا أحمد إبراهيم الفقيه» فسيجالس شكري لأن حديثه شيق وغير مفيد. ولأن الأصفر يدرك قبل سواه ما تنادي به روايته من روائية محمد شكري في السيرية واللغة والرؤية، فهو يشدد على ما يميزه، كأن يعد أدب شكري قائماً في معظمه على الفلسفة الوجودية، فضلاً عن اهتمامه بالنجاح والتميز، أما الأصفر ففيه الفشل. ومن ذلك أيضاً أن كاتبة صديقة تطلب شطب اسمها من «نواح الريق» لأنها كاتبة غادة سمانية جبرانية نزارية منفلوطية محفوظية بلزاكية أكاديمية، «وأنت يا محمد تلبس جلباب شكري». وكأنْ لم تكف الكاتب سخريته من الكاتبة، فاحتضنها وقبّلها عنوة ليريها الفرق بينه وبين محمد شكري!

    إلى ذلك، تنهض السيرة في «نواحُ الريق» بالرحلة، ابتداءً من رحلة الأسرة من ظهرة طرابلس إلى بنغازي الملقبة بـ «رباية الذائح» والتي أهديت الرواية إليها. وفي بنغازي التي تاريخها فسيفساء متبعثرة، تأتي الرحلة أيضاً من أول المقام إلى حي المحيشي الذي توليه الرواية عنايتها الكبرى، حيث لكل شاب حكاية مختلفة في هذا الحي الذي تكوّن في بداية السبعينات من القرن الماضي، ولم تجلب السلطة له إلا جهاز مكافحة المخدرات والزندقة والسجن الكبير، فيما الحي مثابر على حضور جلسات المؤتمرات الشعبية الأساسية، ولا يخشى في الحق لومة لائم، كما بدا في تساؤل الأستاذ جويدة عن أموال البترول التي لا يصرف منها حتى القليل على الحي. ولئن كانت الذاكرة السيرية تتقد في الرواية كلها، فهي في ما يخصّ حي المحِيشي وبنغازي تتضاعف اتقاداً، فتحيي قيامة ثورة الفاتح وإقفال الماخور وقدوم رئيس الحي ليعلن قيام الثورة وطرد الزعيم هاتفاً: «يا أبناء الحلاليق… لا مظلوم بعد اليوم». وسرعان ما تتفجر أو تشتبك ذكريات كرة القدم والأعراس والسينما والنوادي الرياضية والمدرسة الابتدائية واختفاء شقيق الراوي واعتقاله ووالده جراء ذلك. وفي مثل هذا الفعل للذاكرة سيتكرر طي السنين ليبلغ هدم سجن الحي وإبداله بحديقة وإعادة جوازات سفر الممنوعين من السفر وعودة الهاربين ومنهم شقيق الراوي الذي سيعاد اعتقاله بعد سنة. وفي مثل هذا الفعل للذاكرة، سيتكرر سرد القصص الفرعية لشخصيات شتى ما وسم نشأة الراوي، مثل قصة زواج الاستاذ عبدالوهاب واعتقاله أو قصة الحلاق السوري أو قصة عمر جحا الذي هاجر إلى المجر وعبارته تدوّم: «ملح بنغازي ما يتبدل أبداً».

    يمضي فعل الرحلة بالرواية وبالسيرة إلى الخارج (مراكش ـ تايلاند…). وهنا، كما في صدد طرابلس وبنغازي تسطع علامة النسيان الذي يصنع الذاكرة، وعلامة الذاكرة (قديد الحياة الطري). وعبر كل ذلك ينجلي نظر الرواية والرواية للزمن وللمكان. فالزمن مخلوق له كيانه ويعيش فينا مثلما نعيش فيه. وإذا كان الماضي ينادي الراوي فالحاضر يبكي والمستقبل يرمي له «منشفة مشكوكاً في نظافتها». أما المكان فلعل كتابة الرواية له هي امتيازها الأكبر، وأول ذلك هو أنسنة المدينة. فللمدينة سرتها التي يلوب الراوي على معرفة من يقطعها؟ وكيف هي ذروة لذتها؟ ومن أبوها ومن أمها؟ ومن المدينة ما هو يتيم النسب، ومنها ما هو سفاح رحمها تائه. وفي أنسنة المدينة تتوالى مخاطبتها للراوي كما يتوالى وجده بها، وبخاصة حين تكون بنغازي التي يقول فيها: «مستعمرتي مملكتي جمهوريتي جماهيريتي مجهولتي فاضلتي فضيلتي». إنها جماده ومعشوقته وجثته ومومس المدن وجرة ملحه كما تقول له ظهرة طرابلس. وبنغازي سنام بعير تمرغ عليه الطوارق والزنوج والبربر والعرب والفرنجة والغزاة. والراوي يرسم تفاصيل بنغازي منذ ستينات القرن الماضي حتى زمن الكتابة (2004 كما يحدد المتن). ويفرد الرسم للحياة الثقافية في المدينة حيزاً خاصاً، شأنه مع طرابلس ومراكش. واللافت هنا أن الراوي يسرد في كل حيّز عشرات الأسماء ممّن يقدر وممن لا يقدر، من الكتاب والمثقفين والفنانين الليبيين وغير الليبيين، إلا أنه لا يذكر إبراهيم الكوني بحرف. وقد يكون للقراءة أن ترى في ذلك ـ إشارة مبطنة / معلنة إلى مفارقة محمد الأصفر في كتابة الرواية لما انتهجه الكوني والفقيه. وسواء صحّ ذلك أم لا، فالإشارة تمضي على كتبة جارحة هاتكة، لا تأبه بمحرم جنسي أو ديني أو سياسي، حتى ليعجب المرء أن تظهر «نواحُ الريق» في بلد عربي، فكيف في ليبيا! ومن تلك الإشارة أن الأصفر يعلن روايته خليطاً من الشعر والقصة القصيرة والذكريات والرحلات. ففي الرواية أول قصة نشرها الكاتب، وقصة أخرى له، ومتناصات شعرية ـ له ولسواه ـ وغنائية. والأصفر يعلن خياره في «السرد البسيط المشبع بالدلالة غير المتكلفة… السرد القريب من الأرض والناس». ولا يفوته أن بعضهم سيأخذ على الرواية ازدحامها بما ذكرنا من عشرات الكتاب والفنانين، فيعلن أن كل من يذكره عزيز عليه، وهم مثل محمد شكري «بهار شهي لن يفسد طبختي»، ويؤكد أنه سيصفهم دائماً «ولتخرب الرواية فهم أهم من كل خربشاتي».

    انبنت «نواحُ الريق» بالابتداء بسيرة الفضاء التي تتفتق منها سيرة الإنسان (الراوي نفسه أو شخصية ما). وفي موضع مبكر وعد الراوي بألاّ يسرد كيف سافر للمرة الأولى وكيف دخل المدرسة وكيف سُجن، لأنه يرى ذلك «تقليعات قديمة… لذلك سأبدأ من الآخر، فأنا إنسان نسي بداياته». لكنه لن يفي بهذا الوعد، إذْ ان هذا الذي يشتري نسيانه ـ بينما العالم يشتري ذاكرته ـ سيسرد بداياته في الختان والمدرسة وو… غير أن الأهم هو ما يبدو من حين إلى حين من دفع الراوي للسيرية عن الرواية، فهل هي التقية حين يقول: «أنا خائف من تطابق الأسماء والأحداث… التاريخ يطابق نفسه… مغناطيس يضاجع مغناطيساً وأنا برادة طين هشة» أو حين يذيّل الرواية بملاحظة تنفي القصد عن مطابقة بعض الأسماء مع الواقع؟ أم هو التخييل، ليكون على القراءة أن تصدق أن ما رواه الراوي عن قلعة السراغنة أو درنة أو شبرا القاهرة «محض خيال ومحض خُبال»؟ وكذلك أن حكايات الأستاذ عبدالوهاب وعمر جحا والمحقق الذي يأمر الراوي بأن يكتب ما يشاءه هو… أن كل ذلك «متخيلات آنيّة دونتها في هذا البراح؟».

    للقراءة أن تصدّق وأن تكذّب كما تشاء. ولكن لـ «نواحُ الريق» أيضاً وأولاً وأخيراً أن تزهو بجنونهــا وهــي تجــبل سيـــرة الكاتـــب بسيرة المدينة وتخــرج مــن جلدهـــا وتعد بانعطاف الرواية في ليبيا إلى أفق مختلف يلوّح بالوداع والتجـــاوز لما سبق إليه آخرون على رأسهم إبراهيم الكوني.

  3. كمال العيادي علق:

    الاستاذ نبيل سليمان,

    يا أخي لماذا لا تفيدنا بتعليقاتك المفصّلة, في حيّز خاص لمزيد الإفادة
    وتبرئة المبدع محمّد الأصفر من الثّقل, النّاتج عن – مطوّلات – نصوصه
    ثمّ التعليقات حولها.
    حتّى فائض الدّواء النّافع قد يؤذ, وكم حشيشة يافعة أغرقها فيض الماء.

    والله عاد الأحبّة يتجنّبون هذا الدّرب خوفا من ضياع النّهار.
    سنكون سعداء بك كاتبا وناقدا بدروب.

    كمال العيادي – ميونيخ
    http://www.kamal-ayadi.com

  4. انيس الرافعي علق:

    اخي المبدع محمد الاصفر
    الفصل يا حبيبي طويل….طويل.سوف اطبعه واقراه هذه الليلة.وغذا يكون عندي الخبر اليقين.لكن يا رجل خذ اجازة ولو ليومين ودعنا نلتقط انفاسنا.شياطين السرد التجريبي يحتاجون لك في السنوات القادمة فلا تطلق كل الرصاص.محبتي العميقة والصادقة ولاتنس اعجابي يانفاثة السرد العربي.