محمد الأصفر

رومل ثعلب الصحراء (تجريب )

إمدادات هذا الكاتب  20 نوفمبر 2005

الشروق الزعفراني الذي يبدأ تاريخي ما عاد يروق لي .. والغروب القرنفلي لا يصلح أن يكون بداية .. والنهاية غارق فيها .. تعودت على تنفسها .. رئتاي سعيدتان بأكسجين المنتهى .. وزفيري بالنسبة للفضاء نسيم نجدة .
أذرع الشوارع بقدمين تعودتا على نـُـغَـص الحُفر والأخاديد .. وبرأس أنس ينظر أمامه وحسب .. أجلس في مقهى لبدة ببنغازي .. مقهى صغير يطل على شارع جمال عبدالناصر مقابل لمصلحة الحرس البلدي .. يرتاده مدمنو قهوة المكياطة وطلبة اللغات والحاسوب وبعض الوافدين من المغرب العربي .. أتابع الأخبارالساخنة والباردة والمكرورة .. أو أي شيء معروض في التلفاز أو مسموع من المذياع .. أرتشف القهوة تلو الأخرى راحلا على براق خيالي أصطاد ما استعصى من كلمات .. أغويها لارتكاب رذيلة الوسم .. الورق كثير .. الأقلام متوافرة برخص التراب .. الندرة الوحيدة أراها في القـُرّاء .. القراء كلمات تعيسة تمشي على الارض .. تنشد النجاة من مأزقها الرهيب .. تبدأ يومها بشروق بريء وتنهيه بغروب وقح .. يسكبها في ليل بهيم يجثم على أنفاسها كحاكم مغلوب على أمره عليه أن يبقى كي يعيش .
أجلس متأملا سحب الدخان باحثا فيها عن كليمنتي العزيز .. الشخصية التي أحببتها من خلال شعرها الليبي الجميل .. زوجته سارة أينها الآن .. اخته للاهم أينها الآن .. ابنه موسى أينه الآن .. أنا اينني الآن .. الآن أنا جالس في المسرح الشعبي ببنغازي أشاهد مسرحيتي .. الذي أريده كتبته على الورق ودفعت به إلى المخرج وحفظه الممثلون عن ظهر قلب .. الفصل الأول سارعلى ما يرام .. و كما أريد .. بل أفضل مما أريد .. في الفصل الثاني بدأت (المنيكة) و الخروج عن النص .. من مثل (فصلا) صار (بطلا) .. الممثلون تمردوا على كلماتي .. ما يلفظونه غير ما كتبت .. بدأت أنتف شعري وأنبههم بالإشارة .. لكن دونما جدوى والمخرج خلف الستارة لا أراه .. الممثلون مستغرقون في خروجهم والجمهور استحسن ذلك إلا أنا .. وقفت صارخا لاعنا الممثلين والمخرج وإدارة المسرح وحتى الجمهور وسلكت كل الأنظار طريقها إلى .. سعدت بذلك فقد سرقت الأضوء .. الإضاءة الدائرية ركزت عليَّ وأنا أنتقل بين الكراسي أقفز ناحية الخشبة ثم أتراجع وأعود .. ظنونى من ضمن الممثلين الذين يحطمون الحائط الرابع .. أنا حطمت صمتي حطمت رضاي المستكين .. صرت أنط وأصرخ واقول ليس هذا ما كتبت وبما أنني شخصية عامة و نجم شعبي في الوسط الفني والأدبي فقد احتار الجمهور من فعلتي تلك .. لكني استحليت هذا الأمر وهبط على مَـلَـكَـتي إلهام لذيذ لم يمرّ على الرقابة والآن لن يمنعني كائن من كان .. الممثلون صمتوا والمخرج في الغرفة يعبث مع الممثلة الماجنة التي سيأتي دورها في آخر الفصل الثالث ومدير المسرح في مكتبه يحسب نقود الشباك ويختلس على راحته عرق المبدعين .. الجمهور الآن في حوزتى وقد سوّلت لي نفسي أن اقوده .. أن أخرج نصي بنفسي .. أشرت للممثلين بالركوع والصمت .. أنا البطل الوحيد .. أتحاور مع الجمهور .. أقلب بصري في وجوههم على مهل .. وجدت فتاة جميلة نص ونص .. وشوشت لها في أذنها أحبك فصفقت رهافة الجمهور وابتسمت الفتاة .. بل أوقفها هدير التصفيق المتواصل فقبّلت جبهتي وأظلم فني الإضاءة الصالة تواطئا معي فقبلتها قبلة ظلامية طويلة وعندما انتشينا .. أضاء الركح من جديد .. آنذاك كنت مبتعدا أهدهد طفلا صغيرا تناولته من ربَّة بيت رشاها زوجها بدعوة حضور المسرحية لتريحه من كلمة تأخرت وأين كنت .. الطفل يبكي وأنا أرقـّـصه وكانت في جيبي صافرة صغيرة صفرت بها مريرات فسكت .. أعطيتها له ومثلت دور طبيب فقلت لأم الطفل عنده حرارة أكيد تتركونه طيلة الليل من دون غطاء وأنتما تتغطيان جيدا ببطاطين النمر لكن الطفل تغطونه ببطانية أرنب ليكبر على الخوف ولا يرى في النور .. اللى خاف اسْـلمْ وأنتما شجاعان تتغطيان ببطانية نمر وضحك الزوج وصفق لي وأعطانى بطاقة عنوانه قائلا :” إن كنت تريد خدمة من شركة الإسمنت فأنا الأسمنت بروحه .. بالعربي أنا مدير المبيعات .. بوها وكيّالها .. حاول الممثلون الوقوف فشخطت فيهم بصرخة ” كما كنت ” .. وأردفت بخفوت لن أنساكم يا أعزائي .. من بيته يقطر سددت له ثقوب السقف ومن يريد بناء بيت فالإسمنت موجود ومن يريد تجهيز قبر فالإسمنت موجود ومدير المبيعات صديقي لقد وعدني وها هي بطاقته وهاهي زوجته شاهدة وها هو طفله الصغير كان يبكي فأسكته بالصافرة .. ابقوا راكعين فقط أيها الممثلون الأعزاء العرض قد يطول ففي رأسي إلهام طويل سأجري إلى مؤخرة المسرح حيث لا عائلات .. شباب طوال يدخنون وجريت القهقري ووجدت في آخر كرسي شاباً طويلاً طلبت منه سيجارة فقال لي التبغ مهلكة ونحن نريدك فبيت أمى مثقوب وأحتاج إلى حفنة إسمنت أغلق بها ثقوبه قبل حلول الشتاء لذلك لابد أن أحافظ على صحتك فانت أمر حيوي بالنسبة لي .. وجدت بعده بعدة كراس شيخاً كبيراً طلبت منه سيجارة فأعطانى مقبص نفة وضعتها في أنفي وصرت أعطس أعطس بتواصل والإضاءة تضيء وتنطفئ مع عطساتي وعندما أنهيت نوبة عطسي طلبت من العجوز أن أساعده فقال لي أنا وحيد .. عجوزتي توفيت وأبنائي تنكروا لي و تركوني إلى شؤونهم وأحتاج إلى من يؤنسني والحقيقة أنّ أم بطلة المسرحية المرتدية رداءً ليبياً مزركشاً أعجبتني .. تخيلتها وهي تعد لي الشاي بعد الغداء وتقول لي تفضل ياسي الحاج وضحك الجمهور وربتُّ على كتفه أعِـده بتدبّر أمره وأين ستجد إنسانا طيبا مثلك أقصى أمانيه طاسة شاي بعد الغداء .. لكن يا حاج تريد شاي كيس أم شاي براد ؟ قال لي الذي تجيده .. أريده فقط من دون رغوة .
دخل مشاهدون جدد ووجدوا القاعة مظلمة فقدتهم إلى مقاعدهم بعد أن أخذت منهم هوياتهم قلت لهم في نهاية العرض تأتون إلى مكتب الشرطة المسرحية فأسألكم بعض الاسئلة ومن ثم أعيد لكم أوراقكم وضحك الجمهور كثيرا .. أحد الجمهور كان في الصف الأمامي تجهم ولم يضحك فتوجهت إليه وطلبت منه هويته وسألته لماذا لم تضحك ألا تعلم أنني هنا في هذا المسرح الكل في الكل .. أنا هو مؤلف النص .. والمخرج الجبان لايجرؤ على الخروج من الغرفة ليعارضني هو يعرفني جيدا وأنا أعرف تاريخه في السلب والقرصنة على المسرحيات العالمية ومسرحيات الكتـّاب الصغار وربما لو خرج الآن لفضحته أمام الجمهور فالجمهور الآن في قبضتي وإذا لم تعط بطاقتك لهذا الرجل ـ وأشرت إلى شاب مفتول العضلات ـ فسوف أؤلـّـب عليك هؤلاء الرعاع فينـتـزعونها عنوة .. سأقول لهم إنه بصاص شفشة مزروع بينكم والأفضل أن تعطيني بطاقتك ولم أنتظر .. أشرت إلى المفتول فقفز عليه ونتش هويته من جيبه ونتيجة القفزة المفاجئة سقط أرضا من على الكرسي وتدحرج على البلاط جسم معدنى اختفى تحت الكراسي عرفت أين اختفى فزحفت ناحيته .. حيه على أمه .. إنه مسدس رفعته إلى أعلى وقفزت إلى الركح أشهره ناحيته طلبت منه بحزم صعود الركح فصعد مرتجفا رافعا يديه وخلفه الشاب الذي يساعدني قلت له اركع مع الراكعين وبعد ذلك عدلت عن أمري له بالركوع فقلت له انبطح وطلبت من الراكعين حراسته وهم في وضع القرفصاء .. توجهت للجمهور قائلا آه ما رأيكم فصفقوا جميعا والطفل الصغير توقف عن البكاء وصار يصفر بالصافرة نزلت إلى اسفل اتجوّل بين الكراسي طلبت جرعة ماء فأعطاني شاب من الصفوف الخلفية زجاجة رشفت منها إنه خمر محلي ” قرابا ” لا بأس حتى يرتفع معدل الإلهام والآن أنا الملك وفي يدي مسدس والجمهور حتى من دون مسدس يستلطفني ومهيأ لأن يفعل أي شيء من أجلي قلت لهم أريد أن اتزوج .. من تقبلني زوجا لها .. لا أريد السكن في شقة .. سأفرغ سطر كراسي لأجعله سرير نوم والليل قادم والنهار في يدي والزغاريد في حناجركم والتصفيقات في أيديكم والخمر ها هو والشيخ الذي سيقرأ الفاتحة ها هو شيخ النفة والجود من الموجود .. وقفت فتاة من الصف الثانى كانت صامتة خجولة فبادرتها بكلمة موافق وكان خطيبها في جنبها حاول أنْ يعترض إلا أنها صرخت فيه لقد انتظرتك كثيرا .. خمس سنوات وكل خميس انقولوا الآخر .. كل يوم تقول لي غدا وهذا البطل أعجبني .. سلب لبي .. أعرف أنه سيتزوجنى الآن ولا يقول لي غدا .. أخاف الغد .. ربما لا تشرق الشمس .. ربما أموت ويأكل الدود بكارتي .. أريد طفلا أناغيه .. كذاك الطفل الذي يصفر .. أريد أن أعيش حياتى صحبة انسان أنام جنبه .. ينيكني .. يأخذنى إلى المسرح والبحر والغابة والسوق .. أطبخ له الغداء وأعد له القهوة والشاي والكوبنتشينو أيضا .. أخذت الفتاة من يدها وضعتها في كرسي آمن بعيدا عن الأوباش ورجعت لخطيبها همست في أذنه لا تزعل يا صديقي .. الحكاية كلها تمثيل في تمثيل .. ستعود إليك فتاتك .. ستعود إليك بعقلية جديدة .. ستعود إليك امراة لن تعيدها بعد العرض إلى الشارع الذي خلف بيت أبيها لأنه لن يقبلها .. ستلبس الليلة أيها الغبي ! .. من قال لك ادخل مدينتي .. كلكم ملك يميني .. حتى الرجال سأتزوج منكم بعقود عرفية .. لأن بينهم من يستحق التبعبيص وفرّغت عيارا ناريا في السقف فصمت وتسمر في كرسيه ماسكا تكّة سرواله بكل قوته .. ذهبت للفتاة قلت لها لقد تخلى عنك .. أرهبته طلقة مسدس بينما أنا لا ترعبني طلقة ضرطة آر بي جي شفشوية .. استرحتى منه .. هذا ليس رجلا .. لو كان رجلا ما ماطلك خمس سنوات .. خليك معاي بس .. ستنبسطين .. من تتزوج البطل تكون بطلة .. ودقي يا مزيكا .. لم تدق الموسيقا فأشرت إلى فني الصوت أن يشغل الموسيقا على هواه على مسؤوليتى قال لي ليست مدروجة موسيقا الآن عبر هذا الحوار ولا يوجد لديه أشرطة مسجلة وما الحل ؟ طلبت إلى الجمهور أن يغني :
“” الليلة الليلة الليلة .. سهرتنا حلوة الليلة “”
كل الجمهور يغنى وأنا أرقص مع الفتاة بين الجمهور وخطيبها متسمر وعندما رأيت دموعه تتساقط بغزارة تيقنت أنه يحبها فعلا فتوجهنا ناحيته وأوقفته مطمئنا إياه وطلبت منه أنْ يرقص معها وأنا أتفرج عليه .. رقص المسكين وصارا يضحكان والجمهور يصفق وسعيد ومبسوط وفي النهاية عادا إلى مكانهما متشابكي الأيدي .. قلت له بإمكانك أن تغادر إن لم يعجبك العرض لكنه فضل البقاء قائلا لي أريد أن اعرف المصائر وخاصة مصير الشفشة صاحب المسدس .
في منتصف الصالة جذبتنى من ساعدي فتاة ترتدى جلبابا اسود .. همست في أذني أنا لست مخطوبة ربما انديروا أفـّاري ( صفقة ) .. مقالبة .. ( نتفق ) .. قلت لها أوكي .. لكن تمثيل في تمثيل .. أنا لا أتحدث جديّـا أبدا .. قالت حتى تمثيل راضية .. نجيلي تمثيل هالغزيّل .. قلت لها أخاف أن يتحول التمثيل إلى حقيقة مثلما كتابتي لهذه المنصوصة التي تحولت إلى حقيقة وأنا من يقوم ببطولتها .. دعينا من هذه المواضيع .. فالجمهور ملّ من حكايات الرومانسية .. يريد واقعية قذرة تمس حياته مباشرة .. إن أردتِ أنْ تمثلي معي فقفي ربما أجد لك دورا مناسبا .. دعينا الآن نتجول بين الكراسي .. نفتش عن شيء ما .. عن إحساس ضائع او مختفٍ .. نبحث عن ذواتنا القلقة .. نهديها نفحة وجدانية أو ابتسامة عذبة أو نور قمر أمتصه فأشبع .. ها آنذا عدت للرومانسية .. أنت فتاة غاوية أوقعتينى في شركك .. لكن لا بأس .. لن يخسر أي رجل في علاقته مع فتاة .. فالمراة دائما عناق فداء .. لكن لن أفوز عليك .. لو فعلتها سافقد جمهوري المحبوب هذا .. سأفقد هؤلاء الطيبيين الذين أداروا أبصارهم عن عرض المسرح المصطنع ووجهوا مداركهم نحوي .. أنا البطل الحقيقي خالق هذه المناغاة .. مبدع هذه الأرواح .. مبدع هذه العلاقة التي تقوم الآن بيننا .. ما اسمك أيتها الفاتنة الفتّانة .. لا يهم اسمك من أنت .. أنت حمامة نست جناحيها في البيت.. جئتِ إلى هذه القاعة بمعية أخيك .. أخوك الآن غير موجود .. تركك في المسرح وذهب يبحث عن أشيائه الخاصة .. سيعود عند نهاية العرض .. ستجدين سيارته أمام المسرح .. تركبين معه ليعيدك إلى البيت .. وهناك ستنتظرين متى آتى لخطبتك .. ويطول الانتظار وأنساك وتنسينني ويدخل على الخط أناس جدد ” و أنساهم اللى نسيوك واشقى بكبر نيران غيرهم ” .
والآن نريد أن نـُكْبٍر النار في هذه القاعة .. أمامك هؤلاء الجمهور الذي يحبنا .. سيشهد الجميع على زواجنا .. سيسعدوننا .. سيبنون معنا سعادتنا طوبة طوبة .. لكن لن أتزوّجك حتى تحلمين معي .. اشربي معي جرعات قرابا .. ليحلو الحلم .. تعالي الآن .. أنت ميزة لذيذة .. وأنا أيضا بالنسبة لك .. تجرعي ما تبقى .. ولحظ فني الإضاءة نشوتنا فأطفأ النور .. وتعانقنا بمحبة إنسانية .. وحلمنا معا بأن تكون بعوضة .. وكانت فعلا .. وقررت أن أكون مثلها .. وبدأت تترآى لي وهي جالسة في المحراب ترفع كل أطرافها إلى الله ، تطلب أن يحوّل أحدنا إلى جنس الآخر وجدتها خائفة مترددة في العودة إلى أنثى إنسان لا أدري لماذا ؟ هل تخاف من الختان المستمر ؟ أم من الوأد فور اكتشاف الأنوثة ؟ وفرت عليها المجهود وقلت لها اطمئني لقد أزحت عنك قلقك الثقيل ، فضحيت أنا ( بآدميتي ) وأجريت العملية المؤلمة ، أحسست بأنني أصغر وأصغر وأصغر حتى وجدت نفسي واقفاً قرب حبّة رمان طازجة ، تلمست جسمي ، شعرت بالغربة ، أين سروالي وسترتي وملابسي الداخلية وساعتي وخاتمي وسلسلتي ؟ وبعد أن زال المخدر ، واستعدت وعيي تذكرت تغيّري إلى جنس البعوض بمحض إرادتي ولكن كنت حزيناً من البشر لأنهم سينشونني .. وأنت سيضربون بضعف جناحيك الأمثال ، قبل حقني بالمخدر كانوا قد أخذوا مني كل مقتنياتي .. البطاقة الشخصية ، جواز السفر ، رخصة القيادة ، كتيب العائلة ، تذكرة الحافلة .. قالوا لي هذه ليست من حقك يا بعوض .. وودعوني ببسمة فائحة بالزيف فهمت منها أنهم ينعتونني بفاقد للرجولة ..
لم أعبأ .. طرت في سعادة ، ما أجمل الطيران ، أول مرة أشعر أن للطيران لذة ، متعة الطيران لا يشعر بها الإنسان أبداً ، هناك فرق كبير بين أقدام تدوس وأجنحة تحلق ! حتى وإن طار الإنسان فلا يطير إنما يطيّر بواسطة ويكون طيرانه محفوفاً بالأخطار .. آه بعوضتي تحليقي في السماء جميل ، لم أربط الأحزمة ولم أخف ، أصبحت واحداً منكن أيتها المخلوقات الطائرة ، كنت منساباً في فاصل من الرقص تدغدغني نسائم الهواء ، آه مستحيل وفوق المستحيل أن أعود إلى أصلي الخاطي على التراب … عندما شبعت تحليقاً اقتربت منك ، عانقتك ، قبلتك ، رقصنا معاً ، شاركتنا الفراشات الرقيقة ، كنا متهافتين ومستعجلين ومشبوقين أيضاً على إتمام مراسم الزواج ..
زوّجنا ( عقد قراننا ) صرصور طائر ، وشهدت على الزواج إناث العناكب ! وفرقة الرقص من نحل البراري ، وامتطينا خفاشاً مصطولا تجول بنا كثيراً عبر الحدائق والبساتين ، ولم ينس أن يمر بنا على صيدلية أبي العلاء المعرّي لشراء حبوب منع الحمل ، بعدها أنزلنا بهدوء على سريرنا الآمن قرب نافذة مفتوحة تجنباً لأي مبيد شفشي ضار ..
في الصباح وبعد ليلة الدخلة القارصة والماصة والهارشة والخابشة ، ليلة العزاء السعيد ! وبعد أن استنفدت فيها كل ما لديك من دماء مدخرة وبعد أن سكبت فيك كل ما امتصصت من صدمات وهموم ، إذ بك تفاجئينني وتنكدين علىّ فرحتي وتحولي ومسخي ، تهمتني بتهمة قد تقوض وتزعزع أسس الثقة التي بيننا ، صرخت في وجهي بعد شبعك طبعاً .. أنني لا بكارة لدي ، قلت لك أنني فقدتها منذ زمن ، وإن كان هذا الأمر يؤثر على علاقة زواجنا ( فما زلنا قريب) ولنحضر الصرصور بعد أن ينعنش وإناث العناكب ونُصفـّي الموضوع ودياً وكل منا يعود ادراجه الهابطة في الشقاء ..
الحقيقة يا بعوضتي كنتِ بنتاً أصلاً ، فهمت الموضوع واحتويت مشاعري هامسة في أذني: أنا لا أقصد ياحبيبي .. ثم غمرتني بقبلة بعوضية .. مزيج من الامتصاص والقرص والعض ، كنت أعرف أن هذه القبلة تستخدمها الإناث في أوقات الطوارئ ، فنسيت المشكلة، ورميت من عقلي كل العقد والسلاسل والأقفال ، رميت بها بعيداً في قمامة لا يرتادها البعوض .. شعرت بالراحة فما عادت في عقلي الآن أي رواسب جاهلية ، والخوف فضت بكارته أنوار التفاهم .. طرنا معاً ، أيدينا متشابكة ، قلوبنا متعانقة ، كأننا طفلان نتراقص في غفلة من زمان الوجود .. تذكرت أطفال (فيروز) الذين دارت بهم الدار ، طرنا عبر العلو وبدأنا رحلة الوخز والقرص والامتصاص ، كنت سعيداً جداً و(آخر فل وتمام) لأنني أقرص الناس وأنا بعوض ولم أقرصهم وأنا إنسان .. كنت أختار الضحية ، أنظر إليه من جميع الجوانب ، أبحث عن أكثر عضو فيه غروراً لأقرصه ، كنت أقرص داخل الأنف وأمتص نقطة دم طازجة ! كنت أنتزع بعناية نقط الدم من دون أن يلوثها المخاط ، وعندما أقرص دائماً أهرب في الوقت المناسب لأجعل أصابعه تذهب في (الفاشوش) بعدها أضحك ملء أوداجي ، تمتعت كثيراً واستلذذت أكثر بلعناتهم واتهاماتهم لحماية البيئة بعدم رش الشوارع بالمبيدات ، كنت أسمعهم يتحدثون عن الملاريا والكوليرا والسل وإنفلونزا الطيور ويحمّلون الحشرات المسؤولية ، وأصرخ فيهم بمزيد من القرص إننا معاشر الحشرات بدأنا نخاف أن نصاب بسبب دمائكم القوّادة الملوثة بالسيدا والحسد والضغينة والشيء الجديد المستفحل الآن ، لا أستطيع أن أصفه لكم يا أصلي السابق ، إنه مثل تمسح القطط بالعتبات ولكن تمسح القطط ناعم ودافئ وشريف بينما تمسحكم خشن وبليد وقذر إلى حد الوقاحة ، حتى نحن سنكوّن جهاز حماية بيئة من أجل رشكم بسماد الصدق ، هل تصدقون أنني أصبحت أبحث في تاريخ الضحية التي سأقرصها حتى لا أصاب .. !! حياتي البعوضية جميلة ورائعة وراض عنها تمام الرضى لدرجة تمنيت أن يحشرني الله بعوضة ، سأتحمل إثم كل القرصات ، ولكن هناك وسوسات تأتيني بين الحين والآخر ، عندما كان النحل يرقص في زفافنا قلت لنفسي : لماذا لا أتزوج نحلة حتى تكون حياتي كلها عسل في عسل ؟ ولكنني تذكرت حيوان البغل المهجّن من الحصان والحمار ، خفت من هذا اللقب فتراجعت .. آسف بعوضتي أعرف أنك غيور ولكنني أخذت منك الأمان ضمنيا في بداية سردي لهذه الملسوعات ..
بدأت حياتي الجديدة أقرص بشراسة ، والذي يكثر رغاؤه أختار له الأوقات الحميمية جداً لأقرصه في موضع لا يتوقعه ولا تصل إليه أصابعه أبداً . أحدهم كان يحمل في يده قنينة مبيد ، والأخرى (نشاشة) سعف ، وكان بيته مقفلاً من جميع الجهات ويضع على نوافذه القماش الشفاف ، فكرت أن أدخل إلى حصنه وهو الذي يتحدى كل البعوض ، قلت لا بد من قرصه ولو ضحيت بحياتي البعوضية هذه ، اختبأت له في مكان آمن لا يفتحه أبداً أبداً ، أين اختفيت خمنوا ؟ لقد تقرفصت له في محفظة نقوده التي لا باب لها ولا نافذة أيضاً ، وبعد أن نام وبدأ شخيره يضج كصرير باب صدئ ، تسللت من المحفظة على رؤوس أصابعي وقرصته بكل قوتي الآدمية ، قفز عالياً كالممسوس وهرع إلى قنينة المبيد ضخ رشة قصيرة ثم نشها بالنشاشة لتتوزع في أرجاء الغرفة ، بينما كنت في تلك الأثناء أعود في استرخاء إلى المحفظة السجن ، خرجت في الصباح .. عندما كان في المخبز يهم بإخراج ربع الدينار بيد مرتعشة لسداد ثمن أرغفة الخبز ، في المخبز كان الجو حاراً ، فطرت عالياً لتقذفني المروحة الطاردة إلى الهواء الطلق .
لم أضرب بأجنحتي كثيراً سرعان ما وجدتك تعظين الذباب بعدم الوقوف على وجوه الأطفال وتوبخين نحلة شارحة لها عدم جدوى امتصاص أزهار صفراء لم تنضج بعد . خفت أن يطول شرحك ووعظك ونحن في شهر العسل وحويصلاتي ممتلئة إلي”الجمام” ، فأخذتك من يدك وعانقتك وقبلتك أمام الذباب والنحل والناس ، كان عقلي يفكر بوساوس ما بعد الشبع ، كنت أفكر كيف أتخلص منك ؟ وكيف إن تخلصت منك سأفقد بعوضيتي فأنا لا أستطيع العيش من دون قرص ، ولا أحتمل أن أعود إنساناً مرة أخرى ، لا أريد أقداماً أشتري لها جوارب وأحذية ولا جسداً أستره بالكتان ، أريد أن أكون هكذا ، يكسوني ربي بأعضاء دقيقة لا أخجل منها وجناحين يرفعاني إلى السماء .. آه أحبك يا بعوضتي .. آسف لهذه الوساوس ، جسدي بعوضي ولكن نفسي مازال فيها شيء من آدم .
فكرت أيضاً أن أقرص النساء والفتيات ولكن تراجعت .. أعرف أن العفيفات منهن دمهن لذيد وطاهر ولكن قلت قرصات الحياة لهن تجعل قرصاتي غير ذات معنى .. حلم طويل .. (أطول من ليلة بلا عشاء ) سأكمل لك الباقي عندما نصل إلى المستنقع الآسن ، الذي سنقضي فيه شهر العسل ، سنركب على ورقة توت يابسة تطفو بنا وبجانبنا الطحالب الخضراء ، ستحملنا الرياح الهادئة نحو العمق .. حيث السكينة والهدوء والحب الذي ننشده جميعنا ويؤرّقنا .
والآن مرة أخرى نريد أن نـُكْبٍر نار الغلاء في هذه القاعة بصورة واقعية .. أمامك يا هؤلاء الجمهور الذي يحبنا .. سيشهد الجميع على زواجنا .. سيسعدوننا .. سيبنون معنا سعادتنا طوبة طوبة .. سيتبرعون لنا بالمال والحلي .. وهل أطفال الحجارة أفضل منا في الرجم .. ارجموا صاحب المسدس بكنادركم وامتلأ الركح بالأحذية اللامعة والمتسخة والممزقة .. نسائية رجالية شبابية .. وكان ذلك التعس صاحب المسدس قد شَجّت رأسه فردة كندرة طويلة العنق يابسة البوز جاءته من حيث لا يدري .. وضع أحد الراكعين قبعته على الجرح إلى حين استدعاء الإسعاف . . الجمهور الآن صار حفيانا .. لن يغادر المسرح بتاتا .. طلبت من الراكعين أن يجمعوا كل الأحذية ويخلطونها في برميل صادف وجوده ضمن الديكور.. برميل نفط مكتوب عليه السعر بالدولار الأمريكي .. وعدت إلى صاحبة الجلباب الاسود ذاته قلت لها اخلعي هذا الجلباب وأطفأ فني الإضاءة النور وخلعت جلبابها وعندما أضاءه كانت ترتدي فستانا موردا وعندما قلت لها أمام النساء الحاضرات هل أنت مصابة بقشرة الرأس يا بعوضتي خلعت وشاحها سريعا ورمته وسقط شعرها مسترسلا جميلا على حواشي رقبتها وكتفيها والآن لابد أن أرقص معك كما في الحلم الماضي .. لا أحب زوجة لا تجيد الرقص .. لكنها المسكينة احمرّ وجهها وتألقت الوشمة الصغيرة التي بين حاجبيها ففهمت ما تريد .. هي لا تريد الرقص في هذا الواقع المسرحي .. تريد أن تحجّل وقلت للجمهور الذي معظمه من البدو المتمدنين هيا حوسوا فيها كشك وعوى أحد الرجال كذئب وزغردت إحدى العجائز زغرودة نغيمة بينما الفتاة شرعت تحجّل وشتاوة صاح بها متحمّس أمسك بطرف عمامته يلويها في الهواء :
” يا ياس انريدوا غير نفس .. نروقوا كيف الناس وبس “..

وفجأة صمت الجميع .. لا أدرى ما حدث .. لكن وكأن التيار الكهربائي انقطع .. الجمهور يحملق في نقطة ما على الركح .. بالضبط في القماشة التي تغطي جدار الركح المقابل .. ركزت معهم .. ثمة شبه ماسورة طويلة ترفع القماشة ومن ثم ترتد إلى الوراء .. قفزت إلى الركح وفورما أمطتُ الستار مجددا جذبتها .. إنها عصاة مكنسة يعبث بها المخرج ليشرح للممثلة كيفية طعن الممثل المتقمص دور الرجل الشافط للمجاري عندما يحاول مغازلتها بسماجة .. جذبت المخرج إلى داخل الركح وكان مستغربا لتصرفي وصار يلف حول برميل النفط ويخرج منه الأحذية ويعددها ويتعجب ويسأل ما الأمر في صمت فأشير إليه أن يسأل الجمهور وعندما صار مشدوها غمزت اثنين من الممثلين مشيرا إلى حذائه فأوقعوه أرضا ونزعوا حذاءه وأيضا جوربه ورموهما في البرميل وطلبت منه أن ينزل مع الحفاة أو يركع مع الراكعين فاختار أن يهبط مع الحفاة وهو في قمة الاستغراب وعندما هبط سرعان ما تردد وصعد مجددا منبطحا على أرضية الركح أوعزت للفتاة أن تـُحجّل من جديد و أحد الاشخاص أطلق شتاوة جديدة :
” بخت العين رقد من جدّه .. دار فراش ودار مخدّة ” ..
وبعد شوط طويل من التصفيق الملهب للأكف شتّيت لها :
” صبي يا سمح التهميتا .. يكفينى فيك الـتـبهـيـتا ..”
فتوقفت وخرجت من الحلقة .
وصفق الجميع وعادت الفتاة إلى كرسيها ارتدت جلبابها .. بدت خفيفة وكأنها أزالت كل أحزان الدهر من فوق كاهلها .. توزع ابتساماتها على الحضور واقترب منها شابان تركتها وشأنها معهما .. كانت سعيدة جدا وكنت سعيدا وأنا أبتسم لمرح هذا الصنف من النساء .. ابتعدت فرحا فقد رأيت في الصفوف الآمامية طفلة صغيرة تشير لي بالحضور .. كانت في حضن أمها فاقتربت منها وتناولتها بين ذراعي وضعتها على مقدمة الركح فجرت إلى ناحية البرميل تتلاحق فوهته لا أدري ماذا تريد لحقتها و وضعتها داخل البرميل ثم رفعتها وفي يدها حذاء صغير هو حذاؤها انتعلته وجرت على الركح تلف حول الراكعين والمنبطحين .. أخذت قبعة صاحب المسدس ورمتها إلى داخل البرميل ثم أعادت حذاءها إلى البرميل وقفزت إلى أسفل الركح تجري ناحية والديها وهي تقهقه لا أدري ما حكاية هذه الطفلة ولا الهدف من وراء فعلتها لكن الجمهور كان يستحسن فعلتها ويصفق .. إذن الطفلة على حق .. شعرت أنني دائخ جدا .. ترنحت وكدت أسقط .. سألت هل من طبيب بين الحضور ؟ لا أحد أجاب .. الحاج العجوز الذي أخذت منه النفة قال لى انعزّمْلك فأنا فقيه متقاعد .. فرفضت .. ازداد دوخاني .. جريت ناحية الفتاة اتأمل عينيها لتظل صورتها تؤنسني في غيبوبتى .. وأنا أكاد أسقط نزلت الطفلة من حضن أمها .. خلعت لى حذائي .. صعدت به الركح وعندما رمته في البرميل بدأ وعيي ينتعش وحالتى تستقر وتركيزى يعود وأصرخ لحفاي المزمن .
غمرني إحساس غريب لم أجربه من قبل قط .. حتى في رحلتي البعوضية .. لم أشعر الآن وسط هذا الحشد أنني مؤلف .. أشعر أنني شيء عادي لا أساوي جناح بعوضة ويا ليتني أساويه فهو يطير على الأقل .. وإذا لاحظ الجمهور حالتى هذه .. صفـقوا لي وابتسموا لي فاكتنفتني نشوة وليدة وقوة لا أشعر أنني أمتلك زمامها .. أعطيت الطفلة المسدس وتنقلت بين الحضور من دون خوف .. الكل يرحب بي ويبتسم ويشركني طعامه وماءه وسجائره .. ظهري للركح ووجهي للجمهور .. والطفلة أراها تجري صوب باب جانبي وتختفي .. استغرقت اتأمل هذه الوجوه .. هذه الحياوات التي أشاهدها .. هذه الأحلام التي تستكتبني عنوة .. أجدها تضيف إلي معاني طازجة .. أحاول أن أجعل لها صدى يعود إليها .. لكن من دون جدوى .. كان هناك مقعد خالي في آخر القاعة .. تهالكت عـليه واستغرقت أفكر في كليمنتي أربيب .. وأين هو الآن .. أكيد يكون ميتا .. لكن أين .. وهل خلف بعده خلفاً .. وزوجته سارة .. وابنه موسى .. وأخته للاهم .. وبقية الحياة التي تحيطهم .. كليمنتي .. أين أنت أيها الصديق؟ .. أمنحنِِيِ قصيدة واحدة من قريحتك الفذّة .. أغنيها لوليفـتي الجديدة اللطيفة كوندليزا رايس التي أحسّها الآن كحذائي وأحسس نفسي جوربها اللحمي الشفاف والناعم جداً .. جدا جدا .

أعيش في طبرق لأربعين حولاً خلت .. استمع لفرقعات القنابل .. أشم رائحة التين .. البطيخ .. البصل .. التابير .. أنا لست في عام 2005 ولا عام 2000005 ولا عام 2000000005 ولا عام كله أصفار دون خمسة أو اثنين.
أنا في آخر الزمن .. في دقيقة مع السلامة .. الدقيقة التي ستقفل الباب وراءها وتذوب .. آلهة المرور إلى الأمام .. إلى العفن .. إلى النضج .. إلى الطزاجة التي بدايتها عفن ونهايتها عفن .. دقيقة الماء المسفوحة على خدِّ هذا اللغز .. على خدِّ هذه الأحجية الغادرة بالغبار .. الكاشطة لكل لواح يأس .. الغابقة بالحشيش والجوع والضحك والجنون والبركات .
أجلس في طبرق .. أتمشى على شاطئها الآمن .. شاطئها الصخري المشوي .. شاطئها المجوّف بالألم والحزن .. شاطئها المتخم بالمُـغر المنخورة من أبد الملح .
شاطئها الصخري .. منط فتيانها إلى أعماق المزح .. ومصطبة صياديها الهواة والمدمنين .. من فوق صخرها هذا يرمي الصيادون صناراتهم .. يصطادون البوري المتأدب الذي ما عاد يتبرز على الطعم ويهرب .. ففي البحر ظهر نبي جديد .. يدعو إلى عدم الكفر بالنعمة أو التبرز عليها .. نبي جاف كالقلم الجاف .. متى يـبـس أرميه وأقتني غيره .

هذه المقابر التي أزورها يختلف شعوري حيالها عن شعوري لدى زيارة مقابر المسلمين .. في مقابر المسلمين أقرأ سورة الفاتحة .. أبدأ بالحمد وانتهي بالضالين .. في مقابر النصارى لا أعرف كيف يترحمون بطريقة الإنجيل .. الإنجيل الذي أهْدِيَ لي في مالطا صادرته السلطات في ميناء الشعاب .. قال لي الضابط ذو اللكنة التونسية ممنوع دخول كتُبْ السماء .. كواغد ما تمّاش .. يوك .. أنت لا تحترم القانون .. سأصادر الكتاب والجرائد الملفوفة فيها المزهريات .. كواغد ما تماش .. قلت له ليس مشكلة .. صادر كما ترغب .. غير اطلق عمك بعباته.
خرجت من الميناء بحقيبة ممزقة مبعثرة .. ومن ثـقب بأسفلها يظهر جزءاً من صباطي الإصبع البلاستيك .. أعدت ترتيبها على كرسي سيارة الأجرة الخلفي .. أرتب وأدندن بهمهمات غير مفهومة .. سائق الأجرة يظنني سعيدا أغني وأنا ألعن أبو أم الجمرك والأمن والفتاشة بأنواعهم .. قلت كنت في حالة ترحم فحولتموني إلى حالة لعن .. سحقت العقب في منفضة سجائر السيارة ودفعتها أماما لتختـفي في الطوار .. عدت إلى حالتي الأولى .. إلى المقابر الطبرقية .. الأموات كثر .. كل ميت يتبع دينا .. كل دين له طقوس خاصة في الترحم .. في الهند يحرقون الجثث ويذرون رمادها في النهر .. كيف أترحم على موتى الهنود .. سأسأل السمك .. السمك مشغول .. سأسأل ماء النهر .. ماء النهر مشغول .. السمك يأكل رماد الماضي .. يأكله بنهم ويرقص .. ويجن .. يأكل ولا يرى الصنارات .. يجهل الشراك الساعية إليه من اليابسة .. يابسة الفخ .. غواية الرماد تقوده إلى الموت .. تقوده إلى الحياة .. في الهند لا أعرف كيف يترحمون .. كيف يترحمون أمام أجساد تبدأ رحلة عودتها بالاشتعال .. بمنتهى الدفء .. تصل الجحيم.. الشجر الجاف يشارك الجثة الفناء .. الهواء الذي كان أنفاسا لذيذة يتنفسها الآن معا .. في الهند لا أعرف كيف يترحمون .. أغرف بيدي من النهر .. قطرات الماء خليط آدمي .. القطرات في يدي انفعالات تبتسم وتكشر .. أزاوج بين التبسم والتكشير .. تساعدني البصمات الباقي بها دفء من مصافحة الحبيبات .. أخلـّلها في بعض كأوراق اللعب .. أقبّل الناتج من التزاوج .. أغرف مرات ومرات .. في كل مرّة أجدّ شيئا مختلفا .. أواصل الغرف علّني أجد في يدي إنسانا متكاملا .. إنسانا واحدا وليس خليطا .. إنسانا واحدا أسأله كيف أترحم عليه .. كيف أجلب له الجنة بـنـيّـتي العاشقة للكلمات .. بنيّتي الشاعرة كحبيبتي .. بنيتي الغارقة في دفء اللقاء واللهفة .. البصمات فراحتي مازالت دافئة .. خالدة كنقوش فزان .. أتحسسها بإبهامي .. أتتبع خطوطها الفريدة .. كل خط يفضي إلى سعادة بعيدة .. إلى خفقة تحتضر في قلبها .. تستلذ بالاحتضار الطويل .. الذي ليس بموت وليس بحياة .. وليس بشيء يمكننا وصفه .. خفقة نعاس لذيذ .. ارتخاء في حضن يحبنا .. غياب في ظلام لا لون له .. انفجار داخل بللور يمطر الفقاقيع ويتدحرج صوب حفرة ليست قبرا.
أغرف الأسئلة من النهر .. أغرف الأجوبة من الموت .. أغرف بيدي بلا توقف .. أغرف حتى ينـزح النهر وتظهر بصمات عظامه .. آه ..آه..إني أبتهج الآن .. أتألم .. أضيع .. أجد تعبي يحيطني .. يطوقني بخدر لا أحس بعده بشيء .. أحاول الانتصاب من جلستي على حافة القبر .. أعجز .. أعجز وكأنني القبر .. القبر يركض بعباءته الترابية بعيدا عني .. لا أدري أي قبر هو .. ولأي دين ينتمي .. لا أدري .. لا أدري .. أعرف قبل أن أغيب أنه ينتمي لدين الموت .. الدين الذي ليس براحته بصمات دافئة ولا باردة .. دين أصلع معتم حديب .. أغرف أغرف .. وأغرف .. يداي تعبتا من الغرف أمّا جسدي فقد ابتلَّ وعوى.
جون برايل جندي إنجليزي أسرته قوات المحور (إيطاليا ألمانيا اليابان) هو الآن في زنزانة بمنطقة البردي وطن قبيلتي الحبّون والقطعان .. أتأمل لوحته المرسومة على الجدار .. هو واللوحة أراهما كائنا واحدا .. لا أدري من منهما رسم الآخر .. من منهما وجِدَ قبل الآخر .. من منهما البيضة ومن منهما الدجاجة .. جون برايل أحْضِرَ إلى المكان .. اللوحة كانت في خياله .. نقشت تشاركه السجن على الجدار .. في الغرفة سجينان .. سجين وسجينة .. في الفن تتغير الأجناس وتتبادل .. لو كان الرسام أنثى لكانت اللوحة ذكر .. أبصارنا أبناء الرؤى .. وبنات المرائي .. رسم اللوحة بألوان بدائية .. نضيدة مذياع حطمها وسحن كربونها حتى استحال كحلا .. كحل به عيون الجدار .. نثرات الرماد ألصقها بصمغ ارتعاشاته .. قطع حبل السرة من خياله لتطل الأشكال فاغرة البصائر .. مستغربة .. مندهشة .. لماذا أخرجنا هنا .. وألصقنا في هذا المكان .. بكت الأشكال لتركها عنوة جنان الحلم في المخيلة الكائنة جون برايل والمخيلة التي ستكون اللوحة الوليدة ..
جون برايل يرسم لوحته غامسا إصبعه في الرماد : فرقة سيمفونية .. راقصات باليه .. مايسترو موسيقا .. نساء عاريات .. متفرجين .. قصاصة جريدة صادرة عام 1942م .. منضدة عليها أعقاب سجائر .. أربع ملاعق .. مثلها شوكات .. أرجل المنضدة عبارة عن روايات تشارلز ديكنز فوق بعضها .. إنجيل صغير كالذي صودر مني في ميناء الشعاب .. رسالة إلى أمه .. إطار في أعلى اللوحة يطل من بورتريه وجه ذاهل يشبه جون برايل .. الإطار مقضّب بأسياخ متداخلة ..
كل تلك التفاصيل نقشها على خلفية من جماجم رمادية كربيع الشيب.
في شهر تخالـقا .. وتأملا من الداخل والخارج .. بعد شهر تمّ تحريره وحده ليلقى حتفه بعد أمد قصير في ملطمة العلمين .. وبقيت المخلوقة من دون خالق وبقي الخالق الراحل من دون مخلوقة .. وبقي خيال الحي وخيال الجماد يرسمان في عالم خارج إدراكنا .
عندما كان جون برايل يرسم لم يكن واقفا ولا جالسا .. كان سابحا في الهواء .. سابح داخل زنزانته ..
القضبان تردّه ..
الجدران تصدّه ..
السقف يهدّه ..
وآه من أسقف الرماد ..
رماد في سواد
ظل في ضوء في بياض
ظلام في هواء
ملح يجلبه نسيم الماء
من الأسفل يأتي الملح
من الأعلى سكّـر العسل
من المنتصف السراب
من لا حيث لا يأتي الحيث
أتأمل اللوحة المرسومة بألوان بدائية وبخدوش من خرائب الضياع .. خدوش غاضبة .. منبعثة من إلهام روحه .. يبدأها صباحا وينهيها أوان الغروب.
دقات قلبهما فرشاة .. دموعها ماء يبللها .. يطرّيها .. يطزّج روح الحياة فيهما .. الفرشاة في عينيه .. يدغدغها بأهدابه .. يغني بها على الجدار .. يعزف بها ألحان الكوّات والثقوب .. ألحان لا أوتار تنتجها .. ولا حناجر أو فجوات كالتي في الناي تسببها .. ألحان صامتة دامعة .. عابقة بضوع الزعتر والإكليل .. والمريمية وحَبُّ العزيز .. عابقة بغنج البحر وسيلان التين وخصوبة التابير .. ألحان طبرقاوية باقية إلى أبد الأبد .. الغرفة على رأس جبل .. على أعلى نقطة سمو يمكننا تخيلها .. على مرتفع شامخ في منطقة البردي .. بجانبها جامع صغير .. تحتها هاوية .. سطحها ماء .. قاعها محار .. بخار .. بهار .. أسرار .. كل مساء يلصق وجهه بالقضبان .. يتأمل القمر في السماء .. والقمر المنعكس على صفحة الماء .. وفي لحظة يحس بارتعاشها فيعود سريعا إلى فراشه ويغمض عينيه .. تدخل النسمة الأنثى .. عروس بحر أو جنيّة لا فرق .. تدخل رشفة المعنى الرطبة .. يجسّها .. يكلمها .. لكن لا يراها .. اللوحة تراها فتبتسم بسمة رمادية .. منطقة البردي مشهورة في كل العالم .. خاصة عند السحرة المغاربة والأفارقة واليهود .. يقولون إن سليمان الحكيم يسجن فيها مردة الجن في قماقم .. ويستودع فيها عرائس البحر هبات للعشاق الحقيقيين .. هي جميلة والأميرة براديا التي سميت باسمها المنطقة أجمل .. الأميرة براديا جميلة الجميلات .. أنا أحب براديا .. تشبه في خيالي حبيبتي .. حبيبتي منعشة في هذا القيظ .. أحسها بجانبي وأنا أكتب .. ألتهم من ارتجاف ذقنها وجبة حنان .. براديا منعشة أيضا أحسها وكأنها طربوش آيس كريم يذوب ..
جون برايل سعيد .. مسجون في قمقم حجري .. سيده سليمان .. لكن الآن سيده هتلر وموسوليني .. في الليل يتغذى بالأحاسيس .. تلك الجنيّة تنفث في روحه عمق الفن .. تدلك أصابعه المبدعة .. تمتص حلمتيه .. ترويه قبلا ودفئا .. ومع الفجر تغادره .. تغادر مع القمر متدثرة بكساء التماس الفاصل بين الخيط الأبيضاني والأسوداني .. تذوب في شعاع شمس وتغطس إلى حيث لا تدركها المراسيل .. في الليالي الصمّاء التي لا قمر فيها ولا نجوم .. يبكي جون برايل ويناجي أمه .. يكتب لها أمنيات على أوراق الهواء .. يغرسها دفقات .. آهات .. تطير عبر قضبان زنزانته .. يلتهمها ظلام الليل .. ويضيئها وسط بغيتها.
هو يحس بوصولها .. دقات قلبه المتضاعفة تخبره .. يلامس براحته خد أمه .. يمسح دميعاتها الثلجية .. فتتيقن أن جون برايل ابنها قد عاشها الآن .. تعانق كل طفل قريب منها .. وإن لم تجد طفلا فتمسك أصيص الزهور وتغرس وجهها في ورده.
كانت الجنيّة تغني له أغاني موحية .. تحثه على الإسراع في إكمال اللوحة .. ما تفكر به بثه الآن .. حطم نضيدة مذياع أخرى وسحن كربونها كحلا .. الكربون فحم محترق .. كحل امتصّه مذياع .. كحل ألم مسحوق بموت .. كلمات المذياع وموسيقاه ضاعت .. دخلت الآذان وماتت في النسيان .. قطعة الكربون في النضيدة بقيت .. كحل يلتصق في بعض ويتماوج صانعا أشكالا جميلة.
عندما كنت صغيرا أجلس مع حبيبتي .. ندق فحمة .. ونضع مسحوقها فوق طرفي مرايا ثم نبصق معا على الفحم ونلصق طرفي المرايا على بعضهما .. نحككهما على بعض معا .. هي بيد وأنا بيد .. ونبعد الطرفين الزجاجين .. ونبصر ماذا قرّب الفحم المنسحق لروحينا .. يا الله .. هكذا تصرخ حبيبتي .. هذا عصفور .. هذه قطرة ندى .. هذه فراشة .. هذه وردة سوداء .. سوداء .
ونعيد الكرّة وعيوننا تلتهمنا.. وفي كل مرة تبصق هي وأبصق أنا .. وتظهر لنا أشكال جميلة نفلسفها بصغرنا الغض .. وفي مرّة عند الأصيل أخرجنا لوحي المرايا بسرعة متلهفين .. فجُرِحْتُ أنا وجُرِحَت هي .. وعلى طول وضعنا الفحم المسحوق فوق لوحي المرايا ولم نبصق عليه لكن أخلطناه بنزفنا وحككنا اللوحين .. ويا الله .. ظهرت لنا أشكال بديعة مذهلة .. أجمل من شفق الشمس عند الغروب .. الاحمرار يختلط بالاسمرار .. وزغردت حبيبتي.. كوندليزتي .. انظر .. انظر إلى ذاك المكان أسفل اللوح .. كانت الورود النابتة حمراء .. وسيقانها خضراء غامقة .. ومنذ تلك اللحظة ازدادت جروحنا وما عاد يقنعنا الورد الأسود.
قالت له الجنيّة ارسمني .. فقال لها أحسك ولا أراك .. أعجز عن فتح عيوني .. لا أريد التفريط في حلمي الجميل هذا .. وسألها لمن تشبهين ؟ وما أوصافك .. ؟ .. قالت له .. القمر .. الشمس .. النجوم .. أنا نور لا ملامح له .. دائرة لا تطوقها نفس .. نفس لا تتنفس في غيرها .. ماذا أقول لك .. ضعي بصقتك بين المرايا .. أحككها وأنظر .. هاك يدي وأرسم وسأجيبك وأتابعك كتمسيدة على ذراع حبيب أنهكه الكي والحرمان ..
عندما رسم جون برايل فرقة موسيقية قالت له أحسنت أنا النغم فعلا..وعندما رسم راقصة باليه قالت له أنا راقصتك ألا تحس رشاقتي وليونتي في قصبتك..وعندما رسم العملات قالت له أنا فعلا ثمينة .. وأكثر مما يتصوّر العقل والخيال .. شبيك لبيك حبيبتك بين ايديك.. كم تريد ذهبا .. ماسا .. لؤلؤا .. نفطا .. وعندما رسم الإنجيل قالت له أنا مؤمنة عذراء بتول لم يطمثـني إنس ولا جان ولكان ما زرت محراب الطهر هذا وأنست وحدتك..وعندما رسم السيجارة قالت له أنا كيفك ومزاجك ورمادك..وعندما رسم الأشواك والملاعق قالت له أنا ماؤك وملحك وزادك..وعندما رسم النسوة العاريات تغشته وانتفضت فيه ولبسته جلدا وعظما ونخاعا ومسامات وأحلاما..وعندما رسم رسالة إلى أمه ضمّته إليها وقالت أنا حليبك .. أنا توبتك النصوح وبكت بكاءً ليس كبكائنا .. بكاء لذيذا بنكهة عسل الحنون المر .. بكاء الجن دموعه ليست مالحة .. ليست حلوة .. هو يرتشف شفتيها الآن وهي تخدش شغاف روحه مخلطة رماد اللون .. يرتشف وينتعش .. لا يحس أنه في حرب شعواء الآن إنما في حانة من حانات لندن .. حبيبته في حضنه .. تمسد على ذراعه المكوي وتخلل أصابعها في شعر رأسه وتوشوشه I love you .
وعندما مسخ القدر اللوحة بزنجير الجماجم الرمادية طارت الجنيّة واستغرقت في الصلاة .. ما إنْ انتهت سألته : شبيك لبيك حبيبتك بين ايديك .. كم تريد من كذا وكذا وكذا ….؟!
أجابها الصمت .. فغادرت من خلال القضبان لتبتلعها لجّـة مشاعرنا وتسفيها موجة العودة إلى أعماقها البكر.
الصق جون برايل وجهه في القضبان .. أشعة الشمس تبزغ .. النسيم العليل يمس زغبه فيقشعرره ويجعله يعطس .. أنفلونزا البشر غير أنفلونزا الجنون .. أنفلونزا الجنون زفرات نار والبشر زفرات ثلج .. النار عرق الحروق .. الثلج عرق الحروق .. التفكير يحرق .. الغياب يحرق .. الحرق يحرق .. أنا في حيرة الآن .. أأحب الشتاء أم الصيف ؟ .. أأحب الزمان المطقس وأرضخ؟ أم أسافر باحثا عن جدّة الزمان المفتوح ذي الوجه الواحد .. ؟ زمان نظيف أرتدي له ثوبا وحيدا وأزحف بسحابه بين النهود .. أنهل الحليب المرتعش السائح وديان معني وينابيع جنون .. أنهل الدفء النابض من النعومة التي هزمت الحرير .. لن أحب الشتاء أو الصيف .. سأحب الخريف .. خريف السكر الناشف الذائب ببطء .. خريف الرمان اللزج والبطيخ الممتلئ طراوة والبلح صلب الحلاوة والتمر الحارق مراراتي .. سأحب سكاكر الخريف .. سأحب الشفتين الشقيتين الناشفتين صبرا والعينين الناعستين والخدّين الذابلتين والقلب النابض بانتفاض شفيف .. أحب الخريف .. فصل الريح والتغيير والتطهير والإخصاب .. أحب الخريف الذي سأعبر به أو يعبر بي إلى جنة فواكهها خمر مصفى .
الغرفة على رأس جبل .. على أعلى نقطة في منطقة البردي .. بجانبها جامع تحتها هاوية سطحها ماء جوفها حياة قاعها محار بخار بهار أسرار .. الغرفة على رأس جبل كأنها عمامة أو طربوش مربع مسقوف .. شجيرات واطئة .. تحفها حشائش جبلية تتسلق جدرانها الخارجية .. الغرفة الآن خاوية .. تملؤني بالذكرى والحنين وتغني بي لأزمة البداية القائلة .. أعيش في طبرق لأربعين حولاً خلت .. أستمع لفرقعات القنابل .. أشم رائحة التين .. البطيخ .. البصل .. التابير .. أنا لست في عام 2005 ولا عام 2000005 ولا عام 2000000005 ولاعام كله أصفار دون خمسة أو اثنين.
أنا في آخر الزمن .. في دقيقة مع السلامة .. الدقيقة التي ستقفل الباب وراءها وتذوب .. آلهة المرور إلى الأمام .. إلى العفن .. إلى النضج .. إلى الطزاجة التي بدايتها عفن ونهايتها عفن .. دقيقة الماء المسفوحة على خدِّ هذا اللغز .. على خدِّ هذه الأحجية الغادرة بالغبار .. الكاشطة لكل لواح يأس .. الغابقة بالحشيش والجوع والضحك والجنون والبركات .. بقعة الكرم والمفارقات والصبر.
أجلس في طبرق .. أتمشى على شاطئها الآمن .. شاطئها الصخري المشوي .. شاطئها المجوّف بالألم والحزن .. شاطئها المتخم بالمُـغر المنخورة من أبد الملح.
شاطئها الصخري .. منط فتيانها إلى أعماق المزح .. ومصطبة صياديها الهواة والمدمنين .. من فوق صخرها هذا يرمي الصيادون صناراتهم .. يصطادون البوري المتأدب الذي ما عاد يتبرز على الطعم ويهرب .. ففي البحر ظهر نبي جديد .. يدعو إلى عدم الكفر بالنعمة أو التبرز عليها .. نبي جاف كالقلم الجاف .. متى يـبـس أرميه وأقتني غيره.

أنا ثمرة التين المجفف المسماة شريح .. أفطر عليها في شهر رمضان المبارك عوضا عن التمر .. ألوكها وأمتص عتاقتها ببطء .. ثم ابتلعها وأعقبها برشفة ماء وآهة امتنان موشاة بانشراح بهيج.
الغرفة الآن خاوية .. مقفلة .. ترى اللوحة من خلال القضبان .. اللوحة سجينة والمشاهد حر .. يتمنى السجن ليلتصق بها .. السجن مهم جدا لخلود اللوحة .. لولا السجن لأوقد الزرّادة النار في الغرفة ولتشوّهت اللوحة بالحروف الأولى لدخاخين الحرب في العصر الحديث ..
اللوحة مرسومة بروح النار وحبر النبض ورماد الكربون الفاقد موسيقاه وثرثرته .. في ذرّاته كذبت الآلة الإعلامية كثيرا .. وعبر موجاته روّجت الإشاعات وتغنى جوبلز وتشرشل وموسوليني وكل واقدي النار بأمجاد ثمنها خروج الروح عنوة من أجساد غضة خلقت لتعيش وتبتهج.
أتمسّك بالقضبان الصدئة والمتجددة كل عقد كطبقات الأرض .. أشاهد اللوحة من أسفل إلى أعلى والعكس ومن الجانبين .. أحاول قراءتها .. استشفافها كابتسامة مهجة أو ارتعاشة ذقن مورينا.. أبحث عن مبدعها الأم وسط زنجير الجماجم الرمادية .. أبحث عنه في مقابر الكومونولث الطبرقاوية فأجده في مقابرهم بالعلمين.
عندما رسمها لا يعلم أنها ستبقى وهو سيموت ولكان التصق بها ورفض الحرية .. ورفض الفناء الخارجي وفضل الفناء الداخلي داخل عمود الرماد في النضيدة المسحوقة سفيفا .. هذه النضائد التي يرسم برمادها مستهلكة لن تحكي قصته مجددا .. لكن رماد حب محمد الأصفر سوف يحكيها ويؤسطرها وينبضها قلوبا مبهجة ترقص بلا توقف .. لوحته الآن تعيش .. تتقشر سطوحها فتنفث رفاته رمادا يرتق بثورها .. الرياح من العلمين قادمة كل لحظة .. رياح مشبعة بأجداث روحه تتمسح على اللوحة وحيثما وجدت صدعا ملأته بعسل الزمن الجديد.
لوحته الآن تعيش .. تأكل وتشرب وتتناسل وتنجب وتنمو في مُخيّلات الفنانين .. تنقش حروفا في الروايات والقصائد .. وألحانا في الأغاني وشخوصا في المسرحيات .. وأحلاما متحققة في مخيلات الأمل.
في كل السجون زنزانات ..
في كل زنزانة لوحات أبدعها السجناء
يطمسها الطغاة
بالأقفال .. السياط .. الترميد .. الهدم .. الطلاء .. الكهرباء
لوحات ترسم بالأظافر .. بالبصاق .. بالعطسات ..
ترسم بالأحلام .. بالأماني ..
لوحات جميلة تنبت في كل سجن
حتى في سجون ذواتنا .. تؤرخ لجحيم اللحظة وجنان العمر .. وتغني لفراديس لن نطولها.
لوحات تشاهدنا وتبكينا .. وتصيح في ريح الرجاء أن تأتينا وتغنينا بحناجر الرماد الطازج أغنيتنا الآملة التي فقدت ذاكرتي بقيتها:
مازالشي فيكي الرجاء ياعيني ..
وتجيب العين بالدموع الصامتة كسكون الهزيع الأخير من ليل حظنا.

للتين حكاية وحكاية .. ومن التين يصنع أهل ليبيا خمرا لذيذا .. خمر بمثابة المال .. يدفعون منه مكوس باتوس وسلالته .. شجرة ذات شذا .. شذا يلهب المشاعر .. يرفع معدلات العشق .. الحشرات تتسافد أسفلها .. الطيور في أعشاش على أغصانها .. العشاق يلتفون مسحورين تحتها .. يُصحّنون زادهم في أوراقها .. كرموسة أقويدر النابتة داخل منخفض .. تراود مخيلتي الآن .. المنخفض جراب كنغر وشجرة التين ابنه النباتي .. في الحرب جعلها الجنود الأستراليون مشفى ميدانيا وعند مغادرتهم حملوا أغصانا منها إلى أستراليا .. غرسوها هناك ولقموا (لقحوا) منها أشجار تينهم الضخمة لتنتج لهم ثمرة جامحة لذيذة أسموها شمس طبرق.
الشمس مشرقة الآن .. لا سحاب يحجبها .. آذان الظهر ينطلق من الجامع العتيق .. تتردد أصداؤه مترحمةً .. الآذان يملك لغة عامة لا أملكها يعرف كيف يترحم بكل اللغات .. ترجمان مشاعر يسبر غور مقاصد الراحلين .. ضحايا الحرب العالمية الثانية يصلهم في مقابرهم السّتة .. ويهيم شفيعا في مقابر المسلمين .. ويغوص في مدْرس السيارات أمام نزل الجلاء حيث كانت مدفنة اليهود .. الآذان يصل مسامع الموتى .. حتى الطرش يسمعونه بمراهف الروح ..
أجلس إلى طاولة على رصيف مقهى الأموي .. المسجد يميني .. الكنيستان المتحولتان إلى مكتبة ومتحف أمامي .. كنيس اليهود خلفي .. الشمس مشرقة على الأرض العارية .. أجلس إلى طاولة على رصيف تظلله شرفة خشبية قديمة مكللة بغرسات فل وورد .. فتيات المدارس والمعاهد تمر .. يتزاحمن على ظلال الرصيف .. مراهقات بدويات ذوات أبدان فائجة .. ملامح ليبية ذات سمرة القمح .. عيون واسعة .. شعر أسود حالك .. خدود نقية يتخللها بعض النمش والأخوال ذات الجمالية .. يثرثرن مع بعض ويبتسمن فتتألق مضاحكهن البيضاء الناصعة .. يسرن بخطوات واثـقة .. يتأملن واجهات الدكاكين ولا يرددن على مغازلاتنا بالكلام إنما بالنظرات الآسرة المشحونة بالشجا والعشق الطبرقي العميق .
الشمس يشتد سطوعها .. وعبر أشعتها الدافئة تحمل سردنا هذا إلى حيث الفن .. إلى حيث المرايا الملتصقة على لعابنا ودمنا .. تحملنا شرقا صاعدة بنا مرقاب طبرق الذي هُزِم عنده الطليان ذات يوم .. تصلنا إلى حيث محراب الفن .. إلى غرفة جون برايل ثانية وثالثة ودائما .. تضعنا الشمس وسط اللوحة الإنسانية الرائعة .. الناضحة بالأمل والعبر .. تصعد لنا الجنيّة من أعماق بحر البردي .. تستقبلنا بمتعة لا تضاهى .. الجنيّة الجميلة آسرة النفوس .. جدّة المبدعين وساردة الحواديث .. وناقشة الحكايات على أعصاب المغزى.
عندما أغرقت بَحريّة المحور فرقاطة للحلفاء قرب شاطئ البردي .. نجا جنديان أستراليان .. سبحا حتى الخليج الضيق المفضي إلى وادي الراهب .. توغلا في الوادي بحذر واختفيا في الأدغال .. أنفاسهما تلهث .. تستنشق الهواء المنعش المشبّع بعبق الحرمل .. الزريقة .. القزاح .. الزعتر .. القرضاب .. الخبيز .. اللاونطا .. القميلة .. روائح لا حصر لها ينفثها المكان .. روائح عطرة مزفورة من التراب وأبنائه وأحفاده.
المكان عطر .. إذن آمان .. لا خوف .. لا رعب .. لا ألم .. هكذا تتكلم العطور أو هكذا تتكلم زفرات النحل في صدوعه الوفيرة المنفلقة في الجروف والكهوف كرمان ملّ نضجه.
الصدوع فارزة العسل ليس كالصدوع فارزة الصديد ..
الصديد صديد .. والقدّيد قدِّيد .. جرح النحل للورد ليس كجرح الإنسان للحم .. العطور .. العطور .. العطور .. العطور ملأت روحي الجنديين اطمئنانا وسكينة .. لكن جسديهما خائفان .. يتألمان من الجروح والخدوش والبرد والجوع والمفاجآت .. الجنود الألمان يمشِّطون المنطقة للقبض عليهما واستجوابهما بوسائل الجستابو الذي لا يرحم .. الجنديان يزحفان .. بحذر وعلى بعد نصف كيلو متر شاهدا خيالين جالسين تحت شجرة تين وارفة .. أمامهما قطيع ماعز يلوك الحشائش ويتطاول برشاقة إلى الأوراق الطريّة المتدلية من الشجر .. وقف الخيالان .. تعانقا لدقائق يتبادلان القبل .. ثم افترقا مترنحين .. أحدهما ركب حماره ومضى والآخر تلقف عصاه والتحق بالقطيع يجمعه ويوجهه صوب دغل كثيف الحشائش .. اقترب الجنديان بحذر أكثر وعلى بعد 200 متر تقريبا تبيّن لهما أن هذا الخيال لفتاة ليبية فاقتربا منها أكثر ملوحين بغصن مورق والجندي الآخر خلع قميصه الداخلي الأبيض سريعا يلوّح به للفتاة .. السلوقي أخذ ينبح بصخب ويُقبل ويُدبر نحوهما مكشرا متوعدا متحفزا .. انتبهت الفتاة للجنديين شبه العاريين المنهكين الجريحين .. ارتعبت حاولت أن تبتعد مهددة بعصاها وخنجرها غير أنهما بدآ يلوحان بالقميص الأبيض المرشوق في الغصن المورق .. يلوحان بإلحاح واستعطاف .. اتجهت نحوهما بحذر في حراسة كلبها السلوقي .. شاهرة خنجرها .. وشادة بهراوتها الطويلة .. تتقدم منهما وفي كل خطوة ترى الآمان في عيونهما فتخفض العصا وتعيد الخنجر إلى غمده وتربت على ظهر السلوقي الذي أخفض أذنيه وأقفل سجن شفتيه على أنيابه الشرسة.
هي فتاة بدوية اسمها سقاوة .. والسقاوة هي أنثى الصقر .. طائر جارح جميل يمتاز بحدّة البصر .. وقد ورد ذكر هذا الطائر النبيل في العديد من مجاريد الموروث الليبي الشجي :
مرحبتين بعد جيتينا .. ما شمّتي والي فينا
يوم سعيد اللى أنت رينا .. صفي طايحلك بالزين
صفي طايحلك ببهاوة .. ياللي عينك عين سقاوة
مركزها عالي ميلين
مركزها عالي في داره .. ولا طالوه ولا نقارة
وين ما تلحظ طير احبارة .. تسفاه اتجيبا نصين
نصين ونصين اتجيبا .. أنا مدعاي اللي شاقيبا
توصيفك يا عين الذيبة .. ياللى ما كيفك حيين
ياللى ما كيفك لا والي .. يام اعيون اسماح ذبالي
نحكيلك توا عن حالي .. جيتك نشكي مالتكوين
جيتك نشكي مالتكوينا .. ومالياس اللى جار علينا
حتى وين بعيد مشينا .. رابع يوم لفا للعين
رابع يوم لفا والقينا .. في وطن يقولوا بالسينا
قلنالا احميده هنينا .. قال بعدكم حالي شين
قال بعدكم شاين حالي .. فيكمش من عندا غالي
قلنالا ما معانا والي .. مفيت خدم سود زياتين
مفيت خادم سودا غفتها .. واخرى ما نعرف لغتها
لكن والفنا دوتها .. تم خبرنا باليدين
وإلى آخر المجرودة الشجية التي ربما سنعود أو ستعود إلينا مع سمرة كوندليزا رايس وتمبكتو وفزان وقضية الخدم والعبيد والسود الذين سيسودون في العالم بإنسانيتهم وحنطتهم ودمهم الخفيف الأخف من رائحة النسيم على كؤوس البهجات.
لكن سقاوة فعلا جميلة وما كيفها حيين ولا ميتين ربما .. ذات بنية متينة وقوام ممشوق كلاعبات السباحة .. ونهدان واقفان .. وساقان ممتلئتان وجبين ضاوي وشفاه مكتنزة وخدان بلون المشمش في صهد القبلي وبمذاق الخوخ الهابز .. ترعي قطيعها لوحدها .. تفاهما معها بالإشارة وبفراستها عرفت أنهما ليسا إيطاليين.
حلبت لهما قدح لبن كبير وأعطتهم رغيف خبز مجردق وهو ليس خبز تنور .. المجردق أقل سماكة ويُعد بإلصاق العجين على صفيح ساخن.. وألصقت على جروحهم أوراق خروع وتين .
قادتهم إلى كهف الراهب .. خبأتهم فيه ريثما تخبر أهلها .. وكهف الراهب هذا غرفتان فوق بعض منحوتتان في الصخر .. يقال إن راهبا من أتباع القديس مرقس شيدهما ومكث في خلوتهما زاهدا متعبدا بعيدا عن ظلام الرومان ووثنيتهم.
أمر شيخ النجع بعض الشباب بإسعافهما وإطعامهما والتحقق من شخصيتيهما .. وبعد الأكل والراحة قليلا أجاب الأستراليان عن الأسئلة .. عرفوا أنهما أستراليان فأمروهما بالمكوث في هذا الكهف وعند الليل سيعودان لأخذهما إلى مكان أكثر أمنا .. بئر جافة في وادي حبون .. وادي المحبة والحنان .. ثدي المياه العذبة المرشوشة عبر أخدود ضيق على خليج صغير .. دائما الجنيّة تنتظر في هذا الخليج وصول مياه الحب الحلوة .. عصارة نحل وادي حبّون .. تجمعها في أباريق شفافة وتوزعها على عرائس البحر في أعماق العطش .. وإذ تصعد إلى غرفة مأنوسها جون برايل عند منتصف الليل تأخذ رشفة في فمها وتفرغها في فمه فيشتعل ويتطرّى وأمله الذي يبنيه يجد قوت زمانه ولبن مكانه وصفاء حظه .. يجد نوره المالح المبلل المحصّن ضد فيروسات الظلام.
بقيا في الكهف .. شربا الماء .. اغتسلا من عينه الجوفية الملحقة به .. صليا متوجهين للصليب المنحوت في الصخر بعدها التصقا إلى بعضهما وناما .. استغرقا في الأحلام .. كلاهما يحلم على حدة .. كلاهما يحلم باطمئنان ولسانه يتلمظ بقايا نكهة حليب الماعز .. الأول حلم أنه في الجنة وماذا يريد ؟! .. لبن .. خبز .. فتاة بهيّة خداها بلون نوّار الربيع .. لا ينقص سوى الخمر .. والخمر أمره سهل .. بل إنه يشم الآن عبقات من مريسة الزنوج .. والخمر ليس مشكلة .. فالوادي زاخر بأشجار التوت والتين والرمان واللوز والليمون والنخيل وحيثما كانت الفاكهة كانت الخمر .. والوادي زاخر بالأشجار العطرية السامقة .. كالخروب .. والصنوبر .. والسدر .. والعرعر .. والسرو .. والكافور .. والبطوم .. هذه جنة الله .. الطيور تغرّد في أذنيه .. زيو .. زيو .. والشياه تصيح ماه ه ه .. والقطط ميو .. ميو .. والضفادع عند العين تنق .. تنق مزغردة لعرس خياله الذي أزف .. والموسيقا تأتيه تنبعث من اللوحة التي يرسمها جون برايل في علـِّيته .. والبارود والقنابل والألعاب النارية تلعلع في سماء ربي وتنزفها .. والشمس تشرق والقمر يبتسم .. والجنيّة ترقص أمامه .. تضع في حضنه أكياس التبر واللؤلؤ والمرجان .. واستغرق في هذا الحلم الجميل رافضا أن يستيقظ وليُقبض عليه هكذا على هذه الحالة .. وليُقبَض عليه وهو في جنته وليَقبِض عليه الألمان والطليان واليابان وكل أبالسة العالم النتن.
والجندي الآخر حلم بالحلم ذاته بيد أنه استيقظ فقد أحس بشيء غير مألوف .. أنفاس وخرخشة تصل مسامعه .. رائحة خمر تجوس أنفه المدمن .. رأسه مسنود على جدار الغرفة الأولى .. أصوات حركة في الغرفة العلوية .. استراب وتقاوى على خدوشه وجروحه ووقف .. في يده عصا قطعها من شجرة زيتون .. هي العصا ذاتها المرشوق بها غلالة زميله البيضاء التي لوّحا بها لسقاوة .. صعدا إلى الطابق الثاني .. في آخر الغرفة آدمي أسمر يرتدي أسمالا بالية .. وجهه للجدار وظهره للجندي .. رفع الجندي عصاه محترزا وهامسا للأسمر من أنت ؟! .. استدار الأسمر رافعا صليبا أخضر مصنوعا من أغصان شجيرة لوز وأجاب: أخوك.
تصافحا .. وتحدّثا متعارفين إلى بعضهما .. قال الأسمر الذي هو الضابط المصوعي الهارب من الخدمة في الجيش الإيطالي: في الحرب أنت عدو .. في الدين أنت أخ .. في الحياة أنت أكثر من أخ .. وصلـّب صدره بإشارة الصليب .. قال الجندي الأسترالي وقد تبيّن مذهبه من طريقة تصليبه .. لا فرق بين مرقس ومتـّى .. كلنا أتباع يسوع .. ومعك أشعر بالأمان .. لقد كتب لنا الله حياة جديدة .. فتاة ليبية أنقذتنا وأطعمتنا وآوتنا .. اليوم نحن أحياء وغداً مجهول مصيرنا ..
قال الأسمر: كنت ضابطا إيطاليا وصرت راهبا إنسانيا .. أنا هنا منذ شهر .. أتنقل من كهف إلى كهف .. نفعتني تجربتي في ملاحقة البدو واليهود في كهوف الجبل الأخضر .. تمكنت من العيش والاختفاء عن الأنظار .. أكثر كهوف ليبيا باركها القديس مرقس وأتباعه إبان مقاومتهم للتطرف اليهودي و للوثنية الرومانية .. بثوا فيها حصونا من أمان وحقولا من رغيد .. كل كهف تجد قربه ماء تعميد وطعام ربّاني .. أي عشب تأكله مفيد .. وفي الوقت نفسه دواء فعال .. تعال معي .. وأخذه من يده يشرح له خصائص كثير من الأعشاب .. هذا يقاوم الإسهال وهذا لوجع الرأس وهذا لديدان البطن وهذا لوجع الركبتين وهذا لانحباس البول وهذا يا فالح يزيد القدرة الجنسية يجعلك هائجا كتيس ماعز .. وضحكا بخفوت وسكب الأسمر للجندي قدحا من خمرة الزنوج المريسة كرعه على دفعتين وانتشى سريعا وتذكر أنثى الصقر الليبية سقاوة التي أنقذته وصاحبه .. لكن نظر إلى صليب اللوز الأخضر في يد الأسمر وطفر مستغفرا طالبا الاعتراف الفوري.
جلس الأسمر ينصت إلى اعترافاته ويمنحه الغفران والبركة.
قال الراهب الأسمر أنت ابن أصول لا تعض اليد التي أطعمتك .. تصون العفة وترعى ميثاق الشرف .. أراه الأسمر المخبأ المموه بالحشائش في صدع طبيعي أعلى الكهف بجانبه صدع صغير آخر يشري منه عسل النحل ويرتاده النحل داخلا وخارجا .. صدع اختباء وصدع حراسة وغذاء .. هنا أنام ولو أنني لم أخرج لك فلن تكتشفني أبدا وللأسف لا يتسع الصدع إلا لواحد .. إن أردته منحته لك وسرت باحثا عن مأوى آخر .. لا أرى أي فرق بين روحي الآمنة وروحك القلقة المطاردة .. عانقه الجندي بتأثر ونزلا إلى تحت .. أيقظا الجندي الآخر وتصافحا وتشاركوا في الطعام .. صلوا معا على الرغم من اختلاف المذهب الكاثوليكي والبروتستاني .. لكن للحرب مفارقاتها وظروفها .. صعدوا إلى الطابق الثاني .. أوقدوا نارا صغيرة يتدفئون بها ويتأملون أسفل الوادي حيث سقاوة العائدة إلى النجع بقطيعها الشبعان.
أخبرت أباها بأمر الجنديين ومكانهما الجديد الذي سينقلان إليه في الظلام .. وسألها أبوها: أمتأكدة أنهما ليسا إيطاليين؟ .. لقد أخبرني الشباب بذلك .. لكن أحب سماع رأيك أيتها الناجمة .. متأكدة يا أبي وليس ألمانيين أيضا .. لم ألحظ في ملابسهم علامة الصليب المعكوف .. وهما يا أبي بيض كالشمع .. كالشمع.
في اليوم الثاني مشطت القوات الألمانية المنطقة وعثرت على آثارهما عند شجرة التين ثم في الكهف .. جمعوا أهل النجع .. طلبوا منهم أن يخبروا عنهم .. هددوهم أولا بالشنق والذبح ثم وعدوهم بالمال والأرز والسكر والسجائر والشاي والقهوة والمعاطف .. لكن شيخ البدو كان شهما فنص في رعيته ولم يبع الأستراليين المستجيرين بوسخ دنيا .. وتمتم ومن استجارك فأجره حتى يبلغ مأمنه.
وزيادة لتحوطات الأمان أمر بتغيير مكانهما مرة أخرى إلى بئر رومانية قديمة منقورة في الصخر أكثر غورا واتساعا ومغطاة بطبقة سميكة من الأعشاب والشجيرات القزمة.
صارت سقاوة تتسلل إلى البئر كل ليلة .. تنزل لهما الطعام والماء بالحبل فتسمع منهما كلمات :
thank you my gad
Thank you sister
Thank you Libya
فتنقل تلك الكلمات التي أسمتها غناوي علم النصارى إلى بنت عمتها العاملة في مستوصف به راهبات نصرانيات .. تترجمها لها : يقولون شكرا يا الله وشكرا يا أخواتنا بنات ليبيا الحلوات ..
في الليلة التالية أنزلت لهما الزاد والماء وجرة بها لاقبي (خمر النخيل) وانتظرت أن تسمع فسمعت منهما thank you girl فرددتها لهما بلسانها الليبي وتجاوب صداها في أرجاء البئر وعرفت أن كل الكلام الذي سيقولانه هو كلام شكر ومدح وصداقة فحدثت الألفة على الرغم من انغلاق اللغة .. بادلتهم كلماتهم التي لا تفهمها وبادلاها كلماتها التي لا يفهمونها .. صاروا ببغاوات تنضح بالإنسانية .. يقلدانها ويضحكان بحبور .. تقلدهما وتزغرد بخفوت .. وتصفق فيصفقان .. هي تضحك وهما يضحكان والصدى داخل البئر يتحول إلى وجيب فرح متواصل تغنيه لغة الآبار والينابيع .. فوهة البئر الرومانية الضيقة اتسعت واستحضرت ضحكات وارداتها من فتيات الحبّون والقطعان الجميلات .. واستحضرت المواعيد البريئة بين العشاق أبناء العمومة والخؤولة .. بعد هذا الابتهاج المتبادل صارت سقاوة تشاكسهما مازحة بالليبي:
يا نعلي منكم يا البيض لوكان نبرم عليكم اندير فيكم البصر.
ووجدا الأستراليان صعوبة في نطق هذا المقطع الطويل خاصة حرف العين وقبل أن تغادر استغرقها الوجد والانتشاء والهيام وسط النسيم الليلي العليل فما سيطرت على نفسها وغرست سبابتها في أذنها صادحة بغناوة علم بدوية :
يرجاني وأنا نرجاه عزيز ما مشا نين قالي.
في هذه الأثناء تسمع جلبة آليات فتبتعد سقاوة عن البئر راكضة بعيدا .. ترى أسفل الجبل مفرزة دراجات نارية ألمانية ذات الراكبين تصعد الدرب حثيثا .. فتبتعد سقاوة سريعا عن البئر وتتوغل مختفية في الأدغال .. يمر الألمان بدراجاتهم النارية قرب البئر .. يتوقفون .. يضيئون مصابيحهم اليدوية .. يُجَوِّبون حزم ضوئها هنا وهناك .. ومن مكان ليس ببعيد يستمعون إلى نهيق حمار حاد متواصل .. يتجهون صوبه سريعا .. يقبضون على فتى متكئ تحت شجرة تين .. الفتى اسمه غيث الله .. يسألونه ماذا تفعل هنا ؟ .. وأين الجنديان الأستراليان ؟ لا يجيب .. يقول لا أعرف .. يهددونه بالضرب المبرح والشنق فيكرر لا أدري عن أي جنود .. أنا هنا تحت شجرة التين أنتظر حبيبتي سقاوة .. لقد واعدتها على اللقاء عندما يتوسط القمر السماء .. ينظرون إلى أعلى .. القمر في كبد السماء حقا .. كم هو القمر جميل .. كم هي غرفة جون برايل جميلة متألقة .. القمر يغمرها بهالات النور.. جون برايل قابع فيها الآن .. صحبة جنيته الجميلة .. تمسد جسده بأصابعها ذات زغب الجحيم .. تحقنه بدروب تفضي إلى أعصاب أصابعه المنتظرة أشعة الشمس .. الشمس تشرق على الكربون .. جون برايل يغمس أصابعه في الكربون المقدد و المشمس ويبدأ عزف الرماد.
في الحروب دائما يكثر الشعراء .. ضابط المفرزة الألمانية مثل نيكولاس الأسترالي شاعر أيضا .. شاعر متحمس لكتابات الشاعر الألماني الكبير جوته خاصة كتابه الديوان الشرقي .. أخذ يهزهز رأسه مستحسنا كلام العاشق غيث الله .. لكن عنصر الجستابو ذا التقاطيع الجامدة لم يقتنع بهذا التبرير الحالم فركل غيث الله بعنف ووغر فوهة المسدس في صدغه وصاح أين الجنديان يا كلب الخنازير وإلا جذبت الزناد وانتهينا .. آنذاك صاحت سقاوة لا شعوريا توقفوا .. stop .. stop وخرجت من تحت أكمة كثيفة تركض صوبه وتحتضنه صارخة في المفرزة .. اقتلوني قبل ولد سيدي ( عمِّي ) .. اقتلوني قبل حبيبي .. اقتلوني وسيبو وليد العم غيث الله .
ابتسم الضابط الشاعر وأعاد عنصر الجستابو مسدسه ببطء إلى جرابه وغادرت المفرزة تبحث عن بغيتها في أودية غير ذي شعر.
عند الفجر رفعت سقاوة رواق بيت الشَعر واندست في مرقدها منتشية .. منهكة .. فيما غيث الله شق طريقه بمحاذاة البحر قاصدا نجوع أخواله في شط الشواعر .

***

هو من البرج التائه
أنا من دون برج
تسللت إلى الزمن خلسة
لم أجدها
لم تجدني
لم نتواجد أبدا في وجودهم
مثلنا وجوده في كنه الخيال
في الماء النحيل
باكورة الندى
آخورة المدى
هي القدحة
أنا البرق
الذي لم يبرق مرّة مستقيما قط
أكتب الآن في مربوعة الصديق الحاج فريد الزوي بمدينة طبرق هو لم يحج كبيرا .. حج صغيرا رفقة والديه .. إنسان طيب .. فقير لكنه كريم .. كريم جداً .. يقاسمك ما في جيبه من مال على الرغم من أنه مديون ويسحب مرتبه على الأحمر .. أبوه الحاج محمد كان غنياً .. وعندما رحل إلى ربه ترك لهم ثروة جيدة .. لكن ظروف الحياة وتقلبات السوق وطيبة أبنائه وزوجته الحاجة فاطمة بددت أكثر هذه الثروة .. ضاعت الثروة .. وبقيت الأصالة والإنسانية والصيت الحسن والحب .. فكل الناس تحبهم وكل أهل طبرق يعتزون بمعرفتهم .. فبيتهم يكرم الضيف ويأوي الغريب ويواسي الحزانى .. ما إن تدخله حتى تتحول إلى إنسان مبتهج سعيد .. الكل يبتسم في وجهك ويخدمك ويلح عليك بالبقاء أطول .. يقولون لك إن إكرام الضيف في عرفنا ليس لثلاثة أيام إنما لدهر طويل .. والبيت بيتك .. تنقل حيث شئت واجلس حيث رغبت .. مااديرش غيبة يا راجل.
أكتب في مربوعة فريد الزوي .. هذا الفريد الذي سماه أبوه فريدا لأنه يحب المطرب فريد الأطرش .. أحضرت لي زوجتي آمال قرطاس كاكاوية .. وأوصيت الأخت رجعة زوجة فريد على براد شاي أخضر على الطريقة المغربية .. براد آتاي .. وآه من آتاي المغرب وحكاياته الجميلة هناك وروحه الحميمية جدا.
أفكر أن أنهي الرواية سريعا وأسميها كوندليزا رايس كما اقترح الشاعر محمد الكيش في مقالته بصحيفة الجماهيرية عن الفصل الأول منها .. أنهيها وأرتاح .. خاصة في حالة الإفلاس المادي الذي أعيشه الآن .. أنهيها وأعود إلى رباية الذائح بنغازي أو إلى طرابلس حيث حبيبتي الشاعرة التي بدأ بندول حظها المائل يعود إلي .. لكن الكيش لا يفهم في الروايات .. يتذوقها نعم .. الرواية يا كيش ترفض أن تنتهي .. ماذا نفعل لها .. سأدعها براحتها .. برأيها كما يقول الرعاة للمواشي .. ها هي تفترس قدمي بشراسة .. تقودني إلى درنة من جديد .. وإلى الجغبوب وأكاكوس وتاسيلي وتمبكتو حيث العروس الكوندليزية التي ستزفني ابتسامة القدر إليها .. عروس الحلم .. العالم بحذافيره فيها .. الكمال الذي لم يتشقق .. تمبكتو التي بلون الكاكاو .. كوندليستي الليبية وطربي الهامس في أذني بقصيد المواسيق.. تمبكتو العروس التي أحبها .. القصيدة التي أحلم بأن تكتبها لي حبيبتي .. تجترها من أهداب تاسيلي وشاعراتها المهووسات المجنونات بالنغم والإيقاع .. حجي القادم وأغنيتي الخالدة .. تزورني بلهفة وتستقر في كياني بأبد يطول .. أغنيها كما غناها شاعر التاسيلي محمد الشريف:
تأخذني الأشواق إليها
في كل صباح ومساء
جوهرة الصحراء الكبرى
تمبكتو تلك السمراء
أتدفق بين شوارعها
أتنقل بين الأحياء
أعطيها من سحر كلامي
وأردده تحت لثامي
أحلى نشيد
أحلى قصيد
أحلى كلام
أحلى غِناء
قد صارت تسكن ذاكرتي
قد صارت تسكن في شعري
في ألحاني
في أغنيتي
صارت حبي
صارت عشقي
أنغام تسري في جسمي
فني
رسمي
تسكن اسمي
تمبكتو تلك الحسناء
دو ري فا
صول سي لا
أحلى أنغام أحفظها
من ألف النغم إلى الياء
أنغام تمبكتاوية
تطرب آذان الصحراء
سأرحل إلى تمبكتو .. عروس الحلم التي عثرت عليها وسط دمار طبرق .. التقطتها وأصابعي أحرقتها النار .. مكث ظفري القديم ونبت الجديد والأجد .. التقطت العروس الناجية نطفها من قنابل وألغام الحلفاء والمحور .. وصل جدها المجاهد محمد المعتمد العمامي إلى طبرق فارا من ملاحقة الطليان ومجاهدا في ساحة جديدة من ساحات النضال والشرف ..
بعد شهور من بداية الغزو الإيطالي إلى ليبيا 1911م اشترك هذا الجد في معركة المرقب بالخمس وكان له دور بارز في المعركة حيث قام بتفجير الفنار الرابض على قمة الجبل .. الفنار كاشف المجاهدين المهاجمين تحت جنح الظلام ومرشد سفن الأعداء إلى الميناء المحتل والمحروس جيدا بقوة كبيرة جيدة السلاح .. هاجم الطليان صحبة المجاهدين الشجعان .. انتقل من تبة إلى تبّة .. ومن جرف إلى جرف .. تسلق بواسطة الحبال .. وبمساندة نيران رفاقه المجاهدين .. وعندما صار الفنار في مدى رمايته .. رماه .. (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)..
في معركة المرقب بالخمس اشترك كثير من أجدادنا المجاهدين من أكثر القبائل الليبية .. منهم من قضى نحبه ومنهم من طال به الزمان وخاض معارك أخرى ..
بعد اندحار الطليان عن المرقب قرر الطليان الانتقام لقتلاهم ولخسائرهم الجمّة .. وعن طريق الشفشة الذي عاد أربعين عاما ونيف إلى الوراء عرف الطليان مفجر الفنار .. قال لهم الشفشة فجره مرابط زليطني يضرب البندير من أتباع زاوية الشيخ عبد السلام الأسمر .. لاحقوه في زليطن فغادر إلى مصراتة .. ثم سرت .. ثم برقة .. لكن العيون الشفشية مازالت تتبعه فابتعد أكثر ليصل طبرق ..
المجاهد محمد المعتمد العمامي طامس أنوار الطليان الموقودة بزيت زيتوننا المغتصب .. إنسان طيب عاش في طبرق وتصدى للأعداء الطليان مجددا في معركة الناظورة .. والناظورة ربوة عالية تشرف على ميناء طبرق اتخذها الطليان مرقاباً لمراقبة تحركات المجاهدين حول المدينة .. ما إن وصل طبرق حتى استقبله الأهالي والشيوخ .. دعوه إلى مناسباتهم فأقام لهم حلقات الحضرة والذكر .. كان بارعا في دق البندير ذي الوتر في المنتصف .. يصدر بواسطته إيقاعات شجية يميل معها بدو البطنان ذات اليمين والشمال ويقفزون إلى أعلى وكأنهم شباب صغار .. من كان جالسا يقف ويجدب ومن يتعب يتجرع من قارورة ماء الورد فيتجدد نشاطه .. ووسط الحضرة ترتفع الدعوات للجهاد ولمقاومة الغزاة وطردهم من أرضنا الطاهرة .. وتشتد حمى التبندير والجدب وتستـفيد الأجساد والأرواح زادا نقياً.. ترتقيان إلى عوالم روحانية محبة .. عوالم كما الجنة والنور .. في المعركة يتقدم الصفوف .. بنديره في يد وسلاحه في اليد الأخرى .. لسانه يلعلع بأهازيج ودعوات حماسية مباركة تصهر المقاتلين وتولدهم لهبا واحدا يقهر الأعداء .. الرصاص يمر من جانب أذنيه ولا يصيبه .. وكلما تعرض إلى موقف فجائي أو مصيبة قادمة صاح: يا سيدي عبد السلام احضر. ويواصل تقدمه ورميه وذوبانه في فعاليات المعركة ..
ما زالت أحلامه تذكر روعة قائد المعركة الشيخ الجليل المبري ياسين إذ أصابته طلقة غادرة .. هرع صوبه رفقة بعض المجاهدين ورآه عن كثب وهو يصارع الموت وينزع شنته الحمراء صارخا في المجاهدين من أبناء قبيلته والقبائل الأخرى .. لا تهتموا لأمري .. هاجموا العدو .. أنا حي .. موجود .. باق كتراب هذه البلاد الطاهرة .. كانت لصرخاته مفعول الإيمان .. كل المجاهدين هاجموا العدو بالسكاكين بالبنادق بالمناجل بالحجارة بالقبضات .. رصاص العدو ما عاد يرهبهم .. يحصدهم ولا يهابون .. الشيخ المبري صار طائر جنة يغني لهم وهم يتبعونه بأرواحهم .. كثيرون لحقوه إلى هناك .. إلى الجنة .. حسن الجالي .. محمد اشترته .. سالم بوعجيله .. طاهر بوابريق .. إدريس الحسنوني .. الفقيه المقرحي .. عطيوة .. بوسلوفه .. جبريل عبدالسميع .. طاهر سميع .. حمد الهنيد .. سليمان المنخنسة .. بوبكر بوارحيم .. عبدالكريم بونجم .. ومجموعة نساء زغاريد النصر أذابت أسماءهن في صهير التضحيات.
كل من تقهقر أمام نيران العدو عاد .. أعادته صيحة الإيمان من فم الشيخ المبري الذاكر لله .. نزع شنته ونادى لا تهتموا بأمري .. هاجموا العدو .. ونزع الشنة أثناء الاحتضار وتلقين الشهادتين يجعل الرضيع يقف ويهاجم فما بالك بفرسان من الجنسين عشقوا زيتون هذه الأرض ونخيلها وتينها ورمانها وتمرها وبركتها.
كل من تقهقر عاد .. كل من ارتعب اشتعل شجاعة وإقداما وكل من وهنت عزيمته واضمحل بأسه أضاءه الإيمان .. ونعم الضوء هو .. كل من رأى الشيخ المبري يكابد الألم بصبر مقدس كرّ من جديد على الطليان الغزاة .. وسرعان ما أخذ أبطال الشيخ المبري الثأر له ولبقية الشهداء ولليبيا فقذف المجاهد الشاب صالح يوسف قائد الطليان بحجر وليس برصاصة فقتله .. وهكذا هي أحجار طبرق قاتلة .. كنظرات بناتها الآسرة .. النافذة إلى أصالة النخاع وطهارة العصب.
عاش المجاهد محمد المعتمد العمامي بعدها سنوات مشاركا في أكثر المعارك .. في البطنان والجبل الأخضر .. مانحا روحه فداء لهذا الوطن واليوم أجدني في ضيافة أحفاده الأعزاء الكرماء .. في بيت متواضع بمنطقة الحطيّة .. بيت شعبي ظريف .. جدرانه كما يصوّره خيالي من أحجار وطين قديم .. سقفه خشب من جريد النخيل وأرضه تراب مزروع بنجيل طري .. في أركان البيت تتردد صيحات المعارك ودقات البندير وأناشيد الصوفيين المادحة لسيد الكائنات محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ..:
واول من نبدا انبادي .. بالصلاة على الهادي
وأول ما نبدا انقولوا .. بالصلاة على الرسول ُ..
وفي أجواء البيت يتضوع عبق الجاوي والفاسوخ واللبان .. شجيرة حناء أوراقها خضراء نابتة قرب صنبور المياه .. نخلة سامقة سعفها يظلل وسط البيت .. بيت جميل .. مكلل بالبركات .. حفيدته العفيفة تحكي لنا .. وتقدم لنا الشاي باللوز الأخضر .. وتقدم لنا طبق سعف به كسيرات ساخنة من خبز تنور أعدّته بنفسها .. تحكي لنا بطلاقة وحماس وإذ تتذكر جدّها تغمض عينيها وترحل في عالم بهيج غارق في الحنين .. تعود منه وتفتح عينيها ببطء فنراهما مترقرقتين بالدمع المخلوط بالكحل السائح على خديها .. سألتها هل تفكرون بالعودة إلى مدينتكم الأم زليطن ؟ فأجابت : لا .. لا .. لا أستطيع ترك طبرق .. فيها ولدت وتعلمت .. وفي أزقتها صنعت ذكرياتي وبنيت صرح أسطورتي .. زليطن مدينة أجدادي العمايم .. وطبرق مدينتي التي احتضنتني .. جدي وضعني هنا .. دقات بنديره أسمعها كل وقت .. لا أستطيع العيش من دون هذه الإيقاعات المباركة .. كلما خرجت من طبرق تلاشت هذه الدقات التي دقها جدي بأصابعه الشريفة .. أصابع جدي فجرت فنار المرقب .. وجذبت الزناد في وجوه الطليان وكتبت على اللوح آيات القرآن الكريم .. جدي وضعني هنا .. وعندما أنجبتني أمي بندر كثيرا وأطلق في أذني الآذان الله أكبر .. جدِّي مدفون هنا .. في طبرق .. جدِّي وضعني هنا .. كيف تسألني هذا السؤال ؟ .. من يحبني يعش هنا .. يقتـني ملاذا هنا .. أضحي بالعالم إلا طبرق .. لن أغادر طبرق أبدا .. قبل أن يموت جدي المجاهد محمد المعتمد العمامي كنا بجانبه فقال لنا جميعا : الله الله في طبرق .. ثم شهّد وأسلم الروح.

الرواية لن تنتهي وكوندليزا وحدها ليست روايتي فقد دخلت عليها عوالم إنسانية جديدة ترفض أن تهاجر معي .. لكني سأطير بها .. سأقنعها .. والآن .. عليّ أن أشد الرحال خلف آهات الكلمات .. كل حرف أكتبه ينتمي إلى مكانه .. ومن مكانه أغرسه في الورق .. لو كتبت من دون زيارة المكان لا أشعر بمتعة .. أشعر بألم يحرقني .. الكتابة من دون متعة دموع لعن للقراء .. عليّ أن أرحل.. قدري أن أكون هكذا .. رحلة آدمية .. حاج مكاني .. مطر يسقي حبيباتي بسكر الوجود .. قدري أن أكون نارا تحرق وتهشم .. تحرق هشيم الذكرى بشآبيب دافئة .. ليضيء هذا الهشيم الناعم .. النقي من الأشواك والغبار .. المبلل بزيت الزيتون وعصارة القرنفل الأسمر .. الهشيم الأكحل المنسدل على ظهر وصدر وكتفي حبيبتي .. الهشيم الذي أسند خدّي إليه فيكون لي منشفة شغف تمتص أرقي .. الهشيم الذي أمشطه بمشط أصابعي حينما أفرّجها فيه لتصل إلى ما خلفه من حياة تتنهد وتنتـفض وتسيح وتبتلع أناملي المستحيلة إلى محراث تجرجره فراشات المعاني …
وضعت الحرب أوزارها أو بالأحرى انتقلت إلى ساحات أخرى .. وهنا بقيت تداعياتها .. بقيت الألغام المزروعة تحصد كل من تقودهم حظوظ معافسهم إليها .. الحلفاء والمحور تقاتلوا وذهبوا .. بقيت ألغامهم ومقابرهم .. بقيت وحشيتهم المقيتة المميتة المدفونة تحت التراب .. القبور الآن تجانب بعضها .. تتراصف كجنود نائمة .. طوابير منتظمة .. تحفها الأشواك والورود .. تحوطها الأسوار والأسرار .. ست مقابر قائمة الآن .. تقتات على بصر المكان .. تدوسه برفاتها وتصخبه بضجيج أخرس .. ست مقابر تعتلي ظهر طبرق الفاتنة .. خمس للحلفاء وواحدة للألمان .. الأرواح خرجت من الأجساد .. خرجت عنوة .. الرفاوات جمعت من كل مكان .. ووزعت على القبور .. الأظرف الفارغة بقيت والشظايا الحارة الحادة بقيت .. تفتتت في التراب .. التراب تـفـتت في الصراخ .. الصراخ تـفتت في الصدى النازف بدم الصمت .. العظام متداخلة .. مختلطة .. عظام حلفاء ومحور وعرب وحيوانات مع بعض .. الوجوه احترقت .. والناجية التهمها الدود الباسل وعوامل التعرية والسفور .. والإهمال .. العظام الآن متحدة معاً .. نخاعها ساح وجف وتهشش .. ربما اختلط النخاع بنخاع قديم لعظام قديمة أتـُخِذت مدونات .. في القديم كانوا يدوّنون على العظم الساطع بفعل الشمس .. الكلمات تتمعن أكثر إذ يكون فراشها عظما .. العظم يسرِّي نفسه ويفرح .. ماضيه عاشه وحاضره عاشه ومستقبله يحلم به عندما كان حيا يرزق.
الكلمات تكون تاريخا أو شعرا أو أمرا من سلطان أو رسالة عشق أو نصاً مقدساً .. أو لا تكون كلمات وتكون رسومات أو علامات أو طلاسم .. عموما العظم سعيد بالمداد الملطخ فوقه .. وآه من سعادة العظام وصرير بهجتها .. كم هي قادحة .. العين سعيدة لأنها ترى .. الحبر سعيد لأنه نقطة تفاهم بين عين طازجة وعظم حباه الله بحمد الجفاف.
ربما اختلطت العظام بعظام حيوانات بريّة أو مائية أو جوّية .. أو فولاذية .. العظام الآن تتقاتل فيما بينها .. كل منها تحاول أن تتحلل وتسيح عبر التراب باحثة عن شظاياها المنثورة في الصقيع .. في مقبرة الألمان المشرفة على شبه جزيرة طبرق جُمِّعت كل العظام ودفنت في حفرة واحدة ردمت بأحجار سوداء ثبتت عليها تماثيل لأناس ترفع أيديها للشمس .. صرح من حزن ودموع .. الصرح تحوطه جدران ذات ممرات واسعة مبلطة بالحجارة الصغيرة المستطيلة .. على الجدران نقش بحروف لاتينية منفصلة عن بعضها كفسيفساء أسماء كل الجنود الذين فقدوا حياتهم المقدسة في حرب لم يقرروها.
المقبرة تحفة فنية بابها يشرف على البحر .. بابها حديدي أسود مقفل .. مفتاح الباب مستودع عند عجوز تسكن خلف المقبرة .. تمنحه لمن يريد الزيارة .. توصيهم أن يعيدوه فور الانتهاء .. وإن نسوه في ثـقب الباب تتكركر إليه وتجلبه .
في مقابر الحلفاء كل قبر على حدة .. كل شاهدة نقش عليها اسم الجندي وديانته وسيرته الذاتية .. البارود قتل الناس وتحلل وعاد للأرض ميتا ..
البارود الحي هو من يقتل الناس الآن .. الآن حي وبعد الآن حي وقبل الآن حي يموت.
نحن أرض مسالمة .. لا لنا في العير ولا في النفير .. أرض محتلة من إيطاليا .. استغل بعض أفرادنا الحرب العالمية الثانية لنيل مكاسب سلطوية فانحازوا لجيش الحلفاء مع أن عامة الناس تشجّع ألمانيا وتتعاطف معها .. العامة لا تفهم في السياسة .. تفهم في الجمال .. الألعاب الذكية البارعة .. البطولات السندبادية الباهرة .. النامة عن فطنة وحذق .. تحب ثعلب الصحراء رومل .. تحبه ولا تطمع في ذيله الأشقر الثمين .. تحبه لأنه ملتحم بحبّات رمالنا .. فهو الشجاع المتجوّل دائما بين جنوده في الخطوط الأمامية والمحتك بالسكان المحليين .. بالفطرة أناسنا تكره الإنجليز .. تسميهم سوسة العالم .. لم تنس الناس وعد بلفور بعد .. بلفور وزير بريطاني وعد اليهود بفلسطين كوطن قومي لهم .. وعد بأرض لا يملكها .. استهان بالتاريخ والناموس والعدل الإنساني .. منح طرفا على حساب طرف آخر ومات.
انبهر الناس بالتفاف رومل الشهير على جيوش الحلفاء التي كانت مسيطرة على المنطقة من مساعد حتى بنغازي .. انبهروا بالخطة الجريئة .. كيف تهاجم العدو من جبهته .. من الجهة الآمنة التي لا يتوقع حضورك منها .. انبهر الناس وشاهدوا بمتعة اندحار قوات الحلفاء ووقوعهم أسرى بعشرات الآلاف وتركهم أسلحتهم ومعداتهم ومؤنهم غنيمة لرومل وجيشه .. لم يبق لهم أي جيب في ليبيا سوى مدينة طبرق التي أحكم رومل حصارها ودكها فيما بعد بعنف حتى احتلها وأسر الآلاف التي بقيت حية فيها.
رومل القائد الوسيم العادل المتفهم لأخلاق الحرب ونواميسها .. المناصر للسكان المحليين والكابح بحزم ظلم حلفائه الطليان وعنجهيتهم الغاشمة.
لم يكن بين ليبيا وألمانيا أي مشكلة .. مشكلتنا مع الطليان الذين احتلو أرضنا .. وشنقوا أجدادنا وآباءنا وناكو نساءنا وبناتنا .. كان الطلياني في الجبل الأخضر يأتي إلى الخيمة فيضع قبعته على وتد المدخل ويدخل .. يغتصب ما حلا له ولا يجرؤ الزوج أو الأب أو الأخ على الدخول عليه أو إزعاجه .. لأنه ليس موجودا آنذاك أي مشنوقا أو مكبلا .. أو أنه شفشة وليس رجلا .. في المعتقلات التي زجوا بها أجدادنا فعلوها أيضا .. كانت النساء لا تغتسل وتتعمد أن تكون قذرة حتى تـُعاف .. لكن هؤلاء الجيف الطليان الخنازير لا تعاف حتى الأتن الجرباء ..
كثير من الأجيال الماضية التي ولدت آباؤهم طليان أو غزاة .. فالدم العربي معروف مهما امتد الزمن والمختلط يتضح كبقع الزيت في الماء .. لكن كل هذه الأشياء لا تهم .. فالإنسان هو الإنسان .. وقيمته متساوية في كل زمن .. ومن أي نسل قدم .. أي مخلوق لم يختر قدره .. ولم يتخيّر جيناته وزمانه ومكانه .. وكثير من الوجوه الشقراء والحمراء والبيضاء وذات الطول الفارع هي من أصول غير ليبية .. ولا تزعلوا أيها الغاضبون الآن .. ولنفترض أن الليبيين هم من جلبوا الجواري اليونانيات والإيطاليات والتركيات والإسبانيات والمالطيات والبلقانيات وضاجعوهن على سنة الله ورسوله أي البياض والاحمرار والطول والجمال والتناسق جاءنا عن طريق الأخوال وربي يخليلي خالي وخلخالي.

أحيانا أشعر أن الحروب وقوعها ضروري ولو لم تقع فكيف سأكتب هذا الكلام وكيف هي طبرق من دون مقابر الحلفاء والمحور .. ومن دون غرفة جون برايل في البردي ومن دون الشيخ المبري ياسين والمجاهد المعتمد العمامي .. أشعر أن الماضي ضرورة .. وقوعه ضرورة وأنا أجري أتلقفه وأغنيه على الورق .. أنا كسكاس روائي .. ستسقط من فتحاتي كل الحبيبات الرقيقة .. وتبقى حبة القلب .. مهجة الروح .. وترنيمة الجهاد والحرية .. طبرق الشعر .. طبرق القصيدة العصيّة .. طبرق الطيف الذي غذاني بهذه الكلمات .. كل طبرق الآن سأتركها وأعيش مع هذا الطيف الشاعري في منطقة انعدام الوزن .. في جنة متملصة من الرؤية .. عندما عادت قوات الحلفاء إلى درنة نتيجة انسحاب رومل التكتيكي .. رحب بها الأهالي وبالطبع ليس كل الأهالي .. فقط من كانت لهم علاقة بالإخوان السنوسيين .. ولا أقصد هنا سنوسيي الدين لكن سنوسيي الدنيا أي السياسة .. أقاموا لهم في مقهي النخيل ( جنان شنيب سابقا ) وليمة كسكسي بالموز ورقصوا وغنوا وألقوا القصائد الشعبية العصماء في مدح الانجليز والجيش السنوسي ومثلوا لهم مسرحية خليفة الحوّات ومسرحية العباسة أخت الرشيد .. وأكثر هؤلاء الناس من الردح والتطبيل والتزمير والبسبسة لقوات الحلفاء وأذنابها من الجيش الليبي المستسلم بعد استشهاد عمر المختار و قبل قيام الحرب العالمية الثانية والمحارب عن بعد بواسطة قصاعي الأرز المصري بصلصة الفيوم .. زمّروا أيضا للجيوش الصغيرة الأخرى التي تحالفهم من أستراليين ونيوزلنديين وهنود ومن كل الديانات .. بل تمادى هؤلاء المطبلين بقيادة بصاصهم العتيد الشفشة المتحوّل إلى أحد الأعيان بتقديم خدمات مجيدة أخرى .. فوشى إلى قوات الحلفاء نمجموعة شباب من قبيلة أزوية كانوا قد غنموا تيس ماعز من إحدى معسكرات الحلفاء في الوطن الشرقي .. هذا التيس الملبلب كانت تتخذه فرقة هندية إلها لها .. كانوا يضمّخون جلده بالطيب والكولونيا ويطلون فراسمه بملمعات الأحذية ويطعمونه أنضر عشب وأنقى سويق قصب ويسقونه ماء المطر الهاطل في الليل فقط .. سرقه هؤلاء الفتية الجائعون .. ذبحوه وأكلوه .. وردموا بقاياه في حفرة عميقة .. في الصباح لم يجد الجنود الهنود ربهم فاحتاروا وحزنوا وأعلنوا الطوارئ وبلغوا القيادة العليا في لندن وكلكتا.
بحثوا عنه في كل مكان واختفاؤه أثر في معنوياتهم وقدراتهم القتالية .. كانوا يصرخون .. كيف نقاتل من دون إله .. انتم لديكم صليب .. وهؤلاء قرآن .. ونحن ماذا نفعل .. نريد ربنا .. نريد ربنا.
وصادف أحدهم أحد الشباب الذين سرقوا التيس فسأله: ماريتش اللـــــه ؟
فأجابه الشاب: لا ريت اللــه .. ولا عبدالله.
اشتهرت هذه القصة في درنة والجبل الأخضر والكفرة فخزنها الشفشة في ذاكرته واستثمرها سريعا فور دخول قوات الحلفاء للمدينة .. تقديم الجسد من دون إصبع بصاصة جريمة في عرف الشفشة .. قال في نفسه لقد أكلوا التيس من دون أن يضعوه فوقي أولا .. لابد أن أبصّ فيهم.
عندما صرف الضابط المصوعي الشفشة والجنديين الذين معه في وادي الإنجيل عاد الشفشة إلى المعسكر في شحات .. قال لآمر المعسكر .. إن الضابط أنطونيو المصوعي تمرّد وأوقف البحث عن الشاعر اليهودي المطلوب وصرفنا وها هي بندقيته وها هو مسدسه .. لقد تحوّل إلى راهب يتعبد في الكهوف .. لم يصدقه الآمر وأمر بجلده على مخاريقه لولا أن الجنديين أيدا كلامه فأرسله الآمر مجددا مع مفرزة من الجنود الأشداء للبحث عنه والقبض عليه حيا أو ميتا .. لأن تمرد الضباط وهروبهم ساعة النفير يعني الموت وهو خطر على الجيش برمته .. خاصة وأن الضابط أنطونيو المصوعي من أصل ليبي قد يجبده العرق فينظم للمجاهدين الليبيين المحليين الذين نشطوا مجددا مع قيام الحرب العالمية الثانية.
لم يلتحق أنطونيو المصوعي بالمجاهدين الليبيين .. مقت القتل لأي سبب كان .. استغرق في قيم الصفح والسلام المنادي بها يسوع .. صار الرسول مرقس بارقا أمام عينيه .. لا يغادره حتى في الأحلام .. أمضى وقته متنقلا بين الكنائس المنحوتة في الجبال .. تنقل من كهف إلى كهف .. لا يبقى في الكهف أكثر من ليلة .. أو نهار .. هو لا يتعقب كليمنتي أربيب .. لكن في كل كهف يزوره يجد أثرا له وومضة نور تصافحه .. يحس على جدرانه أصداء لكلمات التوراة ويرى على سقفه بؤر نور لآيات قرآنية تلاها صبي منذ قليل .. يتعقبه بإصرار .. يريد أن يقابله ليفهمه أنه لا يطارده الآن .. ولا يطارد أحدا بالمرّة .. لكن لم يتمكن من الوصول إليه .. كان لكليمنتي خطوة السبق في الرحيل .. واختفت آثاره نهائيا على مشارف درنة.
لم يدخل أنطونيو درنة .. خاصة بعد أن رأى أعلام الحلفاء على بناياتها .. الحلفاء أعداؤه في لغة العسكر .. لن يصدقوا أنه هرب وقد يجبرونه على الخدمة معهم .. لن يصدقوا أنه ترهَّب وما عاد يعنيه القتال .. سيعتبرونه على أقل تقدير جاسوسا ويعدم بالرصاص ووجهه إلى كوم تراب.
حالما وصل الشفشة إلى مشارف درنة ورأى أعلام الحلفاء على بناياتها أمر مرافقيه الطليان أن يمكثوا هنا ريثما يستطلع الأمر ويعود .. قال لهم إنَّ الخائن الجبان أنطونيو هنا ليس ببعيد .. سأحضر لكم السبع من معبوصه.
تسلح بمسدس ونزل الجبل إلى تحت .. في بطن الوادي لعب لعبته .. اتصل بطريقته الأثيرة في القوادة والخساسة بفرقة الاستطلاع الأسترالية وباعها زملاءه الجنود الطليان كعربون ولاء للحلفاء .. اتصل بهم بطريقته المخضرمة .. لم يرفع لهم علما أبيض أو يرفع يديه ويتقدم نحوهم أو يقوم بأي طريقة من طرق الاستسلام المعروفة في العرف العسكري .. لكن اتصل بهم على طريقته الشفشوية .. خلع سرواله .. تقدم نحوهم راكعا .. مبعره لهم ووجهه للأرض .. وإذ اقترب منهم انبطح على بطنه وذراعيه متشابكين على ظهره .. المسدس ليس معه .. هو مع سرواله .. قالوا له قف ورموا فوقه معطفا طويلا .. كان من بين فرقة الاستطلاع ضابط حاذق فهم الجو .. تفهم مقصده .. حاوره قليلا ثم قادهم الشفشة بحذر إلى جنوده الطليان وسلمهم لهم غيلة وغدرا .. منحه الحلفاء وساما وبعض الجنيهات نظير خدماته الجليلة المناصرة للحرية والمضادة للنازية والفاشية .. اكترى كوخا واشترى من سوق الظلام بدرنة كاط مَلْفْ وجردا .. ومن فندق بومنصور اقتنى عدة شياه وبقرة حلوباً ليصبح في أيام قليلة من أعيان درنة أصحاب الحظوة لدى الحلفاء وتابعيهم ..
لازم الشفشة الحلفاء عارضا خدماته .. شاركهم سكرهم وعربدتهم وحفلاتهم .. انسحب معهم إذ انسحبوا وعاد إذ عادوا .. ووشى بجماعة تيس الماعز زاجا بهم في غياهب السجن .. لكن اجتياح رومل وجيشه المنطقة وانسحاب قوات الحلفاء الاضطراري كان في صالحهم .. استغلوا الربكة وبمساعدة الأهالي الوطنيين من أمثال آل لياس وبدر وبللو والعوكلي وسرقيوة تمكنوا من الفرار والاختفاء في نجع قريب.
لكن للحرب صولة .. وللحياة وجوه عدّة .. وللسجال تقلب وتمرّغ على سفيف التواريخ .. التف عليهم الثعلب من جديد .. شتت دجاجاتهم وأخرس ديوكهم النشاز .. ففروا تاركين الذي وراءهم والذي قدامهم .. فروا بجلودهم وهرب معهم أغلب الأعيان المتملقين المصفقين يوم الكسكسو .. مبروك لم يهرب .. هو لم يشترك في الحرب .. لم يناصر أحدا .. يدرس في الزاوية ويلتقي بكليمنتي كل يوم .. رباط وجداني إنساني يربطهما .. فلكل دينه .. كليمنتي هرب مع الحلفاء .. أراد أن يبقى مع مبروك .. لكن هو عسكري الآن وعليه تنفيذ أوامر النفير وإلا أعدم.
انسحب رفقة نيكولاس .. الضابط الأسترالي الذي شاركه همومه الإبداعية .. مكثا معا في طبرق .. التقى كليمنتي ببعض يهود طبرق القاطنين في حارتهم خلف الجامع العتيق .. تعارف معهم .. زار معهم حاخامهم المدفون في المقبرة وترحم على كل موتاهم .. فتح الحصن المعلق في رقبته وقرأ منه بعضا من التوراة:
فهكذا يبارك المختارون ..
والعادلون الذين سيشهدون في يوم الشدة إبادة الأعداء كلهم وخلاص الأبرار.
القدوس والأكبر سيترك مسكنه ..
إله الأزل سيأتي على الأرض ويمشي على جبل سيناء سيظهر وسط معسكره ..
سيظهر في كامل قدرته في أعالي السموات ..
ثم نصحهم بمغادرة طبرق لأن المحور قادمون .. وقد لا تصمد المدينة أمامهم هذه المرّة .. غادر أغلبهم ومنهم من بقي متنكرا .. كثيرا ما شاهد كليمنتي رجلا في درنة ملبسه حسن ودائما يبتسم بغنج المثليين .. يخيّل له وجهه ليس غريبا .. صادفه في السوق عدّة مرات وفي الخمّارة مرّة وأمام الجامع كل جمعة .. لم يكترث له وبادله ابتساماً بابتسام .. كان محظورا عليه وهو الموظف في الإدارة العسكرية مخالطة المدنيين باستثناء الصبي مبروك وقاية من الجواسيس .. الآن في طبرق يراه مجددا .. ويعصر ذاكرته مستحلفها بأعصاب آلهة الفراسة والذكاء .. فيتذكر موقفا طريفا في الظلام وهم منسحبون صوب طبرق .. في أحراش عين الغزالة كان جنديا أستراليا مخمورا يضاجع أتانا ورجلاً عربياً حسن الهيأة يربت على كتفه ويقول له: إلواه يا ودّي ؟! واحني مامليناش عينك.
كان كليمنتي آنذاك مخمورا أيضا لكن تلك الكلمات والهيأة مازال يتذكرهما .. إنه هو ذاته هذا العربي المأبون .. الذي امتطاه عدة جنود أستراليين ضخام الجثث يعشقون الضيق .. لكن الذاكرة تحضر له هيأة أخرى وأحداثا أبعد .. وقفز كليمنتي وصار يدور على رجل واحدة .. أيعقل أنه هو الذي يتتبعنا مع الضابط المصوعي الإيطالي في كهوف ووديان الجبل الأخضر؟! ونقل معلومته هذه إلى عنصر الاستخبارات في الكتيبة الذي بدوره طمأنه بأنهم يعرفون ويعرفون أيضا أنه منشق جاءنا وسلم لنا عدة إيطاليين مسلحين كانوا تحت إمرته .. وهو يقدم لنا خدماته النهارية والليلية بتفان كبير .. أي أنه عنصر مفيد ولا يمكن الاستغناء عنه في ظروف قاحطة كهذه .. لكننا دائما حذرون منه وقد نصفيه في أي لحظة إن شعرنا منه بأي لوية ذيل أو امتنع عن خلع سرواله والتـفـقـيص ( الركوع ) وضحكا معا وسأله كليمنتي وهو ينزل زجاجة الويسكي عن فمه: وهل يعرف الأستراليون التـفـقـيص فأجابه الضابط الاستخباراتي سريعا : يعرفون حتى التبـعبـيص .. استدر إن كنت تكذبني .. وغرقا مجددا في ضحك قوي ومتواصل جعل مخاط كليمنتي يخرج من أنفه فيما الشفشة يتأملهما من بعيد ويبتسم ويفرقع كرة علكة غطت معظم وجهه الأمرد بغشاء وردي رقيق.

كان كليمنتي يلازم نيكولاس .. خاصة في خلواته في وادي العودة الكئيب .. كليمنتي يحلم بالعودة .. العودة إلى الوطن .. إلى الشعر .. إلى زوجته سارة وعشيقته ميزونة .. إلى نجوع المرج وبنغازي والبيضاء .. إلى الدروب التي داسها مع دابته متجولا وتاجرا وسائحا .. أحيانا يغلبه الحزن والوحدة فيقرأ من أسفار التوراة ما تيسر مفترضا أمامه حائطا يبكي .. نيكولاس أيضا يقرأ تراتيل المسيحية .. يقرأ معبرا عن همومه بعبارات مقدسة حفظها في طفولته من الإنجيل .. لا يذكر الآن أي إنجيل حفظ منه .. امتزج في خياله مرقس بلوقا بمتى بيوحنا ببطرس .. بكل القديسين المؤمنين بيسوع عليه السلام .. وعندما تشرق الشمس صباحا يسمعان تغاريد العصافير وتبتلعهما الأشغال العسكرية اليومية وفي المساء على ضوء قمر طبرق يقرضان الشعر .. يقول كليمنتي كان لدي عصا زيتون منقوشة بالأشعار والأماني .. الآن لدي بندقية منقوشة بالدمار .. ويبكي متذكرا عشيقته وأسرته ويرتفع نشيجه إذ يتذكر رفيقه مبروك .. الولد الطيب العذب البشوش.
نيكولاس يربت على كتفه .. خذ هذه الكأس المزدوجة يا صديقي ولا تبكِ .. ففي هذا الوادي لا يجوز البكاء .. لقد كتبت البارحة نصا رفع منطاد معنوياتي إلى أعلى .. يومئ كليمنتي بالموافقة على الاستماع .. ينشد نيكولاس :
آهٍ أستطيع أن أشعر أنهم قادمون
أنني أملك وادي العودة الكئيب
لا أستطيع النوم ليلا
فالبراغيث تلسعني
تركتني بالحسرة والأحزان
وحيثما تطوف
لا يوجد سوى الرمال والأحجار
وكل منا يحمل السأم والضجر
آهٍ أشعر أنهم قادمون
أنني أملك وادي العودة الكئيب من جديد.
يقول كليمنتي : أنا أيضا البراغيث تلسعني .. براغيث الفراق يا نيكولاس .. أتذكر ميزونة .. أتذكرها بجنون يا نيكولاس .. كب لي كأسا مزدوجة أخرى .. سأنشدك الآن من جروح عصا الزيتون ودموعها .. ليتني أحضرتها معي .. فهي تاريخي الشخصي وحبي وأمنياتي وكل شيء .. لن أطأ القدس من دونها .. زيتونها لن يعرفني .. سيقول لي أين كنت؟ .. لم تولد هنا .. أين عصا زيتونك لنقرأها .. أقول للزيتون ليست معي الآن .. تركتها ليتيم .. زيتون سيصدقني .. زيتون سيكذبني .. زيتهما سيسيل صوبي .. يضيء ظلمات الفراق .. وسأنتظر اللقاء .. أين ومتى يا مبروك نلتقي .. تركت العصا لمبروك .. ليتني أخذتها معي .. لكن مبروك أكيد في حاجة إليها .. أعرف أنها أمانة لديه .. سيحافظ عليها .. لن يستعملها حطبا أبدا .. ولن يفشخها بفأس المستحيل .. سيصونها في أجربة طاهرة نظيفة .. ككتاب مقدس وأكثر .. سأتذكر ما نقشت عليها تلك الليلة المقدسة .. ليلة عبادتي الخاصة .. ليلة السبت .. حيث كان مبروك يوقد لي نار الدفء ويضيء لي سراج الرؤى وكنت أنا أوقد النار التي ليست محرمة في سبتنا .. أوقد نار الشعر وأجرّح ساق الزيتون بعذوبات بلاغية لا تحتمل .. أذبّها بأشعار لزجة .. استلّها من رضاب ميزونة العسلي .. أستلها بلساني المجنون رقصا في فمها المزغرد .. أستلها بتقلبي وانغراسي في جحيمها على نعومة كليم مصراتي مزخرف وملون .. أستلها من بيوت القصيد وأغنيها خدوش هكذا من حنين:
يانا اللي صارت لي عشقا
عقلي مشقا
من بودور المشاط اشقا
يانا اللي ما فيّ انياط
غلاهم حاط
امخلف داير لي ساقاط
احزام اللي لا صار عياط
الدير طرشقا
ذبّا مالرشقة للرشقة
لم ينسحب مبروك من درنة انسحابا عسكريا .. لكنه أكمل قراءة كل المخطوطات الموجودة في الزاوية .. نال منها حصيلة جيدة من علوم القرآن والفقه والشعر والتصوّف والفلسفة وغيرها .. شدّه كثيرا شعر ابن الفارض ومحيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي والحلاج وأبي العلاء المعرِّي.. قرأ كل الكتب والمخطوطات التي وجدها في خزانة الزاوية .. كلما قرأ لهما أكثر زاد نهمه إليهما .. مخطوطات الزاوية لم تشبع طموحه .. التهم كل ما فيها من معارف صوفية وتاريخية وفلكية وجغرافية وأدبية .. حفظ ثلثي القرآن الكريم وحصيلة لا بأس بها من الأحاديث الشريفة والقدسية .. ذهب إلى مكتبة مسجد الصحابة لم يجد بغيته من الكتب المهمة .. ارتاد مكتبات الجامع الكبير بمحلة البلاد وكنيسة النصارى وكنيس اليهود .. مكتبة الكنيسة كُتبها باللاتينية ومعظمها حول اللاهوت .. كنيس اليهود بالعبرية .. هو يريد أن يقرأ أكثر عن ابن عربي وابن الفارض .. وجد في نصوصهما سكينته وعشقه ونفسه وترنيمة نايه المفقود.
سأل الشيخ الأسمر فأشار له بالأزهر أو مكة أو الزيتونة أو الجغبوب أو القرويين أو تمبكتو .. عندما عادت جيوش المحور إلى درنة مجددا غادر الشيخ الأسمر وزوجته درنة إلى واحة الجغبوب فاستغل الفرصة ورافقهما .. كان الوقت ضيقا .. الألمان قادمون وراء الحلفاء الشارعين في الهرب .. بالكاد صافح كليمنتي وعاد إلى الشيخ الأسمر ليرافقه إلى الجغبوب .. كان لقاء دامعا مع كليمنتي الحبيب .. مبروك يشد العصا وكليمنتي يشد العصا والأشعار المنقوشة على كيانها تنظر إليهما بأسى وحزن وحنين وأشجار الزيتون الدرناوية تشهد المشهد وتتهادى جهة مبروك وجهة كليمنتي ولا تستقر على حال .. الكلمات المنقوشة على العصا ليست غائبة عن ملحمة الوداع .. الحروف تتداخل في بعضها محدثة نشيجا حروفيا يشارك بامتنان .. كل حرف من الأشعار به عين تـغني .. بل به أبجدية إنسانية تبصرهما وتدعو لهما ..
قال كليمنتي لا تنساني .. وسنلتقي .. وقال مبروك أنت في القلب .. ومن في القلب يظل ينبض دائما .
تفارقا حتى المضض بكى .. تفارقا ولا أحد التفت .. تفارقا في لقاء الذاكرة الأبدي .. تفارقا والريح هدأت وأشجار الزيتون اهتزت بشدة وبعضها صار يتطاير ويُقتلع فالقصف قد اشتد الآن وهوام الدبابات تتقدم تهرّس كل شيء.
في الجغبوب واصل مبروك دراسته في معهد ديني متقدم .. نبغ في جميع المواد .. وأجمعت مشائخ المعهد على تفوقه فقرروا إيفاده إلى جامعات ومنارات أرقى علماً .. الأزهر أو الزيتونة أو جامعة القرويين بفاس .. في الجغبوب لم ينعم ببهجة الصبا وحلاوات الشباب .. جلّ وقته يستغرقه الدرس والحفظ والمطالعة .. أكمل حفظ القرآن الكريم وأقيمت له حفلة ختمة كبيرة أحيتها فرقة الزاوية الصوفية للذكر والمدائح .. وقدّمت فيها الأطعمة الشهية والمشاريب المحلاة إضافة للتمر الفاخر وحليب النوق.
وألقى فيها مبروك موعظة صوفية بدأها بتفصيل لأسماء الله الحسنى .. قسمها إلى ثلاثة أقسام على طريقة الشيخ محيي الدين بن عربي في كتابه إنشاء الدوائر.
أسماء الذات:
الله .. الرب .. الملك .. القدوس .. السلام .. المؤمن .. المهيمن .. العزيز .. الجبار .. المتكبر .. العلي .. العظيم .. الظاهر .. الباطن .. الكبير .. الجليل .. المجيد .. الحق .. المتين .. الواحد .. الماجد .. الصمد .. الأول .. الآخر .. المتعالي .. الغني .. النور .. الوارث .. ذو الجلال .. الرقيب.
أسماء الصفات:
الحي .. الحياة..الشكور .. الكلام ..القهار .. القاهر..المقتدر .. القوي ..القادر .. القدرة.
الإرادة :
الرحمن الرحيم..الكريم الغفار ..العفو الودود..الرؤوف الحليم.
العلم:
البر الصبور العليم الخبير المحصي الحكيم الشهيد السمع … السميع البصر .. البصير.
أسماء الأفعال :
المبتدئ .. الوكيل .. الباعث .. المجيب .. الواسع .. الحسيب .. المقيت .. الحافظ .. الخالق .. الباري .. المصور .. الرزاق .. الوهاب .. الفتاح .. القابض .. الباسط .. الخافض .. الرافع .. المعز .. المذل .. الحكم .. العدل .. اللطيف .. المعيد .. المحيي .. المميت .. الولي .. التواب .. المنتقم .. المقسط .. الجامع .. المغني .. المانع .. الضار .. النافع .. الهادي .. البديع.
تناول أيضا في موعظته تفسيرا لسورة النجم وفق رؤية محيي الدين بن عربي مستعرضا اختلاف بقية التفاسير القرآنية .. قبل نهاية الموعظة قاطعه أحد المتطرفين وقال: هذا الكلام مخالف لمعتقداتنا .. أعتقد أنه تجديف وهرطقة .. وانبرى له الشيخ الأسمر معلم مبروك في زاوية بومنصور بدرنة قائلا: الشيخ مبروك تعب كثيرا في اكتساب هذا العلم الغزير واطلع على كتب لم يطلع عليها أكثرنا ولو كان فيما قاله تجديف لفطن لذلك .. وأعتقد أن هذا المعهد ما عاد يناسبه للدراسة .. عليه بشد الرحيل إلى جامعات إسلامية كبيرة في الأزهر والزيتونة وفاس .. فهناك يوجد شيوخ أجلاء وعلماء معتبرون يمكنه أن يتعلم على أيديهم ويرتقي بعلمه إلى فضاءات أعمق.
ووقف متعصب آخر أو بالأحرى حسود .. والحسد بين طلبة العلم والأدباء والشعراء أشد وطأة منه عند الناس العاديين وقد أثبتت لنا مدونات التاريخ ذلك .. فالمتفوق والنابغة عليه بالجهاد ضد هؤلاء المسوخ أولا قبل التفرغ لعلمه وأدبه وإلا ضاع .. كثيرا من الحوادث حدثت .. وقد يصل الأمر إلى حد القتل .. فالحسد والحقد نار تلتهب تحرق الأسوت .. ولو تساءلنا من قتل الشيخ الصوفي والشاعر والفيلسوف شمسي التبريزي .. في الكتب يشكّون أن الذي فعل ذلك صديقه الحميم مولانا جلال الدين الرومي أرسل إليه من يقتله ويرميه في البئر ثم طفق يبحث عنه في حانات وأزقة دمشق ويصفه بالحبيب وفي هذه الحياة لا أستبعد شيئا فمولانا إنسان ورع وعالم وشاعر وفيلسوف لكن في النهاية هو محض بشر يحسد ويحقد ويفعل أي شيء .. قاطع هذا المتطرف أو الحاسد الشيخ الأسمر معارضا بغضب ما قاله مبروك وما جاء به محيي الدين بن عربي في كتبه .. قال إن أفكار ومعتقدات ابن عربي وتابعيه من الضالين فاسدة فاسدة .. ومستقاة من الحلاج لعنه الله ومن الخوارج والمعتزلة والقرامطة وأخوان الصفا وكل الفرق الاثنين والسبعين المارقة عافانا الله وإياكم ..
أجابه مبروك بهدوء بأبيات شعر للحسين بن منصور الحلاج:
إِنّي لأَكتُم مِن عِلمي جَواهِرَهُ * كي لا يَرى العِلمُ ذو جَهلٍ فَيَفتَتِنا
وَقَد تَقَدَّمَ في هَذا أَبو حَسَنٍ * إلى الحُسَينِ وَوَصّى قَبلَهُ الحَسنا
يا رُبَّ جَوهَرِ عِلمٍ لَو أَبوحُ بِهِ * لِقيلَ لي أنت مِمَّن يَعبدُ الوَثَنا
وَلاِسَتَحَلَّ رِجالٌ مُسلِمونَ دَمي * يَرَونَ أَقبَحَ ما يَأتونَهُ حَسَنا
ونزل من المنبر إلى حصيرة الديس وكادت تحدث مشاجرة بين مبروك وذاك الشاب المتعصب غير أن وصول موكب لشيخ ليبي قادم من واحة سيوة فض النزاع وهرع كل من في الخلوة لاستقبال هذا الوجيه المرموق وتقبيل يديه ..
قضى مبروك جل وقته في الجغبوب يدرس المخطوطات ويحققها .. كان يجلس بالمخطوط تحت شجرة النخيل الملتفة ذات الحكاية الأسطورية .. يقرأ على مهل ويتأمل ماء البحيرة المالحة .. النخلة الملتفة والبحيرة هما سميرة وسراج .. البحيرة المالحة دموعهما ودموع كافة العصافير والفراشات المتعاطفة ..
في ظلها ينشد أشعار ابن عربي وابن الفارض .. وفي أوقات الأصيل يضطرب الماء ويخيّل له أن سميرة تخرج منه .. تجلس بجانبه .. تستمع له ثم تلتوي في جذع النخلة الملتوي .. يخيّل له أيضا أنه صار أميرا يعشق هذه الحورية فيزداد التصاقه بجذع الالتواء حتى يعمّه جنون الانتشاء.
نستطيع القول إنه تخصص في أشعار ابن الفارض وفي مدوّنات ابن عربي .. درس تاريخ العصر الذي عاشا فيه .. هما يعاصران القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي .. صلاح الدين الأيوبي يمثل القوة العسكرية والاندفاع .. والمتصوفة العلماء يمثلون النأي عن الدم والنار والتحصّن بالسلام الداخلي والوجدان الملتهم للوحشة والتجهم والألم .. درس مبروك كل المذاهب ولم ينتم لأي مذهب كان .. على الرغم من أن بعضهم اشترك في الحرب الصليبية ليس عدوانا لكن دفاعا عن النفس .. لقد جاء الصليبيون المتطرفون إلى بلاد الإسلام ولم نذهب إليهم وعندما ذهبنا إليهم اعتبرنا نضالهم ضدنا مشروعا هكذا قال صوفي محارب لخيالات الحق والتاريخ.
نأى مبروك بنفسه عن الحروب الخاسرة والمجادلات العقيمة ولازم نخلة الإبداع والحنين .. يقول إن مذهبي الحقيقي هو الحب ونبعي الصافي هو الماء .. فيقول له بعض المشايخ المرحين لقد أفسد عقلك ابن عربي وأفسدتك أيضا تلك النخلة الملتوية والبحيرة المالحة الملعونة التي تلازمها صباحا ومساء .. فيرد عليهم مازحا:
النخلة الملتوية أفضل من المائلة .. الالتواء مستقيم صاعد إلى أعلى والميلان معوج مآله السقوط.
حتى المذهب الإباضي درسه .. لم يسمع إلحاح المالكيين بتركه وإهمال دراسته .. درسه كعلم وليس كفضول .. درس حياة مؤسسه عبدالله بن يزيد الفزاري الكوفي .. في قرية إباض .. انتصر خالد بن الوليد رضي الله عنه على مسيلمة الكذاب .. ومن قرية إباض انتشر المذهب الإباضي في مسقط وعمان وزنجبار وفي أفريقية وفي طرابلس وتيهرت بالجزائر .. سلمة بن سعيد هو الذي أدخله إلى أفريقيا .. كان شديد التعصب للمذهب .. يقول كما ذكر عنه الشماخي في كتاب السير: وددت أن يظهر هذا الأمر ـ يعني مذهب الإباضية ـ يوما واحدا فما أبالي أن يضرب عنقي .. وهذا حال كل مستغرقاً في الإيمان بقضية ما .. إن دخل الإيمان فلا تراجع أبدا .. ودخول الإيمان مثله مثل دخول الحياة في المخلوق .. لا بد له من خالق حقيقي.
كان دائما مجادلا لأصحاب المذاهب السنية الأربعة .. المالكي .. الشافعي .. الحنبلي .. الحنفي .. ومجادلا أيضا نفرا من الشيعة التقاهم رفقة قافلة قادمة من الشام .. بعض المالكيين يحتدون معه في النقاش ويقولون إن المذهب الإباضي قريب من مذهب الخوارج .. فيقول لهم: لا .. لا .. لا .. حرام عليكم .. المذهب الإباضي لا علاقة له بالخوارج .. ويستشهد بقول ابن حزم في كتابه المعروف الفصل في الملل والنحل .. إن أصحاب عبدالله بن يزيد الإباضي الفزاري الكوفي أقرب أهل السنة من بقية الفرق الأخرى .. وكلما يحتدم النقاش يهمس لهم بهدوء: ألا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .. فيقولون بلى.. لكن .. فيقاطعهم اللكننة من الشيطان الأناني.. هم إخوتنا ونحن إخوتهم .. كلمتنا واحدة .. كما الله واحد .. استغفروا الله .. وتوبوا .. فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
بعد أن استراح الوجيه القادم من سيوة يومين من وعثاء السفر أمر بتجميع كل الطلبة في الجامع وخطب فيهم خطبة عصماء بدأت دينية وتحولت دنيوية أي سياسية حماسية تطلب من الطلاب إلقاء المصاحف والألواح والرقوق جانبا والهجرة إلى سيوة حيث فرض العين الجهاد .. في سيوة سينخرطون في الجيش السنوسي البطل الذي سيحرر ليبيا من الطليان والألمان صحبة قوات الحلفاء الداعية للحرية والتقدم والعدالة .. اختلطت الأمور في رأس مبروك .. جيش ليبي يحارب صحبة الإنجليز والفرنسيس وبعض الجيوش المرتزقة الصغيرة من هنود ونيوزلنديين وأستراليين وجنوب أفريقيين.. الفرنسيون ذبحوا إخواننا في المغرب والجزائر وتونس والشام .. في الجزائر وحدها أزهقوا مليون روح تقريبا .. الإنجليز قتلوا من العرب ما شاء الله ومنحوا اليهود وعدا بأرض فلسطين .. وعدوا اليهود بأرض ليست ملكهم .. أولى القبلتين المسجد الأقصى سيدنس .. الإنجليز أعداء المجاهد الشيخ سيدي أحمد الشريف .. خلال الحروب الصليبية كانوا ضد المسلمين .. الطليان كانوا مع الحلفاء في الحرب العالمية الأولى .. الآن مع الألمان الذين كانوا أعداءهم آنذاك .. إتحب تفهم إتدوخ .. عالم مجنون .. لا ينام على جنب واحد أبدا .. تحكمه المصالح والأطماع والأنانية والدماء .. عموما لم يرتح مبروك لهذا الرسول المسيّس ذي البطن السمين والرأس الأفطح .. قرر أن لا ينخرط في هذا الجيش .. لجأ إلى نخلته الملتوية وبحيرته المالحة وحوريته الشاعرة سميرة .. قالت له:
نجك لي .. كلامك طايب ماهو نيْ ..
نجك لي .. رايك صايب موش خطي ..
نجك لي .. ويانا عليْ .. ويا نا عليْ
هكذا تعجبني .. أحبك .. مالك ومال الحرب .. خلينا في الجو السمح .. والشعر .. والسهر على نور القمر .. البارود قذارة ستأخذك مني .. ابق في ظلي .. كل من ثمري .. اشرب من ندى فجري السائح على بهيج سعفي .. إلاّ الحرب يا مبروك .. لا تقتل ولا تترك مأبوناً يقتلك .. حب فقط وإلى الأبد.
تحصّن بالنخلة الملتوية .. رفض أن يتحول إلى ترس في آلة الدمار العالمية .. أقنع نفسه بمذهب الحب والسلام والشعر والغناء والحنين .. اعتبروه هرطيقا زنديقا مرتدا .. أحد متطرفيهم أفتى بهدر دمه معتبرا رفضه التجنيد تولي يوم الزحف .. سحب المعهد منه ترشيحه للدراسة في الأزهر وأوقفوا عنه الجراية المالية الممنوحة للطلاب .. مكث أياما حذرا تحت النخلة الملتوية .. يطالع مدونات ابن عربي وابن الفارض .. ويناجي النخلة الملتوية .. سميرة تطمئنه والعصافير في أعشاشها على جمار النخلة تغرد له .. يقف قليلا يتمشى متفقدا التخوم المحيطة .. ويعود إلى مربضه الآمن المهاب .. فالنخلة في نظر العامة مسحورة .. وفي نظر المتدينين المتطرفين نجاسة من رجس الشيطان .. الاقتراب منها يبطل الصلاة والحج .. الاقتراب منها خطر شديد .. يفكر مليا فيما يفعل غدا وبعد غد وهل ستدوم هذه الحالة .. يتكئ بظهره على جذع النخلة وينام و في يده عصا الزيتون.. يشهرها كلما شعر بخطر .. سعف النخلة يحرسه .. إن اقترب غريب تحرك السعف وتهدل على وجهه فلا يحسه إلا خصلات سميرة .. يستيقظ ويشهر عصاه .. هذه العصا الشجاعة .. كم قهر بها من قطاع طرق ولصوص وبصاصين اعترضوا طريقه .. أطاح بسيوفهم وخناجرهم وسباباتهم وضربهم بها على مؤخراتهم ففروا ضارطين.
وكم قتل بها من حيّات وعقارب غادرة وكم مزق بها من أفاعٍ متصلبة صمّاء لا تكترث لتحذيراته بآيات القرآن.
السعف يمس وجهه .. يقف شارعا عصاه .. لا يجد أحدا .. يعود إلى مأواه .. ينظر إلى القمر المنعكس في البحيرة المالحة ويتساءل هل نوره مالح أم حلو؟ .. وتجيبه سميرة سأتذوقه لك وأقول .. تتذوقه وتقول له لا أعرف طعمه لم أتبينه .. مذاقه كجنون الرطب .. مذاقه صعب التمييز .. لكن افتح فمك .. سأسكب فيه قطرة .. ويتلمظ مبروك ويقول لها حلو .. واجد حلو .. لكن ليس كحلاوة العسل والسكر .. حلاوة نورانية تضيء فحم الظلام .. حلاوة تضيئني .. تنعشني وكأنها خمر الحقيقة .. يا نا عليْ منك .. معاش تسكبي في فمي .. تكفيني سكائب الروح.
كل ليلة يتسامر مع سميرة حتى ينعس .. وتحدث تجليات عظيمة .. يعجز المداد عن تذوقها وتدوينها .. في إحدى التجليات قالت له: أنا معك حيثما رحلت .. حيثما رحلت ثمة ماء مالح .. إن نضب فسأبكي لك كما بكيت لي هذه الدمعة العظيمة .
حزم أمره وغادر الجغبوب صحبة عصا الزيتون المنقوشة بماء القريحة .. عصا الزيتون التي التقطها كليمنتي لحظة فزع وهروب من أدغال غابة الباكور .. لا ندري من غرس هذه الزيتونة .. ربما شيخ الشهداء عمر المختار .. أو رفيقه الشجاع عيسى الوكواك .. أو راعٍ رمى بعض النوى بعد إفطاره أو عاشقان تقاسما الحَب فانغرست نواة الزيتون المبللة بريقهما في الأديم ونبتت خصبة كحبهما .. أو وليٌ صالح مررته المقادير من هناك .. أو سكير يقرض الشعر بعد انتشاء .. عصا الزيتون .. عصا الزيتون .. عصا الزيتون .. ونبتت الشجرة وأثمرت وتطاولت فروعها التي غلظت سوقا متينة .. وكليمنتي الهارب المفزوع من هناك .. التـقط الفرع .. دافع به عن نفسه .. التقطه في لحظة فزع .. فاستحال فزعه إلى إيمان .. حتى الشفشة ومفرزته النتنة عاد ونكص .. ونبت كليمنتي بخطواته منحدرا إلى أسفل في أمان .. الحمار الذي ركب عليه استأنس بعصا الزيتون فلم يرفس وأوصل الوديعة الإنسانية أبلغها مأمنها .. الحمير تنال الحسنات وذات مروءة والشفشات تنال السيئات وذات خساسة .. والعصا لمن عصى .. والعصا مشكلة العالم منذ الأزل .. ولليهود بالذات علاقة متينة وتاريخية مع العصا .. فحتى نبيهم موسى عليه السلام معجزته في العصا التي فلق بها البحر هاربا من فرعون وجيشه .. ونبيهم الآخر سليمان الحكيم اتكأ عليها ولم يتركها حتى وهو ميت إلى أن هوت به بعد أن أكلتها الحشرات .. وفرعون آه من فرعون يا سميرة .. ومن الفراعنة الكثير في جميع الأزمان .. كل فرعون عنده عصا يضرب بها رأسي .. يظن رأسي بحرا يريد فلقه ليهرب من ممره الدامي .. فرعون يطارده فرعون .. أقول له رأسي ليس بحرا يقول لي أرى الأمواج تتمايل وتصخب على جبهتك .. أقول له تلك غضون الزمن والهموم وشمس بنغازي الحزينة .. إنها سرابٌ لحمي وليست أمواجا يا فرعون العزيز .. يقول إنني أستمع اصطخابها والأعداء ورائي .. والرعية ورائي .. والله ورائي .. رأسك بحر سأفلقه وأنجو.
في رأسي لا شيء من الأفكار .. في رأسي مشاعر فقط تحب الكلمات الجميلة وتحب حبيباتي اللاتي دخلن حياتي .. في طرابلس ودرنة وطبرق وبنغازي وبانكوك ومراكش وتونس والجنة ..
عصا الزيتون لازمت كليمنتي في حله وترحاله في اختفائه بزريبة الماعز بطلميثة .. في انكماشه داخل أوشاز الأسلاف الدافئة بالجبل الأخضر .. نقش عليها أرهف أحاسيسه الشعرية وعندما التقى مبروكا صارا معا لم يكسرها نصفين ويعطيه النصف لكن سمح له أن تكون له أيضا .. سمح له أن ينقش عليها تاريخه وأسطورته فنقش مبروك عليها قلب حب بنت خالته ربيعة وغنى:
يا ربيعة يا ربيعة ..
في سباك العقل انبيعة.
وصارت العصا لهما وليست له .. وصارت العصا لهم .. ولنا .. ولكم .. ولهن .. وللإنسانية جمعاء .. آهٍ أيتها العصا لا نريدك أن تكوني ثعبانا يتلقّف كل شيء .. فالشيء مغلوب على أمره .. مأمور .. مغسول دماغه .. لكن أفلقي لنا بحر اليأس ببصيص من أمل ولو كان نحيلا أعوج .
ها هو يغادر واحة الجغبوب الفاتنة صحبة عصاه التي جعل لها غمدا مضفورا من سعف النخلة الملتوية .. غمد يلتوي ولا يميل .. يرقص شامخا .. ولا يتصلب ساقطا .. السعف المصنوع منه الغمد سعيد .. يلامس نعومة الأشعار وينهل من نبع الأحاسيس .. والسعف الباقي في النخلة لم يحسده إنما رقص له رقصات الحفيف .. الأوراق المقطوعة نبت بدلا منها وريقات جديدة .. عرائس جديدة .. أعمق اخضرارا وأينع جلدا وأرق.
لم يحمل معه من الجغبوب سوى مخطوطات الفتوح المكيّة وترجمان العشاق لابن عربي وديوان ابن الفارض الوحيد ومصحف قرآني مزدان بالمنمنمات الحروفية .. قبل أن يغادر ودع شيخه الأسمر وزوجته الحاجة مرزوقة .. قبّل رأسيهما فدعيا له بالرضا والتوفيق والفلاح .. منحاه كل ما معهما من مال وتمر .. وصار الشيخ يتابعه بنظراته ويدعو له ويتأمل خطواته وآثارها في الرمال .. ويتأمل الريح الرادمة لخطواته على مهل وفي لحظة تجلٍ انتابته نادى مبروك .. مبروك يا وليدي .. اقرب هنا .. تعال .. وعانقه وقاده إلى داخل مسقف السعف .. فتح صندوقا خشبيا وأخرج منه لفافة قطيفة خضراء بها صليب فضي أثري قديم .. صليب بحجم الكف .. قدّمه لمبروك قائلا: احتـفظ به .. تجده في عازة الزمان .. هو كنز بالنسبة لي .. واستغرق بعينين مبللتين ينظر جهة الشمال الغربي .. ويتمتم ذات عام كان القحط قد ضرب مدينة درنة ونواحيها وفتك مرض التيفود بالكثير من العائلات .. وخرجنا جميعا إلى مقبرة الصحابة يصلي بنا الشيخ العجّالي صلاة الاستسقاء .. ودعونا الله بقلوب صادقة ويقين منير .. فما عدنا إلى بيوتنا حتى تمزقت قربة السماء وأمطرت بغزارة وهبط السيل إلينا يجرف كل شيء يحمل معه الصنابة والأحجار العملاقة عبر وادي الشواعر إلى البحر .. في الصباح كانت الحياة مشرقة وخرجت من الزاوية أتأمل الجوار .. شجرة التين التي أمام الكهف تكاد تقتلع .. السيل حمل ما حولها من طين .. تناولت مجرفة وبدأت أهيل على جذورها التراب والطين وازدادت الشمس إشراقا .. أشرقت جدا جدا .. وأنا أهيل التراب لمحت شعاعا أبيض أبهر بصري .. شيء معدني ملتصق بعروق جذور شجرة التين .. تلقفته .. إنه هذا الصليب .. قبلته ونظفته بماء العين .. ثم دسسته في الصدع .. زارني بعض النصاري المقيمين في درنة فعرضته عليهم وكانوا مرضى فقبّلوه فشفوا من التيفود وأحضروا عائلاتهم تقبل الصليب فتشفى مباشرة وقلت ذلك لبعض الشيوخ المسلمين وباركوا ذلك لكن امتنعوا عن العلاج بواسطته .. قالوا هذه كرامة المسيحيين ونحن ليس لنا إلا دعاء الله والطب والنبوي والصبر على البلاء .. قبل رحيلنا بيوم من درنة إلى الجغبوب هاربين من القصف .. تذكرت هذا الصليب أثناء صلاة العشاء بعد أن أهملته أعواما طويلة .. خطر ببالي وأنا أرفع رأسي للسقف وأدعو الله أن ينشر السلام .. واستمر القصف الليلي الذي تهتـز معه أرجاء الجبل والوادي .. وبعد صلاة الفجر وأنا أتهجد وأبتهل .. يا لطيف .. يا لطيف .. ارحم عبدك الضعيف .. سقط الصليب من الصدع واستقر على طرف محرمة الحاجة مرزوقة التي لففته فيها وأخذته معي .. لا أدري ما سبب سقوطه من الصدع .. هل بسبب القصف أم البركة .. وأعتقد أنها البركة فالقصف لا يمطر الصلبان أبدا .. شعرت أنه يقول لي لا تتركني هنا .. خذني معك وأخذته .. وها آنذا ليس معي أبناء ولا بنات .. ليس معي إلا الله وأنت .. ليس معي أحد الآن إلا أنت .. فتقبّل هذا الصليب مني و لا تظن أنني أفتـنك .. فأنت ناضج الآن لا يخشى عليك .. لكن هذا الصليب ثمين .. مقدس .. أظهره لي ماءُ السماء وتذكرته في صلاة العشاء ووهبني نفسه عند الفجر.
انهار عزم مبروك وتفتت عبرته وبكى وعانقه مرارا وعانق الحاجة مرزوقة التي صارت تولول ورحب بالهدية الثمينة .. وضعها بعناية في الخرج مع مخطوطات ابن عربي وابن الفارض ثم ابتعد وكل خمس خطوات يلتـفت ويلوّح للشيخ الأسمر .. وكل سبع خطوات يلتـفت ويلوّح .. وهبط كثيب رمل فاختـفى الشيخ الأسمر وزوجته وصعد بعد مسافة كثيبا آخر فلاحا له نقطتان بديعتان من بياض وزرقة.

لم يتجه إلى مصر ولا إلى تونس .. غادر في حماية قافلة لقبيلة ازويّة حتى واحة جالو ثم تازربو ثم إلى معقلهم الأم الكفرة ..
في الكفرة لقي كل تكريم وترحيب فمكث بها يعيش قدره وعينه تتوق وتهف إلى تمبكتو عروس الصحراء وحورية المكان وفردوسه.
طاب العيش لمبروك في الكفرة .. في الصباح الباكر يعلـّّم الصبيان القرآن والنحو والفقه والرياضيات وفي الضحى يرتاد السوق يستعرض معروضات القوافل القادمة من تشاد والنيجر وفزان وغات وتمبكتو وبورنو .. يتحاور مع تجّارها ويتعرف إلى أعيانها ويشاكس عبيدها وجواريها .. يستعرض البضائع ويسأل عن الأثمان .. البضائع الواردة متنوعة .. ناب الفيل .. تراب التبر .. جلود التماسيح والنمور والثعابين .. الأصباغ .. الأعشاب الطبية .. البانقو .. البخور .. ريش النعام ..
ويا بوجمّة ريش نعام ..
ما خليت العقل ينام.
هكذا يغني قبل أن يسأل السوداني عن سعر كمية ريش تملأ وسادة .. وعندما يجد السعر غاليا .. يبتسم قائلا للبائع سوف أتوسد ذراعها ولتحتفظ بريشك الغالي .. يسأل بعضهم عن مخطوطات وكتب .. أحيانا يتحصل على مخطوط يعجبه فيبتاعه .. أو يقايضه بشيء اشتراه سابقا .. أحيانا يجبره فضوله فيسأل أصحاب القوافل وتابعيهم عمّا يعلقون حول رقاب دوابهم من حصون جلدية وتمائم وودع .. وحدث أن أقنع أحد السودانيين بفتح الحصن الجلدي المعلق حول رقبته .. قرأ مبروك ما حواه .. آيات قرآنية .. أسماء الله الحسنى .. رموز ومثلثات ومربعات ورسومات لم يفهم كنهها .. ذات مرة وجد في عنق جمل حصنا وطلب من صاحبه أن يفتحه ليطلع عليه .. امتنع الصومالي لكن مبروك طمأنه وأعلمه أنه شيخ قرآن سيدعو له كي لا تلحقه أي لعنة وكي لا تلدغه أي أفعى أو عقرب أو هامة .. وافق الصومالي وفتح الحصن .. وجد مبروك الشيء نفسه.. آيات قرآنية .. أسماء الله الحسنى .. علامات ومربعات ومثلثات شبيهة بعلامة تانيت.
القوافل بين الكفرة ومدن السودان وتشاد وفزان كثيرة وسريعة الوصول .. أوصى أحد التجار على مخطوطات قديمة فأحضر له بعضها .. قرأها مبروك واستفاد منها .. وطلب المزيد منها .. وانتشر بين القوافل ولعه بالمخطوطات فتسابق التجار على إحضارها وبيعها له .. أكثر المخطوطات هي أصول النص الأصلي .. يقرأها مبروك ويحققها ثم يهديها إلى تلاميذه المهتمين أو أصدقائه عشاق الكتب والإبداع.
كل دخله وهداياه ينفقهما في اقتناء المخطوطات تاركا نفسه تعيش الكفاف والزهد .. وتأتينا أصداء الألم القديم حاكية لنا عن مدينة الكفرة وعلاقتها الأزلية مع المخطوطات .. كانت الكفرة منارة للعلم ومركزاً من مراكز المخطوطات القيمة والنادرة يرتادها الطلاب من كل جهات أفريقيا ومن الشام والعراق .. كانت بها مكتبة كبيرة .. كتبها في كل أفرع المعرفة .. لكن مع قدوم الغزو الإيطالي للكفرة صيف 1930 م فقدت هذه المكتبة أهم مخطوطاتها .. بل دمرت بالكامل .. وفعل بها الطليان الفاشيست ما فعله التتار بمكتبة دار الحكمة ببغداد .. جعلوا المخطوطات وقودا يطهون عليه طعامهم .. ورموا بعضها في العيون .. وتركوا بعضها في العراء تمزقه وتشتته الرياح .. عشرات الآلاف من الكتب مزقوها ورموها بالرصاص وداسوها بالأقدام هم ومرتزقتهم المصوعية والأحباش والليبيون الخونة .. قوة عنجهية غاشمة زحفت لاحتلال واحة صغيرة مسالمة .. 654 جندياً وضابطاً إيطالياً .. 3321 من المرتزقة .. 378 سيارة مصفحة .. 7000 بعير .. ثلاثة مدافع ضخمة .. 25 طائرة تقصف قنابل مليئة بالغازات السامة والنار .. كل هذه القوة الإيطالية الضخمة لمحاربة 400 مجاهد فقط مسلحين بالبنادق الرديئة .. على الرغم من التفوق لم يهرب المجاهدون وقاتلوا حتى النهاية .. بل كثير منهم عقل ركبتيه بحبل غليظ وصاح :
مرحب بالجنة .. جتْ تدنـَّى .
أبطال سيخلدهم التاريخ .. عبدالجليل سيف النصر .. صالح ليطوش .. أحمد شعيب .. عبدالسلام الكزة .. عبدالحميد بومطاري .. وغيرهم من الأبرار .. احتلت إيطاليا واحة الكفرة .. وما فعله التتار في بغداد فعلوه هم .. أحرقوا الكتب وداسوها .. قتلوا الأسرى الضعفاء .. اغتصبوا النساء والبنات .. طاردوا المستجيرين بالصحراء بواسطة الطائرات .. كلما وجدوا قافلة صغيرة قصفوها وأرسلو إليها كتائب الهجانة ليقضوا على من بقي حيا فيها وليأسروا النساء .. لقد كتب الكاتب المناضل الأمير شكيب أرسلان بيانا حول احتلال الكفرة وزع في موسم الحج وتناقلته كل صحف العالم مما جاء فيه : ” لقد طعن الليبيون الشرفاء في شرفهم وفي دينهم وفي دمائهم وممتلكاتهم وأموالهم وسيحل بالمسلمين ما حل بالليبيين إذا لم يدافعوا عن أنفسهم ويثبتوا للعالم أنهم أمة حية “.
وآه يا واحة الخير كم رأيتي من ويلات .. واحة الماء والتمر .. مبروك سعيد فيها.. نواح الكتب المحترقة والممزقة يصله .. يزرع في مداركه ما تبقى فيه من معلومات .. يسقيه بالعبر والحكمة وبالجنون الخلاق .. واحة الكفرة واحة خير .. الماء العذب متولفر زلالاً .. التمر على طول العام يساقط من النخيل أو مطمور في الرمال .. اللبن والزبدة والزيت والدقيق والقصب يحضرها له طلابه كل ثلاثة أيام .. أهل الكفرة كرام .. لا أحد ينساه منهم .. لا يتركونه وحيدا أبدا إلا إن رغب في الانقطاع والاعتكاف للتعبد والدراسة وهلة من الزمان .. دائما يوسعون خاطره .. يسامرونه ويدعونه إلى ولائمهم ومناسباتهم السعيدة .. أما الحزينة فيجدونه في صميمها يشاركهم الحزن ويزرع لهم حنان المواساة.
يقولون عنه: هذا الشيخ الصغير ليس كمن عرفنا من شيوخ ناشفين متجهمين .. هذا المبروك البحبوح صاحب طرفة وكلامه ليس سفاهة وليس طماعا وكرشه ليس كبيرا ولا يجلد أطفالنا بالفلقة .. هذا الشيخ ملائكته خفيفة .. ربي يحفظه مالعين وخمسة وخميس والصّـلا عالنبي عليه ..
في زمن قصير أطلعه بعض الأهالي على عدد لا بأس به من المخطوطات .. مدونات ذات قيمة عالية .. في المعارف الإنسانية كافة .. طب .. شعر .. نحو .. تصوف .. فلك .. جغرافيا .. تاريخ .. هندسة .. أنساب .. سحر .. علم كلام .. منطق .. كانوا يحتفظون بها في صناديق متينة مع طابوات الأرض ومع حليهم النفيسة المتوارثة من الجدود ومع قطع سررهم الناشفة .
ولع مبروك جدا بالجغرافيا خاصة جغرافيا الصحراء .. بهرته أخبار تمبكتو الفاتنة فتاق إلى زيارتها والتعبد والتعلم في مناراتها وجوامعها الطوبية المخروطية الشهيرة.. الطريق إليها يمر بتاسيلي .. مدينة النقوش الليبية الأصيلة .. كم تاق لتحسس تلك الإبداعات .. كم تاق لوضع خده على تلك الصخور .. كم تاق إلى التسمر أمام رمز الزمن والبقاء .. أمام الفن الذي يكبر ولا يشيخ حكمة أو جنوناً .
كانت علاقته بأعيان قبيلة أزويّة الكريمة جيدة .. كذلك بأعيان قبائل التبو الطيبين القاطنين معهم المنطقة نفسها.. يدرّس أبناءهم جنبا إلى جنب .. كان يعيش رغدا هانئ البال .. لا مجادلات مع متزمتين .. ولا حروب تسعى لقتله .. تدريس .. قراءة .. التقاط معارف من الأسواق .. زيارة أصدقاء .. تأملٌ في الصحراء ونجومها وقمرها .. جلوسٌ إلى حافة العين الجارية .. أصوات منغمة تغرقه منذ أن يؤذن الديك معلنا الفجر حتى عودة العصافير والطيور إلى أعشاشها وحواصلها ملأى أوان الأصيل.
في القيلولة يستمتع بنقنقة الضفادع الشجيّة على ضفاف العين التي يقولون إنها تزغرد للنبي صلى الله عليه وسلم .. هذه الحياة الصغيرة المتواضعة أنسته كدره السابق .. يذكر أمه وأباه بدمعة صبر.. ويذكر حبيبته بنت الخالة ربيعة بعبرة صبر ويذكر صديقه كليمنتي أربيب بسيل من دموع .. لكن هو يحتسبهم لله ويستفيد من هذه الأحاسيس الوفية النبيلة في سبر آبار وجدانية أخرى أعمق وأبهى.
كلما ذكر صديقه كليمنتي أخرج عصا الزيتون من غمدها السعفي وقرأ أشعارها وتفحص ما عليها من علامات وحروف عبرية هو يجهلها .. يقرأ الأشعار الليبية العذبة:
بيضا لبست ثوب زرنقي .. جت ترشنقي .. حاكم ويراطن بغلنقي
بيضا لبست ثوب أزرق .. وجت ترشق .. قدمها دوبه لرض يطق
اتخفّ اللي عقله واثـق .. يتم سلنقي .. مجروح وجرحه بعشنقي
إلخ ..
يقرأ أيضا رينا بنت على ما كينا .. قبل اغوينا .. لكن في الدين تخاطينا
ويضيف إلى الأشعار المنقوشة نقوشا جديدة لمختارات أعجبته من ديوان ترجمان العشاق لابن عربي ومن ديوان ابن الفارض الرقيق الشفاف .. ينقش كل هذه القصائد بجانب قلب الحب الذي يخصه مع بنت خالته ربيعة مجهولة المصير .. هل ماتت في وباء التيفود .. أم اغتصبها الطليان فقتلت نفسها .. أم رضخت لسُنة الحياة وتزوجت أول طارق صادفها .. الحرب والمرض شتتاهما .. كانا يعيشان سعيدين .. يسرحان في غابة أبي مسافر الظليلة .. يرعيان الجداء المشاكسة والحملان السمينة البيضاء كالثلج .. وقت القيلولة يجلسان تحت شجرة صنوبر كبيرة زاخرة بالأعشاش .. صاخبة بالزقزقة .. تعد له الشاي على حطب ثمرات الصنوبر الجافة .. يتقاسمان طعامهما معاً.. قضمة بقضمة .. ومرّة كانت ضرسه اللبنية وجيعة فمضغت له وألقمته ممضوغها .. بعد الانتهاء من الطعام يغسلان أيديهما في الغدير ويتعانقان ويشرعان في حركات عفوية استكشافية من ضمّ وشمّ وتقبيل وتقلب على فراش الأعشاب .. آنذاك لم ينضجا بعد .. كانا يقلدان مداعبات الحمام والكلاب والقطط .. كانت بنت خالته ربيعة أكثر منه خبرة .. تقول له دعنا نفعل ما يفعله خالي لزوجته .. لقد بتُّ في خيمتهم وكانت الليلة مقمرة فرأيت كل شيء .. كل شيء يا مبروك .. واستلقت على ظهرها وأخذت مبروك أرقدته فوقها ورفعت رجليها إلى أعلى حول رأس مبروك حتى أصبحت مشطتيها كأذني أرنب .. مبروك يضحك وينتشي .. وبنت خالته تقول له: اضغط ما تهواش علي .. اضغط يا غالي علي .. هكذا تقول زوجة خالي لخالي .. وعندما بدأ مبروك الضغط بشيئه والاندفاع لأسفل صرخت بنت خالته ووه ه ه ه ووه ه ه وعـّــرررر.. نار .. يا نا علي .. والكلب صار ينبح وينطط إلى أعلى .. ويدور .. وقفا سريعا .. كانت خالته قادمة تناديهما .. جري يا عويلة .. جدكم الحاج جاء من السوق وجابلكم امعاه الحلوى والزمارات .. فيركضان ناحية النجع تاركين مهمة لملمة القطيع المتبعثر بين الشجر لخالته الطيبة.
هذه الحياة الصغيرة التي يستذكرها وتنعشه بلهيب دافئ جعلته يعيش هذا المناخ البهيج .. وكان لابد للحب أن يثب من رماد الأحزان ويلتهب في قلبه من جديد .. فالحب شيء حيوي في حياة الإنسان كالأكل والشرب والنوم والهواء .. ومع قراءاته لابن عربي ولابن الفارض بدأ حبا جديدا يخفق في قلبه .. كل ليلة يجلس إلى عين الماء الجارية يتأمل حينا .. وحينا يقرأ الشعر ويتطلع إلى القمر والنجوم وإلى صورهما المهتزتين على وجه الماء.
في الشعر يجد حبيبات كثيرات .. على قفا من يشيل .. يتغنى بهن .. الحبيبات لسن محسوسات .. حبيبات يحيلانه إلى عوالم نورانية تبهج نفسه وتضيء روحه .. ويأتيه طيف الحورية سميرة .. تلك الشاعرة النحيلة ذات الذقن المرتعش التي أحبها دائما بصدق .. تنزلق من النخلة الملتوية في الجغبوب .. تهمس في أذنه .. العين التي أمامك عذبة .. عذبة .. لا تملحها بالبكاء .. لا تسبخها بملح الحزن .. في هذه الربوع ابحث عن حبيبتك .. حتما ستجدها .. فتاة قمرية .. شاعرة مثلي .. هي تراقبك وتراك كل يوم .. هي تبتسم لك وأنت تحمر خجلا وتصفرّ غيرة من النور الملتهم لألق ابتسامتها .. دائما تمر من أمام خلوتك .. تضع على كتفها جرّة ماء .. تبطئ إذا تسير من أمامك .. تتعاثر بعمد العمد .. حتى تنتبه وتقول لها بيت احمد رفيق المهدوي :
اسمله مرود عيني طاح ..
تلقوه ايدين الصلاّح.
فتلملم صرختها المكبوتة من الصدى ويتناثر بعض الماء من عنق جرّتها المشلوم ليبلل صدرها السخي فترتسم رمانتاه الطازجتان واضحتين رخوتين من خلال الفستان الصيفي النبيذي اللون والمرقش بزهيرات بيضاء هادئة .. هي مائية تحب المطر والبحر والعيون والغدران والشلالات .. هي مسحورة مثلي بيد أن سحرها لم يلفها في شجيرة بعد .. ويشتد الوجد بمبروك فينادي الخلاء .. آه يا بنت خالتي ربيعة .. أينك الآن .. قرأت كل كتب السحر ولم أفلح في إيجادك .. سألت العرّافين ولا أحد أخبر .. قلبك المنقوش على عصا الزيتون ينظر إلى .. يعاتبني .. كيف أبدأ علاقة حب جديدة والقديم باق كربٍّ .. كيف أحب وأنت نقش أبدي في قادم ذاكرتي .. آه يا طوطمي الوجيع .. يا كرتي المبحوحة .. ياسرة النبض .. يا خلطة ندى الروح .. يا فجر دائم لا صبح له ولا يقدم من ليل .. وتهزّه هذه المرّة الحورية ببهرة طيف تدميه .. لا تعش على الوهم .. الحي في اللي يالاه .. هذه حياة .. أن لم نعشها عاشتنا .. ويزداد سكر مبروك الروحي فيقول للحورية سميرة وأنتِ .. وأنتِ .. شنو ايصير فيك ؟.. حتى أنت أحبك مثلها وأكثر .. أنت ما تهونيش علي نتركك ونخليك ملوية في جفاف القدر .. أنت التي تشاركيني آلامي مذ تعرفت إليك في ملاهب التواريخ .. أنت خلطة حروفي .. أنت أقلامي الغارقة في قاع النوافير .. أنت روح بنت خالتي ربيعة .. أنت حبيبتي القمحية اللون .. أحببتك يا سميرة الأسطورة و يا سميرة الحياة .. فتجيبان كلاهما : لا تهتم .. أنا دائما معك .. أنا دائما لك .. أنا عصا زيتونتك اللامرئية .. أنا اتكاءتك الراسخة .. أنا خيال .. أسطورة .. دير روحك ما عرفتنيش .. أنا حزن .. دمع .. ملح .. أنا تاريخ لواه السحر القاتل وأكمل عليه حظ النحس الدميس.
أنا الحورية سميرة .. لي حبيب اسمه سراج .. سراج أصفر بهيج .. وضيء .. سراج غير مبال .. دائما يبتسم .. يقرأ ويكتب .. وكل صباح يحضر لي وردة قرنفل وقارورة ماء ويقرأ لي آخر الأشعار .. يمنحني زادي الصباحي وبإصبعي أمسح عن جبينه مطر الشقاء .. الحظ فرقنا .. وقدر الأزل لم يطبخنا معا في مقلاة واحدة .. أنا معك في الحلم .. وأنت تعيش الآن في الواقع .. اسع إلى قدرك أيها الحبيب .. تمتع بوقتك ولا تهتم .. ولا تشمم نشازات العطور .. لقد سامحتك دائما وأبدا .. عفويتك استغلها المغرضون .. لقد سامحتك لكن هنيني مع الفتاة القمرية .. لن أرضى بقبلة على الجبين .. أو اليد .. على الفم مباشرة .. اقضم شقاءها يا لعين ..
ويعود بعد منتصف الليل إلى فراشه الرملي متفكرا .. جسده فائر يشتعل .. يتطلع إلى عناق انطفاء وارتخاء ما بعده قيامة .. من تكون هذه الفتاة .. من تكون هذه الحبيبة الرطبة كالكستناء المشوية .. من تكون هذه المتقرمشة كحواف خبز التنور في ليالي الشتاء .. من تكون هذه الصحراوية الصافية كماء والطاهرة كسماء.
في صباح عيد المولد النبوي الشريف ابتسم له الحظ .. أحد الصبيان الذي يعلمه القرآن في جامع أزويّة أحضر له قصعة عصيدة بالزبدة ورب التمر.
قصعة فخّار جميلة موشاة بالصدف مغطاة بقبة طبق من سعف النخيل المصبوغ .. قدّمها لمبروك وعيّد عليه مقبلا يده ومعانقه طويلا .. غسل مبروك يديه في ماء العين وجلس في ظل وشكة كثيفة السعف والعراجين .. رفع الطبق عن قصعة الفخار .. البخار يصّاعد من قبّة العجين والزبدة بيضاء مصفرة خاثرة .. أما الرٌّب .. فيا نا عليْ من الرُّب .. فقد نُقش به على سطح العصيدة اسمها .. خفق قلب مبروك ببهجة .. غرق سريعا في الانتشاء اللذيذ .. تسمّر أمام العصيدة .. البخار يخجل ويخف والزبدة تتلزّج وتنعقد أكثر .. والرُّب يوشم أكثر بياض العصيدة الرخو .. احتار مبروك .. هل يأكل ويمسخ هذه اللوحة الطازجة المباركة أم يتفرّج ويأكل في الخيال من هذا اللهيب .. في أثناء حيرته مرّت أمامه .. شفتاها ترتعشان من الوميض .. وفمها تلويه لا شعوريا يسارا .. ملأت جرّتها سريعا من العين واتجهت عائدة مارّة من أمامه .. رمقته بنظرة صحراوية آسرة .. نظرة ذاهلة من جنون السراب .. ومن ذاكرة الرجاء في نفوس الآملين .. نظرة متوحشة مشتاقة جعلت رأسه ترتفع من على عصيدة الطحين وتنغرس في عصيدة الطين .. سميرة هزهزت رأسها موافقة .. وبراق القدر عن مدارات المألوف لم ينعطف أو يتفلسف ..
ابتسم لها ….
ابتسمت له …
قالت له : ماذا تنتظر أيها الشيخ .. لنأكل ..
فأكلااااااااااااااااااا..
وغطسا في مياه العين الأبدية.
في العصيدة البيضاء التي ملستها أنامل رقيقة محناة مشهدية دفء .. سخونة العصيدة انسابت في عظام الأنامل .. عندما تشابكت أيديهما .. لم تكن الحرارة في اليدين .. لم تكن الحرارة في الشمس ولا في القلب .. ولا في أي شيء .. لم تكن هناك حرارة أو برودة في الأساس .. لم يكن هناك شيئا من هذه الزوائد المناخية حاضرا .. عندما تشابكت أيديهما كانت رائحة التابير تتضوّع من فحولة النخيل .. رائحة الطلع ذات السر الخصيب .. التمور في النخيل تمتص حلاوتها ومتانتها من هذا العطر .. والجمّار يمتص بياضه من حرارة اللقاء .. واللاقبي في الأنساغ يعد نفسه أنخابا للبهجات الساطعة .. عندما تشابكت أيديهما كانت السماء تمطر والصحراء تعود إلى طبيعتها الخضراء الأولى .. والحياة المؤلمة التي عاشاها في الزمن السليف صارت آنية حاضرة .. جنة ساعة التخييل والقراءة والكتابة والانتهاء والبكاء .. عندما تشابكت أيديهما كانت الأزهار تفوح والسماء تمطر والهداهد تنقل الأخبار لكل سليمان معاصر حكيم أو أبله .. رمال الصحراء كانت لهم كأعشاب غابة بومسافر .. نعومة الرمل كنعومة العشب .. ماء العين في الكفرة كماء الشلال في درنة كماء عين الشرشارة في ترهونة الحبيبة .. السكر واحد .. الحب واحد .. الإله واحد ..
استغرقت الحبيبة في زغاريد النبض واستغرق مبروك في الابتسامات الحالمة المتطايرة كزغب جريح.
العصيدة بيضاء .. اختلطت حروف الرُّب بحبر الزبدة .. السواك في شفتي حبيبتي داكن أسود في اخضرار في اصفرار الزعفران .. والحناء متألقة جدا في كفيها وقدميها والأقراط تتراقص في أذنيها تبرق حبنا وقلائد الودع في جيدها ومعصميها آية من تسابيح.
لا ندري كيف بدأت الحكاية ومن الذي أوجعه ضرسه أولا ليمضغ له الآخر مضغ الحياة .. وآه من عصيدة الزبدة والرّب متى كانت تمضغ بس ؟!
الحبيبة فتاة شابة ذات حضور ملائكي طاغ وجمال فطري لا أدري من أين لبسته وانصهرت فيه .. أبوها من فقهاء المنطقة .. وأمها سمراء من سلالة تمبكتو المنحدرة من نسل الملك النجاشي الكريم .. في روحها اختلطت الدماء العربية بالزنجية .. والحليب والكاكاو إذا امتزجا بقدر روحي فتلك حلاوة أخرى .. امتزجت فيها ألحان الناي والعود والربابة بألحان الطبول الجلدية والأبواق المصنوعة من القرون .. اختلط فيها الكرم والمروءة واللين بالشراسة والشجاعة والتدبير .. الغناء بالرقص .. البرودة بالفوران .. هي فتاة ذات خليط عجيب متناسق .. تتنازعها الفصول الأربعة .. بها كل الأزمان وتتخللها كل الأمكنة .. السموات الجنان .. جحائم الجحيم .. هي شاعرة .. فارسة .. ذات فراسة وفهم بأنساب الشعوب .. درست الأديان وخاصة القرآن الكريم .. درست النحو والفقه والفلسفة والشعر وعلى دراية جيدة بالفلك والأبراج .. تعلقت بمبروك منذ قدومه إلى الكفرة .. أبهرتها شخصيته السهلة التلقائية .. عندما وصل مبروك الكفرة كانت تعيش حالة فراغ عاطفي .. فابن عمها الذي خطبت له وتحاببت إليه تركته بعد فعلته الانتهازية الشنيعة .. لقد قايض عباءة وقربة ماء بجمل كبير .. الأفارقة الهاربون من جحيم الحروب الأهلية ومن الجوع يصلون واحة الكفرة فيستقبلهم مثل هؤلاء الانتهازيين فبدل أن يقدموا لهم الماء والطعام والمأوى والملبس تمشيا مع أخلاق الإسلام يستغلونهم ويأخذون منهم جمل الوصول الثمين مقابل ثوب بال يستر عوراتهم وبطانية مسروقة من معسكر الجيش تغطيهم ..
لقد غضبت الحبيبة من هذا التصرف المخجل الذي لا يفعله رجل في وجهه قطرة ندى .. وأقسمت أن هذا النذل لن يسدل عليها رواق خيمة .. وحاول أهل الخير مع والدها الفقيه وكان رده لن أكره ابنتي على زواج لا ترغبه .. ورائي حساب يوم غد .. وتجاهلت الحبيبة كل وساطة عن طريق العجائز وانقطعت الشعرة نهائيا عندما تقابلا عند معطن الإبل وعيّرها هذا التافه قائلا: أنت ترفضيني ياللي خوالك عبيد سود .. لترمي عليه جردل الماء فتشج رأسه ..
كرهته الحبيبة قلبا وقالبا .. صارت تتكحل بالسم ولا تتكحل برؤيته .. بصقت ذكرياته في بئر قار ومحت هذا العنصري من خيالها إلى أبد الأبد .. ووصل مبروك الكفرة .. لفت نظرها عدة مرات .. وهزهز روحها بقشعريرات حالمة .. أخوها الذي يعلِّمه مبروك في الجامع ينقل لها أخباره وحركاته وسكناته بالتفصيل وهي بالطبع لحوحة عليه بالسؤال عن كل شاردة وواردة تنم عنه .. ألهب لبّها أو خلبه إن صح التعبير .. أعجبت بنظافته ورائحة مسكه في دفاتر الصغير وطريقة تدريسه اللينة العطوف .. أعجبها عدم جلده للصغار بالفلقة .. لديه عصا زيتون جميلة لكن لا يضرب بها الصغار .. لقد جلد بها قلبها فأذابه وأحياه من جديد .. وزاد ولعها به حالما علمت أنه يريد السفر إلى تمبكتو مدينة أجدادها السلاطين .. مدينة المعرفة والتبر .. مدينة أخوالها الطيبين .. مدينة العلم والتجارة والحضارة البكر .. والمخطوطات النادرة ذات القيمة .. قالت في نفسها: هنا وانبات .. هذا هو صاحبي .. هذا من أريد .. إنسان عاشق للجمال والعلم والقمر والماء والنجوم والرحيل والشعر وساحت قريحتها فأنشدت لنجوم الصحراء وقمرها ولروحه المحلقة والمعلقة في هدب روحه الآن .. وللتاريخ الذي زعزع كل أحلامها وللبارود الذي قتل أجدادها بأيدي الطليان الغزاة ولليل وللظلام وللوقت الذي ذهب هباءً وللوقت الذي أسعدها أخيرا بطيف رهيف يفهمها ويسمعها .. يضمها ويقبّل ذرات الشقاء في شفتيها .. طيف يتغشاها ويعيشها بنكهة معنى مطحونة من الأرض وغارقة في رقرقة العين .. سالت قريحتها وديانا من موسيقا وبحار من بليغ ومحيطات من سحر يسعدنا.
لولا مبروك لظلت هذه الكلمات حبيسة .. دفينة .. الأشعار الجميلة لا تولد إلا للحب .. وها هو لسان الحب يسيل برضاب الأبجدية:
” أفلا يتنبأ وقت الأحزان *
للورد الباكي المحتقن الأجفان بربيع أبهى
كنا لا نعبأ بالتاريخ
كنا لا ندري أين ومتى وكيف
كنا كطيور .. آهٍ ..
ما أروع عمر الطير وما أبهاه
وحده لا يعبأ بالتاريخ
هذا التاريخ
يا أشقى من شفتي
وأكثر بردا من ليلة في كانون
ولأي واحة سأخلد في زمن النكسات
كنا لا نعبأ بالتاريخ
لكن فراشات الأحلام تغادرنا
والمطر الفضي المتألق
لا يعرف طرْق نوافذنا
والديكة أغفلت الأسحار
والبحر على شفة الشاطئ
يغتال الصمت
والوقت مرير
ونجوم العالم أحجار صلدة
أين المعجزة الآن ؟
أين يا مبروك ؟
أيهذا التاريخ ألا تنطق ؟
في زمن الحرابي
لم يعرف بعد الأطفال مراقدهم
وعلى الحجر الأملس
وقفوا بذهول
فلِمَ لا يؤمن بالإنسان الإنسان؟
كنا لا نعبأ بالتاريخ
لكن القدر مدَّ يديه القاتلتين
حتى أن أصابعه بارود
وعينيه جثة مدفونة
وشفتيه أبواب ضريح
علّمنا القدر
أن الزمن عيد النار
فمتى ينهار الصخر على الحفار؟
والزرقة على الحبّار؟
كنا لا نعبأ بالتاريخ
لكن حين يضيع الحب
من يسمع همس القمح
وتغريد الأنهار؟
حين يضيع الحب
فأي المسافات ستأخذنا لتمبكتو؟
جاء التاريخ
ليقبر كل ورود الألم
ليحرق كل مسامات العشق السمراء
ليسجن حتى النخّاسين
كنا لا نعبأ بالتاريخ
لكن ما الوقت الآن ؟
أتراه شروقاً يا مبروك ؟
هل عاد المغلوب ليخسر ؟
ولا نجمة تزين سترته الظلماء
كنا لا نعبأ بالتاريخ
لكن يصعب أحيانا
أن يمضي الوقت ولا نفرح حتى لحظة
يصعب أحيانا
أن يمضي الوقت وتظل تجافينا البسمة
وتظل الساعة الرملية تردد .. تك ..تك .. تك ..
وتظل الساعة المائية تردد .. تك .. تك …تك ..
وتظل ساعة قلبي يا مبروك تغني:
تكبك .. تكبك .. تكبك في زمنها الصمغي ..
سنتك معا لحظة .. دمعة .. نزفة .. ريق .. نزفة دم .. ولنظل نتك .. ونتك ..
كما صدقة في لوح الحفظ .. ”
* هذا النص للشاعرة سالمة العمامي .
ولأن الحبيبة رزينة رصينة فلم تتسرع في الإفصاح عن حبها حتى ليلة المولد النبوي الشريف .. إذ زارتها في المنام فتاة جميلة كأنها حورية أو بالأحرى هي الحورية سميرة المسجون قدرها في التواء نخلة بالجغبوب وهمست لها أن مبروك يحبها ويهواها كثيرا لكنه خجول .. أطعميه من يديك شيئا حلوا ساخنا إنسانيا .. في يوم العيد استيقظت فجرا على صياح الديك .. طحنت حفنات شعير وقمح بالرحى ثم ربّت حفنات من التمر الفاخر على نار حطب هادئة .. سحبت بعض الزبدة من مخض لبن عنزاتها وأعدت له قصعة عصيدة صغيرة .. عصيدة تشبع روحين لا ثالث لهما .. عصّدت العصيدة بمغرف زيتون وسكبت دفء الزبدة حول قبّة الدقيق الناضج المعصّد .. وحينما أرادت سكب الرّب انهمرت دموعها المختلطة بالكحل الحجازي وشكّلت على القبّة مطرا مالحا اتبعته الحبيبة بسكبات انفعالية جنب بعض .. كل سكبة تعقبها عبرة .. سكبت حرفها الأول وألحقته بالثاني .. ثم الثالث.. ثم الميم حرف مبروك الأول الذي اشتدت عنده عبرة حظها ثم بقية حروفها التي ملأت نقاطها بالرّب الحلو البذيخ .. وآه من تائية ابن الفارض لو أحصل عليها الآن .. ما أحفظه له قصيدة أخرى أجمل أنشدتها الحبيبة وهي تتأمل الرُّبّ والزبدة والعصيدة وبخار الفطور الذي سيدخل فم مبروك .. الذكرى قادمة والبخار كأنه أنفاس مبروك يمسح على وجهها المبلل بالدمع لتسيح .. وتنساب عذبة تجترّ من أعماق عينيها ألقاً وتستدعي من أحاسيسها وأحاسيس ابن الفارض لحظة الانتشاء .. وينفجر الينبوع من لبن روحها:
زِدْني بفَرْطِ الحُبّ فيك تَحَيّرا وارْحَمْ حشىً بلَظَى هواكَ تسعّرا
وإذا سألُتكَ أن أراكَ حقيقةً فاسمَحْ ولا تجعلْ جوابي لن تَرى
يا قلبُ أنت وعدَتني في حُبّهمْ صَبراً فحاذرْ أن تَضِيقَ وتَضجرا
إنَّ الغرامَ هوَ الحياةُ فمُتْ بِهِ صَبّاً فحقّك أن تَموتَ وتُعذرا
قُل لِلّذِينَ تقدَّموا قَبلي ومَن بَعدي ومَن أضحى لأشجاني يَرَى
عني خذوا وبي اقْتدوا وليَ اسمعوا وتحدّثوا بصَبابتي بَينَ الوَرى
ولقد خَلَوْتُ مع الحَبيب وبَيْنَنَا سِرٌّ أرَقّ منَ النسيمِ إذا سرى
وأباحَ طَرْفِي نَظْرْةً أمّلْتُها فَغَدَوْتُ معروفاً وكُنْتُ مُنَكَّرا
فَدُهِشْتُ بينَ جمالِهِ وجَلالِهِ وغدا لسانُ الحال عنّي مُخْبِرا
فأَدِرْ لِحَاظَكَ في محاسنِ وجْهه تَلْقَى جميعَ الحُسْنِ فيه مُصَوَّرا
لو أنّ كُلّ الحُسْنِ يكمُلُ صُورةً ورآهُ كان مُهَلِّلاً ومُكَبِّرا
لحستْ ما ساح من نقشها الرُّبِّي على العصيدة بسبابتها وأطالت الامتصاص .. ثم نادت أخاها الدارس عند مبروك: جري جري سلم خيي شيل الفطور لشيخك ..

محمد الأصفر
فصل من رواية يا نا عليْ
تحت الطبع ليبيا للنشر القاهرة إبان معرض القاهرة للكتاب




التعليقات 9 على “رومل ثعلب الصحراء (تجريب )”

  1. كمال العيادي علق:

    حبّة الكبد محمّد الأصفر,

    وهذا إكليل آخر, لو تنحني قليلا فقط لأعلّقه برقبتك. حبّا وكرامة والله.
    وأكثر. كبعض الشّكر لهذا النصّ الرّائع.

    كمال العيادي

  2. انيس الرافعي علق:

    الصديق العزيز محمد الاصفر
    اليك ما فعلت هذا الصباح.طبعت ثعلبك وتوجهت الى احدى مقاهي الدارالبيضاء.شربت قهوتي السوداء وباشرت قراءة الاوراق.قلت مع نفسي لنر كيف يمكن القبض على جماليات التجريب ومظانه عند هذا الليبي المختلف.اتمادى في القراءة فاكتشف سردك الماكر ولغتك المفورسة واحابيلك المخطط لها بعناية.يتاكد لي بما لا يدع مجالا للريبة انك احد انبياء الكتابة العربية المحدثة.هذه شهادتي فيك ايها اللعين انتزعتها مني انتزاعا لاني فخور بك.محبتي العارمة واعجابي الى ان يرث الله الارض وما عليها.

  3. منى وفيق علق:

    محمد
    يا صديقي
    مبدع دائما و أبدا
    أنتظرواياتك القادمة مع صالح بكل شغف
    تواجد هنا دائما لنقرأك
    محبتي الصافية

  4. عوض الشاعري علق:

    أخي محمد الأصفر
    أنت تعرف رأيي في كل ماتسطره أناملك ,,
    عوض

  5. كُسْكُسيٌ « الله ..الوطن ..فاطمة علق:

    [...] وحتى “روميل” قائد الحلفاء بالحرب العالمية الثانية تذوق طعم الكُسْكُسيٌ .. [...]

  6. كسكسى بيه ملوخيه علق:

    والله ما فهمت حاجه

  7. ماهر الشمالي علق:

    السلام عليكم هيا قصة حلوووووة بس طويلة كتير بارك الله فيك اخ محمد والى الامام انشاء الله_اخوكم ماهر الشمالي _سورية الاسد_دير الزور العظيمة

  8. محمد علق:

    ممكن المساعده في التواصل مع صديق قديم اسمه فريد بو عجيله من طرابلسلا اعرف اكثر عنه ارجوا مساعدتي00962799485484

  9. كريم زكدود من المغرب طالب في ألمانيا علق:

    إنه نص رائع ولصاحبه المزيد من التألق والنجاح بإذن الله.
    كنت أبحث عن حقيقة رومل وعن شخصيته التي حيرت أصدقاءه وأعداءه فإذا بي أجد هذه الصفحة الإلكترونية وهذا النص الجميل المفعم بالمعاني والدروس. فلقد دمعت عيناي أحيانا لما في هذا النص من أخبار عن أهلنا وأحبابنا وفي نفس الوقت أحسست بالأمل والقوة حينما قرأت عن المجاهد عمر المختار وكل المقاومين الأحرار. وأقول لأخوتي بأن الذي يتجاهل الماضي قد غفل حقا عن الحاضر والمستقبل. فمازالت دماء أحبتنا تسيل في العراق وأعراضنا تهتك هنا وهناك وفي أرض فلسطين من زمن بعيد. وجلاد الأمس لم يتغير بعد، تتغير الأسماء فقط، لكن المجرم واحد وحقده دفين لا يرده إلا أبناء صلاح الدين.أكتفي بهذه الكلمات ولا أزيد الجرح جراحات.
    أرجو من الإخوة أن يفيدونا بحقائق تاريخية واقعية بعيدة عن التزييف غير ملفقة بالكذب والإشاعات. أود أن أعرف عدد ضحايا تلك الحرب (أصحاب الأرض الليبيين بطبيعة الحال) وعن الجرائم التي ارتكبت ضد إخواننا في تلك الحرب التي أدارها رومل وحلف المحور ضد التحالف. فهنا في ألمانيا لا يتحدثون عن ضحايا العرب وكأن دماءنا رخيصة يجب أن تهدر، يناقشون فقط موقف رومل من هتلر، هل كان رومل مخلصا له؟ أم كان من الذين خططوا لقتل لهتلر في عملية الإغتيال التي فشلت؟ فهناك من يقول أنه كان مخلصا لهتلر وبالتالي فهو نازي ومجرم حرب، وهناك من يقول أنه متورط في عملية الإغتيال وبالتالي فهو من المقاومين الثوار الذين يجب الإعتراف بهم. أما عن ضحايانا فلا أحد يترحم عليهم ولا حتى يذكرهم. فأفيدونا بارك الله فيكم.
    والسلام عليكم.