وليد مهدي

فلسفة البيولوجيا .. وحكمة الشرق الأولى

إمدادات هذا الكاتب  28 مايو 2009

الفلسفة البيولوجية .. وفي سياق المنطق الشرقي الذي أستوحاه الشرقيون القدماء من ملاحظاتهم الحسية للطبيعة كما يستشف بصورة مبطنة في نصوص الملاحم السومرية الأولى وما يظهر بصياغة فلسفية واضحة كما في الطاوية و الزردشتية ، نرسم لهــا مساراً جديداً يرتقي بها من مجرد بنى أولية المفاهيم في بحث العلاقات الإجرائية للبحث التي سبق وتناولها الراحل كارل بوبر في كتابه الأخير أسطورة الإطار إلى مستوى إيجاد صيغ بناء هذه العلاقات وصولاً إلى فرضيات علمية مؤسسة بخلفية موضوعية للعلاقات الطبيعية المنفصلة عن الواقع الطبيعي مثل الرياضيات ودورها في الفيزياء تماما ً .. !

إذ عــدّ بوبر مسار التطور البيولوجي يمكن أن يرشدنا إلى الطريقة التي نناقش بها أفكارنا أثناء التحري عن النظريات العلمية

فهو يذكر إن مسلك التطور البيولوجي مبني على :

التوجيه و الانتخاب .. إذ يكمن التوجيه في المادة الوراثية الجينية في الخلايا الحية ، وهذه الخلايا تدخل في علاقات تزاوج وإعادة خلط فيما بينها تنتج صفات جديدة في الكائنات الحية ، هذه الصفات تتعرض للإنتخاب الطبيعي ، فتبقى الصفات الأفضل وتضمحل الأخرى بمرور الأجيال ، وهكذا يمكن للأفكار أن تختلط وتنتج أفكاراً أو مشاكل علمية جديدة كما يسميها بإمكان المنهج التجريبي أن يقصي غير الملائم أو غير المفيد للتقدم المعرفي وهذه العملية الأخيرة تشبه الانتخاب الطبيعي برأيه .. ( 1 ).

أما في هذا البحث ، فإننا سنتجاوز فلسفة التوجيه و الانتخاب البيولوجية إلى ما هو أبعد من ذلك وهو عــدّ الآليات والقوانين التي تنظم البيولوجيا هي القوانين الأعقد القادرة على تفسير القوانين الأقل تعقيداً في الفيزياء حسب رأي بوبر ..

والدليل الذي سيرشدنا في هذا الطريق هو المنطق الشرقي ، إذ إن مفهوم إعادة الخلط البيولوجي لإظهار صفات جديدة في الخلايا الحية هو نفسه الذي يحكم الجدول الدوري للعناصر ، إذ يزيد العدد الكتلي والذري للنوى فتتنوع هذه العناصر ، وهو ركن أساسي في المنطق الشرقي إذ يتحد النقيضان لتكوين صورة ثالثة جديدة حسب رأي هيجل ، وهو ما يحدث أثناء إتحاد المشيج الذكري مع المشيج الأنثوي لتكوين البيضة المخصبة Zygote .

ولعل قاعدة الهولوغرام في الفيزياء ، وهي ركن أساس من منطق الشرق تجد لها الصدى في البيولوجيا بفلسفة النظام المنطوي ، إذ يكون الجزء صورة مصغرة عن الكل ..

و الهولوغرام .. نظام يمثل الجزء فيه صورة مصغرة عن الكل الكبير الجامع.. ولا يمكننا في الفيزياء التعبير عن هذه القاعدة إلا بوصف ظاهرة التصوير الليزري ثلاثي الأبعاد والمعروفة بالهولوغراف ، إذ أن أجزاء الهولوغراف صور مصغرة عن الصورة الكبيرة الأصلية .. ، لكن ، في نطاق البيولوجيا سنجد إن الأخيرة مؤسسة أصلا على مبدأ الهولوغرام الذي أسميناه في المنطق الشرقي بإسم : التجانس البنيوي ..

إذ إن الخلية هي نموذج متجانس البنية مع الجسم الكبير الذي تشكله مجموعة الخلايا، إذ تمثل الخلية صورة مصغرة عن الجسد الكبير الجامع لكل الخلايا الأخرى

هذا المنطق لم تكن لدى الشرقيين القدماء صورة واضحة منهجية عنه مثل منطق أرسطو في اليونان مثلاً ، لأنه منطق البيولوجيا نفسه ، المنطق المبني على الفطرة والتلقائية الإستنتاجية البسيطة ، وقد توصلنا إليه في بحث سابق بتحويل قواعد المنطق الأرسطي إلى نقائضها ، أي قبول التناقض بدلا ً من عدم التناقض وقبول الحد الوسط بدلاً من قاعدة الثالث المرفوع ، وكانت نتائج الاستقراء والتحليل ظهور القواعد الأساسية الثلاث ، ونعيد الآن إستذكار القواعد الأساسية في المنطق الشرقي :

  1. التجانس البنيوي : وهو مبدأ إحتواء الكل في الجزء .. ويماثله الهولوغرام في منطق

العلم الحديث في البصريات والتصوير ثلاثي الأبعاد ونظريات الذاكرة .

وفي هذا الموضع ، فإن الوحدة الكونية الكبرى ، الصورة النهائية للكون (ما بعد المجرات Metagalaxies ) يجب أن تطابق الوحدة الصغرى أو ما نسميها ( الذرة Atom ) .

  1. التعاقب الدوري أو التعاقب الثنائي : وهو يشير إلى التجدد و الانبعاث ودورة الفصول

والتاريخ والزمن بخطوط دائرية حول محور متقدم ( حلزون متقدم ) .

لتشكيل محصلة سبق ومثلناها في الشكل ( 2 ) و (1 ) إذ الحركة بين القطبين وهي تبني الخط الأخضر الممثل لــإعادة الخلط كهوية ثالثة جديدة للنقيضين .

سنلاحظ لاحقاً في بحوث ٍ قادمة أن الوعي يتعلق بهذه المحصلة بين عالمين متناقضينوكذلك التغاير و التعابر الجيني Crossing over و الاندماج الكروموسومي وكلها سبق وعبرنا عنها بمفهوم إعادة الخلط إذ العالم الموجب ( الحسي ) ، والعالم السالب ( الخافية أو اللاوعي ) ينتجان الوعي والسلوك كما تنتج البيضة المخصبة كائناً ثالثاً من أصل كائنين .

3. التوحد والتنافر : التوحد بطاقة الحب في إتجاه تحويل التناقض إلى هوية ثالثة كحال العقل

البدائي الأول والتنافر بطاقة الكراهية لتأصيل القطبية والتمييز بين الثنائيات كـــ( الأنا و

الآخر ) حال الحضارة العصرية . ( 2 )

ولكن كيف يماثل الهولوغرام قاعدة التجانس البنيوي..؟

في الحقيقة إن الصورة التي تمثلها الخلية ليست الصورة الحسية ثلاثية الأبعاد التي نألفها نحن بحواسنا التقليدية، أي صورة العينين وباقي أجزاء الرأس والجذع واليدين والقدمين وإنما النظام المنطوي في الخلية الذي يمثل كل هذه الأجزاء ( DNA ) .. !

فالــ( DNA ) ندرسه هنا كظاهرة إنطواء لكل صفات الفرد ليس في خلية بعينها من الجسم الحي وإنما في كل خلايا الكائن ، وهذا يعني أن القاعدة التي أسست بها فلسفة الحياة والتطور الحيوي هي قاعدة التجانس البنيوي و إعادة الخلط أو ما أسميناه قبول التناقض في المنطق الشرقي ، إذ تظهر صفات مختلفة نتيجة التوجيه الجيني فتستبعد صفات معينة وتستبقى أخرى بالإنتخاب الطبيعي حسب رأي بوبر ، وهذا الانتخاب الطبيعي سنسميه في هذا البحث الوعي الكوني كما سيأتي لاحقا ً في دراسة علاقة المنطق الشرقي بالوعي .

كذلك تتعدى دراستنا للفلسفة البيولوجية إلى محاولة فهم الأسلوب الذي تنهجه في إعادة الخلط ، وهو المبدأ الكمي ( الكوانتي Quantic )في البيولوجيا ..

إذ تتم إعادة الخلط بدمج مشيج ذكري و أنثوي يحمل كل منهما نصف العدد الكروموسومي للجينات ، هذه العملية تتم في الأحياء المجهرية بصورة مشيج ذكري واحد يتلاقى مع مشيج أنثوي واحد أيضاً ، كما في بعض البكتريا والفطريات والخمائر و أنواع من الطحالب .. لكن .. تتطور هذه العملية لتتحول إلى الصورة الكوانتية الكمية في الكائنات الراقية مثل الفقريات ، إذ تلاقي ملايين النطف بيضة واحدة فقط ، والنطفة التي تلقح هذه البيضة هي واحدة فقط … !

وكما سنرى لاحقاً لدى دراستنا لمفهوم الوعي بمنظار المنطق الشرقي ، فإن العلاقة الكمية أو الكوانتية الإحتمالية في هذا النظام من إعادة الخلط إنما يرتبط بالوعي لدى الكائنات إرتباطاً وثيقاً ، ويكفي أن نشير هنا إلى ظاهرة إنطواء الثقافة الإجتماعية والمعارف التأريخية المتراكمة على مر السنين للعقل البشري في عقل كل منا ، وكذلك فإن الإمكانيات التي لدى أدمغتنا تتيح لنا أن نكون أذكى مما نحن عليه لو إستعملنا كامل طاقة التفكير التي يتيحها لنا الدماغ .. لكن .. لماذا لا يستخدم الفرد إلا طاقة محدودة قد تزيد أو تنقص عن الخمسة بالمئة من طاقة الدماغ الأصلية .. ؟!

إنها مشكلة جديدة تكشفها لنا الفلسفة البيولوجية ، وتعرضها لنا كصورة طبق الأصل لمشكلة انطواء الجينات كصورة مصغرة عن الصورة الكبيرة للجسم البشري ، فلماذا تحتوي كل خلية في الجسم نفس الجينات ، لماذا على سبيل المثال تحتوي خلايا العين على جينات الكبد فيما لا تفتح فيها إلا شيفرات codsأنسجة العين … !؟

لماذا يحتوي دماغنا على هذه القابلية والقدرة ولكن لا نستخدم إلا نسبة ضئيلة ، وهكذا نحصل على إجابة لسؤآلين بإعادة الخلط بين مشكلة الجينات ومشكلة خلايا الدماغ !

فالجينات تحمل صورة مصغرة منطوية عن الجسد الكبير الجامع في كل خلية ، لأن هذه الخلايا تمتلك وعياً مستقلاً لا نشعر بــــه ..!

والوعي الفردي لا يحدث إلا ضمن نظام وعي كبير جامع وهو وعينا الفردي المستقل المتركب أصلاً من وعي ذري متراكب في تحصيل مستويات أدنى من الوعي ، فالأنا التي نشعر بها كذات واحدة مصمتة مستقلة هي في الحقيقة مركب معقد من مليارات الأنا للخلايا الحية للجسد .. أو على الأقل .. خلايا الجهاز العصبي ، حسب مفهوم التجانس البنيوي للمنطق الشرقي .

وهكذا .. ففي السياق الجمعي العام لعموم الجنس البشري فإننا نشكل بتعداد المليارات من سكان الكرة الأرضية وعياً كونياً كبيراً جامعاً أنا واحدة .. لا تشعر بحقيقة الأنا المليارية المتعددة ، ولو اتيح لكل واحد ٍ منا إستخدام كل طاقة دماغه الفعلية ، ولو أتيحت لكل خلية فك كل الشيفرات مثل الخلايا الجذعيةStem cells لانتهت حياة الجسد الكبير الجامع بزوال التخصص على الصعيد الجسمي البيولوجي ، والتخصص على الصعيد الإجتماعي العام ..!

وهكذا .. نجد إن خاصية التجانس البنيوي أو الهولوغرام كما تسمى في الفيزياء تتيح لنا فهماً اكبر لفلسفة الحياة والوعي وبنظام يتخذ صيغة رياضية تشبه قضايا معالجتها للوعي والحياة الرياضيات التقليدية وهي ترسم صورة الطبيعة الفيزياء ” …

لكن .. ومن خلال ما سنتابعه نجد بان البيولوجيا ، كفلسفة وليدة من رحم المنطق الشرقي تصبح فلسفة كونية عامة تعالج قضايا الحياة والوعي والفيزياء .. وحتى الرياضيات الطبيعية نفسها … !

ومن أهم القضايا التي سنتطرق إليها في بحثٍ لاحق هي قضية الوعي و ارتباطها بالفلسفة البيولوجية الكمية التي ذكرناها سابقاً بمشكلة :

المليار نطفة ذكرية مقابل بيضة واحدة .. !

.. إذ تجيبنا خواص الوعي و العقل عن هذا السؤآل في الوقت نفسه الذي تفسر لنا فيه عملية التخصيب ماهية الوعي .. !

سنناقش هذا الموضوع بالتفصيل في بحث ٍ لاحق .. ونحتاج الآن وقبل الدخول في موضوع الوعي أن ندرس ماهية الإدراك في ضوء فلسفة الاستدلال البيولوجية ..

منطق البيولوجيا .. وفلسفة الإدراك

عندما ندرس الوعي و الإدراك العقلي الإنساني بزاوية معرفية مؤسسة على الفلسفة الشرقية ، يمكن أن نستخلص رؤية جديدة نجدها تطرح نفسها أنموذجا متكاملاً في تعاملها مع كل المشاكل والقضايا الفكرية والفلسفية العالقة في مسيرة المعرفة المعاصرة المؤسسة بمنظار الفلسفة الغربية .. ، فقد نادى بوبر بالتحول إلى إستخدام فلسفة البيولوجيا لتحقيق إنتقالة نوعية في المعرفة بصورة عامة والفيزياء خاصة ، لأن البيولوجيا معقدة الأنظمة .. فيما الفيزياء ( علم الطبيعة ) بسيطة التعقيد .. و بإمكان المعقد تفسير البسيط وليس العكس .. ( 3 )

أن فلسفة البيولوجيا ، ومن خلال مواضيع البحث ، ستأخذنا بعيداً لا في تفسير ظاهرة الإدراك فحسب ، وإنما في إعادة رسم الطبيعة برمتها .. مستخلصين في النهاية إطاراً معرفياً جامعاً للعلوم الأساسية :

علم النفس ( السيكولوجيا ) و علم الأحياء ( البيولوجيا ) وعلم الفيزياء ..

ومثلما تشارك الفيزياء اليوم في تحديث منهجية طريقة تفكير وثقافة البشر .. فإن البيولوجيا هي الأخرى ستشارك وكما نرى في هذا الموضوع في إضفاء تحديث جديد لفلسفة المعرفة تساعدنا كثيراً في الطريق إلى نظريـــة معرفية شرقية أساسها فلسفة البيولوجيا ..

و قضية إرتباط البيولوجيا بمنطق الشرق القديم قضية سبق وأن تناولناها في بحوثٍ سابقة بالإمكان الرجوع إليها .. ( 4 )

يمكننا تلخيص و توضيح هذا الترابط الآن بإختصار كون الشرق القديم يعتمد على الإستدلال الحسي المعاين البسيط ، وما ينجم عنه من توجه بيولوجي صرف ، وليس الاستدلال المنطقي اللغوي الذي ظهر بعد أرسطو في اليونان القديمة ..

وهكذا نجد إن حييثيات المنطق الشرقي القديم كانت تنطلق من إعادة الخلط و التزاوج كمفاهيم أولية أساسية في تفسير الطبيعة ، إذ تتزوج الآلهة وتنجب كتمثل رمزي في الوعي القديم لدى الشرقيين في تفسير قوانين الطبيعة ..

الذي نجريه في هذا البحث هو إعادة إستخدام هذه المفاهيم لا في تفسير الطبيعة فقط و إنما استعمال مفاهيم الشرق وفلسفة البيولوجيا في تفسير ماهية الوعي والإدراك العقلي الإنساني .. إذ ستقودنا في النهاية إلى رسم صورة كبيرة جامعة علمية للطبيعة ، صورة جديدة ومختلفة في كثير من الأوجه عن صورتها الحالية المؤسسة في الغرب ..

هذا البحث وما سبقته من طروحات هو في النهاية محاولة في بناء نظرية معرفية شرقية خالصة .. تقود الشرق إلى العودة لإحتلال مكانه المعرفي في التاريخ ..

النتائج الهامة في التطبيق العلمي لهذا المنطق الذي تناولناه سابقاً تتعدى علم النفس كعلم ٍ يدرس الظواهر النفسية والسلوكية الفردية إلى إرساء قواعد معرفية وفلسفية علمية جديدة إستناداً إليه كفلسفة ٍ معرفيــة جديدة تتناول دراسة الكون والوجود بكليته الفردية الشخصانية و الاجتماعية الكونية الكلانية على حد ٍ سواء ، أي الجمع بين دراسة الوعي والعقل الفردي والوعي الجمعي للأمم أو الوعي والعقل الكلاني الجامع لعموم الجنس البشري العقل الكوني وعلاقة هذا الأخير مع الكون Cosm ” …

فالعلم المعاصر كان قد بدأ منذ اليوم الذي انفصل فيه عن الفلسفة قبل قرون .. خصوصا ً علوم الفيزياء والرياضيات ، إذ ظهرت نظريات معرفية غربية في هذا المخاض .. كانت نتيجتها أن تصبح الفلسفة متأثرة بالعلوم وخصوصاً الرياضيات والفيزياء وليس العكس كما كان قبل عصر النهضة والتنوير ..

أمــا اليوم ، وبعد إستخلاص طبيعة وماهية منطق الشرق ، فإن علم النفس أو العلوم العقلية بحاجة هي الأخرى للانفصال عن الطب .. والكيمياء والفيزياء .. والفلسفة ..” والتحول إلى علوم مستقلة تتأثر بها كل العلوم الأخرى .. !

وهذا يعني عمليا ً القيام بدمج كل من :

علم الإجتماع و الإنثروبولوجيا وعلم النفس والتأريخ والفيزياء وعلم الأحياء في علم ٍ واحد هو :

علم الحياة الكوني Universal biology“… وسيكون فلسفة علم شرقية أيضاً ، بمنهجية وأدوات إجرائية نحاول في البحوث اللاحقة وضع أولى اللبنات في أسسها النظرية القائمة على الفلسفة البيولوجية والتي سبق ونادى بها كارل بوبر ، وفي الطريق نحو هذا التوحيد ستكون أمامنا الكثير من المفاجئآت الجديدة ، خصوصاً ما يتعلق بأفكار الطاوية في الصين والبوذية والهندوسية في الهند ، إذ سنرى إن رمز الطاو المتمثل بقطب الينyinالأنثوي المظلم ذو النقطة البيضاء وقطب اليانج yangالذكري المضيء ذو النقطة السوداء ، خير ما يمثــــل الوعي الجمعي ، فهــــــــو يشبـــه هذا الرمز تمامــاً كما في الشكل التالي ( شكل 1 ) :

الشكل ( 1 )

الين الأنثوي المظلم و اليانج الذكري المنير

يكونان معاً عنصراً ثالثاً جامعاً عن طريق الحركة

أساس المنطق الشرقي ( الطاوية و الزردشتية ) والمنطق البيولوجي هو توحد النقائض لإعادة الخلط وإنتاج صفات جديدة

إذ يجسد الفردانية السوداءو الكلانية البيضاء وهما يكونان الوعي الكوني الجامـــــع في تجسيــــد ديناميكي لمفهـــــوم إعادة الخلط البيولوجي الذي سبق وتناولناه في بحث سابق ( 5 ) ، إذ يمثل تحصيل هذا الدوران بين القطبين مع الزمن هوية ثالثة حسب هيجل هي الوعي الجمعي العام الذي يحرك التأريخ ويطور المعرفة الإنسانية بخط صاعد مفضياً بذلك إلى تطوير المجتمع البشري بصورة عامة ( شكل 2 ) .

شكل (2)

تمثيل بياني لحركة الوعي الجمعي

بين الكلانية للأعلى و الفردانية للأسفل

وينطبق على الوعي الفردي أيضاً في تحصيل بين الشعور الآنيةواللاشعور الخافية

إن الشكل (3) يوضح مسألة في غاية الأهمية من المفروض أن نأخذها في الاعتبار من الآن فصاعداً في الطريق إلى علم نفس ٍ كوني جديد ، وهي إن الوعي ” … فردياً كان أو جمعياً إنما يتركب من حاصل صيرورة نوعين إثنين من الوعي :

الوعي الفرداني أو الين الأسود وأدواته المتعلقة بالذاكرة والسلوك الفردي …. ممثلا ً بالشعور حسب الرؤية الفرويدية .

الوعي الكلاني أو اليانغ الأبيض وأدواته التي يستخدمها العقل من الذاكرة الجمعية الخافية ممثلاً باللاشعور حسب رؤية يونج ” .

وهو بالمنطق التموزي يناظر إنكي الإله الحكيم المناظر للصورة الأصلية للكون آن-كي ) جبل الكون أو ( كيان ) ، إذ يتركب من نقيضين يستحيلان في هوية ثالثة حسب هيجل .

بمعنى إن الوعي بصورة عامة كما يظهر في شكل (3) بخط أخضر متعرج هو المتصل الثالث الذي يتمتع بخصائص الإدراك والعقل ، هذا الكيان الجديد حسب المنطق السومري والطاوي يتمتع بخصيصة التجانس البنيوي أو الهولوغرام إذ الجزء يكون عبارة عن صورة مصغرة من الكل ، بمعنى إن الوعي الفردي صورة مصغرة عن الوعي الجمعي و كلاهما يحمل نفس التفاصيل، وهذا ما لا نستطيع أن ندركه ونستوعبه إلا من خلال فلسفة علمية عقلية متجردةنسميها في هذا البحث فلسفة الوعي المجرد ، نتناولها لاحقاً في مقاييس الإدراك ” .

إن الحاجة إلى هذا العلم الجامع الكلاني لا تعني إقصاء العلوم المختصة في النفس و الإنثروبولوجيا وعلوم الطبيعة الأخرى ، ولكنها تحاول معاضدة هذه الإختصاصات بإقامة معرفة جديدة ، وعلوم ٍ جديدة تدرس العالم والطبيعة بما فيها العقل من زاوية جديدة عالية جدا ً ، فتدرس التطور المعرفي والوجود بصورة كلانية جامعة ، وبأدوات معرفية متنوعة أيضاً ، إذ ستشكل في النهاية صورة جديدة مختلفة للعلوم كما سنرى في اللاحق ، تكـوِّن مع علوم الإختصاص في نطاق أوسع دائرة معرفية فلسفية – عقلية أكثر شمولاً و ثراء مما هي عليه اليوم ، و في نفس الوقت فهي ستجيب على العديد من الأسئلة الخالدة .

إن علم البايو سايكوفيزيا أو علم الحياة الكوني Universal biologyكمصطلح نستخدمه في هذا البحث يشمل عموم المعرفة الكلانية الشرقية في صياغات ومفاهيم ونظرية معرفية جديدة للحياة والوعي والطبيعة تعيد كتابة المعرفة إنطلاقاً من الفلسفة البيولوجية وليدة المنطق الشرقي بحيث إن الصورة النهائية الناتجة هي إعادة خلط أو تلاقح بين مفاهيم الشرق الكلية ومفاهيم الغرب الفردانية ، ومع إن الصياغة النهائية تحصيلية بين الغرب والشرق ، لكنها ستتخذ من المفاهيم الفلسفية للميثولوجيا الشرقية محوراً ، وستؤكد في النهاية العودة إلى الرؤية الشرقية القديمة للطبيعة الكلية بأنها :

حياة.. ووعي كبير جامع .. ، في نفس الوقت سنكشف عن الجديد في الموضوع ونضيف بأن هذا الوعي الكبير مكون ٌ أصلاً من لبنات وعي ذرية.. هي الأخرى مؤلفة من لبنات .. وهكذا فالكون برمته وعي مؤلف من وعي ذري متعدد.. و كل وعي ذري مكون من لبنات وعي دونه وصولاً إلى الخلية الحية التي تنطوي فيها صفات القانون الأساسي.. إجتماع التناقض .. بوجود شريطي الــ( DNA ) ..

نهاية مسار البحث المتسلسل الطويلة ستكشف في النهاية إن الذاكرة الجينية التي هي بهيئة شريط مزدوج من الــ( DNA ) ثلاثي الأبعاد تماثل الذاكرة البشرية التي هي عبارة عن أشرطة مزدوجة من أوتار فائقة الصغر رباعية الأبعاد 4 D memoryوالتي تكون بدورها وعياً كونياً متناغما من موسيقى فائقة رباعية الأبعاد كما تخبرنا في الفيزياء نظريـة الخيوط الفائقة super string Theory والتي لا تزال حتى اليوم غير مكتملة ، سنلاحظ إنها تتطابق مع هندسة الإدراك تماماً عندما ندرس الذاكرة العقلية بسياق إدراكي عصبي neuro-cognitive science ..

سبق وأن بينا في بحث ( الوعي الجمعي ) إن الشرق إنطلق من النفس بوصفها محوراً أساسياً في المعرفة والنظرة للطبيعة ، إذ الطبيعة كانت حية وتمثلت تلك الحياة بالآلهة أو الملائكة في الميثولوجيا القديمة ، فيما الغرب إنطلق من الطبيعة كجماد ميت ، ولا يزال ماضياً في خط التطور المعاصر ، نعتقد أن الأوان قد أزف لعودة الوعي إلى الصدارة في المعرفة الطبيعية بعــدّ الوجود برمته وعياً كبيرا ً جامعاً يتركب من أجزاء من الوعي الفردي و الأممي و الكوني ، أي الانطلاق من الطفولة التي كانت ترى في كل شيء حياة ً ووعياً .

الطبيعة الواعية .. نقطة البدء

فالقوانين الطبيعية في فكر الشرق القديم كانت آلهة أو ملائكة ، أي أنفساً كونية ً عليا ، وفي منهجيتنا الجديدة التي نبغي تأسيسها ، و إستكمالأ لما سبقنا به من بحث ، فإننا لن نعد تراث الشرق مجرد ميثولوجيا أو أساطير حاول الإنسان بها الإجابة عن الأسئلة الخوالد بما يتعلق بالإنسان والعقل وتفسير الطبيعة ، وإنما هي إستشراف ومحاولة أولية في تفسير العالم الباطني الذي قال عنه الشرق قديما ً :

( وفيك إنطوى العالم الأكبر ) .

إن الطريق إلى فلسفة علم بيولوجية جديدة عامة الآفاق تشمل دراسة الطبيعة والوعي أيضاً ، نكون قد بدأنا به إنطلاقاً من المنطق السومري الأول الذي أسميناه منطق الشرق مستعينين بمنهجية بوبرفي الاستقراء العلمي على وقع الفلسفة البيولوجية ، إذ إنها فلسفة تطوي في تكويناتها الموروثة العالم الأكبر ، وهي خصائص التجانس البنيوي في المنطق الطبيعي الأول ، وهي في نفس الوقت فلسفة ديناميكية حركية .. تبني نتائجها على اكتمال الصورة النهائية للنشاطات الطبيعية المختلفة كما يرسمها هيجل وليست إستاتيكية ثابتة تنطلق من ثوابت الرؤية الرياضية للفيزياء للحكم على الوقائع الكونية بما فيها الوعي و العقل ، فالرياضيات وكما سنرى ستشكل جزءاً أو قطباً متغيراً حسب مبدأ إعادة الخلط العام لتكوين البناء المعرفي والفلسفي لعلم النفس الشرقي أو ما يمكن أن نسميه البايو سايكوفيزيا أو علم الحياة الكوني Universal biology” .

الهوامش والمراجع :

  1. أسطورة الإطار The myth of framework ، بترجمة يمنى طريف الخولي ، عالم المعرفة ، الكويت 2003 ، ص 20 – 45 .

  2. مبدأ التجانس البنيوي هو مبدأ مشتق من تحليل المنطق النقيض للمنطق الأرسطي والذي وضحناه في بحث سابق بأنه المنطق البيولوجي نفسه وهو أيضاً المنطق الذي استعمله القدماء في سومر والشرق القديم في صياغة ثقافتهم العامة ولهذا أسميناه منطق الشرق ، وما يماثل قاعدة التجانس هذه في العلم الحديث هو مبدأ الهولوغرام في التصوير الليزري ثلاثي الأبعاد الذي ظهر في سبعينيات القرن العشرين ، أما إعادة الخلط فهو مبدأ بيولوجي أساسي في نقل الصفات الوراثية وإعادة خلطها في الأجيال لتنتج صفاتٍ جديدة مختلفة عن صفات الأبوين ، هذا المبدأ هو ذات مبدأ هيجل في الصيرورة ، إجتماع التناقض لتكوين هوية ثالثة ، وهو نظام ذهني في التفكير لدى الشرقيين القدماء مثل السومريين الذين صاغوا به أسطورة الخليقة كأول أسطورة معروفة في تفسير نشأة الكون ، لمعرفـــة المزيد عن المنطق الشرقي ( الطبيعي ) يمكن الرجوع إلى مواضيع الباحث المنشورة في دروب ، عندما تستفيق آسيا على الرابط :

http://www.doroob.com/?p=31797

وكذلك موضوع قيامة المنطق الشرقي على الرابط :

http://www.doroob.com/?p=31925

  1. أسطورة الإطار ص 35 .

  2. عندما تستفيق آسيا ، قيامة المنطق الشرقي (على الروابط السابقة) .

  1. أنظر للباحث: الوعي الجمعي البشري ودوره الأساس في تحريك التأريخ، مجلة شبكة العلوم النفسية العربية الإلكترونية عدد 17 شتاء 2008 http://www.arabpsynet.com/apn.journal/index-apn.htm




تم اغلاق التعليقات.