شاهر خضرة

أنطون سعادة مختصرات

إمدادات هذا الكاتب  03 يونيو 2009

أنطون سعادة *
{1904 __ 1949 }
_ 1 _

كتبت مختصرات ونشرتها على حلقات في جريدة الصحافة حول رجل عرفه المشرق ( بلاد الشام ) جيدا وله من التأثير الكبير على مسيرة الفكر العربي السياسي والفلسفي وكذلك على الحركة الأدبية عموما والشعر بشكل خاص متمثلا بمجلة شعر والتي كان روادها من تلاميذه وأعضاء في حركته ( الحزب السوري القومي الاجتماعي )
( وهذا ما سأركّز عليه وما يعنيني وهو حركة الحداثة الشعرية ) .
لنعرِفَ من هو أنطون سعادة لا بد من تعريف سريع لوالده
الدكتور ( الطبيب ) خليل سعادة أحد أهم رموز رواد النهضة في الشام في القرن التاسع عشر ، فهو أديب وصحافي ومترجم وله تأثير في تكوين النفسية الوطنية الجديدة وقد ترك أثرا فاعلا في المهاجرين السوريين في بلاد القارة الأميركانية إن في السياسة وإن في الأدب وكانت مقالاته جريئة ( صاعقية ) حمل بها على الخمول والخيانة والتذبذب في الوطنية والخنوع والاستسلام للأجنبي ، ألّف قاموسا في اللغة سمّي باسمه كما ترجم ما يسمّى إنجيل برنابا وكان من بين أهم ممن كتبوا الرواية العربية المبكّرة ففي عام 1893 نشرت روايته بالإنجليزية
( الأمير السوري وتحتوي على أهم العادات والتقاليد في جبل لبنان وجبل حوران وهما جبلان من أهم الجبال في سوريا الطبيعية )
( وللتنويه أقول حين يرد ذكر سوريا في هذه الحلقات تعني سوريا الطبيعية لا سوريا القطر الحالي تمشيّا مع فكر أنطون سعادة وأدبيات الحركة السورية القومية الاجتماعية ) .
نشأ أنطون سعادة في مدرسة أبيه إلى جانب ما نال من التعليم الابتدائي في لبنان ومن ثم التحق بوالده في المغترب في البرازيل وليس من دليل على أن أنطون سعادة تحصل على البكالوريا ولكن دراسته تمّت على التحصيل الشخصي على يد والده وقد أظهر الشاب نبوغا غير عادي حيث أتقن عدة لغات إلى جانب العربية كالبرتغالية بحكم وجوده في البرازيل والإسبانية حيث أقام في مغتربه القسري في الأرجنتين هذا إلى جانب الفرنسية والإيطالية والإنجليزية
والألمانية ، وكون والده من مفكرين نهضويين وسياسيين في عصره فقد تأثر أنطون سعادة كما أسلفت القول بأفكار والده في المقام الأول ، وعمل مع والده في الجريدة التي كان يصدرها في البرازيل ولم يتجاوز عمره الخامسة عشر والمقالات التي كان يكتبها الشاب اليافع تنبئ بنبوغه منذ سنيه المبكرة .
وعندما اختمرت في عقله أفكاره الوطنية اختار العودة إلى الوطن وكان ذلك أوائل العشرينات من القرن الماضي وعمل في دمشق مدرسا في ثانوياتها لأقل من سنتين ، بعدها عاد إلى بيروت ليعمل في الجامعة الأميركية موظفا صغيرا يقوم بتقديم الشاي للمدرسين ليتسنى له نشر أفكاره من خلال الحوارات التي كان يجريها معهم ، حتى حالفه ظرف موت أحد أساتذة اللغة الألمانية فعينوه
( استثناء ) كمدرّس للغة الألمانية وهذا ما كان يطمح إليه بعد أن يئس من مناقشة المدرسين ، فتسنى له أن يحتك مباشرة بالطلبة ولم يكن يكبرهم كثيرا
وهنالك أقنع بأفكاره الخلية الأولى ( خمسة من طلبة الجامعة ) وتم تأسيس ما سمّي بـ الحركة السورية القومية . . . . وذلك في عام 1932 وعمر أنطون سعادة لم يتجاوز الثامنة والعشرين .
وسنأتي كما أسلفنا على أهم أفكاره مبادئ ( الحركة السورية القومية الاجتماعية) مارين بفلسفته ( المدرحيّة ) والنظام الجديد الذي أنشأه
ومركزا على شخصية الرجل ( كزعيم ) وما إلى ذلك في
حياته القصيرة الغنية . .
* ((( هو أنطون بن خليل سعادة ، ولد في الأول من آذار عام 1904 في الشوير قضاء المتن (من محافظة جبل لبنان) من أبوين شويريين لبنانيين. والده الدكتور خليل سعادة كان طبيباً وعالماً وأديباً، ومن أبرز القادة الوطنيين في المغترب اللبناني في البرازيل، أسس عدة جمعيات وأحزاب مهجرية وطنية وقومية، كما أنشأ صحيفتي (المجلة) و(الجريدة) في سان باولو في البرازيل.

تلقى أنطون سعادة سنة 1909 المبادئ الأولية للقراءة والكتابة في مدرسة الشوير على يد المعلم حنا رستم، ثم أكمل دراسته الثانوية في معهد الفرير في القاهرة حيث كان والده قد التجأ، ثم في مدرسة برمانا في جبل لبنان.

سنة 1919، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ترك سعادة وطنه، بعد أن شهد بنفسه آثار المجاعة إبان الحرب، وغادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ثم في عام 1921، انتقل إلى البرازيل حيث أسهم مع والده الدكتور خليل في تحرير جريدة (الجريدة) ومجلة (المجلة).

لم يكمل أنطون سعادة تعليمه الجامعي، لكنه درس على نفسه حتى أصبح يتقن عدداً من اللغات من بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية، مما أفسح له من خلال مطالعاته بهذه اللغات الحية أن يكمل على نفسه التعمق في العلم والفكر الإنساني في عدة اختصاصات شملت التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية وعلوم الإنسان والأدب.

أسس سعادة في البرازيل جمعية سرية للعمل على تحرير الوطن من الانتداب، كما انخرط في عدة جمعيات لهذا الغرض، لكنه وجد أن النضال الفعلي إنما هو الذي ينطلق من داخل الوطن لا من المهجر. لذلك عاد إلى الوطن في تموز سنة 1930م، ومنها انتقل إلى دمشق سنة 1931 حيث اشترك في تحرير جريدة (الأيام) الدمشقية، ومن ثم عاد إلى بيروت وهو عازم على إنشاء الحزب الدستوري القومي الاجتماعي، مفضلاً الشروع في الوسط الملائم وسط الطلاب، حيث تولى تدريس اللغة الألمانية لطلاب الجامعة الأمريكية.

في 16 تشرين الثاني/1932، أسس أنطون سعادة الحزب السوري القومي الاجتماعي تحت اسم (حزب الشعب السوري) ( S.P.P) من خمسة طلاب
في الجامعة الأمريكية، ومن هذا الوسط انتشرت دعوته إلى المناطق بحيث
انتظم فيه المئات في غضون السنوات الثلاث الأولى من العمل السري.
وقد انكشف أمر الحزب عام 1935 من قبل سلطات الانتداب الفرنسي،
فاعتقل سعادة وعدد من معاونيه، وصدرت بحقهم أحكام مختلفة أقصاها
السجن لسعادة مدة ستة أشهر. )) نقلا عن القصة السورية )))

أنطون سعادة
2

اتهم أنطون سعادة وحزبه كثيرا بتهم منها ما كان بقصد الإشاعات والتشويه ومنها ما كان دون فهم لحقيقة فكره ودعوته وفي المسألتين تجن كبير على حقيقة الرجل ولأنني أكتب لقارئ قد يكون بعيدا عن تاريخ الحركة السورية القومية وعن بيئتها الاجتماعية وعن مدار تحركها الحزبي والسياسي أجدني مفضلا أن أتحدث عن أنطون سعادة الذي أسس حزبه في عام 1932 وفي ظروف سياسية أي بعد خروج الأتراك ودخول الإستعمارين البريطاني والفرنسي حيث كانت التيارات العروبية الدينية في أوجها وكذلك التيارات الإنعزالية في لبنان خاصة ، هذا إضافة للقوة الطائفية السياسية .
فمنذ ظهر أمر الحزب وانكشف تنظيمه للعلن عام 1934 تنبهت القوى السياسية ليس للمبادئ الأساسية فحسب بل لمبادئ الحزب الإصلاحية العلمانية :
المبدأ الأول _ فصل الدين عن الدولة .
المبدأ الثاني _ منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين .
المبدأ الثالث _ إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب .
المبدأ الرابع _ إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة .
وحين أسوق هذه المبادئ أسوقها لأدل على كثرة الجبهات التي فتحها أنطون سعادة في بيئته اللبنانية أولا ومن ثم في البيئة المحيطة بلبنان أي المشـــرق
( الهلال الخصيب سوريا الطبيعية والعراق ) لذلك كما ذكرت تنبهت كل القوى الانعزالية والطائفيات السياسية وتيارات العروبة الدينية لخطورة فكر الرجل وبدأت الحرب ضده بكل الوسائل وعلينا أن لا ننسى أن المنطقة كلها واقعة تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني ولعل من أكبر ميزات حركة سعادة بين حركات التحرير في العالم أنه وضع مبادئه ولم يترك تطبيقها للزمن بل طبقها بنفسه ثم على المقتنعين بمبادئه وأوجد فئة من الناس تعتنق المبادئ القومية العلمانية وتعمل بها وتعيش لأجلها وتموت أيضا ، على مر تاريخ الحركة منذ الشهيد سعيد العاص البطل في فلسطين في ثورة عام 1936 وهو من مدينة حماة إلى الشهيدة البطلة سناء محيدلي ابنة الجنوب اللبناني وكذلك في موضوع إعدام أنطون سعادة ذاته في الثامن من تموز 1949 من قبل الحكومة اللبنانية آنذاك بعد محاكمة صورية ( سنصل وفي مقالة منفردة إلى تلك المحاكمة وذلك الموت الأسطوري الذي جسده وقد صدّق القول بالفعل (( إن الحياة تعني لنا وقفة عز فقط وإن الموت طريق الحياة )) . )
وجدير أن نذكر أن الراحل أنطون سعادة كان أول سوري تجرأ على قانون قمع الجرائم أيام الانتداب الفرنسي فأقدم على تأسيس حزبه القومي الذي كان في طليعة مبادئه محاربة الاستعمار بشتى ألوانه وأشكاله .
أعود لما بدأته حول الاتهامات والشائعات والتضليل التي حورب بها سعادة وحركته ويخصني هنا أكثر ما كتب عن فينيقية الحزب وأنه دعوة فينيقية وأنه ضد العروبة لكي أعطي أدلة على بطلان تلك الادعاءات ومن فكر سعادة نفسه وذلك منذ أول تأسيسه لحركته إبان الحملة التي قامت بها بعض الصحف والعناصر والفئات بحجة عداء العروبة :
{ غاية الحركة السورية القومية الاجتماعية إيجاد نهضة قومية تكفل تحقيق مبادئها وتؤدي إلى الاستقلال والاستمرار في خدمة الأمة والسعي لإنشاء جبهة عربية }
{ سورية هي إحدى أمم العالم العربي }
{ إن الذين يعتقدون أن الحركة السورية القومية الاجتماعية تقول بتخلي سورية عن عالمها العربي وعن القضية العربية يقولون ذلك لأنهم لا يفهمون الفرق بين النهضة السورية القومية والقضية العربية عموما وقد ضلوا ضلالا بعيدا }
{ إننا لن نتنازل عن مركزنا في عالمنا العربي ولا عن رسالتنا إلى عالمنا العربي ولكننا نريد قبل كل شيء أن نكون أقوياء في أنفسنا لنتمكن من تأدية رسالتنا ، يجب على سورية أن تكون قوية بنهضتها القومية لتستطيع القيام بمهتمها الكبرى }
( إذا كان في العالم العربي عروبة حقيقية صميمة فهي عروبة الحزب السوري القومي الاجتماعي ، نحن أصحاب العروبة الواقعية الحقيقيين ونحن جبهة العالم العربي ونحن صدره ، ونحن سيفه ، ونحن ترسه ، ونحن حماة الضاد ، إننا واقعيون في الوجود نرى العالم العربي في واقعه عالم بيئات طبيعية ( البيئة المغاربية ) ( بيئة وادي النيل ) ( بيئة شبه الجزيرة العربية ) ( بيئة الهلال الخصيب سورية والعراق ) لكل بيئة خصائصها ومقوماتها ووحدة حياتها وإمكانياتها وعلى كل شعب في هذه البيئات أن يعي وجوده وحقيقته ومصالحه وأن ينهض معتمدا على نفسه ثم يعمل على التعاون مع شعوب البيئات العربية الأخرى ونؤكد على التعاون بإنشاء جبهة العالم العربي والسوق العربية المشتركة ونؤكد أيضا أننا أبناء الحياة بتطورها ومن يدري ” قد يصبح العالم كله أمة واحدة ” )
هذه موجزات اقتبستها من سعادة نفسه وفي المراحل الأولى لتأسيس الحركة حركة سعادة لكي أضع إجابات لكل سائل قد يسأل أو لديه معلومات خاطئة حول أنطون سعادة وفكره بهذا الاتجاه ، وأعتقد أن هناك من المفكرين العروبيين من أنصف سعادة فيما بعد ومن أهمهم المفكر القومي العربي الكبير ساطع الحصري أبو خلدون وذلك في كتابه [ العروبة بين دعاتها ومعارضيها ] الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام 1984 وكان الكتاب قد نشر لأول مرة عام 1951 . . .
فيقول ساطع الحصري :
( لم يظهر في العالم العربي إلى الآن (1951) حزب يضاهي الحزب السوري القومي الاجتماعي في الاهتمام بالدعاية المنظمة التي تخاطب العقل والعاطفة معا . . . )
ويقول الحصري :
( أسس سعادة حزبه لمحاربة روح الطائفية والنزعة الانعزالية اللتين لاحظهما في لبنان في الوقت الذي ما كان يُعرف بعد شيئا يُذكر عن أحوال سائر البلاد العربية ، ولذلك أخذ يدعو إلى فكرة القومية السورية منددا بالانعزالية اللبنانية الضيقة من ناحية وبالقومية العربية الشاملة من ناحية أخرى )
ويقول الحصري في نفس الكتاب :
إنه ظل معارضا لفكرة القومية العربية ومع هذا أدرك ضرورة تأسيس ” جبهة عربية ” ولا شك في أن التطور الذي حصل في آراء أنطون سعادة كان من شأنه أن يوصله _ عندما يستمر _ إلى تطور آخر ويحمله على تحويل فكرة ” الجبهة العربية ” بصورة تدريجية إلى نوع من ” الفدرالية العربية ” هذه هي الفكرة الأساسية التي تكونت في ذهني سنة 1948 بعد اجتماعي بزعيم الحزب أنطون سعادة واطلاعي على نزعاته الأصلية . . . وقلت في نفسي عندئذ : لا شك أن أنطون سعادة سيلتقي بنا في آخر الأمر عاجلا أو آجلا …… ولكن الأمور تعقدت بعد ذلك بسرعة كبيرة وانتهت أنفاس الرجل فجأة في ظروف شاذة جمعت خصائص الملهاة والمأساة ! ………. ) الحصري نفس الكتاب
ويبقى الحصري بمنطقية دراسته وعدليته مفكر كبيرا يحترم من كل أتباع أنطون سعادة . . فالمرحوم ساطع الحصري تصور أن سعادة كان سيصل به التفكير إلى مفهوم القومية العربية الذي توضح فيما بعد على أسس ومقومات علمية لا على غوغائية عاطفية ولا على مجرد شعارات دينية وهمية .
وبالطبع فإن ساطع الحصري كي لا أكون انتقائيا في انتزاع جمل بعينها فنّد كل آراء سعادة وبيّن أخطاءه فيما ذهب إليه في كتابه نشوء الأمم وفي مجمل فكره ورد عليه بما يتناسب والبحث العلمي في شتى المسائل السياسية والجغرافية والتاريخية أيضا ولم يلجأ الحصري إلى عاطفة بل ظل رجل علم وفكر يرد على الحجة بالحجة وعلى المنطق بالمنطق وعلى الرؤية بالرؤية وذلك باحترام كبير افتقده كثيرون ممن عادوا أنطون سعادة وفكره السياسي .
ولي إطلالة على فلسفة أنطون سعادة ومن ثم على الكارزما الهائلة لسعادة على أتباعه التي ذكرها المفكر الفيلسوف هشام شرابي في كتابه الجمر والرماد والتي يقول عنها المرحوم شرابي في كتابه الجمر والرماد :
( كارزما هائلة من الصعب تفسيرها ) وحصر شرابي مدى تأثيرها في شعراء الحداثة أمثال خليل حاوي وأدونيس ويوسف الخال ومحمد الماغوط وغيرهم .

أنطون سعادة
3

هنالك في الأدبيات الحزبية لمنشورات الحزب السوري القومي الاجتماعي أقوال تتردد دائما من أن انهماك أنطون سعادة في العمل الحزبي والإداري وكثيرا من انهماكات أخرى في المجال جعلت أنطون سعادة غير متفرغ للكتابة في المجالات التي كان يريد تفصيلها كل على حدة في كتاب أو كتب متخصصة في المجال بعينه كالفلسفة ( المدرحيّة ) وقد قرأت في مذكرات تلامذته نقلا عن لسان أنطون سعادة أنه صرّح لهم بأنه يعتزم أن يأخذ إجازة من العمل الحزبي لسنتين كي يتسـنى له وضع كتب في أفكـاره الفلسفية الاجتماعية الاقتصـادية وكان هذا بعد عودته من مغتربه القسري عن لبنان أي تصريحاته لرفقائه بين عامي 1949 – 1947 وقد قرأت كتابا أواخر السبعينيات للكاتب عبد الله قبرصي بعنوان عبد الله قبرصي يتذكر ( وهو أحد أهم تلاميذ سعادة ) وذكر هذه الأمنيات لا بل ذكر أن سعادة كانت تشغله كثيرا ويقول يجب أن أخصص للاقتصاد القومي وقتا وللفلسفة وقتا ، ولكن سعادة عاجلته الأحداث السياسية والمغامرة الكبرى التي أودت بحياته عام 1949 وظلت أمنياته في إطار الأمنيات ، وبعد رحيل سعادة شعر كثير من مفكري الحزب بهذا الفراغ فأخذوا يحاولون ملء النقص ولكنهم اختلفوا في الرؤية ولم يعتمد الحزب أيا من تلك الأفكار واعتبرت كلها دراسات في الاقتصاد أو في الفلسفة ولكن الاجتهادات قليلة . . ولذا بعد أن جمع تقريبا كل تراث سعادة ونشرت أخيرا في اثني عشر مجلدا تحت عنوان ( أنطون سعادة : الأعمال الكاملة ) تضم هذه المجلدات كتاباته قبل تأسيس الحزب وبعد التأسيس أي كل ما كتب من مقالات وكتب وغيرها من محاضرات وخطابات وحتى رسائل وكانت عمدة الثقافة في الحزب قد حاولت على فترات نشر الأعمال الكاملة ولكنها كانت تظل ناقصة لأن سعادة عاش حياة لا استقرار فيها ما بين البرازيل ولبنان ودمشق ( قليلا ) والأرجنتين ومن ثم لبنان وكتب في صحف عديدة في تلك البلدان وأسس صحفا هو نفسه فضلا عن الصحيفة الحزبية في بيروت التي كان يرسل لها من الأرجنتين وذلك في فترة ما بين عام 1938 و 1947 وبعد إعدام أنطون سعادة عام 1949 كما ذكرنا آنفا وملاحقة قيادات الحزب من الحكومة في لبنان حيث كان مركز الحزب في بيروت طالت تلك الملاحقات بعضا من تراث سعادة وفقد بعض من ملفات المجلة التي يصدرها الحزب وتم إثرها انتقال مركز الحزب إلى دمشق بعد الانقلاب العسكري على الرئيس السوري حسني الزعيم بسبب تسليم أنطون سعادة للحكومة اللبنانية وتم على أثرها فورا إعدام سعادة ( وسآتي على ذكرها في حينه ) …………….
أقول بعد انتقال الحزب بمن نجا من قيادته من السجن التي هربت إلى دمشق وبعد أن صارت دمشق مركزه ( ما بين 1950 وعام 1955 ) بدأ بعض المهتمين بجمع آثار سعادة ولكن لم يكتمل الجمع لظروف سياسية محلية وأنترنسيونية . . . وفي هذا قامت عمدة الثقافة بنشر أعمال سعادة وعلى عدة محاولات وكما قلت ظل يعتريها النقص وخاصة أن الحزب انقسم من رأس الهرم إلى القاعدة في الخمسينيات على إثر اغتيال المرحوم عدنان المالكي الضابط الكبير في الأركان السورية واتهام أعضاء من الحزب السوري القومي الاجتماعي ( حزب سعادة ) باغتياله ، وهذا الانقسام حال دون نشر كل فكر سعادة وكتاباته إذ استأثر كل شق بما لديه ومنعه عن الشق الآخر فقد صار حزب سعادة حزبين ، وكل ينشر ما لديه وعاد الحزب يتعرض للانشقاق في عام 1974 وجاءت الحرب الأهلية في لبنان ومن بعدها الاجتياح الإسرائيلي الأول عام 1978 وتتالت التوترات الدائمة ولكن أخيرا تم تأسيس مؤسسة سعادة الثقافية أواخر القرن المنصرم وقامت هذه المؤسسة بعمل جماعي من المحققين المتخصصين والباحثين وتم جمع كتابات سعادة كلها تقريبا وصدرت باثني عشر مجلدا كما سبق وقسمت هذه الكتب حسب تواريخ مراحل الكتابة ولم تعد عناوين الكتب المعروفة التي صدرت سابقا موجودة فقد ضُمّنت في دفات الأعمال الكاملة وعلى الباحث أن يعود إلى كل مجلد بحسب الفترة الزمنية هذا من جهة وأما من جهة ثانية فإن الباحث مثلا عن أفكار سعادة في الفلسفة الاجتماعية مثلا عليه أن يبحث عنها في كل الكتب ليجمع منها مقالة من مجلد أو محاضرة من مجلد آخر وهكذا . . . ومن أهم ما قرأت في هذا الجانب الفكري ( الفلسفي الاجتماعي ) عند سعادة كتاب المفكر اللبناني ناصيف نصّار بعنوان ( طريق الاستقلال الفلسفي عند العرب ) الذي خصص جزءا من كتابه لفكر سعادة . . وكتاب المفكر اللبناني عادل ضاهر (المجتمع والإنسان ، دراسة في فلسفة أنطون سعادة ) فما هي فلسفة أنطون سعادة ؟ :
المدرحيّة :
( إن المدرحيّة عند سعادة تعني تمازج المادة والروح لا بشكل ثنائي بل بشكل تداخلي هو أشبه بمبدأ الشخصانية PERONNALISME إذ أن ” مادة زائد روح ” لا تعني مدرحيّة لأن هذا إضافة ، بينما سعادة قال بكلمة تفاعل متجانس أي أن المادة والروح تتفاعلان بتجانس ، فالقضية ليست صراعاً بل تفاعلا ، فالحيوية موجودة بشكلها الإيجابي ، ومستمرة استمرار الحياة نفسها وهذه لا تظهر إلا في المتحد الاجتماعي ويعرّف المدرحية ناصيف نصار بقوله ” هي تعيين لفكرة التفاعل في موضوع علاقة الروح والمادة بالنسبة إلى الحياة الاجتماعية وليس بالنسبة إلى الحياة الاجتماعية وليس بالنسبة إلى كينونة الإنسان الميتافيزيقية )
( أما عناصر المادة عند سعادة فهي الأسس التي تقوم عليها الأمة من خلال تشكُّل ” متحدها الاجتماعي ” وهي الأرض والبيئة ، الأسس البيولوجية للجماعة، في حين أن عناصر الروحية عند سعادة فهي غايات الأمة والدولة القومية أي القيم الأخلاقية والدينية ، الغايات السامية ، ومن تفاعل عناصر المادية والروحية تنبثق عناصر المدرحية وهي البنى الاقتصادية والمؤسسات السياسية والنظرة إلى الكون والحياة . )*
ويمكن أن أقول إن كتاب أنطون سعادة ( نشوء الأمم ) الذي ألفه وهو في غمرة الصراع والنضال وعمره لم يتجاوز الرابعة والثلاثين وكان أيامها رهن الاعتقال من قبل السلطات الفرنسية ( أي وضع الكتاب وهو في السجن ) يمكن أن يكون أساسا لفكره الفلسفي الاجتماعي حيث تقوم تلك الأفكار على مفهوم الإنسان _ المجتمع ، والمدرحية كلمة منحوتة مصطلح فلسفي جديد وضعه سعادة بدخوله في ميدان مسائل الفكر الإنساني الأساسية ليقيم عليه بناء دقيق القياس والتصميم من التماسك في الفكر ومن التعيين لمسار الفكر في عملية المعرفة .
فالـ . .
_ الإنسان _ المجتمع ليس الإنسان الاجتماعي
_ الإنسان _ المجتمع ليس الفرد المتفوق ، فرد الملكوت
_ الإنسان _ المجتمع ليس البطل الأخلاقي
_ الإنسان _ المجتمع ليس الإنسان الجديد
_ الإنسان _ المجتمع ليس مصطلحا أدبيا
_ الإنسان _ المجتمع ليس مصطلحا سياسيا
_ الإنسان _ المجتمع ليس مصطلحا خطابيا
_ الإنسان _ المجتمع ليس الإنسان النيتشوي ( نسبة إلى نيتشه ) كما راق لكثير من الكتاب أن يضعوا مفهوم سعادة للـ الإنسان _ المجتمع تحت تأثر سعادة بفلسفة نيتشه .
كل هذه التشويشات تاه في وضعها وافتراضها كثير من الذين قرأوا قراءة نصِفها بالسهولة والمجانية في استعمال مصطلحات فلسفية أساسية عند سعادة .
ولعل كما أسلفت أهم وأعمق كتاب كتب عن فلسفة سعادة هو كتاب د.عادل ضاهر ( المجتمع والإنسان ) ومما أعطى عادل ضاهر المصداقية أنه ليس من أعضاء حزب سعادة ولا يقوم الكتاب بدراسة دعائية بل بشرح وتوضيح واستنباط عميق لفكر سعادة الفلسفي ( المدرحيّة ) و ( الإنسان _ المجتمع ) وهو برأيي أهم من كل ما كتب عن فكر سعادة وأؤكد حتى ممن كتبوا عن فكر سعادة من مفكري الحزب أي تلاميذه وأتباعه .
وكتاب ( نشوء الأمم ) 1937 أول كتاب في علم الاجتماع بعد مقدمة ابن خلدون في اللغة العربية تضمن أبحاثا في علم السلالة ، في التاريخ ، في الأساس المادي للاجتماع وفي البناء النفسي الذي يقوم عليه ، في وحدة الجوهر والوجود ، في القيم ، في معنى الحقيقة وفي الحق والخير والجمال ، ولعل كتاب المحاضرات العشر الذي ختم به سعادة حياته كان قد شرح فيه الغموض الذي اكتنف بعض فكره في نشوء الأمم وفي غيره في هذا الاتجاه
( إذا قصد سعادة بكلمة ( مدرحية ) اعتبار الحياة الإنسانية هي مادّية روحية وبالتالي فهو يرفض أن الحياة مادة فقط كما يرفض الطوباوية الروحية ، وكلمة مادية كما يشرحها عادل ضاهر على ضوء فهمه العام لنظرة سعادة كما يلي :
1_ العوامل الضرورية لنشوء الإنسان بتطوره البيولوجي .
2_ العوامل الضرورية لنشوء الجماعة الإنسانية واكتساب الجماعة شخصية معينة .
3_ العوامل الضرورية لتطور الإنسان الاجتماعي .
والفئة الأولى والثانية من هذه العوامل تشتملان على عوامل فيزيائية بالمعنى المحض عوامل جغرافية بيولوجية بينما الفئة الثالثة تشتمل على العوامل الاقتصادية إلى جانب اشتمالها على العوامل البيولوجية .
أما كلمة روحية فهي ( الثقافة النفسية والبناء النفسي الذي يشير إليه سعادة .)
( ويطرح عادل ضاهر سؤالا : هل لنظرة سعادة المدرحيّة في الوجود الإنساني أي مضامين انطولوجية أو ميتافيزيقية ويجيب ضاهر بالنفي ، فسعادة لم يهتم قط بالواقع الانطولوجي للإنساني أي بما إذا كان الإنسان من الزاوية الأنطولوجية كائنا مادي الجوهر أو كائنا روحي الجوهر أو كائنا ذا جوهر مادي وروحي في آن معا .)*
وفي كتابه عادل ضاهر حول الرؤية الفلسفية لسعادة وجد أن سعادة لم يطلب المعرفة من أجل المعرفة بل من أجل العمل على تحقيق نهضة شاملة في وطنه ” الهلال الخصيب ”
وأما فكرة المصطلح الثاني ” المتحد الاجتماعي ” الذي وضعه سعادة فهو يعني أن البشر ينشأون في متحدات اجتماعية فأصغر متحد مثلا الحي أو القرية ومن ثم القرى الكبيرة وثم المدن وهكذا إلى أن تشكل هذه المتحدات متحدا أكبر هو المتحد الاجتماعي الكبير ( الأمة ) التي تكونت ضمن بيئة واحدة واضحة تفاعلت تفاعلا طويلا بين عدة شعوب فيما بينها من ناحية وبين بيئتها من ناحية أخرى مما يجعل لهذه الشخصية استقلالية وراثية في المتحد الاجتماعي .
وأنطون سعادة يرى أن المتحد الاجتماعي هو مجموعة أفراد تشدهم مصالح مادية وتربطهم وحدة نفسية تتجلى في النظر والفكر والاتجاه والموقف .
ولذا ركز سعادة على النحن بدل الأنا وأعطى الأسبقية للمجتمع لا للفرد ، ورأى أن النهضة القومية لا يمكن أن تتحقق إلا بوعي جمعي لذا كانت الدعوة دعوة اجتماعية والإنسان المجتمع هو الذي يصنع التاريخ من خلال وجوده ومعرفته وإذا كان الوجود هو حصيلة بيئة فإن معرفته هي حصيلة تاريخه وهي ليست بعيدة عن الطبيعة بل خاضعة لجدلية معينة مفادها أن الطبيعة تفعل بالإنسان فيرد الإنسان الفعلَ تحرّكا في اتجاه السيطرة عليها ضمن شروطها هي في البداية وبنجاحه ” النسبي ” في السيطرة عليها واستغلالها لمصلحته يخلق أوضاعا مادية جديدة لحياته وهكذا دواليك إلى أن يصل الإنسان لتحقيق أكثر مما يمكن من حاجاته بأقل جهد ممكن . )*
وفي هذا يقول سعادة في ( نشوء الأمم ) البيئة تقدم الإمكانيات لا الحتميات .

أنطون سعادة
4

من خلال قراءتي لتراث المرحوم أنطون سعادة المجموع في كتب ، السابق منها والأخيرة ، وجدت أن بعضا من كتبه تحمل عناوين وهي بالأصل مقالات جمعها هو نفسه وأضاف عليها ومن ثم طبعت في كتاب خلال حياته ككتاب ( جنون الخلود ) في الأدب وكتابه الشهير ( الصراع الفكري في الأدب السوري ) الذي كان أساس الحركة الحداثية في الشعر ( مجلة شعر ) وكتاب ( الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية ) وهذه الكتب بالذات بدأها سعادة كمقالات كما قلت يرد فيها على كتاب نقاد أو شعراء أو مفكرين وبعد أن تنتهي سلسلة هذه المقالات التي نشرت في صحف يعود إليها ويضبطها ويسد خلل الانقطاع التسلسلي فيها حيث كان بين المقالة والأخرى أسبوعان أو أكثر وهو منشغل في الأعمال الحزبية والسياسية والإدارية والكتابة في شتى أمور راهنة أو فكرية ، ولكن قارئ الكتب هذه الآن يدرك شمولية الرجل وموسوعيته الفكرية وهمومه التي أخذت كل وقته وهو بعث نهضة شاملة لكل شؤون الحياة الاجتماعية بما فيها الأدب .
ومما لا بد من قوله أيضا إن أنطون سعادة أخذ شاعرا أو كاتبا وسيلة فيما كتب ليرد عليه ويطرح من خلال هذا رؤيته وفكره وهو يرمي إلى نموذج في الفكر أو في الأدب ليعمم على هذا النموذج أفكاره في الأدب بشكل عام كمفكر له هدف حركي قومي اجتماعي سياسي ونهضوي شمولي لا كمفكر شغل نفسه بالفكر النظري المحض .
من هنا نراه في كتابه ( الصراع الفكري في الأدب السوري ) يرد على محمد حسين هيكل وعلى طه حسين وعلى محمود عباس العقاد وعلى أمين الريحاني وعلى الشاعر خليل مطران وعلى يوسف المعلوف وكذلك على الشاعر المهجري شفيق المعلوف ليوضح البلبلة النقدية عند هؤلاء ويطرح نظرياته في الشعر والأدب عموما .
والذي أود أن أتحدث عنه هو كتابه ( الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية )
والذي كتب مقالاته أنطون سعادة ما بين 22/1/1941 و 1/5/1942 وفي غمرة محاولات الاستقلال عن فرنسا وبريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما في تلك الأيام من حماس وتطلع عربي للاستقلال ، فمن العرب من كان يعتقد أن ألمانيا هي المخلّص ومنهم من كان ينظر باستغلال انكسار فرنسة وبريطانية في سنوات الحرب الأولى لإشعال ثورة ضد المستعمرين وذلك بمفهوم ديني إسلامي كون المجتمع السوري ( الهلال الخصيب ) في تركيبته الطائفية يتألف من أكثرية محمدية بالعموم ومن أقلية مسيحية في العموم أيضا ولأن الطائفية دائما في المجتمع نار كامنة تحت رماد بإمكان المستعمر تأجيجها كما حصل في ستينيات القرن التاسع عشر بين الدروز والمسيحيين ( الموارنة بشكل خاص ) وبما أنه أيضا كانت تسري دائما إشاعات أن المسيحيين في سوريا ولبنان مطمئنون وهادئون مع المستعمر الفرنسي بسبب روابط عقيدة الدين وربما يصل الأمر إلى التخوين ، وبالرغم من أن أكثر كبار رجالات النهضة في القرن التاسع عشر كانوا مسيحيين ولكن هذا لم يشفع لهم والحالة الاجتماعية العامة حالة أميّة وتخلف وتعصب ديني معزز بأفكار بعض الدعاة الإسلاميين من مخلفات الخلافة العثمانية ، وقد تحمس بعض الكتاب والشعراء المسيحيين لهذه الدعاوي فمنهم من أعلن إسلامه ومنهم من دعا إلى إدانة المسيح والمسيحية والمسيحيين كأتباع وكدين متسامح . . ومن هؤلاء كان الشاعر القروي( رشيد سليم الخوري ) الذي أخذت شهرته تنتشر في بلاد العرب كشاعر مهجري اعتنق الإسلام المحمدي ( لم يثبت اعتناقه للإسلام سوى بقصائده حسب ما يذكر كتّاب المهجر ) وليس ذلك كعقيدة يرجو بها الخلاص الأخروي الفردي بل اتخذها كهجاء للمسيحية والمسيح والمسيحيين العرب في قصائد انتشرت كالنار في الهشيم في الأوساط الشعبية في بلاد المشرق وبخاصة في الكيانين الشامي ( سوريا ) واللبناني ومنها :
إذا حاولت رفع الضيمِ فاضرب
بسيف محمدٍ واهجر يسـوعا
” أحبّوا بعضكم بعضاً ” وعظنا
بها ذئباً . . . فما نجّت قطيعا
—————-
و . .
والسيف لا عيسى ولا أضرابه
خلق ” الكمال ” لهم من النقصانِ

وبما أن أنطون سعادة هو بالأصل من الطائفة الأرثوذكسية المسيحية في لبنان ورجل صاحب دعوة قومية اجتماعية تدعو إلى فصل الدين عن الدولة وتأسيس دولة علمانية تعتمد العقل شرعها الأول ، ودعوة لإلغاء الحواجز الطائفية بين شعب الأمة بكامله على مفهوم الانتماء القومي الذي من أهم مقوماته الأرض
( البيئة أي إقليم الهلال الخصيب ) والإنسان أي ( الإنسان _ المجتمع ) فكان من الطبيعي أن يحارب سعادة هذه الدعاوى وتلك الإشاعات التي تصب الزيت على نيران الفتن المتربصة بالمجتمع ككل بل أكثر من ذلك فقد كان سعادة يلاحق كل هذه الدعاوي ويفندها ويناضل بقلمه وأفكاره وبحركته الاجتماعية السياسية لا لإطفائها فحسب بل لبعث البديل الفكري بنهضة ترمي إلى توحيد المجتمع بكل أطيافه ومذاهبه لا على أساس عرقي ولا على أساس قبلي ولا أساس طائفي ولا على أساس لغوي بل على أساس وجودي مجتمعي مشدود بمغناطيسية دورة الحياة في المجتمع القائمة على التفاعل الحياتي وعلى المصالح المادية الروحية ( المدرحية ) مصالح الأفراد والشعوب التي تمازجت في هذه البيئة . . وبنظرة موحد للحياة والكون والفن ، وسعادة يقول في إحدى محاضراته : ( نحن في الحركة السورية القومية الاجتماعية بطل أن نكون محمديين أو مسيحيين نحن سوريون قوميون اجتماعيون ، فقد شهدت هذه الأرض أديانا تهبط عليها من السماء وها هي الآن تشهد دينا جديدا يرفع النفوس بزوبعة حمراء من الأرض نحو السماء بأركانها الأربعة الحرية والواجب والقوة والنظام ، نحن لنا من هذه الناحية وجهة دينية يجب أن نفهمها ) ولكنه كان يؤكّد ويصر على أن هذا لا يعني إلغاء الأديان السماوية من المجتمع ويترك الحرية حرية الإيمان الديني لكل فرد بأن يؤمن بما يشاء بما يخص خلاصه ما بعد الموت ، أما في الشأن الاجتماعي فيريد إقامة نظام قائم على الأخوة المجتمعية بانتماء قومي أساسه وعي الأمة لذاتها قائم على حياة المجتمع ووحدته الكلية ، ورغم ما في هذه الأفكار من خيال وطوباية فقد حقق ذلك سعادة داخل تنظيمه الحزبي ، الذي ضم شبانا مخلصين من كافة الطوائف الدينية ومن كافة الأعراق المختلفة في بلاد الشام وجعل منهم أنموذجا واقعيا حيا لأفكاره الطوباية .
رميت من كل هذا الشرح والتفصيل أن أوضح سبب محاربة سعادة لكل ما يدعو للطائفية أو الفئوية داخل المجتمع السوري . . وقد كتب كتابا يرد فيه على الفكر الفئوي ويحمل عنوانا ( الانعزالية أفلست ) في لبنان ومن تلك الأيام المبكرة استشرف أن انتصار الانعزالية الطائفية في لبنان ستكون كارثة على الكيان اللبناني وعلى محيطه القومي ومن يومها قال سعادة ليس لهؤلاء في النهاية سوى الارتماء في حضن الصهيونية التي تسعى لتجميع اليهود في فلسطين
( قبل أن يكون للصهيونية دولة ) وهذا ما حصل إبان الحرب الأهلية بشكل غير قابل للشك وباعتراف من قادة بعض التنظيمات القائمة على فكر عزل لبنان عن سوريته ( حسب سعادة ) وعن عروبته وما يتبع . .
إذن كان كتابه ( الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية ) كتابا برهن فيه أن الدين المسيحي والدين المحمدي دينان لهما أصل واحد هو التوحيد وما التباين الموجود بينهما سوى تباين حضاري في البيئتين اللتين نزل بهما كل دين فالمسيحية كانت في سوريا حيث لا حاجة للتشريع بسبب وجود الدولة المدنية وما سبقها من تطور حضاري على الصعيد السياسي والقانوني بينما المحمدية في وسط الجزيرة العربية ذات البيئة الصحراوية والموزعة على قبائل تتنازع على عصبيات قبلية ولا دولة مركزية لها اقتضت أن تكون تلبية لحاجة سكان تلك البيئة من التشريع وما تلاه من تعاليم تفقه المجتمع حتى مبادئ النظافة ومختلف شؤون الحياة التي لا تخفى على أحد . .
ولكن سعادة لم يكتب لتقليل شأن الإسلام المحمدي لأنه درسه من الناحية التاريخية وبحيادية عقلانية لا من ناحية رفضه كدين جاء مع الفاتحين العرب بل بالعكس دلل في كتابه على وجهات النظر ذات الأصول الواحدة بين الإنجيل والقرآن وحتى بين القرآن والتوراة ولكنه رغم دراسته المقارنة لعلم الأديان استثنى اليهودية واليهود ( وهو يعترف أنها نشأت في الهلال الخصيب ) إلا أنها بسب من جمودها ووقوفها حائلا في وجه حياة تفاعل المجتمع ( باعتبارها نفسها شعب ” يهوه إله اليهود الخاص ” المختار ) وكل الشعوب حولها أقل من البشر في معتقدهم أقول لهذا السبب اعتبر سعادة أن اليهودية السلفية (وبتنظيمها الصهيونية ) ستكون عثرة في وجه حياة وتفاعل المجتمع الحالي ووحدته الاجتماعية ويقول : عندما يقبل اليهود أن يكونوا جزءا منفعلا في هذا المجتمع ولا يسعون لإقامة ( غيتو ) أو كانتون داخله فلا مشكلة بالأساس معهم ولكنه يشكك في حصول ذلك إلا على مستوى أفراد ولذلك اعتبر الحركة الصهيونية أكبر خطر على سورية كلها وعلى العالم العربي بأسره .
وفي هذا الكتاب الخطير ( على سعادة وعلى حزبه كما حصل فيما بعد ) يقول :
( ما من سوري إلا وهو مؤمن لله رب العالمين منّا من آمن لله بالإنجيل ومنا من آمن لله بالقرآن ومنا من آمن بالله بالحكمة ( الدروز ) وليس لنا من عدو يقاتلنا في ديننا وفي معتقدنا وفي وطننا وحقنا بالوجود سوى اليهود . . فاتقّوا الله واتركوا الحزبيّات الدينية ) …………….

أنطون سعادة
5

بما أن الحديث عن أنطون سعادة مختصر وأود المرور بكل أفكاره كإشارات وعناوين تدل أكثر منها تحيط فإنني أستعجل نفسي للوصول إلى أثر أنطون سعادة في أدب وأدباء عصره وامتداد هذا الأثر إلى كل الأدب العربي لا الأدب المشرقي فحسب وسواء علم الأدباء في العالم العربي ذلك أو لم يعلموا فإنهم يعلمون ويدركون تيارات الشعر خاصة التي انتشرت في الأدب العربي من خلال تلاميذ مدرسة سعادة الشعراء { علي أحمد سعيد واسمه الذي اختار من خلال تأثره بفكر سعادة ( أدونيس ) ، يوسف الخال ، خليل حاوي ، يوسف أبي شقرا ، نذير العظمة ، كمال خير بك واسمه الذي اختار أيضا من خلال تأثره بفكر سعادة ( قدموس ) ، محمد الماغوط ، فؤاد سليمان واسمه الذي اختار من خلال تأثره بفكر سعادة ( تمّوز ) ، محمد يوسف حمود ، وكذلك ما سمّي بالشعراء التمّوزيين } ومن يردفهم في النقد خالدة سعيد التي قدمت أهم شاعرين من شعراء قصيدة النثر ودافعت عن هذا الجنس الشعري بتقديمها النقدي لمحمد الماغوط ، وأنسي الحاج ، ولا ننسى الأديب المسرحي القاص سعيد تقي الدين الذي انضم إلى حزب سعادة بعد إعدامه المأسوي وهو أي سعيد تقي الدين الأديب المهجري الكبير ( كان يعيش في الفيلبين وغيرها من بلاد الساحل الجنوبي الغربي الأفريقي ) ومن الغريب انتماء رجل وهو قريب من الخمسين من العمر وله ما له من الثقافة والخبرة ومن الشهرة ككاتب في المهاجر وكذلك في لبنان والشام وما له من هدوء الحماس الذي يتصف به الشباب عادة ، وكذلك جورج مصروعة صاحب رائعة ( قرطاجة ) هذا عن الجيل الأول ،
وقد يكون اهتمامي لا يسعفني بأن أعرف من أهل الفن الموسيقي والنحت والرسم والفنون جميعا الذين يعتبرون من تلاميذ فكر سعادة ( وبالمصادفة اجتمعت بفنان ونحات سوري عالمي كبير أوائل الثمانينيات اسمه سعيد مخلوف ومن النقاش قال لي أنا أمين بالحزب ( الأمين رتبة شرف لمزايا العضو في الحزب ) . وفي العام الفارط 2008 أيضا أقام الحزب السوري القومي حفل تكريم في مكتبة الأسد في دمشق للفنان والمسرحي السوري الكبير دريد لحّام باعتباره رفيقا انتمى لحزب سعادة عقب ( استشهاد ) سعادة كما يقولون وفي كلمته أثناء التكريم قال أنا ابن هذه النهضة الفكرية الأدبية الفنية حركة سعادة دون أن أكون ممارسا أو ملتزما بالعمل السياسي .
(( ومن الإحصائيات التي قرأتها عن انتشار الحزب السوري القومي الاجتماعي في الشام ( الجمهورية العربية السورية ) أن 55% من طلاب الجمهورية كانوا منتمين إلى هذا الحزب في أوائل خمسينيات القرن الماضي حيث كان حزب البعث العربي الاشتراكي في سنوات تأسيسه الأولى وقرأت أيضا أن مثل هذه النسبة كانت للحزب الشيوعي السوري . .
وليس يهمنا صحة النسبة من عدم صحتها فإنني أذكر هذا لأقول إن نخبا من المجتمع انتمت إلى هذا الحزب في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات حتى أوائل الستينيات إذ تم ضرب وتجميد نشاط الحزب في كل من الشام ولبنان والأردن بسبب الأخطاء الكبرى التي ارتكبت باسم الحزب أو ارتكبتها القيادة الحزبية ومعها المؤامرات الداخلية والخارجية للقضاء على الحزب السوري القومي الاجتماعي بعد أن تم في عام 1949 القضاء على أنطون سعادة ، قطع (رأس الأفعى ) كما سّمى ذلك أعداء الحزب .
وبرأي الكثيرين أن إعدام أنطون سعادة التموزي ( أعدم في 8 تموز1949 ) جعل الشباب ينخرطون في الحزب أفواجا أفواجا ))
ومن الطبيعي أن يكون بين هذه الأفواج من المواهب الكبيرة أمثال من سبق وذكرت من أسماء .
وربما لا يكون مفاجأة للقارئ المغاربي الملم بأخبار المشرق أن أنطون سعادة بدعوته الشمولية فكرا وسياسة وأدبا التي تناولت حياة أمة بكاملها أقول لا يكون مفاجأة إن ذكرت أن أنطون سعادة هو المفكر النهضوي ( كحزب ) الوحيد الذي اهتم بالشعر العامي ووجهه ووجه شعراءه خلال مراحل التزامهم إذ ( كان سعادة منفتحاً بإزاء اللغات التي تعبّر بها الأمة عن روحيتها فيقول : إنّه ضروري أن تتكلّم الأمة لغة واحدة وليس ضروريّا أن تنفرد بهذه اللغة ، على أن أهم ما في اللغة للأمة ـ الأدب ـ الذي تنشئه هذه الأمة لتعبّر عن روحيتها ، ويحفظ روحيتها ، ومثلها العليا ) ( ومن توجيهه انتقد السطحية والتقليد والزجل التقليدي عموما ومنه القرّادي ( نوع من الزجل المرتجل ) والنوع الانحطاطي لأن سعادة ركّز على غنى الفكرة ، وبعد الرؤيااااا ، وليس على مجرد انتاج منظومات ساذجة ( هوبرا خطابية ) تنطوي على تفكير سخيف أو على ( طاقة عقلية محدودة ) باعتبار أن العامية هي من اللهجات التي ” يتخاطب بها أفراد المجتمع ويتفاهمون ، ويتفاعل تفكيرهم ، وتزداد ثروتهم بها ” ” فهي إذن ، كما الفصحى ، وسيلة من وسائل قيام الاجتماع ، وهي أمر حادث ، تحمل أيضا ، ميراثا أدبيا ثقافيا لجماعة من جماعات الأمة ” ويقول في كتابه نشوء الأمم ما معناه :
” فالمهم للأمة في اللغة هو ما تحمله من صور حياتها ، وحاجاتها النفسية والمادية ، وما هو من خصوصياتها ، لا أشكال ألفاظها القاموسيّة ”
وقد برز في الشعر الذي سمّي في لبنان والشام ( الشعر باللغة المحكية أو الشعر باللغة الدارجة ) شعراء كبار منهم الشاعر إيليا أبي شديد والشاعر عجاج المهتار والشاعرة الرائدة حنينة ضاهر والشاعر وليم صعب والشاعر أديب الحداد والشاعر خطّار أبو ابراهيم والشاعر يوسف روحانا وربما من المفاجأة أيضا أن أقول الشاعر خليل حاوي نفسه شاعر الفصحى الكبير ومن بعد هؤلاء توالت المواهب في الشعر باللغة الدارجة حتى عمت لبنان وليس من الضروري أن يكون الشاعر منخرطا في حزب ( سعادة ) ولكنه امتداد لهذه الرؤيا وتلك الأفكار ولعل أهم ما نتج وأعظم عن تلك الرؤى هو في نتاج الأخوين رحباني مسرحا وشعرا مع الفنانة الخالدة فيروز .
وظل الفكر ينبعث بشعراء ولدوا في مدرسة سعادة أو تأثروا بها ومن أولئك شاعر المحكية الكبير طلال حيدر الذي يقر بانتمائه للحزب واستمرار حمله لأفكاره ، وكذلك في شعراء آخرين أقل شهرة وانتشارا ولكنهم رفدوا الشعر العامي والفصيح بأروع القصائد .
[ في الشام ( سورية الحالية ) ظل الشعر العامي يسير على استحياء بسبب من مركزية دمشق ومحافظتها وقوة تيار الفصحى فيها واعتبار الشعر العامي شعرا شعبيا ليس أدبا ولم يعترف به في أي مكان رسمي إعلاما كان أو مركّبا ثقافيا ، وما يزال إلى الآن غير معترف به وقد صدر قبل شهرين قرارا من وزارة الثقافة يمنع أي مركز ثقافي وأي هيئة تابعة لها في الجمهورية العربية السورية من دعوة أو السماح أو استقبال أي شاعر باللغة الدارجة حفاظا على اللغة العربية اللغة القومية العربية ] [ أما في لبنان بالعكس تماما فقد اعتمدت من سنوات قريبة وزارة التربية والتعليم الشعر العامي في المقررات الدراسية فضلا عن وزارتي الثقافة والإعلام ]
وقبل أن أنهي هذه الإضاءات أود لفت الانتباه إلى أن الشعراء سواء منهم شعراء الفصحى الكبار أو شعراء اللغة الدارجة بدأو مع أنطون سعادة كتأسيس وهو القائل : ” إن الحافز الروحي الذي ولدته هذه النهضة قد حرك عوامل الحياة والارتقاء في جماعات كثيرة وأيقظ وجدان ألوف الأحداث والطلبة في طول البلاد وعرضها ” وقال : ” سيجيء دور الانتاج الأدبي والفني الواسع الذي ينهض بالعصر الذي ابتدأ ، تاركا في الحضيض العصر الذي أخذه النزع ، وقد جاء بالفعل هذا الدور ، وقد بدت طلائعه في عدة مؤلفات ذات قيمة ”
( ولعل سعادة وقتها كان يحلم أو يستشرف المستقبل لأن هذا الكلام كتبه عام 1942-1941 وكانت بوادر تبشير بأدب جديد فقط إذ كانت المؤلفات لا تتجاوز بضعة كتب )
قصدت أن الشعراء وخاصة شعراء الفصحى ( معظمهم ) بدأوا مع سعادة وتأثروا بأفكاره الحداثية الشعرية النقدية الأدبية ولكن بعد موته انفكّوا من الارتباط الحزبي السياسي ، منهم بعد موته مباشرة ومنهم في أواخر الخمسينيات وصرحوا بالصحف بأنهم لم يعد لهم أية علاقة بالحزب السوري القومي الاجتماعي ومنهم من أعلنوا أيضا خروجهم على فكر سعادة القومي الاجتماعي واختاروا ( الفردية ) مذهبا ليصير كل منهم أمة وحده ومدرسة في تنظيراته وشعره ومن أهمهم أدونيس ويوسف الخال كمنظرين وشاعرين وأما بقية الشعراء فانفكوا والتزموا الشعر بما أضافوه لأنفسهم من ثقافة عالمية سواء من دراستهم وإقامتهم في أميركا كيوسف الخال وفي بريطانيا كخليل حاوي ومنهم من خلال لغات أجادوها كأدونيس على سبيل المثال لا الحصر ، وبالرغم من هذا الإعلان فإن قارئ بيان مجلة شعر الأول الذي صاغه يوسف الخال ( الخارج المتبرئ ) فإن قارئه يلمس وبوضوح لا يخفى أثر أنطون سعادة على أفكار البيان وكذلك ما كتبوه فيما بعد أثناء مساجلات مجلة شعر مع التيارات الأخرى في لبنان والشام ومصر ، ولعل أدونيس هو الذي يعترف ولو كل عشر سنوات مرة ” بأنه مدين بشعره ورؤاه وانطلاقته لأنطون سعادة ” كما اعترف أدونيس غير مرة ( بأن كتاب ” الصراع الفكري في الأدب السوري ” هو الذي كان صاحب الأثر الأول في أفكاره وفي توجهه الشعري وأثّر تأثيرا كاملا في جيل كامل من الشعراء ) وطالما كرر أنه يثني على الحزب السوري القومي الاجتماعي معتزا بانتمائه إليه ، عبر ثنائه على أفكاره وعلى الأفق الذي تأسس فيه ” في كتابه [أدونيس: ها أنت أيها الوقت ]
ولعلي لا أبالغ إذ أقول ( برأيي الشخصي ) إنهم فهموا سعادة أكثر ممن بقي ملتزما في حزب سعادة وأغلق عليه بابه ، فسعادة هو من قال : ( القواعد وضعت للانطلاق لا للقعود والتقعيد ) لذا أرى في هؤلاء الشعراء ( الخارجين ) وفاء أكثر للنهضة وأفكارها على الصعيد الفكري والأدبي على مفهوم مبدأ الحياة ” مبدأ التطور الطبيعي ” وسعادة ذاته خرج على نفسه وطور فكره العروبي والوحدوي وكذلك فكره بما يخص العدالة الاجتماعية من حيث المفهوم الاقتصادي . . لأن المؤسسة الحزبية بكثير من كتابها ومفكريها أدانت خروج هؤلاء الشعراء وتبرأت منهم ومن أفكارهم وشعرهم لا بل حاربوهم أيضا :
ولعل أدونيس لخّص هذا بإجابته عن سؤال سألته إياه الإعلامية ( جيزيل خوري) : لماذا تركت الحزب السوري القومي الاجتماعي ؟
أجاب :
دخلت الحزب حين كان نهضة ، حركة ، ولما تحوّل إلى مؤسسة لم أعد أجد نفسي فيه فتركته . . .
وبما أن أدونيس وغيره من هؤلاء الشعراء كتبوا في أوائل كتاباتهم شعرا مباشرا يعكس فهما بسيطا ساذجا لنظريات سعادة ، فقد ألغوها فيما بعد من دواوينهم ، أو غيروا في تلك القصائد ، أو ألغوا مقاطع مباشرة منها ، ولكن ما ألغوه أولئك الشعراء ألغوه في طبعات تلت خروجهم من الحزب ، إلا أن مجلات الحزب وما طبع في تلك المرحلة من مجموعات شعرية موجود ومتداول بين أفراد ومؤسسات الحزب ، ويمكن لأي باحث بسهولة أن يعود إليها ، فهل يستطيع شاعر أن يلغي ويزيل ما نشر في فترة من حياته الشعرية وخاصة أنه نشر في مجلات وفي دواوين ، فما النقص في ذلك ، وهو للتاريخ ليس إلا ، إذ لا يحكم على شاعر من خلال جزئية قليلة من مسيرته الشعرية ، وأرجو أن لا أغضب أحدا لو تناولت شعر الشعراء في تلك المرحلة كشعر مرحلي في الرؤية الشعرية للشاعر ، وإن وضع الشاعر فيما بعد على غلاف دواوينه ( ملاحظة : صيغة نهائية ) و ( كل ما لم ينشره في هذا الديوان لا يعترف به ) . . .

أنطون سعادة
6

الشاعر ليس مرآة بل منارة

أنطون سعادة تأثّر خطى من سبقه من الأدباء المهجريين المجددين ، أمين الريحاني ، ميخائيل نعيمة ، جبران خليل جبران ، وأعتقد أن تأثر سعادة كان بجبران هو الأهم والأكبر فهو يعتبره رائدا ومجددا في الأدب بل أديبا قوميا اجتماعيا مدرحيّ الفلسفة ، ونلمس هذا التأثر في أدب سعادة قبل تأسيس الحزب وهو في ريعان شبابه المبكر حيث كتب مقالات وجدانية فيها تلك النفحات الشعرية الإبداعية مثل مقاله في مجلة المجلة التي كان يصدرها والده الدكتور خليل سعادة في البرازيل الذي أسماه ـ شعر منثور _ ( ذكرى الوطن والأهل)
وكذلك في بعض من وجهات نظره النقدية المبكرة واللاحقة ، ولا ننسى أن الرابطة القلمية في أميركا الشمالية والتي عمت في مفاهيمها العالم العربي كانت تأسست في عشرينات القرن الماضي من عدة أدباء منسجمين في نظرة متقاربة للأدب وإعلانها منذ بدءها : ( أن الأدب رسول ، وليس معرضا للأزياء ، وأنه إفصاح عن عوامل الحياة كلها إلخ ….. ) وكان لتلك الرابطة الفضل الأول برأيي على تحرير الشعر العربي كله من تقاليده المتحجرة وضيق أفقه ومن أساليب القدماء وتفكيرهم وشعورهم . . وبما أن سعادة عاش سنوات مع والده في البرازيل ما بين العشرينات من القرن العشرين وبعدها من عام 1937 حتى 1947 فمن الطبيعي أن يواكب ذلك التجديد على صعيد الأدب على أيدي رموزه ، وأكرر ما قلته في سابق المقالات أن اطلاعه على نشاطات أبيه الصحافية والروائية والسياسية ، واللغوية ، والعلمية والوطنية ، وإعجابه بها جعلته يتخذ والده ( أولا ) مثالا في حياته الأدبية وغيرها كما كتب الأديب المهجري نواف حردان في كتابه ( سعادة في المهجر ) ولعل إعجاب أنطون بوالده كان له ما يقابله من الوالد الذي عرف نبوغ ابنه منذ طفولته فاعتنى به هذا الاعتناء الخاص عن بقية أولاده وجدير بمن تكون له هذه الصفات وتلك الأجواء في عائلته وفي الوطن وفي المهجر أن تتكوّن لديه هذه العناصر الداخلية المحفّزة وتحركه في اتجاه تحقيق ( عظمته ) كما أرادها أبوه حيث يروي الأديب نواف حردان وصية أوصاه بها أبوه : ( إنك لرجل عظيم ، وإذا حاول العالم حولك ، أن يحجب عظمتك عن الأبصار ، فاضحك منه كما تضحك الشمس ممن يحاول حجبها بكفيه ) .
ومن البديهي أن يكون تكاملا في الرؤية بينه وبين والده ، إلا أن سعادة الإبن وبشهادات من عرف الاثنين معا كان أكثر انفتاحا على الثقافات العالمية ، فنّا وموسيقى ، وأدبا وعلما ، وفلسفة ، وبلغات عدة كما أسلفت .
وسأضع للقارئ مقتطفات من كتاب سعادة ( الصراع الفكري في الأدب السوري)
ومن مقالاته في الشأن الأدبي والفني ليكون الاطلاع مباشرة على أبرز ما اراه في حركة التجديد التي نهل منها وأضاف عليها ومن ثم تلته على يد شعراء مجلة شعر وكما أسلفت منها ما كان ردا على حالة الفوضى والتشويش الحاصلة في الشعر والأدب العربي لدى بعض أهم النقاد في زمنه :
يقول :
1ـ ( الأديب والشاعر والممثل هم أبناء بيئاتهم ويتأثرون بها تأثرا كبيرا ويتأثرون بالحالة الراهنة الاجتماعية-الاقتصادية-الروحية ، والفنان المبدع والفيلسوف هما اللذان لهما القدرة على الانفلات من الزمان والمكان وتخطيط حياة جديدة ورسم مثل عليا بديعة لأمة بأسرها ، ولا يقدر على ذلك الأديب الذي وقف عند حد الأدب والصور الجزئية التي تشتمل عليها صناعته ، والشاعر الذي هو(مرآة الجماعات ) أو (مرآة عصره ) كما يقول محمد حسين هيكل وغيره لا يقدر أن ينهض بالشعر أو بالأدب ، لأن هذا النهوض يعني ضمنا : النهوض بالحياة وبالنظر إلى الحياة ، والشاعر الذي شأنه عكس حالة جماعته أو عصره كالمرآة ليس بالمرء الذي ينتظر منه إيجاد حالة جديدة لشعبه أو لعصره ، فهذا شأن الفيلسوف ، الفنان ، القائد ، الذي يقدر أن يخطط تاريخا جديدا لأمته ويضع قواعد عصر جديد لشعبه وله أن يكون أديبا شاعرا وليس عليه أن يكون ذلك ، إن من الظلم للشاعر أن يطلب منه تمثيل عصره أو جماعته تمثيل المؤرخ والعالم الاجتماعي ، فكلام الريحاني وخليل مطران وحسين هيكل ( حيث كتبوا بهذا ) هو ظلم للشعراء وتكليف لهم أن يكونوا غير ما هم . وقد يكون في شعر الشعراء ما يستدل به على حالة عصورهم والأفكار والاعتقادات الشائعة فيه ولكنه ليس حتميا أن يدرس الشاعر عصره حين يحاول نظم قصيدة في فكرة أو في عاطفة أو منقبة أو حادث ، إن قصائد الشاعر التي ينظمها غير مفكر بعصره أو بغيره من العصور هي التي يغلب أن تجيء أكثر انطباقا على حالة عصره وأدبه ، ولذلك قلت إن شعراءنا يمثلون عصرنا تمثيلا صادقا ، وأعني بعصرنا العصر الذي تعيش فيه سورية وليس العصر الذي تعيش فيه بريطانيا أو ألمانية أو فرنسا أو روسية وفي رأيي أن عصر سورية الحاضر هو غير عصر هذه الأمم الحاضر وإن كان الزمان واحدا ، فحالة سورية الاجتماعية-السياسية-النفسية تختلف عن حالة الأمم المذكورة فكأنها تعيش في عصر غير عصر تلك الأمم ، ولذلك لم يمكن أن يكون نتاج شعرائها مطابقا لعصر أرقى الأمم الأوربية ، التي خلفت وراءها ثورات عظيمة في الاجتماع والاقتصاد والسياسة وفي العلم وفي الفلسفة ، بينما سورية تتخبط في دياجير تاريخها الأخير الفاجع ، وقد نسيت فلسفات أساطيرها .. وثوراتها الحضارية الغابرة ،
يتابع :
سبق لي أن قلت في مكان آخر إن الشاعر في عرفي هو الذي يُعنى بإبراز أسمى وأجمل ما في كل حيز من فكر أو شعور أو مادة ، وأزيد هنا أني أرى من أهم خصائص الشعر إبراز الشعور والعاطفة والإحساس في كل فكر أو في كل قضية تشمل عناصر النفس ، وإعطاء الشعور والإحساس والعواطف صورا مجازية أو خيالية ، عناصرها القوة والجمال والسمو مع عدم مفارقة الحقيقة والغرض الإنساني ، وأكرر القول إن الشعر ليس الفكر بعينه ، من غير حرمان الشاعر حق إبداء الأفكار الكلية أو الجزئية كلما شاء وأمكنه ذلك . )
2 ـ ( ليس الشعر في عرفي مجرد شعور ، _ كما قال الشاعر شفيق معلوف _ إني أرى الشعر أو على الأقل الشعر المثالي الأسمى شديد الاتصال بالفكر وإن يكن الشعور عامله الأساسي أو غرضه ، لأن الشعور الإنساني ذاته متصل بالفكر اتصالا وثيقا في المركّب العجيب الذي نسميه النفس . )
3 ـ ( الشعر أضيق مجالا من الموسيقى للتعبير عما تشمله النفس الإنسانية من فكر وتصورات وشعور ومنازع ، ومن قال بالموسيقى وفائدتها جعل الشعر نفسه بالمشابهة أضيق مجالا وأقرب قعرا مما هو أو مما يمكن أن يكون ، بعد أن تنجلي لنفس الشاعر نظرة أعلى في الحياة الفردية والحياة الاجتماعية ومطالب أسمى لجمال النفس وإحساس أدق بأغراض الوجود وجوهره المستقر في النفس ضمن الوجود وليس بعد الوجود ولا قبله ، فإني أعتقد بطبيعتي السورية أن كيان النفس هو في الوجود ولأجل الوجود ، مهما كانت طبيعة هذا الوجود في ذاته ، ومهما كانت علته وليس لأجل ” الفناء ” في ” وحدة الوجود ” ” ردا على ميخائيل نعيمة ”
يتابع :
لا أعتقد أن بلوغ هذه المرتبة يتم للشاعر السوري أو غيره بقراءة سفر إشعيا من التوراة اليهودية ( ردا على مقالة لأحد النقاد ) ولا بتقوية الاتصال ” بالأدب القديم ” الذي هو تعبير غامض في ذاته ، ولا بإحسان الآداب الأجنبية القديمة التي أوجدت الأدب الأجنبي الحديث ، ولا بتوشية الكتب وإتقان الطباعة ! بل بالاتصال بمجرى حياة يجد فيها الشاعر نفسه ونفس أمته ومجتمعه وحقيقة طبيعته وطبيعة جنسه ومواهبهما ، وبإدراك عميق النظرة إلى الحياة والكون والفن الملازمة لهذا المجرى )
4 ـ ( أليس في قرطاجة العظيمة وأساطيرها وحوادث تاريخها الموقظة للشعور والمنبهة للفكر ما يمكن استخراجه من المثل العليا الفرعية والتفصيلية الجوهرية في الأخلاق والمناقب وإبراز أجمل المظاهر النفسية وأسنى المواقف المناقبية حسب الإحساس والتصور الملازمين لخصائصنا النفسية . ؟)
5 ـ ( قد يسأل سائل : ” هل من الضروري أن يكون التجديد الأدبي خاصا بمواضيع أمة معيّنة فإذا تناول غيرها بطل أن يكون تجديدا وفقد قيمته الأدبية ؟
جوابي : كلا ليس من الضروري ، فالقيمة الأدبية أو الفنية ليست في هويّة أو ” جنسية ” الموضوع ، بل في القضايا التي ينطوي عليها الموضوع ، وفي كيفية معالجة القضايا ، وفي النتائج الروحية الحاصلة من هذه المعالجة . أما ذاتية الموضوع وزمانه ومكانه فلها ناحية شعورية خاصة وتقل أهميتها أو تعظم على نسبة الغرض الخفي أو المعلن الذي يسوق الموضوع إليه ، على أن الاتجاهات الفكرية والشعورية تتأثر بالموضوع ، الذي إذا كان خاصا ” ” تعرّض لفقد كل مبرر عام ولأن يكون مخالفا أو مناقضا للمثل العليا التي يبغيها الشعب المكتوب له الموضوع وللخطط النفسية التي تبرز بها مواهبه الجديرة بالإعجاب والبقاء.)
6 ـ ( إن الاعتماد على المواضيع الغربية لا ينشئ أدبا شخصيا لمجتمع له خصائصه التي يمكن أن تضاف إلى مجموعة الآداب العالمية ووحدات خصائصها ، إنه ليبرر تناول بعض المواضيع الأجنبية بعد نشوء الأدب القومي أو الخاص على نظرة إلى الحياة والكون والفن واضحة . فيكون تناول تلك المواضيع بهذه النظرة أو بهذا الوعي الذي له خصائصه فيكسبها من خصائصه ما يضيف إليه ألوانا وأشكالا متميزة ، وفي هذه الحالة يجب أن تكون تلك المواضيع ذات أهمية خارقة ، تاريخية أو حقوقية أو إنسانية ، قابلة الاشتراك بين الشعوب أو بين بعضها ، فشلر ” شاعر ألماني ” ألف ” عذراء أرليانس :أرليان: في جان دارك ولكن ليست هذه الرواية الانتاج الذي أعطى شلر مقامه الأدبي ، إن أهم ما كتب شلر على رأي جمهوره ونقاده ، هو ” حرب الثلاثين سنة ” في الحرب الشديدة التي جرت في ألمانيا بين الكاثوليك والبروتسطنت فالموضوع ألماني صميم وقد كتب فيه شلر نثرا ونظم فيه ملحمتين عاليتين جدا )
7 ـ ( كم أرى من قصائد صورها الشعرية رائعة ولكن تصورها المثالي فطري ساذج ويمكن نعتها بالجاهلي أو الوحشي فالحب يُصور على أنه نزعة بيولوجية بكل ما فيها من ميول وأشواق جسدية ، لا غاية نفسية مثالية تتخذ من الغرض البيولوجي سلما لبلوغ ذروة مثالها الأعلى حيث تنعتق النفس من قيود حاجة بقاء النوع ولذائذ أغراضه ، ويشاد بناء نفسي شامخ لحياة أجود ، وحيث يصير مطلب السعادة الإنسانية الاجتماعية الكبرى ، فيكون الحب اتحاد نفوس ، ولا يكون اعتناق الأجساد غير واسطة لتعانق النفوس المصممة على الوقوف معا والسقوط معا من أجل تحقيق المطلب الأعلى ، في جهاد ضد الفساد والرذائل ولنصرة الحق الكلي والعدل الكلي والجمال الكلي والحب الكلي ولرفض اللذات غاية في ذاتها )
8 ـ ( إننا بحاجة إلى التجديد الأدبي ليس لمجرد التجديد وتغيير الأساليب وإظهار أشباح جديدة ، بل للوصول إلى التعبير عن نظرة إلى الحياة والكون والفن جديدة )
9 ـ ( إن الأدب الذي له قيمة في حياة الأمة وفي العالم ، هو الأدب الذي يُعنى بقضايا الفكر والشعور الكبرى ، في نظرة إلى الحياة والكون والفن عالية أصيلة ممتازة لها خصائص شخصيتها )
10 ـ القاعدة الذهبية التي لا يصلح غيرها للنهوض بالحياة والأدب هي هذه القاعدة : طلب الحقيقة الأساسية الكبرى لحياة أجود في عالم أجمل وقيم أعلى . ولا فرق بين أن تكون هذه الحقيقة ابتكارك أو ابتكاري أو ابتكار غيرك وغيري ، لأن الغرض يجب أن يكون الحقيقة الأساسية المذكورة وليس الاتجاه السلبي الذي تقرره الرغائب الفردية الخصوصية الاستبدادية )
11 ـ ( إذ ليس الشاعر في عرفي من ضج له الجيل الواحد حتى إذا تبدلت الأوضاع واختلفت الأحوال تناسته من بعده الأجيال )
ويلخص الدكتور ربيعة أبي فاضل في كتابه ( أثر سعادة في أدباء عصره ) بشبيه ما اقتطفت من سعادة مضيفا طروحات أخرى للتجديد حسب سعادة منها :
أ – ضرورة امتلاك نظرة فلسفية تاريخية تمنح الأدب عمقا لا بد منه
ب _ أهمية العودة إلى الأساطير السورية ـ ( بما فيها امتداها الطبيعي في حضارة قرطاجة ) ـ وفلسفاتها وثوراتها التي أضاءت العالم ( كاختراع الأحرف الهجائية في أوغاريت ) ( وإنشاء الشرائع التمدنية الأولى ( حمورابي ) ، واحتواء تراث خالد لـ زينون وبار صليبي ويوحنا فم الذهب وأفرام ، والمعري العظيم ، والكواكبي وجبران .
ج ـ وضع جبران خليل جبران مثالا في مسألة التجديد وحث على بعث الإبداع للتخطي والتجاوز فالشاعر ليس مرآة بل منارة .
د ـ النزعة الفردية في الأدب خطر على النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن لأنه يعتبر أي سعادة أن النفسيات العتيقة الجامدة والروحية العتيقة تسعى إلى الولع بالخلود أو جنون العظمة وهذا الجنون هو ذروة الفردية .
وفي نهاية هذا المنقول لحضرات القراء أختم بقول سعادة :
(( الأدباء الذين طالعوا كثيرا من الأدب ولكنهم لم يختبروا شؤون النفس الإنسانية وأنواع الحياة الراقية ، لا يمكنهم أن يوقّعوا أنغاما مبتكرة ( جديدة ) تسترعي أسماعنا ، وتملك قلوبنا ، بل هم يندفعون في تكرار اللحن القديم ، لذلك كل أدب لا يعرف الحياة لا يحيا . . .
وقال : ذاك هو أدب الكتب ونحن نريد بعث أدب الحياة . . )

أنطون سعادة
7

لم أكن قد سمعت شيئا عن أنطون سعادة ، وكنت يافعا لكوني من قرية مغفلة بعيدة عن الثقافة وعن السياسة كما اعتقدت فضلا عن الخوف آنذاك حيث كان محرّما نشاط الحزب وبخاصة أن المرحوم الرئيس السوري حافظ الأسد افتتح عهده بالقول في أحد خطاباته :
( لا حياة في هذا البلد للحزب القومي السوري )
( عرفت فيما بعد أن الحزب في أوج امتداده في الخمسينات كان يضم أعضاء من قريتنا ولكنهم قلّة ) وبعد ضرب الحزب في عام 1955 على أثر اغتيال المرحوم عدنان المالكي نائب رئيس الأركان السوري الذي اتهم به عناصر من الحزب القومي والتنكيل الذي حصل بكل القوميين في الشام الذين عرفتهم أجهزة الأمن حينها بقيت أسماء يبدو أنها كانت جديدة دون علم الأمن آنذاك ومنها قريتنا ، وبرأيي أيضا أن انتشار الحزب كان فاعلا في الأوساط المسيحية والأقليات الإسلامية من غير السنّة أكثر منه في الأكثرية السنّية . . وقريتنا تعتبر من ريف دمشق ذي الأكثرية السنّية .
أما في منطقة حمص كالسلمية ذات الأكثرية الإسماعيلية و ” وادي النصارى ” (المسمى حاليا وادي النضارة ) ومنطقة اللاذقية وجبال العلويين فكان الحزب يشمل قرى بكاملها ورغم مرسوم الحكومة السورية بحل الحزب ظل نشاطه السرّي في تلك المجتمعات وكأن الحزب ما زال موجودا . .
أدونيس من محافظة اللاذقية ومن منطقة جبلة بالذات من قرية قصّابين نشأ شابا فقيرا موهوبا وقصته الأولى كشاعر معروفة جيدا لكل من اطلع على بعض مقالاته ، انتمى أدونيس للحزب في أواسط الأربعينات من القرن المنصرم وقيل إن سعادة اعتنى به عناية خاصة لأنه رأى فيه شاعرا متمردا وموهوبا ورأى سعادة أن الشاعر أدونيس أيضا كان يميل للفلسفة والتجديد وسيفيد منه الحزب وخاصة في رؤية سعادة التجديدية للأدب والشعر بشكل خاص وهناك من يقول إن سعادة هو من أطلق لقب أدونيس على الشاعر الشاب الناشئ ( علي أحمد سعيد ) ولكن أدونيس نفى هذا فيما كتب ، قائلا إنه هو من أطلق على نفسه اللقب نظرا لأنه قرأ الأساطير السورية متأثرا بدعوة سعادة الذي دعى إلى إحيائها . . بوصل النفسية السورية المعاصرة بماضيها الأصيل ( الأساطير ) الذي انقطعت عنه بفعل الفتوحات والسيطرات القديمة للفرس والرومان التي تعاقبت على الأمة حتى كادت الأمة أن تفقد شخصيتها الحقيقية كما يقول سعادة ( وخاصة بالفتح العربي والدين الجديد وانتصار لغته على السريانية الآرامية ) إذ بعد أن صارت هذه اللغة ( لغة الأمة فعلينا ألا نحاربها ) كما سرى في الدعوات الفينيقية ( الدعوة للعامية اللبنانية وإحلالها مكان الفصيحة ) بل اعتبر سعادة اللغة العربية خزانة النفسية السورية ، ولكن عليها أي اللغة أن تكون خادمة للأمة لا الأمة خادمة لها وأن تعبر بهذه اللغة عن نفسيتها ومثلها العليا لا أن تبقى الأمة التي غاب عنها أدبها الأساطيري القديم تدور في فلك ما حمله العرب من آدابهم وشعرهم إلى سورية ( الهلال الخصيب ) لنقرأ تقليدا للنفسية العربية ( عرب الجزيرة العربية ) في نظرتهم للحب المادي ولأشياء حياتهم ومسمياتها فنكتب تقليدا وكأن القول الذي قاله الصاحب بن عباد حقيقة مستمرة حين قرأ كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي وهو يعتقد أنه يحمل جديدا :
( هذه بضاعتنا ردّت إلينا )
لذلك أنطون سعادة ” رغم مثاليته ومناقبيته العالية ونفَسه الرسولي ” أعجب بالشاعر العباسي الماجن أبي نواس وعدّه مثالا للتجديد وخارجا على أدب الشعر العربي الجاهلي الذي كان مثالا محتذى عند الشعراء عندما سخر أبو نواس من كليشيهات الشعر العربي القديم القادم مع العرب المليء بالتحسر والتلهف والنواح والندب على الأطلال بضربه بأبي نواس مثالا في الانتماء إلى بيئة المدينة المختلفة عن بيئة الشاعر الجاهلي حين سخر أبو نواس بأسلوبه المجوني البديع :
قل لمن يبكي على رسم درس
واقفا ما ضرّ لو كان جلـس
وبمثال آخر :
عاج الشقي على رسم يسائلهُ
وعجت أسأل عن خمّارة البلد ِ
ويقول سعادة ( استيقظ أبو نواس لهذه الحقيقة ووجد في البكاء والندب وسؤال الطلول عجزا مضحكا فقال شعره الذي سبق به كل ” دعاة التجديد ” من أدباء اليوم وأدباء العصر الحاضر ،، مع كل اجتهادهم ،، لم يتجاوزوا موقف أبي نواس من العويل والانتحاب على الطلول وعلى العهود إلا قليلا . )
أليس في هذا دليل لمن قرأ بعض تنظيرات أدونيس على أن أدونيس بحكم الاختصاص من هنا كانت انطلاقاته وهذا لا يشين الشاعر وأكثر من ذلك فأدونيس كما عرفنا فك ارتباطه بالحزب ولكنه لم يقل يوما أنه افتك من سعادة
( فكرا ) وتأثرا كما يمكن أن نقول مثلا عن المفكر جلال صادق العظم الذي انتمى للحزب القومي ولكنه كان مرورا عابرا ترك في صادق العظم النظرة العلمانية ونأى بها عن خط سعادة . . .
أما أدونيس فأعتقد أنه تجذّر حتى الأعماق بفكر سعادة التجديدي الأدبي ومع هذا التجذر حين شاء أدونيس أن يتحرر من سعادة ( برأيي ومتابعتي ) تحرر فقط من الكاريزما الهائلة التي كانت لسعادة في حياته على تلاميذه ( والتي لا تفسير لها) كما يقول هشام شرابي بعد رحيل سعادة إلى الحق . .
وبرأيي أيضا أن أدونيس كشاعر ومن الناحية الاجتماعية لفكر سعادة كان غير منسجم كليا وبخاصة فكر سعادة الذي يقول بأسبقية المجتمع على الفرد وأدونيس كشاعر له تلك الفردية التي يعتز بها ( ككل شاعر مجيد ) ويعتبرها وجوده فمن الطبيعي جدا أن يتحلل من هذا الانتماء حتى ولو بقي سعادة حيا . .
وأيضا من يعرف أدونيس وتصريحاته حين يسأل عن انتمائه فيرد قائلا :
” أنا ابن اللغة ”
ولو راجعنا هذه الهوية التي يتخذها أدونيس فنجد أنها هوية اللغة التي قال بها سعادة أي اللغة التي وجدت للإنسان ولم يوجد الإنسان للغة كما هو معروف في الفكر الديني السلفي بالنظر للغة العربية على أنها لغة أهل الجنة ولغة القرآن ولغة موقوفة وما إلى ذلك مما هو معروف . .
وهذا الفكر الذي يقول بانتماء اللغة لنفسية الأمة وفيها تعبر عن حقيقتها غير الفكر الذي يعتبر أن اللغة أساس ومقوّم وجود الأمة وعليه إذا كتب أن يكتب لللغة كما نرى وما زلنا نرى من آداب ( شعر ) الشعراء العرب في أكثرياته ينتمي للغة العربية في أصولها البيئية ( بيئة العربي ساكن العربة القديم ) أكثر منه ينتمي للبيئة التي تدور حياته وتفاعله في هويتها النفسية ـ الوجودية ـ الحياتية . . إلا من تنبّه ووعى ذلك من الشعراء العرب وهم قلّة من الحداثيين في المغرب والمشرق .
وعليه ما زال سائق الأضعان موجودا وحادي العيس أندلسيا وإحباط الناقة في نفس كل شاعر وربما وذْمتُها أيضا
( ومن الطرائف يدرّس الطب في الجامعة السورية الرسمية باللغة العربية منذ الخمسينات بعد أن تدخّل مجمع اللغة العربية في دمشق بتعريب المصطلحات الطبية الغربية ونجد أن تلك المصطلحات تنتمي للبعير والناقة بكلياتها ، فالطفل الذي يولد برجل مجموعة القدم ملتوية على نفسها تسمى في مصطلح الطب السوري :
،، قفداء روحاء ،، مثلا ولا حصر لتلك التسميات الناقوية أو البعيرية )
وأدونيس فيما صاره فيما بعد هو الابن المولود في كنف سعادة التجديدي لغة وشعرا ولقد تجاوز أدونيس سعادة كما أسلفت سابقا وله ذلك وفي هذا قول لسعادة يخاطب تلاميذه : أنتم المستقبل ولا يجوز أن يكون المستقبل كالماضي ، ولقد كتب هشام شرابي في كتابه المعروف ” صور الماضي : سيرة ذاتية ” :
(( أسلوب سعادة في الكلام يلفت النظر بخلوّه من من الكليشيهات والتعابير المألوفة ، يتكلم اللغة الفصحى بطلاقة ويستعملها مع العاميّة للتأثير في سامعيه ورغم أن عربيته الفصحى كانت أصيلة بتعابيرها إلا أنها لم تكن عربية بالمعنى المألوف ، كانت لغة جديدة فذّة لا في مضمونها فحسب بل أيضا في مفرداتها وفي أسلوب تركيبها . . كانت لغة عربية حديثة . . . في البداية ظننته أجنبيا يتقن العربية أكثر من أهلها ، لكني الآن أعتقد أن أسلوبه كان ذلك الأسلوب الدقيق الأنيق الذي يصعب مقارنته بأسلوب أحد من معاصريه ))
وكما قال الدكتور ربيعة أبي فاضل :
لا يمكن لي أن أقصد إدانة أدونيس أو غيره من الشعراء الخارجين فهو حر في حياته وفي مسار فكره ومصيره . . . فأدونيس يفصل ما هو ماض عما هو حاضر ومستقبل ويعمد إلى أن يتجاوز ذاته وعالمه وأفكاره باستمرار ولإن الإبداع عند أدونيس ،، تجاوز وتغيير ولإن التخطّي هاجس من هواجسه التجديدية فهو يثني على سعادة ويعي أنه تخطّاه . . .
وأنا أشاطره الرأي بأن أدونيس صار إلى ما أراد هو
وقبل أن أختم حديثي عن أهم تلاميذ سعادة شعريا أقول لقد قرأت رسائل جامعية ودراسات عن أدونيس تلاحق الخلفيات الفكرية والصوفية والفلسفية والعقيدة المذهبية ( العلوية ) لشعر أدونيس بدعوى السرقات أو (التناص كتخفيف ثقافي موديرن لتهمة السرقة ) ووجدتها تغفل علاقته بفكر أنطون سعادة لا كتناص ولا كسرقة ولا كتأثر ولا كتجديد ولا غيره ، وقد تم لي التواصل مع بعض هؤلاء الدارسين ووجدت أنهم يجهلون تماما تلك العلاقة لأدونيس بأنطون سعادة ، ولذلك لم يأتوا على سيرة تلك العلاقة ، يقول الدكتور عادل ضاهر في نفس الكتاب ” الشعر والوجود ” (( بعض الدارسين والنقاد يجهل حتى أن لأدونيس أي علاقة بأنطون سعادة ، أذكر على سبيل المثال محمود أمين العالم الذي أظهر جهلا تامّا لكون أدونيس ارتبط بالحركة القومية الاجتماعية في فترة سابقة من حياته وتأثر إلى حد ما بأفكار أنطون سعادة حول التجديد في الأدب ، ففي مناقشتي لورقة قدمها في المؤتمر العربي الفلسفي الثاني الذي انعقد في الجامعة الأردنية تناول فيها المدارس النقدية في العالم العربي ،، عبت عليه ،، في تناوله لأفكار أدونيس إغفاله لأثر العلاقة المعنية في تكوين أدونيس الشعري ـ الفكري ، فتبين لي من ردّه أن المسألة لم تكن مسألة إغفال من قبله لأثر هذه العلاقة في أدونيس بقدر ما كانت مسألة جهل تام لوجود هذه العلاقة أصلا ))

shaherkhadra@yahoo.com

المراجع :
• د . ميشال سبع ( الأقليات والفكر السياسي السورية القومية )
• د. عادل ضاهر ( المجتمع والإنسان دراسة في فلسفة أنطون سعادة )
• د. ناصيف نصار ( طريق الاستقلال الفلسفي عند العرب )
• أنطون سعادة الأعمال الكاملة
• ساطع الحصري [ العروبة بين دعاتها ومعارضيها
• د. ربيعة أبي فاضل ” أنطون سعادة وأثره في أدباء عصره”
• أنطوان بطرس ” قصة محاكمة أنطون سعادة ”
• جان داية وسلسلة كتبه التحقيقية
• مجلة البناء الدمشقية
• مجلة صباح الخير اللبنانية
• محاضرات سمعتها أو قرأتها لا أذكر أسماء كتابها فقد اعتمدت الذاكرة

شاهر الخضرة
دمشق




التعليقات 3 على “أنطون سعادة مختصرات”

  1. كمال العيادي علق:

    يكفينا فخرا أنّ قلما ومبدعا كبيرا من طينة شاهر خضرة معنا كلّ الوقت
    قلبا وقالبا..
    غدا اسافر إلى تونس وسيكون ملفك بالطبع على مائدة نميمتنا الفاتنة

    محبتي ايها الرائع حدّ الخضرة

  2. شاهر خضرة علق:

    ياه يا كمال لماذا لا حظ لي كم كنت أتمنى لو كنت معكم في
    تونس حيث الأحبة ، حيث آدم فتحي ، وآسيا السخيري
    وحياة الرايس والوليدين الزريبي وسليمان
    وباقي الأحبة
    سلام عليك حيث تحط وحيث طرقت
    وشكرا يا غالي

  3. محمد عثمان علق:

    بتعرفو شو ؟؟

    في كتير أشياء مؤسفة بحياتنا….

    بس بهيك حالة ما بيكفي الاسف ..

    يعني عايشين ما بعرف حقيتنا,مابنعرف نحنا مين و لا حتى عم ندور……..

    وبس يجي أنسان ليطلعنا عليها….. بنبادلو بالرصاص !!!!

    ما عم لاقي كلمة تعبر عن الخزي يلا نحنا فيه…