إدريس ولد القابلة

ملف: المغرب و اليهود و الموساد

إمدادات هذا الكاتب  23 نوفمبر 2005

يتطرق هذا الملف للعلاقات بين المغرب و إسرائيل و الموساد عبر ورقات مستقلة الواحدة عن الأخرى لتمكين القراء من الاطلاع على ما يهمه منها دون فرض عليه قراءة الملف بكامله الذي يحتوي على:
المغرب و الموساد
هجرة اليهود المغاربة إلى “أرض الميعاد”
نشأة العلاقة بين المغرب و الموساد حسب مصادر إسرائيلية
ميكيافيلية علاقة الموساد بدول المغرب العربي نظرة بعين إسرائيلية
نشأة اللوبي الاسرائيلي بالغرب
إسرائيل و المغرب العربي
إختراقات الموساد في المغرب العربي! مرحلة السبعينات
دور يهود المغرب في تأسيس الدولة العبرية !
الحسن الثاني و الهجرة السرية ليهود المغرب الى اسرائيل
محمد حسنين هيكل و ملكي المغرب و الأردن
المخابرات في عهد الحسن الثاني
علاقة المغرب بإسرائيل بعين عبرية
قضية بن بركة و الموساد
محنة اليهود المغارب بأرض الميعاد… شهد شاهد من أهلها
شبكة ” ميسكيري”
حكاية من حكايات هجرة اليهود المغاربة السرية
هجرة اليهود المغاربة كانت ورقة مربحة حقا…
التعاون العسكري
مصالح إسرائيل الاقتصادية بالمغرب
الشركات الاسرائيلية بالمغرب
الاختراق الاسرائيلي للقطاع الفلاحي المغربي
زيارة وزير خارجية إسرائيل للمغرب
إسرائيل تكرم الملك الحسن الثاني
آزولاي ، أكثر الأسماء العبرية ترديدا بالمغرب
أزولاي و أصراف…كالقط مع الفار
اللوبي الصهيوني بالمغرب و اللوبي المغربي بإسرائيل ؟؟؟؟؟

المغرب و الموساد
كل التصريحات و كل ما نشر بخصوص العلاقات المغربية الاسرائيلية أجمعت على أنه منذ فجر الستينات القرن الماضي على الأقل تقوت الارتباط بين المغرب و الموساد. إلا أن هذه العلاقات تكرست مع التعاطي لإشكالية هجرة اليهود المغلربة إلى “أرض الميعاد”. علما أن تدشين هذه العلاقات كانت عندما كان محمد اوفقير الرجل الثاني بالمملكة.
و يحتضن أرشيف الموساد الكثير من الوثائق و التقارير و الصور رصدت بدقة و بالتفاصيل المملة مسار هذه العلاقات على امتداد تاريخها بداية من فجر خمسينات القرن الماضي .
و قد جاء في مقال بعنوان “الحسن مكن الموساد من إنشاء مكتب بالمغرب” بقلم يوسي ميلمان مراسل جريدة “هاريتس” الاسرائيلية، أن الملك الحسن الثاني يعتبر ثاني رئيس عربي، بعد الملك حسين الأردني، الذي قبل بإحداث قنوات لحل مشكل هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل.
فبعد حادثة غرق الباخرة “ايكوز” التي ذهب ضحيتها 42 يهودي مهجر سري من ضمنهم 16 طفلا في سنة 1961 قبل مبدئيا الملك محمد الخامس فكرة تهجير اليهود المغاربة إلى فلسطين عبر فرنسا. و بعد وفاته وافق الملك الحسن الثاني على توسيع فحوى الاتفاق الاتفاق المبرم مع والده و عيّن وزيره في الداخلية آنذاك و رئيس المخابرات المغربية الجنرال محمد أوفقير كرجل اتصاله مع اسرائيل. و حسب مصادر أجنبية غير إسرائيلية ، لفإن أوفقير نفسه هو الذي اقترح على الملك الحسن الثاني و أقنعه أن يقبل بفتح مكتب للموساد بالمغرب و مقابل ذلك ستوفر المخابرات الاسرائيلية دعما تقنيا و لةجستيكيا و إشراف على تكوين و تدريب مختلف عناصر المخابرات المغربية و إعادة هيكلة مصالحها و مختلف مصالح الأمن الوطني المغربي. كما أن الموساد منحت آنذاك للمغرب معلومات هامة و مهمة عن المعارضين للنظام الملكي المغربي و مختلف الجهات العربية الراغبة في تغيير النظام القائم بالمغرب.
و مع حلول حرب 1973 و بعث التجريدة العسكرية المغربية للجولان تجمدت العلاقات بين المغرب و الموساد و لم تستع حرارتها إلا بعد الحرب، لاسيما في 1976 بعد قيام إسحاق رابين بزيارة سرية خاطفة إلى المغربلمقابلة الملك. و هي الزيارة التي شرفت على تهييئها الموساد التي نظمتها و دبرت كل أمورها. آنذاك زار إسحاق رابين متنكرا على متن الطائرة ملكية خاصة.
و في لقائه مع الملك الحسن الثاني بالقصر الملكي ركز إسحاق رابين على تطوير علاقات تبادل المعلومات و التعاون الأمني و المخابراتي و التمس من الملك القيام بدور فعال لإنجاح إقرار السلام مع الأردن و مصر.
و على بعد سنتين عن الزيارة السرية لرابين للمغرب فاز رئيس حزب الليكود “بيغن” بالانتخابات و خلف رابين في رئاسة الحكومة الاسرائيليى. و آنذاك وصلت العلاقات المغربية الاسرائيلية أوجها. حيث زار إسحاق حوفي ، رئيس الموساد، رفقة دافيد عمار المغرب و قابلا الملك الحسن الثاني بحضور مستشاريه لتنظيم لقاء مع الوزير المصري التهامي.
و بعد هذه الزيارة سافر وزير الخارجية الاسرائيلي آنذاك، موشي دايان، إلى المغرب لمقابلة الملك الحسن الثاني بمعية الوزير المصري التهامي. و خلال هذا اللقاء تم التمهيد و الإعداد لزيارة أنو السادات للقدس و ثم توقيغ اتفاقية كامب ديفيد.
و بعد سنوات استقبل الملك الحسن الثاني بقصره شيمون بيريز سنة 1986 ، و في شتنبر 1993 استقبل الملك إسحاق رابين بعد التوقيع غلى اتفاقية أوسلو.
و سيرورة تقدم مسلسل السلام أعاد الملك الحسن الثاني ربط الأواصر مع الجالية اليهودية المغربية المقيمة بإسرائيل، كما زار العديد من مكثليها المغرب. و سمح الملك لهم بالحصول على جوازات سفر مغربية و إعادة ربط غلاقاتهم بالجالية اليهودية المقيمة بالمغرب. و هذا ما ساهم في تسهيل عقد علاقات تجارية و اقتصادية و سياحية و في القطاع الفلاحي بين البلدين.
و توجت هذه المرحلة بفتح مكتب الاتصال الاسرائيلي بالمغرب و مكتب الاتصال المغربي بتل أبيب.

هجرة اليهود المغاربة إلى “أرض الميعاد”
إن الموجة الأولى لهجرة اليهود المغاربة غلى فلسطين المغتصبة كانت في النصف الثاني من أربعينات القرن الماضي، لاسيما بعد الأحداث التي عرفتها بعض المدن المغربية التي تحتضن الملاح و التي ذهب ضحيتها 40 يهوديا مغربيا.
أما الموجة الثانية للهجرة فكانت في نهاية خمسينات و بداية ستينات القرن الماضي.
و في واقع الأمر لم يتوجه كل اليهود الذين غادروا المغرب إلى فلسطين، و إنما العديد منهم شككوا في الحلم الصهيوني و فضلوا الاستقرار إما بفرنسا أو الولايات المتحدة أو كندا..
و إذا كان المغرب قد غض الطرف قبل الاستقلال عن هجرة اليهود إلى “أرض الميعاد” ، فإن الأمر قد تغير بعد الإعلان عن الاستقلال السياسيفمن 1956 إلى 1961 أضحت هجرة اليهود المغاربة بمثابة ورقة تجارية قابلة للتفاوض بصددها قصد تثمينها لاسيما و أن دهاقنة الصهيونية كانوا يعتمدون كثيرا على يهود منطقة المغرب العربي لتعمير فلسطين المغتصبة. و فعلا فقد ارتفعت قيمة تلك الورقة التجارية بفعل جملة من الأحداث التي طبعت تلك المرحلة، و من ضمنها زيارة ولي العهد آنذاك ( الملك الحسن الثاني) و الذي كان يقوم مقام الوزير الأول بفعل الأمر الواقع، إلى القاهرة و التقائه بالرئيس المصري جمال عبد الناصر. كما تزامنت هذه الزيارة مع توقيف الخدمة البريدية بين المغرب و إسرائيل الشيء الذي أقلق جدا الدولة العبرية. و بذلك أضحى بالنسبة لدهاقنة الصهيونية آنذاك من أولوية الأولويات التفكير في وسيلة سريعة لتهريب اليهود المغاربة إلى إسرائيل و لو بدون موافقة القصر الملكي. و كانت آخر محاولة قامت بها إسرائيل قبل اعتماد هذا الحل أنها كلفت الناشر الفرنسي “روني جوليار” بتنظيم لقاء يوم 2 دجنبر 1959 بين قنصل إسرائيل بباريس ” مردخاي شنورسون” و سفير المغرب بباريس ، عبد اللطيف بنجلون. إلا أن هذا اللقاء لم يسفر على أي نتيجة. و هذا ما دفع الاسرائيليين في التفكير في سبل أخرى لتهريب اليهود المغاربة إلى إسرائيل سرا.
آنذاك، كما يقر بذلك أكثر من مصدر كانت المبادرة من ولي العهد (الملك الحسن الثاني) الذي إلتقى في سرية تامة مع مبعوث منظمة المؤتمر اليهودي العالمي “ألكساندر إيستيرمان”. آنذاك إشكالية انعكاسات هجرة اليهود المغاربة دفعة واحدة ، و ما قد تحدثه من أضرار على الاقتصاد المحلي. بل و حتى إن لم يسمح بالهجرة إلا لبعضهم فإ ن الآخرين سيتبعونهم لا محالة وبذلك تكون الانعكاسات هي هي. و في نهاية المطاف حصل الاتفاق المبدئي على قبول هجرة اليهود المغاربة مقابل تعويض مالي للأضرار التي ستحدثها للإقتصاد ، و هذا ما كان.
إلا أن رأي الملك محمد الخامس كان مخالفا لهذا الرأي الشيء الذي فسره ولي العهد (الملك الحسن الثاني) حسب ما كتبه “إبستيرمان” في تقريره حول النازلة و الذي جاء فيه أن ولي العهد (الماك الحسن الثاني) قال له “…إنه [ إي الملك محمد الخامس] لا يقكر مثلكم و مثلي… إننا “غربيين” لكنه مغاير لنا، لا يفكر في الأمر من زاوية “كارتيزية” [ أي نسبة لديكارت ، عقلانية]” هذا ما دونه مبعوث المؤتمر اليهودي العالمي في تقريره بخصوص لقائه مع ولي العهد.

و في رأي الأغلبيى الساحقة للمحللين أن العلاقة بين المغرب و الموساد بدأت تتوطد مع قبول التعاطي بوضوح مع إشكالية هجرة اليهود المغاربة، أي منذ السنوات الأولى للاستقلال. و آنذاك كانت إسرائيل مجبرة على تكثيف هجرة يهود دول المغرب العربي في اتجاه إسرائيل بأي ثمن. كما كانت تسعى إلى ربط علاقات مع البلدان حديثة العهد بالاستقلال لاسيما غير المنحازة منها، و المغرب في نظر الصهاينة كان البلد الأمثل في هذا الصدد.
و تقول “أنييس بنسيمون” في كتابها ” الحسن الثاني و اليهود” أن أهم محطة سجلت فيها الموساد تقوية علاقاتها بالمغرب كانت في فبراير 1960 عندما قدمت معلومات دقيقة بخصوص مؤامرة تحاك ضد ولي العهد. في حين يعتقد الباحث الاسرائيلي ” إيجال بن نون” أن إنطلاقة العلاقة الفعلية بين الموساد و المغرب كانت سنة 1963.

نشأة العلاقة بين المغرب و الموساد حسب مصادر إسرائيلية

حسب المصادر الاسرائيلية كانت البداية بالاتصال بأحد أصدقاء الجنرال محمد أوفقير و هو إميل بنحمو الذي كلفته الموساد بتنظيم لقاء مع الجنرال. و كان أول لقاء في غضون شهر فبراير 1963 بمقر إقامة إميل بنحمو بالعاصمة الفرنسية باريس ، و جمع بين صاحب الدار و الجنرال محمد أوفقير و يعقوب كاروز؟. و من هنا كانت الانطلاقة و تكرست العلاقة دون انقطاع و استمرت حتى بعد تصفية أوفقير.
و قد ذكرت عدة جهات إسرائيليى أن رئيس الموساد آنذاك “ايسيل هاريل” دأب على زيارة المغرب بكثرة فيما بين 1958 و 1960 . و كانت زيارته الأولى خلال هذه الفترة في بداية شهر سبتمبر1958 حيث كان الغرض منها البحث على توفير ظروف تسمح بإبرام اتفاق بين إسرائيل و القصر الملكي بخصوص هجرة اليهود المغاربة. و بعد ذلك قام كل من الجنرال محمد أوفقير و أحمد الدليمي بزيارة أولى إلى تل أبيب كما أن سياسيين و ضباط ساميس إيرائيليين قدموا إلى المغرب في تلك الفترة بالذات.
و حسب المصادر الاسرائيلية، ما كان يهم المغاربة بالأساس آنذاك من علا قاتهم مع الموساد ، هي معلومات بخصوص دول و جهات عربية تكن العداء للملكية و تسعى لتنحيتها من المغرب بجميع الوسائل الممكنة. و قالت تلك المصادر أنها أفادت القصر الملكي بهذا الخصوص كثيرا.
كما أن ذات المصادر أشارت إلى دعم إسرائيل للقصر إبان حرب الرمال مع الجزائر و زودت الجيش المغربي بعدد من المصفحات. كما أن ضباط من “تساهال” و الموساد قاموا بالإشراف على تدريب الجيش المغربي و مصالح الكاب 1 و مصالح الأمن الوطني و دبوا إعادة هيكلتها.
و تقول المصادر الاسرائيلية، رغم بالرغم من أن المغرب أرسل تجريدة عسكرية إلى الجولان فإن الملك الحسن الثاني ظلب يقوم بدور الوسيط بين الدول العربية و الدولة العبرية.
كما أشارت تلك المصادر الاسرائيلية إلى الدعم التقني و اللوجيستيكي الذي قدمته إسرائيل للمغرب في استرتيجته المرتبطة بحرب الصحراء لاسيما فيما ارتبط بجدار الدفاع و قد استمدت دعمها للمغرب من خبرتها بخصوص خط برليف بسيناء.
هكذا ترى المصادر الإسرائيلية نشأة العلاقة بين المغرب و الموساد و تطورها.
ميكيافيلية علاقة الموساد بدول المغرب العربي
نظرة بعين إسرائيلية

تعرض هذه الورقة لأهم مضامين كتاب “إسرائيل و بلاد المغرب: في التطبيع و ميكيافيلية الدولة الوطنية في المغرب العربي”
فبالرغم من استمرار الصراع العربي الاسرائيلي فإن طوله الكرونولوجي قد سمح ليس فقط بتجميع و تراكم كم أرشيفي هائل بل أيضا بمرور الزمن الكافي لرفع السرية عن عدد هام من الوثائق التي كشفت عن حقائق لم تكن معروفة من قبل . و باستثناء الأرشيف الحكومي العربي و الذي عموما لا يحوي على كل حال على تسجيل لكل الوقائع، و الذي لا يتضمن تراتيب واضحة تضبط المدة اللازمة لرفع السرية عن الوثائق الحساسة كما هو معمول به في الدول الغربية الديمقراطية، فإن باقي مراكز الأرشيف الدولية قد بدأت منذ حقبة ثمانينات و خاصة تسعينات القرن الماضي برفع الحجر عن مصادر هامة تساعد على الـتأريخ أو على أقل تقدير توفير حد أدنى من المعطيات التي لم يكن ممكنا في السابق الاطلاع عليها و هو ما يتعلق خاصة بالفترة الأكثر التصاقا بالراهن السياسي العربي أي مرحلة النصف قرن الماضي من حياة الدول القطرية العربية.
و إذا كان الموضوع لا يزال في حاجة الى تحيين ضروري على المستوى العربي عامة فإن منطقة المغرب العربي بفعل بعدها الظاهري عن المجال الجغرافي الأكثر سخونة للصراع العربي الاسرائيلي قد بقيت متوارية ضمن تلك الصورة، تقبع خلف “اللاعبين الاقليميين الرئيسيين” و هو ما يجعلها تحتاج بالتأكيد الى إهتمام أكبر. فهل كانت هذه المنطقة فعلا متوارية سياسيا و استراتيجيا بفعل تواريها الجغرافي أم أن دورها كان حاضرا بقوة رغم بعدها المكاني؟ هذا ما أراد الكتاب الجواب عليه اعتمادا على فحوى من الوثائق و المستندات التي كانت بالأمس القريب تعد من أسرار الدولة.
و بالرغم من كل ما يمكن أن يمثله إنتماء مؤلفه الإسرائيلي و رؤيته الصهيونية في الأساس من حدود بديهية ربما قد تقلل من الشروط الموضوعية للبحث الأكاديمي التاريخي، فإنه من زاوية ما يمكن أن يوفره من معطيات إخبارية يمكن أن تلقي ضوءا كاشفا على بعض الأحداث المعروفة أو ضوءا جديدا يكشف عن أحداث لم تكن معروفة تفاصيلها سابقا.
و في هذا الاطار يتوفر الكتاب على معطيات أكثر من كافية تساعد على التوصل الى ثلاث أفكار أساسية. أولا يدفع الى الكف عن النظر الى الأقطار المغاربية على أنها مستنكفة عن الخوض في موضوع الصراع العربي الاسرائيلي، مستغرقة في محيطها الاقليمي أو غير مبالية بما يحدث في بؤرة الصراع العربي الاسرائيلي . و ثانيا يحث على التوقف عن النظر الى الأنظمة الحاكمة من زوايا قيمية و إطلاقية من قبيل أنها إما “وطنية” ووفية” ( الجزائر ليبيا) و إما “عميلة” و “خائنة” (و هي التهم التي ما تُثار عادة في علاقة بالنظامين المغربي و التونسي). حيث تقدم الوثائق الأرشيفية الجديدة الخام (و هي وصفية في أغلبها و ليس تحليلية) صورة أكثر واقعية تقرب الهوة بين هذه الأنظمة و توضح طبيعتها الميكيافيلية و التي تشكل نقطتها المشتركة البديهية بدون استثناء. و ثالثا، و في المقابل، توضح الكثير من المعطيات أن عددا من الشعارات القومية و الوطنية كانت بالتأكيد و لا تزال صحيحة و لا تعبر عن أوهام أو تحليلات تآمرية، و خاصة تلك المتعلقة بتقييم السياسة الاسرائيلية التي تعتمد التطبيع لـ”تخريب”، كما جاء بشكل صريح في أحد الوثائق الاسرائيلية المعنونة بـ “جهود الوحدة العربية”.
و قد تخصص مؤلف الكتاب و هو المؤرخ و أستاذ جامعي (المتحدر من عائلة يهودية مغربية) مايكل لاسكيار منذ بداية ثمانينات القرن الماضي في كتابة البحوث حول موضوع محدد: العلاقات بين “بلاد المغرب” (تونس و الجزائر و المغرب) و إسرائيل. و من الممكن إعتبار باكورة بحوثه كتابه الذي صدر في سنة 2004 عن دار النشر التابعة لجامعة ولاية فلوريدا و المعنون بـ “إسرائيل و بلاد المغرب: من إقامة الدولة الى أوسلو. و من المؤكد أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها التعرض الى هذا الموضوع. فبخلاف التقارير الصحفية التي تظهر في بعض المنعطفات السياسية توجد بحوث ذات طابع أكاديمي مماثل لمقالات و لأبحاث لاسكيار و يتعلق الأمر على سبيل المثال بأعمال المؤرخ الاسرائيلي يعقوب أبادي الذي نشر في أواسط التسعينات مقالات مهمة عن علاقة الأقطار المغاربية بإسرائيل.
و لكن تتميز أعمال لاسكيار بتفردها من حيث الاعتماد على وثائق من الأرشيف السري الاسرائيلي تم رفع السرية عنها تدريجيا و ذلك منذ بداية التسعينات عندما بدأ في تأليف كتابه و الذي نشره في الواقع بشكل متقطع في مؤلفاته السابقة و في عدد من الدوريات الدولية و خاصة في الولايات المتحدة منذ سنة 2000 و من ضمنها نشرية ميدل ايست ريفيو اوف انترناشيونال أفيرز، الدورية الأمريكية المتخصصة في الشأن السياسي العربي الاسلامي و التي يشرف عليها اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة.
و بالاضافة الى وثائق سرية سابقا محفوظة في الولايات المتحدة و فرنسا تتمثل أهم مصادر لاسكيار في مجموعة من الوثائق السرية المحفوظة إما في مراكز الأرشيف الرسمية الاسرائيلية مثل أرشيف وزارة الخارجية أو في مراكز أرشيفية تابعة أساسا لمنظمات غير حكومية مثل “الارشيف المركزي الصهيوني” في القدس المحتلة و هي تتعلق أساسا بوثائق ترجع للفترة القائمة بين خمسينات و بداية سبعينات القرن الماضي و صادرة إما عن مؤسسات اسرائيلية رسمية مثل وزارة الخارجية الاسرائيلية او مؤسسات مرتبطة باسرائيل مثل “المؤتمر اليهودي العالمي”. كما اعتمد الكاتب ضمن مصادره على تقارير لشخصيات رئيسية شاركت في أحداث تتعلق بالفترة الزمنية الخاصة بالوثائق سابقة الذكر، و يتعلق الأمر مثلا بتقارير كتبها ألكس ايسترمان مدير المكتب السياسي لـ “الموتمر اليهودي العالمي” المتركز في لندن عن حوارات و مقابلات أجراها مع مسؤولين مغاربة من بينهم الوزير الأول مبارك البكاي سنة 1956 في باريس و تونسيين ، الرئيس بورقيبة و وزير الخارجية بورقيبة الابن سنة 1966 في تونس.
و قد قسم المؤلف كتابه الى سبعة فصول يعالج فيها أربعة إشكاليات أساسية أشار اليها في المقدمة، و تتمثل في : أولا، مختلف الانعكاسات السياسية الناتجة عن وقائع أساسية مثل هجرة اليهود المغاربيين الى إسرائيل و الصراع العربي الاسرائيلي. ثانيا، الانخراط الاسرائيلي في الأوضاع الداخلية لبلاد المغرب. ثالثا، “الدور الريادي” الذي قام به قادة مغاربيون لإيجاد حل سلمي للصراع العربي الاسرائيلي. رابعا، أهمية دور الأقلية اليهودية المغاربية (و خاصة في المغرب الأقصى) في توفير قنوات اتصال سرية بين إسرائيل و أقطار المغرب.
…ففي سنة 1965 صرح وزير الخارجية الاسرائيلي ليفي أشكو، في خطاب بالكنيست ما يلي: “احفضوا نصيحتي: لا تعلقوا أهمية زائدة على ما يسمى بالقادة العرب المعتدلين”. فآنذاك كانت الشكوك الاسرائيلية تجاه ما يُقدم الان على أنهم قادة “معتدلين” أو “متعاونين” مع اسرائيل قوية، و يشمل ذلك بالنسبة لبلاد المغرب الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة و العاهل المغربي الحسن الثاني. و من أهم أسباب التشاؤم الاسرائيلي تجاه هؤلاء حرصهم الكبير على عدم التورط العلني في أي علاقة بإسرائيل بالرغم من استعدادهم لعقد لقاءات على أعلى مستوى بالمسؤولين الاسرائيليين. و هكذا، فأمام المطلب الاسرائيلي المستمر بالكشف عن هذه العلاقات الخلفية فإن تونس و المغرب حرصتا بشكل فائق و بإلحاح شديد على الطابع السري لأي علاقة بالدولة العبرية. لقد كان هناك توافق تونسي مغربي ، و في غلب الظن بشكل عفوي ، على هذه السياسة و التي ميزت التطورات اللاحقة و الراهنة حيث يحرص كل منهما على اتباع نفس التوجه و القاضي بالامتناع عن اتخاذ أية خطوات تبدو مخالفة للإجماع العربيالرسمي، و لا يتوقف ذلك على مرحلة المد القومي بل يتعداه للمرحلة الراهنة. و وبالضبط ،ضمن هذا الاطار وجب فهم تصريح أشكول أعلاه. فإذا كانت أهم الفوائد السياسية لتلك اللقاءات من وجهة النظر الاسرائيلية تكمن تحديدا في “كسر حصار” دول الطوق فان تلك الفائدة لم تتحقق عمليا لأنها ببساطة غير مرئية و ظل متستر عنها. حيث أن ما يكفل حقا كسر الطوق الأثر الإعلامي بالذات لمثل تلك اللقاءات و ليس حدوثها في السرية التامة فحسب.
و هكذا ، وحتى في مراحل التقارب و الحوار المباشر حرص المسؤولون المغاربة على إبقاء أي محادثات مع الاسرائيليين طي الكتمان. و علي سبيل المثال أكد الوزير الأول لمغربي البكاي في لقائه مع ايسترمان سنة 1956 ،و الذي خصص لترتيب لقاء بين الملك محمد الخامس و السفير الاسرائيلي في فرنسا، على السرية المطلقة لأية محادثات تجري بين الطرفين. و هو ما حدث كذلك في أول لقاء للحسن الثاني عندما كان وليا للعهد في سنة 1960 ، حيث التقى في الرباط بوفد إسرائيلي لمناقشة مسألة تهجير اليهود المغاربة الى إسرائيل. و قد افتتح اللقاء بتحذير شديد من أن أي تسريب لخبر اللقاء مما سيدفعه لاتخاذ قرار بالامتناع الكلي عن أي لقاء في المستقبل. كما اضطر ايسترمان للبقاء حبيس غرفته في أحد فنادق العاصمة التونسية في زيارة سنة 1966 دعاه إليها الرئيس بورقيبة حيث ماطله الرئيس قبل لقائه في سرية مطلقة حيث تم تكرار رغبة الرئيس التونسي في الحفاظ على المحادثات في إطار من السرية الكاملة و هو ما اضطر ايسترمان لتقديم ضمانات واضحة في هذا الشأن. و هكذا كان حال التقارب المخفي كذلك بين الطرفين منذ بدايته أي منذ بداية الخمسينات. و بشكل عام كان ذلك التقارب شديد الخفاء حتى يفعل أثره المتوخى من طرف إسرائيل.
و من جهة أخرى تخللت حالات التقارب تلك حالات من الصراع الصريح. و تجسد ذلك مثلا في الحالة المغربية في إطار تأثيرات النشاط الصهيوني في المغرب الأقصى من أجل تهجير اليهود المغاربة الى إسرائيل و هو ما ميز خاصة المرحلة الفاصلة بين سنتي 1956 و 1961. حيث عارض المخزن بما في ذلك الحكومة الجديدة بكل تنوعاتها السياسية بكل قوة سياسة التهجير الاسرائيلية و ذلك لعدة أسباب منها عدم الظهور بمظهر الخارج عن الاجماع العربي المعارض لهجرة اليهود العرب الى إسرائيل، و لكن أيضا و بالأساس، الحرص على الابقاء على رؤوس الأموال اليهودية ضمن الدورة الاقتصادية المغربية خاصة في تلك المرحلة المبكرة من الاستقلال. و فشلت في هذا الاطار المحادثات التي وقعت بين عبد الرحمان بوعبيد نائب الوزير الأول المغربي و ايسترمان في المغرب سنة 1959 عندما حاولت منظمة المؤتمر اليهودي العالمي أن تتحكم في عملية التهجير و الضغط على الحكومة المغربية لمنح جوازات سفر لليهود المغاربة للذهاب الى إسرائيل. و قد التقت مختلف الحساسيات السياسية ضمن حزب الاستقلال (المهدي بن بركة و علال الفاسي) و ذلك بدعم من مؤسسة المخزن في رفض التدخل الاسرائيلي السافر و اتخاذ إجراءات مشددة لمحاصرة محاولات الحركة الصهيونية للقيام بعمليات تهجير غير مشروعة. و هكذا كان الموقف شديد الغموض يتراوح بين الاستعداد للتحادث و اللقاء ،و بالتالي عدم استعداء الطرف الاسرائيلي بشكل مطلق، مقابل الامتناع عن قبول المطالب الاسرائيلية و ذلك استجابة للموقف العربي الرسمي المشترك و لكن أيضا لأسباب داخلية خاصة بمصالح الدولة القطرية أساسا.
و في المقابل كانت الثورة الجزائرية و دولة الاستقلال الناشئة عنها في حالة تعارض كبير مع إسرائيل خارجة في الأغلب عن الخيار الجزائري. حيث دخل الاسرائيليون في تحالف استراتيجي مع فرنسا (في إطار ظروف العدوان الثلاثي و انعكاساته) جعلهم ليس في موقع دعم سياسي فحسب للجهود الفرنسية لقمع الحرب الشعبية المتصاعدة بل أيضا في موقع التورط العسكري المباشر حيث تشير الوثائق الى اتفاق فرنسي اسرائيلي يتعهد بموجبه الاسرائيليون بالانخراط في الجهود الاستخبارية في أوروبا لاعتراض عمليات تهريب السلاح للثوار الجزائريين مقابل توزيد الفرنسيين للدولة العبرية بأحدث الدبابات و الطائرات الفرنسية. و تعمقت أسباب الصراع الجزائري الاسرائيلي عندما اكتشف الجزائريون أنه خلال الأشهر القليلة التي سبقت تسلمهم السلطة (أي قبيل يوليو 1962) قام الفرنسيون و بمشاركة إسرائيلية مباشرة بعملية تهجير واسعة ليهود مدينة غرداية و هو ما انضاف على الدلائل السابقة للتنسيق المباشر بين الفرنسيين و الاسرائيليين في سياسة التهجير هذه حيث سبق لجبهة التحرير أن اعتقلت و أعدمت مبعوثين اسرائيليين مشرفين على عمليات التهجير سنة 1958. و لكن حتى في الحالة الجزائرية لم يكن ، رغم هذا الصراع ، غياب أية قنوات اتصال بين الطرفين. فحتى خلال الثورة كان يوجد جناح مستعد للتوافق مع الاسرائيليين و هو ما عبر عنه قيادي جبهة التحرير فرحات عباس في خطابه في الأمم المتحدة سنة 1957 عندما رحب بهجرة اليهود الجزائريين الى إسرائيل. غير أن أحد أهم الشخصيات المثيرة للجدل في علاقته بقنوات مبكرة بين الاسرائيليين و قيادات جبهة التحرير كانت من خلال عبد الرزاق عبد القادر أحد حفداء الأمير عبد القادر و أحد ممثلي التيار اليساري في صفوف الجبهة، و الذي التحق بصفوف الجبهة سنة 1954 بعد ان تزوج اسرائيلية (من أصل بولوني، من اليسار الاسرائيلي ) و أقام معها في أحد المستوطنات الاسرائيلية. و قد شغل في فترة أولى منصب تمثيل الجبهة في ألمانيا الغربية و سويسرا و هي الفترة التي نشر فيها مؤلفا دعى فيه بوضوح لتركيز الجبهة على دعم العلاقة مع إسرائيل عوض التعويل على البعد العربي للثورة. و قد أرسى عبد القادر أولى الاتصالات المباشرة بين بعض قيادات الجبهة و المسؤولين الاسرائيليين و ذلك في ربيع سنة 1962. و لكن كان من الواضح أن هذا التيار كان ضعيفا حيث تعرض عبد القادر الى السجن سنة 1963 ثم النفي سنة 1964 . للإشارة فإن عبد القادر هذا توفي في التسعينات في إسرائيل بعد أن أصبحت له هوية و اسم إسرائيليين.
و كانت مرحلة التأسيس للدولة القطرية المدخل الرئيسي للطرف الاسرائيلي الى منطقة المغرب. حيث كان هناك استعداد متبادل للتوافق على دعم اسرائيلي لمطلب الاستقلال الوطني مقابل التعهد بالمساهمة في الدفع عربيا نحو الاعتراف باسرائيل و تسهيل الهجرة اليهودية. و قد برزت هذه الرؤية حتى ضمن صفوف الثورة الجزائرية بالرغم من كل أسباب الصراع. فقد لعبت لجنة من اليسار الاسرائيلي لدعم “جزائر حرة” دورا مهما في خلق قنوات مبكرة مع بعض الناشطين الجزائريين في أوروبا. و قد تدعمت هذه الاتصالات مع اليسار الاسرائيلي من خلال اللقاءات التي قامت بها الحكومة الجزائرية المؤقتة (ممثلة في أشخاص الوزراء بلقاسم كريم و محمد يزيد) و المتمركزة في تونس مع بعض وجوه هذا التيار و المتمحورة حول المطالب الجزائرية من إسرائيل للتخلي عن دعم الموقف الفرنسي. و تجلى الدخول الاسرائيلي الى الجزائر خلال دولة الاستقلال من خلال المعارضة في ظل دعم حكومتي بن بلا و بومدين للمقاومة الفلسطينية. حيث تكشف الوثائق في هذا الاطار تورط بلقاسم كريم ،عندما كان يقود تنظيما معارضا من المغرب في الستينات ، في علاقات مع الأجهزة الاستخبارية الاسرائيلية.
و من المرجح أن للرئيس الحبيب بورقيبة دورا هاما في هذه المبادرات حيث تذكر بالاتصالات التونسية الاسرائيلية الاولى في نيويورك بداية الخمسينات و ذلك في اتجاه كسب دعم اسرائيلي لمطلب الاستقلال .قد بدأت هذه الاتصالات تحديدا منذ 25 يونيو1952 من خلال لقاء أحد ممثلي الحزب الحر الدستوري الجديد الباهي الادغم في نيويورك بممثل اسرائيل في الامم المتحدة انذاك و التي قام خلالها المبعوث التونسي بـ”طلب الدعم الاسرائيلي” لمطلب الاستقلال التونسي، كما اكد الباهي الادغم في نفس اللقاء ان حزب الدستور لم يكن وراء الهجمات “المعادية لليهود” في تونس انذاك. و بشكل متزامن دعى بورقيبة في حوار مع صحيفة لوموند الفرنسية في صيف 1952 الى ضرورة قيام الاطراف العربية بتسوية سياسية مع اسرائيل. و اكد نفس الرؤية حين وجوده بالمنفي ضمن المجال الفرنسي سنة 1954 في لقاء مع ايسترمان. و من المثير ان الطرف الاسرائيلي –اكثر ربما من الطرف التونسي— كان مترددا في إعلان هذه العلاقات لتجنب إغضاب سلطات الاحتلال الفرنسي. و تأتي في هذا الاطار اللقاءات بين أحمد بن صالح زعيم المنظمة النقابية التونسية و أحد قادة حزب الدستور مع زعيم الهستدروت الاسرائيلي كوهين- في إطار اجتماعات المنظمة النقابية الدولية ، حيث طلب المسؤول التونسي دعم المنظمة النقابية الاسرائيلية المطلب التونسي بتنظيم مؤتمر المنظمة لسنة 1957 في تونس مقابل السماح بمشاركة وفد اسرائيلي في المؤتمر.
و المثير في الأمر أنه في الوقت الذي كان فيه بعض الوطنيين التونسيين مستعدين لتجاهل الظرف القومي المميز بالصراع مع إسرائيل أملا في دعم إسرائيلي للاستقلال الوطني كان الاسرائيليون يحظون بعلاقة مميزة مع الفرنسيين جعلتهم يتمتعون بتسهيلات كبيرة داخل تونس يصعب التفكير أنهم كانوا على استعداد للمساعدة على تعريضها لمخاطرة انتقال السلطة في تونس لتيار وطني يعبر عن السكان العرب للبلاد. و من أهم ما تكشفه الوثائق الاسرائيلية الشبكة الواسعة داخل تونس لفرع التهجير التابع للموساد الاسرائيلي و التي كانت تنشط (بعلم السلطات الاستعمارية الفرنسية) على شكل واسع خاصة في الفترة الممتدة بين 1949 و 1956. و قد قام فرع الموساد هذا بتنظيم عملية تهجير حوالي 6200 يهودي الى إسرائيل خلال تلك الفترة. و لكن إضافة الى ذلك تجاوزت مهمات الاستخبارات الاسرائيلية في تونس مسألة التهجير حيث بادرت الى تنظيم خلايا مسلحة للـ “الدفاع الذاتي” (تخوفا من “العنف المتأتي من تصاعد الحركة الوطنية”) في الأحياء اليهودية خاصة في مدينة تونس و جزيرة جربة و لكن أيضا في بقية المدن التونسية مثل قابس و صفاقس و هذا ما حصل كذلك بالجزائر و بالمغرب. و تواصل وجود هذه الخلايا حتى بعد الاستقلال سنة 1956 و كانت تحت إشراف ضباط من الموساد تم إرسالهم خصيصا من إسرائيل. و بعد سنة 1955 توسعت هذه الشبكة لتشمل بقية أقطار المغرب و خاصة المغرب الأقصى و أصبح ضابط الموساد المشرف عليها يقود أنشطتها من باريس.
و قد شهدت العلاقات الإسرائيلية المغربية قبل الاستقلال وضعا مختلفا بعض الشيء عما حدث في الجانب التونسي. حيث لم يسع الوطنيون المغاربة الى إقامة أي شكل من الاتصالات قبل ضمان الاستقلال. في المقابل كان الاسرئيليون يتمتعون بتغطية فرنسية لعملية التهجير الواسعة ليهود المغرب و الذين كانوا أكثر عدد من يهود تونس. و حسب الوثائق الاسرائيلية فقد قام الموساد بتنظيم هجرة حوالي 90 ألف يهودي الى إسرائيل عبر فرنسا بين سنتي 1949 و 1956. و قد انعكست العلاقة القوية بين الاستعمار الفرنسي في المغرب و الاسرائيليين من خلال تصريحات ممثل اسرائيل في الولايات المتحدة و التي كانت تدعو لعدم تدخل الامم المتحدة في الشأن المغربي لأنه “شأن فرنسي داخلي” و ذلك في ظرفية حاولت فيها الحركة الوطنية المغربية اختراق المسرح الدولي للضغط على الفرنسيين.
و لكن بعد سنة 1956 سيصبح منطق العلاقة مع إسرائيل قائما على رؤية قيادات الاستقلال الجديدة في تونس و المغرب لأهمية الدور الاسرائيلي في خدمة بناء الدولة القطرية الناشئة بالخصوص مسألة البناء الاقتصادي من خلال البحث عن دعم المؤسسات المالية الدولية، و هو ما تزامن مع رؤية اختارت الابتعاد عن التجربةالاشتراكية التي عمت عددا من الأقطار العربية. و ببالنسبة لتونس يأتي في هذا الاطار لقاء مهم جدا بالنسبة لصياغة رؤية بورقيبة للسياسة الخارجية التي يجب ان تلعبها تونس في المستقبل و هي على ابواب إنهاء الاحتلال العسكري الفرنسي. ففي شهر فبراير 1956 و خلال المفاوضات الدائرة في فرنسا حول الاستقلال ، التقى بورقيبة بالسفير الاسرائيلي بباريس ياكوف تسور و بعد سماعه ملاحظات عديدة لبورقيبة تتلخص في “كرهه” لعبد الناصر و سياسته في المنطقة, نصح السفير الاسرائيلي بورقيبة النصيحة التالية: ان عليه “ضمان دعم اليهود الامريكيين للحصول على دعم اقتصادي امريكي.
و بالاضافة الى التعاون الاقتصادي المباشر بين الحكومتين و الذي انطلق بشكل فعلي مع لقاء السفير الاسرائيلي تسور في 3 اكتوبر 1956 مع وزير المالية التونسي، فإن اهم ثمار هذه العلاقة خاصة بالنسبة لتطوير العلاقات التونسية الامريكية كان مع حلول منتصف الستينات. ففي ماي 1965، أي بعد اقل من شهرين من خطاب اريحا الشهير و جولة بورقيبة المثيرة في المشرق العربي في مارس 1965، سافر بورقيبة الابن و الذي كان وزير الخارجية التونسي و حامل اسرار ابيه انذاك الى واشنطن في زيارة هدفها طلب الدعم المالي الامريكي. و استجابة لطلبه فقد طلبت وزارة الخارجية الامريكية من اسرائيل التوسط للجانب التونسي مع حكومتي فرنسا و المانيا الغربية للحصول على دعم مالي يقدر ب20 مليون دولار، كما طلب الامريكيون في نفس الاطار من اسرائيل شراء الخمور التونسية. و تلاحظ الوثائق الاسرائيلية في هذا الاطار ان موافقتها على الاستجابة للمطالب الامريكية كان في اطار املها ان تساهم الحكومة التونسية في تشجيع حكومات عربية “معتدلة” اخرى من اجل “إفشال أو تخريب الجهود المصرية و السورية للوحدة العربية”. و خلال نفس الفترة أقام الطرفان خلية اتصال دائمة من خلال سفيريهما في باريس: السفير التونسي محمد المصمودي و السفير الاسرائيلي والتر ايتان و ذلك بحضور الموساد الاسرائيلي. كما التقى المصمودي مرة على الاقل بوزير الخارجية الاسرائيلي انذاك ابا ايبان و ذلك بمنزل البارون دي روتشيلد. بالاضافة الى وجود قناة اتصال اخرى من خلال ايسترمان و الذي كانت له علاقة قديمة ببورقيبة. و من اهم النقاط التي يمكن التأكيد عليها في علاقة بالنقاشات التي تمت عبر قنوات الاتصال هذه ،الطلب التونسي من خلال محمد المصمودي في لقاء يوم 4 اكتوبر 1966 مع ايسترمان لدعم اليهود في الغرب لتونس ماليا و اقتصاديا عموما، و ذلك لتجنب علاقة مباشرة و مكشوفة بين الطرفين و هو الامر الممكن التحقيق جهارا في حالة الاعتماد على يهود يحملون جنسيات اخرى غير الجنسية الاسرائيلية.
و بالنسبة للحالة المغربية فقد اتخذت العلاقة بعدا أكبر بكثير بعد الاستقلال تجاوز التنسيق الدولي ليصبح فيه الدور الاسرائيلي في المعادلة السياسية الداخلية للمغرب أكبر من أي قطر مغربي اخر. و تجسد الدور الاسرائيلي في قضية اغتيال المهدي بن بركة ، و هذه العلاقة الخاصة جعلت من الاسرائيليين منخرطين مباشرة في مسألة الصراع على السلطة في المغرب من خلال محاولة دعم المعارضة المغربية في مرحلة أولى ثم العمل على التخلص منها في مرحلة لاحقة. و لعل من أهم المساهمات الوثائقية لكتاب لاسكيار هي ما كشف عنه في علاقة بهذا الموضوع و الذي تثبت بلا مجال فيه للشك الدور الكبير الذي لعبه الموساد الاسرائيلي ليس في اغتيال بن بركة فحسب بل أيضا في إقامة شبكة مشتركة مع الاجهزة الامنية المغربية لمراقبة أنشطة المعارضة المغربية على امتداد القارة الأوروبية. و تشير هذه الوثائق الى مرور علاقة الاسرائيليين ببن بركة منذ تمركزه في منفاه الباريسي بمرحلتين. المرحلة أولى اتسمت باستعداد للقاء و التحاور و هو ما تجسد في لقاء بن بركة بممثل سامي إسرائيلي و كان حسب الوثائق ضابطا كبير في الموساد) و ذلك في شهر مارس1960 حيث طالب الاسرائيليون على وجه الخصوص باستعادة الاتصالات البريدية بين إسرائيل و المغرب في ظل الحكومة التي كان يسطر عليها أنصار بن برك(حكومة عبد الله إبراهيم). كما كان اجتماع في شهر أبريلمن نفس السنة بإيسترمان و الذي ينقل في تقريره تصريح بن بركة حول استعداد الاتحاد الوطني تفكيك السلطة عبر الضغط السلمي و استعداده لإقامة علاقات سلمية مع الدولة العبرية. و تمضي الوثائق الاسرائيلية في الكشف عن علاقة تجاوزت مجرد اللقاء و التشاور حيث تذكر تقديم “المؤتمر اليهودي العالمي” في شهر يوليو 1960 لدعم مالي لبن بركة بقيمة ألف دولار. و قد قام الاسرائيليون في هذه المرحلة باللعب على حبلي المعارضة و السلطة حيث تشير الوثائق الى سماح وزير الخارجية الاسرائيلي لإيسترمان بالذهاب في غشت 1960 الى الرباط للقاء ولي العهد المغربي و رئيس الحكومة انذاك الحسن الثاني حيث قدم له نفس قائمة المطالب الاسرائيلية التي تم عرضها على بن بركة في اجتماع مارس. و يبدو أن هذه السياسة الاسرائيلية المزدوجة أثرت على أي امكانية لانحياز اسرائيلي واضح لأي من الطرفين و هو ما يبدو ما أدى الى قرار بن بركة التخلي عن هذه العلاقة خاصة في ظل الدعم المتزايد الذي بدأ يلمسه من قبل الحكومة الجزائرية. و في المقابل تطورت العلاقة بين المخزن المغربي و الاسرائيليين خلال الستينات خاصة من خلال رجال أعمال مؤثرين في الساحة الدولية بالاضافة الى الأثرياء من اليهود المغاربة و هو ما كان منسجما مع طموحات العاهل المغربي لإقامة علاقات قوية مع الأوساط المالية الدولية. و قد تطورت العلاقات الأمنية بشكل متسارع بعد قيام الموساد بإشعار المقربين من ولي العهد انذاك الحسن الثاني في ديسمبر من سنة 1959 بتحضير المعارضة المغربية لمؤامرة ضده.
و يبدو أن علاقة الموساد بالجنرال أوفقير قد توثقت منذ تلك اللحظة حيث تشير الوثائق الاسرائيلية الى مساعدته لشبكة الموساد في المغرب على استمرار عملية تهجير اليهود المغاربة. و لكن نقطة التحول الدرامية في هذا التحالف الأمني/المخابراتي غير المسبوق عربيا حدثت حسب الوثائق الاسرائيلية في أواسط سنة 1963 عندما قام الجنرال أوفقير بالاتفاق مع الموساد على الاشراف على تدريب و تمرين أعوان و ضباط مغاربة من قبل ضباط إسرائيليين. و في فترة قريبة من ذلك و لكن غير محددة حسب هذه الوثائق ذهب الملك الحسن الثاني الى حد القبول بوجود مكتب دائم للموساد على الأراضي المغربية و قد أشرف هذا المكتب على الحفاظ على علاقة مستمرة بين الاسرائيليين و المخزن و قام مثلا بترتيب زيارة اسحاق رابين للمغرب سنة 1976 . كما قام المكتب بتنسيق الدعم العسكري الذي قدمه الاسرائيليون للمغرب خلال المواجهات مع الجيش الجزائري سنة 1963. و عموما فإنه ضمن هذه المعادلة بالذات شاركت المخابرات الاسرائيلية في عملية إغتيال المهدي بن بركة و التي لم تكن إلا نقطة في بحر من التنسيق الوثيق بين الطرفين.
غير أنه مقابل كل ذلك لم يتوان العاهل المغربي أمام ارسال تجريدة عسكرية مغربية الى الجولان بسوريا للمشاركة في حرب أكتوبر و هو ما أدى الى أزمة حقيقية مع الاسرائيليين. كما أنه لم يخاطر بإبرام أي اتفاق للسلام بعيدا عن الاجماع العربي بعد كامب ديفيد و التي ساهم في التوصل اليها من خلال استضافته لأولى الاتصالات المصرية الاسرائيلية. و هكذا كانت حسابات الحسن الثاني متعلقة بشكل كبير باستراتيجية عامة خاصة بما يراه كـ”مصالح المغرب” بالضبط كما كان يرى الرئيس بورقيبة دواعي تحالفه و صراعه مع مختلف الأطراف الدولية بما في ذلك الاسرائيليين من خلال “المصالح التونسية”، و هي مصالح لا يتم تعريفها من خلال الانعزال المطلق عن “المصالح العربية المشتركة” و لكن لا يتم أيضا ربطها تماما ياستراتيجية عربية موحدة. و في نفس الوقت كانت الرؤية الإسرائيلية لا ترى مانعا في المساهمة في “حفظ الاستقرار” أو “المساعدة المالية” للأنظمة القطرية في المغرب العربي مادام أن ذلك يأتي في إطار مساهمة هذه الأنظمة للحد من استمرارية و تعميق أي توجه عربي مشترك لمواجهة الطرف الاسرائيلي. و قد أصبحت هذه العلاقة أكثر قوة مع سقوط جدار برلين و نهاية حرب الخليج الاولى حيث تم الانخراط الرسمي العربي الجماعي في تطبيع العلاقات خاصة و أن “دول الرفض” مغاربيا، أي الجزائر و ليبيا، قد تخلت عن خطوطها الحمراء وأضحت تتقدم باتجاه التأسيس لتطبيع العلاقة مع الاسرائيليين. غير أن هذه العلاقة بقيت أيضا ضمن حدود تجاذبات ما تبقى من الصراع العربي الاسرائيلي حيث لم يتوان التونسيون و المغاربة من سحب ممثليهم الديبلوماسيين من تل أبيب بعد اندلاع الانتفاضة الثانية بل و حتى السماح و المشاركة الرسمية في تظاهرات تندد بالمرحلة الراهنة من العدوان الاسرائيلي. و لا يتوان الاسرائيليون في ظل هذا الظرف من المقاطعة (الرسمية على الأقل) من التنديد بـ “الدكتاتوريات العربية” حيث يقومون من خلال تحليلهم الأحادي الطابع من اعتبار “المشكل الرئيسي” عربيا غياب الاصلاحات الديمقراطية.
غير أن التعريف الاسرائيلي لهذه الاصلاحات يتسم بطابع سياسي غير مجرد عن المصالح الاسرائيلية، فبالنسبة لشمال افريقيا يعتبر الاسرائيليون أن من أهم القضايا التي تحتاج الى “إصلاح عاجل” هي مسألة “اللاجئين اليهود” من شمال افريقيا تم “طردهم” أو “دفعهم” للهجرة من خلال العداء المستمر الموجه ضدهم خاصة بعد قيام الدول الوطنية. و من أهم المنظمات ذات الارتباط الاسرائيلي التي تروج بنشاط لهذه القصة منظمة “جيمينا” و هي منظمة “يهود الشرق الاوسط و شمال افريقيا”) و التي تتكون بالاساس من يهود ذوي أصول شمال افريقية (خاصة تونس و الجزائر) مقيمين بدول غربية و لكن يحملون أيضا جوازات سفر إسرائيلية يطالبون بتعويضات و الاعتراف بهم من قبل الأقطار المغاربية كلاجئين تعرضوا للاضطهاد. و تستخدم الحكومة الاسرائيلية بنشاط هذه الحكاية خاصة أثناء المفاوضات حول وضع اللاجئين الفلسطينيين حيث يطالب الاسرائيليون بمبدأ “المعاملة بالمثل” و اعتبار “اللاجئين اليهود” بنفس وضعية اللاجئين الفلسطينيين (يستهدف ذلك طبعا دفع الحكومات العربية للضغط على الجانب الفلسطيني للتنازل عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين). و كما تُظهر الوثائق الاسرائيلية الواردة في كتاب لاسكيار فإن الهجرة اليهودية لإسرائيل كانت مرتبطة بالدرجة الأولى بمخطط إسرائيلي بإشراف مباشر من الموساد لم يكن متأثرا البتة بوقائع حقيقية للاضطهاد بل أن الحكومات الجديدة في بداية الأمر رفضت بشدة هذا المخطط و لم تعمل أي من الأطراف الوطنية على الدفع نحو تهجير الأقلية اليهودية. و المثير أن منظمة ” جيمينا” كانت من المنظمات “الشمال افريقية” القليلة التي شاركت و عبرت عن “قضية الاصلاح في شمال افريقيا” (من خلال الدعوة لـ”إرجاع حقوق اللاجئين اليهود”) في موتمر مثير للجدل “من أجل الاصلاح في الشرق الأوسط” الذي نظمه بعض المتنورين “الليبراليين” العرب من أنصار الحكومة الاسرائيلية و النيومحافظين في واشنطن في أكتوبر 2004.و هو المؤتمر الذي كان في الأساس واجهة للمجموعة التي تعمل في الأوساط اللبنانية الأمريكية المقربة من تيار “قرنة الشهوان” حيث لعب وليد فارس دورا رئيسيا في تنظيمه بالاضافة للحضور الكبير للمجموعة القبطية المتطرفة التي يقودها مايكل منير. كما شارك في النقاشات تحت يافطة منظمة حقوقية ديبلوماسي اسرائيلي معروف يعمل الآن في السفارة الاسرائيلية في واشنطن ضمن الجهاز الاعلامي. و إضافة للمنظمة اليهودية فإن بقية “ممثلي” شمال إفريقيا تراوحوا بين ممثلين مقيمين بالخارج عن منطقة القبايل الجزائرية و منظمة موريتانية تتخصص في مسألة “استعباد العرب للسود” . وعموما فإن “قضية الاصلاح و الديمقراطية” في الرؤية الاسرائيلية و كما عبر عنه هذا المؤتمر تتمثل بالأساس في مشكل واحد: “اضطهاد العرب المسلمين” لبقية الأقليات لا أكثر و لا أقل.
و في الواقع فإن البلاغة الاسرائيلية المتصاعدة حول قضية الاصلاح في الشرق الأوسط مرتبطة بقوة بظرفية سياسية معينة و هي بالأساس شعار، ذرائعي لا غير، على العكس من بعض أقطاب التيار النيومحافظ الأمريكي و الذين يعتقدون بجدية في “مثالية” أهدافهم. و علينا أن نشير هنا الى أن ناتان شارانسكي و الذي شارك حزبه في حكومة شارون قد ألف كتابه “الحجة من أجل الديمقراطية” (و الذي “قرأه” الرئيس بوش و يقع تقديمه على أنه “تحليل طليعي” في التدليل على الحاجة الملحة لدمقرطة المنطقة العربية، ألفه في ظروف إنحسار التطبيع الرسمي العربي، أي أنه كرد فعل على هذا الانحسار. طبعا مثل احتلال العراق و مخلفات 11 سبتمبر كانت مناسبة جديدة في ظل الخطط الجديدة للقادة الاسرائيليين (الذين تخلوا عن مقررات مدريد منذ أواسط التسعينات و قرروا التخفيض من سقف المطالب العربية الى “السلام مقابل السلام” عوض “الأرض مقابل السلام”) لفتح مرحلة أخرى من تطبيع العلاقات التي يمكن أن ترتقي مستقبلا الى علاقات ديبلوماسية كاملة، خاصة و أن وزير الخارجية الاسرائيلي سيلفان شالوم، المتحدر من عائلة يهودية كانت تقطن مدينة قابس التونسية، يعتبر نفسه “مغاربي الهوى”. المشكل الذ ي ينتظر الاسرائيليين الان هو أن تيارا مهما أمريكيا بدأ في التصديق الجدي في الأطروحة النيومحافظة (و التي لا يمثل كتاب شارانسكي بالمناسبة إلا قشرة قشرتها حول “الحاجة الدولية” لدمقرطة المنطقة، حيث أن إصلاحات ديمقراطية عربية حقيقية ستجلب الى السلطة (أو دوائر نفوذها على الأقل) بالتأكيد قوى وطنية متعطشة للتأثير السياسي تستمد قوتها الجماهيرية (جزئيا على الأقل) من برنامجها القائم على القطيعة مع الدولة العبرية، و هو ما سيجعل من التطبيع مسألة بعيدة المنال أو في أقل الأحوال على غير الدرجة التي يأمل في تحقيقها الاسرائيليون. و يأتي هذا المأزق الاسرائيلي في ظل خلل شامل يتعلق برؤيتهم الصلفة لعلاقتهم بالعرب حيث لم يعدوا مستعدين للقيام بأي مقايضات حتى مع “أصدقائهم المعتدلين”. و هكذا فقد سمع في النهاية القادة الاسرائيليون نصيحة ليفي أشكول التي أطلقها قبل 40 سنة: “لا تعلقوا أهمية زائدة على ما يسمى بالقادة العرب المعتدلين”.
هذه أهم المعلومات التي تضمنها الكتاب الذي اعتمد على وثائق صادرة من جهات كانت في قلب الحدث لكن بعين إسرائيلية و من موقع اعتبار مصالح الدولة العبرية.

نشأة اللوبي الاسرائيلي بالغرب
بدأ اللوبي الإسرائيلي في إرساء دعائمه ببلادنا مع بداية الترويج للكذبة الصهيونية الاستعمارية بفضل تهافت بعض المتشبثين بأهداب هذه الكذبة التي أضحت واقعا مفروضا بقوة السلاح و النار و على رأسهم آنذاك ” أندري شوراقي” الكاتب العام للرابطة الإسرائيلية العالمية و هو الذي اهتم أكثر من غيره بدراسة أحوال اليهود بشمال إفريقيا إلى حد أنه أكبر المتخصصين في هذا المجال، كما ساهم بشكل كبير في تسميم عقول الشباب اليهود المغاربة آنذاك عبر الجريدة الصهيونية ” نوار ” و هكذا… كانت البداية لتكوين اللوبي من طرف الصهاينة و المتصهينين الجدد حديث الاستقطاب للمشروع الصهيوني. و يفيدنا التاريخ حول أولى هجمات هذا اللوبي بمناسبة صلاة ” بيصاح” { أي السنة القادمة في القدس }، إذ تم استغلالها للترويج للكذبة الصهيونية ببلادنا على يد أحد ” رسل ” الصهيونية و أبرز مؤطريها آنذاك بالمغرب ” برو سيبير كوهن “. فمنذئد بدأت تقوية قاعدة اللوبي الإسرائيلي ببلادنا للحرص على تحقيق كلما من شأنه خدمة المشروع الصهيوني آنيا و مستقبلا. و لقد عمل اللوبي الصهيوني العالمي على خلق صلات بين المغرب و إسرائيل منذ خمسينات القرن الماضي، و يذهب بعض المحللين إلى الاعتقاد أن طرح قضية تمثيلية الشعب الفلسطيني من طرف منظمة “فتح” دون غيرها، كانت بفعل هذا اللوبي لأن إسرائيل كانت تريد التخلص من دور عاهل الأردن { الملك حسين آنذاك } في القضية الفلسطينية، لا سيما و أنه كان الوحيد الذي يستطيع إحراج الكيان الإسرائيلي قانونيا بالمطالبة بالعودة إلى خطوط ما قبل يونيو 1967 ارتكازا على مضمون قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في وقت لم تكن فيه منظمة التحرير الفلسطينية قد ظهرت بعد.

كما أن اللوبي الاسرائيلي بالمغرب قد لعب دورا كبيرا و حيويا في تمكين الموساد من التنصت على مجريات مؤتمرات القمة العربية المنعقدة في الستينات بالمغرب بما فيها الجلسات السرية.

فلقد جاء في كتاب:” المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل ” أن الجينرال الدليمي حمل سنة 1976 أول رسالة من رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين إلى الرئيس أنور السادات.كما جاء فيه أن اللوبي الإسرائيلي بالمغرب عمل جاهدا من أجل ترتيب أول اجتماع سري بين مبعوث الرئيس السادات { حسن التهامي } و مبعوث رئيس الوزراء الإسرائيلي { مناحيم بيغن } و { الجنرال موشي ديان } في شتنبر 1977 . و من القضايا التي ساهمت في كشف قوة اللوبي الإسرائيلي ببلادنا أساليب و آليات الدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل . فمن المعروف أن بلادنا كانت الداعية و الراعية لأمل عقد مؤتمر اقتصادي بين العرب و إسرائيل سنة 1992 في الدار البيضاء . و كان هذا المؤتمر محاولة جريئة في تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية ،و قد اعتبرها البعض من بصمات فعل اللوبي الإسرائيلي بامتياز، و هذا ما كشفت عنه جملة من تصريحات بعض المؤولين الاسرائيلين.

كما أن تتبع جملة من المواتيق و الممارسات و المهام من شأنها توضيح وجود لوبي إسرائيلي ببلادنا.
فالكل يعلم حاليا أن سيرج بير ديكو، و هو الوزير السابق للسياحة تربطه علاقات وطيدة بحزب” ميفدال ” الإسرائيلي و هو حزب يميني متطرف. و قد عمل سيرج هذا على إعداد العدة لتنظيم مؤتمر المنظمة الصهيونية العالمية بمراكش سابقا.
ومن الأحداث التي تسير في هذا المسار عقد لقاء سري سنة 1999 بفندق” الميراج ” بطنجة جمع بين مسؤولين مغاربة و مسؤولين إسرائيلين، لم يعلم أحد ما دار فيه، و قد شارك في هذا الاجتماع “أندري أزولاي”.
كما انه من بصمات اللوبي الإسرائيلي ببلادنا الحملة المسعورة التي استهدفت الفنان السنوسي و التي التزمت بنتائجها جملة من الجهات التي أقررت بتكريس الحصار الاعلامي على ذلك الفنان و راسها الوسائل الاعلامية المرئية التي امتثلت امتثالا كاتوليكا لمسعى اللوبي الاسرائيلي بالمغرب.
و لقد سبق للشهيد المهدي بن بركة أن أكد قوة الوجود و الحضور الاسرائيلي بالمغرب في الخطاب الذي ألقاه بالقاهرة سنة 1963.
و إذا أخدنا بعين الاعتبار تجدر المصالح الاقتصادية الاسرائيلية بالمنظومة الاقتصادية تتبين بجلاء قوة اللوبي الاسرائيلي بالمغرب، و قد سبق للبروفسور المهدي المنجرة أن صرح مرارا و جهرة أن اللوبي الاسرائيلي بالمغرب هو الذي يبلور القرارات الحاسمة و المهمة ببلادنا.
فبعد كل ما ذكر هل يمكن للمرء أن يشك في وجود لوبي إسرائيلي قوي ببلادنا؟؟

إسرائيل و المغرب العربي
على الرغم من أن دول المغرب العربي ، و خصوصا المغرب، بعيدة جغرافيا عن حقل الصراع العربي الاسرائيلي إلا أن الدول المغاربية وجدت نفسها في قلب هذا الحقل، و أحيانا أقحم بعض الأشخاص من المنطقة أنفسهم بما يخدم المصلحة الصهيونية بالدرجة الأولى.
و بعد أن كانت علاقات الكواليس بين أكثر من عاصمة مغاربية و أكثر من شخصية مغاربية على أعلى مستوى و الكيان الصهيوني تبدو في الظاهر كأنها ساخنة ، إلا أنه بدأت جملة من أسرار هذه العلاقات ظلت مغيبة عن قصد تكشفها الأضواء و لا زلنا في الآتي و المزيد. و هذا ما اعتبره البعض أنه حقق انتصارا دبلوماسيا مجانيا لصالح الكيان الصهيوني. و ربما هذا ما قصده بالضبط الوزير الاسرائيلي بقوله أن الجليد سيدوب قريبا بين حكومته و معظم الدول العربية.
و يعتقد الكثير من المحللين السياسيين في المغرب العربي عموما أن الدولة العبرية تراهم كثيرا على دول المغرب العربي و ذلك لأسباب سياسية و اقتصادية و أمنية.
و قد لعبت الجاليات اليهودية التي استوطنت في دول المغرب العربي دورا كبيرا في تحقيق التقارب بين دولتهم العبرية و دول المغرب العربي.
و من المعلوم أن العديد من اليهود ذوي الأصول المغاربية تولوا مناصب حساسة في الكيان الصهيوني. و هذا من شأنه أن يُفسر طرح المغرب نفسه ، في عهد الملك الحسن الثاني كوسيط في أوج الصراع العربي الاسرائيلي. كما أن بعض اليهود المغاربة شغلوا مناصب وزارية و مناصب استشارية لدى العاهل المغربي .
و على مدى سنوات الصراغ العربي الاسرائيلي لعب المغرب أدوارا غير معلنة وصفت بأنها من الأهمية بمكان. و في هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أن رئيس الوزراء الاسرائيلي المغتال إسحاق رابين مباشرة عقب توقيعه على اتفاق غزة _ أريحا توجه إلى الرباط لتقديم الشكر و الامتنان للعاهل الراحل الملك الحسن الثاني على المساعي التي بذلها في سبيل تحقيق التقارب الاسرائيلي القلسطيني.
و في الواقع تراهن إسرائيل على المغرب العربي خصوصا لأسباب إقتصادية و أمنية و جيوسياسية.
فعللى الصعيد الاقتصادي تبرز جل الدراسات الاسرائيلية أن أسواق المغرب العربي تستهلك من المنتوجات الصناعية و الزراعية بما يفوق 30 مليار دولار (300 مليار درهم) سنويا. و جل هذه المنتوجات تصل إلى الدول المغاربية من فرنسا و ايطاليا و اسبانيا و البرتغال و بلجيكا، و تُقرّ هذه الدراسات أن إسرائيل في إمكانها تزويد مختلف الدول المغاربية بنفس البضائع الواردة إليها من دول الشمال البحر الأبيض المتوسط و بكلفة أقل مما هي عليه الآن إذا وصلت تلك البضائع برا في حالة تكريس التطبيع مع العالم العربي بكل أبعاده و تجلياته.
و لم يعد يخفى على أحد الآن أن إسرائيل تتطلع بشغف كبير إلى اليورانيوم الجزائري الموجود بوفرة بمنطقة تاسيلي بجنوب الجزائر.
و تخلص الدراسات الاسرائيلية إلى أن الاستهلاك في دول المغرب العربي واسع و سيظل كذلك باعتبار أن الاقتصاديات المغاربية ستظل اقتصاديات إستهلاكية على المدى المتوسط و حتى المدى البعيد.
أما على المستوى الجيوسياسي ، فإن إسرائيل تطمح في إقامة علاقات سياسية و دبلوماسية طبيعية مع الدول المغاربية باعتبار أن هذه العلاقات من شأنها تسهيل المزيد من تنسيق الجهود على الصعيد الأمني و تبادل المعلومات حول الحركات الاسلامية المعارضة في مجملها للصلح مع اسرائيل. و في هذا الصدد أكدت جملة الأخبار المنشورة في الصحف العبرية ظلت تحاول جاهدة و زالت ، الحصول على معلومات تتعلق بأعضاء في حركة المقاومة الاسلامية حماس و الذين بعضهم يحملون الجنسية المغربية، و محاولة معرفة هل هناك تنسيق بين الحركات الاسلامية في المغرب العربي و الحركات الموجودة بفلسطين و الأردن و لبنان و مصر,
و في الحقيقة أن كل الدراسات الاستراتيجية الاسرائيلية تؤكد على أن التطبيع مع شمال إفريقيا أمر ضروري للأمن الاستراتيجي لإسرائيل. علاوة على أن هذا التطبيع سيلعب دورا حيويا في تكريس الدور الاسرائيلي في كافة القارة الإفريقية. و في هذا الإطار وجب تقييم نجاح إسرائيل في ترميم علاقاتها بمختلف الدول الإفريقية و لم يبق لها إلا منطقة المغرب العربي، بوابة إفريقيا. لذلك تعتبر إسرائيل أنه لابد لها من استحكام دورها بالمنطقة و هي أولوية في نظر استراتيجيي إسرائيل.
و عموما نلاحظ أنه حتى في أوج لحظات التنكيل بالشعب الفلسطيني و الغطرسة الصهيونية انكشفت جملة من العلاقات بين إسرائيل و جهات من المغرب العربي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كشفت مصادر مطلعة في وزارة التجارة الجزائرية أن شركات تجارية في شرق الجزائر كانت على الدوام تُصدّر النحاس والأليمنيوم إلى إسرائيل عن طريق قبرص. إذ أن أكثر من 70 شخص ظلوا يزاولون هذا النشاط و يزودون تل أبيب بالنحاس و الألمنيوم و يتم ايداع المبالغ المالية في حسابات خاصة بنوك أوروبية.
و من الأمثلة كذلك الترتيبات العسكرية التي جرت بين نواكشوط و تل أبيب سابقا بخصوص المناورات المشتركة ضمن المخطط الاسرائيلي الرمي لجعل موريتانيا بمثابة خنجر أسرائيلي في قلب المغرب العربي ، و قد انكشف هذا الأمر بجلاء قبيل الانقلاب الأخير الذي عرفته موريتانيا.
و بخوص تونس نشير إلى مثال وكالات السفر و السياحة التي تنشغل بنقل الآلاف من الاسرائيلين من الأرض المحتلة في فلسطين إلى تونس للحج لمقام غريبة في الساحل التومسي و الذي يليه اليهود أهمية روحية خاصة. علما أن السلطات التونسية تعتبر هذا النشاط جزءا مهما من تنشيط الصناعة السياحة التونسية، و قد تأكدت هذه العلاقة بإعلان زيارة شارون إلى تونس .
و ختاما يرى جملة من المحللين أن إعلان دول المغرب العربي عن وقف اتصالاتها عقب وصول أرييل شارون إلى رئاسة الحكومة لم يكن إلا من باب رفع العذر و الضحك على الشعوب التي ظلت و لازالت تساند إلى أخر رمق القضية الفلسطينية كقضية مركزية.

إختراقات الموساد في المغرب العربي!
مرحلة السبعينات

لقد خصص الكاتب و الصحفي أبو زكريا يحيى جملة من أبحاثه لإشكالية العلاقة المغاربية الاسرائيلية نسوق منها بغض المعلومات المرتبطة بفترة سبعينات القرن الماضة للسماح للقاؤئ من إجراء مقارنات بخصوص جملة من الأحداث التي لازالت تحوم حولها عدة تساؤلات.
لم تصبح منطقة المغرب العربي تحت المجهر اليهودي – الموسادي على وجه التحديد- بسبب التواجد الكبير للفلسطينيين الذين أجبروا على مغادرة بيروت متوجهين إلى دول المغرب العربي , بل إنّ منطقة المغرب العربي كانت مرصودة بسبب مواقف بعض دولها من الدولة العبرية و مشاركتها بقوة في الحروب العربية- الإسرائيلية . وقد استطاعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية و بفضل الوجود اليهودي الغزير في منطقة المغرب العربي من إقامة شبكات استطاعت أن تمد الدولة العبرية بأدق التفاصيل حول قضايا عديدة .وعندما استقرت منظمة التحرير الفلسطينية في تونس ازداد نشاط الأجهزة الأمنية في منطقة المغرب العربي وما لم يكونوا يتمكنون منه عبر شبكتهم كانوا يحصلون على ما يريدونه من معلومات من خلال المخابرات الفرنسية التي اخترقت المخابرات المغاربية وتحديدا في الجزائر وتونس والمغرب . ففي تونس كلف الموساد الإسرائيلي سيدة تونسية بعد أن تم توظيفها في باريس ,بفتح محل للحلاقة النسوية وتحول هذا المحل مع مرور الأيام إلى محط رحال زوجات المسؤولين التونسيين والفلسطينيين الموجودين في تونس وكانت هذه السيدة تقوم بتسجيل ما يتلفظن أو يتحدثن به من أسرار تتعلق بالوجود الفلسطيني في تونس أو بعض القرارات السياسية المزمع اتخاذها .ولم يكتف الموساد بالسيدة التونسية المذكورة بل عمل على شراء ذمم بعض الشخصيات السياسية في الخارجية التونسية للحصول على معلومات تتعلق بنشاط كافة التنظيمات الفلسطينية في تونس .
و قد أعلنت الخارجية التونسية ذات يوم أنها سلمت للقضاء التونسي مديرا رفيع المستوى في الخارجية التونسية لتورطه في التعامل مع الموساد الإسرائيلي . وأستغل الموساد الوجود المكثف لليهود التونسيين الذين يتمتعون بحقوق المواطنة التونسية فورطّ بعضهم في جمع معلومات عن منظمة التحرير الفلسطينية ونشاطها العسكري والسياسي وقد أعتقلت السلطات التونسية ذات يوم اثنين من هؤلاء وأطلقت سراحهما بعد تدخل حاخام اليهود الأكبر في تونس لدى الرئيس التونسي زين العابدين بن علي .ومن الشخصيات الفلسطينية المهمة التي جرى اعتقالها في تونس الرجل الثاني في سفارة فلسطين في تونس عدنان ياسين الذي كلف من قبل الموساد الإسرائيلي بجمع معلومات عن مسودات محمود عباس –أبو مازن- وذلك قبل لقاء جرى بين محمود عباس – أبومازن وشمعون بيريز في القاهرة .وقد تفاجأ أبو مازن لكون شمعون بيريز كان على إطلاع كامل على تفاصيل الطروحات الفلسطينية المتعلقة باتفاق غزة-أريحا أولا .وقد طلب أبو مازن بإجراء مسح على مكتبه فتمّ الاكتشاف أن المصباح الموضوع على مكتب أبو مازن هو في حقيقته جهاز تصوير دقيق للغاية وعندما تمّ اعتقال عدنان ياسين تم العثور في بيته على حبر سري وأربعة أقلام تحتوي على أجهزة تنصت و أفادت المعلومات الأولية عندها أن عدنان ياسين جرى توظيفه في دولة غربية أثناء عرض زوجته التي كانت مصابة بسرطان المعدة على مستشفيات غربية وتم هذا التوظيف في بون وكانت الدفعة الأولى التي استلمها هي 10 آلاف دولار .كما جرى اعتقال العديد من الأمنيين بتهمة التجسس لصالح الموساد الاسرائيلي . وفي الجزائر نجحت فرقة (كوماندو) إسرائيلية من تفجير سفن حربية تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي كانت راسية في ميناء مدينة عنابة في الشرق الجزائري .
وكان الموساد الإسرائيلي يوظف اليهود الجزائريين الذين منحتهم فرنسا جنسيتها عقب انتهاء حربها مع الجزائر و غادروا الجزائر مع القوات الفرنسية في 5 يوليو1962 . وكان هؤلاء على علاقة بمسؤولين جزائريين كانوا يقيمون في فرنسا وكانوا محسوبين على حزب فرنسا في الجزائر وتركيز الموساد في الجزائر كان على أمور المعسكرات الفلسطينية , و التسلح الجزائري , و مفاعل عين وسارة الجزائري النووي . وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض الشخصيات السياسية الجزائرية المحسوبة على التيار البربري واليساري والفرانكوفوني نسجت علاقات مع ضباط في الموساد وذلك في العاصمة الفرنسية باريس , وقد ضبطت السلطات الجزائرية حمولة أسلحة إسرائيلية موجهة من ميناء مارسيليا في جنوب فرنسا إلى ميناء بجاية الجزائري، والتيار السياسي المسيطر على بجاية هو التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية البربري . ومن الشخصيات السياسية الجزائرية التي قتلت برشاش عوزي الإسرائيلي مدير المخابرات العسكرية الأسبق ورئيس الوزراء الجزائري الأسبق قاصدي مرباح .
كما أن السلطات الجزائرية اعتقلت بعض الطلبة العرب الذين جرى توظيفهم لحساب الموساد وكان عملهم أن يجمعوا معلومات (كافة المعلومات المتوفرة) عن مفاعل عين وسارة النووي .
وفي المغرب وجد اليهود الساحة مفتوحة والمجال أرحب وكانت علاقتهم بدوائر البلاط مباشرة , وكان أرباب الشركات الكبرى من اليهود وعندما يشاركون في المعارض الاقتصادية الدولية في الرباط كانوا يحظون بمآدب يقيمها لهم الراحل الملك الحسن الثاني .والذي كان يحاول على الدوام الجمع بين هؤلاء وشخصيات مالية من إحدى دول الخليج , وكانت الشخصيات اليهودية من أصل مغربي كديفيد ليفي وأيلي درعي وغيرهما دائما تجد كل الأجوبة عن كل التساؤلات العبرية . ويعتبر أندريه أزولاي مستشار الملك الراحل الحسن الثاني ومستشار الملك الحالي محمد السادس يهودي مغربي سبق له العمل في مصرف فرنسي كبير قبل أن يتحول إلى القصر الملكي في الرباط كمستشار سياسي وكان أحد أبرز الدافعين الى العلاقات العبرية-المغربية والحوار العربي – الإسرائيلي.
وكانت مقررات القمم العربية و المداولات السرية تصل تباعا إلى تل أبيب عبر الرباط و ربما هذا ما جعل مراسل التايمز اللندنية في الرباط يقول : أنّ يهود المغرب أفضل حالا من السكان الأصليين !!

دور يهود المغرب في تأسيس الدولة العبرية !
لعب يهود المغرب، بجانب يهود دول المغرب العربي عموما، أدوارا حيويا في التمهيد لتأسيس الدولة العبرية و تكريسها على أرض الواقع في فلسطين المحتلة تطبيقا للاستراتيجية الصهيونية المبلورة في مدينة بازل السويسرية سنة 1897 والتي عملت على تفعيل مشروع الحركة الصهيونية القاضي بانشاء دولة اليهود الموعودة في فلسطين المحتلة . وقبل انخراط يهود المغرب في هذه الأكذوبة الصهيونية التي أضحت واقعا بفعل قوة السلاح و النار، كان ضالعين في صناعة الذهب والفضة وأتقنوا هذه الحرفة منذ القدم الى درجة أنّ أحد ملوك كلف بعض اليهود في سكّ عملة المسلمين الذهبيّة ، كما أن اليهود المغاربة احتلوا مواقع مهمة في الادارات العمومية و النسيج الاقتصادي. وشيئا فشيئا أصبح النشاط الاقتصادي لليهود متميزا وحتى المرأة اليهودية انخرطت في مجالات العمل وتحصيل الأموال في وقت كانت فيه المرأة المغربية ترزح بين الجدران الأربعة .وعندما تعرض المغرب الى الاستعمار الفرنسي ازداد نفوذ اليهود الاقتصادي على اعتبار أنهم قدموا كل الدعم للاستعمار الفرنسي بحكم معرفتهم الكاملة بتفاصيل الناس والأشياء والعادات في المغرب العربي و قد منحتهم السلطات الفرنسية الجنسية الفرنسية , كما منحتهم الضوء الأخضر للقيام بكل ما في وسعه لخدمة القضية الصهيونية و تكريس المشروع الصهيوني .
ويفيد الباحث حاييم الزعفراني أنه كان يطلق على اليهود صنّاع الصياغة في النصوص العبرية اسم -صورفيم – وبالعربية الذهابين وكان جودا بن عطّار واحدا من أمهر الذهابين المغاربة في القرن التاسع عشر وكان جودا بالاضافة الى عمله في صناعة الذهب قاضي قضاة ورئيس المحكمة الربيّة .
هذه الخلفية التاريخية التي أكدتها سواء الوثائق اليهودية أو غيرها تبين أن اليهود كانوا ممسكين بعصب الحياة الاقتصادية في المغرب .
و عندما انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال السوسرية سنة 1897 برئاسة تيودور هرتزل , شارك في هذا المؤتمر مجموعة من يهود المغرب الذين قدموا دراسة عن وضعية اخوانهم في دول المغرب العربي وأفادت هذه الدراسة أن عدد يهود المغرب العربي يبلغ ما يناهز 150 ألف يهوديا وحسب الدراسة فان دورهم سيكون بالغ الأهمية في قيام الدولة العبرية . و بذلك كانت المهام الموكولة لهم تتمثل بالأساس في جمع المال للمشروع الصهيوني ونقله الى المنظمة الصهيونية العالمية واقامة تجمعات ومنظمات سياسية , وبناءا عليه تأسست منظمات في المغرب والجزائر منذ أكتوبر1920 ، وفي الوقت نفسه وتحت الرعاية الفرنسية تشكلت مثل تنظيمات نشطت في جمع المال وتوعية اليهود بأهمية أن تكون لهم دولة , كما كانت هذه المنظمات تضطلع بتوزيع المنشورات والكتب التي تدعو للفكر الصهيوني , كما كانت هذه المنظمات تشارك في أعمال المؤتمرات اليهودية العالمية , فعلى سبيل المثال كان اليهود المغاربة يشاركون في أعمال المؤتمر اليهودي العالمي وتحديدا في المؤتمر الصهيوني العام الذي أقيم في القدس سنة 1960 .
وقد كان يهود المغرب براغماتيين الى أقصى الحدود ، فكانوا يتقربون الى الملوك بتقديم هدايا من ذهب يسيل لها لعاب الملوك , وعندما وصل الفرنسيون الى المغرب العربي كانوا في طليعة الداعمين لهم بحكم معرفتهم بالواقع التاريخي والجغرافي للمنطقة المغاربية.
ورغم أن فرنسا اصطحبت معها عشرات الألاف من يهود دول المغرب العربي عقب مغادرتها المنطقة ومنحتهم كل حقوق المواطنة الفرنسية , الا أن بعض الألاف فضلوا البقاء في المغرب وأنفتحوا على النظام وقد استغلوا علاقتهم بالشباب المغربي التكنوقراطي الذي درس في الجامعات الفرنسية وأتقن اللغة الفرنسية وأستوعب الثقافة الفرانكوفونية ووجد نفسه في دوائر القرار بحجة أن العهد الجديد في حاجة الى خبراء ومعظم هؤلاء الخبراء درسوا في الجامعات الفرنسية . وقد نسج بعض اليهود علاقات مع بعض الشخصيات السياسية الى درجة أن بعضهم صاروا وزراء و تقلدوا مناصب عليا و أشرفوا على تدبير شؤون عدة إدارات و بات لهم تغلغل في كل الوزارات والدوائر .
و من المعلوم أنه قد تورط الكثير منهم في قضايا تجسس لصالح الدولة العبرية لكنّ الحكومات المغاربية عموما لا تريد أن تفصح عن هذه الملفات لارتباطها بالأمن القومي من جهة و لأن هذه الأحداث ترتّب عليها لقاءات واتصالات في عواصم أوروبية والكشف عن هذه الاتصالات من شأنها أن يزيد في تعرية الننظم المغاربية المتأكدة من عدم استمزاج الشعوب المغاربية لفكرة التطبيع أو مجرد الاتصال بالدولة العبرية .
والاسهام في تقديم الخدمات من قبل اليهود المغاربة للدولة العبرية تواصل حتى بعد الاستقلال ، وربما الخدمات الحالية تفوق بكثير ما تمّ تقديمه في السابق بالرغم من أن عددهم بالمغرب قليل بكثير مما كان عليه سابقا.

الحسن الثاني و الهجرة السرية ليهود المغرب الى اسرائيل

تلقي هذه الورقة بعض الضوء على هجرة اليهود المغاربة الى اسرائيل و المراحل التي مرت بها و ايضا القصة الشهيرة و الموثقة التي نشرتها الكاتبة الفرنسية اينيس بنسيمون في كتابها ” الحسن الثاني و اليهود : قصة هجرة سرية ” Agnes Bensimon, Hassan II et Les Juifs: Histoire d’une emigration secrete ” و يذكر ان هذه الكاتبة مسيحية في الاصل واعتنقت اليهودية .
ويعود تواجد اليهود في المغرب و حسب الكثير من المصادر التاريخية الى ما قبل دخول الاسلام و لكن عددهم قبل الفتح الاسلامي كان قليلا جدا , الا انه و بعد سقوط دولة الاندلس و طرد المسلمين و اليهود منها لم يكن امامهم الا المغرب فاستضافهم و رحب بهم لذلك نجد ان معظم اليهود المغاربة كانوا قد استقروا بداية في المدن الساحلية كالرباط و الصويرة و العرائش و القنيطرة و طنجة و تطوان و غيرها ثم بدأوا بالتنقل الى مدن داخلية كفاس و مراكش و مكناس . وحسب مصادر مغربية رسمية وصل عددهم في اواخر الاربعينات الى اكثر من 300 الف يهودي وكانوا مقربين من المستعمر الفرنسي و متحكمين في الكثير من مفاصل الحياة الاقتصادية والسياسية المغربية , لكن و بعد اعلان قيام اسرائيل سنة 1948 بدأت تصلهم رسائل من بن غوريون و من قادة اسرائيليين آخرين يطالبونهم بالهجرة الى ارض الميعاد و دعمها هناك , و بالفعل و بدعم من المستعمر الفرنسي بدأت هجرة اليهود المغاربة الى اسرائيل على دفعات ( حوالي 20 ألف سنتي 1948 و 1949 و 40 الف ما بين 1952 و 1955 ). لكن وبعد حصول المغرب على استقلاله سنة 1956 و بسبب الوضع في الشرق الاوسط و ايضا تشكيل حكومة بزعامة حزب الاستقلال المغربي ذو النزعة القومية اعلن الملك محمد الخامس منع هجرة اليهود الى اسرائيل و لكنه منحهم كافة حقوقهم السياسية والمدنية و الاقتصادية . و مع هذا استمرت هذه الهجرة سرا لكن تضايق اليهود من محمد الخامس لانه فعلا رفض الكثير من دعوات الصهاينة للسماح لكل اليهود بالهجرة و استمر الوضع كماهو الى غاية سنة 1961 حين توفي الملك و نصب مكانه الحسن الثاني لتبدأ بعد هذا مرحلة جديدة من هجرة اليهود المغاربة الى اسرائيل .
وحسب نفس الكتاب و ايضا كتب أخرى تحدثت عن هذه الفترة ( Michael M. Laskier, North African Jewry in the Twentieth Century: The Jews of Morocco, Tunisia and Algeria ) فان الرئيس الامريكي ايزنهاور وقبل انتهاء ولايته سنة 1961 و ايضا الرئيس كينيدي والفرنسي مانديس و ممثلين عن الموساد و عن جمعيات يهودية عالمية عرضوا على الملك مساعدته ماديا و معنويا إن هو سهل هجرة اليهود المغاربة الى اسرائيل . و بالفعل تمت الصفقة التي و حسب نفس الكتاب تمثلت في مبلغ مالي وصل الى 250 دولار عن كل يهودي مغربي يهاجر الى اسرائيل . ولان هجرة كهذه و علنا كانت ستسيء للملك امام شعبه المتعاطف مع فلسطين فقد تم التغطية عليها بان قيل ان هؤلاء هاجروا فقط الى فرنسا و امريكا الشمالية و ليس الى اسرائيل , لكن الكتاب تحدث عن هجرة سرية من المغرب الى اسبانيا و فرنسا ثم الى اسرائيل و عبر بواخر امريكية . الصفقة و كافة التفاصيل عنها نشرت في هذا الكتاب و يقال انها تمت في احد فنادق سويسرا بين ممثل عن الملك وهو أحمد العلوي ( شخصية مغربية معروفة ) و ممثل عن الجمعيات اليهودية التي كانت تمول هجرة اليهود من كافة انحاء العالم الى فلسطين . واشار الكتاب ان عدد اليهود الذين هاجروا في هذه الصفقة بلغ 100 ألف لكن مصادر اخرى اشارت الى ان العدد وصل الى 200 ألف , لكنها على العموم أدت الى هجرة عدد كبير منهم الى فلسطين .

و القصة نفسها حدثت في كثير من البلدان العربية حتى مصر عبدالناصر التي سمحت بهجرة سفن تحمل الاف اليهود.
لكن ما حصل في مصر والمغرب والعراق وغيرها من تعدي على التجمعات اليهودية خارج فلسطين ما كان يجب ان يحصل، وهو ان لم يكن دفعهم للهجرة والاستيطان فانه على الاقل اعطاهم الحجة لتبريرهما, خصوصا ان الهجرة الايديولوجية لم تشكل إلا 10 في المئة من المهاجرين اليهود، تستقبل اسرائيل بضع مئات من يهود الغرب، فانها استقبلت في سنة 1990 مليون مهاجر سوفييتي.

محمد حسنين هيكل و ملكي المغرب و الأردن
لقد قال محمد حسنين هيكل أن علاقة الملك الحسن الثاني باليهود علاقة قديمة، بل ذهب إلى القول بتسريب معلومات و وثائق المؤثمرات العربية إلى الأمريكيين. و من المعروف أن الملك الحسن الثاني، في قمة الخرطوم، بعد هزيمة 1967 صرح للرؤساء العرب أن الإسرائيليين يتصلون به و يريدون أن يحددوا و يوضحوا موقفهم و ما يمكن أي يسفر عليه من سلام مستقبلا. كما أنه بصدد إجراء بعض الاتصالات ، و فعلا ثمن قادة العرب هذه المبادرة بدون أدنى حرج، بل شجعوها كثيرا و صرح أغلبهم أنهم يستحسنون أن يكونوا على علم و من مصدر موثوق به بتطور الفكر الاسرائيلي و ما يفكر فيه القائمون على الأمور في اسرائيل و استعداداتهم المستقبلية. و بعد ذلك وعدهم الملك الحسن الثاني أنه سيخبرهم بكل التطورات في هذا الصدد. و قد أكد عبد الهادي بوطالب، أن العرب أجمعوا على أن يمضي ملك مغرب على هذا الدرب. كما أنه من المعلوم أن عبد الهادي بوطالب سبق له أن واجه حسنين هيكل بخصوص جملة من القضايا المرتبطة بالمغرب و بشأنه الداخلي في أكثر من مناسبة.
و لقد تطرق محمد حسنين هيكل في كتابه ” كلام في السياسة ” وتحديدا في صفحة 336 عن علاقة الموساد بالملك الحسن الثاني .
هيكل يتهم ملك المغرب صراحة بانه كان يسمح للموساد بزرع اجهزة تنصت في المقرات التي كانت تعقد فيها مؤتمرات القمة العربية .
يضيف هيكل بالنص : ” الان فقط يمكن لاي متابع ومهتم بالشأن العربي ان يسمح لنفسه بالتساؤل على الاقل عن اسباب الحرص للملك الحسن الثاني على استضافة اكبر عدد من مؤتمرات القمة العربية والاسلامية التي تتعرض مناقشاتها بالضرورة للصراع العربي الاسرائيلي في ذلك الوقت – ثم يلحق بذلك ما يقال الان صراحة وعلى لسان اكبر المسئولين الاسرائيليين واكثر المعلقين في اسرائيل ان جهاز المخابرات الموساد كانت لديه في قاعات اجتماع القمم العربية والاسلامية وسائل تنصت وتسمع . اي ان جهاز الموساد كان طرفا حاضرا في هذه الاجتماعات وان لم يكن مرئيا مشاركا فيها وان لم يفتح فمه بكلمة وهذه مصيبة بأي معيار ” .
و يضيف هيكل في كتابه وبالنص ايضا : ” وعلى سبيل المثال فان الملك الحسن استضاف سبعة مؤتمرات قمة عربية وهذا عدد قياسي من المؤتمرات لم تستطع دولة عربية ان تتحمل تاكليفه او مسئولياته وهي مؤتمر القمة العربية في الدار البيضاء عام خمسة وستين ومؤتمر القمة في الرباط عام تسعة وستين ومؤتمر القمة في الرباط عام اربعة وسبعين ومؤتمر القمة في فاس عام واحد وثمانين ومؤتمر القمة العربية في فاس عام اثنان وثمانين ومؤتمر القمة الطارئة في الدار البيضاء عام خمسة وثمانين ومؤتمر القمة الطارئة في الدار البيضاء عام تسعة وثمانين كما استضاف الملك ثلاث قمم اسلامية ”
و لعل هذا ما يفسر سبب منع المخابرات المغربية كتاب ” كلام في السياسة ” من دخول المغرب تماما كما فعلت المخابرات الاردنية التي منعت الكتاب من دخول الاردن
و محمد حسنين هيكل الذي كان يعرف الملكين الراحلين عاهل المغرب الملك الحسن الثاني و عاهل الأردن الملك حسين معرفة شخصية بحكم عمله وقربه من عبد الناصر يؤكد في كتابه ” كلام في السياسة ” ان الملكين كانا ينفذان ما ورد في كتاب ” الامير ” لميكافلي … وان الحسن قرأ ميكافلي اميرا وطبق اراؤه ملكا … وعرف عن الملك حسين أنه كان لا ينام قبل ان يقرأ في كتاب ” الامير ” لميكافلي .

المخابرات في عهد الحسن الثاني

مرّ المغرب بسنوات تنعث اليوم بأسوأ مراحله بل إنّه وصل خلالها إلى الدرك الأسفل من التهاوي و الإنكسار بخصوص الدوس عن الكرامة الانسانية و الصفة الانسانية , وعلاوة عن التراكمات الداخلية والعوامل الخارجية التي نخرت أسس التعامل مع الصفة الانسانية ،فإنّ من الأسباب المباشرة التي أفضت إلى تردّي الوضع الحقوقي على امتداد سنوات الجمر أو السنوات الرصاصية هو التداخل الخطير في الصلاحيات والمهام والتعارض الكلي بين الظاهر والباطن , ويخطئ بعض الناس عندما يحملّون شخصيات الظاهر الرسمي الموجودة على خشبة المسرح السياسي الرسمي كل مسؤولية الإنكسار في كل تفاصيل حياتنا و التراجع المستمّر في مساراتنا السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية وحتى العسكريّة , و لاعبو الظاهر وإن كانوا يتحملون الجزء الأكبر من مسؤوليّة التردي العام إلاّ أنّ لاعبي الباطن أو أعضاء الحكومات الخفيّة الفعلية – رجال المخابرات – هم المسؤولون بالدرجة الأولى عن معظم نكساتنا الداخلية والخارجية للأسباب الكثيرة و الأمثلة بالنسبة للمغرب متعددة و متنوعة.

فرجال المخابرات هم الذين يعينون الرجل الأول في البلاد وفي أحيان كثيرة يكون القائمون على الأمور و أصحاب مواقع القرار منهم هم نتاجا لتربية مخابراتية وتآمرية , و هم الذين يحمونه و يقدسونه و يبدون بأسنان الكلاب المفترسة كل الذين يقفون في طريقه , وهم الذين ينتجون كريزما المسؤولين و القائمين على الأمور في مختلف المجالات عندنا حتى في المجالات التي لا تفقه فيها المخابرات شيئا ، علما أن المخابرات المغربية كانت هي الإدارة المغربية التي احتضنت أغلب الأميين قلبا و قالبا، ويراقبون كل وسائل الإعلام لتكون في خدمة منحى واحد لا ثاني له و الذي لا يأتيه الخطأ من بين يديه و لا من خلفه , و هم الذين يطهرون المجتمع من أصحاب الأفكار والرؤى و الإستراتيجيات الذين لا يتفقون مع ذلك المنحى الذي لا ثاني له, وهم الذين يصيغون خارطة سياسية على مقاس ذلك المنحى , بل هم الذين يصيغون معارضة سياسية شكلية تعارض النظام الرسمي ظهرا وتقبض من المخابرات في دجى الليل . وهم الذين يصدرون التزكية لهذا وذاك حتى يتبوأ هذا المنصب أو ذاك , وهم الذين يمسكون بكل أبواب التصدير والإستيراد , وهم الذين يبنون جدار برلين بين المواطن وأخيه المواطن ويزرعون بذور الشك بين المواطنين حتى لا يجمع بينهم جامع و بالتالي يسهل تفكيكهم والإنتصار عليهم فيما لو إتحدوا ضدّ هذا القرار أو ذاك, و هم الذين يشرفون على علب الليل و الحانات و أوكار الفساد ومراقبة النصوص المسرحية والفكرية والأدبية و دروس الأساتذة وسط الأقسام و المدرجات . وهم الذين يروجون للثقافة الأحادية و المسرح الأحادي والجريدة الأحادية و البرلمان الأحادي و التلفزيون الأحادي والإعلام الأحادي و الفن الأحادي و الأغنية الأحادية.

وبصماتهم كانت واضحة للعيان في مجال السياسة والإقتصاد و الثقافة والإجتماع مع العلم أنّ بعض المشرفين على الأجهزة الأمنية والإستخباراتية لا توجد لديهم صور وهم غير معروفين على الإطلاق للناس لكنهم أصحاب كل الصلاحيات فقد ملكوا كل شيء وتاجروا في كل شيء حتى في مجال العهر والدعارة , وأقاموا أوشج العلائق مع رجال المال والأعمال الذين حفظوا القاعدة جيدا لا يمكن أن يطعموا إلاّ إذا أطعموا رجال الحديقة الخلفية أو بتعبير العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني الذي قال لكل دولة حديقة خلفية و يقصد رجال المخابرات الذين ألغوا من ثقافتهم مسألة منكر ونكير و قاموسهم اللغوي النزاهة و الأخلاق و الصفة الآدمية و المروءة و العفة و الضمير و… أي كل ما هو جميل انسانيا , فتصرفوا بدون رقيب وبدون محاسب , وعندما يكاد أي جهاز أن يفضح ويتعرى يقدمون أحد الذين إنتهت صلاحياتهم من رجالهم بحجّة إختلاسه لدريهمات ثمّ يطلق سراحه بعد حين بعفو و بتماطل البث في ملفه إلى أن يطاله النسيان.

و بهذا التصرف و باعتماد هذه العقلية المجبلين عليها لم تسبب أجهزتنا المخابراتية فقط في عفونتنا الداخلية بل تسببت كذلك في عفونتنا الخارجية عندما سخروا إمكاناتهم في مدّ الولايات المتحدة الأمريكية و الكيان الصهيوني وفرنسا وبريطانيا بمئات آلاف المعلومات الطازجة التي لو سخرّت واشنطن ملايين الدولارات من أجل الحصول عليها لما تمكنّت من الحصول على النزر اليسير منها .

و العجيب أيضا أنّ رجال الباطن و وراء الستار ببلادنا ورغم أنّهم المسؤولون بالدرجة الأولى عن إحتراق ركحنا السياسي بكل ما فيه من خشبة وستارة وكراسي و و أكسيسوارات فإنهم يسمحون بهامش من الحرية أحيانا لنقد رجال الظاهر , لكن من يحاول رفع الستارة عنهم فعليه أن يعلم أنه دنا من الجحيم في حدّ ذاته .
هذا هو الدور الذي كانت تلعبه المخابرات المغربية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.

علاقة المغرب بإسرائيل بعين عبرية

لقد خصصت عدة صحف إسرائيلية فضاءات للعلاقات الاسرائيلية المغربية ، كما أذيعت عدة برامج إذاعية و بُثت برامج تلفزية بخصوص هذا الموضوع .
بعد الاعلان عن وفاة الملك الحسن الثاني خصصت جريدة المعاريف العبرية 13 صفحة للملك الراحل، كما أعلن اليهود المغاربة الحداد لمدة أسبوع. و صرح بن شطريت …رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين إسرائيل و المغرب ، لإإن العلاقات ظلت قائمة مع الملك الحسن الثاني صاحب الدور المحوري في تشييد مسلسل السلام بالمنطقة. و ظلت الروابط تتقوى معه بواسطة الزيارات السؤية على أعلى مستوى… و أضاف…حتى في أصعب الفترات التاريخية العصيبة قصد موشي دايان و إسحاق رابين و سيمون بيريز الرباط و كانت تنقلهم الطائرات الخاصة للملك و يلتقون به بالقصر بالمغرب… و هكذا زاره وزير الخارجية موشي دايان و قلبله بقصر فاس سنة 1977 قصد تهيئ التقارب المصري الإسرائيلي. أما أول سفرية سرية لبيريز فكانت سنة 1978 و كان لقاؤه بالملك بخصوص منظمة التحرير الفلسطينية و في واقع الأمر هذا اللقاء هو الذي هيأ مبكرا لتجاوز أزمة 1995.
و صرح بيريز قائلا… إن هدف الملك الحسن الثاني كان دائما هو تحقيق السلم و السلام بالشرق الأوسط.
و قال بنعمي سالومو، و هو من مواليد طنجة، تقلد وزارة الأمن و الداخلية… إن الملك الحسن الثاني كانت له نظرة برغماتية ثاقبة ببعدين،السعي وراء الإقتراب من الغرب و الثوق لربط علاقات منتجة بين اليهود و المغرب.
و قد نشرت إحدى الصحف الإسرائيلية أن الملك الحسن الثاني زاره مناديا في منامه و نصحه بتخليص الدجاج من القفص الذي يحبسهم. و حدث هذا بعد أسابيع فقط على إعتلائه عرش البلاد خلفا لولده الراحل الملك محمد الخامس. و أضافت الصحيفة… و عملا بالتقاليد أرسل الملك الحسن الثاني لإحضار أحد كبار الخاخامات قصد تفسير الرؤية، و كان التفسير كالتالي: إن الرؤية تعني أن والدكم كان يرغب في تخليص اليهود و تمكينهم من المغادرة إن رغبوا في ذلك… و تستمر الصحيفة في مقالها موضحة أن الملك محمد الخامس وافق فعلا على هجرة اليهود المغاربة بعد وقوع حادثة الباخرة “إيكوز” سنة 1961 التي ذهب ضحيتها أكثر من 40 مهجرا سريا من ضمنهم 16 طفلا… كما أكدت الصحيفة أن الملك الحسن الثاني وافق هو كذلك على الأمر و زاد في حيتيات الإتفاق حيث سمح لليهود بتفويت أملاكهم قبل مغادرتهم المغرب.
و قد اجمعت الصحف العبرية على التعاون الحاصل بين الموساد و المغرب و أقرت أنه سمح للموساد بفتح مكتب له بالمغرب و بالإشراف تدريب رجال المخابرات المغاربة كما ساهم أعضاؤه في حراسة الملك و ساهموا في تسهيل عملية اختطاف المعارض المهدي بن بركة و كل هذا تم في سرية تامة.
و قال “جوزيف أولفير”، مسؤول سابق في الموساد… كانت هناك علاقات حميمية متبادلة بين المغرب و إسرائيل و ظل للموساد حضور دائم… و أضاف أن الموساد كان يوفر العون للمغرب في التقنيات المخابراتية و تحليل المعلومات لخدمة الاستقرار بالبلاد لأن المغرب بالنسبة للإسرائيلين ظل داءما في عيونهم نافذة التأثير على العالم العربي.
و قد أقرت أكثر من صحيفة إسرائيلية أن الكثير من الدول العربية كانت على علم بالعلاقات التي تربط المغرب بإسرائيل كما أن أغلب القادة العرب استحسنوها و وافقوا على استمرارها لتفعيل مسلسل السلام بالمنطقة في الكواليس آنذاك.

قضية بن بركة و الموساد

لقد أكد كل من تكلم من المقربين للقصر و من الجنرال أوفقير أن هناك 3 أجهزة أمنية مخابراتية شاركت في اختطاف و اغتيال الشهيد المهدي بن بركة، و هي المخابرات الفرنسية و الموساد الاسرائيلي و طبعا المخابرات المغربية.و قد أكد أكثر من مصدر أن المخابرات المغربية كافأت الموساد بالمقابل بكم هائل من المعلومات عن مجموعة من الفصائل الفلسطينية و رجالاتها الذين كانوا يستخدمون أسماء حركية و مستعارة في العديد من العواصم الغربية الشيء الذي أفاد كتيرا المخابرات الاسرائيلية في العمليات التي هيأتها بخصوص هؤلاء لاحقا.
و في هذا الصدد اضحى من الضروري الآن لو كانت فرنسا تريد التصالح مع تاريخها كواجهة للحرية و الإنسية الإنسانية عليها المبادرة تلوا و قبل فوات الأوان للكشف عن كل ما تمتلكه من حقائق و معطيات في القضية و تلغي الطابع السري عن الوثائق و المستندات المرتبطة بهذه القضية، و إلا ستكون منعوتة بدرجة جرم أكبر من درجة جرم من أمروا أو نفدوا إغتيال الشهيد المهدي بنبركة.
و من المصادر الاسرائيلية التي تطرقت مؤخرا لعلاقة الموساد بإغتيال الشهيد بن بركة كتاب الباحث الاسرائيلي ” إيجال بن نون” و الذي جاء فيه أن الشهيد المهدي بن بركة أجرى لقاءات مع أحد مسؤولي الموساد بأوروبا و هو يعقوب كاروز . وقبل هذا كان يلتقي بأدري شوراقي رئيس الوكالة اليهودية. وقد بدأت هذه اللقاءات منذ سنة 1960.
كما كشف “إيجال بن نون” في كتابه عن تقارير بخط يد “أندري شوراقي” تؤرخ للقائين مع الشهيد المهدي بن بركة في مارس 1960، و لقائه مع يعقوب كاروز المسؤول على الموساد بفرنسا.
كما كشف الباحث عن إحدى تقارير المؤتمر اليهودي العالمي تضمنت تفاصيل لقاء الشهيد المهدي بن بركة مع إيستيرمان أحد الأعضاء البارزين بالمؤتمر اليهودي و كان هذا اللقاء في بداية شهر أبريل من سنة 1960. و ذكر هذا التقرير أن الحديث بين الرجلين دار حول إشكالية توقيف خدمة البريد بين المغرب و إسرائيل ومنع اليهود المغاربة من الحصول على جوازات السفر للحيلولة دون تمكنهم من الهجرة إلى إسرائيل. و يشير التقرير إلى أن الوزير الأول آنذاك، عبد الله إبراهيم، رفض مقابلة “إيستيرمان” كمبعوث من طرف منظمة المتمر اليهودي العالمي عندما حل بالمغرب.
هذا ما كشف عنه “إيجال بن نون ” بخصوص العلاقة بين الموساد و الشهيد بن بركة.
و ردا على هذا قال البشير بن بركة نجل الشهيد أن كل ما ادعاه “إيجال بن نون” رغم أنه يزعم أنه اعتمد على تقارير موجودة ، يتناقض بالمام و الكمال مع السار الفعلي الذي سار فيه الشهيد منذ بداية مشواره لاسيما بخصوص القضية الفلسطينية التي ظل يعتبرها قضية وطنية و قومية محورية لا يمكن بناء مستقبل المغرب كما كان يراه إلا بتحديد موقف واضح بخصوصها، و موقفه بصددها لا يخفى على أحد، بل إن الاستراتيجية التي كان يعتمدها الشهيد تستبعد بكل تأكيد إمكانية التعامل أو التفكير في التقرب من إسرائيل بأي شكل من الأشكال و لو تاكتيكيا لخدمة مصلحة مرحلية آنية.
و الآن بعد انكشاف فحوى الوثائق الاسرائيلية لازالت الوثائق الفرنسية تنتظر دورها، و لازالت واشنطن هي كذلك لم توافق إلى حد الآن على كشف ما يناهز 1800 وثيقة و مستند تهم قضية الشهيد بن بركة رغم طلب كل المنظمات الحقوقية.
و في هذا الصدد وجبت الإشارة إلى أن الصحف الأمريكية كادت تجمع على نفي القائمين على أمور C I A بمعرفة عملائها الذين ذكرهم أحمد البوخاري في تصريحاته، و لم يعترفوا إلا بإسمين و هما “كراوفورد ويليام” و هو ديبلوماسي و “فريديريك فريلاند” و هو مستشار إقتصادي بالسفارة الأمريكية ، اللذين غادرا المغرب بعد انكشاف قضية الشهيد بن بركة. و قد أكد هاذين الرجلين على صفحات الصحف الأمريكية أن التعاون كان قائما بين السلطات المغربية و الموساد بخصوص اقتفاء آثار المعارضين المغاربة. كما أشارا أن الذين ذكرهم البوخاري في تصريحاته (مارتان و غيره) لا علاقة لهم إطلاقا بالمخابرات الأمريكية (C IA ) و من المحتل جدا أن يكونوا عملاء للموساد.

محنة اليهود المغارب بأرض الميعاد
شهد شاهد من أهلها

بأسلوب أدبي وصحافي، سبق للكاتب الاسرائيلي “إسرائيل آدم شامير” أن جمع مقالاته المنشورة عامي 2001 و2002 والبالغة 54 مقالا كتاب سماه “الوجه الآخر لإسرائيل”، وصدر الكتاب باللغة الإنجليزية، ولما ترجمته دار بالان ودار بلانش بفرنسا سنة 2003، تعرض لحملة شرسة من اللوبي الصهيوني الفرنسي وسحب من الأسواق رغم إفلات بعض النسخ ووصولها إلى المغرب. ثم تولت دار الأقلام الفرنسية طباعته ونشره من جديد في غشت 2004 و قد اقتناه الكثير من المغاربة من المعرض الدولي الأخير للكتاب والنشر المنظم بالدار البيضاء في فبراير 2005. و يخصص المؤلف مقالا مطولا لمحنة اليهود المغاربة.
و فيه يزيح المؤلف اللثام عن تناقضات داخلية في المجتمع الصهيوني، ويخص بالذكر منها محنة اليهود المغاربة، ويعود قليلا ليذكرنا بما فعله الصهاينة من أجل إعمار المناطق المفرغة من سكانها الفلسطينيين، إذ قام الموساد بخداع الجاليات اليهودية بالمغرب العربي وإرهابها، لدفعها إلى ترك بلدانها الأصلية والاستقرار في إسرائيل.

ويصفهم صاحبهم بأنهم قوم شجعان، “غير أنهم مظلومون، كانوا متخوفين على مستقبلهم لأن الفرنسيين شرعوا في مغادرة أفريقيا الشمالية. وحدها الشخصيات القوية اختارت الاختيار الأصوب وبقيت مع السكان الأصليين، المغاربة والجزائريين والتونسيين والليبيين، ولم يندموا على ذلك”.

وفي إشارة إلى أندري أزولاي المستشار اليهودي المغربي لملك المغرب محمد السادس، وإلى سيرج بيرديغو الذي شغل منصب وزير في حكومة سابقة للملك الراحل الحسن الثاني يقول الكاتب “هم اليوم وزراء أو مستشارون للملك، وآخرون بهرهم الحسن القاهر للمدينة الفرنسية، فرفضوا شبح الدولة اليهودية واستقروا بفرنسا، وهم الذين أعطوا للدنيا جاك دريدا وألبير ميمي”.

والذين هاجروا إلى إسرائيل يشكلون 75% من المعتقلين. دخلهم لا يمثل سوى جزء من دخل اليهود ذوي الأصل الأوروبي. علماؤهم وكتابهم حظهم قليل في العمل ضمن الجامعات الإسرائيلية. صورتهم عن أنفسهم رديئة جدا، إذ يكرهون أنفسهم. “ليس عارا أن تكون مغربيا” كما يقول الإسرائيليون، ويضيفون بسرعة، و”ليس شرفا كبيرا بالمرة”.

لقد جيء باليهود المغاربيين بأعداد كبيرة، ورشت عليهم مادة “دي دي تي” لقتل القمل المعشش فيهم، ووضعوا في مخيمات اللاجئين التي تحولت فيما بعد إلى مدن نييفوت وديمونا وبيروشام، وما يزالون فيها.

البطالة ضاربة أطنابها في أوساطهم والفقر لا يفارقهم، يسدون رمق العيش بفضل بعض المساعدات والتبرعات المماطلة لليهود الأشكيناز الذين يتحكمون في مقاهي تل أبيب.

بعض هؤلاء اليهود الشرقيين وصلوا إلى خلاصة مفادها أن محرقة الهولوكوست كانت عقابا مستحقا للمحتقرين “الأشكيناز” كما يكتبون. ومن المرجح أن تكون إسرائيل هي المكان الوحيد في هذه الأرض حيث يمكن أن نسمع من يقول “مع الأسف ألا يكونوا قد حرقوك في أوشوويتز”. بل إن الحبر الأكبر لليهود السيفرديين يوسف أوباد ياه فسر أخيرا الهولوكوست على أنه بسبب ذنوب اليهود الأوروبيين وخطاياهم.

وفي كل مرة يتمكن فيها يهودي شرقي من صعود السلم الاجتماعي يتعاون النظام على إسقاطه. فكثير من السياسيين الشرقيين الشعبيين ممن يمكن أن يهددوا سيطرة النخب الأشكيناز يوجدون في السجون، “أري درعي” الوزير المغربي اللامع الذي رفع حزبه من لا شيء إلى 17 مقعدا بالبرلمان ما زال يقبع في السجن بعد ما جمعت لجنة تحقيق ضده حججا لإدانته. وسلفه “هارون أبو هتزيرا” ـ ابن يهودي مغربي ـ وهو حبر ووزير، أدخل إلى السجن لمخالفات مالية، وهي التهمة الرائجة في بلدنا هذا بالشرق الأوسط. والناشر القوي العراقي “عوفير نمرودي” قضى أكثر من سنة في السجن قبل أن يحاكم ثم أطلق سراحه بسرعة بعد ذلك لانعدام البراهين الدامغة ضده.

وإسحاق مردخاي الكردي وزير الدفاع الذي كان يخطط للوصول إلى منصب رئيس للوزراء، توبع بتهمة الاستغلال الجنسي، و”شلومو بن عامي” -البروفيسور المغربي والوزير- استغل كبش فداء في الزيارة الشنيعة لشارون إلى جبل الهيكل.

شبكة ” ميسكيري”

“ميسكيري” هو الاسم الذي أُطلق على شعبة أو شبكة الموساد المكلفة بالسهر على ترحيل اليهود المغربة سرا إلى أرص الميعاد.
لقد جندت الموساد عدة أشخاص للقيام بهذه المهمة بالمغرب و بفرنسا. و من بين هؤلاء “شاهي” و هو من موليد المغرب في ثلاثينات القرن الماضي و ضابط في الجيش الفرنسي. بعد استقطابه سنة 1955 تم إرساله إلى إسرائيل للخضوع لتدريب جماعي في معسكر سري. و شارك معه في ذلك التدريب 50 شخصا تلقوا تكوينا في المواجهة و القتال و الدفاع عن النفس و تدبير العمليات السرية و طرق اتخاذ الاحتياطات و العمل في السرية . و رغم أن التدريب كان جماعيا فلم يتمكن أحد المتدربين على التعرف على الآخرين. و في نهاية التدريب زارهم كل من موشي دايان و رئيس الموساد آنذاك “إيسير هاريل”.
و بع د نهاية التدريب ألتحق “شاهي” بمدينة الدار البيضاء و شرع في حضور اجتماعات بإحدى الشقق كائنة بعمارة الحرية. و قد تكلف بالإشراف على عمليات تهريب اليهود المغاربة عبر البحر انطلاقا من أحد الشواطئ بضواحي المدينة.
كانت بواخر تأتي إلى عين المكان و ترسل مراكب لنقل المهاجرين إليها لتنطلق بهم في اتجاه فرنسا أو جبل طارق. و إحدى الليالي كشف بعض المغاربة العملية ، و كان تلك الليلية رئيس الموساد “هاريل”حاضرا بنفسه بعين المكان لمعاينة العملية و بفضل ” شاهي ” تمكن من الفرار و الالتحاق بالمطار ثم توجع إلى فرنسا و منها إلى إسرائيل.
و بعد أن انكشف أمر شبكة “ميسكيري” تلك الليلة التحق “شاهي” بإسرائيل.
حكاية من حكايات هجرة اليهود المغاربة السرية

في يوم 11 يناير 1961، كانت الباخرة “إيكوز” على وشك تحقيق السفرية رقم 13 في اتجاه جبل طارق. إنها باخرة قديمة أُستعملت في الحرب العالمية الثانية من طرف البحرية الملكية البريطانية ثم آلت بين يدي أشخاص يستعملونها في التهريب. كان ذلك اليوم على مثنها 10عائلات يهودية مغربية و كان مجموع الأفراد 42 من ضمنهم 16 طفل ذكورا و إناثا. و كان طاقم الباخرة يتكون من القبطان الاسباني و 3 بحارة إضافة لعميل الموساد “حاييم سرفاتي” (28 سنة) المكلف بالإشراف على جهاز الراديو و الاتصال.
…كانت الباخرة “إيكوز” على وشك الإقلاع… و كان على تلك العائلات أن تقطع ما يناهز 600 كلم، من جنوب المغرب إلى شماله للالتحاق بالباخرة.
و حتى لا يثيروا الانتباه، باعتبار أنه أضحى من المعرف أن سكان الملاح في مختلف المدن بدأوا يغيبون عن الأنظار و لم يعد يطهر لهم أثر، أشاعوا أنهم ذاهبون لزيارة قبر وليهم عمران بن ديوان بمدينة وزان ، و بعد الابتعاد عن وزان قيل لهم أن يقولوا لكل من يسألهم عن وجهتهم أنهو ذاهبون إلى ناحية الحسيمة لحضور حفل زفاف عائلي.
…كانت الرحلة صعبة و شاقة لا سيما عند عبور جبال الريف المكسوة بالثلوج… و في كبد الليل قاد المجموعة شخصين ، يخفيان وجهيهما و يحملان سلاحا ناريا و كانا من الموساد، إلى شاطئ مهجور بضواحي مدينة الحسيمة… وضعوهم في مراكب أبحرت بهم إلى الباخر التي كانت راسية بعيدة عن الشاطئ.
.. انطلقت الباخرة ” إيكوز” في اتجاه جبل طارق و على بعد 10 أميال من نقطة الانطلاق هبت عاصفة هوجاء لم تكن في الحسبان رغم ألأن المشرفين على الرحلة قد سمعوا للنشرة الجوية و قرروا أن الجو مناسبا…لم تقو الباخرة على مقاومة الأمواج … و في الساعة 3 ليلا غرقت و لم يعد يظهر لها أثر… قبل ذلك بقليل استحود القبطان و البحارة علة مركب الإغاثة الوحيد و لادوا بالفرار تاركين كل الركاب لحالهم رغم وجود اطفال و نساء و عجزة بينهم… كان عميل الموساد قد تمكن من إرسال برقية النجدة… كما أن القبطان الفار صادف في طريقة مركب صيد حمله فحكى لقبطانه الحكاية و هم كدلك بث برقية نجدة و توجه إلى عين المكان,
…وصل الخبر إلى “أليكس كاتمون” رئيس شبكة تنظيم “ميسكيري” بالمغرب فأخبر رؤساءه بالموساد… و تحركت عدة جهات لإنقاد الغرقى، تحركت مراكب مناسبانيا و الجزائر و فرنسا و جبل طارق و حتى من المغرب لكن المقدين وصلوا بعد فوات الأوان …غرق الجميع و لم يتم العثور إلا على 22 جتة من ضمنهم 16 طفلا و رغم البحث لم يعترون على 20 المتبقين.
و على إثر هذا الحادث المؤلم وُزعت مناشير بالملاح بمختلف المدن المغربية… و استقبل ولي العهد آنذاك (الملك الحسن الثاني) وفدا مكونا من الدكتور ليون بنزاكن، الوزير السابق للبريد و صديق الملك محمد الخامس( و للإشارة هو جد الاسرائيلية “إيدفا” من أمها و هي التي ادعت أنها بنت الملك الراحل) و دافيد عمار رئيس الجالية اليهودية بالمغرب و، و كذلك كبير الخاخامات دافيد ماساس، و قد طلب هذا الوفد من ولي العهد رخصة إقامة مراسيم جنازة المفقودين 42 أو 43 حسب طقوس الديانة اليهودية، وافق العاهل شريطة أن يكون عدد الحاضرين للجنازة محدودا جدا.
و تم دفن 22 بميعارة الحسيمة. و اعتبر 14 دجنبر يوم حداد ظلت تحتفي به إسرائيل إلى الآن.
و في 14 دجنبر 1992 وافق الملك الحسن الثاني على ترحيل رفاة المفقودين إلى جبل هيرزل بالقدس.

هجرة اليهود المغاربة كانت ورقة مربحة حقا…

إن هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل في فجر ستينات القرن الماضي كانت ورقة مربحة ماليا في ظاهرها.
فقد اقترح المفاوضون المغاربة على الإسرائيلين أداء تعويض مالي قدره 250 دولار أمريكي على كل مهاجر يغادر أرض المملكة إضافة لتسبيق إجمالي قدره 500 ألف دولار و قد خص هذا الاتفاق ترحيل ما يناهز 50 ألف يهودي مغربي.
و فعلا وافق الإسرائيليون على الإقتراح إلا أنهم اشترطوا مقابلة الملك الحسن الثانيليتيقنوا أن جلالته على علم بالصفقة ,ان المبالغ المدفوعة ستصل إلى الجهة و الغاية المرصودة لهما و أن لا تتسرب إلى بعض الجيوب.
و قد أكد روبير أصراف ، رئيس الاتحاد الدولي لليهود المغاربة أن إسرائيل أدت فعلا في البداية 50 دولار على كل يهودي غادر تراب المملكة ، كما أكد أن المؤتمر اليهودي الدولي دفع تسبيق للمغرب قدره 500 ألف دولار.

التعاون العسكري

لقد سبق لجملة من السياسيين أن تساءلوا عن وجود تعاون عسكري بين المغرب و الدولة العبرية. و قد اعتمد هؤلاء للتصريح بهذا التساؤل في وقت كان فيه من الصعب بمكان الحديث عن مؤسسة الجيش الملكي ناهيك عن علاقة هذه المؤسسة بإسرائيل، على جملة من المؤشرات. و من ضمنها تعيين الجنرال محمد أوفقير سنة 1959 على رأس الأمن الوطني مكان و محل محمد الغزاوي. و قيل آنذاك أن هذا التعويض كان بايعاز من “إيسير هاريل” رئيس الموساد في تلك الفترة. و قد كان تدشين التعاون العسكري بين إسرائيل و المغرب عندما اضطلعت الموساد بمهمة إعادة هيكلة مختلف مصالح المخابرات المغربية (الكاب 1 آنذاك).
و قد أكدت “أنييس بنسيمون ” في كتابها ” الحسن الثاني و اليهود” أن الجنرال محمد أوفقير كان علاقة مباشرة و مستديمة بالموساد, كما أنه ساهم في تسهيل مهمة المنظمة السرية “ميسيكري” التي أحدثتها إسرائيل للإشراف على عمليات ترحيل اليهود المغاربة إلى “أرض الميعاد” . و هذا ما أكدته جل الوثائق الاسرائيلة التي أزيح عنها مؤخرا طابع السرية و التي اعتمد عليها جملة من المحللين و الكتاب العبريين لنشر كتب و دراسات و مقالات بخصوص تلك المرحلة التي ظلت بعض أحداثها يلفها الغموض الكثيف. و لعل إزاحة طابع السرية بخصوص الوثائق الأمريكية و الفرنسية من شأنها أن تساهم في المزيد من الاثبات و التوضيح.

مصالح إسرائيل الاقتصادية بالمغرب

هناك مصالح اسرائيلية كثيرة ببلادنا، لاسيما و أن الاسرائيليين تمكنوا من التسرب بمختلف الأشكال في جملة من القطاعات الاقتصادية و تمكنوا من إرساء مصالح أكيدة . و لا يخفى على أحد إن هذاه المصالح تساهم، بشكل أو بآخر، في تمويل الآلة الحربية الاسرائيلية.
علما أن بعض الجهات ظلت تلعن جهرا أن العلاقات انتهت رسميا مع اسرائيل منذ 23 أكتوبر 2000، في عهد نتنياهو، مع إقفال مكتب الاتصال الاسرائيلي بالرباط ومكتب الاتصال المغربي بتل أبيب، على مختلف الأصعدة و من ضمنها العلاقات الاقتصادية و التجارية كما قيل آنذاك . و في هذا الصدد وجبت الإشارة إلى أنه في تلك الفترة قامت ثلة من الفعاليات المغربية بتوجيه ملتمسا للوزير الأول ’نذاك عبد الرحمان اليوسفي لمطالبته بمنع استيراد المنتوجات الاسرائيلية و عدم قبول أي سلعة آتية من سرائيل أو من شركات إسرائيلية إلا أن الوزير الأول لم يولي أي اهتمام لهذا المطلب و تجاهله جملة و تفصيلا,
علما أنه آنذاك كشف أكثر من مصدر على علاقات تعاون اسرائيلي – مغربي على الصعيد العسكري و تناسلت التصريحات منذ عقد معاهدة أوسلو سنة 1993 و لم يصدر أي تكذيب بخصوص ما نشر في هذا الصدد.
كما أن المتتبعين لشؤون الاستثمار ببلادنا أكدوا أنه في منتصف تسعينات القرن الماضي لم يفوت الاسرائيليون أي فرصة للاستثمار ببلادنا. و آنذاك تم التوقيع على اتفاق بين الخطوط الملكية الجوية و شركة “عال” الاسرائيلية عندما كان اليهودي سيرج برديكو وزيرا للسياحة.
و في تلك الفترة تناسلت الأخبار و الاشاعات بخصوص الكثير من المشاريع بين رجال أعمال مغاربة و نظائرهم الاسرائيليين رغم أن الكثير منها لم ير النور. و من ضمنها مشروع “هنا مردخاي” السياحي بآكادير. و كذلك محاولة المجموعة المالية الاسرائيلية “كول بيس بروجكت” إحداث فرع لها بالدار البيضاء من طرف دافيد عامران” و هو ضابط سامي سابق بالجيش الاسرائيلي. و هذا إضاقة لجملة من المشاريع الاستثمارية في قطاع التجهيزات و التكنولوجيا الفلاحية، و بالخصوص فيما يتعلق بتقنيات السقي و يدبير الماء.
و في هذا الإطار تكلفت شركة “تاهال” بتطهير المياه بمدينة بنسليمان قصد استعمالها لسقي ملعب المدينة. كما لوحظ آنذاك حضور بارز لإسرائيليين في مشروع التجارب بآزمور و تم إحداث شركات ترميم آلات و معدات السقي و الري و شركة للملاحة البحرية بمساهمة مهمة لأموال اسرائيلية.
و من المعروف الآن أنه منذ سبعينات القرن الماضي ظلت الشركات الاسرائيلية تبيع التجهيزات الفلاحية للمغرب، في البداية كانت تتم العمليات مباشرة، و بعد ذلك بواسطة الشركة الهولاندية “سلويس و كروت” و شركات اوروبية أخرى و أغلبها مستقرة بقبرص. علما أن البنك الدولي و صتدوق النقد الدولي ساهما في تمويل جزء كبير من أقنتاء المنتوجات الاسرائيلية بواسطة قروض منحت للمغرب. و بهذه الطريقة ولجت شركة “نيطافيم” الاسرائيلية غلى الضيعات المغربية في واضحة النهارن و هي التي كانت وراء فضيحة بذور الطماطم الفاسدة المستوردة من اسرائيل و التي ألحقت أضرارا بالغة بزراعة الطماطم ببلادنا في عدة مناطقة مغربية رائدة في انتاجها. و قد تبين عبر أكثر من مصدر خارجي أن الأمر كان مقصودا و مخطط له.

و في منتصف الثمانينات و تسعينات القرن الماضي تمكنت بعض الشركات الاسرائيلية مع أخرى أوروبية، مثل شركة فيف كونترول” الاسرائيلية و شركة “ريكافيم” الاسرائيلية الاسبانية و “زيماك” و شركة “تاهال” و شركة “سوبروما” و شركة “حيفا شيميكال” و شركة مارتيشيم” و غيرها من الشركات الاسرائيلية من اختراق النسيج الاقتصادي المغربي.

الشركات الاسرائيلية بالمغرب

هناك الكثير من الشركات المتواجدة بالمغرب على علاقة وثيقة بشركات إسرائيلية تتحكم فيها طولا و عرضا . و رغم أنه ليس من السهل كشف هذه العلاقة بوضوح إلا أن هناك بعض الأمثلة البارزة التي تفيد و بامتياز هذا التواجد القوي للمصالح الاسرائيلية بالنسيج الاقتصادي المغربي.
و من هذه الأمثلة البارزة شركة “زيماك” المحدثة بالدار البيضاء سنة 1983. و هي في الحقيقة فرع من فروع شركة “زيم” للملاحة التي يمكن للمواطن العادي أن يعاين من حين لآخر “كنطيرات” ضخمة لها بميناء العاصمة الاقتصادية و هي تحمل بوضوح و بأحرف كبيرة رموز الشركة ( Z I M ) .
و تساهم الدولة الاسرائيلية في رأسمال الشركة الأم “زيم” بأكثر من 48 في المءة ، و هي شركة ملاحية تؤمن رحلة بحرية مرة أو مرتين في الشهر بين المدينة الاسرائيلية أشدود (حيفا) و برشلونة الاسبانية و الدار البيضاء.

أما شركة “تاهال” فهي متخصصة في تكنولةجيا الري الزراعي. و قد ساهمت في إقامة مشاريع بمدينة بنسليمان و بوجدة.

و أنشأت شركة “ريكافيم” سنة 1993 بالمغرب كشركة اسبانية و هي في الحقيقة فرع لشركة “نيطافيم” الاسرائيلية المتخصصة في التكنولوجيا الفلاحية.

كما تم إحداث في نفس الفترة شركة “سوبرومان” المتخصصة في شتائل الموز و الطماطم.
أما شركة “حيفا شيميكال” المتخصصة في الأسمدة فقد اقتصرت على أن تكون ممثلة من طرف الشركة الفلاحية لسوس. و نفس الشيء بالنسبة لشركة “مارشيم” الممثلة من طرف الأومنيوم الفلاحي لسوس.
و ما هذه إلا أمثلة لشركات ظاهرة، أما المصالح الاسرائيلية الباطنية فهي موجودة عبر الكثير من الشركات العديدة الأخرى و هي قائمة رغم عدم ظهورها بالاسم و المسمى.
و من الملاحظ أن القطاعات التي تسجل حضورا بارزا للمصالح الاسرائيلة بالمغرب هي قطاع الأبناك و الخدمات و الوساطة و قطاع النقل البحري و قطاع الفلاحي و القطاع السياحي، علما أن هناك اهتمام واضح في السنوات الأخيرة بالقطاع الفلاحي و لعل خوصصة أراضي سوجيطا و صوديا هي فرصة للمزيد من التغلغل الاسرائيلي بالقطاع الفلاحي المغربي و من المنتظر أن يكون بغطاء اسباني لا محالة.
و من المعلوم الآن أنه في تسعينات القرن الماضي كثرت الوفود الاسرائيلية التي حلت بالمغرب و الوفود المغربية التي اتجهت إلى إسرائيل. فقد حضر رجال أعمال اسرائيليين في سبتمبر 1997 للمشاركة في المؤتمر العالمي للماء الذي انعقد بمدينة مراكش. و تناسلت الزيارات سنة 1999 في الخفاء لتزامنها مع اتساع مدى الجولة الثانية للانتفاضة الفلسطينية. لكن ظل قائما رواج و ترويج المنتوجات الاسرائيلية بالأسواق المغربية إذ ارتفعت المبيعات الاسرائيلية بالمغرب ’نذاك بما قدره 18 في المئة على أقل تقدير.

الاختراق الاسرائيلي للقطاع الفلاحي المغربي

لم يعد يخفى على أحد الآن أن تقنيات الري الاسرائيلية اجتاحت القطاع الفلاحي العصري و شبه العصري بالمغرب. إنها تغطي ما يفوق 40 ألف هكتار، علما أن أكثر 65 في المئة من الفلاحين المغاربة الذين يتعاطون لزراعة البواكر يفضلون، فعلا و فعليا، التجهيزات و التقنيات الاسرائيلية، لاسيا تلك التي يسمونها “بابريلا” و “وادانيلا”. إذ أضحى من الصعب بمكان التخلي عنها من طرف الفلاح المغربي.
كما أن إحدى الدراسات أقرت بأن 85 في المئة من الفلاحين المغاربة يستعملون البذور الاسرائيلية.
لكن كيف كانت تصل المنتوجات الاسرائيلية إلى السوق المغربية ، قبل فتح أبواب المغرب على مصراعيها، رغم عدم وجود علاقات تجارية رسمية بين بلادنا و الدولة العبرية؟
الجواب بسيط للغاية. إن الشركات الاسرائيلية تبيع امتياز تلفيف بضائعها و منتوجاتها لشركات أوروبية (لاسيما الايطالية و الاسبانية) و هكذا يختفي أثر مصدر السلعة و المنتوج.
أو أن الشركات الاسرائيلية تعتمد على إحداث فروع لها بالمغرب و تقوم بخلقها شركات اسبانية أو غبرها. و هذا ما حصل مثلا بالنسبة لشركة “ريكافيم” و هي ممثلة في أكثر من مدينة مغربية و هي المعتبرة أنها تابعة للشركة الأم “ريكابير برشلونة” و لكنها في واقع الأمر هي فرع من فروع شركة “نيطافيم” و هي شركة اسرائيلية عابرة القارات.
و غالبا ما تصل المنتوجات الاسرائيلية إلى الأسواق المغربية بواسطة الخط البحري الذي تُؤمّنه شركة “زيماك” التابعة لشركة “زيم” الاسرائيلية التي تنقل المنتوجات من اسرائيل إلى برشلونة أو لشبونة و من ثمة إلى الدار البيضاء لتلج الأسواق المغربية بكل حرية و كأنها منتوجات أوروبية.
و لا يقف المر عند هذا الحد . إذ أن أغلب المساعدات الممنوحة للمغرب من طرف الاتحاد الاوروبي هي بالأساس مرصودة لقتناء تجهيزات الري الاسرائيلية و التقنيات و الآليات و الأدوات و المعدات المرتبطة به.
و ما دام أن الأمور سارت على هذا المنوال لذلك لم يبادر عبد الرحمان اليوسفي (الوزير الأول آنذاك) للإستجابة أو على الأقل الاجابة على ملتمس توقيف استقبال المنتوجات و البضائع الاسرائيلية بالمغرب و الذي وجهه إليه جملة من الفعاليات الديمقراطية المغربية.

زيارة وزير خارجية إسرائيل للمغرب
كانت أول زيارة لوزير إسرائيلي للمغرب بعد إغلاق مكتبي الاتصال التابعين لإسرائيل و المغرب في أكتوبر 2000 عقب إعادة اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الاسرائيلي “سيلفن شالوم” في صيف 2003.
و قد صرح الوزير خلال هذه الزيارة أن المغرب عليه أن يلعب دورا حيويا في دور الوسيط بين إسرائيل و الفلسطينيين، كما يمكنه أن يكون جسرا أكيدا لعلاقات إسرائيل مع دول أخرى.
كما صرح في مقابلة مع الاذاعة الاسرائيلية بعد عودته إلى تل أبيب قائلا، إن المغرب يريد استئناف العلاقات مع إسرائيل كما يرغب أن يكون شريكا نشطا في عملية السلام بالمنطقة، و هذا بالضبط ما يرحب به الاسرائيليون.
إسرائيل تكرم الملك الحسن الثاني

نشرت جريدة روسية أجرت حوارا مع الملك محمد السادس أن جلالته صرح لها بقوله أن والده كان صديقا لإسرائيل، و أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي أصدرت طابعا بريديا لتكريم الملك الراحل الحسن الثاني بعد وفاته.
و للإشارة فإن الدولة العبرية أطلقت إسم الملك الراحل الحسن الثاني على شوارع في جملة من المدن الإسرائيلية. و يبدو أن إسرائيل نفس الشيء بالنسبة لعاهل الأردن الراحل الملك حسين.
و فعلا إن الدولة العبرية هي التي كانت سباقة في العالم لإصدار طابعا بريديا لتكريم الراحل الملك الحسن الثاني.

آزولاي ، أكثر الأسماء العبرية ترديدا بالمغرب

آزولاي، هو إسم عائلة يهودية مغربية عريقة بالمغرب بل بالمغرب العربي. و ينتمي إليها عدة شخصيات ، أولهم أندري آزولاي الذي كان يدير شركة بفرنسا قبل أن يعينه الملك الراحل الحسن الثاني مستشارا له في الشؤون الاقتصادية و المالية و هو المنصب الذي ظل يحتفظ به في عهد الملك محمد السادس.
و ينتمي إلى هذه العائلة اليهودية المغربية شخصيات استقروا بإسرائيل. و من ضمن هؤلاء آريي جورج آزولاي و هو من مواليد فاس شغل منصب مدير مدرسة بمدينة أشدود الاسرائيلية (حيفا) و هو كذلك متصرف بقسم الشبيبة و بناة إسرائيل التابع للوكالة اليهودية، كما أنه يشغل حاليا منصب رئيس بلدية مدينة أشدود.
و هناك آزولاي دافيد و هو من مواليد المغرب سنة 1954 ، رجل تعليم و سياسي محتك عضو في الكنيست الاسرائيل و يمثل فيه الحزب الديني المتطرف “شاس” الذي يقال أن اليهود المغاربة لعبوا دورا كبيرا في مرحلة تأسيسه.
و هناك آزولاي سالمون و هو من موليد سنة 1926 بمدينة آسفي، رجل تعليم و ناشط صهيوني مرموق و من مؤسسي حركة نيطير الصهيونية.
و من القدامى هناك آزولاي أبراهام (1745) و هو من مواليد مراكش. و هناك آزولاي شالوم ( 1848 – 1922 ) و هو أحد أولياء اليهود مدفون بمدينة صفرو.
و هناك الكثيرين من المنتمين إلى هذه العائلة يحتلون مناصب عالية و متوسطة بالدولة العبرية حاليا.

أزولاي و أصراف…كالقط مع الفار

ربير أضراف لا يطيق أندري آزولاي مستشار الملك في الشؤون الاقتصادية و المالية، إنه “دم سنانو ” كما يقال.
و روبير أصراف هو يهودي مغربي من مواليد الرباط و هو الرئيس الحالي للاتحاد الدولي لليهود المغاربة. و قد سبق له أن تقلد عدة مناصب مهمة بالمغرب منها مكلف بمهمة بالكتابة الخاصة للملك سنة 1962 و مديرا عاما لمجموعة”أونا” سنة 1980.و كان روبير أصراف من المقربين من الملك الحسن الثاني.
و أضراف لا يطيق أندري آزولاي و يعتبره مراوغا ن بل تعثه بالكذاب في حديثة مع مجلة “تيل كيل”، و ذلك بحجة أن أزولاي أفهمه يوما أن عليه تنظيم رحلة لوفد من رجال الأعمال الإسرائيلين إلى المغرب استجابة لرغبة الملك الحسن الثاني. و هذا ما قام به فعلا و بامتياز لكنه فوجئ بغضب الملك لهذا الأمر و عوض أن يتحمل آزولاي مسؤوليته كاملة و توابع تصرفه غير المسؤول ، يقول أصراف ، اكتفى برمي الكرة في ملعب أصراف إذ قال أمام جلالته ” أصراف يبالغ دائما في الأمور”.
و تكهربت العلاقة أكثر بين الرجلين في شهر يوليو 1999 عندما منع آزولاي أصراف من حضور ندوة صحفية للملك.
و يقول أصراف أن آزولاي يخشاه لأنه ظل من المقربين للملك الحسن الثاني مستعد للخدمة و لمد يد العون و ليس للهث وراء تحقيق مصالح.
اللوبي الصهيوني بالمغرب و اللوبي المغربي بإسرائيل ؟؟؟؟؟

من المعلوم أن هناك لوبيا صهيونيا مزروعا في الجسد العربي من المحيط إلى الخليج, وبلادنا كذلك لها لوبيها. وقد بدا اللوبي الصهيوني يرسي دعائمه بالمغرب مع بداية الترويج للكذبة الصهيونية الاستعمارية و تهافت المتشبثين بأهدابها و على رأسهم آنذاك “اندري شوراقي” الكاتب العام للرابطة الإسرائيلية العالمية الذي اهتم أكثر من غيره بدراسة يهود شمال إفريقيا و من ضمنهم اليهود المغاربة. وبفضله لعبت الجريدة الصهيونية “نوار” الصادرة آنذاك دور تسميم عقول الشباب اليهودي المغاربة في الفترة الممتدة من منتصف أربعينات إلى فجر خمسينات القرن الماضي ، و هذا في وقت سادت فيه روح التعايش و التسامح و التناغم و التفاهم “العضوي” بين المغاربة المسلمين و اليهود. ولعل المجتمع البدوي في سوس و الأطلس الكبير و تافيلالت و ميدلت و غيرها من المناطق القروية المغربية أكبر دليل على دلك. علاوة على مساهمة الحرفيين المغاربة اليهود في تسليح مجاهدي عبد الكريم الخطابي البطل الريفي الذي حارب ببسالة الاستعمار الأسباني. إلا أن اللوبي الصهيوني بالمغرب, والدي كان في طور التأسيس آنذاك عصف بكل دلك. و هو لوبي مكون من الصهاينة و المتصهينين’ و قد تقوى عبر صيرورة “تصهين” فعلت فعلها على امتداد سنوات خلت حتى استطاع بلوغ قيادة و مراكز و جرائد.

و كانت أولى هجمات هدا اللوبي بمناسبة صلاة “بيصاح” (أي السنة القادمة في القدس) حيث تم استغلالها بدرجة كبيرة للترويج للكذبة الصهيونية. وآنذاك بالضبط نشط أحد رسل الصهيونية و أبرز مؤ طيرها بالمغرب “بروسبير كوهن” الذي دعا اليهود للتخلي عن الأمل في المسيح و البشرية. ومند ئد بدأت تقوية قاعدة اللوبي الصهيوني بالمغرب للحرص على تحقيق كل ما من شأنه خدمة الصهيونية آنيا و مستقبلا. هكذا و بتمويل سخي من طرف ادموند دو رولتشيلد تأسست أولى المؤسسات التعليمية العصرية الخاصة باليهود في المغرب, ودلك لتوفير الشروط “لإنتاج” نخبة يهودية مثقفة بالمغرب تخدم القضية الصهيونية. ومند البداية تم استئصال جذور هده النخبة عن واقعها المغربي عبر إدماجها و دمجها في نمط عيش غربي و عبر ربط مصالحها بالثقافة الغربية حتى وجدت نفسها غير قادرة على بلورة “تصور وطني” فعلي لجماهير اليهود المغاربة. وبدلك عملت على توجيه هؤلاء في اتجاه واحد لا ثاني له وبدون أي خيار آخر, الصهيونية و لا شيء آخر إلا الصهيونية, لاسيما وأن النخبة إياها استفردت بكافة اليهود المغاربة في ظل بنية و منظومة اجتماعيتين مطبوعتين بالانعزال الثقافي. وهكذا فعل تأثير اللوبي الصهيوني فعله و لم يتمكن حتى أولئك اليهود المغاربة الدين ساهموا فعلا و فعليا في حركة الكفاح الوطني المغربي, فكرا و سلاحا, من مواجهة سواء النخبة أو اللوبي الصهيوني فتركوا جماهير اليهود المغاربة في قبضة الصهيونية تفعل بهم ما تريد إلى أن تم ترحيلهم إلى الكيان الإسرائيلي في بداية ستينات القرن الماضي.

و لا يخفى على أحد الآن الدور الذي لعبه اللوبي الصهيوني بالمغرب في مفاوضات “ايكس ليبان” المتعلقة بالاستقلال السياسي للمغرب, وهدا إن كان يدل على شيء فإنما يدل على قوة هدا اللوبي الذي لم يتوقف عن تمتين دعائمه مند أربعينات القرن الماضي, ولازال تأثيره و فعله بارزين للعيان لحد الآن.
لقد عمل اللوبي الصهيوني العالمي على خلق صلات بين المغرب و إسرائيل حتى قبل الاستقلال. ولقد ألح المهدي بنبركة أكثر من مرة على تلك الصلات القائمة بين البلدين يهودا و حكومة. كما صرح أكثر من مرة أنها صلات قائمة على الأقل مند 1955. علاوة على أن بعض المؤرخين و المحللين السياسيين كشفوا عن دور يهود المغرب في تفعيل و تغيير موقف السلطات الفرنسية حول ما وقع بالمغرب في بداية الخمسينات, لاسيما فيما يخص رهان فرنسا- الذي كان خاسرا مسبقا- على تنصيب “بن عرفة” سلطانا على المغرب حيث كان الأولى هو عودة محمد الخامس إلى عرشه بعد ترتيب الأمور معه فيما يخص المستقبل. كما كشفوا أن قضية اليهود تمت إثارتها في المفاوضات المتعلقة بالاستقلال السياسي, حيث حصل الاتفاق على اعتماد ترتيبات وفق جدول زمني لتسهيل سفر أعداد كبيرة من يهود المغرب إلى إسرائيل في هدوء و دون دعاية و”شوشرة”… هكذا و على امتداد أقل من عشر سنوات وصل عدد اليهود المغاربة المهاجرين إلى إسرائيل ما يناهز ثلاثمائة ألف مهاجر في صمت تام و دون “هرج”, كما سمح لليهود الباقين بالبلاد بربط صلات غير مقيدة مع أهاليهم و دويهم الدين فضلوا الهجرة.
و عاد المرحوم محمد الخامس إلى عرشه في نوفمبر 1955, في وقت كان فيه الشرق الأوسط يعيش توترا كبيرا و شديدا, و ظهرت فيه نوايا فرنسا للتعاون مع إسرائيل و الإنجليز للتصدي لمصر التي كانت تساند و تدعم الثورة الجزائرية.
ولولا دور اللوبي الصهيوني بالمغرب, يقول بعض المحللين ومن ضمنهم أبراهام السرفاتي لما نجحت صفقة فتح الباب لهجرة يهود المغرب إلى الكيان الإسرائيلي, لاسيما ادا علمنا طبيعة صلات الصهاينة آنذاك بفرنسا.

و يذهب بعض المحللين السياسيين إلى الاعتقاد أن طرح قضية تمثيلية الشعب الفلسطيني من طرف منظمة فتح دون غيرها, كانت بفعل اللوبي الصهيوني لأن إسرائيل كانت تريد التخلص من دور عاهل الأردن( الملك حسين آنذاك) في القضية الفلسطينية, لاسيما و أنه كان هو الوحيد الذي في استطاعته إحراج الكيان الصهيوني قانونيا على المستوى الدولي بالمطالبة بالعودة إلى خطوط ما قبل يونيو 1967 ارتكازا على مضمون نص قرار مجلس الأمن رقم 242 و الذي صدر كما هو معروف في وقت لم تكن فيه منظمة التحرير الفلسطينية قد ظهرت بعد. كما أنه من المحتمل جدا أن يكون اللوبي الصهيوني قد لعب دورا كبيرا في تمكين الموساد من الاستماع و التنصت على مؤتمرات القمة العربية المنعقدة في الستينات.
ولقد ورد في كتاب “المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل” أن الجنرال المغربي الدليمي حمل سنة 1976 أول رسالة من رئيس الوزراء الإسرائيلي “إسحاق رابين” إلى الرئيس المصري أنور السادات. كما جاء فيه أن اللوبي الصهيوني بالمغرب عمل جاهدا من أجل ترتيب أول اجتماع سري بين مبعوث رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن(الجنرال موشي ديان) و مبعوث الرئيس السادات (حسن التهامي) في شتنبر 1977. ومن القضايا التي ساهمت في كشف قوة اللوبي الصهيوني بالمغرب أساليب و آليات الدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل. فمن المعروف أن المغرب كان الداعي لأول مؤتمر اقتصادي بين العرب و إسرائيل سنة 1992 في الدار البيضاء. وكان هدا المؤتمر محاولة جريئة في تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية. وقد اعتبرها البعض من بصمات فعل اللوبي الصهيوني.

كما أن تتبع جملة من المواقف و الممارسات و المهام من شأنها توضيح وجود اللوبي الصهيوني بالمغرب.
لقد أكدت “ستيلا” و هي ابنة عم أبراهام السرفاتي أن الشخصيات و الأعيان اليهود المغاربة رفضوا التوقيع على عريضة الاستقلال بإيعاز من اللوبي الصهيوني. كما أن الكل يعلم أن “سيرج بيرديغو”(و هو وزير سابق للسياحة بالمغرب) تربطه علاقات وطيدة بحزب ميفدال الإسرائيلي و هو حزب يميني متطرف, كما أنه هو الكاتب العام للطائفة اليهودية بالمغرب و آنذاك عمل على إعداد العدة لتنظيم مؤتمر المنظمة الصهيونية العالمية بمراكش. و هدا “روبير أصراف3 الذي كان صديقا حميما للجنرال أفقير و كانت تربطه به علاقات وطيدة أثارت أكثر من جهة علاقته بالمخابرات الإسرائيلية(الموساد) و دوره المتميز و الفعال في ترحيل و تهريب اليهود المغاربة إلى إسرائيل, وحضوره أكثر من مرة كمؤتمر بالمنظمة الصهيونية العالمية رغم أن الأمم المتحدة تعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية المنبوذة من طرف العالم بأسره.
ومن الأحداث كذلك عقد لقاء سري سنة 1999 بفندق “الميراج”(أي السراب) بمدينة طنجة جمع بين مسؤولين إسرائيليين و مسؤولين مغاربة و لم يعلم أحد ما دار في دلك الفندق الواقع خارج المدينة في منطقة منعزلة.

ومن بصمات اللوبي الصهيوني كذلك الحملة التي استهدفت الفنان الساخر المغربي أحمد السنوسي وكل من أحيوا يوم انتصار الشعب اللبناني على إسرائيل والدي نظم في غضون سنة2000. و ما هده إلا علامات لوجود هدا اللوبي و هدا ما دفع الدكتور المهدي المنجرة أكثر من مرة إلى القول بأن الصهاينة يتحكمون في أكثر من بلد عربي.

وهدا من جهة أخرى دفع البعض إلى التساؤل حول إمكانية وجود لوبي مغربي بإسرائيل. فادا كان من المعروف و المعلوم أن لليهود تأثيرا واضحا في العالم, لأنهم شكلوا ولازالوا قوة فاعلة و مؤثرة في الولايات المتحدة الأمريكية, فهل اللوبي المغربي بإسرائيل, في حالة وجوده فعلا, في استطاعته القيام بمثل هدا الدور داخل الكيان الإسرائيلي و بدلك تكون له إمكانية التأثير حتى في اللوبي اليهودي بأمريكا و بالتالي في العالم؟ فهل هده حقيقة أم مجرد وهم؟ وهل هناك فعلا ما يدعو للحديث عن إمكانية وجود لوبي مغربي بإسرائيل؟

يعرف الجميع أن وضعية اليهود بالمغرب في الخمسينات و الستينات من القرن الماضي كانت مريحة و آمنة أكثر من أي بلد آخر في العالم, وربما حتى أكثر من أمريكا نفسها. آنذاك كان عصر ازدهار الجماعات اليهودية و حيويتها بالمغرب. فالآباء و الأجداد لازالوا يتذكرون أجواء حفلات “ملاح”(حي اليهود) بمدينة فاس و سلا و صفرو و ميدلت و مدن أخرى حيث تعايش اليهود المغاربة ضمن قبائل الأطلس و الجنوب وتافيلالت ودلك بالرغم من دسائس الاستعمار الرامية إلى التفرقة, وهو الذي لم يبخل بأي جهد على امتداد قرن من الزمن لبلوغ مراميه. آنذاك نشط أتباع الصهاينة كثيرا, لاسيما أولئك الدين تشبثوا بالكذبة الاستعمارية الصهيونية و تعلقوا بأهدابها حتى أضحت حقيقة أمر واقع مفروض. وتكفي مضامين مؤلفات “اندري شوراقي” لتبيان دلك.

لقد ظهرت أولى علامات تأسيس لوبي مغربي مند المفاوضات المرتبطة باستقلال المغرب اد طرحت هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل بحدة. وقد تم الاتفاق كما سبق الذكر على ترتيبات لتسهيل هجرة جماعية إلى الكيان الإسرائيلي. و التتبع لهده العملية لاشك أنه لاحظ في غضون عشر سنوات وصل عدد اليهود المغاربة المرحلين إلى إسرائيل قد فاق300 ألف شخص. كما حصل الاتفاق على السماح لليهود النازحين بإبقاء صلات مع دويهم, اد ظل بالمغرب ما يناهز200 ألاف يهودي مغربي. و قد قيل آنذاك أن المؤسسات اليهودية(ومن ضمنها الحكومة الإسرائيلية) قد تعهدت بالعمل على التعاون للحفاظ على استقرار الأوضاع بالمغرب. و عموما كانت هجرة اليهود من مراكز تجمعهم مقيدة بشروط معينة في باقي الدول, إلا أن التجمع اليهودي بالمغرب لعب دورا أساسيا في الهجرة و تعمير إسرائيل, خصوصا وأن يهود أمريكا تم يكونوا راغبين في الهجرة للاستقرار بالكيان الإسرائيلي رغم استعدادهم الكبير و غير المشروط للدعم المالي و السياسي و الدبلوماسي و الاقتصادي و العسكري, اد أنهم فضلوا المكوث بالولايات المتحدة الأمريكية. أما يهود وسط أوروبا و شرقها, نظرا لوقوعهم تحت هيمنة الاتحاد السوفياتي فقد كان من العسير عليهم أن يهاجروا جماعات جماعات بدون مضايقات. هكذا كان اليهود المغاربة مصدر الهجرة الواعدة آنذاك. وليس خاف على أحد أن يهود المغرب, في أغلبيتهم الساحقة, كانوا يتطلعون بشوق كبير و حماس عظيم للمشروع الصهيوني آنذاك بفلسطين المغتصبة, و دلك بفعل التأطير القوي لدعاة الصهيونية.
وقد يقول قائل أن التجمع اليهودي بالمغرب لم يكن هو الأهم في العالم من حيث العدد. فعلا, من المعروف أن اليهود انتشروا مند القدم حوت البحر الأبيض المتوسط الذي شكل بؤرة التجارة العالمية, و في هدا الإطار كان المغرب يعتبر من أكبر مراكز تجمع اليهود. إن عددا كبيرا منهم كانوا قد فروا من الأندلس للاستقرار بالمغرب, و حسب الإحصائيات المتوفرة كان المغرب يحتل المرتبة الثالثة في هدا الصدد بعد أمريكا(6 ملايين) و أوروبا الوسطي و الغربية قبل الحرب العالمية الثانية(3 ملايين من الأشكناز و هم يهود الغرب) ويأتي بعدها المغرب(700 ألف و معظمهم من السافرديم و هم يهود الشرق). وهده مؤشرات من شأنه تأكيد دور اليهود المغاربة بإسرائيل مند نشأتها إلى حد الآن. فالدارس لتاريخ اليهود المغاربة يعرف حق المعرفة مواقع تأثيرهم في إسرائيل, مجتمعا و دولة و حكومة, حيث أن لهم هناك حزب سياسي يعتبر من أهم الأحزاب ذات الثأتير رغم عدم بروزها بالشكل الواضح و الجلي( حزب الشاس), علاوة على أنهم يشكلون عمودا أساسيا في البناء السياسي الإسرائيلي. و لا يخفى على أحد أن الساسة الإسرائيليين يحسبون ألف حساب لعلاقة المغرب بيهوده و لدورهم في قلب المجتمع العبري. ومند كانت هجرتهم في أوجها بدأت تطفو على السطح عدة تساؤلات على صعيد الدوائر العليا للدولة بالمغرب فيما يخص الموقف من إسرائيل و كيفية النظر إليها و التعامل معها. اد ظهرت علامات مند مند الخمسينات و فجر الستينات تشير إلى أنه ظلت صلات بين المغرب و إسرائيل حينما برزت أهمية الجالية اليهودية بالمغرب نظرا لغناها و نفوذها بين يهود الولايات المتحدة الأمريكية و حتى يهود إسرائيل الدين كان من ضمنهم يهود من أصل مغربي هاجروا مبكرا إلى فلسطين. ومن الواضح أن اليهود المغاربة لعبوا دورا حيويا في الاتجاه الذي سارت فيه الدولة العبرية و حكوماتها. ويمكن استشفاف هدا الأمر انطلاقا من الدور الذي لعبه المغرب في تهيئ الشروط الحاسمة التي أعطت الانطلاقة لمسلسل السلام بالشرق الأوسط رغم التناقض الظاهر لمواقف حزب الشاس من القضية, وهو حزب ساهم في تقويته اليهود من أصل مغربي.

كما أضحى معلوما أن المغرب عمل على تأسيس منظومة من العلاقات بباريس اخترقت حتى أجهزة الأمن و المخابرات الفرنسية, و كانت هي الانطلاقة للوصول إلى اختراق الموساد. ومن المؤشرات التي تفيد بدلك مشاركة الموساد بدور نشيط في تتبع تحركات المهدي بنبركة و خطة إيقاعه ثم اختطافه, و هدا ما أوضحته وثائق ملف التحقيق في قضية اغتيال المهدي بنبركة بعد سقوط طابع سر الدولة عنها.
و اليهود من أصل مغربي يشكلون اكبر جالية يهودية وافدة على إسرائيل اد أن عددهم يناهز 900 ألف نسمة. وقد ساهموا في مختلف مجالات حياة المجتمع الإسرائيلي و ولجوا الوظائف الحكومية و السياسية و منهم نواب في الكنيست أو مناصب حساسة و استراتيجية, و على سبيل المثال لا الحصر يمكن ذكر دافيد ليفي الذي كان وزيرا للخارجية و هو المولود بالمغرب حيث قضى شبابه بمدينة الدار البيضاء و الرباط و عيره كثيرون في مختلف المجالات.
إن كل ما سبق يشير بقوة إلى احتمال كبير لإمكانية وجود لوبي مغربي بإسرائيل, ويبدو أن المغرب من بين البلدان القلائل الدين يتوفرون على هده الوضعية. فهل في امكان هدا اللوبي الفعل في اللوبي اليهودي بالولايات المتحدة الأمريكية في اتجاه يخدم المغرب أم لا ؟ أم أن هده الوضعية تعتبر في واقع الأمر نقمة لأن العم سام و معه أوروبا لن يسمحا لأي بلد من الجنوب إن يتوفر على مثل هدا اللوبي الذي من شأنه الفعل على الصعيد الدولي سواء مباشرة أو بطريقة غير مباشرة؟؟ و هدا مجرد تساؤل الداعي إليه هو الآتي :
إن اللوبي الإسرائيلي يلعب دورا مهما على الصعيد العالمي و هدا أكيد و لا نقاش بصدده. كما أن هدا اللوبي مرتبط ارتباطا عضويا بإسرائيل التي فيها لوبي مغربي لديه من الشروط للتوفر على قدرة الفعل, فهل يمكن لهدا اللوبي إن يخدم مصالح المغرب و القضية العربية بشكل أو بآخر؟؟؟

المراجع

مجلة أنفاس المغربية(أعداد السبعينات), مؤلفات أندري شوراقي , مذكرات ح. هيكل , كتاب : المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل

::. إدريس ولد القابلة




تعليق واحد على “ملف: المغرب و اليهود و الموساد”

  1. سعيد عنترة علق:

    ملوك الظوائف
    أعتقد أن الحال الساسة اليوم يشبه الوضع في زمن الملوك الطوائف
    في الأندلس ، المصلحة الأنانية ، الضرفية ،تغلب على مصالح الأمة
    الحالية والمستقبلية